دراسة الطبقة الوسطى الهشة في المغرب: مقاربة جديدة
Study of the Vulnerable Middle Class in Morocco: A New Approach
الملخّص
تسعى الدراسة لمعالجة حالة الطبقة الوسطى من منظور معيار جديد وهو الهشاشة المهنية. ويخالف هذا الطرح العديد من الدراسات والأبحاث التي عملت على ترسيم مفهوم الطبقة الوسطى وتحديدها بالرجوع إلى معايير محددة من قبيل الدخل ومستوى المعيشة. وقد أصبحت هذه المعايير الكمية اليوم متجاوزة من منظور علم الاجتماع؛ ومرد ذلك أن الطبقة وسط اجتماعي يتميز بثقافة معينة، قد تعني كل من يشعر بالانتماء إليها. وباستحضار التحولات التي يعرفها سوق العمل في العديد من البلدان، والمغرب كمثال، تقدم الدراسة معيار الهشاشة المهنية كمدخل لدراسة الطبقة الوسطى الهشة. ويمكن مراكمة معايير إضافية تعتمد في دراسة الطبقة الوسطى من قبيل المهنة، وخط الفقر، ومعيار التعريف الذاتي، أو أي معيار آخر حسب خصوصية الميدان وتكوين الباحث وتجربته.
Abstract
Abstract: This study takes a new perspective to analyze the concept of the middle class that is, using the concept of occupational vulnerability. This perspective disagrees with many studies that sought to delineate and define the middle class based on specific criteria, such as income and standard of living. From a sociological perspective, nowadays, these quantitative standards seem outdated, since it is widely believed that the middle class is a social medium characterized by a special culture that concerns all those who possess a sense of belonging to it. Through recalling the transformations witnessed by the labor market in a number of countries, such as Morocco, this study offers the professional vulnerability paradigm as an entry point to the study of the vulnerable middle class. While studying the middle class, additional paradigms such as occupation, poverty line, subjective definition norm, or any other norm applicable to the discipline and the researcher’s experience might be considered.
- الطبقة الوسطى الهشة
- الهشاشة المهنية
- عتبة الفقر
- الثروة
- Vulnerable Middle Class
- Occupational Vulnerability
- Poverty Line
- Wealth
ملخص: تسعى الدراسة لمعالجة حالة الطبقة الوسطى من منظور معيار جديد وهو الهشاشة
المهنية. ويخالف هذا الطرح العديد من الدراسات والأبحاث التي عملت على ترسيم مفهوم
الطبقة الوسطى وتحديدها بالرجوع إلى معايير محددة من قبيل الدخل ومستوى المعيشة.
وقد أصبحت هذه المعايير الكمية اليوم متجاوزة من منظور علم الاجتماع؛ ومرد ذلك أن
الطبقة وسط اجتماعي يتميز بثقافة معينة، قد تعني كل من يشعر بالانتماء إليها. وباستحضار
التحولات التي يعرفها سوق العمل في العديد من البلدان، والمغرب كمثال، تقدم الدراسة
معيار الهشاشة المهنية كمدخل لدراسة الطبقة الوسطى الهشة. ويمكن مراكمة معايير إضافية
تعتمد في دراسة الطبقة الوسطى من قبيل المهنة، وخط الفقر، ومعيار التعريف الذاتي، أو أي
معيار آخر حسب خصوصية الميدان وتكوين الباحث وتجربته.
Abstract: This study takes a new perspective to analyze the concept of the middle class that is, using the concept of occupational vulnerability. This perspective disagrees with many studies that sought to delineate and define the middle class based on specific criteria, such as income and standard of living. From a sociological perspective, nowadays, these quantitative standards seem outdated, since it is widely believed that the middle class is a social medium characterized by a special culture that concerns all those who possess a sense of belonging to it. Through recalling the transformations witnessed by the labor market in a number of countries, such as Morocco, this study offers the professional vulnerability paradigm as an entry point to the study of the vulnerable middle class. While studying the middle class, additional paradigms such as occupation, poverty line, subjective definition norm, or any other norm applicable to the discipline and the researcher’s experience might be considered.
Professor of Sociology at the Faculty of Arts and Human Sciences, Sais-Fez, Morocco.
مقدمة
إنّ التصدي لدراسة هذه الطبقة الاجتماعية ليس بالأمر الهيّن، انطلاقًا من تعريفها وقدرتها
على الحراك، وتنوعها. كان بيير بورديو قد حدد الطبقة الوسطى بأنها: «الجزء المتحرّك من
الطبقات الاجتماعية»، وهي أيضًا وفق رأي بيير روزنفايون بأنها طبقة لا تُعرّف نفسها بما هي كذلك،
ومن الصعب تحديدها كميًا، وهي تتميز ب «إعادة تنظيم أنماط التمايز». إذا كان علماء الاقتصاد يهتمون أساسًا بالمداخيل والمصاريف، فإن علماء الاجتماع يفضّلون الحديث
عن الوسط الاجتماعي للمقارنة بين الأذواق والثقافات وأنماط العيش. ولا يبدو الأمر محسومًا
في المستوى الدلالي؛ فالحديث عن الطبقة الاجتماعية يجعلنا نتساءل دائمًا عن تعريفها، ووزنها
الديموغرافي، وخصائصها السوسيو-اقتصادية والاجتماعية والثقافية. كان كارل ماركس قد ميّز بين طبقتين متصارعتين، هما الطبقة البرجوازية وطبقة البروليتاريا. وبالنسبة
إليه، فقد كانت طبقة البروليتاريا هي التي تملك الثروة الحقيقية، وعليها أن تثور ضد استغلال طبقة البرجوازية التي تملك وسائل الإنتاج. ومع ذلك، لم يُنكر ماركس وجود طبقة وسطى، ولكنها بحسب رأيه لا تملك وعيًا طبقيًا. وكان ماركس يعتقد أن المعيار الاقتصادي (الموقع في عملية الإنتاج) هو أمر
حاسم للتمييز بين الطبقات الاجتماعية. أما ماكس فيبر فكان يرى أن الاكتفاء بهذا المعيار الاقتصادي الأوحد هو أمر غير كافٍ للحديث عن طبقات اجتماعية. لذلك أضاف إليه معيارَي المكانة الاجتماعية (الشرف) والسلطة السياسية. على الرغم من الوعي بأن الطبقة الوسطى هي تلك التي تعيش بين الثروة والفقر، فإن تنوع الملامح المدروسة (المهن، والمداخيل، والسكن، ومستوى التعليم... إلخ)، إضافةً إلى تنوّع المقاربات
المشتغلة على الموضوع (المقاربات الاقتصادية والسوسيولوجية، والديموغرافية، وما إلى ذلك)، كل ذلك يجعل من الصعب الحديث عن طبقة وسطى متجانسة، أي تجعلنا غير قادرين على تعريفٍ اجتماعي لها. ولهذا السبب يفضّل كتّاب مثل لويس شوفيل التمييز بين الطبقة الوسطى الدنيا والطبقة الوسطى والطبقة الوسطى العليا. كما يُطرح الإشكال المنهجي أيضًا بسبب الدينامية التي تُميز هذه
الفئة؛ إذ من الصعب تكميم المعطيات المتصلة بها، لأن من النادر أن تُعرّف نفسها بوصفها طبقة. ومن أجل فهم الطبقة الوسطى فهمًا جيدًا، يتعين علينا بحسب ما يرى دامون إمّا أن نحدد ملامحها؛
أي أن نعرّفها تبعًا لتقاطعاتها، وإمّا أن ندرس تفاعلها مع الطبقات الاجتماعية الأخرى. ولكن ذلك
متوقف على كشف الخصائص الذاتية والمميزة لطبقة ما، أو على تحديد تناقضات تجعلها في تقابل مع الطبقات الاجتماعية الأخرى.
(1) Pierre Bourdieu (ed.), La misère du monde (Paris: Le Seuil, 1993). (2) Pierre Rosanvallon & Jean-Paul Fitoussi, Le nouvel âge des inégalités (Paris: Seuil, 1996). (3) Louis Chauvel, Les classes moyennes à la dérive (Paris: Seuil, 2006). (4) Bourdieu. (5) Julien Damon, Les classes moyennes (Paris: Presses Universitaires de France, 2013).
ميّز دامون بين ثلاث مقاربات مختلفة لدراسة الطبقات الوسطى، هي: المقاربة القائمة على معيار
الانتماءات السوسيو-مهنية، والمقاربة المرتكزة على المداخيل والمصاريف، وأخيرًا المقاربة القائمة
على تمثّل الانتماء (أو التعريف الذاتي). وعلى الرغم من أن هذه المقاربات المقترحة لا تتسم بصفة الشمول لدراسة الطبقة الوسطى، فإنها مع ذلك تسمح لنا بالدخول في الميدان عن طريق تحديد الملامح الشخصية الموضوعة للدراسة، مع إمكانية أن نصادف متغيرَين أو أكثر من هذه المتغيرات (تعريف الذات، الدخل، الفئات السوسيو-مهنية
وما إلى ذلك). بعد استقلال المغرب، كانت أغلب الدراسات تتعلق بالبرجوازية والنخبة. وكان ذلك في مرحلة أولى، في علاقة البرجوازية والنخبة بالسياسة وأنماط إعادة الإنتاج الاجتماعية (علي بن حدو، وغيره). في المرحلة الثانية، كانت الاهتمامات البحثية تتجه نحو دراسة هذه الفئات الاجتماعية في مجال الأعمال والمقاولة (سعيد طنجاوي، ومريم كاتوس، وغيرهما). وكانت مسألة الطبقات الاجتماعية قد ذُكرت من قبل عند الدراسة المقارنة بين المغرب والغرب، وكان لأندريه آدم فضل الريادة في عام 970.1 فقد قام هذا الكاتب في دراسته بالاشتغال على الطبقات الاجتماعية في المناطق الحضرية. بعد ذلك، لم نرَ دراسات
عن الطبقات الوسطى ودورها في المجتمع المغربي في مختلف المجالات (الاقتصادية، والسياسية، والثقافية) إلا بين عامي 2008 و 2012. لقد بدأ الباحثون في طرح الأسئلة التالية: ما الطبقات الوسطى؟ وما خصائصها؟ وما الدور الذي أدّته في الانتفاضات الأخيرة التي شهدتها بعض الدول العربية؟... إلخ. في الفترة الممتدة بين هذه الدراسات المختلفة، تم إنجاز دورات مختلفة من التفكير والنقاش حول هذه المسألة. وعلى وجه الخصوص، كان ذلك هو الحال عام 2010 الذي شهد محاولة وضع «كتاب أبيض» عقب مناقشات حول «النظام التعليمي والطبقات الوسطى في المغرب» بدأها معهد أماديوس Amadeus. وبحسب هذا الكتاب الأبيض، يمكننا التمييز بين أربع عمليات لتَشكّل الطبقات الوسطى في المغرب. إضافةً إلى المدرسة التي تُعتبر وسيلةً تقليديةً للارتقاء الاجتماعي. سمحت المؤسسة منذ عشر سنوات بظهور فئة من المقاولين ومن الإطارات الذين يعملون في القطاع الخاص. أما العملية الثالثة فتجري في المجال غير الرسمي للمجتمع المغربي وفي الاقتصاد السرّي اللذين ما زالا غير
معروفين جيدًا. وأخيرًا، فإن الطبقات الوسطى ظهرت بفضل تدفقات الهجرة إلى أوروبا أساسًا. ومع ذلك، فإن الهدف من هذه المقالة هو تقديم دراسات مختلفة عن الطبقة الوسطى المغربية للتمييز بين المقاربات، وكذلك لاقتراح مسارات جديدة لتحديد أولئك الذين ليسوا أغنياء أو فقراء، وإجراء
(6) Ali Ben Haddou, Maroc: Les Elites Du Royaume, Essai sur l’organisation du pouvoir au Maroc (Paris: L'Harmattan,
(7) Saïd Tangeaoui, Les Entrepreneurs marocains: Pouvoir, société et modernité (Paris: Karthala, 1993); Myriam Catusse, Le temps des entrepreneurs? Politique et transformations du capitalisme au Maroc (Paris: Maisonneuve & Larose, 2008). (8) André Adam, Casablanca: Essai sur la transformation de la société marocaine au contact de l'Occident (Paris: CNRS, 1968).
بحوث حولهم. ولكنهم في هذه المرة يعيشون في حالة من الهشاشة من المرجح أن تؤدي بهم إلى تخفيض المرتبة الاجتماعية.
الطبقات الوسطى المغربية: ثلاث مقاربات مختلفة
ما بين عامي 2008 و 2011، ظهرت في المغرب ثلاث مقاربات تستحق الذكر لفهم هذه المسألة. وهدفنا من ذلك هو تقديم الطبقات الوسطى في المغرب بالصورة التي تناولتها ثلاث مقاربات مختلفة وقابلة للنقد. كانت المقاربة الأولى مستندة إلى معيار الفئة السوسيو-مهنية، أمّا الثانية فكانت مستندة
إلى معايير المداخيل والمصاريف، في حين استندت المقاربة الثالثة إلى معيار التعريف الذاتي.
1. دراسة مركز الدراسات في المجال الاجتماعي والاقتصادي والتسيير CESEM: معيار الفئة السوسيو-مهنية
يتعلق الأمر على وجه الخصوص بالدراسة التي أجريت عام 2009 والتي استندت إلى معيار الانتماء السوسيو-مهني. وقد اعتمدت تلك الدراسة على مقابلات نصف - موجّهة أجراها مركز الدراسات
في المجال الاجتماعي والاقتصادي والتسيير بالرباط. وقد نُشرت نتائج الدراسة في مجلة إكونوميا Economia بعنوان: «ما هي الطبقة الوسطى؟». كان الأمر يتعلق من حيث المبدأ بقائمة من الملامح النموذجية التي يُفترض فيها الانتماء إلى الطبقة الوسطى. ومع ذلك، فإن البيانات الشخصية والوظائف المذكورة ليست متجانسة نهائيًا، ويمكن إذًا أن تكون
مضللة عندما يتعلق الأمر بتحديد الفئات التي يُفترض أن تنتمي إلى الطبقة الوسطى. كما أنّ الهشاشة
التي قد تميز وظائف معينة مرتبطة غالبًا بهذه الفئة، قد تشكك في معيار الفئة السوسيو-مهنية، خاصةً
عندما تؤخذ وحدها.
2. دراسة المندوبية السامية للتخطيط HCP: معيار الدخل
أجرت المندوبية السامية للتخطيط - وهي المؤسسة الإحصائية للدولة - في عام 2009 دراسة موسّعة
استندت فيها إلى معيار الدخل. كان الهدف من الدراسة ملء الفراغ وتحديد مفهوم «الطبقة الوسطى» في المغرب. ومع ذلك، فإن المعايير المستخدمة لتحديد المقصود ب «الطبقة الوسطى» لا تزال ضبابية.
(9) «La classe moyenne, c’est qui?» Centre des Etudes Sociales, Economiques et Managériales (CESEM) de Rabat, sur le site Internet réalisé par Joan Bardelitti sur les classes moyennes en Afrique, 2009, accessed on 19/6/2017, at: http://bit.ly/2A993Zl
(1((أساتذة، إطارات، صحافيون، مهن طبية، محامون... إلخ، جزء كبير من الوظيفة العمومية، قرّاء المجلات فرنسية اللسان،
مستهلكو الفنون والثقافة، أصحاب الشهادات من العاطلين عن العمل، حتى إن كان ذلك يطرح مشكل (ثقافة الرعاية)، قارئات المجلات فرنسية اللسان، قارئات المجلات عربية اللسان (المقدرة الشرائية أقل)، الزوج العامل: هذا قد غيّر الوعي (لا توجد مجلة
حاليًا تستهدف ربات البيوت)، المرأة - النمط المغربي المقيم بالخارج: طبقة وسطى صغيرة، قوة تحديث بالنسبة إلى المغرب، فهم
ينتقدون الفساد، الأعزب الذي يجد راحته في عزوبيته.
(11) Ahmed Lahlimi Alami, «Les classes moyennes marocaines: Caractéristiques, évolution et facteurs d’élargissement,» Conférence-débat du Haut-Commissaire au Plan sur les classes moyennes au Maroc, Rabat, May 2009, accessed on 26/11/2017, at: http://bit.ly/2i9DXdz
في الواقع، لا يزال الاكتفاء بالمعايير الكمّية (الدخل، والإرث، والإنفاق... إلخ) غير كافٍ لتمييز هذه
الطبقة الاجتماعية. لذلك، أجرينا خلال الفترة 2012-2010 دراسة استندت إلى معيار التماهي الفردي مع الفئة باعتباره وسيلتنا للدخول في ميدان البحث. لا يعتبر باحثو المندوبية السامية للتخطيط معيار التعريف الذاتي ولا معيار الفئة السوسيو-مهنية معيارَين كافيين لتحديد الطبقة الوسطى ودراستها. وبالنسبة إلى هؤلاء الباحثين، لم يكن معيار التعريف الذاتي - في غياب دراسات طويلة المدى - يعكس الواقع، لأنه يقوم أساسًا على تمثلات تجعل الفقراء
والأغنياء على حد سواء يتماهون ذاتيًا مع الطبقة الوسطى. وكان من بين نتائج دراسة المندوبية السامية
للتخطيط ملاحظة التوزيع غير المتكافئ للثروة. في الواقع، ووفقًا للدراسة عينها، فإن 83 في المئة من المداخيل و 33 في المئة من الإنفاق الاستهلاكي لا يهم سوى 01 في المئة من العيّنة التي وجدنا أنها
تتطابق مع الفئة الأغنى. إضافةً إلى ذلك، فإن 27 في المئة من الأسر التي شملتها الدراسة كانت تعيش دون مستوى ما تسميه المندوبية السامية للتخطيط ب «عتبة الهشاشة».
3. دراسة الطبقات الوسطى وفقًا للتعريف الذاتي: المعيار الذاتي
كانت الدراسة التي شاركتُ فيها بين عامي 2010 و 2012، قد اعتمدت لتشكيل العينة معايير الفئة السوسيو- مهنية فضلً عن معيار التماهي مع الطبقة. في الواقع، تم استهداف 21 شخصًا كانوا يعيشون في بيئات مختلفة في المغرب. وكان المدخل إلى الدراسة الميدانية هو قائمة المهن المرتبطة بالطبقة الوسطى، والتي نشرها مركز الدراسات الاجتماعية والاقتصادية وإدارة الأعمال CESEM
(1((بالنسبة إلى المندوبية السامية للتخطيط، فإن الموارد السوسيو-مهنية للطبقات الوسطى محدودة، وهي أقل من تلك التي حددها مركز الدراسات الاجتماعية والاقتصادية وإدارة الأعمال. وذكرت المندوبية السامية للتخطيط خ لاا مؤتمر حواري لدراسة الطبقات الوسطى بالمغرب، وهو مؤتمر انعقد بالرباط بتاريخ 6 أيار/ مايو 2009، بعنوان: الموارد السوسيو- مهنية لتشكل الطبقات الوسطى، أنه ينتمي إلى الطبقات الوسطى: 63 في المئة من «العمال والحرفيين والعمال المختصين في الصناعات التقليدية»، مقابل 10.9 في المئة في الطبقة العليا و 26.1 في المئة في الطبقة المتواضعة. 58.3 في المئة من المتقاعدين وأصحاب الأم كاا وغير النشطين، مقابل 14.7 في المئة و 26.7 في المئة في الطبقتين الأخريين، على التوالي. 56.3 في المئة من «الإطارات الوسطى والتجار والوسطاء الماليين»، مقابل 31.1 في المئة و 12.6 في المئة في الطبقتين الأخريين على التوالي. 48.6 في المئة من «العمال الزراعيين وغير الزراعيين»، مقابل 3.0 في المئة و 48.4 في المئة في الطبقتين الأخريين على التوالي. 40.2 في المئة من «المزارعين»، مقابل 6.6 في المئة و 53.2 في المئة في الطبقتين الأخريين على التوالي، 19.5 في المئة من «الإطارات العليا وأصحاب المهن الحرة»، مقابل 76.5 في المئة و 4.0 في المئة في الطبقة العليا والطبقة الفقيرة على التوالي. وبصفة عامة، فإن الفئات السوسيو-اجتماعية ذات مستوى التدريب والمؤهلات المتوسطة، هي التي تغذي أكثر من غيرها الطبقة الوسطى. ويسهم التفاوت في مستويات مداخيلهم وظروف معيشتهم في عدم التجانس السوسيو-مهني للطبقة الوسطى. (((1 قمنا باستجواب 14 شخصًا من مستويات حياتية وخصائص متباينة (الرباط، وتمارة، والدار البيضاء، وتاونات). لم يكن
استجوابهن وتصوير حياتهنّ العادية أمرًا مقبولً عند فئة كبيرة من النساء اللواتي اتصلنا بهن. قالت لنا إحدى النساء اللائي اتصلنا
بها، وهي إطار في الوظيفة العمومية: «نستطيع أن نتناقش وأن نتحدث، فأنا أعتبر نفسي جزءًا من الطبقة الوسطى، ولكن لا أسمح
لكم بتصويري». وهو ما يفسر أن تكون العينة مقتصرة على ثلاث نساء: اثنتان غير متزوجتين، والثالثة متقاعدة من الوظيفة العمومية وهي أرملة تعيش في الرباط. كنا قد استهدفنا فئات سوسيو-مهنية مختلفة: خمسة أطر من الوظيفة العمومية، أربعة أطر من المهن الخاصة، مقاول، تاجر كان يمارس الفلاحة بالتوازي مع التجارة، اثنان من المهن الحرة. أكثر من 60 في المئة كان عمرهم أقل من 04 سنة، من بينهم 6 أفراد متزوجون، كان لهم ما بين 0 و 3 أطفال. 04 في المئة من المستجيبين يملكون سيارة خاصة، وكان من بينهم ثلاثة فقط يملكون منازل خاصة.
(طبيب، صاحب أعمال حرة، تاجر، موظف، إطار في شركة خاصة، مزارع... إلخ). وكان الهدف هو اقتراح تعريف للطبقات الوسطى وطريقة لتحديدها في مجال الدراسة الميدانية. استندت الدراسة إلى مقابلات شبه - موجّهة، جرت مع أكثر من فرد من أفراد الأسرة. إضافةً إلى ذلك،
تم استخدام تقنية الملاحظة بالمشاركة (زيارة الأماكن، وحضور الأحداث... إلخ). وكانت الدراسة
تتعلق بعشر أسر موزّعة بين المناطق الحضرية والريفية. وفي عام 2013، آتت هذه الدراسة أكلها بنشر مقالة بعنوان «الطبقات الوسطى في المغرب في مواجهة الخوف من تخفيض منزلتها الاجتماعية». أظهرت الدراسة أن علينا تجاوز نطاق الدخل الذي حددته دراسة المندوبية السامية للتخطيط إلى حدٍ بعيد؛ إذا ما كنا نأمل في تحديد معالم الطبقات الوسطى. كما أثبتت الدراسة أن الانتماء الاجتماعي يجب أن يكون مرتبطًا إلى حد بعيد بحجم الأسرة، وبالبيئة التي نعيش فيها (بيئة ريفية، حضرية) وغير ذلك من المعايير الموضوعية والذاتية التي تؤثر في تمثلاتنا، وفي الحصيلة تؤثر في قيمنا وسلوكنا. كما أظهرت النتائج أن الناس الذين يعرّفون أنفسهم باعتبارهم منتمين إلى الطبقة الوسطى كانوا
يحملون القيم الليبرالية. وهم أقل اهتمامًا بالمشاركة السياسية التقليدية (خاصة أثناء الانتخابات)، ولكنهم لا يزالون مرتبطين بالقيم المدنية. بالنسبة إلى هؤلاء الأشخاص الذين يشعرون بالانتماء إلى الطبقة الوسطى، فإن المدرسة (تحديدًا المدارس الخاصة)، والأعمال الحرة لا تزال من بين المسارات الممكنة للارتقاء الاجتماعي.
(14) Saâdeddine Igamane, «Les classes moyennes au Maroc face à la peur du déclassement social,» Blog Farzyat du Centre Jacques Berque - Rabat, 2013, accessed on 26/11/2017, at: http://bit.ly/2ABDlF7
(1((الملمح الأول Profil(): قال لي مقاول شاب من الرباط: «أعتقد أنني أنتمي إلى الطبقة الوسطى، وما يجعلني أفكر في هذا هو الدخل. هو المجهود الذي بذلتُ. الطبقة الوسطى هي أولئك الناس الذين يكدحون كثيرًا. نحن متيقظون دائمًا، ولا ننفق كثيرًا». إنه شاب
أعزب يبلغ 31 عامًا، أصيل منطقة جرسيف، وهو يدير مكتب محاسبة في الرباط. إنه شاب ينحدر من عائلة ما زالت تقيم في جرسيف
وهي عائلة تتكون من عشرة أبناء، كما أنها محافظة وأمازيغية، ويشتغل والده في الزراعة. بعد حصوله على شهادة البكالوريا، قرر هذا
الشاب مواصلة دراسته الجامعية في الرباط. وبعد حصوله على شهادة الإجازة في الاقتصاد، أمضى أكثر من ست سنوات موظفًا في
الشركات، ليتمكّن أخيرًا، منذ عامين، من إنشاء شركته الخاصة بالاشتراك مع أحد أصدقائه. لقد درس هذا الشاب في المدرسة العمومية،
ثم قام بعد ذلك بالأعمال الحرة، جاعلً منهما جسرًا للدخول في الطبقة الوسطى. بالنسبة إلى هذا الشاب فإن الذين ينتمون إلى الطبقة
الوسطى لديهم ثقافتهم الخاصة ولا يستطيعون الاختلاط بغيرهم، إنهم أشخاص يعيشون على حافة الفقر وينفقون كل مداخيلهم لتلبية احتياجاتهم الأساسية. حاليًا، هو شريك في إدارة مكتب المحاسبة، ويمكن أن يدفع لنفسه راتبًا مقداره 6000 درهم، وهو دخل يعتبره كافيًا
«لدفع الإيجار والأكل والنوم» في مدينة مثل الرباط. ويقول إن لديه فرصة لزيادة راتبه، ولكن الهدف في الحالة الراهنة هو الاستثمار في
مكتب المحاسبة. الملمح الثاني: يقول هذا الإطار الإداري من الدار البيضاء، والذي يعتبر نفسه منتميًا إلى الطبقة الوسطى: «أنا أتموضع
في الطبقة الوسطى، لأنني أمتلك تمويلات محدودة، وهي تمويلات شهرية. وحتى لو أردت تغيير وتيرة حياتي وحياة أولادي فإنني غير قادر على ذلك. أنا فقط أستطيع التميز في الطبقة التي أوجد فيها. فأنا على سبيل المثال، لا أستطيع تسجيل أطفالي في المدارس الخاصة ذات الجودة العالية جدًا». إنه مهندس وأستاذ جامعي عرضي، من مواليد عام 9591، وأب لثلاثة أطفال مسجلين في المدارس الخاصة.
من ساكنة الدار البيضاء منذ 14 عامًا كما تشتغل زوجته عونًا فنيًا في شركة خاصة. كان هذا المهندس قد جعل أيضًا من المدرسة العمومية
وسيلة للارتقاء الاجتماعي، إضافةً إلى أنه تزوج امرأة إطارًا في شركة خاصة. وهو يعتقد أنه كان دائمًا جزءًا من الطبقة الوسطى. رسميًا،
يكسب 70001 درهم شهريًا، ولكننا إن احتسبنا كل مداخيله مجتمعة (التأطير الجامعي... إلخ) فإنّ دخله الشهري يمكن أن يصل إلى
حدود 20000 درهم. كما أن زوجته لها تقريبًا الراتب نفسه. يضيف هذا المهندس: «نحن نتحرك بمرتب يراوح بين 03 ألف درهم و 53 ألف
درهم شهريًا. يمكننا زيادة ذلك عند الضرورة». وهو ينفق أكثر من 25 في المئة من الدخل في تربية الأطفال، والباقي من أجل الترفيه،
والسفر إلى الخارج، وغير ذلك. لديه سيارة خاصة، وهو يقيم حتى الآن في منزل وظيفي منذ أربعة عشر عامًا، لكنه بصدد بناء منزله
الخاص. لقد اقتطعنا الملمحين من الدراسة التالية: Igamane, «Les classes moyennes».
تبعًا للدراسة نفسها، فإن أولئك الذين يعتبرون أنفسهم منتمين إلى الطبقة الوسطى نادرًا ما يشيرون إلى الدخل قصد التموقع في الهرم الاجتماعي. فهم يفكرون أكثر في نفقاتهم، وفي الأشياء التي يملكونها أو يأملون في امتلاكها، وفي الاحتياجات التي يأملون في تلبيتها. على الرغم من أن معيار التعريف الذاتي يقوم على التمثلات، فإنه يبين لنا كيف أن السلوكيات تجد مبرراتها في تلك التمثلات ذاتها لوسطها الاجتماعي. كما أظهرت الدراسة أنّ الخوف من تخفيض المرتبة الاجتماعية يتحول إلى سلوكيات مرئية. ومن المرجح أن يؤدي ذلك إلى تفاقم وضعياتهم، خاصة أولئك الذين يعيشون في وضعية هشة (الإنفاق المرتفع نسبيًا على دراسة الأطفال و/ أو على
السكن). إن هذه الخصائص هي من بين الخصائص التي تُسند إلى أولئك الذين يعيشون في أسفل الطبقة الوسطى، والذين يعتبرهم شوفيل جزءًا من «الطبقة الوسطى الدنيا». قبل اقتراح مقاربة لدراسة هذه الطبقة الوسطى الدنيا، من المناسب العودة إلى الخصائص الأساسية التي تقتسمها الطبقات الوسطى في ضوء الدراسات الثلاث المذكورة مسبقًا.
الخصائص المشتركة للطبقات الوسطى
في الدراسة التي أنجزها مركز الدراسات في المجال الاجتماعي والاقتصادي والتسيير، نعثر على قائمة من الأشياء المتكررة التي نُسبت إلى الطبقة الوسطى في المغرب. ويشمل ذلك خاصةً الدخل الذي يُوفّر قدرةً شرائيةً تسمح بالحصول على سيارة، وبتمويل دراسة الأطفال في المدارس الخاصة بصورة أساسية، وبالسكن في أماكن إقامة فسيحة إلى حد ما (أي شقق أو فيلات اقتصادية) فيها موقف للسيارات وربما حديقة للأطفال. كما تسمح المداخيل أيضًا بتجهيز البيت بأجهزة منزلية مختلفة وبالولوج في تقنيات الاتصال الجديدة (الهاتف الذكي، والإنترنت، والتلفزة الذكية، وغيرها). أما في ما يخص العادات الاستهلاكية، فيمكننا أن نذكر شراء الصحف من الأكشاك، والسفر داخل البلاد أو إلى الخارج خلال العطل والأعياد، وتوفير طبيب للأسرة، وشراء منتجات تحمل علامات تجارية ذات جودة عالية، وغير ذلك. ومن أجل ضمان العيش على نحو أفضل في الأسر الصغيرة، فإن استخدام وسائل منع الحمل يعتبر ممارسةً طبيعية. لكن، في مستوى الدراسة القائمة على أساس التعريف الذاتي، يعتقد مَن أجريت معهم المقابلات أن الطبقات الوسطى اليوم تستطيع بدرجات متفاوتة الوصول إلى السلع التي كان يتعذر الوصول إليها في السابق. إنه تغيير حصل بفضل تحرير قطاعات معينة من الاقتصاد والتسهيلات في الحصول على قروض. وتبعًا للدراسة ذاتها، فإن الأغلبية تعتبر القرض مرادفًا للادخار عندما تعجز عن توفير بعض المدخرات. ويُصرف القرض أساسًا في شراء العقارات والسيارات والأجهزة المنزلية. تُعتبر هذه العناصر، فضلً عن العمل القارّ والمُجزي، من بين رموز النجاح الاجتماعي داخل الطبقة الوسطى.
(16) Chauvel.
دفع سوء سمعة بعض الخدمات العامة بجزء كبير من الطبقة الوسطى نحو القطاع الخاص، لا سيما في ما يتعلق بالتعليم والصحة. وإذا ما كانت المدرسة تؤدي دورًا في الاندماج وفي التنشئة الاجتماعية للأفراد، فإنها تبدو عاملً من عوامل الحراك الاجتماعي. وعلى الرغم من أن غالبية المستجيبين كانوا قد ارتادوا المدارس الحكومية، فإنهم يأملون في أن يوفروا لأطفالهم تعليمًا خاصًا عالي الجودة، وهو
ما يعني في الغالب مستوى جيدًا في اللغة، وخاصة اللغة الفرنسية. مع ذلك، لا تزال توجد أقلية تعتبر
المدرسة الخاصة ملجأ مخصصًا لأولئك الذين فشلوا في المدارس العامة. غير أن الذين أجريت معهم المقابلات كانوا عندما يتحدثون عن المدرسة، سواء العامة أو الخاصة، يُجمعون على اعتبارها
إحدى الوسائل الضامنة للحراك الاجتماعي في المغرب. هذا إضافةً إلى الهجرة والأعمال الحرة، وهما أمران يأمل المستجيبون في تحقيقهما يومًا ما بنجاح. ومع ذلك، فإن الخوف والقلق بشأن المستقبل يتعلقان أساسًا بفقدان القدرة الشرائية، وصعوبة الوصول إلى العقارات وضمان حياة صحية وكريمة.
إنها عناصر يمكن وجودها أو فقدانها، مقرونًا بعوامل أخرى، أن يحرك المصعد الاجتماعي إلى الأعلى أو إلى الأسفل على حدٍ سواء. إن الانتقال من الطبقة الفقيرة إلى الطبقة الوسطى أو الانتقال من الطبقة الوسطى الدنيا إلى الطبقة الوسطى العليا هو أمر ممكن بحسب رأي المستجيبين. لكن الوصول إلى الطبقة الغنية اعتبره أغلبية المستجيبين أمرًا مستحيلً، أو على الأقل أمرًا ممكنًا لكنه صعب التحقق. ويرجع ذلك إلى صعوبة
الوصول إلى مصادر التمويل وارتفاع تكلفة العقارات، إضافةً إلى مشكلة فقدان شبكة علاقات اجتماعية أو عدم وجود رأس المال الاجتماعي أيضًا، وهو أمر يعسر إدراكه. إن أحد شروط النجاح في الحفاظ على المنزلة المتوسطة هو أن تتوافر وظيفة مستقرة، وقادرة على تلبية الاحتياجات المختلفة للأسرة الصغيرة. ومع ذلك، فإن أولئك الذين يعيشون في أوضاع هشة هم دائمًا
مهددون بالفقر عقب أي حدث أو أزمة غير متوقعة (المرض، وفقدان الوظيفة، ومولود جديد، وغير ذلك). وهناك نوع آخر من الهشاشة يتعلق بالشغل والعمل. إن هذه الهشاشة المهنية هي ما سيكون مدخلً لدراسة ما يمكن أن نسميه «الطبقة الوسطى الهشة».
مسار بحثي جديد حول الطبقات الوسطى: النموذج الإرشادي للهشاشة
يمكن تحديد الطبقات الوسطى من خلال معايير التعريف الذاتي، كما يمكننا ذلك من خلال المداخيل والنفقات والمهن الممارسة فيها. لكن علينا ألا ننسى كل الخصائص الاجتماعية - الثقافية الأخرى مثل الثقافة المهيمنة، وطريقة الحياة، وغير ذلك، شريطة أن تكون جميع هذه العناصر قابلة للتحديد. إن ظروف المهن وطبيعتها التي يفترض أنها مداخل ميدانية لتحديد المنتمين إلى الطبقة المتوسطة ليست متجانسة. ويمكننا التمثيل لذلك بالأستاذ المنتدب والموظف الحكومي في مقابل الشخص
(17) Igamane, «Les classes moyennes.»
الذي يعمل في القطاع الخاص بنصف الأجر وبساعات عمل مضاعفة، وذلك بعقد محدد المدة. فهذا الأخير سيشعر بهشاشة وظيفته، وسيشعر بالهشاشة داخل الوظيفة التي يُفترض به أن يؤديها. ومع ذلك، فإن الهشاشة ترتبط دائمًا بالفقر حتى وإن كان المفهومان يشيران إلى بُعدين مختلفين
للرفاهية. وإذا ما كان الفقر ثابتًا، فإن الهشاشة دينامية، وهي تشير إلى الصيرورة ونتيجتها على حدٍ سواء. من أجل ذلك، نُعرّف الهشاشة بأنها احتمال الدخول في الفقر بعد أزمة أو صدمة ما. وهنا، تظهر
في المستوى النظري أهمية الانتقال من دراسة الفقر بما هو وضعية ثابتة، إلى دراسة تأثير الأحداث والأزمات في وضعية الأفراد والجماعات، فضلً عن الإستراتيجيات التي يتبناها هؤلاء للخروج من الفقر، أو على الأقل لتجنبه. في مستوى السياسات العامة، تحاول الدول وضع برامج لمكافحة الهشاشة. وفي المغرب، تتحدث المندوبية السامية للتخطيط عن العطوبة (مفهوم أنجلو - سكسوني أتى إلينا من مجال الصحة)، بدلً من الهشاشة. ومن وجهة نظر اقتصادية، تعتبر المندوبية السامية للتخطيط أن العطوبة هي تلك الوضعية التي يعيش فيها جزء من المجتمع فوق خط الفقر (ومن ثمّ يمثلون الطبقة الوسطى الدنيا). ومع ذلك، فإن الأشخاص الذين يُعتبرون في وضعية الهشاشة، وتستهدفهم، في الحصيلة، المبادرة الوطنية للتنمية البشرية في المغرب، هم من النساء اللائي يعانين صعوبات، وأطفال الشوارع، والسجناء السابقين، وغيرهم. إنهم في الغالب أشخاص يعيشون أساسًا تحت خط الفقر. واعتمادًا على منطق مشابه لمنطق المندوبية السامية للتخطيط، يُعرّف البنك الدولي الأسرة التي تعيش وضعية الهشاشة بأنها الأسرة التي
يكون مجموع إنفاقها بين خط الفقر و 1.5 من هذا الخط. في عام 9871، ربط المجلس الاقتصادي والاجتماعي الأوروبي الهشاشة بالتشغيل. وقد عرّفها بأنها
وضعية لا تكون فيها ظروف العمل مطابقة للمعايير الدولية بصورة مطلقة. وعلى المستوى النظري، اتبعت النماذج الإرشادية اتجاه التحولات التي شهدتها المجتمعات (خاصة في أوروبا، وأميركا الشمالية). ويتعلق الأمر بالمرور من الحداثة إلى ما بعد الحداثة على أكثر من مستوى؛ من مثل نمط الحياة والأفكار والقيم، وغيرها. بالنسبة إلى أولريش بيك، فإن معركة الناس من أجل الخبز قد ولّت. وهو يشير إلى أن الفرد أصبح اليوم مسكونًا بالفردانية، في حين أن المنظمات ستعتمد أكثر على التكنولوجيا الجديدة. كما يرى المؤلف نفسه، أنّ المرونة الناتجة من هذه الوقائع قد أدت نتائجها إلى خلق فرص عمل هشة، لا سيما مع تطور العقود محددة المدة والاستعانة والمناولات. وهذا هو السبب الذي يجعلنا نعتبر هشاشة التشغيل مدخلً لدراسة وظائف الطبقة المتوسطة. ولا يمكن اعتبار الحصول على عمل في أيامنا هذه مرادفًا للابتعاد عن الفقر.
(18) Ulrich Beck, La société du risque: Sur la voie d'une autre modernité , Laure Bernardi (trad.), préface de Bruno Latour (Paris: Aubier, 2001).
إنّ النموذج الإرشادي للهشاشة الذي دعت إليه ماريز بريسون يتجاوز الفقر ويدرس حالة الهشاشة باعتبارها صيرورة. فالفقر يصبح معنى أوليًّا بالمعنى الدوركايمي (نسبة إلى عالم الاجتماع
دوركايم). وترى بريسون أن الانتقال من الهشاشة إلى الفقر هو أمر ذو احتمالية عالية بوجود حركية البنية الاجتماعية في مجتمع حديث ومعولم، وهي عناصر تسمح، في الحصيلة، بتطوير القيم الفردية. على هذا المستوى، انقسم علماء الاجتماع؛ فهناك من يرى في هذه التحولات تحريرًا للفرد الذي
سيكون في الوقت نفسه على قدر أكبر من المرونة في اختيار وظيفته، وكذلك المزيد من الحرية في نسج العلاقات الاجتماعية. في حين أن البعض الآخر ينظر إلى هذه التغيرات باعتبارها أحد أسباب التنازلات التي كان العمال يُجبَرون عليها لمصلحة أرباب العمل، وهو الأمر الذي تسبب في حالة
الهشاشة بين قطاع كبير من الموظفين. لقد تحدث روبار كاستل من قبل عن رجّة حضارة العمل بما
أن الموظف صار مشغولً بقوت يومه، فأصبح الشك وانعدام الأمن أمرين شائعين في سوق العمل الحالية. كان سارج بوغام قد استخدم هذا المفهوم للعمل الهش عندما درس العمل التعاقدي، ولاحظ الطبيعة الهشة لهذه العقود محددة المدة، لا سيما في مؤسسات المناولة في فرنسا. في المغرب، كان عهد الحماية شاهدًا على تطوير العمل التعاقدي. فقد أتاح إنشاء المشاريع والنزوح الريفي تنميةً غير متوازنة للمدن الكبرى. وبالتوازي مع هذا الاتجاه نحو الصناعة، تطورت ضروب من المهن الصغرى. إنه اقتصاد هامشي خاصة في مجال التجارة. وهي وضعية كانت قد شدّت انتباه باحثين من أمثال أندريه آدم الذي درس في عام 9751 هذا النوع من الوظائف التي انتشرت بعد اتصال المجتمع المغربي بالغرب. وفي أيامنا هذه، لا يغيب هذا النوع من التجارة غير الرسمية في معظمه عن أحيائنا الشعبية، وأسواقنا الأسبوعية، وفي الأزقّة وأرصفة المدن وغيرها. من وجهة نظر علم الاجتماع، فإن تعريف «القطاع غير الرسمي» يتجاوز التعريف الرسمي الذي يقوم على أساس معيار «دفَع أو لا» ما عليه من ضرائب، إلى كل ما يقوم على البعد العلائقي. نتيجة لذلك، فإن الهشاشة بالنسبة إلى بعض المؤلفين من أمثال روبار كاستل، تتجاوز الأنشطة غير
(19) Maryse Bresson, Sociologie de la précarité (Paris: Armand Colin, 2007). (20) Ulrich. (21) Robert Castel, Les métamorphoses de la question sociale (Paris: Fayard, 1995). (22) Serge Paugam, Le salarié de la précarité: les nouvelles formes de l'intégration professionnelle (Paris: Presses Universitaires de France, 2000). (23) Clifford Geertz, Le souk de Sefrou: sur l'économie du bazar. Daniel Cefaï (trad. & présentation), (Paris: Bouchene,
(24) Adam. (25) Saadeddine Igamane & Maud Brasseur, «Chassez l'informel, il revient au galop,» Revue Economia , no. 10 (2010), accessed on 26/11/2017, at: http://bit.ly/2iVjuWK
الرسمية لتتعلق بأي نشاط يتسم بانعدام الأمن الاقتصادي والاجتماعي، وهي تهمّ الأشخاص الذين يعملون أيضًا. في المغرب، وفي دراسة ترجع إلى عام 2006، كان الباحثان خليل جمال ونعمان جسّوس قد ربطا
العمل الهش بردّة فعلٍ هي من باب تشبث الفاعلين بالحياة في بيئة اقتصادية غامضة. وقد حصر الباحثان هذه الفئة في النازحين الريفيين نحو المدينة، وفي الشباب الحضري غير المتخصص والباحث عن وظائف قارّة. يُذكّرنا سارج بوغام أن الهشاشة المهنية يمكن أن تمس طبقات اجتماعية مختلفة. وهو يميز بين هشاشة الشغل وهشاشة العمل. يشير المصطلح الأول إلى انعدام الأمن في التشغيل (بالعلاقة بطبيعة العقد وامتيازاته)، بينما يشير المصطلح الثاني إلى انعدام ظروف عمل مريحة (الأجور، والنظافة، وغير ذلك). ويُعتبر الشعور بعدم الاستقرار شكلً من أشكال الهشاشة حتى في ظل ظروف عمل تُعتبر ملائمة. وفي عام 9951، استخدم بوغام مفهوم الهشاشة لوصف العمل بصيغة التعاقد الذي انتشر في فرنسا مع مؤسسات المناولة. لهذا السبب، نقترح في إطار هذه المقالة مقاربة جديدة لدراسة الطبقة الوسطى الهشة، تلك الطبقة التي توجد فوق خط الفقر والتي يتسم عملها بالهشاشة. إن هذا النزول إلى الميدان يمكن أن يُدمج مع معيارين آخرين أو أكثر من مثل طبیعة الشغل المرتبط بالطبقة المتوسطة، والتعریف الذاتي، وكذلك الدخل والمصاريف وغيرها من المسائل ذات الصلة.
المراجع
Adam, André. Casablanca: Essai sur la transformation de la société marocaine au contact de l ' Occident. Paris: CNRS, 1968. Alami, Ahmed Lahlimi. «Les classes moyennes marocaines: Caractéristiques, évolution et facteurs d’élargissement,» Conférence-débat du Haut-Commissaire au Plan sur les classes moyennes au Maroc. Rabat. May 2009. at: http://bit.ly/2i9DXdz Beck, Ulrich. La société du risque: Sur la voie d ' une autre modernité. Laure Bernardi (trad.). préface de Bruno Latour. Paris: Aubier, 2001. Ben Haddou, Ali. Maroc: Les Elites Du Royaume , essai sur l ’ organisation du pouvoir au Maroc. Paris: L'Harmattan, 1997. Bourdieu, Pierre (ed.). La misère du monde. Paris: Le Seuil, 1993.
(26) Robert Castel, L'insécurité sociale: qu'est-ce qu'être protégé? (Paris: Seuil, 2003). (27) Serge Paugam, Pratique de la sociologie (Paris: Presses Universitaires de France, 2008). (28) Serge Paugam, Les formes élémentaires de la pauvreté (Paris: Presses Universitaires de France, 2005).
Bresson, Maryse. Sociologie de la précarité. Paris: Armand Colin, 2007. Castel, Robert. Les métamorphoses de la question sociale. Paris: Fayard, 1995. ________. L ' insécurité sociale: qu ' est - ce qu ' être protégé ? Paris: Seuil, 2003. Catusse, Myriam. Le temps des entrepreneurs ? Politique et transformations du capitalisme au Maroc. Paris: Maisonneuve & Larose, 2008. Chauvel, Louis. Les classes moyennes à la dérive. Paris: Seuil, 2006. Damon, Julien. Les classes moyennes. Paris: Presses Universitaires de France, 2013. Geertz, Clifford. Le souk de Sefrou: sur l ' économie du bazar. Daniel Cefaï (trad. & présentation). Paris: Bouchene, 2003. Igamane, Saâdeddine. «Les classes moyennes au Maroc face à la peur du déclassement social.» Blog Farzyat du Centre Jacques Berques - Rabat. (2013). at: http://bit.ly/2ABDlF7 Igamane, Saadeddine & Brasseur Maud. «Chassez l'informel, il revient au galop.» Revue Economia. No. 10 (2010). at: http://bit.ly/2iVjuWK «La classe moyenne, c’est qui?» Centre des Etudes Sociales, Economiques et Managériales (CESEM) de Rabat. sur le site Internet réalisé par Joan Bardelitti sur les classes moyennes en Afrique. (2009). at: http://bit.ly/2A993Zl Paugam, Serge. Le salarié de la précarité: les nouvelles formes de l ' intégration professionnelle. Paris: Presses Universitaires de France, 2000. ________. Les formes élémentaires de la pauvreté. Paris: Presses Universitaires de France,
________. Pratique de la sociologie. Paris: Presses Universitaires de France, 2008. Rosanvallon, Pierre & Jean-Paul Fitoussi. Le nouvel âge des inégalités. Paris: Seuil, 1996. Tangeaoui, Saïd. Les Entrepreneurs marocains: Pouvoir , société et modernité. Paris: Karthala,