سجال سوسيو أنثروبولوجي حول مساهمة النساء في إعادة إنتاج السيطرة الذكورية
Socio-Anthropological Debate on the Contribution of Women to the Reproduction of Patriarchy
الملخّص
تضيء هذه المقالة جانبًا مهمًّا من جوانب السجال النظري العميق غير المباشر الذي دار بين ثلاثة باحثين حاولوا - من خلال اتخاذ المنظور السوسيو أنثروبولوجي زاوية للتحليل والمقاربة - تشخيص أهم المتغيرات القادرة على استجلاء شروط مساهمة النساء وتواطئهن في إعادة إنتاج السيطرة الذكورية، وأسباب ذلك. يتعلق الأمر بكلٍ من موريس غودلييه، ونيكول-كلود ماثيو، وبيير بورديو.
Abstract
Absrtract: This article highlights an important aspect of the theoretical debate on the contribution of women to the reproduction of male domination within the work of three researchers - Maurice Godelier, Nicole-Claude Mathieu and Pierre Bourdieu. These three thinkers attempted to determine, from a socio- anthropological perspective, the key factors elucidating the causes and conditions surrounding women’s contribution and complicity in reproducing patriarchal systems.
- السيطرة الذكورية
- إعادة الإنتاج
- موريس غودلييه
- نيكول–كلود ماثيو
- بيير بورديو
- Male Domination
- Reproduction
- Maurice Godelier
- Nicole-Claude Mathieu
- Pierre Bourdieu
ملخص: تضيء هذه المقالة جانبًا مهمًّا من جوانب السجال النظري العميق غير المباشر الذي
دار بين ثلاثة باحثين حاولوا - من خلال اتخاذ المنظور السوسيو أنثروبولوجي زاوية للتحليل والمقاربة - تشخيص أهم المتغيرات القادرة على استجلاء شروط مساهمة النساء وتواطئهن في إعادة إنتاج السيطرة الذكورية، وأسباب ذلك. يتعلق الأمر بكلٍ من موريس غودلييه، ونيكول- كلود ماثيو، وبيير بورديو.
Absrtract: This article highlights an important aspect of the theoretical debate on the contribution of women to the reproduction of male domination within the work of three researchers - Maurice Godelier, Nicole-Claude Mathieu and Pierre Bourdieu. These three thinkers attempted to determine, from a socio- anthropological perspective, the key factors elucidating the causes and conditions surrounding women’s contribution and complicity in reproducing patriarchal systems.
Professor of Anthropology and Sociology at the Faculty of Arts and Sciences, University of Ibn Tofail, Kenitra, Morocco.
مقدمة
ما زالت السيطرة الذكورية، بحكم رسوخها الطويل وقوة فاعليتها في الحياة اليومية، تمثِّل واقعًا ملموسًا يهيكل العلاقات الاجتماعية والمؤسساتية وينظمها في معظم المجتمعات الإنسانية المعاصرة، حتى تلك التي يبدو أنها قطعت أشواطًا بعيدة على درب المساواة القانونية الكاملة بين الجنسين، على الرغم من المكتسبات المهمة التي استطاعت الحركات النسائية والحقوقية انتزاعها على مدار العقود الأربعة الماضية. في هذا السياق التاريخي، يبدو أنّ موضوع اهتمام الدراسات الأنثروبولوجية والسوسيولوجية بمجال النوع الاجتماعي، وتحديدًا سوسيو أنثروبولوجيا السيطرة الذكورية، يجب ألّ يقتصر على إعادة بناء تاريخ البنيات الذاتية والموضوعية التي تساهم في إنتاج السيطرة الذكورية وإعادة إنتاجها، أو على إنتاج معرفة علمية مطابِقة عن الأسس المادية التي تولدها وتعضدها، ورصد مختلف أشكال مقاومتها؛ ولكن يجب أن يشمل أيضًا كشف النقاب عن مختلف الأشكال والمضامين الجديدة التي تتخذها، واستجلاء سيرورات التحول المتجدد لفضاءاتها، وتتبع كيفيات انزياح مواقعها وتنقُّلها. بلغة أخرى، عليها أن تتغيّى استكشاف مختلف حقول تمظهرات هذه السيطرة، ورصد تجلياتها الجديدة، وتشخيص الروافد العميقة التي تغذيها، والينابيع الجديدة التي أصبحت ترتوي منها، وتحديد المؤسسات الجديدة التي تعيد إنتاجها، واستجلاء المبررات الأيديولوجية، الصريحة والضمنية، المألوفة والحديثة، التي تشرعنها وتساهم في إدامتها وتأبيدها. في هذا الإطار، انكبّت دراسات جادة على التفكير في إشكالية تواطؤ النساء وانخراطهن في إنتاج السيطرة الذكورية وتأبيدها، في محاولة منها لاستجلاء شرطياتهما المادية والتاريخية، وتشخيص محدداتهما السوسيو أنثروبولوجية العامة، ورصد حواملهما الاجتماعية والثقافية المختلفة، والكشف عن رهاناتهما السياسية والأيديولوجية، وإبراز مفاعيلهما على نضالات الحركات النسائية، وانعكاساتهما على إمكانيات تحسن الشرط النسوي وشروط ذلك. هكذا، تبلورت حول هذه الإشكالية مقاربات نظرية عدة، نتغيى من خلال هذه المقالة التوقف عند أهمها؛ أي تلك التي نعتقد أن استثمارها والاسترشاد بها قد يمثلّان مدخلً مهمًّا يسعفنا في الفهم والإدراك والتفسير لبعض مظاهر مساهمة النساء في إعادة إنتاج السيطرة الذكورية. ويتعلق الأمر بمساهمة كلٍ من: • موريس غودلييه، أهم الأنثروبولوجيين الفرنسيين وأبرزهم في الفترة الراهنة، وصاحب مؤلَّف صناعة الرجال الكبار الذي هو ثمرة سنوات طويلة قضاها مع قبائل البارويا Baruyas في غينيا الجديدة.
(1) Maurice Godelier, La production des Grands Hommes: Pouvoir et domination masculine chez les Baruya de Nouvelle Guinée (Paris: Flammarion, Collection Champs, 2003).
• نيكول-كلود ماثيو (2014-1937)، أنثروبولوجية وسوسيولوجية، مؤلِّفة كتاب علم التشريح السياسي، تفييئات وإيديولوجيات الجنس، وهي من أبرز ممثلات تيار النسائية المادية. • بيير بورديو (2002-1930)، أحد أبرز المراجع العالمية في علم الاجتماع، وصاحب كتاب السيطرة الذكورية الذي اعتمد في صياغة معظم بناءاته النظرية على سجله الميداني الثري الذي راكمه أثناء دراسته منطقة القبائل في الجزائر في أواخر الخمسينيات وبداية الستينيات من القرن العشرين، مستعينًا بتشخيصه الدقيق وتحليله العميق لعلاقة السيدة رامساي، بطلة رواية فيرجينيا وولف المعنونة
نزهة إلى المنار، بزوجها، السيد رامساي، وابنهما جيمس، وببعض أصدقائهم؛ مثل ليلِي بْرِسكوي
وصديقها. لا مِراءَ أن الاستئناس بالاستنتاجات العامة التي تمخض عنها السجال بين هذه المقاربات النظرية
الثلاث ذات القيمة الكشفية المهمة سيمدنا بعناصر الإجابة عن بعض الأسئلة التي لا شك في أنها شكَّلت موضوع تفكير وتأمل لكثير من متتبعي الشأن الثقافي والسياسي في العالم العربي في الآونة الأخيرة؛ مثل: ما الذي يجعل بعض النساء يلتحقن بتنظيم مسلح يتباهى بسبيهن ورجمهن وإجبارهن على ممارسة ما يسميه «جهاد النكاح»؟ وما الذي يدفع نساءً حاصلاتٍ على شهادات عليا إلى الانخراط
في تنظيمات سياسية - دينية تعتبرهن ناقصاتٍ عقلً ودينًا، شهادتهن منقوصة، ويُبطلن صلاة الرجل،
مثلهن مثل الحمير والكلاب السوداء، بمرورهن أمامه؟ وما الذي يدفع المرأة إلى أن تتقبل المهانة والإذلال فتوافق على مرافقة زوجها إلى بيت ضرتها لتخطبها له؟ وما الذي يدفع وزيرة إلى استصغار ذاتها وتبخيسها فتوافق على أن تكون زوجة ثانية لرجل متزوج؟ وما سر خروج بعض النساء للاحتجاج ضد قرار منع التصنيع والتسويق للبرقع الذي يعترفن من خلال ارتدائهن له أن أجسادهن عورة، ومصدر فتنة، وقطعة لحم طرية لا توحي إلا بالافتراس؟ لكن، على الرغم من أهمية هذا السجال، فقيمته الاستكشافية تظل محدودة بحدود مسلَّمات البارادايم الماكروسوسيولوجي، في نسختيه الماركسية والبنيوية، الذي استلهم موريس غودلييه، ونيكول-كلود ماثيو وبيير بورديو منطلقاته النظرية والإبستيمولوجية في تحليل ظاهرة السيطرة الذكورية وتفكيكها. إن استلهام رواد هذا السجال للرؤية البنيوية، مثلً، جعلهم ينظرون إلى النوع باعتباره
نظامًا شاملً، أي مبدأ منظمًا للمجتمع في كلّيته، وعاملً محدِّدًا ومهيكِلً لمختلف حقول
(2) Nicole-Claude Mathieu, L'anatomie politique: Catégorisations et idéologies du sexe (Paris: Côté-femmes, 1991). (3) Pierre Bourdieu, La domination masculine (Paris: Seuil, 1998).
(((أصدر بورديو كتابه سوسيولوجيا الجزائر سنة 958.1 وبعد ست سنوات من هذا التاريخ، أي سنة 964 1، أصدر كتابه الاجتثاث:
أزمة الفلاحة التقليدية بالجزائر، بمشاركة عبد المالك صياد. (((يرى غودلييه، مثلً، أن علاقات الناس بعضهم ببعض، وبالكائنات غير البشرية تشكل «منظومة » Système، أي مجموعة منظَّمة من المفردات Termes ومن العلاقات، وكل منظومة تتميز من غيرها بفضل «بنيتها» أي تتكون من عناصر يؤدي أي تغيير في أحدها إلى تغيير باقي العناصر. وهاته البنيات هي التي تفسر في نهاية المطاف منطق اشتغال هاته العلاقات، انظر:
Laurent Berger, «Par-delà le structuralisme: Maurice Godelier, lecteur matérialiste de Claude Lévi-Strauss,» Gradhiva , no. 21 (2015), pp. 222-247.
المجتمع (الاقتصاد، والسياسة، والقانون، والجنس، والفكر)، وآلية للتصنيف، ولتنظيم المجال، وللأنشطة وللزمن، ومن ثم يؤكدون الطابع العرضاني Transversal والكوني للسيطرة الذكورية. في المقابل، هناك توجهات نظرية وإبستيمولوجية عارضت القراءات المادية والبنيوية والماركسية للسيطرة الذكورية، فأنكرت الطابع الشمولي لهذا النوع من السيطرة، ولم تعترف إلا بأحد أبعادها. تلك حالة النظريات الما بعد حداثية، وخصوصًا نظرية الكوير Queer التي اختزل روادها (خصوصًا جوديث بوتلر، وإيف كوسوفسكي سيدكويك) كل مظاهر السيطرة الذكورية في المجال الجنسي، باعتباره حقلً مستقلًّ عن باقي الحقول الاجتماعية الأخرى. أكثر من ذلك، فابتعاد بعض الباحثين عن البارادايم الماكروسوسيولوجي الذي ينظر إلى الفرد باعتباره محكومًا ببنيات اجتماعية غير واعية
الى حد ما، منفلتة من رقابته، ومن ثم فسلوكه ليس سوى تنفيذ لمعايير وقيم مؤسساتية وأدوار... إلخ، يتم استدخالها واستبطانها من طرف الأفراد، قادهم إلى التشكيك في مشروعية الحديث عن السيطرة الذكورية في الفترة الراهنة ونجاعته. ألان تورين، مثلً، الذي دعا في كتابه عالم النساء علماء الاجتماع الى الذهاب لمعاينة النساء في الواقع والإنصات إليهن، والانفتاح على تجاربهن، باعتبارهن فاعلات اجتماعيات، بدلً من الحديث باسمهن، انتهى الى كون النساء «لايعتبرن ذواتهن ضحايا حينما يتعرضن للعنف أو للظلم، كما يحملن بداخلهن المشاريع الإيجابية، والرغبة في الحياة وفي وجود يتغير بفضل مجهوداتهن». فالرجال في نظره ما زالوا يحتفظون بالمال والسلطة، لكن النساء امتلكن، في الفترة الحالية، شيئين مهمين؛ هما: الكلمة، لأن النساء يتكلمن، ومعنى الأشياء. قاده كل هذا إلى القول إن العالم قد دخل الآن السنوات الخمسمئة من الهيمنة الأنثوية بعد أن ودَّع خمسمئة سنة من السيطرة الذكورية. في الاتجاه نفسه، تؤكد إليزابيث بادنتير، في إطار تشكيكها في وجود سيطرة ذكورية، أن النساء «قادرات بدورهن على تعذيب أطفالهن، وقتلهم، وضرب رفاقهن، واستهلاك الأفلام البورنوغرافية، واستخدام اللُّعب الجنسية، وأيضًا على النظر إلى الرجال بوصفهم أدوات للمتعة الجنسية، أو منتجين للسائل المنوي، وعلى التخلي عنهم إذا لم يستطيعوا إشباع رغباتهن الجنسية، أو شرائهم عند الحاجة». بدورها، تؤكد ناتالي هينيش أن تحرر النساء المتزايد في فرنسا، مثلً، قلل بالتدريج من أهمية إشكالية السيطرة الذكورية ونجاعتها، ما عدا ما يخص الشباب من ذوي الأصول المهاجرة.
(6) Alain Touraine, Le monde des femmes (Paris: Fayard, 2006), p. 26. (7) «Entretien avec Alain Touraine,» Intermag, Avril 2005, accessed on 12/12/2017, at: https://goo.gl/H4v57R (8) Fabienne Martin-Juchat, «Élisabeth Badinter, Fausse route ,» Questions de communication , no. 5 (2004), accessed on 12/12/2017, at: https://goo.gl/SzpG6j (9) Nathalie Heinich, les ambivalences de l’émancipation féminine (Paris: Flammarion, 2003), p. 10.
أولا: موريس غودلييه: موافقة النساء بوصفها أهم ضلع في مثلث السيطرة الذكورية
حاول موريس غودلييه من خلال كتابه في أُس المجتمعات الاٍنسانية الذي يُعَد مدخلً مهمًّا لفهم
مشروعه العلمي الرصين والمتميز، أن يشخِّص بدقة المبدأ الذي أسِّست عليه المجتمعات الاٍنسانية،
ويستجلي مكانة المتخيَّل والرمزي في العلاقات التي تجمع بين أفرادها. في هذا الاٍطار، يسلط بعض
الأضواء الكاشفة على ما سمَّاه «الحقائق» الاٍثنولوجية المُمَأسسَة التي احتُفِي بها عقودًا طويلة باعتبارها
«بدهيات علمية»، محاولً دحضها، وتفكيكها، وإعادة بنائها. تتمثل هاته «الحقائق» بما يلي: • تؤسَّس المجتمعات الإنسانية على تبادل الأشخاص وتبادل الخيرات. وهذا التبادل الأخير يتخذ
بدوره شكلين مختلفين: تبادل السلع، وتبادل الهدايا. • تُعَد علاقات القرابة والأسرة أساس كل مجتمع، وخصوصًا المجتمعات غير المنقسمة إلى طبقات،
أي التي ليست لها دولة، وهي التي نسميها عادة «مجتمعات بدائية». • يمر إنجاب الأطفال بالضرورة عبر الاتصال الجنسي بين رجل وامرأة. • تمثّل العلاقات الاقتصادية القاعدة المادية والاجتماعية للمجتمعات الإنسانية. • يتغلب الرمزي دائمًا على المتخيَّل وعلى الواقعي. في مقابل هاته «الحقائق» الأنثروبولوجية التي تم اعتبارها، مدة طويلة، أبدية، توصل موريس غودلييه إلى الخلاصات التالية: • إلى جانب الأشياء التي نبيعها والتي نهديها، هناك أشياء لا يمكن بيعها أو إهداؤها، ولكن يجب الاحتفاظ بها لنقلها، وهاته الأشياء هي دعامات للهويات التي تصمد أكثر من غيرها مع مرور الزمن.
عن أهمية هذه الأشياء المقدسة التي لا تباع ولا تشترى، يعطي موريس غودلييه مثالً بما تسميه قبائل «البارويا» التي قضى فيها أكثر من سبع سنوات «الكويماتنيي» Kwaimatnié. • ليس هناك مجتمع في الكون يعتقد أن الرجل والمرأة كافيان لإنجاب طفل. ما يصنعانه معًا هو أجَِنَّة
تعمل كائناتٌ تفوق في قوتها الجنس البشري، مثل الأجداد أو الآلهة أو إله واحد، على تحويلها إلى
أطفال بمنحهم نفْسًا وروحًا أو أرواحًا. • تُعَد «الجنسانية» Sexualité البشرية غير اجتماعية A-Social من حيث الأساس. وهذا لا يعني
أنها «معادية للمجتمع» Anti-Social، ومن ثم، يجب ألّ ننظر إليها، على غرار الأنظمة الأخلاقية
(10) Maurice Godelier, Au fondement des sociétés humaines: Ce que nous apprend l’anthropologie (Paris: Flammarion, Champs essais, 2010). (11) Ibid., pp. 39-40. (12) Godelier, La production , pp. 135-136.
أو الدينية، على أنها سلبية؛ فعندما نقول إن الجنسانية غير اجتماعية، فذلك لكي نشير إلى قدرتها على توحيد الأفراد والجماعات الاجتماعية في ظل شروط معينة، وتقسيمهم في ظل شروط أخرى. هذا ما يجعل ممارسة الجنسانية تخضع في كل المجتمعات لإعادة إنتاج علاقات اجتماعية ليس لها علاقة بها. هذا الخضوع هو خضوع «بنيوي» لشروط إعادة إنتاج علاقات اجتماعية تحتويها، وتستخدمها لمصلحتها، وتسيطر عليها. بلغة أخرى، في كل المجتمعات، توضع الجنسانية، بشكليها المختلفين: أي جنسانية الرغبة، وجنسانية إعادة الإنتاج، في خدمة اشتغال وقائع متعددة (اقتصادية، سياسية) ليست لها علاقة مباشرة بالجنس وبالأجناس. • كل العلاقات الاجتماعية، حتى العلاقات الأكثر مادية، تحتوي على «أنوية خيالية» هي أحد
عناصرها الداخلية المشكِّلة لها، وليست انعكاسات أيديولوجية. ويتم تفعيل هذه «الأنوية الخيالية» وعرضها من خلال «الممارسات الرمزية». في هذا الإطار، يدعو غودلييه إلى تجنب ذلك الخلط النظري السائد بين مفهومين مترابطين ومتكاملين؛ هما: المتخيَّل، والرمزي. للإشارة، فإن ما أملى
على غودلييه ضرورة إبراز مساحات الاتصال والانفصال بين المتخيَّل والرمزي في إنتاج العلاقات
الاجتماعية، وتجنب الخلط بينهما، لفهم ثقل كل واحد منهما في إنتاج العلاقات الاجتماعية ومختلف المؤسسات التي تخلقها، هو كون هذا التمييز يمثّل مدخلً لا بد منه لفهم طبيعة العلاقات
بين العنف والرضا، أي الموافقة Consentement في تشكُّل علاقات السيطرة والاستغلال التي تميِّز
المجتمعات التراتبية، واستمرارها. • ليست علاقات القرابة أو العلاقات الاقتصادية هي العلاقات الاجتماعية التي تجعل تجمعًا معينًا من
الجماعات الإنسانية ومن الأشخاص «مجتمعًا»، ولكن ما يسمى في الغرب بالعلاقات السياسية -
الدينية (ما دامت غالبية المجتمعات المعروفة لا تفصل الا نادرًا بين السلطة السياسية والسلطة
الدينية). للتذكير، المجتمع في نظر غودلييه هو «مجموعة من الأفراد ومن الجماعات التي تتفاعل فيما بينها، مستندة إلى قواعد وقيم مشتركة للفعل والتفكير، وتعتبر نفسها جزءًا من ‘الكل’ نفسه الذي
تعيد إنتاجه، أو تجد نفسها مضطرة إلى إعادة إنتاجه في كل لحظة تحاول من خلالها الدفاع عن مصالحها الخاصة. هذا المجتمع يوجد دائمًا قبل ولادة كل فرد». قاد هذا التعريف غودلييه إلى
القول إنه فقط عندما تسمح العلاقات الاجتماعية الدينية - السياسية بالتحديد والشرعنة لسيادة عدد
من الجماعات البشرية على مجال ترابي معين تعتبره في ملكيتها، فتستَغِل موارده استغلالً منعزلً أو جماعيًا، يمكنها أن تجعل من هذه الجماعات مجتمعًا. في هذا الصدد، يؤكد غودلييه أنه لم يجد في قبائل البارويا ذلك الترابط Correspondance الذي وجده ستراوس بين نظام الإنتاج ونظام إعادة الإنتاج مثل القرابة، كما أنه لم يعثر على ذلك الترابط البنيوي الذي يؤكده الماركسيون بين بنيات القرابة وبنيات نمط الإنتاج؛ فالاقتصاد والقرابة، في نظر غودلييه،
(13) Godelier, Au fondement , pp. 42-44. (14) Ibid., pp. 160-161. (15) Ibid., pp. 41-42.
لا يمكنهما تفسير ولادة مجتمع البارويا، ولكن ما يفسرها هو المتخيَّل السياسي والديني، أي خضوع
الجميع لطقوس التأهيل initiation ’ D التي لا تسعى فقط إلى تعليم الشباب الذكور كيف يصبحون مقاتلين وكهنة، ولكنها أيضًا «تحدد كيف يجب أن يُحكم المجتمع، من طرف من، ولماذا، وما النظام والتراتب اللذان يجب أن يسودا فيه». مجتمع البارويا هو مجتمع بلا دولة، وبلا طبقات، ولكنه متراتب من الناحية السياسية - الرمزية. إنه تراتب بين الرجال والنساء، بين الكبار والصغار، بين الرجال الذين يملكون مواهب شخصية مثل البراعة في الصيد وغيرهم، بين العشائر التي تتحكم في الطقوس التأهيلية وتقودها وبين بقية العشائر. هذا يعني أن سلطة الأفراد لا تُستمَد بالضرورة من الثروة الاقتصادية، أي المال، ولكن يمكن أن تُستمَد مما يسميه موريس غودلييه الثروة «غير المادية». لكن علاقة المرأة بالرجل، باعتبارها علاقة سيطرة، هي سابقة على ظهور الطبقات الاجتماعية، بل هي العلاقة القادرة على تفسير كثير من الوقائع الاجتماعية. إنها، في نظر غودلييه، مفتاح فهم مؤسسات البارويا: ممارساتهم اليومية، وطرق تفكيرهم، وانفعالاتهم. بلغة أخرى، الظاهرة الكبرى التي تنظم سلوك الناس هي السيطرة الذكورية التي تعتمد على الطقوس التأهيلية لإبرازها وتفعيلها في كل لحظة؛ فتقسيم العمل بين الجنسين «ليس نقطة انطلاق العلاقات الاجتماعية المنظمة للإنتاج، ولكنه هو بذاته نقطة وصول، هو نتاج علاقات القوة الإنتاجية، المادية والذهنية التي يؤثر المجتمع بها في محيطه لاستخراج وسائل وجوده، ويحدد من خلالها موقع الجنسين في علاقتهما بالموارد الموجودة، أي في علاقتهما بشروط الإنتاج». سيطرة الرجال الاقتصادية، في نظر غودلييه، هي نتاج مجموعة من الطرق Procédés الخيالية والرمزية التي تؤدي إلى تعظيم الرجال على حساب النساء، وتبرير سيطرتهم. لكن سيطرة الرجال الاجتماعية على النساء التي تبرز في البداية على المستوى الرمزي والجنسي سابقة على توزيع الأدوار بين الجنسين. فأساطير البارويا، كما يقول غودلييه، تروي أن النساء هن اللواتي اخترعن الأسلحة، والنباتات المزروعة، بل حتى المزامير التي تُعَد مقدسة، ولا يُسمح إلا للرجال برؤيتها وبسماعها. أما
الرجال، تبعًا لهذه الرواية، فقد كانوا يتمتعون بوضع دوني مقارنةً بالنساء ما دمن هُنَّ اللواتي اخترعن أهم ما يميِّز البشرية. لكن النساء لم يستطعن الحفاظ على سلطتهن؛ إذ أسأن استعمالها. تحكي هذه
الأساطير، مثلً، أن النساء كُنَّ يُمسِكن الأقواس مقلوبة، ويقتلن بذلك المزايا الكبيرة التي تتمتع بها الطريدة... إلخ، فجعل هذا الرجال يضطرون إلى التدخل لينتزعوا منهن سلطاتهن، ويعيدوا بذلك نظام الكون والمجتمع إلى وضعه الطبيعي.
(16) Ibid., pp. 216-217. (17) Godelier, La production , pp. 350-351. (18) Maurice Godelier, «Anthropologie et recherches féministes: Perspectives et rétrospectives,» in: Jacqueline Laufer, Catherine Marry, & Margaret Maruani (Dir), Le travail du genre, les sciences sociales à l'épreuve des différences de sexe (Paris: La Découverte, 2003), p. 26.
في قلب هذا «التفسير الأسطوري لأصول السيطرة الذكورية، نجد الفكرة التالية: كان لا بد من تعنيف النساء لإعادة استتباب النظام الاجتماعي والكوني. لكن غاية هذا العنف كانت تجريدهن من سلطة إنجاب الأطفال، وخصوصًا الذكور منهم. هذه الأساطير وهاته الحكايات، كما يقول غودلييه، مكوِّن خيالي لسلطة الرجال. لكن هذا المتخيَّل يُعبَّر عنه من خلال مختلف الطقوس التي تُعَد ترجمة
رمزية له، وبذلك تُحوِّل هذا المتخيل ا لى موادٍMatériaux وممارسات اجتماعية. يقول غودلييه إن في صلب تفكير البارويا، وفي كل ممارساتهم الرمزية، عنفًا فكريًّا Idéelle وأيديولوجيًّا
يعاد إنتاجه باستمرار موجهًا ضد النساء؛ فكل أساطيرهم تعمل على تلقين احتقار النساء وازدراء قدراتهن. هذا العنف الذي يمارس داخل الفكر وبالفكر، ترافقه أيضًا أشكال أخرى من العنف الفيزيقي (الضرب، والقتل)، والنفسي (السباب، والاحتقار في المجالين العام والخاص)، والاجتماعي (إجبار المرأة على الزواج برجل لا تريده، أو فصلها عن أبنائها). في المقابل، إذا كانت مظاهر أنواع العنف الوقائعي لا تظهر إلا نادرًا في حياة المرأة، مثل الحالة التي يصل فيها نزاعها مع زوجها إلى ذروته، فالعنف الفكري يوجد دائمًا في قلب كل مفاصل التنظيم الاجتماعي للبارويا، وفي كل مظهر من مظاهر ممارساتهم. هو فعال،
كما يضيف غودلييه؛ لأنه بظهور هاته الأفكار التي تحتقر المرأة، فإنها تستطيع أن تُنتِج مشروعيتها الخاصة، فتبرر مختلف أشكال العنف الأخرى (الفيزيقي، والنفسي... إلخ) التي تتجاوز الفكر وتفيض عنه، ولكنها تعود باستمرار لتتكئ عليه، ليتم الاعتراف بها بوصفها جزءًا من «نظام الأشياء». يقود هذا غودلييه إلى القول إن «قوة الرجال ليست في ممارسة العنف، ولكن في قبول النساء وموافقتهن على الخضوع لسيطرتهم. وهاته الموافقة لا يمكنها أن توجد من دون أن يقتسم الرجل والمرأة التمثُلّات نفسها التي تشرعن السيطرة الذكورية». فاقتسام التمثُلّات نفسها بين الجنسين، الذي يعتبره غودلييه القوة الأساسية الصامتة وغير المرئية للسيطرة الذكورية، يعبِّر عن ذاته من خلال
أغاني النساء، ورقصاتهن التي يَحُمْن من خلالها حول النار ليلً بعيدًا عن نظرة الذكور، ومَشاهدهِنَّ
الاٍيمائية، ويُستشفُّ بصورة أوضح من خلال طقوسهن التأهيلية التي لا تتعارض في مضامينها وغاياتها القصوى مع الطقوس الذكورية، الأمر الذي يجعلها صيغة من صيغها التكميلية، أي امتدادًا لها في وعي النساء وممارستهن؛ فهي لا تعمل سوى على تذكير الفتاة التي بدأت تحيض بواجباتها تجاه زوجها: تهيئة الطعام له، ومعاشرته جنسيًّا متى أراد ذلك، والطاعة المطلقة... إلخ. في ضوء ما سبق، تصبح السيطرة الذكورية في نظر غودلييه مثلثًا بثلاثة أضلاع؛ الضلع الأول هو العنف، والضلع الثاني الذي يعتبر محوريًّا هو موافقة النساء، أما الضلع الثالث فهو تقسيم النساء وضرب
وَحدتهن المحتملة أمام الرجال. ان أفضل مثال على ذلك هو غيرة النساء فيما بينهن التي تخلق نزاعات
دائمة تؤدي أحيانًا الى القتل، خصوصًا بين الضرائر.ٍ
(19) Ibid., pp. 26-27. (20) Godelier, La production , p. 232. (21) Ibid.
لكن الحديث عن الموافقة بوصفها مصدرًا من مصادر السلطة الذكورية يجب ألّ يقودنا، كما يقول
غودلييه، الى الاعتقاد أن النساء يوافقن في كل لحظة وفي كل مكان على وضعهن هذا؛ فالنساء يقاومن بأشكال مختلفة، ويتمردن بصيغ متعددة ضد شطط هاته السيطرة. من بين وسائل المقاومة التي تستخدمها المرأة في البارويا، يمكن أن نذكر: تناسي تهيئة الطعام لزوجها، أو الامتناع من معاشرته جنسيًّا، أو التعارك الجسدي معه، أو حتى قتله أحيانًا. في المقابل، إذا كانت المرأة، من خلال هاته الأشكال الفردية للمقاومة والتمرد، تُعبِّر فكرًا وممارسةً عن رفضها السيطرة الذكورية، فهذا لا يعني أنها تتصدى لمبدأ السيطرة في ذاته. فهناك مقاومة، وربما تمرد، «ولكن ليس هناك نموذج نسوي مضاد معارض في كلِّيَّته للنظام الاجتماعي السائد. فأفكار الجنس المُسيْطِر يبدو أنها تظل هي الأفكار
المسيطِرة». عمومًا، دراسة غودلييه لقبيلة البارويا بمعطياتها الميدانية الغزيرة جعلته يتوصل إلى مجموعة من الخلاصات النظرية التوجيهية المهمة التي يمكن أن يساعدنا الاسترشاد بها على فهم إشكالية استبطان النساء السيطرة الذكورية وإعادة إنتاجها. ويمكن تكثيف هذه الخلاصات على النحو التالي: • يعتبر غودلييه أن في عمق السلطة رهانًا Enjeu أساسيًّا هو أحد الميكانيزمات الداخلية لاشتغالها،
وقوة جوهرية تجعل الأشياء تظل كما هي. هذا الرهان هو ما يسميه «بارادايم المشروعية». فأقوى قوة السلطة، في نظره، ليس العنف لكن موافقة المُسيطَر عليهم على السيطرة عليهم. فكل أشكال
السيطرة (جنسية، طائفية، طبقية، عرقية... إلخ) لا يمكن أن تكون مُبرَّرَة ومُشَرْعنة إلا عندما يحس
ضحاياها أنهم مسؤولون عن الشقاء الذي يعانونه، ومن ثم، فكل سلطة لا تعيد إنتاج نفسها على نحوٍ دائم إلا إذا كانت تستمد قوتها من موافقة الذين يخضعون لها. تنطلق هذه الموافقة من تمثُّل معيَّن يتقاسمه الحاكمون والمحكومون. • هاته الاضاءات النظرية جعلت غودلييه يلح على كون السيطرة الذكورية لا يمكنها أن تستمر وتعيد إنتاج ذاتها إلا إذا تم استبطانها والاعتراف بها لتُعاش على نحو عادي من طرف النساء باعتبارها طبيعية، مقبولة ومشروعة. ومن ثم فهي تُمارَس بتواطؤ النساء اللاتي يقتسمن مع الرجال التصورات
والمسلّمات نفسها عن العالم الاجتماعي، الشيء الذي يجعلهن يعترفن بمزايا هاته السيطرة، ومشروعيتها، وضرورتها، ومن ثم قبولها والموافقة عليها. هاته الموافقة يعتبرها غودلييه ضلعًا محوريًّا من مثلث السيطرة الذكورية إلى جانب ضلعين آخرَين، أقل أهمية منه، أي العنف بمختلف
أشكاله، والحرص على ضرب كل وحدة أو تكتُّل محتمَل بين النساء.
(22) Ibid., pp. 234-235. (23) Ibid., p. 236. (24) Maurice Godelier, «Réflexions sur les paradigmes et les paradoxes de la «légitimité» des rapports de domination et d'oppression,» Communications , vol. 28, no. 1 (1978), p. 24.
• قادت كل الاعتبارات الآنفة الذكر غودلييه إلى الاستنتاج التالي: على المستوى السياسي والثقافي، لا يكفي بتاتًا إقرار المساواة في الحقوق والواجبات بين الرجال والنساء داخل الأسرة وداخل العلاقات القرابية لاستئصال سيطرة الرجال على النساء من دون التصدي للمضامين والأشكال الأيديولوجية التي تميز السيطرة الذكورية. بلغة أخرى، يوجد الرهان الأساسي لتحويل العلاقات غير المتكافئة بين الجنسين خارج الأسرة، أي في المكانة التي يحتلها الرجال والنساء داخل العلاقات السياسية - الدينية التي تسمح بالتحكم في المجتمع برمته.
ثانيًا: نيكول - كلود ماثيو: الرضوخ ليس الموافقة
إذا كان موريس غودلييه يرى أن العنصر المحدِّد في إنتاج سلطة معينة وإعادة إنتاجها ليس عنف المسيطِرين ولكن موافقة المُسيطَر عليهم على السيطرة عليهم، أي اشتراكهم في التمثلاث نفسها،
فنيكول-كلود ماثيو حاولت، من خلال مقالتها الأشهر المنشورة سنة 9851 بعنوان «عندما يختلف
الرضوخ عن الموافقة»، محاججة هذه الفكرة، مبرِزةً تهافتها وضعفها، ومفندة ما يشكل أُسَّ
صرحها النظري، أي مفهوم الموافقة. هذا المفهوم الذي يمثّل جزءًا لا يتجزأ من البناءات النظرية حول
السيطرة، يعبر في مضامينه العامة عن وقائع متعددة ومتشابهة؛ مثل: قبول الوضعية المعيشة، والانخراط الأيديولوجي، واقتسام الأفكار المسيطرة، والتعاون... إلخ. في مسعاها هذا، تنطلق من التساؤل التالي: هل درجة معرفة وقائع السيطرة والأفكار التي تتشكل حولها هي نفسها لدى المسيطرين والمسيطَر عليهم؟ تجيب أنّ هناك نوعًا من اللاتناظر بين وعي المسيطِر ووعي المسيطَر عليه؛ لأن الأول، عكس الثاني، يعرف طريقة الاستعمال، والميكانيزمات الاقتصادية، والتبريرات الأيديولوجية، والإكراهات المادية والنفسية التي استُعمِلت والتي يجب استعمالها. لكن
إذا كان المسيطِر يعرف السيطرة فهو لا يعرف معيشة الاضطهاد، أي الوجه الآخر للعملة، كما أن الذي يصطلي بالاضطهاد ويعيش مضطَهدًا قد لا يعرف جيدًا ما السيطرة والاضطهاد. من بين أهم مميزات وعي المسيطَر عليهم ولاوعيهم نجد: الإحساس بالذنب، والافتقار إلى معرفة القواعد المسكوت عنها التي تحكم العلاقات بالحاكمين، والكيفية التي يشتغل بها المجتمع واقعيًّا،
لأن معرفتهم بالقواعد السائدة، والقوانين، والعادات... إلخ، تظل في مجملها سطحية، تفتقد الجدية والعمق. لهذا، تؤكد ماثيو أن التسليم بوجود موافقة معينة يفترض بالضرورة التأكد من مدى تشخيصنا
(25) Maurice Godelier, «Femme: sexe ou genre?,» in Maruani Margaret (Dir), Femmes, genre et sociétés. L’état des savoirs , TAP/Hors-série (Paris: La Découverte, Coll., 2005), p. 20. (26) Nicole-Claude Mathieu, «Quand céder n’est pas consentir. Des déterminants matériels et psychiques de la conscience dominée des femmes et de quelques-unes de leur interprétations en ethnologie,» in: Mathieu Nicole-Claude et al, L’arraisonnement des femmes. Essais en anthropologie des sexes , Cahiers de l’Homme, nouvelle série, 24 (Paris: Éditions de l’EHESS, Coll., 1985).
لقد أعادت نشر هذه المقالة في:
Mathieu, L'anatomie politique: Catégorisations et idéologies du sexe. (27) Ibid., pp. 147-148.
الدقيق لحجم تكبيلات الوعي التي تخضع لها النساء في كل مجتمع. ترتبط هذه التقييدات الذهنية ارتباطًا وثيقًا بالإكراهات الفيزيقية التي تؤثر في علاقاتهن بالرجال من جهة، وبسيرورة التَّكْبيل التي
تَحدُّ من معرفتهن بالمجتمع من جهة أخرى. فإذا كان التعب الفيزيقي المستمر يؤدي حتمًا إلى التعب الذهني، فماثيو ترى أن المجهودات الفيزيقية
التي تقوم بها النساء إما لا يُعترَف بها، وإما يتم التنقيص منها. فتعَبُهنّ غير معروف، ومدة عملهن طويلة
ومشتتة في شكل حلقات تراكمية، وغالبًا متقطعة، ونادرًا ما يتمتعن بوقت فراغ حقيقي مثلما هو شأن
الرجال. فالتكبيل الفيزيقي والذهني للنساء الناتج من حيث الأساس من عبء اهتمامهن بالأطفال تعرفه جيدًا السلطة الذكورية التي تخلط، من أجل أن تبرر ذاتها، بين النتيجة والسبب، فتجعل من تقييد النساء سببًا، وليس نتيجة، لحرمانهن من السلطة. في هذا الصدد، لا تكتفي ماثيو باعتبار أن رعاية الأطفال، بالتعب الفيزيقي والذهني الذي تنتجه، واسطة تكبيلية في علاقة النساء بذواتهن، لكنها تتساءل أيضًا عن دورِ متغيرٍ آخر لا يخلو من أهمية في نظرها، وهو مراقبة الرجال النساء، بوصفهم أزواجًا، وإخوة، وآباءً، وأبناء، وأعمامًا... إلخ، بحسب
طبيعة المجتمعات. تصبح هاته المراقبة بمنزلة شاشة حقيقية بالمعنى المزدوج للكلمة: شيء متدخل Interposant في الوعي، وواجهة معتَّمة ينعكس من خلالها منطق التناقض الذي يطبع حياتهن
الخاصة، ولا يخلو كلاهما من انعكاسات قاتلة على وضعيتهن. يتعلق الأمر هنا بنوع من الغزو، كما تضيف ماثيو، تتعرض له النساء على مستوى وعيهن ولاوعيهن، كنتاج طبيعي لعلاقات السلطة الموضوعية بين الجنسين، وخصوصًا لتبعيتهن الموضوعية للرجال التي تنتج لديهن بالضرورة نوعًا من
تبَنْيُن الأنا Structuration. وفي محاولة تشخيصها أسباب تقييد الوعي الذاتي لدى النساء، تؤكد ماثيو أن كل اقتسام للتمثُلّات، والقيم، والأيديولوجيا، أو الخيرات المادية بين الرجال والنساء لا بد من أن يكون اقتسامًا غير متكافئ؛
لأن المسيطِر والمسيطَر عليه لا يتلقَّيان المعلومة نفسها، من حيث الكم والكيف، حول المعارف
والتمثُلّات والقيم. إضافةً اٍلى هذا، فالمعلومة لا يمكن أن تكون نظريًّا هي «نفسها»، والتجربة
المعيشة لا يمكن أن تكون هي نفسها بين من يعيش في الضفة الأولى للحاجز ومن يعيش في ضفته الثانية. أكثر من ذلك، كما تؤكد ماثيو، أن كثيرًا من المجتمعات لا تكتفي بإخفاء بعض القيم مثل
الشجاعة أو الكرامة عن النساء، لكنها تخفي عنهن أيضًا كثيرًا من المعارف؛ لأن تطبيقها، مثله مثل
المواقع الاجتماعية التي يمكنها أن تسمح بذلك، يظل ممنوعًا. يتعلق الأمر بمعارف تقنية تضمن
التحكم في الاشتغال الاجتماعي، في تنظيم الإنتاج والتبادلات مع الآخر بأدوات مستقلة للدفاع الذاتي والجماعي... إلخ.
(28) Ibid., p. 154. (29) Ibid., pp. 155-156. (30) Ibid., pp. 163. (31) Ibid., pp. 165-166. (32) Ibid., p. 190. (33) Ibid., p. 198.
إذا كان غودلييه يرى أن السيطرة الذكورية تظل مقبولة إلى حدٍّ بعيد من طرف النساء، لأنها نادرًا ما تمثِّل موضوع احتجاج أو مقاومة، الشيء الذي لا يعني في نظره أن الموافقة والعنف هما واقعتان يستبعد بالضرورة كل منهما الآخر - بما أن هاته السيطرة تتضمن دائمًا نوعًا من التهديد الافتراضي باللجوء إلى
العنف ما إن تَخْفُت درجة الموافقة عليها أو يحل الرفض والمقاومة محلها - فماثيو تكشف تهافت هاته الأطروحة بسبر خلفياتها وموجهاتها العامة. وتؤكد، عكس غودلييه، أن «العنف ضد المسيطَر عليه لا يُمارس فقط ما إن ’تضعف درجة الموافقة‘، بل يُمارَس قبل ذلك، وفي كل مكان، ويوميًا، ما إن يفقد
المُسيطِر مكانته الطبيعية في ذهن المُسيطَر عليه، ولو بصورة غير واعية، ولو لم يكن ‘يرغب’ في ذلك،
في حين أن المسيطَر عليه لا يوجد بتاتًا في مكانته الطبيعية، الأمر الذي يفرض بالضرورة تذكيره بمكانته هاته دائمًا: إنه الضبط الاجتماعي». لهذا، فعندما يؤكد غودلييه، في إطار استحضاره مختلف أشكال العنف التي تتعرض لها المرأة، أن المرأة تتعرض دائمًا للعنف الفكري والأيديولوجي (الأساطير والتمثلات)، خلافًا للعنف الوقائعي،
أي الفيزيقي، والنفسي، والاجتماعي الذي لا يحضر إلا نادرًا في حياتها، تؤكد ماثيو أن هاته الفكرة مجانبة للصواب؛ لأنها لا تعكس الصورة الحقيقية لواقع النساء بأي حال. وترى أن العنف الوقائعي هو الذي يحضر دائمًا في حياة المرأة، لأن التقييدات المفروضة على حياة المرأة هي وقائعية، ومتعددة،
ويومية، وليس العنف الفكري، أي الأفكار التي تشرعن السيطرة، الذي لا يحضر دائمًا إلا في وعي
الرجال فقط. إذا كانت الأفكار في نظر غودلييه تتحول إلى حركات، وأفعال، وتصبح استجابة جسدية، فهاته السيرورة لا يمكن إسقاطها، في نظر ماثيو، إلا على المُسيطِر المهووس بمشروعية وجوده. أما المُضطهَد فإذا
كانت هناك «نواة عنف أيديولوجي ورمزي» تتخلل ممارساته اليومية فلا يمكن تفسيرها بسلطة أفكاره التي «يتقاسمها» مع مُضطَهِده، ولكن بعملية الاستجابة بالمعنى البافلوفي. ليست أفكار المضطهَد
هي التي تصبح استجابات جسد، ولكن الاستجابات المادية التي تُفْرَض وتُمارَس منذ الطفولة على
النساء، حتى قبل خضوعهن للطقوس التأهيلية، أي تلك الأوامر التي تتلقاها، هي التي تتحول إلى أفكار تعمل في نهاية المطاف على ترويضهن. على سبيل المثال، تقول ماثيو، نبدأ بمنع الفتاة من الجري، ثم نجعلها تخدم أباها وإخوانها (أو زوجها المستقبلي)، بعدها تستنتج أن الرجال يُسمح لهم
بالجري، وأنه من الضروري خدمتهم. يقودها هذا إلى قول إن الاستنتاج القهري Constat Forcé لا يُعَد موافقة. علاوةً على هذا، تؤكد ماثيو أنه ليس من السهل المرور من الواقعة السوسيولوجية المتمثلة في كون أفكار الطبقة (الجنس... إلخ) المسيطرة هي الأفكار السائدة، إلى التفسير (النفسي) الذي يرى أن هذه
(34) Ibid., pp. 208-209. (35) Ibid., pp. 209-210. (36) Ibid., p. 211. (37) Ibid., pp. 211-212.
الأفكار هي التي تتحكم في وعي المسيطَر عليه. وتحذر ماثيو بشدة من «الانزلاق» من سيكولوجيا
المضطهِد، الى سيكولوجيا المضطهَد. لهذا، هي لا تعتقد أن فكرة «الخدمات» التي يقدمها الرجال للنساء هي التي تحضر أساسًا في وعيهن كما يعتقد غودلييه، ولكن اجتياح أجسادهن ووعيهن عن
طريق التوسط Interposition، وعبر الحضور الفيزيقي والذهني الدائم والقهري، هو الذي يجعلهن يرضخن ويتنازلن. ومن ثم، إذا كان الرجال لا يضطرون إلى استعمال الضرب والاغتصاب في كل لحظة، فهذا لا يعني، في نظر ماثيو، أن النساء «يوافقن». فمسألة اقتسام التمثلات التي تشرعن الهيمنة الذكورية أو انعدام اقتسامها تبدو أقل أهمية مقارنةً بالعنف أو الإكراه الفيزيقي والذهني باعتباره زاوية مغروزة في وعي النساء، وجرحًا عميقًا في أذهانهن، يمنعهن من القيام بفعل انعكاسي لتأمل الذات
في أفق تجاوز قصورها، ومساءلة معيقات محيطها، وتحرير طاقتها المعطلة، وفتح أبوابها الموصدة. فاضطهاد النساء، المُؤسَّس على استغلال أعمالهن وأجسادهن، وهو الذي يعبر عن ذاته، في نظر
ماثيو، من خلال تخدير حقيقي لوعيهن بفعل التقييدات الملموسة، المادية والفكرية، المفروضة عليهن، يجعل كل حديث عن موافقتهن مجانبًا للصواب. والأدهى من ذلك أنهن إن استفقن أثناء فترة
التخدير، أي إذا أبدين مقاومة معينة، فلن يتعرضن للضرب، أو للشتم، أو حتى للموت فقط، ولكن سيتعرضن لنوع آخر من العنف تعتبره ماثيو مركزيًّا وأساسيًّا: «إنه غياب إمكانيات هروب النساء في
معظم المجتمعات، لأن أي مغامرة من هذا القبيل لن تكون سوى استجارة من الرمضاء بالنار، أي فرار من سلطة جماعة معينة من الرجال والارتماء في أحضان جماعة أخرى من الرجال». لذلك، فإن أهم أشكال عنف السيطرة في نظر ماثيو، هو ذلك الذي يعمل على التكبيل وتقييد الإمكانات لنطاق فعل النساء وتفكيرهن: تقييد حرية الجسد، وتقييد الوصول إلى الوسائل المستقلة والمتطورة في الإنتاج والدفاع (الأدوات، والأسلحة)، وإلى المعارف، والقيم والتمثلات، ومنها التمثلات المتصلة بالسيطرة. قاد هذا الاستنتاج ماثيو إلى القول إنه إذا كان ضروريًّا الحديث عن «العنف» وعن «الموافقة»، فيجب
توسيع الحقل الدلالي لكلمة عنف، وتضييق مفهوم الموافقة في حالة كل المضطهَدين، وخصوصًا
النساء، إلى درجة يبدو معها كأننا نحتفظ فقط بكلمة العنف، إذا كنا نستحضر فعلً وقائع الاضطهاد والسيطرة. فالمُضطِهد هو في وعيه مسيطر يتنفس فوق المرتفعات، أما المضطَهد أو المقموع فيختنق
في الهاوية. وإذا كان ضروريًّا الحديث عن الموافقة على السيطرة، فيجب بالأحرى الحديث عن موافقة
المُسيطِرين. يمتلك المُسيطِرون، إضافةً إلى امتيازاتهم الملموسة، امتيازًا آخر، هو نحتُ متخيَّلِ الواقع؛ حيث تُصنع
مشروعية سلطتهم. فمشكلة المشروعية، أي إضفاء المشروعية على السلطة، هي مسألة تهم المسيطِر
(38) Ibid., p. 212. (39) Ibid., pp. 112-113. (40) Ibid., p. 216. (41) Ibid.
الذي يحتاج إلى سبب وتبرير لممارسة سلطته والاحتفاظ بها. أما المسيطَر عليه فغارق في الملموس، وحصته الافتراضية (المحدودة دائمًا) من معرفة «مشروعية» اضطهاده إذا وُجدت لن تكون سوى نقطة
ماء بلا طعم في محيط تعبه. فالمضطهِد والمضطهَد هما شخصان لا يحملان وعيًا متطابقًا، لأنهما
يوجدان في وضعيات متعارضة. وهكذا، فليس «اعتراف» النساء بمشروعية سلطة الرجال وبمزايا خدماتهم هو العنصر المُحدِّد في إعادة إنتاج السلطة الذكورية (كما يعتقد ذلك غودلييه الذي يستحضر
اللجوء الاستثنائي طبعًا، إلى العنف بوصفه متغيرًا ثانويًّا)، ولكنه وعي النساء المقيَّد والخاضع للكشف
والإشهار Médiatisée، والجهل الذي يرافق كل وضعيات الاضطهاد، والإكراهات المادية، وأخيرًا
العنف باعتباره القوة الأساسية التي تعمل على إعادة إنتاج علاقات السيطرة. لهذا، كما تقول ماثيو، فالحديث عن الموافقة على السيطرة يعني القفز على مسألة الاستيعاء Conscience de Prise La. في هذا الصدد، ترى أن غودلييه يخلط زمنيًّا بين الوقائع، لأنه يتحدث منذ
البداية عن «الموافقة على السيطرة» لوصف حالة تسبق عمليًّا مرحلة الاستيعاء، بعد ذلك يؤكد ضرورة
التساؤل عن الشروط التي تؤدي إلى الاستيعاء، أي الشروط التي ستؤدي إلى الوعي بأهمية العلاقات السياسية - الدينية في إعادة إنتاج السيطرة الذكورية. وتضيف ماثيو أن مفهوم الموافقة، حتى إذا سلَّمنا بقبوله، لا يمكنه أن يشير إلا إلى تلك المرحلة اللاحقة، أي مرحلة الاستيعاء. ان التسليم بالقول إن شخصًا مُسيطَرًا عليه يوافق على وضعيته، يفترض الإقرار المسبق بأنه ينظر إلى
ذاته بوصفه شخصًا، أي ذاتًا فاعلة في علاقة السيطرة هاته، ومن ثم، يكون قد فهم بالاستتباع مضامين
هذه العلاقة، واستوعب جيدًا أبعادها، فخضع بذلك لنوع من التحوُّل الذاتي، ليكون في تناغم مع
وضعه الجديد. لكن وقائع الاضطهاد والسيطرة تؤكد، كما تقول ماثيو، أن أقوى نفي للاضطهاد يمكن استشفافه لدى المضطهَدين/ المضطهدات. هذا النفي، الذي لا يمكن اعتباره موافقة بأي حال، يتخذ شكلين: • الإنكار، بالمعنى الفرويدي، أي رفض الذات الاعتراف بشيء ما موجود في الواقع، الى درجة
«تكذِّب» الإدراك نفسه. تنصبُّ هذه العملية على الشيء الذي لا يمكن قبوله واقعًا. مثلً: إنكار
المضطهَد ورفضه الاعتراف بحقيقة الاضطهاد الذي يعيش فيه وكونه واقعًا. • التكذيب، أي أن يرفض الفرد ربط كل فكرة وكل إحساس ينتابه بصورة لا شعورية، وبناءً عليه غير
قابل للكبت، بالأنا، لأن الذات ترفض، من خلال هاته الآلية الدفاعية، التمثُّل الذي لا تستطيع تحمُّله، متظاهرة بأنها لا تريد معرفة أي شيء عنه.
(42) Ibid. (43) Ibid., p. 217. (44) Ibid. (45) Godelier, «Femme: sexe ou genre?,» p. 20. (46) Mathieu, L'anatomie politique: Catégorisations et idéologies du sexe , pp. 217-218. (47) Ibid., p. 218.
تسترسل ماثيو في تفنيد فكرة موافقة المضطهَدين/ المضطهدات على علاقات السيطرة التي تربطهم بمضطهِديهم، كما بلورها غودلييه، فتطرح بطريقة استنكارية السؤال التالي: إذا افترضنا جدلً حقيقة هاته الموافقة وواقعيتها، فكيف نفسر وجود مضطهَدين/ مضطهدات ذوي وعي وإدراك عاليَين بعلاقات
السيطرة والاضطهاد، يكرسون جزءًا مهمًّا من وقتهم في تحليل وضعية الاضطهاد الذي يعيشونه فيما
بينهم، وقسطًا كبيرًا من طاقتهم في محاولة كشف آلياته للذين يقتسمون معهم هاته التجربة؟ عمومًا، إذا أردنا تلخيص ما سبق ذكره، يمكن القول إن ماثيو تعارض غودلييه عندما يتحدث عن موافقة النساء على اضطهادهن التي تفترض التسليم بأن النساء هن ذوات متساوية مع الرجال، يتمتعن بوعي كامل حر، ويعرفن جيدًا كل بنود التعاقد، ويقبلن بنتائجها الكاملة وبعواقبها التدميرية، في حين إنهن لا يعرفن في الواقع كل البنود والالتزامات المتضمَّنة فيه. على عكس النساء، فالرجال قادرون، بفعل
موقعهم المسيطِر، على معرفة ميكانيزمات السيطرة الذكورية. بلغة أخرى، فالرجال والنساء، المضطهِد والمضطهَد، لا يحملون وعيًا متطابقًا، ولكن ذوات لها وعي مُمَوْضَع مرتبط بطبيعة الموقع الذي يحتله
كل طرف في العلاقات الاجتماعية التي تنتج أثرًا غير متماثل في وعيهما، وهي علاقات سيطرة بالدرجة الأولى. لهذا، يبدو مفهوم الموافقة في نظر ماثيو تافهًا إذا ما أسقِط على الذات المضطهَدة والمسيطَر عليها (أي النساء). تتجلى هذه التفاهة أيضًا في كون التسليم بموافقة المضطهَد (أي النساء) ينزع كل مسؤولية عن المضطهِد (أي الرجال)، فينزه سلوكه من كل تهمة مشينة، على اعتباره أنه التزام بأركانٍ وشروط في تعاقد اجتماعي كلاسيكي أُبرم بين طرفين في كامل قواهما العقلية والبدنية. الأخطر من ذلك، كما تقول ماثيو، أن الحديث عن موافقة المضطهَد (المرأة) لا يكتفي فقط بإلغاء مسؤولية المضطهِد (الرجل)، وجعل وعي المضطهَد (المرأة) بالضرورة وعيًا حرًّا، ما دام الوعي «الجيد» يصبح ملكًا
للجميع، ولكنه يلقي أيضًا بالمسؤولية على المضطهَد (أي على المرأة). لهذا، فرضوخ النساء، في نظر ماثيو، بفعل التقييدات والتكبيلات اليومية المستمرة التي تمارَس على أجسادهن ووعيهن فتجعلهن عاجزات عن تجاوز قصورهن الذاتي ومساءلة محيطهن، لا يعني بتاتًا موافقتهن.
ثالثًا: بيير بورديو: العنف الرمزي وتأثيره السحري في النساء
حاول بيير بورديو إماطة اللثام عن آليات السيطرة التي تتحكم في البنيات الموضوعية للحقول المجتمعية - وهي الآليات التي تعمل، بنوع من التخفي والاحتجاب، على مواراة علاقات القوة الكامنة فيها - واستجلاء شروط الإنتاج وإعادة الإنتاج والتأبيد والتحويل للتراتبات الاجتماعية بمختلف مظاهرها التي تعبِّر عن طبيعة بنيات مجتمع معين في لحظة تاريخية معينة.
(48) Ibid., p. 220. (49) Ibid., p. 224. (50) Ibid., pp. 224-225.
اشتغال بورديو على سوسيو أنثروبولوجيا السيطرة قاده إلى محاولة تفكيك ما سماه «مفارقة الدوكسا» التي لخص مضامينها في السؤال التالي: «كيف يمكن أن نفهم أن النظام القائم بعلاقات السيطرة التي تطبعه، وبحقوقه ومحسوبياته، وبامتيازاته ومظالمه، يستطيع، في نهاية المطاف، أي باستثناء بعض الحوادث التاريخية العرَضية، إعادة إنتاج نفسه بنوع من اليسر إلى حدٍ ما؟ وكيف تستطيع شروط
الوجود التي لا يمكن تحمُّلها أن تبدو غالبًا كأنها مقبولة وطبيعية؟». في هذا الإطار، عمل بورديو على تشريح مختلف أنماط السيطرة الاجتماعية، وإبراز اعتباطيتها، ونزع القداسة عن الأفكار والأنظمة الرمزية التي تبررها وتعيد إنتاجها، انطلاقًا من تحليل مادي لاقتصاد الخيرات الرمزية، يتجاوز من خلاله ما يسميه «المادية الابتدائية» التي تضع نوعًا من التعارض بين «الرمزي» و«الواقعي»، ويستلهم شبكة قراءته وتحليله من المتن الماركسي والفيبري، ويتكئ على بعض أدوات التحليل المنحوتة أو المُحيَّنَة والمُبيَّأة (مثل: الحقل، ورأس المال، والهابيتوس، والسلطة الرمزية، والعنف
الرمزي، وسوق الخيرات الرمزية... إلخ) التي سعى من خلالها إلى تجاوز ثنائيات: المادي/ الرمزي، والذاتي/ الموضوعي، والجسد/ الذهن، بتركيزه على موضوعية التجارب الذاتية للسيطرة. من هنا يأتي اهتمام بورديو بآليات السيطرة الرمزية داخل العلاقات الطبقية، وتأكيده دور الخيرات الرمزية في إعادة إنتاج التراتبات الاجتماعية. هكذا، اعتبر أن كل سيطرة اجتماعية (لفرد، أو جماعة، أو طبقة، أو أمة... إلخ) يُفترَض فيها أن تكون محط اعتراف، وقبول، ومشروعية؛ أي تحظى بمعنى إيجابي يجعل
المسيطَر عليه يتبنى تصورات المسيطِر، ومسلماته ومقولاته، وبذلك يشتركان ويتواطآن في إعادة إنتاج النظام الاجتماعي وإضفاء المشروعية على تراتباته المادية والرمزية. في المقابل، لم يحصر بورديو علاقات السيطرة في حقل الوعي والإرادة، ولم يحررها من علاقة التحدُّد التي تربطها بالحقيقة الموضوعية لعلاقات القوة التي تميز المجتمع، ولم يجردها من تأثير صراعاته الاجتماعية المادية والرمزية. فلقد اعتبر بورديو أن إضفاء المشروعية على علاقات السيطرة هاته بمختلف أشكالها يتم باستخدام ما يسميه «العنف الرمزي» الذي لا يمارَس إلا بتواطؤ نشيط، واعٍ وإرادي، من أولئك الذين يأبون الاعتراف بأنهم يخضعون له، لكنهم يمارسونه ويرفضون تصنيفه عنفًا. ولعل من بين ما يفسر هذا التواطؤ أو يبرره أن هذا العنف هو «عنف لطيف، غير محسوس، غير مرئي لضحاياه أنفسهم، يمارَس في جوهره بالطرق الرمزية الصرف للتواصل والمعرفة أو، تحديدًا، بالتجاهل، بالمعرفة أو بالعواطف، إذا اقتضى الأمر. هذه العلاقة العادية بشكل غير عادي، تمثّل مناسبة مفضلة لاستجلاء منطق السيطرة التي تمارَس باسم مبدأ رمزي معروف ومعترَف به من طرف المسيطر والمسيطَر عليه، مثل لغة معينة (أو لفظ معين)، أو
نمط حياة (أو طريقة في التفكير، أو الكلام، أو التصرف)، وعمومًا، خصيصة مميزة، شعارًا أو وصمة، لعل أكثرها فاعلية وتأثيرًا من الناحية الرمزية تلك الخصيصة الجسدية الاعتباطية بالكامل وغير القابلة
للتوقع التي هي لون البشرة».
(51) Bourdieu, La domination , p. 11. (52) Ibid., p. 12.
لا يستطيع هذا العنف، في نظر بورديو، أن يؤدي وظيفته بفاعلية إلا عندما يُلحَظ «أن الترسيمات التي
يستخدمها المسيطَر عليه لإدراك ذاته وتقييمها، أو لإدراك المُسيطِرين وتقييمهم (مرتفع/ منخفض،
مذكر/ مؤنث، أبيض/ أسود... إلخ) هي نتاج استبطان تلك التصنيفات التي أصبحت تبدو له طبيعية،
والتي يكون وجوده الاجتماعي نتاجًا لها». فسواء أَمارَسه المطبب، أم المشعوذ، أم الراهب، أم
النبي، أم الدعائي، أم الأستاذ، أم المُحلِّل النفسي، وبغض النظر عن الطرق التي يتم بها (اللغة،
والحركات، والأفكار، والقيم، والأذواق... إلخ)، يشتغل هذا العنف اللطيف بميكانيزم مزدوج، يتمثل باعتراف ضحاياه بشرعيته، وتجاهل طابعه الاعتباطي من جهة، وإنكارهم خضوعهم له من جهة أخرى، ومن ثم تجاهل الشروط الاجتماعية المولِّدة للتراتب الاجتماعي ولعلاقات السيطرة. فإذا كان هذا العنف « رمزيًّا » لأنه يمارَس داخل مجال الدلالات، أو بالتحديد في مجال المعنى الذي
يضفيه المَسُودون على العالم الاجتماعي وعلى مكانتهم فيه، فسلطته هي «تلك السلطة التي تستطيع
أن تفرض دلالات معينة باعتبارها مشروعة، مع إخفاء علاقات القوة التي هي المصدر والأساس لقوتها»، أي إخفاء حقيقتها بوصفها سلطة، بوصفها عنفًا، وبوصفها تعسفًا، ليتشكل نوع من الاعتقاد الجماعي بمشروعية التفاوتات الاجتماعية باعتبارها جزءًا من نظام الأشياء. وهكذا، فهذا النوع من
العنف «لا يمكن أن يمارَس إلا على ذوات عارفة تنطوي أفعال معرفتها، لما فيها من تحيز وتشويه، على اعتراف ضمني بالسيطرة التي يقتضيها الجهل بالأصول الحقيقية للسيطرة». بلغة أخرى، إن ما يجعل هذا العنف الرمزي ميكانيزمًا أساسيًّا لفرض علاقات السيطرة وإعادة إنتاجها هو أنه يخفي علاقات القوة
السائدة بين الطبقات والجماعات الاجتماعية، ويلطفها، ويشرعنها، ويجعلها مقبولة اجتماعيًّا، بإخفاء
الطابع الاعتباطي للسلطة التي تؤسسها. إنه يضيف قوته إلى علاقات القوة السائدة، فيصبح أداة مهمة في ترويض المَسُودين، لأنه يولد لديهم الإحساس بالدونية، والخجل، واحتقار الذات، والتهميش
الذاتي. إذا كان الأمر كذلك، فقد رأى بورديو في الطريقة التي تُفرض بها السيطرة الذكورية، وفي الكيفيات التي تُستبطَن بها وتُتجشم، أفضلَ تعبير عن العنف الرمزي. لكن تركيز بورديو على هذا النوع من العنف الذي تتعرض له النساء لا يعني أنه يقلل من دور العنف الفيزيقي في إعادة إنتاج السيطرة الذكورية، أو يتناسى وجود نساء يُضرَبن، ويُغتصَبن، ويستَغْلَلن، أو أنه كان يسعى إلى تبرئة ذمة الرجال من ممارسة
هذا النوع من العنف. في هذا الإطار، ينبغي التذكير بأن انتماء بورديو الى البنائيةٍ - البنيوية جعله يؤكد التضافر الوجودي بين نمطين من الوجود الاجتماعي، أي أهمية العلاقة بين الهابيتوس والمجال، بين التاريخ الذي
(53) Pierre Bourdieu, Méditations pascaliennes (Paris: Seuil, Liber, 1997), p. 204. (54) Pierre Bourdieu & Jean-Claude Passeron, La reproduction: Eléments pour une théorie du système d'enseignement (Paris: Editions de Minuit, Coll. le sens commun, 1970), p. 11. (55) Ibid., p. 18. (56) Pierre Bourdieu, Leçon sur la leçon (Paris: Editions de Minuit, 1982), p. 20. (57) Bourdieu, La domination , p. 54.
يسكن الأشياء في صورة هابيتوس والتاريخ المموضع في الأشياء في صورة مؤسسات. بلغة أخرى، بين التاريخ - الجسم والتاريخ - الشيء، بين الاستعدادات الدائمة للأفراد والشروط الاجتماعية لإنتاجهم، أي المنطق النوعي الذي يتحكم في كل مجال من مجالات التنافس التي يوظِّفون فيها هذه الاستعدادات. جعل هذا الاقتناع النظري بورديو يعطي أهمية كبيرة لموضوعية التجارب الذاتية للسيطرة، في إطار محاولته تأسيس نظرية مادية لاقتصاد الخيرات الرمزية، مؤكدًا أن السيطرة يمكن أن تمارَس بغض النظر عن وعي الأفراد وإرادتهم، أي إنه لا يكفي الوعي أو استيعاء السيطرة للتحرر منها، لأنها متأصلة في حميمية الأجساد في شكل استعدادات، أي خارج الوعي. فالسلطة الرمزية، باعتبارها قدرة سحرية تمكِّن من بلوغ ما يعادل ما تمكن منه القوة الطبيعية أو الاقتصادية، هي «شكل من أشكال السلطة يمارَس على الأجساد، مباشرة، وكسحر، خارج كل إكراه جسدي. لكن هذا السحر لا يعمل إلا بالاستناد إلى استعدادات مُودعَة، كمحركات ونوابض، في أعمق أعماق الجسد. إذا استطاعت هذه القوة أن تشتغل مثل نقرة، أي بإنفاق ضعيف للطاقة، فلأنها لم تعمل سوى على إثارة الاستعدادات التي أودعها عمل التلقين والاستدماج في اللذين واللواتي خضعوا له». هذا العمل التلقيني والاستدماجي المتواصل والضخم الذي يمر عبر تجربة مبكرة وممتدة من التفاعلات التي تسكن بنيات السيطرة هو ضروري لتحويل الأجساد باستمرار، وإنتاج الاستعدادات الدائمة التي تثيرها وتوقظها، ليساهم بذلك المسيطَر عليهم، غالبًا من دون علمهم، وأحيانًا ضد رغبتهم،
في تمرير السيطرة عليهم عبر قبولهم الضمني بالحدود المفروضة. ان أفعال المعرفة والاعتراف العملية للحدود السحرية بين المسيطرين والمسيطَر عليهم التي يثيرها سحر السلطة الرمزية، كما يضيف بورديو، غالبًا ما تتخذ شكل انفعالات جسدية (استحياء، ومذلة،
وخجل، وقلق، وإحساس بالذنب) أو أحاسيس وأشغفة وافتتان (حب، وإعجاب، واحترام). تكون هذه الانفعالات مؤلمة جدًّا أحيانًا، فتتمظهر بوضوح من خلال احمرار الوجه، والتلعثم، والارتجاف، والغضب... إلخ؛ أي من خلال بعض الأساليب التي تترجم الخضوع الاضطراري للحكم المسيطر، وتعبر عن ذلك التواطؤ الباطني الذي يتم، بنوع من التوتر الداخلي وانشطار الأنا، بين جسد ينفلت من توجيهات الوعي والإرادة والرقابات الملازمة للبنى الاجتماعية. إن أشغفة الهابيتوس المسيطَر عليه (من وجهة نظر النوع، أو الإثنية، أو الثقافة، أو اللسان) بما هي علاقة اجتماعية مُستبدنَة (مُجسَّدة ومُستبطَنة Somatisée)، أو قانون اجتماعي وقد تحول إلى قانون مستدمج، لا يمكن، في نظر بورديو، تعليقها بجهد بسيط للإرادة، مؤسس على استيعاء مُحرِّر. ومن ثم، من
(58) Bourdieu, Leçon , pp. 37-38. (59) Bourdieu, La domination , p. 59. (60) Ibid. (61) Ibid., pp. 60-61.
الوهم الاعتقاد أن العنف الرمزي يمكن هزمه بأسلحة الوعي والإرادة فقط، لأن شروط فاعليته متأصلة دائمًا في حميمية الأجساد في شكل استعدادات، أي إن هذا العنف مستدمَج، إنه في الجسد. يظهر هذا بجلاء، في حالة علاقات القرابة وكل العلاقات المماثلة لها؛ بحيث إن الميولات الثابتة للجسد المطبَّع
اجتماعيًّا تعبّر عن نفسها وتُعاش في منطق العاطفة (حب بنوي، أخوي... إلخ) أو الواجب اللذَين غالبًا
ما يختلطان في تجربة الاحترام والتفاني العاطفي، وتستطيع البقاء مدة طويلة حتى عند اختفاء شروط إنتاجها الاجتماعي. لهذا نلحظ، كما يضيف بورديو، أنه عندما تختفي الإكراهات الخارجية ويتم اكتساب الحريات الشكلية، مثل حق الانتخاب، وحق التعليم، والولوج إلى جميع المهن، ومنها المهن السياسية... إلخ، فالإقصاء الذاتي و«الميل» Vocation يحلان محل الإقصاء الصريح. إن تذكير بورديو بالعلامات التي تطبعها السيطرة دائمًا في الأجساد وبالآثار التي تمارسها عبرها، لا يعني تزكية السيطرة بتحميل النساء مسؤولية اضطهادهن، بالإيحاء بأنهن يخترن تبني الممارسات الخانعة انسجامًا مع طبيعتهن التي تجعلهن أسوأ أعداء أنفسهن، أو أنهن مازوشيات يتلذذن بإهانتهن، ولكن يعني أن هذه الاستعدادات التي نصنفها بالخانعة «لتأنيب الضحية» هي نتاج بنيات موضوعية، وأن هذه البنيات لا تدين بفاعليتها إلا للاستعدادات التي تحركها وتساهم في إعادة إنتاجها. فإذا كانت النساء يخضعن لتنشئة اجتماعية تسعى لتصغيرهن، ولإنكارهن، فيتمرسن على بعض القيم السلبية مثل نكران الذات، والاستسلام والصمت، فإن الرجال، كما يضيف بورديو، هم أيضًا سجناء وضحايا للتمثل السائد. فالاستعدادات لممارسة السيطرة، مثلها مثل الاستعدادات للخنوع والخضوع، لا تجد مصدرها في طبيعة معينة، ولكنها تُبنى بعمل طويل من التنشئة التفاضلية بين الجنسين، يهيَّأ
الرجال لحب ألعاب السلطة، والنساء لحب الرجال الذين يلعبون بها. فالسيطرة الذكورية، كما يقول بورديو، «تجد إحدى أهم دعاماتها في التجاهل الذي يسهِّل تطبيق مقولات التفكير التي أنتجتها علاقة السيطرة ذاتها على المسيطر، والتي يمكنها أن تؤدي إلى ذلك الشكل الحدي من حب القدر الذي هو حب المسيطِر وحب سيطرته (رغبة المسيطِر) الذي يفترض التخلي عن ممارسة الليبيدو المسيطِر (رغبة السيطرة) بصيغة الفاعل الأول». فالرجولة، مثلها مثل الشرف، تفرض بالضرورة واجب وجود يصبح بمنزلة قوة عليا تقود التفكير والممارسة بعيدًا عن كل إكراه ميكانيكي، أي يتم تمثله بوصفه ضرورة منطقية، وليس بوصفه قاعدة مفروضة أو قرارًا مبنيًّا على
حساب عقلاني معين. بهذا المعنى، الامتياز الذكوري لا يدفع ثمنه النساء فقط، ولكن الرجال أيضًا، لأنه يصبح فخًّا، أو لنقل عبئًا ثقيلً عليهم، يجعلهم يعيشون توترًا شديدًا ورهابًا دائمًا من فقدان القدرة على إعادة
(62) Ibid., p. 61. (63) Ibid., pp. 61-62. (64) Ibid., p. 74. (65) Ibid., p. 112.
إنتاج امتيازاتهم وإثباتها أمام الجميع، الشيء الذي ينتج منه بالضرورة فقدان احترام أصدقائهم وتقديرهم، ومن ثم استبعادهم من عالم الرجال. لهذا، يؤكد بورديو أن «الرجولة هي مقولة علائقية بحتة، شُيِّدَت أمام الرجال ومن أجلهم وضد الأنوثة، على شكل خوف من المؤنث، وداخل
الذات أولً». قاد هذا بورديو إلى القول، مستعيرًا عبارة كارل ماركس، إن المُسيطِرَ مُسيطَر عليه
بسيطرته. فالقول إذًا إن السلطة الرمزية باعتبارها سلطة بناء الواقع والتعبير عنه التي لا يمكن أن تُمارَس إلا
بمساهمةٍ وتواطؤ ممن تمارَس عليهم، وأنهم لا يخضعون لها إلا لأنهم بنوها كما هي، يجب أن
يستحضر مسألة البناء الاجتماعي للبنيات الإدراكية التي تنظم أفعال بناء الحياة وسلطاتها في نظر بورديو. هذا البناء العملي هو أبعد من أن يكون فعلً فكريًّا واعيًا، حرًّا وإراديًّا من «ذات» معزولة، لأنه
هو نفسه نتاج سلطة متأصلة دائمًا في جسد المسيطَر عليهم، في شكل ترسيمات إدراك واستعدادات
(للإعجاب، للاحترام، للحب... إلخ) تجعل الشخص يتأثر بسهولة كبيرة ببعض المظاهر الرمزية للسلطة. هكذا، كما يضيف بورديو، فإن «الإيعازات المستمرة، الصامتة واللامرئية التي يوجهها العالم المتراتب جنسيًّا للنساء المقذوفات فيه، تهيئهن، على الأقل مثلما تفعل التذكيرات الصريحة بالتزام
النظام، لقبول تعليمات وتحريمات اعتباطية، باعتبارها بدهية، طبيعية ومفروغًا منها، ولأنها جزء من نظام الأشياء فهي تنطبع بصورة تدريجية في نظام الأجساد». إن نَحْت بورديو مفهوم «الهابيتوس»، باعتباره نظامًا من الاستعدادات المكتسبة، ومبادئ مُولِّدة ومنظمة
للممارسات وللتمثلات، وبنيةً مُهيكَلة وبنية مُهيكِلة، وروتينات ذهنية وقد صارت لا شعورية بحيث
تسمح لنا بالفعل «بلا تفكير»، ومصفوفة من الإدراكات والتقييمات والممارسات؛ وقواعد أساسية ومُولِّدة للفعل والتفكير، جعله يتجاوز النزعة الميكانيكية والنزعة الغائية، وعبرهما ثنائية الإكراه
الخارجي/ الموافقة الواعية والحرة (بفضل الإقناع والإغراء) في تفسيره انخراط النساء في إعادة إنتاج السيطرة الذكورية. لهذا، اعتبر أن الطريق الملكي لفهم الخضوع المفتون الذي يشكله الأثر الخاص بالعنف الرمزي ليس الاستنجاد بمفهوم المُتخيَّل أو الوعي الزائف أو الاستلاب، بما أن الاستيعاء غير
كافٍ لتحرير النساء، ولكن فهم كيفيات تأصُّل البنى الاجتماعية في الأجساد، أي الوعي بالآثار الدائمة
التي يمارسها النظام الذكوري على الأجساد. فمبدأ النظرة المسيطرة، كما يقول بورديو، ليس تمثلً ذهنيًا، أو استيهامًا (أفكار في الرأس)، أو «أيديولوجية»، ولكنه نظام من البنيات المستدمَجة دائمًا في
الأشياء وفي الأجساد. هكذا رأى بورديو في نيكول-كلود ماثيو من أهم الباحثين الذين دفعوا بنقد مفهوم الموافقة إلى أبعد مدى، لأن هذا المفهوم يكاد يلغي كل مسؤولية عن المضطهِد ويُؤَثِّم المضطهَد. ولكنه يؤاخذها،
في المقابل، على أنها لم تتخلَّ عن لغة «الوعي». فهي، في نظره، لم تعمِّق بما فيه الكفاية تحليل
(66) Ibid., p. 78. (67) Ibid., p. 82. (68) Ibid., p. 63.
التحديدات والكوابح لإمكانيات الفكر والفعل التي تفرضها السيطرة على المُضطهَدين، واجتياح وعيهم من طرف سلطة الرجال الموجودة في كل مكان. قاد هذا التحليل بورديو إلى القول إن الثورة الرمزية التي تدعو إليها الحركة النسوية لا يمكن اختزالها في تحويل للضمائر والإرادات. فما دام أساس العنف الرمزي لا يكمن في الضمائر المخدوعة التي يكفي تنويرها، ولكن في استعدادات مطابقة لبنيات السيطرة، وهي التي تُعَدّ بدورها نتاجًا لها، فإننا لا يمكن
أن ننتظر وقوع قطيعة في علاقة التواطؤ التي يهبها ضحايا السيطرة الرمزية للمسيطرين إلّ بتحويل جذري للشروط الاجتماعية لإنتاج الاستعدادات التي تجعل المسيطَر عليهم ينظرون إلى المسيطِرين وإلى ذواتهم انطلاقًا من وجهة نظر المسيطِرين. فعلى غرار ماركس الذي حلل علاقات استغلال العامل من طرف الرأسمالي، وموضعتهما باعتبارهما عنصرين مترابطين، من دون نَفْسنَة هذه العلاقة؛ أي من دون اعتبار العمال طيبين أو مازوشيين
والرأسماليين أشرارًا أو ساديين، بل فسَّرها انطلاقًا من عملية استخلاص فائض القيمة في علاقتها
بقوانين أخرى تميز النظام الرأسمالي، لم يُنفْسِن بورديو بدوره السيطرة الذكورية بإيعازها الى خبث
الرجال وطِيبة النساء؛ ذلك أنه دعا إلى تحليل طبيعة الآليات الاجتماعية الخاصة التي يعيد من خلالها المجتمع ذاته، وخصوصًا العنف الرمزي، وهي الآليات التي يجب ألا يُبحث عن منطقها في مزاجي المرأة والرجل وميول كليهما، أي في بنائهما النفسي، ولكن في تلك العلاقة القائمة بين المجال والهابيتوس، بين البنيات الموضوعية للفضاء الاجتماعي، أي مواقع الأفراد، والاستعدادات التي تنتجها لديهم، رجالً ونساءً، وهي التي تجعلهم يستبطنون البنيات الثقافية الذكورية في شكل ترسيمات لا
واعية من الإدراك والتقييم، يمتد عملها إلى تقسيم الأشياء والأشكال. بعد جهدٍ فذّ في الدرس والتحليل، توصل بورديو الى الخلاصة التالية: إنه وحده الفعل السياسي الذي يأخذ في الاعتبار كل تأثيرات السيطرة التي تُمارَسُ عبر التواطؤ الموضوعي بين البنى المستدمجة
لدى الرجل والمرأة، وبنيات المؤسسات الكبرى حيث لا يتم الإنتاج وإعادة الإنتاج للنظام الذكوري فقط، ولكن للنظام الاجتماعي برمته، بدءًا بالدولة المهيكَلة حول التعارض بين «يدها اليمنى» الذكورية
و«يدها اليسرى» الأنثوية، والمدرسة المسؤولة عن إعادة الإنتاج الفعلية لكل مبادئ الرؤية والتقسيم الجوهرية، والمنظمة بدورها حول تعارضات متشابهة، هو الذي يمكنه بلا شك، وعلى المستوى البعيد، ولمصلحة التناقضات الملازمة لمختلف الميكانيزمات والمؤسسات المعنية، أن يساهم في الأفول التدريجي للسيطرة الذكورية. في المقابل، لا يبدو عصيًّا على من قرأ بتمعنٍ المتن البوردوي، وخصوصًا كتابه السيطرة الذكورية،
استشفاف نوع من التردد والغموض، يصل إلى حدود مناقضة الذات، أثناء محاولته التحديد والقياس
(69) Ibid. (70) Ibid., p. 64. (71) Ibid., p. 158.
لثقل المجالات التي يمكن انطلاقًا منها تغيير علاقات القوى المادية والرمزية بين الجنسين. فتارة يرى أنّ الدور المحوري يعود بالأساس إلى المدرسة والدولة، باعتبارهما أهم المصانع الاجتماعية الفعالة في إنتاج السيطرة الذكورية، وإعادة إنتاجها، وتارةً أخرى يؤكد، عكس هذا، أن الأسرة هي أهم المؤسسات التاريخية التي تعمل على تأبيدها، أي إعادة إنتاج مبدأ التمركز الذكوري الذي ينظم المجتمع ماديًّا ورمزيًّا ويُولِّد هابيتوسات مُجنسنَة. لكن، على الرغم من هذا التردد وذاك الغموض، فمن السهل استشفاف طبيعة الاختلاف الجوهري بين موريس غودلييه وبورديو في قراءة السيطرة الذكورية. يسلِّم غودلييه بكون التحكم الاحتكاري لطبقة معينة أو طائفة أو فئة في وسائل الإنتاج مشروطًا بالتحكم القَبْلي في الشروط الخيالية لإعادة إنتاج الكون والحياة بفضل احتكار وسائل الدمار والتواصل، وخصوصًا الطقوسية منها، وذلك بإقناع عدد كبير من الناس بتزويدها بالخيرات والخدمات المادية مقابل منحها الحيوية، والخصوبة، والرفاهية. هذا الاقتناع النظري جعله يرى أن المصدر الأساسي الذي يصنع السيطرة الذكورية ويغذيها هو الحقل السياسي – الديني، ومن ثم فتغيير وضعية النساء مرهون بضرورة تغيير طبيعة العلاقات السياسية - الدينية داخل المجتمعات الإنسانية. في المقابل، لم يمنع اقتناع بورديو بالدور المحوري الذي يمكن أن تؤديه الأسرة والإعلام والدولة في القضاء على السيطرة الذكورية تأكيده تعدد جبهات النضال وتداخل مستوياته وحقوله، ما دام العنف الرمزي يظل فاعلً ومؤثرًا في كل الحقول، ومنها الحقل الاقتصادي، وما دامت السيطرة الذكورية تندرج في الأشياء والأجساد، فتحوِّل النظام الاجتماعي إلى آلة رمزية تنزع إلى التصديق عليها في كل مكان وزمان.
خاتمة
لم تَخْلُ نظرية بورديو حول السيطرة الذكورية من بعض الانتقادات الحادة. فنيكول-كلود ماثيو آخذته على إغفاله العنف البدني الذي تمثل النساء أول ضحاياه، واعترضت على فكرة إعادة إنتاج النساء بطريقة غير واعية السيطرة الذكورية، لأنهن، في نظرها، واعيات كل الوعي بما ينتظرهن من سَبٍّ وشتم واغتصاب إن حاولن مقاومة سلطة الرجال. فما إن تبتعد النساء مليمترًا واحدًا عن المكانة الرمزية التي تُفرَض عليهن واقعيًّا يصبح قتلهن متوقعًا. واعتبرت الباحثة النسائية ماري فيكتوار لويس تركيز بورديو على الجانب الرمزي في علاقات القوة بين الجنسين نوعًا من التجاهل الواعي لحقيقة العنف البدني الذي تتعرض له النساء، ومن ثم فهو «إنكار
(72) Ibid., p. 15. (73) Ibid., p. 117. (74) Berger, pp. 222-247. (75) Nicole-Claude Mathieu, «Bourdieu ou le pouvoir auto-hypnotique de la domination masculine,» Les Temps Modernes , no. 604 (Mai-Juin-Juillet, 1999), p. 314.
للتاريخ الدموي للسيطرة الذكورية». أما ألان تورين فقد رأى أن نظرية بورديو حول السيطرة الذكورية تعتِّم رؤية الواقع أكثر مما تضيئها؛ لأنها «ساحقة، شرسة، غير قادرة على التفكير في حركة تحرير النساء. فالسيطرة بالنسبة إليه شاملة، بلا مخرج. ليس هناك منفذ واحد ممكن». طبعًا، لا يمكن أن يتعالى فكر بورديو على المساءلة النقدية الجادة والرصينة، لكن مهما تكن وجاهة هذه الانتقادات فلا نستطيع أن ننكر القيمة الاستكشافية الكبيرة لنظريته. فلا شك في أنه نجح في القيام بنوع من التعرية الأركيولوجية لأسس السيطرة الذكورية، كاشفًا الغطاء عن خباياها وأسرارها، حافرًا تحت الأشياء والمؤسسات التي تؤبدها، مبرزًا تاريخيتها واعتباطيتها، واضعًا يده، خصوصًا،
على الشيفرات والأسرار المتصلة بتواطؤ النساء في إعادة إنتاجها. فبنيات السيطرة الذكورية المتأصلة في كل النظام الاجتماعي هي في نظره نتاج عمل متواصل، ومن ثم فهو تاريخي، من إعادة الإنتاج، يساهم فيه ثلاثة أعوان: الرجال عن طريق بعض الأسلحة الفعالة، مثل العنف البدني والرمزي؛ والمؤسسات، مثل الأسرة، والكنيسة، والمدرسة والدولة؛ وأخيرًا، النساء باعتبارهن ضحايا
غير واعيات بهابيتوساتهن. لكن لا مندوحة عن تأكيد أن رصانة تحليل بورديو مساهمة النساء في إعادة إنتاج السيطرة الذكورية بفاعليته الكشفية الواضحة ترجع إلى القوة الإجرائية لتلك العدة المفاهيمية الثرية التي نحتها، واستطاعت بدقتها التقاط واقع السيطرة بسيولته، وديناميته، وتعقده، وتعدد أبعاده. لقد مثّل مفهومَا العنف الرمزي والهابيتوس، أهم عناصر هذه العُدَّة التي مكَّنت بورديو من فك طلاسم هذا الواقع. أما العنف الرمزي، بوصفه أداة سيطرة، فإنه «لا يتحقق إلا من خلال فعل معرفة وجهل عملي يمارَس من جانب الوعي والإرادة، ويمنح ‘سلطته المنوِّمة’ إلى كل مظاهره وإيعازاته وإيحاءاته وإغراءاته
وتهديداته ومآخذه وأوامر دعوته إلى الانضباط». وأما الهابيتوس، بوصفه بنية مُهيكِلة وبنية مُهيكَلة، فقد مثّل أداة تحليل قوية في يد بورديو، ليبين كيف أن العالَم الاجتماعي يَبني الجسد، بصفته واقعًا
مُجنسَنًا Sexuée ومُودِعًا Dépositaire لمقولات الإدراك والتقييم المُجنسِن Sexuante. ومن ثم فإن «ميولات النساء»، ومنها الميل إلى الخنوع والخضوع للرجال، هي نتاج ذلك الالتقاء بين الانتظارات الموضوعية المتأصلة بشكل مضمر في المواقع التي تمنحها لهن بنية تقسيم العمل الشديدة التجنسن والاستعدادات المسماة «نسوية» التي لُقِّنت لهن من طرف الأسرة والنظام الاجتماعي برمته. هكذا فالمنطق الاجتماعي لما يسمى بالميول هو الذي يجعل ضحايا السيطرة الرمزية، أي النساء، يقمن، وهن في كامل سعادتهن، بالمهمات الثانوية أو التابعة التي يُفترَض أنها تنسجم مع فضائلهن في الخضوع،
(76) Marie-Victoire Louis, «Bourdieu: défense et illustration de la domination masculine,» Les Temps Modernes, no. 604 (Mai-Juin-Juillet), 1999, p. 329. (77) Jean-François Dortier, «Bourdieu, le sociologue du peuple. Entretien avec Alain Touraine,» Sciences humaines , Numéro spécial (2002), pp. 101-102. (78) Bourdieu, La domination , p. 64. (79) Ibid., p. 83.
والطيبة، والخنوع، والتفاني، وإنكار الذات التي ليست في نهاية المطاف سوى نتاج بنيات موضوعية. هذه البنيات لا تدين بفاعليتها إلا للاستعدادات التي تحركها وتساهم في إعادة إنتاجها. ولا مراء في أن العنف الرمزي والهابيتوس مثلّا مفتاحين نظريين مهمين في يد بورديو، لما ينطويان عليه من قوة وحيوية وزخم، مكَّناه من إبراز أن السيطرة الذكورية نسق من البنى المتأصلة بثبات في الأشياء والأجساد؛ أي إن بناءها المعماري متناثر، بشكل من التخفي والاحتجاب، في كل فضاءات الحياة الاجتماعية. ومن ثم، تمكَّن بورديو عبرهما ومن خلالهما من التجاوز نقديًّا، والتخطي جدليًّا، لمقاربة
موريس غودلييه ونيكول-كلود ماثيو لإشكالية تواطؤ النساء في إعادة إنتاج السيطرة الذكورية؛ فقد تجاوز مفهوم الموافقة كما بلوره غودلييه، لما ينطوي عليه من ضعف وعدمية ووهن، لأنه يكاد يلغي كل مسؤولية عن المضطَهِد ويُؤَثِّم المضطهَد، ويوحي كأن اقتسام الرجال والنساء التمثلات نفسها حول ذواتهن وحول محيطهن هو فعل حر ناتج من اتفاق صريح وواضح في التزاماته وبنوده. للتذكير فهاته الموافقة يعتبرها غودلييه ضلعًا محوريًّا من مثلث السيطرة الذكورية إلى جانب ضلعين آخرين، أقل أهمية منه، أي العنف بمختلف أشكاله، والحرص على ضرب كل وحدة أو تكتل محتمل بين النساء. حاول بورديو أيضًا أن يدفع بفكرة نيكول-كلود ماثيو حول القيود والكوابح لإمكانيات الفكر والفعل التي تفرضها السيطرة على النساء واجتياح وعيهن من طرف سلطة الرجال الموجودة في كل مكان إلى أبعد مداها. فمن خلال نحته مفهومَي العنف الرمزي والهابيتوس، لم يعد انخراط النساء في إعادة إنتاج السيطرة الذكورية يفسَّر باستلابهن، وبوعيهن الزائف، وبضمائرهن المخدوعة، لأن إرادتهن
واستيعاءهن لن يؤديا بالضرورة إلى تحررهن؛ فالسيطرة الذكورية، كما يقول بورديو، ليست تمثلً ذهنيًا،
واستيهامًا (أفكار في الرأس)، و«أيديولوجية»، لكنها نظام من البنيات المستدمَجة دائمًا في الأشياء وفي
الأجساد، أي متجذرة في البنيات اللاشعورية الاجتماعية والتاريخية. فما دام أساس العنف الرمزي لا يكمن في الضمائر المخدوعة التي يكفي تنويرها، ولكن في استعدادات مطابقة لبنيات السيطرة التي تعتبر بدورها نتاجًا لها، فإننا لا يمكن أن ننتظر وقوع قطيعة في علاقة
التواطؤ التي يهبها ضحايا السيطرة الرمزية للمسيطرين إلا بتحويل جذري للشروط الاجتماعية لإنتاج الاستعدادات التي تجعل المسيطَر عليهم ينظرون إلى المسيطِرين وإلى ذواتهم انطلاقًا من وجهة نظر المسيطِرين بما ينتج من ذلك من تبخيس للذات وتحقيرها. هذه الشروط تنتج هابيتوسات مُجنسنَة، لتجعل بذلك تحرير النساء من السيطرة الذكورية التي يستدمج الرجال والنساء بنياتها الثقافية في شكل ترسيمات لا واعية من الإدراك والتقييم، مشروطًا ومرهونًا بتحرير الرجال منها كذلك، لأن الرجال هم «جلادون» و«ضحايا» في آن واحد، مسيطَر عليهم بسيطرتهم. خلافًا لموريس غودلييه الذي يرى أن المدخل الأساسي لاستئصال سيطرة الرجال على النساء يتوقف بالضرورة على خلخلة تلك المكانة التي يحتلها الرجال والنساء داخل العلاقات السياسية - الدينية،
(80) Ibid., p. 63. (81) Ibid., p. 64.
التي تسمح بالتحكم في المجتمع برمته، يرى بورديو أن تجذر بنيات السيطرة في البنيات اللاشعورية الاجتماعية والتاريخية يجعل أفولها التدريجي مشروطًا بفعل سياسي. هذا الفعل السياسي يجب، في نظره، أن يأخذ بعين الاعتبار كل تأثيرات السيطرة التي تُمارَسُ عبر التواطؤ الموضوعي بين البنى
المستدمجة لدى الرجل والمرأة وبين بنيات المؤسسات الكبرى حيث يتم الإنتاج وإعادة الإنتاج ليس للنظام الذكوري فقط، ولكن للنظام الاجتماعي برمته أيضًا. على سبيل الخَتم، يمكن القول إنه إذا كنا قد انتصرنا، عبر هذا السجال الذي جمع غودلييه، ونيكول- كلود ماثيو، وبورديو، للطريقة التي قارب من خلالها بورديو مساهمة النساء في إعادة إنتاج السيطرة الذكورية، فذلك لأننا نعتقد أن نظرية العنف الرمزي، كما بلورها منذ بداية السبعينيات، هي الكفيلة بتفسير بعض مظاهر استبطان آليات هذه السيطرة. من بين مظاهر هذا الاستبطان، نجد قبول بعض النساء بتعدُّد الزوجات، أو اعتبارهن أن الدعوات للمساواة في الإرث بين الجنسين مظهر من مظاهر السفه، والانحلال، والزندقة، والهذيان.
المراجع
Berger, Laurent. «Par-delà le structuralisme: Maurice Godelier, lecteur matérialiste de Claude Lévi-Strauss.» Gradhiva. no. 21 (2015). Bourdieu, Pierre. Méditations pascaliennes. Paris: Seuil, Liber, 1997. ________. Leçon sur la leçon. Paris: Editions de Minuit, 1982. ________. La domination masculine. Paris: Seuil, 1998. Bourdieu, Pierre & Jean-Claude Passeron. La reproduction: Eléments pour une théorie du système d ' enseignement. Paris: Editions de Minuit, Coll. le sens commun, 1970. Dortier, Jean-François. «Bourdieu, le sociologue du peuple. Entretien avec Alain Touraine.» Sciences humaines. Numéro spécial (2002). Godelier, Maurice. «Réflexions sur les paradigmes et les paradoxes de la «légitimité» des rapports de domination et d'oppression.» Communications , vol. 28. no. 1 (1978). ________. La production des Grands Hommes: Pouvoir et domination masculine chez les Baruya de Nouvelle Guinée. Paris: Flammarion, Collection Champs, 2003. ________. Au fondement des sociétés humaines: Ce que nous apprend l ’ anthropologie. Paris: Flammarion, Champs essais, 2010. Heinich, Nathalie. Les ambivalences de l ’ émancipation féminine. Paris: Flammarion,
Laufer, Jacqueline & Marry Catherine & Maruani Margaret (Dir). Le travail du genre , les sciences sociales à l ' épreuve des différences de sexe. Paris: La Découverte, 2003.
Louis, Marie-Victoire. «Bourdieu: défense et illustration de la domination masculine.»
Martin-Juchat, Fabienne. «Élisabeth Badinter, Fausse route.» Questions de
Maruani, Margaret (Dir). Femmes , genre et sociétés. L ’ état des savoirs. TAP/Hors-
Mathieu, Nicole-Claude. L ' anatomie politique: catégorisations et idéologies du sexe.
________. «Bourdieu ou le pouvoir auto-hypnotique de la domination masculine.» Les
Les Temps Modernes. no. 604 (Mai-Juin-Juillet, 1999).
communication. no. 5 (2004), at: https://goo.gl/a3a7WE
série. Paris: La Découverte, Coll. 2005.
Paris: Côté-femmes, 1991.
Temps Modernes. no. 604 (Mai-Juin-Juillet, 1999). Touraine, Alain. Le monde des femmes. Paris: Fayard, 2016.