العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الفعل الاحتجاجي في المغرب وأطروحة الحرمان: في الحاجة إلى تنويع المقاربات التفسيرية

الفعل الاحتجاجي في المغرب وأطروحة الحرمان: في الحاجة إلى تنويع المقاربات التفسيرية

Protest in Morocco and the Deprivation Thesis: The Need to Expand Interpretive Approaches

* Elhabib Stati Zineddine | الحبيب استاتي زين الدين

الملخّص

يلاحظ شبه إجماع بين كثير من الباحثين على وجود محرك رئيس للفعل الاحتجاجي، هو الإحساس بالحرمان النسبي بوصفه حافزًا رئيسًا للتعبير العلني على الظلم و"الحُكْرَة" النقيض الأمثل، مغربيًا، لمفهوم "الكرامة" و"الاحترام" و"المساواة". والحاصل أن الاعتماد الكلي على نظرية واحدة في تفسير هذا الفعل، يحجب عنا فهم تحولات هذه الممارسة الجماعية في الشكل والمضمون والمجال. كما تتضح ضرورة التركيز على الأهداف التي يحددها المحتجون كفاعلين عقلانيين يتصرفون انطلاقًا من حاجات دقيقة، وعلى الموارد التي يوظّفونها لتحقيق مسعاهم، من دون إغفال السياق الاجتماعي والسياسي والثقافي والتاريخي الذي سيفرز هذه الفاعلية المتلائمة مع الفرص والإمكانات المتاحة ومدى قدرتها على تفسير مجريات الحوادث وإضفاء معاني عليها.

Abstract

Abstract: There is near consensus among researchers that the primary driving force for protest action is a feeling of relative deprivation, which motivates the open expression of a feeling of oppression. In the Moroccan context, this feeling is the opposite of concepts of «dignity», «respect», and «equality». However, sole reliance on a single theory to explain social action prevents an understanding of this collective practice in terms of form, content, and scope. There is also an evident need to focus on the goals as defined by protestors as rational actors, whose behaviour results from specific needs, and on the resources they employ to achieve them. This analysis is undertaken with reflection on the social, political, cultural, and historical context that produces these actions, in line with the opportunities available, and their ability to explain the course of events and give them meaning.

الكلمات المفتاحية:
  • الحرمان
  • الاحتجاج
  • التمييز
  • التفسير
  • التنوع
  • الحُقْرَة
Keywords:
  • Deprivation
  • Protest
  • Discrimination
  • Interpretation
  • Variety
  • Huqra

ملخص: يلاحظ شبه إجماع بين كثير من الباحثين على وجود محرك رئيس للفعل الاحتجاجي، هو الإحساس بالحرمان النسبي بوصفه حافزًا رئيسًا للتعبير العلني على الظلم و«الحُقْرَة» النقيض

الأمثل، مغربيًا، لمفهوم «الكرامة» و«الاحترام» و«المساواة». والحاصل أن الاعتماد الكلي على

نظرية واحدة في تفسير هذا الفعل، يحجب عنا فهم تحولات هذه الممارسة الجماعية في الشكل والمضمون والمجال. كما تتضح ضرورة التركيز على الأهداف التي يحددها المحتجون كفاعلين

عقلانيين يتصرفون انطلاقًا من حاجات دقيقة، وعلى الموارد التي يوظ فونها لتحقيق مسعاهم، من دون إغفال السياق الاجتماعي والسياسي والثقافي والتاريخي الذي سيفرز هذه الفاعلية المتلائمة مع الفرص والإمكانات المتاحة ومدى قدرتها على تفسير مجريات الحوادث وإضفاء معاني عليها.

Abstract: There is near consensus among researchers that the primary driving force for protest action is a feeling of relative deprivation, which motivates the open expression of a feeling of oppression. In the Moroccan context, this feeling is the opposite of concepts of «dignity», «respect», and «equality». However, sole reliance on a single theory to explain social action prevents an understanding of this collective practice in terms of form, content, and scope. There is also an evident need to focus on the goals as defined by protestors as rational actors, whose behaviour results from specific needs, and on the resources they employ to achieve them. This analysis is undertaken with reflection on the social, political, cultural, and historical context that produces these actions, in line with the opportunities available, and their ability to explain the course of events and give them meaning.

مراكش، المغرب.

Philosophy Teacher in Secondary Education, Casablanca, Morocco. He holds a PhD in Political Science from Cadi Ayyad University, Marrakesh, Morocco.

ما عادت تعد الممارسة الاحتجاجية في المغرب، اليوم، مجرد فعل دوري يُحسب فيها الفارق بين محطاتها بالشهور أو الأعوام، إنما تحوَّلت إلى حركة دائمة متواترة في الزمان والمكان؛

اعتبرها المغاربة في السابق السلاح الأمثل للدفاع عن استقلالهم وهويتهم الوطنية في مواجهة الاستعمار، ثم شكلً من أشكال الاعتراض السياسي على السلطة الحاكمة بعد الاستقلال، وكذلك مؤشّرًا على تحرير الفضاء العام وضعف السياسات الاجتماعية مع بداية التسعينيات، قبل أن تصبح

وسيلة للمطالبة بالإصلاح السياسي، تزامنًا مع موجة الاحتجاجات في المنطقة العربية، بفعل تطور وسائل الاتصال الجديدة، بما فيها مواقع التواصل الاجتماعي، وأزمة الديمقراطية وهشاشة التنمية المحلية. هذا الانتقال من الاحتجاج التحرري بقيادة الحركة الوطنية إلى الاحتجاج المسيَّس التصادمي بقيادة

الهيئات النقابية والسياسية، ثم بروز احتجاجات سلمية سوسيو - اقتصادية تحركها الزيادة في الأجور ومقاومة الغلاء وترسيم المياومين والمطالبة بتوفير فرص العمل وخفض الرسوم والضرائب وتوفير الخدمات الصحية والاجتماعية، إلى الاحتجاج السياسي الشبابي الذي طالب بإصلاح سياسي ودستور حقيقي، غير منفصل عن الملف الاجتماعي، يحيل على خصوصية الأنموذج المغربي الذي يجعلنا في حاجة إلى مواءمته مع ما تنتجه السوسيولوجيا السياسية. إذا أردنا، مثلً، تفسير الظاهرة الاحتجاجية في المغرب، فهل يمكن الاكتفاء بمدخل نظري واحد (حالة نظرية الحرمان النسبي) دون باقي المداخل التفسيرية الأخرى (الكلاسيكية كالنظرية الاجتماعية، والحديثة كنظرية تعبئة الموارد، ونظرية الفرصة السياسية، ونظرية التأطير)؟ إلى نحو منتصف شباط/فبراير 2011، كان عدد كبير من المحللين السياسيين ينظر إلى المغرب على أنه أنموذج كرّس «الاستثناء» قياسًا إلى الوضع العام المضطرب الذي يعيش على وقعه بعض البلدان

العربية، ومنهم من بقي متفائلً بشأن طرح «الانتقال الديمقراطي» بفضل المسار الإصلاحي الذي انخرطت فيها المملكة منذ التسعينيات. الملاحظ أن ما يجمع بين هاتين الأطروحتين (الاستثناء والانتقال) هو الإعلاء من قيمة الإصلاح الداخلي «من الأعلى»، في مقابل التقليل من إمكانات التغيير «من الأسفل». غير أن الخروج المكثّف لشباب الإعلام الاجتماعي، وقدرته على التنظيم والتعبئة الشعبية، وإصراره على إحداث التغيير، وانتزاع تنازلات غير مسبوقة في عام 2011، أوجبت إعادة النظر في هذه التحليلات، وفرضت نوعًا من الحذر في قراءة ما وقع، وبالتالي التريث في التنبؤ بما سيجري مستقبلً، والإيمان أن الفعل الإنساني، على العكس من الحدث الطبيعي والفيزيائي، يبقى، على الرغم

(((عبد الرحيم العطري، الحركات الاحتجاجية بالمغرب: مؤشرات الاحتقان ومقدمات السخط الشعبي، تقديم إدريس بنسعيد، دفاتر وجهة نظر 14 (الرباط: منشورات دفاتر وجهة نظر، 2008)، ص.184 (((تقوم نظرية »الاستثناء المغربي» على مقولتين أساسيتين، ترى الأولى أفضل في المغرب والاجتماعية الاقتصادية الأوضاع أن بكثير مما هي عليه في تونس ومصر وغيرها من البلدان العربية، فلا معنى لأي حركة احتجاجية إلا أن يكون هدفها التقليد فحسب.

المقولة أما الثانية، فتشير إلى أن في المغرب نظامًا ملكيًا يقوم على إمارة المؤمنين، الأمر الذي يمنحه شرعية دينية وتاريخية ترفعه

عن أي نقاش محتمل بشأن استمراريته. يُنظر: «تعديل الدستور في المغرب: إصلاح أم احتواء التحول الديمقراطي؟»، تقدير موقف،

المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، تموز/يوليو 2011، ص.1

من التقدّم التكنولوجي والعلمي، في بعض جوانبه، غامضًا وغير متحكَّم به، وهنا مكمن خصوصيته وصعوبته ومتعته. هذه الخصوصية التي يمتاز بها الفعل الإنساني، في الاجتماع والسياسة، تكشف عن أن القول بكون نظرية الحرمان النسبي، قادرة على التنبؤ بالظواهر، استنادًا إلى دراسات تجريبية، ودراسات حالة، تصلح لمجموعة من الحالات، يحتاج في الوقت الراهن إلى مراجعة النماذج المعرفية والأنساق الفكرية الكلاسيكية وتجديدها، قصد تزويد الباحث في العلوم الاجتماعية والسياسية بما يلزم من مناهج تفكير جديدة، تسعف في تفكيك العوامل والشروط الكفيلة بتفسير أي فعل احتجاجي في الحاضر والمستقبل وفهمها. وجدير بالذكر أن دوافع هذا التجديد لا تعزى إلى الحماسة التي يبديها الباحثون العرب، بشكل عام، والمغاربة على وجه التحديد، إلى القراءات الكلاسيكية للاحتجاج، أو بحكم غياب تجارب ميدانية لباقي النظريات أو الترجمة المتأخرة لها فحسب، بل لأن الممارسة الاحتجاجية أصبحت تتعدد دوافعها وموضوعاتها وتعبيراتها. ولعل الهدف المنشود، في نهاية الأمر، هو الدفع بالبحث الجامعي في بلادنا إلى الاهتمام الممنهَج بهذا الموضوع، خصوصًا أن معطيات الجامعات والمراكز البحثية العلمية ما زالت محدودة ومتواضعة جدًا بشأن الاختبار الميداني للخطاب الأكاديمي الذي تعتمده هذه الطروحات النظرية، بشكل لا يتماشى واتساع هامش الحرية، وتنامي الوعي بضرورة الانتقال التدريجي من التجريد النظري إلى التجريب العلمي في بلادنا في أفق فهم الأسباب المتحكمة بتصاعد حدة الممارسة الاحتجاجية، والتي ما عاد يشكل داخلها ما هو نفسي أو مادي إلا جزءًا ضئيلً؛ إذ أحيانًا يخرج الناس احتجاجًا على الحرمان من مطالب غير مادية، مثل

«العدالة» و«الكرامة» و«الحرية» و«الديمقراطية»، كما أصبح من الصعب قبول افتراض أن العنف الذي يشكل أحد أهم أسس نظرية الحرمان النسبي هو وحده الكفيل بضرورة أخذ المتطلبات الجماعية في الاعتبار بسبب الأدوار الرئيسة التي يمارسها - اليوم - الاحتجاج السلمي في التغيير الاجتماعي والسياسي. إن هناك تاريخًا كبيرًا من كفاح اللاعنف لم يكن من مصلحة الطغاة تسجيله أو تدريسه، لأن

مصلحتهم، من وجهة نظر «جين شارب»، تكمن في تعليم أن العنف هو الذي ينجح لأن لديهم القدرة الأكبر على العنف. لهذا، سيكون لديهم فرصة أكبر للحفاظ على طغيانهم إذا آمن المضطهدون بالعنف أيضًا، فضلً عن أن المحتجين ليس عليهم المحاربة بأفضل أسلحة عدوهم؛ فعوضًا عن استعمال

(((سلمان بونعمان، فلسفة الثورات العربية: مقاربة تفسيرية لنموذج انتفاضي جديد، دراسات فكرية (1) (بيروت: مركز نماء للبحوث والدراسات، 2012)، ص.81 (((المرجع نفسه، ص.83 (((عبد الحي مودن، «الرجة الثورية العربية على ضوء نظريات الثورات والاحتجاجات»، ورقة مقدمة في: عبد الحي مودن،

عبد الأحد السبتي وإدريس كسيكس، أسئلة حول انطلاق الربيع العربي، تقديم الطيب بن الغازي، سلسلة بحوث ودراسات رقم 49 (الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2011)، ص.36 (((جين شارب، «كفاح اللاعنف: وسيلة فعالة للعمل السياسي»، لقاء مطول أجراه عفيف صافية مع جين شارب في ما بين عامي

1986 و 1987 حول إجراءات اللاعنف ضد العنف السياسي، ترجمة أحمد العلمي، ص.7 نُشر ملخص المقابلة في جريدة الفجر الإنكليزية في 2 أيار/مايو 1986. هنا حرر البحث ووسع ليشمل النص كله. وفي آذار/مارس 1987 أجرى عفيف المقابلة مجددًا

لتحديد الأبعاد الكامنة وراء كفاح اللاعنف الفلسطيني.

العنف، لديهم فرصة أعظم في اختبار أسلحة نفسية واجتماعية وسياسية واقتصادية تجعلهم أقوى من قوى الطغاة الذين يفشلون غالبًا إزاءها في الأمد البعيد. لتحقيق مسعى فهم هذا التداخل الذي يكشف عنه الفعل الاحتجاجي، بتأرجحه بين ما هو مادي وما هو غير مادي، وبانتقاله التدريجي من الجانب اللاعقلاني الفوضوي إلى الجانب العقلاني البراغماتي، سنتناول في القسم الأول أهم الأسس النظرية التي تُبنى عليها نظرية الحرمان النسبي، فيما سنتخذ في القسم الثاني هذه الأطر النظرية آليات لتفسير الممارسة الاحتجاجية في المغرب. أما القسم الثالث، فسيخصص لعرض أوجه محدودية الاقتصار على مقترب الحرمان في فهم مدخلات هذه الممارسة ومخرجاتها التي صارت متجذرة في الثقافة المجتمعية.

الأسس النظرية لأطروحة الحرمان النسبي

لا نكاد نعثر على تعريف مُوحَّد جامع لمفهوم النظرية، أكان في شكله البنائي أم الوظيفي، غير أن معظم التعريفات تعتبرها نسقًا من المقولات المترابطة منطقيًا، وشبكة من التعميمات الاستدلالية

القائمة على خصوصيات؛ فالنظريات تفسر وتتنبأ، وهي بمنزلة إيجاز يمنح الوقائع تماسكًا منطقيًا،

بما يفيد أن النظرية لا تخالف الواقعة، بل لا تأخذ الوقائع معنى إلا من خلال النظرية، باعتبارها نسقًا من الأفكار أو الأحكام التي تُراعَى كتوضيح أو تفسير لكيفية حدوث هذه الوقائع أو الظواهر. على الرغم من أن الممارسة الاحتجاجية قديمة في التاريخ الإنساني، فإن استعمالها كمفهوم نظري يبقى حديثًا، حيث ارتبط في جوهره بما أنتجته السوسيولوجيا السياسية الغربية، في إطار دراستها الحركات الاحتجاجية منذ الستينيات. وكانت قد صيغت مقاربات كثيرة في إطار هذه الدراسة، تستند

(((هناك أنواع عدة من أسلحة اللاعنف بحسب جين شارب. أولً هناك الأسلحة الرمزية، وهذه ضعيفة رمزيًا وتشمل الاحتجاج

والإقناع ب عنف. وتشمل هذه أربعًا وخمسين وسيلة - واسعة التدرج من الخطابات العامة والبيانات والالتماسات الجماعية

والمنشورات، استعمال الرموز والشعارات، الملصقات، الجرائد والمج ت، والتسجي ت- التي استعملت في إيران في أثناء الكفاح ضد الشاه. ووسائل أخرى من الاحتجاج الرمزي تشمل الترويج للفكرة والتمثيل لدى المسؤولين، والمرابطة أمام المؤسسات للترويج عن الفكرة ورفع الأعلام، ووضع علامات جديدة، إعادة تسمية الشوارع، الصلاة، والعبادة، وإظهار صور الزعماء الوطنيين. يمكن استعمال ضغوط مختلفة على الأفراد: التآخي، توبيخ المسؤولين وملاحقتهم في الأوقات كلها، في النهار والليل، كما يمكن استعمال الموسيقى والتمثيليات والأغاني، والتعليم والاجتماعات العامة، المسيرات والطوابير الدينية. يُنظر: المرجع نفسه. (((محمد الغالي، المختصر في أسس ومناهج البحث في العلوم الاجتماعية، أبحاث وأعمال جامعية: سلسلة الدراسات: السياسية، القانونية، الاجتماعية (1) (الرباط: مكتبة المعرفة، 2005)، ص.72 (((توماس ه. جرين، الحركات الثورية المقارنة: بحث عن النظرية والعدالة، ترجمة تركي الحمد، سلسلة السياسة والمجتمع (بيروت: دار الطليعة، 1986)، ص.197 (((1 طوني بينيت، لورانس غروسبيرغ وميغان موريس، مفاتيح اصطلاحية جديدة: معجم مصطلحات الثقافة والمجتمع، ترجمة سعيد الغانمي (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2010)، ص 287،.692 (((1 نصر محمد عارف، إبستمولوجيا السياسة المقارنة: النموذج المعرفي - النظرية - المنهج (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 2002)، ص.72 (((1 عبد الرحيم العطري، «سوسيولوجيا الحركات الاجتماعية»، إضافات: المجلة العربية لعلم الاجتماع، العدد 13 (شتاء 2011)، ص.17

إلى المرجعيات الفكرية والأيديولوجية والعلمية التي ينطلق من خلالها كل مفكر أو باحث. فكانت النتيجة الطبيعية لهذه الوفرة ظهور درجة كبيرة من التنوع والاختلاف، بل والتضارب في المقاربات والنظريات، إلى جانب الصراعات المطوَّلة بين ممارسيها، والتحولات السريعة التي تعرفها في ضوء

الانتقادات والانتقادات المضادة التي يتزعمها رواد كل مقاربة على حدة، كما هي الحال بالنسبة إلى نظرية الحرمان النسبي، في إشارة قوية إلى أن كل جهاز معرفي مرتبط باختيارات وتوجهات ومصالح؛ فهي الأداة والشرط الضروري لبناء المعرفة العلمية، خصوصًا إذا كانت هذه المعرفة مقترنة بموضوع مركَّب يهتم به السوسيولوجي والاقتصادي وعالم السياسة والفاعلون والقادة داخل المجتمع. يُعتبَر تيد روبرت غير المنظِّر البارز لنظرية الحرمان النسبي، ويمثّل كتابه لماذا يتمرد البشر؟ تركيبًا لكثير

من الفرضيات بشأن العنف السياسي؛ إذ كان أحد أهدافه، في الحقيقة، تبيان كيف أن الفرضيات كلها تقريبًا، والنظريات المتعلِّقة بالعنف السياسي، يمكن أن تصنَّف ضمن الحرمان النسبي. وتشمل

متغيراته في هذا المجال: المدى الذي عنده يحس الفرد بالحرمان في حياته الاجتماعية والسيكولوجية، ثم موقف الفرد تجاه ملاءمة وفاعلية العنف السياسي. على خلفية حركات الاحتجاج الطلابية في الستينيات، تناولت هذه النظرية العامل النفسي كمتغير وسيط بين العوامل الاقتصادية وانعكاساتها السياسية، من منطلق أن الأبعاد النفسية للحرمان الاقتصادي، يكون لها دور أساسي في حفز الثورة والعصيان أو العنف. وفقًا لهذا الطرح يحلّل تيد غير الحرمان بوصفه حالة توتر تنتج من التناقض بين أوضاع الإنسان أو مجموعة من البشر وتطلعاتهم إلى الحصول على الرفاهية أو الأمن أو التحقق الذاتي، وليس أوضاعهم الاقتصادية بحد ذاتها. ومن ثم، فإن عمق ومدى الشعور بالإحباط الناتج من إدراك الحرمان هو الحافز الرئيسي للعصيان الجماهيري. فكلما زادت رقعة الحرمان في المجتمع، وتقلصت شرعية النظام، ونمت الأفكار الثورية، كانت قدرة الناس على الثورة والتمرد كبيرة. هذا ما ألمح له إريك هوفر بتحليل الشروط النفسية للاحتجاج، مبرزًا أن الناس لا يحتجّون على

حكّامهم بدافع الفقر أو الجوع، بل بدافع التطلع نحو مستقبل أفضل. ولا تهم طبيعة الرجل الذي يحركه الأمل الجامح، ربما يكون مثقفًا متحمسًا، أو مزارعًا يتوق إلى المزيد من الأرض، أو نبيلً أو

(((1 مودن، ص.27 (((1 محمد جسوس، طروحات حول المسألة الاجتماعية (الرباط: منشورات الأحداث المغربية، 2003)، ص 27 وما بعدها. (((1 جرين، ص 202 وما بعدها. (((1 المرجع نفسه.

(17) Erik Neveu, Sociologie des mouvements sociaux , Repères 207 (Paris: La Découverte, 1996), p. 41.

(((1 هناء عبيد، «من الحرمان إلى التوقعات: الاقتصاد السياسي ل «التحولات الثورية في المنطقة العربية»»، موقع مجلة السياسة

الدولية، 2012/1/9، على الرابط:

goo.gl/fBSdJw.

(((1 يقول تيد روبرت غير أن هذا النوع من الاحتجاج «يمر بمراحل ثلاث وهي: توليد السخط، وتسييس السخط، وإخراج السخط

إلى حيز الوجود، دون وجود علاقة زمنية بالضرورة بين المراحل الث.» يُنظر: تيد روبرت غير، ث لماذا يتمرد البشر؟ (دبي: مركز

الخليج للأبحاث، 2004)، ص.22

أرستقراطيًا أو تاجرًا أو صانعًا أو عاملً بسيطًا؛ هؤلاء كلهم يتحدَّون الحاضر ويدمرونه عند الضرورة،

وينشئون العالم الجديد الذي يمكن أن يحقق آمالهم. ويرى هوفر أن أتباع الحركات الاحتجاجية ليسوا هم الفقراء ولا الغاضبون، بل الطامحون والحالمون. يضع تيد غير هذا التصور النفسي ضمن مخطط اجتماعي يقع فيه مفهوم الكبت النسبي في أصل العنف الاجتماعي. وينجم هذا الكبت عن شعور بفرق (سلبي) بين الخيرات التي يشعر الفرد بأن من المسموح له أن يطمح إليها، والخيرات التي يستطيع فعلًالحصول عليها. وإذا كان هناك إدراك بأن هذه المسافة بعيدة جدًا، ولم يكن في استطاعة الفرد بلوغ إشباعات تعويضية من نوع آخر، وكان هناك، أخيرًا، عدد قليل من الفرص التي يقدمها إليه المجتمع لتحقيق رغباته، فإن الشروط تكون حينئذ قد

تجمعت لوجود حد أقصى من الحقد. إن احتمالات العنف تكون في قمتها عندما يجد حد أقصى من الأفراد نفسه موضوعًا في وضع مشابه. وسبق أن أشار غوستاف لوبون في كتابه سيكولوجية الجماهير قبل هذه الفترة إلى أن العمل اللاواعي للجماهير يمثل (بعد أن يحل محل الفاعلية الواعية للأفراد) إحدى خصائص العصر الذي عاش فيه؛ فاحتجاجاتها أبعد ما تكون عن التفكير العقلاني، إنها انفجارات جماهيرية طارئة خارجة عن السيطرة، تحدث نتيجة انفعالات جماهيرية هائجة وغير واعية، تجعل الفرد المتجمهر في حالة تنويم مغناطيسي، ملكات الفهم والتمييز عنده معطلة.

الممارسة الاحتجاجية في المغرب والحرمان: أي علاقة؟

يقدم الاحتجاج، كما سبق الذكر، من منظور «نظرية الحرمان النسبي»، التي كانت واسعة الانتشار، طوال الستينيات، خصوصًا في حقل السوسيولوجيا الأميركية، كتعبير عن وضعية غير سوِية من

(((2 إيريك هوفر، المؤمن الصادق: أفكار حول طبيعة الحركات الجماهيرية، ترجمة غازي بن عبد الرحمن القصيبي (أبو ظبي: الانتشار العربي؛ العبيكان؛ كلمة، 2010)، ص.31 (((2 بونعمان، ص.35 (((2 في هذا الإطار، يرى فيليب برو أن العنف السياسي ينجم عن احتمال العنف الاجتماعي الذي يغذيه، لكن الانزلاق من الأول إلى الآخر ليس آليًا. فهناك نوعان من الاعتبارات التي تتدخل إما لتسهيله أو لعرقلته، منها: بث معايير أخلاقية مبررة للقهر الشرعي

داخل المدرسة أو الحياة العامة، ثم طبيعة الرموز العدوانية وكثافتها في وسائل الإع ماا، والنجاحات التي سبق أن حصلت عليها المجموعة الاجتماعية بفضل اللجوء في الماضي إلى العنف، والذي يدعو إلى التقليد من خلال العدوى الإيمائية؛ مكانة العنف في الذاكرة التاريخية؛ طريقة الإشارة إلى تأثيره في الإنتاجات الثقافية أو في المعالجة الإعلامية للأخبار الحالية؛ وأخيرًا الشعور الذاتي

بكون المجموعة مهمشة في اللعبة المؤسساتية العادية. للمزيد، يُنظر: فيليب برو، علم الاجتماع السياسي، ترجمة محمد عرب

صاصيلا (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1998)، ص 347 وما بعدها. (((2 المرجع نفسه، ص.346 (((2 غوستاف لوبون، سيكولوجية الجماهير، ترجمة وتقديم هاشم صالح، الفكر العربي الحديث، ط 4 (بيروت: دار الساقي، 2013)، ص.41 (((2 بونعمان، ص.37 (((2 بن أحمد حوكا، «سيكولوجيا الجماهير الثائرة: قراءة من منظور التحليل النفسي وعلم نفس الجموع»، المنبر القانوني: مجلة

نصف سنوية محكمة تعنى بالدراسات والأبحاث القانونية والقضائية، العددان 3-2 (نيسان/أبريل - تشرين الأول/أكتوبر 2012)، ص.372 (((2 مودن، ص.29

الناحية العاطفية والاجتماعية؛ مضمونها أن الناس يقارنون نصيبهم من السلع والخدمات وحظوظ الحياة، لا بما كان عليه قبل عشرة أعوام، لكن بما عليه حظ الآخرين، في الفترة نفسها، في البلد نفسه، أو في بلدان قريبة ومجاورة. ربما يحصل أن يتحسن دخل «أ» بشكل ملموس، إلا أن معدل التحسن عند «ب» هو ضعف المعدل عند «أ»، وتزداد قراءة هذا الضعف تعقيدًا وغموضًا في حالة شعور «أ» بالظلم ما دام أنه لا يملك ما يستحقه مقارنة مع «ب» المحظوظ. وهذا ما يولّد لدى «أ» ما يسمّيه علماء الاجتماع ب «الحرمان النسبي» الذي يعتبر أكبر حافز للاحتجاج على الظلم و«الحُكْرَة» واللامساواة واللاعدالة. على هذا النحو، عندما يشعر المغربي ب «الحُكْرة»، يخرج محتجًا من دون ضوء أخضر من أحد. يشكل مفهوم «الحُكْرَة» في منظومة الفعل الاحتجاجي في المغرب النقيض الأمثل لمفهوم «الكرامة» و«الاحترام» وكذلك مفهوم «المساواة» المرتكز على مبدأ المواطنة من دون تمييز. ويُشير، في المقابل، إلى مفاهيم أخرى مثل الزبونية والاستبداد والفساد والرشوة والمحسوبية: الحقل الفلسفي للظلم الاجتماعي في الفعل الاحتجاجي والخطاب المجتمعي المدني.

مسببات الشعور بالحرمان

عاش المغرب على إيقاع صراعات حادة بعد الاستقلال، أنتجت هزّات سياسية واجتماعية عنيفة، بين تيارات الحركة الوطنية والمؤسسة الملكية. تميّز هذا الصراع بتنافس ومواجهة بين خيارين سياسيين: خيار المؤسسة الملكية المرتكز على أساس ملكية تستمد مشروعيتها من الدين ومن التجربة التاريخية؛ وخيار المنظمات الحزبية - المنبثقة عن الحركة الوطنية - المبني على أساس ملكية تستمد

(((2 سعد الدين إبراهيم، «ملف: «الثورة والانتقال الديمقراطي في الوطن العربي: نحو خطة طريق (الملف الثاني)»: عوامل قيام

الثورات العربية»، المستقبل العربي، العدد 399 (أيار/مايو 2012)، ص.131 (((2 المرجع نفسه، بتصرف. ((3(لا توجد في اللغة العربية كلمة مرادفة لكلمة «الحُك رَة» لها حمولة الكلمة ذاتها، كما تستخدمها وتفهمها شعوب المغرب

العربي في تعام تااها اليومية، لذا احتفظتُ بها كما هي. في المقابل، ترمز الكلمة في المعجم العربي، عمومًا، إلى الاحتقار

والاستعلاء، وأصبحت تتخذ في الوقت الحاضر معنى «اللامساواة الاجتماعية» و«الظلم والإقصاء والتهميش الاجتماعي.» للمزيد،

يُنظر: الحبيب أستاتي زين الدين، «الممارسة الاحتجاجية بالمغرب: دينامية الصراع والتحول»، عمران للعلوم الاجتماعية والإنسانية،

السنة 5، العدد 19 (شتاء 2017)، ص.149 (((3 بن أحمد حوكا، «التحولات الثقافية ونشأة الحركات الاجتماعية: دراسة حول دور القيم في إذكاء السلوك الاحتجاجي عند

ناشطي حركة 20 فبراير»، مجلة أبحاث، العددان 60-59 (2014)، ص.48 (((3 عبد الرحيم العطري، «الحركات الاحتجاجية في المغرب: من زمن الانتفاضات الكبرى إلى حركات 20 فبراير»، في: توفيق

المديني وآخرون، الربيع العربي... إلى أين؟: أفق جديد للتغيير الديمقراطي، عبد الإله بلقزيز (محرر)، سلسلة كتب المستقبل العربي 63 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2011)، ص.197 (((3 سعيد بنيس، «المجتمع المدني والفعل الاحتجاجي بالمغرب: الأنساق المفاهيمية الجديدة»، مجلة أبحاث، العددان 60-59 (2014)، ص.8 (((3 المرجع نفسه. (((3 عبد الرحمان رشيق، «الحركات الاحتجاجية في المغرب من التمرد إلى التظاهر»، ترجمة الحسين سحبان، مشروع: «حريات التجمعات والتظاهرات بالمغرب»، بدعم من الاتحاد الأوروبي، منتدى بدائل المغرب، الرباط، أيار/مايو 2014، ص.33

مشروعيتها من الخيار الديمقراطي. لم يكن هذا الصراع بشأن المؤسسة الملكية، بل بشأن طبيعة هذه المؤسسة؛ فإذا كانت احتجاجات «السيبة» تقوم عمومًا كردة فعل على اختلالات النظام المخزني

القائم، ولم تكن تندرج في سياق إلغائه أو تعويضه، بل كانت تهدف إلى إعادة التوازن له ومعالجة اختلالاته، فالاحتجاجات الحضرية التي تلت مرحلة الاستقلال إلى حدود العقد التاسع للقرن العشرين كانت تندرج ضمن توجه عام بمنطوق (mouvance) يهدف إلى إحداث قطيعة مع المنظومة المحافظة ككل، أكان في تعبيراتها السياسية أم الثقافية أم الاقتصادية، وهذا ما مثّلته «الوطنية الديموقراطية». وعلى الرغم من قطعها أشواطًا مهمة تتجلى في السعي إلى توسيع «فضاء المدني» وتقليص «فضاء

المقدس»، فإنها خسرت الرهان أمام «الوطنية الملكية» التي أ سِّست على قاعدة محافظة خصوصًاُ

في مجال طبيعة الشرعية السياسية للنظام القائم؛ شرعية آتية من خارج النظام السياسي، ومن خارج «الشعب» كمفهوم حداثي مقارنة ب «الأمة». تفوّقت هذه «الوطنية الملكية» في غرس التقليدانوية كتمثل

عصري للثقافة المحافظة الموروثة، وتلك أهم نجاحات الملك الراحل الحسن الثاني، على الرغم من أن تثبيت هذه الثقافة أنتج صراعات سياسية دامية تأرجحت بين عنف الدولة ضد الاحتجاجات الشعبية، وعنف هذه الاحتجاجات انتقامًا وتعبيرًا عن السخط والتذمر من سوء الأوضاع وقمع السلطة. لئن كان الانتقال من نظام سياسي مركزي غير تراتبي (بحسب عبد الله العروي) إلى نظام دولة شديدة المركزية قد حدث عمومًا، وشكل ذلك إحدى أهم نتائج المرحلة الاستعمارية، فإن تأسيس

الوطن كتراب محصور بحدود معلومة، وككيان للانتماء والعيش المشترك قوي بمخيال جماعي، ومحاط بثقافة سائدة مستبطَنة ومجسّدة في منظومة قيم قارة، لم يقطع إلا بعض الخطوات على الرغم

من معركة الحصول على الاستقلال ومعارك بناء الدولة الوطنية، في ظل ظاهرة العولمة التي يؤدي فعلها لا إلى اختراق الحدود الجغرافية والثقافية فحسب، بل إلى إضعاف، وربما إلى تفجير معظم الإطارات التضامنية، ومنها الوطن والدولة. أدت التحولات الاقتصادية والاجتماعية، المصاحبة لضغوط الانصياع لمتطلبات الالتحاق بالاقتصاد العالمي والاندماج بالعولمة، إلى بروز «مجتمع المخاطر»، أي الانتقال إلى مجتمع تهدّده مجموعة من المخاطر، وتتزايد فيه الفجوة الطبقية بين الأغنياء والفقراء، ومعها معدلات البطالة، خصوصًا بين

(((3 أصبحت الحركة الوطنية عمليًا حزبًا بين أحزاب كثيرة، موجودة أو مبرمجة. يُنظر: مقتطفات من كتاب: عبد الله العروي،

استبانة، في: زمان المغرب كما كان، العدد 26 (كانون الأول/ديسمبر 2015)، ص.50 (((3 إدريس جنداري، المسألة السياسية في المغرب: من سؤال الإصلاح إلى سؤال الديمقراطية، دفاتر وجهة نظر 26 (الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 2013)، ص.155 (((3 المصطفى بوعزيز، «الحركات الاجتماعية ومعيقات الدمقرطة في المغرب»، رباط الكتب، 2011/3/6، على الرابط:

goo.gl/XMmszp. (39) Abdallah Laroui, Le Maroc et Hassan II: Un Témoignage  (Québec: Les Presses inter universitaires; Casablanca: Éd. du Centre Culturel Arabe, 2005), p. 49. (40) Abdallah Laroui, Les Origines sociales et culturelles du nationalisme marocain: 1830-1912 , Textes à l'appui (Paris: F. Maspero, 1977), pp. 124 et sqq.

(((4 بوعزيز.

الشباب، وتتسع دائرة الفقر والحرمان، مع تزايد جيوش العاطلين من العمل، بالموازاة مع بروز ضرورة رفع الأداء السياسي لتقليص هذه الفجوة والحد من الاختلالات التي نجمت عنها. في ظل هذه المتغيرات، لم يكن التحول يسيرًا إلى كيانات، من نوع الدولة والمجتمع والوطن والحزب والنقابة

والجمعية وغيرها من الكيانات الحداثية المنظمة، وتجاوز مختلف الكيانات التي كانت قائمة لمدة طويلة من الزمن، من قبيل: العشيرة والقبيلة والزاوية والأمة في مرحلة ما قبل الحداثة. في الحقيقة، لم يكن لهذا التحول أن يحدث بشكل سلس من دون أن يخلّف ردات فعل قوية بين الفاعلين والفرقاء السياسيين. في خضم القلق والخوف الذي يعتصر المجموعات البشرية، قطاعية كانت أم إثنية أم جهوية، والتي تتمثل نفسها كمتضررة من التحولات الجارية غير المتحكَّم بها، ينفجر الغضب المتراكم. ولأن الشباب هم الكتلة السكانية الأكبر في المغرب، وفي غيره من الدول العربية، ولأنهم الأكثر شعورًا بالحرمان النسبي والأكثر قدرة على التواصل والحركة، لم يكن مستغربًا أن

يكونوا في طليعة المشاركين في الحركات الاحتجاجية المختلفة، ومنها حركة 20 فبراير التي تزامن ميلادها مع موجة الحراك العربي. فهم شباب معظم فئاته من قاطني المدن، متعلم، ينتمي إلى الطبقة الوسطى، لم يعش زمن البصري عمومًا، وله وعي ثقافي متقدم، يكسبه القدرة على تجسيد

صورة «المثقف العضوي» الذي فجّر ثنائية النخبة/الجماهير، لأن إنتاجه، على العكس من المثقف

التقليدي، لا ينحصر في النخبة، بل مفتوح على الجموع المنخرطة في الحركية الجماهيرية، من خلال استعمال وسائل جديدة وابتكارية في العلاقة بين الشعار والتنظيم، وبين النظرية والممارسة، والعمل على صوغ «مجال عام» جديد، لا يتطلب نمط اشتغاله وتحركه جرائد ومقار، ووسائل إعلام

قديمة، وإنما يبتكر كلمات «أ مْرٍ» ولغات، وأشكال تنظيم لها سيولة خاصة في التواصل مع أوسع عددَ

ممكن من الناس. في هذا الإطار، كشف أحد البحوث الميدانية عن أن شباب الحركة من الناحية السوسيو - ديموغرافية يتكون من ثلاث فئات عمرية. تُشكّل الفئة الأقل من 30 عامًا حصة مهمة، حيث

تمثل 48 في المئة من العينة، بينما تبلغ الفئة العمرية (40-30) 47 في المئة، أما الفئة الثالثة التي تجاوز

(((4 منير الحمش، «من «مجتمع المخاطر» و«الدولة الرخوة» إلى «الغضب» و«الثورة»... ثم إلى أين؟»، بحوث اقتصادية عربية، العددان 56-55 (صيف - خريف 2011)، ص.203 (((4 للمزيد: إبراهيم، ص.136-126 (((4 وزير داخلية في المملكة المغربية لمدة عقدين. يُنظر: أمين الكوهن، «حراك شبه مجهض: نموذج «حركة 20 فبراير»

بالمغرب»، ورقة مقدمة في: المغرب العربي: الحراك والمكونات السياسية، ومآلات الحلم المغاربي، أعمال المنتدى المغاربي في

دورتيه الثالثة والرابعة، السلسلة الفكرية لمنشورات مركز الدراسات والأبحاث الإنسانية (مدى) (الدار البيضاء: المركز؛ جامعة الحسن الثاني، 2014)، ص.31 (((4 محمد نور الدين أفاية، «الفاعلون السياسيون والاجتماعيون في التحولات العربية»، ورقة مقدمة في: التحولات الاجتماعية

في العالم العربي: وقائع وتساؤلات: تجارب مقارنة (الرباط: شبكة المغرب للمجلس العالمي للعمل الاجتماعي، 2012)، ص.17 (((4 المرجع نفسه، ص.18 (((4 المرجع نفسه. (((4 اشتغل البحث على السؤال المتعلق بهوية ناشطي حركة 20 فبراير الذين كانوا وراء احتدام المظاهرات المطالبة بالتغيير. اعتمدت الدراسة على عينة شملت 500 ناشط، وركزت على منظومة القيم والاتجاهات النفسية - السياسية المرتبطة بمواقف الناشطين تجاه السلطة، ودرجة نمو كفاية الاستدلال السياسي لديهم واشتداد مشاعر الحرمان النسبي في أوساطهم.

50 عامًا، فنسبتها لا تزيد على 5 في المئة. من ناحية المستوى الدراسي، فإن معظم المبحوثين حاصل على الإجازة، وعلى الرغم من حضور المستويات التعليمية الأخرى (دكتوراه أو ماجستير)، فإنها تشكل أقلية. ويمثل الذكور نحو 70 في المئة من العينة، بينما تبلغ نسبة الإناث 30 في المئة. والملاحظ أن نسبة الإناث تقل بالتدريج كلما اتجهنا نحو الفئات العمرية التي تجاوز الثلاثين عامًا. في ما يخص الوضع السوسيو-مهني، تهيمن على العينة شريحة العاملين بنسبة 42,71 في المئة، وفئة الطلاب ب 26,28 في المئة، ويشكل القطاع العام المصدر الرئيس للفئة الأولى (70,4 في المئة)، وينتمي معظم المبحوثين من الناحية الموضوعية إلى الفئة ذات الدخل المتوسط (57 في المئة)، كما يُصنِّف هؤلاء وضعهم السوسيو-اقتصادي الذاتي بأنه متوسط عمومًا. تفيدنا هذه الأرقام في فهم العناصر الجوهرية التي أنتجت، ولا يزال مفعولها ساريًا، فكرًا احتجاجيًا، ينتعش ويتجدد بصور وأشكال مختلفة، لكن يظهر أنه بقدر تعبيره عن تراكمات قديمة وامتداده إلى حراك مجتمعي وسياسي مغربي لا يزال حاضرًا، فهو يخضع لدينامية التحولات المجتمعية، وتفاعلات الواقع مع فرص سياسية خارجية، لذلك في إمكانه أن يكتسب طابع التفرد والتميز على مستوى الفعل، وإن بقي، كما يشير كثير من الباحثين، شديد الصلة بالأوضاع نفسها على مستوى الواقع، وهي خليط من الأعطاب الاجتماعية والاقتصادية المتراكمة والمشكلات السياسية، يلزم أخذها مجتمعة في الاعتبار في تفسير ميلاد أي فاعل جديد، كما هو الشأن بالنسبة إلى حركة شباب 20 فبراير. لهذه الرؤية المزدوجة حسنات كثيرة على مستوى دراستها ومقاربتها، ونحن بهذا التوجه نكون أقرب من المزج الذي قال به «موريس دوفرجيه» عند خلطه مقاربتين مختلفتين للظواهر السياسية: المقاربة القانونية والمقاربة السوسيولوجية، علمًا أنه نبّه إلى أن بعضه قد يتحسر لهذا المزج، إلا أنه لا يخفي أن ل «هذا المسار حسنات جمة»؛ الأمر الذي يجعلنا نؤكد بدورنا أن اختزال ميلاد حركة شباب 20 فبراير في بُعدها السياسي الصرف، بمعزل عن المعطى الاجتماعي والاقتصادي، يحجب عنا كثيرًا من الحسنات، لأنه في ظل هذه الوضعية المركبة، تنامى وعي المغاربة بالاحتجاج في مراحل سابقة عن نشأة هذه الحركة، غير أنه بطبيعة الحال تغير وتجدد بشكل لافت في أثناء تأسيسها وبعده.

مؤشرات الحرمان وتجلياته

إن التدخلات التي كانت تقوم بها الدولة لمصلحة مناطق معزولة ومهمّشة، على سبيل المثال، تُحدث الشعور بالتمييز لدى سكان مناطق أخرى تعاني الصعوبات نفسها. يولد هذا التدخل الشعور بحرمان

(((4 حوكا، «التحولات الثقافية»، ص 41 وما بعدها. (((5 المرجع نفسه، ص.42 (((5 المرجع نفسه. (((5 موريس دوفرجيه، المؤسسات السياسية والقانون الدستوري: الأنظمة السياسية الكبرى، ترجمة جورج سعد (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1992)، ص.7 (((5 المرجع نفسه.

يُشعل حماسة الفاعلين المُعبَّئين، ويثير حِمية السكان الذي تغذوا بالأمل في تغيير ممكن. وعلى

الرغم من التطور الذي عرفته النماذج المفسِّرة لفعل الاحتجاج، وتنوع مداخل قراءته، نسجل شبه إجماع بين كثير من الباحثين المغاربة على وجود محرك رئيس لهذا الفعل، هو الإحساس بالحرمان النسبي، بدعوى أن السمة البارزة لمحركات احتجاجات اليوم هي المطالبة بالكرامة، ورد الاعتبار، ورفع التهميش والإقصاء...إلخ؛ وهي كلها ترتبط في الأصل بغياب العدالة الاجتماعية، الذي ما إن يبلغ الحد الخطر، في رأي المهدي المنجرة، حتى تتجلى مظاهره للعيان، ويختل الاشتغال الاجتماعي، وتكثر الانفجارات والعصيان المدني والحنق الجماهيري التي تؤدي إلى انفجار النظام. إن الإحساس بالظلم والرغبة في التغيير هو ما يدفع الناس إلى الانخراط في الحركة الاحتجاجية التي تقوم بفضل منظومة من الأفكار، صيغت في أوضاع محددة، وهي تترجم مطالب الجماعة وعدم رضاها وآمالها وتعبّر عن ردّات فعلها ضد وضع جائر. بطبيعة الحال، هذا الإحساس بالظلم وغياب العدالة

والمساواة الاجتماعية مهم ومحفز للاحتجاج، لكنه يبقى ناقصًا وغير كافٍ، في غياب قدرة الأفراد على تحويل الاستياء إلى فعل (القدرة على أخذ كلمة، والتعبير عن الرفض، ورفع لافتة… إلخ). في السابق، كانت حالات الفقر المجتمعي والإقصاء المجالي في المغرب يعيشها السكان باعتبارها حالات طبيعية. وإذا لم يحتج السكان، فلأنهم لا يشعرون بفقدان أشياء كانت من حقهم. صحيح أن الاحتجاجات الاجتماعية كانت موجودة قبل بدء سياسة الأوراش الكبرى التي أطلقتها الدولة، إلا أن تلك الاحتجاجات كانت جزئية ومعزولة ومقموعة بعنف شديد. أما حاليًا، فخفَّ شعور

التوجس والخوف، كما ضاقت نسبيًا مجالات العنف الدموي، وتنامى في المقابل وعي مزدوج بالذات

والمجال. ويستنتج العطري أنه مهما اختلفت التوقعات بشأن المغرب الاحتجاجي، فإن التأكيد قائم على أن ما يحدث وما سيحدث من حركات احتجاجية، يترجم التدهور العام للمسألة الاجتماعية وارتفاع حالات الظلم و«الحُكْرَة» وانتفاء العدالة الاجتماعية. ولأن الفعل الاحتجاجي يعبِّر عن

هذا الوضع اللامتكافئ، فإنه يفيد كثيرًا في التفريغ السيكولوجي لشحنات العنف والسخط. ويستشهد

«العطري»، في هذا الصدد، بما قاله أحد العاطلين من العمل: «عندما يخرج المرء محتجًا، فإنه بطريقة ما، ينفث حقده الدفين على سوء توزيع الثروة الوطنية، وعلى سوء تدبير ملفات الوطن». فهو يشعر بارتياح عقب مشاركته في الحركات الاحتجاجية، ففيها يصفّي حسابه مع الدولة، ويشعر بأن حنجرته تحرّرت من القيود التي تكبّلها. الفكرة ذاتها خلص إليها حسن الزواوي بخصوص الاحتجاج لدى

(((5 رشيق، ص.91 (((5 المهدي المنجرة، الإهانة في عهد الميغا إمبريالية، ط 5 (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2007)، ص.10 (((5 العطري، الحركات الاحتجاجية بالمغرب: مؤشرات الاحتقان، ص.182 (((5 نادية البعون، «في الحاجة لنموذج تفسيري لفهم احتجاجات مغرب اليوم»، هسبريس، 2015/4/2، في:

goo.gl/Xhp81s.

(((5 رشيق، ص.91 (((5 العطري، «الحركات الاحتجاجية في المغرب»، ص.197 (((6 المرجع نفسه، ص.253 (((6 المرجع نفسه، ص 253 وما بعدها.

الشباب في المناطق الصحراوية، التي تبقى مرتبطة، في جانب كبير منها، بعوامل الإقصاء الاجتماعي والإحساس ب «الحُكْرَة» المتولدين عن عدم «الاستفادة من خيرات الصحراء». ولا يعدّ هذا الإحساس

المحفز الرئيس للاحتجاج فحسب، بل المُعتقَد المشترَك الذي يُشرعِن في نظر هؤلاء الشباب فعلهم

الاحتجاجي العنيف أيضًا. تأتي أحداث «أكديم إزيك» الدموية لتسلّط الضوء على دور المتغير السيكولوجي، باعتباره ميكانيزما تحليليًا يصعب من دونه فهم العنف المصاحب للاحتجاج الذي يكتسي صبغة تعبيرية، وذلك بهدف

التحسيس بحالات التهميش والسخط الاجتماعي الذي يعانيه الشباب المحتج. في السياق نفسه، يرى رشيق أن الخطاب الاحتجاجي في المغرب اغتنى بمفردات جديدة مرتبطة بالكرامة و«الحُكْرَة»

تعبِّر عن الحرمان الاجتماعي لبعض الفئات الاجتماعية غير الفقيرة بالضرورة، لكنها غاضبة

وطامحة وحالمة تراودها الرغبة في التغيير. إن الشعور بالحرمان فرديًا، وفقدان الأمل في المستقبل، قابلان للتعبير عن نفسيهما في شكل جماعي عنيف أو سلمي، عندما تسمح الأوضاع السياسية بذلك، ولعل حركة 20 فبراير، في نظره، تندرج في هذا الإطار. وهو بهذا الرأي يلتقي مع أهم نتائج إحدى الدراسات التي اشتغلت على مدى ارتباط السلوك الاحتجاجي لناشطي حركة 20 فبراير بنظرية الحرمان النسبي. خلصت هذه الدراسة إلى: - التمييز بين أربعة أنواع من الحرمان النسبي: الحرمان النسبي الاجتماعي (المبني على المقارنة بالآخرين)، والحرمان النسبي المرتبط بالاستهلاك، والحرمان النسبي المرتبط بالإكراهات الاقتصادية، والحرمان النسبي التركيبي العام (تركيب عام للأنواع السالفة.)

(((6 حسن الزواوي، «ثقافة الاحتجاج عند الشباب الصحراوي: مقاربة سوسيولوجية»، المجلة المغربية للسياسات العمومية: مجلة

الحوار بين الجامعة والفاعلين، العدد 11 (ربيع 2014)، ص.54 (((6 أنشأته مجموعة من الشباب احتجت على والي مدينة العيون، في العاشر من تشرين الأول/أكتوبر 2010، بلغ عددهم زهاء 173 فردًا غاضبًا، جراء عدم وفاء السلطات المحلية بوعود تتعلق بتوزيع بطاقات الإنعاش الوطني. الغاضبون أقاموا لهذا الغرض الاحتجاجي

أربعين خيمة خارج المدار الحضري للمدينة بنحو 12 كلم، فسُمي بمخيم «أكديم إزيك»، وأصروا على المكوث في خيامهم إلى

حين استجابة السلطة المحلية لمطالبهم الاجتماعية البسيطة والعادلة. بدأت القضية سلمية، تنحصر في مطالب اجتماعية صرفة، غير أن جهات تناصر جبهة البوليساريو الانفصالية استغلت الحدث، فحوّلت المخيم إلى كرة نار حارقة، لم تبرد إلا بعد مواجهات عنيفة،

خلّفت في صفوف قوات الأمن 11، منهم عنصر في الوقاية المدنية، و قتيلً70 جريحًا، علاوة على التمثيل بجثث عدد من عناصر الأمن

والعبث بها والتبول عليها من طرف ملثمين انفصاليين. من جهة أخرى حكم على 9 معتقلين بالسجن المؤبد، وعلى 4 بالسجن 30 عامًا،

وعلى 7 بالسجن 25 عامًا، وعلى 3 بالسجن 20 عامًا، وعلى معتقلين بالمدة التي أمضياها بالسجن. (((6 الزواوي، ص.54 (((6 رشيق، ص.103 (((6 يؤكد «إيريك هوفر» في هذا السياق أن أتباع الحركات الجماهيرية ليسوا فقراء مدقعين، ولا غاضبين أو حالمين، حيث يقول:

«الفقراء فقرًا مدقعًا لا يشعرون بأي أمل في المستقبل الذي يبدو كما لو كان فخًا منصوبًا أمامهم عليهم أن يتحاشوه. عند هؤلاء كلهم

لا يعني التغيير سوى المتاعب.» يُنظر: هوفر، ص 28؛ بونعمان، ص 35 وما بعدها. (((6 هوفر، ص.28 (((6 رشيق، هامش الصفحة.103 (((6 حوكا، «التحولات الثقافية»، ص.51-48 (((7 تم تطبيق تقنية التحليل العاملي الأساسية لمعالجة أجوبة نشطاء حركة 20 فبراير على مقياس الحرمان النسبي.

- وجود فرق بين الذكور والإناث في المعدلات المحصل عليها على مستوى الحرمان. أوضحت المعطيات أن الفروق التي ترجع إلى الجنس تهم على الخصوص الحرمان النسبي التركيبي العام والإحساس بالعيش تحت الإكراه الاقتصادي، أما الاختلافات المسجَّلة في المعدلات لدى الإناث والذكور في النوعين المتبقيين من الحرمان، فتبقى اعتباطية. - وجود علاقة بين الحرمان النسبي والعمر، حيث يتضح أن الإحساس باللاعدالة الاجتماعية يزيد مع التقدم في السن؛ فالأجيال الصغيرة أقل إحساسًا بالحرمان من الكبار، ولا سيما في ما يتعلق بالحرمان العام والحرمان المتعلق بالعيش تحت الإكراهات الاقتصادية. - ارتباط السلوك الاحتجاجي لناشطي حركة 20 فبراير بالحرمان النسبي التركيبي، وبالحرمان المرتبط بالاستهلاك، إضافة إلى الإحساس بالعيش تحت الإكراه الاقتصادي. أما الحرمان المبني على المقارنات الاجتماعية، فهو لا يؤثر كثيرًا على السلوك الاحتجاجي إلا عند اقترانه بالدخل المحدود. بناء على هذه المعطيات الإحصائية، يُستشَف أن هناك ارتباطًا وطيدًا بين الاستعداد للفعل الاحتجاجي عند ناشطي حركة 20 فبراير ومشاعر الحرمان النسبي، وهو المعطى نفسه الذي بلغه سعيد بنيس بشأن مفهوم «الحُكْرَة» في داخل الأنساق المفاهيمية الجديدة الناقلة لطبيعة العلاقة بين المجتمع المدني والفعل الاحتجاجي في المغرب، معتبرًا أن موجة الاحتجاج التي بدأت في 20 شباط/فبراير، وضمّت مكونات المجتمع المدني وبعض التكوينات السياسية والجماعات الإسلامية، اعتمدت خطابات وشعارات ترمي، في مجملها، إلى المجاهرة باللامساواة وانعدام العدالة الاجتماعية، فجرى تنصيب مفهوم «الحُكْرَة» ككلمة مفتاح لحركة 20 فبراير في الفضاء الواقعي (المسيرات والتجمعات) والفضاء الافتراضي (فيسبوك وتويتر والمواقع الخاصة بالحركة). في الواقع، هذا المفهوم ليس حاضرًا في هذه الحركة فحسب، إنما يبدو، من خلال الدراسات السابقة، أن نظرية الحرمان النسبي، على الرغم من كونها من النظريات التقليدية، تصلح كمدخل لتفسير محفزات سائر الحركات الاحتجاجية في المغرب. لكن تجدر الإشارة إلى أن هذا الاهتمام الخاص بنظرية الحرمان النسبي انصب على مفهوم الحرمان وتجلياته النفسية - الاجتماعية، ولم يركّز بشكل كافٍ على محددات الشعور بالحرمان ونتائجه كما يتصورها منظرو هذا الطرح، وفي مقدمهم تيد روبرت غير، صاحب كتاب لماذا يتمرد البشر؟.

(((7 من أجل دراسة هذه الفروق، تم اللجوء إلى حساب اختبار T-Test للعينات المستقلة. (((7 باستثناء ذلك النوع من الحرمان النسبي القائم على المقارنة مع الغير، فهو يميل إلى الانحدار عند الناشطين الذين يتجاوز عمرهم الثلاثين سنة، ويبدو بأن التقدم في العمر يمارس رقابة ذات طبيعة نفسية اجتماعية على التأثير الذي يضطلع به النظر إلى ما في حوزة الغير في الإحساس بالظلم الاجتماعي. (((7 المرجع نفسه، ص.49 (((7 المرجع نفسه، ص.51 (((7 بنيس، ص.8

محدودية الأنموذج التفسيري لنظرية الحرمان النسبي

إن توسُّع الحركة الاحتجاجية في المغرب، وفقًا لطرح الحرمان النسبي، مردّه إلى اليأس والبؤس الشديدين. والنتيجة المفترضة لهذين الإحساسين هي القابلية للتمرد والعصيان العنيف، على أمل تحسّن الوضع الأليم القائم. هذه النتيجة، جعلت لوبون، على سبيل المثال لا الحصر، يتعرض لكثير من الانتقادات، ذكرها أوتوكلينبيرغ في توطئته للكتاب نفسه سيكولوجيا الجماهير، منها أنه يعترف بدور اللاوعي في حسم سلوك الجماهير، لكنه لا ينسى أن يربطه بالبنية العقلية، كما أنه لا يؤمن بوجود تراكمات موروثة. ويوّلد الانطباع أن هناك تطابقًا بين الجمهور والأعمال المتطرفة التي تصحب الثورة أو ترافقها. لذلك، يجد أن آراءه على الرغم من أهميتها ينبغي أن تخضع للمناقشة من جديد؛ ليست أفكاره فحسب، بل كثير من الأفكار التي دافع عنها أنصار الأطروحة النفسية، وفي مقدمهم تيد غير. في هذا السياق، نشير إلى أننا لا نختلف بشأن صحة الدوافع المحركة للاحتجاج، لأن غياب العدالة الاجتماعية وحضور الظلم والتهميش يستتبعهما ارتفاع منسوب الإحباط واليأس، لكن لنفكّر قليل في النتيجة، ولنأخذ حالة حركة 20 فبراير أنموذجًا. ألَمْ تكن مسيراتها سلمية في العموم؟ بالفعلَ، حدثت انزلاقات أسفرت في بعض الحالات عن اعتقالات ومواجهات عنيفة بين قوات الأمن وناشطي الحركة، غير أن القاعدة العامة لتظاهرات الحركة أنه لم تكتسِ طابعًا عنيفًا على الرغم من حدوث بعض الانفلات الجانبي أو الانزلاقات أحيانًا، في محطات متقطعة محدودة، خصوصًا عقب قرار الحركة نقل احتجاجاتها إلى الهامش. غير أن هذا الانفلات الجزئي لا ينفي كون تعامل المؤسسة الملكية مع الحراك كان موقفًا استراتيجيًا حينذاك، بالنظر إلى التجارب السيئة في اليمن ومصر وتونس، حيث كان الانسحاب التكتيكي للقوات العمومية من الواجهة عملً دُبِّر بحكمة، وتُركت التظاهرات تُدار بشكل سلمي من دون مقاومة أو قمع، لأن النتائج لا يمكن توقعها. يستفاد من ذلك أن نظرية الحرمان النسبي، على العكس مما تنبأ به أنصارها، لا يقود فيها اليأس إلى احتجاجات عنيفة، وهي مسألة ما عاد ميزة خاصة بالاحتجاج المغربي وحده، حيث أكدت الرجة الثورية في تونس (ثورة الياسمين) ومصر (ثورة الفل) أن «اللاعنف» الشعبي الذي ميّز حركة الشارع العام صار علامة فارقة في الحركات الاحتجاجية العربية.

(76) Ted Robert Gurr, Why Men Rebel , 40 th Anniversary ed. (Boulder: Paradigm Publishers, 2010), p. 114.

(((7 للمزيد، يُراجع: رشيق، ص.30 (((7 لوبون، ص 35 وما بعدها. (((7 باستثناء الحوادث الدموية التي طبعت احتجاجات الستينيات والسبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، تدرجت الحركات الاحتجاجية في المغرب منذ التسعينيات في التخلص من طابعها العفوي العنيف، وانخرطت في تبني خيار السلمية. (((8 «رشيق: هذه أسباب فشل الحراك المغربي»، اليوم 24،.2016/2/21-20 (((8 المملكة المغربية، المجلس الاقتصادي والاجتماعي، «ملخص التقرير السنوي 2011»، الرباط، 2011، ص.7 (((8 المرجع نفسه.

هذا التميز يسير في اتجاه إعادة النظر في نظرية الحرمان النسبي: الجزء الداخلي المحفِّز فيها لا يزال قابلً لتفسير الاحتجاج، غير أن أدوات تصريف هذا العامل النفسي ما عادت كافية للبرهنة على ذلك. وبناء عليه، يصعب في الوقت الراهن قبول تعريف الاحتجاج كسلوك عدواني أو جواب عنيف على التفاوت الموجود بين انتظارات وطموحات الفئات الاجتماعية التي تعيش في وضعية صعبة من جهة، وواقع اجتماعي مرّ من جهة أخرى، بقدر ما أصبح يقدِّم نفسه كردة فعل سلمية حضارية، يُحْسن

استغلال الفرص السياسية، ثم هناك عنصر قلّما تنتبه إليه الدراسات التي اتخذت الحرمان النسبي مدخلً تفسيريًا للاحتجاج في المغرب، وهي مسألة ردة الفعل اللاواعي، لأن الإنسان اليائس المحروم، وإن تسلّح بالأمل، يمكن أن ينجرف مع صوت وقوة وعدد أو عقيدة الجماهير. وإذا كان «هوفر» يربط القوة النفسية التي تمتلك المحتج بشعوره بأنه عَبْر اعتناقه العقيدة الصحيحة أو اتباع الزعيم الملهم

مثلً، سيصبح قوة لا تقهر، وهذا شرط نفسي أساسي لأجل تحقيق التغيير، يضاف إليه وجوب جهله «جهلً تامًا العقبات التي ستعترض طريقه»، وأسقط لوبون الوعي عن الجماهير، واعتبرها «غير

ميّالة كثيرًا للتأمل، وغير مؤهَّلة للمحاكمة العاقلة»، بل إنه يذكر أن الحضارات «بُنِيت ووُجِّهت

من قبل أرستقراطية مثقفة قليلة العدد، ولم تُبْنَ أبدًا من قبل الجماهير»، مفسِّرًا ذلك بالقول إن

«التاريخ يعلِّمنا أنه عندما تفقد القوى الأخلاقية التي تشكل هيكل المجتمع زمام المبادرة من يدها، فإن الانحلال النهائي يتم عادة على يد هذه الكثرة اللاواعية والعنيفة»، فخوسيه أورتيغا إي غاسيت يرى أن الحالة النفسية اللامعقولة للجماهير تكشف تأكيد الحق بالابتذال، لأنها أصبحت تهاجم كل ما هو مختلف وجليل وفردي ونوعي ونخبوي. فهذه الجماهير الشعبية تبحث عادة إبان العصيان عن الخبز. أما الوسيلة التي تستعملها فتكون بتحطيم المخابز. فهل فعلً تنطبق هذه الحالة اللاواعية على الجماهير المغربية؟ إذا ربطنا هذا التساؤل بالعنف والعنف المضاد الذي طبع التمردات التي عاشها المغرب، أكثر من ثلاثة عقود بعد الاستقلال، يكون المحتجون المغاربة أقرب إلى الوصف الذي يعطيه التحليل النفسي للجماهير بصفة عامة، وإلى الطرح الذي يقول به لوبون وأورتيغا على نحو خاص، مع أن القول بأمر كهذا يجعل من الجماهير المحتجة متهمة لا ضحية، تتحمل وحدها المسار الدامي للحوادث، علمًا بأن هذا الأمر نظر إليه الملك الراحل الحسن الثاني نفسه من زاوية «المسؤولية

(((8 رشيق، ص.103 (((8 هوفر، ص.32 (((8 لوبون، ص.45 (((8 المرجع نفسه، ص.47 (((8 المرجع نفسه. (((8 خوسه أورتغا إي غاسيت، تمرد الجماهير، ترجمة علي إبراهيم أشقر (دمشق: دار التكوين للتأليف والترجمة والنشر، 2011)، ص.47 (((8 المرجع نفسه، ص.47 (((9 المرجع نفسه، ص 79 وما بعدها.

المزدوجة»، بقوله: كان كل منا يحلّق على ارتفاع يختلف عن ارتفاع الآخر. لكن الأكيد أن سمة السلمية التي ميزت الحركات الاحتجاجية منذ التسعينيات إلى يومنا هذا توحي بأن نوعًا من التعقل قد حصل؛ أدرك النظام السياسي أن العنف يهدم أكثر مما يبني، كما أدركت الجماهير أن الوعي بالمطلوب أمر ضروري، فضلً عن كون المواجهة العنيفة مع السلطة ليست متكافئة أبدًا، وتعطي لهذه السلطة، عن وعي أو عن غير وعي، الحق في استعمال شيء تتقنه وتتفوق فيه، ومن ثم وجوب تجريب سلاح نفسي جديد هو «اللاعنف»، ليس استسلامًا أو خوفًا أو سذاجة، بل إدراكًا للعواقب

المدمرة للدولة والمجتمع. علينا أن نتعلم إذًا، كما يقول جين شارب، من تاريخنا جميعًا. «علينا أن نتعلم عدم تكرار كوارث الماضي». ويضيف: «لا يجوز معالجة الظلم بالاحتجاج والأخذ بالثأر فقط. إن هذا لا يحقق شيئًا بالنسبة لبناء مستقبل أفضل. عوضًا عن ذلك يمكن المرء أن يختار في وضع التشديد الأساسي على الوسائل التي ستكون الأداة في تحقيق أهدافه». هذا الانتقال من العنف إلى السلمية، سمح للاحتجاج المغربي بالانتقال من التمرد الدموي إلى الاحتجاج السلمي والتظاهر المنظَّم، ومن الفوضى والعفوية إلى التنظيم والتدبير المعقلن. وبالتالي فهو مؤشر على مدى صعوبة الاعتماد الكلي أو الإسقاط التام لمقاربة نظرية الحرمان النسبي على فعل الاحتجاج في المغرب. غير أن الملاحظ أن على الرغم من هذه المؤاخذات التي تقلِّص من حظوظ نظرية الحرمان النسبي الكلاسيكية في تشريح هذا الفعل، فهي لازالت تستهوي كثيرًا من الدارسين، بل

وتعد اليوم من النظريات الأكثر رواجًا في صفوف الباحثين العرب عامة، والمغاربة بشكل خاص،

على الرغم من تنوع المجال النظري للحركات الاحتجاجية في البحث الأكاديمي الغربي (وجود بدائل تفسيرية حديثة: نظرية تعبئة الموارد، ونظرية التأطير، ونظرية الفرصة السياسية)، والذي لا يزال يحتاج بالتأكيد إلى دراسات مكثفة في بلداننا، حتى لا تبقى مقاربة الفعل الاحتجاجي سجينة تفسير نظري محدَّد، هذا في الوقت الذي يلاحظ فيه أن الاحتجاج المغربي، ممثَّلً في حركة 20 فبراير -على سبيل المثال - يصعب اختزاله في شروط ذاتية أو موضوعية بعينها، قد تحجب تعدد الوساطات المشاركة في نشوء وتطور الحركات الاحتجاجية، أو تتجاهل تطورها التاريخي أو خصوصيتها المجتمعية، أو تتناسى أن المشاركين في الاحتجاجات راكموا خبرة مهمة بخصوص المجال الذي يتحركون فيه، والإمكانات التي يتوافرون عليها، وأيضا بشأن ردات فعل الجهات التي يحتجون ضد قراراتها.

خاتمة

عود على بدء، أليست مستعصية مسألة تفسير الحركات الاحتجاجية من خلال طروحات أحادية الجانب بالنظر إلى الطابع المركب لدوافع وامتدادات الاحتجاج؟ وإلى أي حد يمكن الادعاء بوجود

(((9 يُراجع في هذا الإطار: الحسن الثاني [ملك المغرب]، ذاكرة ملك: الحسن الثاني، أجرى الحوارات إيريك لوران، ط 2

(الرياض: الشركة السعودية للأبحاث والنشر، 1993)، ص.24 (((9 شارب، ص.7 (((9 المرجع نفسه، ص.8

دافع واحد كان حضوره سببًا مباشرًا في نزول الناس في إطار حركة احتجاجية لتحقيق مطالبهم، أم ثمة دوافع كثيرة أكثر تعقيدًا وأكثر تركيبًا تجعل من الصعب الارتكان إلى تفسير واحد لهذه الوقائع؟ لماذا هذان الاستفهامان مجددًا؟ لأن تحليل أيّ واقعة وتفسيرها يقتضيان بالضرورة الانتباه إلى المتغيرات الكثيرة التي تتحكم بها، إما قبل أو في أثناء أو بعد حدوثها، سواء كانت داخلية ذاتية متعلقة بإحساس المحتج ووعيه بذاته وما ينقصه لتحقيق وجوده الفعلي في عالمه الخارجي، أم خارجية ترتبط بطبيعة المجتمع وثقافته ونظامه السياسي والاقتصادي وكيفية عمل المؤسسات العمومية أو الخاصة داخله. فهناك ما يكفي دائمًا من الأسباب العميقة التي تؤسس لظهور الواقعة الاجتماعية. إن الأفعال أو ردات الفعل هي بالضرورة إجابات موضوعية عن حاجات ووضعيات سابقة، فكل واقعة اجتماعية أو سياسية، ومهما اتجهت نحو التوازن أو الاختلال، إلا وكانت نتاجًا لشروط معينة تفرزها وتعضد انبناءها المحتمل في سياق التفاعلات والصراعات الاجتماعية التي تتميز بها حقول المجتمع. لذلك، يشكل الاحتجاج الاجتماعي نتاجًا لتضافر شروط وظروف قائمة سابقة عليه أو متساوقة معه؛ الملاحظ أن الأفراد بقدر ما يحتجون لصوغ أوضاع جديدة، وتجاوز القائم منها، قد يحتجون بالموازاة مع ذلك من أجل المحافظة على الوضع القائم نفسه. وبناء عليه، لا يمكن الاطمئنان إلى قراءة نمطية لفعل هو في الأصل يخص الإنسان في علاقته بعالمه الداخلي ومستلزمات محيطه الخارجي، والتفاعل الدائم بين ما هو نفسي واجتماعي وسياسي وفكري وثقافي. والحاصل أن الاعتماد الكلي على نظرية واحدة في تفسير هذا الفعل، سيصطدم من دون شك مع هذه العلاقات المعقدة التي تميز ذات الإنسان وطبيعة المجتمع الذي يعيش فيه وينتمي إليه. ألم تتفاعل، مثلً، فكرة التهميش والكرامة، أو صيغتها السلبية «الحُكْرَة» في الخطاب المطلبي لسكان المدن الصغيرة، وفي فضاءات ضواحي المدن المتوسطة والكبيرة، وفي المناطق القروية، مع قدرة الفاعلين على تأطير الاحتجاجات الاجتماعية وتنظيمها، بشأن مصالح اقتصادية وترابية وإثنية أو رمزية، وذلك عندما تسمح الشروط السياسية بذلك؟ ألا تؤكد كذلك حركة 20 فبراير هذا الغنى التفسيري، وهي التي استثمرت الحرمان الذي تعانيه فئات عريضة من الشعب المغربي، واستمرار الفروق الاجتماعية القائمة داخله، لتعبئة مواردها وإضفاء المعاني على الفرص السياسية التي أتيحت لها، من دون أن ننسى أنها استطاعت، على خلاف الحركات السابقة كلها، أن توجِد توافقًا، وإن كانهشًّا، بين أيديولوجيتين متناقضتين، أجمعتا في وقت من الأوقات على الإفادة من أخطاء الماضي لبناء الحاضر والمستقبل؟ إن هذا النوع من التئام الأيديولوجيات أو تثاقف الأجيال الذي عبّرت عنه الحركة يعزّز ضرورة تعميق البحث في هذه النظريات التفسيرية في أفق فهم أفضل للحركات الاحتجاجية في المستقبل،

(((9 «رشيق: هذه أسباب فشل»، ص.10

كما يعد دعوة إلى تكثيف البحوث الجامعية بصددها لتحقيق نوع من التراكم المعرفي، الذي سيكون لا محالة بمنزلة أرضيات تؤسس للقراءة العلمية لهذه الحركات بروح مغربية، خصوصًا أن معالم فعل احتجاجي جديد بدأت تلوح في الأفق، من خلال تزايد الفئات المحتجة والرقعة الجغرافية للاحتجاجات واتساعهما، بما يفيد أن التراجعات والانكماشات الكامنة داخل المجتمع الاحتجاجي سرعان ما قد تعود بقوة بكفاءات جديدة، تتمثل في القدرة على التعبئة والتنظيم، واقتناص الفرص السياسية، وإضفاء المعاني على تحركاتها. إنها كفاءات ينبغي أن تدفع الدارسين والمهتمين بالممارسة الاحتجاجية إلى التركيز، مستقبلً، على الأهداف التي يحددها المحتجون كفاعلين عقلانيين يتصرفون انطلاقًا من حاجات دقيقة، فضلً عن الموارد التي تُوظّف لتحقيق هذه الأهداف (بالاعتماد مثلً على دراسات ألسون في تفسيرها المعوقات التي تصطدم بها الحركة الجماعية في إطار دفاعها عن مطالبها، إلى جانب باقي البحوث التي ربطت نظرية تعبئة الموارد بمؤشرين متداخلين: الأهداف والموارد غير التقليدية)، من دون إغفال الوضع الاجتماعي والسياسي والثقافي والتاريخي الذي سيفرز هذه الفاعلية المتلائمة مع الفرص والإمكانات المتاحة (من خلال الاستعانة بأعمال ديتر روخت ودوغ ماك آدم وميشيل لبسكي وسينغر وغيرهم) ومدى قدرتها على تفسير مجريات الحوادث وتأويلها وإضفاء معاني عليها بشكل يدفع للقيام بفعل محدد. هنا تجدر الإشارة إلى الدور الذي تمارسه، من وجهة نظر أنصار نظرية التأطير، وسائل الاتصال الحديثة بأنواعها المختلفة، في إيجاد هذه المعاني التي ربما تعكسها الصور المعروضة، أو الرموز، أو الشعارات المرفوعة، أو الكتابات، أو التسجيلات الصوتية المسموعة، أو المرئية، من خلال المهمات الأربع الأساسية للتأطير التي تتحدد في: التأطير التشخيصي، والتأطير الإنذاري، والتأطير المضاد، والتأطير التحفيزي.

(((9 أصبحت مسألة الانفتاح على الجامعة ومعاهد البحث العلمي ضرورة ملحة أكثر من أي وقت مضى، ذلك أن الاستمرار في تهميش الجامعة ومصادر ومؤسسات البحث العلمي المختلفة سيزيد من محنة الدولة المغربية، ولا سيّما أن طبيعة المخاطر

والتهديدات العمومية ما عادت تقليدية ومرئية، بل أكثر تعقيدًا وخطورة. يُنظر: نجيب الحجيوي، «الفضاء العام وتدبير الحركات

الاجتماعية والاحتجاجية»، المجلة المغربية لعلم السياسة، العددان 4-3 (تشرين الثاني/نوفمبر 2015)، ص.35 (((9 تمحورت نظرية تعبئة الموارد حول فرضيات «ألسون»، بتبنيها تارة، وبرفضها وتعديلها تارة أخرى، لكن بقيت تناقشها دائمًا.

للمزيد، يُنظر: المرجع نفسه، ص.594

(97) Didier Lapeyronnie, «Mouvements sociaux et action politique. Existe-t-il une théorie de la mobilisation des ressources?,» Revue française de sociologie , vol. 29, no. 4 (1988), pp. 593 et sqq.

(((9 إبراهيم الصافي، «الحركة الاحتجاجية في تونس»، المستقبل العربي، العدد 435 (أيار/مايو 2015)، ص 167 وما بعدها. (((9 التركيز على تحديد المشكلة وأسبابها وتعريفها بكيفية دقيقة. (((10 العمل على صوغ اقتراح حل للمشكلة أو على الأقل اقتراح خطة للهجوم واستراتيجية لتنفيذ الخطة والترافع. (((10 وضع ناشطي الحركة في وضع الدفاع موقتًا على الأقل. من جهة أخرى، فإن التأطير المضاد يدفع الناشطين إلى تطوير

تكهنات أو تنبؤات لما يمكن أن يكون عليه الوضع في المستقبل. (((10 استعمال عبارات مناسبة للتحفيز على شاكلة خطابات تعبوية تشتغل على تضخيم وضع الضحية والتركيز على المظلومية لكسب التعاطف والتأييد والدعم.

المراجع

العربية

كتب

للدراسات والنشر والتوزيع،.1998

بيروت: مركز نماء للبحوث والدراسات،.2012

الثقافة والمجتمع. ترجمة سعيد الغانمي. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2010

للمجلس العالمي للعمل الاجتماعي،.2012

السياسة والمجتمع. بيروت: دار الطليعة،.1986

وجهة نظر 26. الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة،.2013

الرياض: الشركة السعودية للأبحاث والنشر،.1993

سعد. بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع،.1992

المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع،.2002

تقديم إدريس بنسعيد. دفاتر وجهة نظر 14. الرباط: منشورات دفاتر وجهة نظر،.2008

والترجمة والنشر،.2011

References

برو، فيليب. علم الاجتماع السياسي. ترجمة محمد عرب صاصيلا. بيروت: المؤسسة الجامعية

بونعمان، سلمان. فلسفة الثورات العربية: مقاربة تفسيرية لنموذج انتفاضي جديد. دراسات فكرية.)1(

بينيت، طوني، لورانس غروسبيرغ وميغان موريس. مفاتيح اصطلاحية جديدة: معجم مصطلحات

التحولات الاجتماعية في العالم العربي: وقائع وتساؤلات: تجارب مقارنة. الرباط: شبكة المغرب

جرين، توماس ه. الحركات الثورية المقارنة: بحث عن النظرية والعدالة. ترجمة تركي الحمد. سلسلة

جسوس، محمد. طروحات حول المسألة الاجتماعية. الرباط: منشورات الأحداث المغربية،.2003 جنداري، إدريس. المسألة السياسية في المغرب: من سؤال الإصلاح إلى سؤال الديمقراطية. دفاتر

الحسن الثاني [ملك المغرب.] ذاكرة ملك: الحسن الثاني. أجرى الحوارات إيريك لوران. ط.2

دوفرجيه، موريس. المؤسسات السياسية والقانون الدستوري: الأنظمة السياسية الكبرى. ترجمة جورج

عارف، نصر محمد. إبستمولوجيا السياسة المقارنة: النموذج المعرفي- النظرية- المنهج. بيروت:

العطري، عبد الرحيم. الحركات الاحتجاجية بالمغرب: مؤشرات الاحتقان ومقدمات السخط الشعبي.

غاسيت، خوسه أورتغا إي. تمرد الجماهير. ترجمة علي إبراهيم أشقر. دمشق: دار التكوين للتأليف

الغالي، محمد. المختصر في أسس ومناهج البحث في العلوم الاجتماعية. أبحاث وأعمال جامعية: سلسلة الدراسات: السياسية، القانونية، الاجتماعية (1). الرباط: مكتبة المعرفة،.2005 غير، تيد روبرت. لماذا يتمرد البشر؟. دبي: مركز الخليج للأبحاث،.2004 لوبون، غوستاف. سيكولوجية الجماهير. ترجمة وتقديم هاشم صالح. الفكر العربي الحديث. ط.4 بيروت: دار الساقي،.2013 المديني، توفيق وآخرون. الربيع العربي... إلى أين؟: أفق جديد للتغيير الديمقراطي. عبد الإله بلقزيز (محرر). سلسلة كتب المستقبل العربي 63. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2011 المغرب العربي: الحراك والمكونات السياسية، ومآلات الحلم المغاربي، أعمال المنتدى المغاربي في دورتيه الثالثة والرابعة. السلسلة الفكرية لمنشورات مركز الدراسات والأبحاث الإنسانية (مدى). الدار البيضاء: المركز؛ جامعة الحسن الثاني،.2014 المنجرة، المهدي. الإهانة في عهد الميغا إمبريالية. ط 5. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.2007 مودن، عبد الحي، عبد الأحد السبتي وإدريس كسيكس. أسئلة حول انطلاق الربيع العربي. تقديم الطيب بن الغازي. سلسلة بحوث ودراسات رقم 49. الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية،

هوفر، إيريك. المؤمن الصادق: أفكار حول طبيعة الحركات الجماهيرية. ترجمة غازي بن عبد الرحمن القصيبي. أبو ظبي: الانتشار العربي؛ العبيكان؛ كلمة،.2010

دوريات

إبراهيم، سعد الدين. «ملف: «الثورة والانتقال الديمقراطي في الوطن العربي: نحو خطة طريق (الملف الثاني)»: عوامل قيام الثورات العربية.» المستقبل العربي. العدد 399 (أيار/مايو.)2012 بنيس، سعيد. «المجتمع المدني والفعل الاحتجاجي بالمغرب: الأنساق المفاهيمية الجديدة.» مجلة أبحاث. العددان.)2014(60-59 الحجيوي، نجيب. «الفضاء العام وتدبير الحركات الاجتماعية والاحتجاجية.» المجلة المغربية لعلم السياسة. العددان 4-3 (تشرين الثاني/نوفمبر.)2015 الحمش، منير. «من «مجتمع المخاطر» و«الدولة الرخوة» إلى «الغضب» و«الثورة»... ثم إلى أين؟.» بحوث اقتصادية عربية. العددان 56-55 (صيف - خريف.)2011 حوكا، بن أحمد. «التحولات الثقافية ونشأة الحركات الاجتماعية: دراسة حول دور القيم في إذكاء السلوك الاحتجاجي عند ناشطي حركة 20 فبراير.» مجلة أبحاث. العددان.)2014(60-59

________. «سيكولوجيا الجماهير الثائرة: قراءة من منظور التحليل النفسي وعلم نفس الجموع.» المنبر القانوني: مجلة نصف سنوية محكمة تعنى بالدراسات والأبحاث القانونية والقضائية. العددان 3-2 (نيسان/أبريل - تشرين الأول/أكتوبر.)2012 زمان المغرب كما كان. العدد 26 (كانون الأول/ديسمبر.)2015 الزواوي، حسن. «ثقافة الاحتجاج عند الشباب الصحراوي: مقاربة سوسيولوجية.» المجلة المغربية للسياسات العمومية: مجلة الحوار بين الجامعة والفاعلين. العدد 11 (ربيع.)2014 زين الدين، الحبيب أستاتي. «الممارسة الاحتجاجية بالمغرب: دينامية الصراع والتحول.» عمران للعلوم الاجتماعية والإنسانية. السنة 5، العدد 19 (شتاء.)2017 الصافي، إبراهيم. «الحركة الاحتجاجية في تونس.» المستقبل العربي. العدد 435 (أيار/مايو.)2015 العطري، عبد الرحيم. «سوسيولوجيا الحركات الاجتماعية.» إضافات: المجلة العربية لعلم الاجتماع. العدد 13 (شتاء.)2011

وثائق

«تعديل الدستور في المغرب: إصلاح أم احتواء التحول الديمقراطي؟». تقدير موقف. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. الدوحة. تموز/يوليو.2011 رشيق، عبد الرحمان. «الحركات الاحتجاجية في المغرب من التمرد إلى التظاهر». ترجمة الحسين سحبان. مشروع: «حريات التجمعات والتظاهرات بالمغرب». بدعم من الاتحاد الأوروبي. منتدى بدائل المغرب. الرباط. أيار/مايو.2014 المملكة المغربية، المجلس الاقتصادي والاجتماعي. «ملخص التقرير السنوي 2011». الرباط.

الأجنبية

Books Gurr, Ted Robert. Why Men Rebel. 40 th Anniversary ed. Boulder: Paradigm Publishers,

Laroui, Abdallah. Le Maroc et Hassan II: Un Témoignage. Québec: Les Presses inter universitaires; Casablanca: Éd. du Centre Culturel Arabe, 2005. _________. Les Origines sociales et culturelles du nationalisme marocain: 1830-1912. Textes à l'appui. Paris: F. Maspero, 1977.

Neveu, Erik. Sociologie des mouvements sociaux. Repères 207. Paris: La Découverte,

Lapeyronnie, Didier. «Mouvements sociaux et action politique. Existe-t-il une théorie de la mobilisation des ressources?.» Revue française de sociologie. Vol. 29, no. 4

Periodical