تاريخ العراق ومجتمعه بين حنّا بطاطو وعلي الوردي
History of Iraq and its Society: Between Hanna Batatu and Ali al-Wardi
الملخّص
* أستاذة في التاريخ والشؤون الدولية بجامعة جورج واشنطن، واشنطن.
- طبقة
- طائفة
- قبيلة
- حداثة
- السرديات الوطنية
ملخص: تركت كتابات حنا بطاطو وعلي الوردي بصماتها على نظرتنا إلى المجتمع والتاريخ في العراق الحديث. ففهمنا لتاريخ العراق اليوم وسياساته مرتبط بمنهجيات بطاطو والوردي المتميزة. أن يكتب بطاطو عن تاريخ الحزب الشيوعي العراقي وتصفيته على يد حزب البعث، في أواخر السبعينيات حين كان النظام البعثي في ذروته، فذلك يعبّر عن إيمان بقدرة التعبئة
الشعبية على اجتراح تغيير في المجتمع. إلا أن علي الوردي لم يكن لديه إيمان مماثل. فقد رأى أنّ سياسات حركة التمرّد في عام 1920 التي سجّلت وفقًا للتأريخ الوطني ولادة دولة
العراق الحديث، كانت غارقة في الولاءات الطائفية والقبلية. وقد أظهرت مقاربة الوردي الإثنوغرافية أنّ شخصية العراقيين الثقافية حالت دون استيعابهم لأشكال غير الطائفية في التعامل على الصعيد الاجتماعي.
Abstract: The writings of Hanna Batatu and Ali al-Wardi have profoundly shaped our understanding of the society and history of modern Iraq. Batatu’s and al-Wardi’s distinct methodologies have significant implications on our understanding of the history and politics of present day Iraq. Writing in the late 1970s at the height of Ba’thist power, Batatu’s history of the Iraqi Communist Party and its liquidation by the Ba’thists, exhibited a faith in the ability of popular mobilization to forge a change in society. Ali al-Wardi had no such faith. He saw the politics of the 1920 rebellion, claimed by nationalist historiography as the birth of modern Iraqi nationhood, as mired in allegiances to sect and tribe. Al-Wardi’s ethnographic approach led him to assert that the cultural personality of Iraqis precluded the assimilation of non-communal forms of sociability.
Professor of History and International Affairs at George Washington University, Washington, D.C.
مقدمة
تعالج هذه الورقة مقاربتَين مختلفتين لدراسة التاريخ العراقي، وتبعات كلٍّ منهما تجاه فهمنا الحالي لواقع العراق. فقد صاغت أعمال كلٍّ من حنا بطاطو وعلي الوردي، على نحو عميق، دراستنا لتاريخ العراق ومجتمعه المعاصر. أما حنا بطاطو، فقد اعتمد على التحليل الطبقي الماركسي في تتبُّعه تطوُّرَ المجتمع العراقي من مرحلة تقليدية مبنية على ولاءاتٍ قبَلية وعشائرية، إلى
مجتمع حديث، طبقي، تتعايش فيه الانتماءات الطبقية والحزبية مع الولاءات القبَلية، وتجاوزها في
بعض الأحيان. وأما علي الوردي، فقد نهل من فكر ابن خلدون الاجتماعي، وأعمال علماء الاجتماع الأميركيين، والفرنسي إميل دوركايم. ولم يفهم الوردي تاريخ العراق بوصفه تقدمًا في اتجاه واحد؛
أي من أشكال تقليدية للتنظيم الاجتماعي إلى أخرى حديثة، بقدر ما فهمه بوصفه صراعًا مستمرًّا بين
الحضارة والبداوة، بين ثقافة الحياة الحضرية المستقرة والولاءات القديمة للقبيلة والطائفة.
أولا: ملاحظات عامه حول أعمال حنا بطاطو وعلي الوردي
لقد التقيتُ حنا بطاطو أول مرة في عام 1985، وذلك بعد أشهر من عودتي إلى جامعة جورجتاون من العراق، حيث بقيت هناك ستة أشهر وأنا أبحث في الأراشيف والمكتبات في بغداد والموصل، تحضيرًا لرسالتي عن الموصل تحت حكم عائلة الجليلي. لكني التقيتُه قبلَها في كتابه الطبقات
الاجتماعية القديمة والحركات الثورية في العراقالذي اعتبرناه، بوصفنا طلابًا، نموذجًا لكيفية كتابة
التاريخ المعاصر للعالم العربي. ففي أكثر من 1200 صفحة، قدَّم الكتاب دراسة لتطور الطبقات الاجتماعية الحديثة والحركات السياسية في العراق، من أواخر القرن التاسع عشر الميلادي حتى عام 1976. ومع أن الهدف المبدئي منه كان محاولةً في كتابة تاريخ صعود الحزب الشيوعي العراقي، أي ثورة 1958 وما تلاها، فقد وسَّع بطاطو مداه بعد أن سُمح له بالوصول إلى مصادر أكثر، وبعد
زيارته للعراق في الستينيات وبداية السبعينيات لإجراء مزيد من البحث واللقاءات. نُشر الكتاب في عام 1978، في السنة نفسها التي نشر فيها إدوارد سعيد كتابه الاستشراق، حيث مثل الكتابان معًا صعودًا للتحليل النقدي لدراسة الشرق الأوسط الحديث على أيدي أستاذين عربيَّين منغمسَين في لغة
العلوم الإنسانية والاجتماعية الغربية. وقد كانت النتيجة، بالنسبة إلينا نحن القادمين من العالم العربي لدراسة الشرق الأوسط في الولايات المتحدة الأميركية، عميقة جدًّا، إذ سمحت لنا بالتفكير والكتابة ضد السائد في الأكاديميا الأميركية التي كانت تُصوِّر مجتمعات الشرق الأوسط كما لو كانت مترددة
بين التراث والحداثة: شرق أوسط يعجز مرارًا عن الوصول إلى النموذج الغربي في التطوُّر. كانت
هذه السردية عن تاريخنا المعاصر، في عقدَي السبعينيات والثمانينيات، العقدين اللذين شهدا الحرب وإفلاس حكومات ما بعد الاستعمار، هي نفسها التي يحدِّثنا بها الكثير من المعلقين العرب في الزمن الحالي. قدَّم لنا كتاب سعيد، كما يعلم الكثير، أداة قويَّة لنقد هذه الرؤية عن الشرق الأوسط وغيرها
من الدراسات الأكاديمية الغربية عن العالم غير الغربي.
(1) Hanna Batatu, The Old Social Classes and Revolutionary Movements in Iraq (Princeton: Princeton University Press,
لأسف الشديد، لم يُحدِث تاريخ حنا بطاطو للعراق الحديث ذلك التأثير الكبير في الدراسة الأكاديمية للشرق الأوسط، وذلك على الرغم من أنه ظلَّ بمنزلة الإنجيل لكل من يريد الكتابة عن تاريخ العراق. في الحقيقة، ظنَّ كثير منَّا، عندما نُشر أول مرة، أنه لم يعد هناك ما يُكتب عنه في تاريخ العراق، وأن بطاطو قال كل ما يمكن أن يقال. فقد كانت دراسته مفصَّلة وشاملة، مكتوبة بأسلوب بليغ في بعض أجزائها، وعبَّرت عن تفهُّم وتعاطف مع الأشخاص الذين شكلوا تاريخ البلاد. لقد كان هذا الجانب من
كتابه مؤثرًا، وما زال يشكِّل نموذجًا لدراسة تاريخ المجتمعات العربية. فعلى عكس أغلب الكتابات عن
السياسة في الشرق الأوسط، كان كتاب بطاطو تاريخًا للشعب في العراق. وعلى الرغم من أنه درس، على نحو منهجي، أثَر كلّ من الطبقة والوجاهة والعوامل البنيوية الكبيرة في صناعة السياسة العراقية الحديثة، كان كتابه تاريخًا عن سعي شعب – وغالبًا فشله – في صياغة مستقبله السياسي. فقد كان
هناك القليل من الكتب في عام 1978، كما هي الحال اليوم، سواء باللغة الإنكليزية أم بالعربية، التي تُقدِّم وجهة النظر هذه عن شعب يسعى لكتابة تاريخه على مدى قرن من الزمان. وفي هذا الجانب، هو أقرب إلى كتابات المؤرخ اليساري البريطاني إدوارد بالمر تومبسون الذي كتب عن تاريخ الطبقة العاملة في بريطانيا من أعمال علماء السياسة أو المؤرخين في دراستهم لتشكُّل الأحزاب السياسية. فقد قابل عددًا من العراقيين، واعتمد على مجموعة متميزة من المصادر، مثل ملفات الشرطة في الدولة العراقية، واعتمد على الشعر، والأغاني والأمثال الشعبية، ليبعث الحياة في عوالم الشخصيات الرئيسة التي مأت صفحات كتابه. لم يكن حنا بطاطو من العراق، بل كان نازحًا فلسطينيًّا بدأ اهتمامه بالعراق عندما بدأ العراق يؤدي دورًا
مركزيًّا في الدبلوماسية الغربية، بعد أن انضم إلى حلف بغداد في ذروة الحرب الباردة. أما علي الوردي فقد كان ابنًا للعراق، حيث ولد عام 1913 ونشأ في حي الكاظمية في بغداد لعائلة من الطبقة الوسطى، وتعلَّم في الجامعة الأميركية في بيروت، وفي جامعة تكساس، حيث حاز شهادة الدكتوراه في علم الاجتماع عام 1950. شملت حياة علي الوردي غالب التطورات المهمة في التاريخ العراقي الحديث. فعند وفاته في عام 1995، كان الوردي قد شهد تشكُّل دولة عراقية، وثورة حوَّلت الملَكية إلى جمهورية، وعددًا من الانقلابات، ودكتاتورية، وثلاث حروب، وحصارًا. ولعل العامل الأكبر الذي ساعده على البقاء والاستمرار في البلاد هو رفضه اتخاذ موقف معارض علني للدولة، وإصراره على أنه يجب على العلوم الاجتماعية أن تكون نقدية وبعيدة عن الأيديولوجيا والسياسة. ولعل أكثر لحظاته اقترابًا من النقد العلني للدولة كانت في
محاضرته العامة التي شهدت حضورًا كبيرًا، وعُقِدت في بغداد في آذار/ مارس 1991، بُعَيْد انتهاء حرب
الخليج وقمع الانتفاضة العراقية. في هذه المحاضرة، تطرَّق الوردي إلى طرق إعادة بناء المجتمع العراقي
بعد كارثة الحرب والعنف الذي حدث في الانتفاضة، لائمًا الحكومة على استهتارها وعنترياتها.
(2) E.P. Thompson, The Making of the English Working Class (USA: Vintage Books 1966).
(((المعلومات عن حياة الوردي في هذا البحث مقتبَسة من سلام شماع، مجالس الوردي: الدكتور علي الوردي، مجالسه ومعاركه
الفكرية (دمشق: مركز الناقد، 2010)؛ علي حسين الجابري، علي الوردي: السيرة والآراء (بغداد: بيت الحكمة، 2002)؛ إبراهيم
الحيدري، علي الوردي، شخصيته وأفكاره الاجتماعية (كولون: دار الجمل،.)2006
وعلى الرغم من أنه كان أحد مؤسسي قسم علم الاجتماع في جامعة بغداد في الخمسينيات، فإنه اختار الاستقالة في عام 1972، وذلك مع بداية سعي الدولة لتطويع العلوم الاجتماعية في خدمة أيديولوجيا البعث، إلا أنه لم يتوقَّف عن الكتابة في الصحف وإعطاء المحاضرات الأكاديمية، على الرغم من شعوره بالتهميش في السبعينيات مع أبحاث الجيل الجديد من علماء الاجتماع الذين كانوا أكثر انضباطًا منهجيًّا، فقد كانوا أكثر احترافًا منه في تفادي مخاطر البحث في مساحة ضيِّقة جدًّا من
المواضيع التي يمكنهم التطرق إليها تحت حكم «البعث» في العراق. على عكس بطاطو، لم يكن الوردي مفكرًا منهجيًّا أو باحثًا. كان أسلوبه في السرد انطباعيًّا، وكان
ينتقي النظريات الاجتماعية الغربية والإسلامية لإثبات ادعاءاته من دون أن يوضِّح بالتفصيل طريقته في الانتقاء. كانت كتابته سهلة، تعليمية، وفي بعض الأحيان حادة النقد. ولعل أسلوبه هذا الذي كان محل انتقاد من علماء الاجتماع العراقيين بعد السبعينيات هو الذي يجعلنا نخفق في وضعه ضمن سياق تاريخي. فأعمال علي الوردي الأولى، أي تلك الأعمال التي كتبها في الخمسينيات، كانت قد كُتِبت على طريقة مثقفي النهضة وعلماء الاجتماع في المرحلة الأولى من القرن العشرين، إذ كان يختار على نحو انتقائي، وسطحي أحيانًا، من بين علماء الاجتماع من أمثال روبرت مكيفر، وجورج ميد، وإميل دوركايم، ويسعى لتوظيف مناهجهم لقراءة مجتمعه، معتمدًا على أعمال ابن خلدون. فمثل الجيل الأول من النهضويين، لم تكن أعماله موجَّهة إلى المتخصصين، ولكن إلى جمهور القراء المثقفين. كان يتساءل: كيف نستطيع أن نستخدم التصنيفات الغربية في العلوم الاجتماعية لفهم أنفسنا؟ كيف يمكن أن نستخدم مناهجهم النقدية و«العلمية» لتحقيق قراءة غير مثالية أو طوباوية لماضينا وحاضرنا؟ وأخيرًا، كيف يمكن أن نتفادى الاقتباسات غير النقدية منهم، ونسعى لتَبْيِئة مناهجهم من أجل إعادة
قراءة نصوصنا التاريخية وتراثنا؟ كان ألدَّ أعداء علي الوردي طوال فترة حياته ما وصفه بالمثالية والطوباوية في التفكير اللتين كانتا متفشِّيتَين في القراءة والكتابة التقليديتين للتاريخ والسياسة في العراق والعالم الإسلامي. ما يحدِّد هذا النمط الفكري هو الأحكام، باعتبارها مبنية على تفكير رغبوي لا يأخذ في الاعتبار واقع المجتمع العراقي والعربي. حينما دُعِي إلى مصر في عام 1962 ليؤدي دورًا في تأسيس علم اجتماع عربي، رفض المشروع باعتباره مثاليًّا، ومحاولةً لفرض وحدة على عالم عربي مليء بالمجتمعات المتنوعة. آخر أعماله المهمة،
وفي الحقيقة أكثرها تعاطيًا منهجيًّا مع دراسة مجتمع العراق وتاريخه، هو تاريخ متعدِّد الأجزاء للعراق،
عنوانه لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، قدَّم فيه مقاربته حول طريقة دراسة المجتمع العراقي. نُشر الكتاب في الفترة 1975–1968؛ أي تقريبًا في الوقت الذي كان فيه بطاطو ينهي كتابه عن العراق.
(((انظر على سبيل المثال سليم علي الوردي، علم الاجتماع بين الموضوعية والوضعية: مناقشه لمنهاج الدكتور علي الوردي
لدراسة المجتمع العراقي (بغداد: مطبعة العاني،.)1978 (((هذا نقد وجَّهه الوردي ابتداءً بكتابه وعاظ السلاطين: بحث صريح بطبيعة الإنسان من غير نفاق (بغداد: دار المعارف، 1954) الذي
نشره بعد عودته من الولايات المتحدة. كما تطرَّق إليه في كثير من كتاباته ومحاضراته ومقابلاته على التلفزيون والراديو حتى آخر حياته.
(((علي الوردي، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، 6 أجزاء (بغداد: مطابع عدة،.)1978–1969
ثانيًا: رؤى بطاطو والوردي حول تاريخ العراق ومجتمعه
كان بطاطو مهتمًّا بالثورة عمومًا، وبالثورة العراقية عام 1958 خصوصًا. كان اهتمام بطاطو بالثورة نتيجة لنوع الأسئلة المطروحة في المجتمع الأكاديمي في الولايات المتحدة الأميركية في فترة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، إذ كان علماء الاجتماع يسعون لتفسير نجاح الثورتين الصينية والكوبية، وكذلك صعود الحركات المناهضة للاستعمار. في هارفرد، حيث درس بطاطو، فسَّر عالِم الاجتماع بارينجتون مور صعود الأنظمة الديمقراطية والديكتاتورية في الغرب وروسيا والصين باعتباره نتيجة قوَّة الفلاحين والطبقة البرجوازية في هذه المجتمعات والتحالفات الطبقية التي نشأت لتشكيل النظام السياسي أو ضعفهم. فأشكال الحكم الديمقراطي تنشأ عندما تكون التجمعات الفلاحية ضعيفة. وعندما تكون هذه التجمعات قوية، فإن التحديث السياسي يأخذ شكلً دكتاتوريًّا كما حدث في الصين وروسيا. إن هذه المقاربة الماركسية الجديدة Neo-Marxism لدراسة التغيرات الاجتماعية والسياسية هي التي كان لها التأثير الأكبر في دراسة بطاطو لصعود الحركات والأحزاب السياسية الحديثة. كما أنها سمحت له بتفسير سبب فشل الطبقة الوسطى العراقية في تأسيس بديل ديمقراطي اشتراكي بعد الثورة في العراق. حاول بطاطو الإجابة عن ثلاثة أسئلة في كتابه: ما هي القوى التي أدت إلى تحوُّل المجتمع العراقي من
مجتمع زراعي وقبَلي في غالبه إلى مجتمع حديث؟ وكيف استطاع شعب مقسَّم عشائريًّا وطبقيَّا وإثنيًّا
أن يُحدِث تغييرًا سياسيًّا؟ وماذا يفسِّر شكل النظام السياسي الخاص الذي أنتجته الثورة؟ حلل بطاطو المجتمع العراقي مستندًا إلى مفهومَين مركزيَّين: الأول هو الطبقة، والثاني هو المكانة. فمن خلال اعتماده على أعمال كل من ماركس وفيبر، اعتبر التمايزات في المجتمع العراقي التقليدي مبنية على أشكال الملكية، وخصوصًا ملكية الأرض، وعلى المكانة الاجتماعية، والمقصود بها موقع الشخص في هرمية مجتمع يعتمد على الأشكال العشائرية والقبلية للتماسك الاجتماعي، وكذلك التبعية السياسية. وتتبَّع، في الجزء الأول من كتابه، تحوُّلَ النظام الاجتماعي التقليدي في العراق من
أواخر القرن التاسع عشر إلى نهاية عهد الملكية. فقد تحوَّلت الطبقات الاجتماعية القديمة في العراق، كما كان يسمّيها بطاطو، مع اندماج العراق في اقتصاد السوق العالمية وبداية إدخال الإصلاحات التحديثية في العهد العثماني. وتتبَّع تحوُّل الشيوخ القبَليِّين إلى مُلَّك إقطاعيين وحلفاء للملكية،
وكذلك تحوُّل البدو إلى فلاحين فقراء أو مهاجرين إلى شرق بغداد. وراقب كيفية صعود طبقة جديدة
من التجار والصناعيين تحت حكم الملَكية، وربط بينهم، وبيَّن تشكُّل الأحزاب القومية، خصوصًا
الحزب الوطني التابع لجعفر أبو التمن، وحزب الاستقلال، وكذلك الحزب الوطني الديمقراطي.
((هذا ما أقره في مقالة كتبها عند اجتماع باحثين في جامعة تكساس في الذكرى العاشرة لنشر كتابه. انظر (:
Robert Fernea and William Roger Louis, The Iraqi Revolution of 1958: The Old Social Classes Revisited (London: I.B. Tauris, 1991). (8) Barrington Moore Jr., The Social Origins of Dictatorship and Democracy: Lord and Peasant in the Making of the Modern World (Boston: Beacon Press, 1993).
أخيرًا، ناقش نظام التبعية السياسية الذي شكلته الملَكية وسيطر عليه الضباط الذين قدموا مع الملك
فيصل الأول إلى العراق. ختم بطاطو الجزء الأول من كتابه بتأكيد خلاصتَيْن رئيستَيْن: أما الخلاصة الأولى فهي أنه مع نهاية عهد
الملكية، تطورت المجموعات الطبقية والوجاهية بطرق أفسحت المجال لتشكُّل ولاءات اجتماعية معتمدة على المصالح ومتجاوزة للانقسامات القبَلية والمناطقية والعشائرية. وقدَّم مثالين لتدعيم هذه
الخلاصة: المثال الأول هو الحزب الوطني التابع لجعفر أبو التمن، وهو الذي جمع التجار بالطبقات الحضرية المتوسطة، بالطريقة نفسها التي قامت بها أوائل التنظيمات العمالية التي تكونت في مختلف مناطق العراق، وكذلك من مختلف الطوائف في العشرينيات. والمثال الثاني هو الحلف الذي قام بين كبار الملاك القبَليِّين والملَكية بعد انقلاب رشيد عالي الكيلاني عام 1941، وهو حلف أبدى وعيًا طبقيًّا
(ما يسمّيه ماركس طبقة من أجل نفسها) تجاه التهديد الذي يمثله الجيش. وأما الخلاصة الثانية فمفادها أن نهاية هذه الطبقة الحاكمة كانت محتومة بسبب عجز الملَكية عن
التنازل والتسوية مع المطالب السياسية والاجتماعية لأحزاب الممثِّلة للطبقات الوسطى والدنيا. سجَّل كل من الجزأين الثاني والثالث من كتاب بطاطو مساهمته الرئيسة في دراسة العراق. ففيهما يشرح
بالتفصيل ولادة الأحزاب السياسية الحديثة؛ من بينها الحزب الشيوعي، الحزب الوحيد الجماهيري، وحزب البعث. وفي أثناء هذا الشرح يدرس تطوُّر طبقة وسطى جديدة وأخرى عمالية، ويتتبَّع كيفية
تسيسهما وتحالفاتهما. وهنا تحديدًا يتجلى افتتان بطاطو بالثورة والحركات الاجتماعية بوصفهما طريقتين لقدرة العراقيين على تغيير حياتهم الاجتماعية والسياسية. فهو يبني السردية في هذا القسم حول ثلاث انتفاضات رئيسة وعنيفة، وينطلق منها لبناء البنى الرئيسة لتحليله من أجل تفسيرها. ووجد أن هذه الانتفاضات قد وفرت ما يسميه سامي زبيدة المجال السياسي، وهو الفضاء الذي تلتئم فيه الولاءات العراقية المتنوعة حول مشروع وطني. أولى هذه الحركات اسمها «الوثبة»، وقد حدثت في عام 1948، وهي موجة احتجاج كبيرة في بغداد ضد توقيع معاهدة بورتسموث التي ربطت العراق ببريطانيا في علاقة شبه استعمارية. وأما الثانية فقد كانت انتفاضة عام 1952 التي تميزت بسلسلة من التظاهرات ضد رفض الملَكية إصلاح القانون الانتخابي من
أجل السماح بتمثيلٍ أعدل للمصالح والآراء السياسية. وما ميَّز كلًّ من «الوثبة» و«الانتفاضة» هو قيام
الصراعات السياسية الحديثة، أي سياسات الحشد الجماهيري، لأول مرة بتكوين تحالفات بين أحزاب مختلفة للنضال من أجل أهداف مشتركة. لم تَدُم التحالفات في أي من الحالتين طويلً، وتلتهما فترات قمع قاسية، عادة ما كانت موجهة ضد الحزب الشيوعي. ومع ذلك، قدمت هاتان اللحظتان، من وجهة نظر بطاطو، نموذجًا للحركة الثالثة، وهي الحشد الجماهيري في عام.1958 تساءل بطاطو: لماذا بدأت ثورة 1958 في صورة انقلاب دشَّنه «الضباط الأحرار»، ولم تبدأ في صورة ثورة شعبية تعكس التحالفات بين مختلف الطبقات، كما حدث في كلٍّ من «الوثبة» و«الانتفاضة». وهنا تحديدًا سيبدأ بمواجهة سؤال التكوين الاجتماعي لضباط القوات المسلحة، وعلاقتهم
بالتوجُّهات الاجتماعية في المجتمع العراقي. هل كانت ثورة 1958 ثورة طبقةٍ وسطى، كما جادل
الحزب الشيوعي نفسه لتبرير دعمه لعبد الكريم قاسم؟ إذا كان الضباط يمثلون الطبقة الوسطى الجديدة في المجتمع العراقي، فلماذا تبدو انقساماته على أسس عشائرية وقبَلية وطائفية غير قابلة
للوصل؟ لماذا كان الضباط الأحرار يتحدَّرون بوضوح من المناطق الواقعة شمال بغداد وغربها التي كانت في غالبها مناطق سنِّية؟ وما كان مشكلً لبطاطو بالقدر نفسه هو العنف الذي تجلَّى خلال تمرُّد الشوَّاف في الموصل
وانتفاضات كركوك عام 1959 في قمة قوَّة الشيوعيين في الشوارع وبعد ذلك. في كلتا الحالتين، كان
الحزب الشيوعي متورطًا بعمق في العنف، وكان أعضاؤه يجيِّشون الناس على أسس عرقية وليس على
أسس طبقية. لقد بدا الأمر كما لو أن كامل صرح حجته القائلة بانتقال المجتمع العراقي من الأشكال التقليدية للهوية إلى الأشكال الحديثة للتنظيم السياسي كان خاضعًا لاختبار صعب. كان بطاطو حذرًا طوال الوقت، وقد أبرز الطرق التي أدت بها الشبكات القائمة على القرابة والعشيرة دورًا في توظيف العراقيين في الجيش والأحزاب السياسية، ومنها الحزب الشيوعي وحزب البعث. ففي نهاية الأمر، مثلما قال المؤرخ إيريك هوبسباوم، لا يغير المرء هويته إلى أخرى كما يغير أحدنا حذاءه. إلا أن بطاطو، كما أشار إلى ذلك عالمَا الاجتماع العراقيان فالح عبد الجبار وسامي زبيدة، لم يستطع
البتة تقديم تفسير مقنع للسبب والكيفية اللذين تم بهما تحديث الولاءات العشائرية وتحويلها. ويعود جزء من سبب ذلك إلى إصراره على التعامل معها باعتبارها مخلَّفات لولاءات تقليدية قديمة، مخلفات يمكن أن تبقى، لكنها سوف تختفي أو يجب أن تختفي في نهاية المطاف إذا ما بدأ التكامل الوطني، أو ما يسميه التجانس الوطني، بالتشكُّل. سوف أعود إلى هذه النقطة مرة أخرى في الفقرة الأخيرة. مِثل حنا بطاطو، كان علي الوردي مهتمًّا بمسألة تحديث المجتمع العراقي. ومثل عدد من مثقفي النهضة،
صاغ المسألة بمصطلحات واضحة، باعتبارها صراعًا بين القديم والحديث وبين العلم والمثالية. فهذه هي المصطلحات التي استخدمها في أعماله التي أنتجها في الخمسينيات عن الشخصية العراقية، وفي طبيعة المعرفة المنتَجة من طرف النخب الدينية والثقافية العراقية القديمة. وهنا، سأركز بقدر أكثر على تعاطيه الأكثر منهجية مع العلوم الاجتماعية، وخصوصًا كتبه التي أنتجها خلال الفترة.1978–1965 يمكن فهم الخلفية السياسة التي دفعت الوردي إلى إنتاج هذه الكتب بدراسة كل من العنوان والإهداء في الجزء الأول من كل منها. في عام 1965، نشر الوردي دراسة في طبيعة المجتمع العراق: هل يختلف العرب عن غيرهم من الأمم؟ وهل يختلف أهل العراق عن غيرهم من العرب؟ وأهدى هذا الكتاب إلى «الذين يُشغَفون بالأفكار ʼ العالية ʽ، فيحاولون تطبيقها في مجتمعهم، بغضِّ النظر عن
(9) Sami Zubaida, «Community, Class and Minorities in Iraqi Politics,» in: Robert Fernea and William Roger Louis , pp. 197-210.
وانظر أيضًا فالح عبد الجبار، «نظرة في مصادر منهج حنا بطاطو»، في: سيار الجميل ومازن لطيف، حنا بطاطو، في سيرته ومنهجه
وتفسيره لتاريخ العراق المعاصر (بيروت: دار الرافدين، 2015)؛ وكذلك ماهر الشريف، «عودة إلى أبرز القضايا والتساؤلات»، في: المرجع نفسه.
طبيعة المجتمع وظروفه. لقد آن لهم أن ينزلوا عن أبراجهم العاجية، وأن يأخذوا بعين الاعتبار مقتضيات الواقع الاجتماعي الذي يعيشون فيه». يتناول كل من العنوان والإهداء مسألتين حرَّكتا دراسته للعراق. أما الأولى، فهي عبارة عن تحذير من
اتجاه التطبيق الذي لا يصاحبه كثير من البحث والتحليل لأفكار المجردة التي أنتجها علماء اجتماع من أماكن أخرى تجاه المجتمعات التي نعيش فيها. ويبني الوردي ذلك على ما كان يطالب به مبكرًا؛
إذ يطالب بتبنِّي مناهج العلوم الاجتماعية الأوروبية (يسميها «علمًا») ومواءمتها للواقع الخاص بالعالم العربي والعراق. وهو في هذا الجانب، لا يختلف عن مجموعة علماء الاجتماع في مصر والعراق في عقدي الأربعينيات والخمسينيات، إلا أنه كان يخاطب، أيضًا، النخبة المثقفة الجديدة التي تشكَّلت في عُقب ثورة 1952 في مصر وثورة 1958 في العراق، وهم الذين كانوا يعيدون كتابة تاريخ العراق والعالم والعربي ضمن أيديولوجية، على الأقل بحسب وجهة نظر الوردي، تربط بين الاستعمار والأنظمة القديمة والتخلف. فكان معارضًا لكل محاولة تسعى لتفسير المجتمع العراقي على أساس طبقي، أو أي تفسير يمنح آليه للاقتصاد السياسي والاستعمار في المُركَّب الاجتماعي للعراق. كما استهدف الوردي أولئك العراقيين الذين حاولوا دمج تاريخ العراق ضمن تاريخ الأمة العربية، حيث دافع عن نوع من الخصوصية العراقية يقرب إلى الاستثنائية. ركَّز عمل الوردي على الصراع بين الحضارة والبداوة، صراع يمتد للشخصية الاجتماعية العراقية التي تتميز بثنائية تشكِّل نوعًا من النشاز. وعبر توظيفه لابن خلدون، دمَّر الوردي المعنى من عمله نفسه. فابن خلدون كان مهتمًّا بالصراع بين الحضارة والبداوة باعتبارها أنظمة اقتصادية وسياسية، فقد رأى في استيلاء البدو على المدن قوَّة إبداعية ومدمرة في الوقت نفسه. فالبدو يبعثون الحياة في الأنظمة السياسية المتهالكة حتى يصبحوا هم أنفسهم متبيئين فيها. أما الوردي فقد اعتبر البداوة حالة ذهنية وقوة تدميرية في آن واحد. فالبداوة مجموعة من الممارسات الثقافية والاجتماعية التي استطاعت البقاء في المدن فضلً عن الأرياف، وهي تزرع في المجتمع الانقسام والصراع. يأخذ هذا الصراع بين البداوة والحضارة في العصر الحديث شكل صراع بين الحديث والقديم، بين التراث والحداثة (على الرغم من أن الوردي نادرًا ما يستخدم هاتين الكلمتين). لا يُعتبَر هذا الصراع علامة على فترة انتقالية سيتحرَّر
العراقيين بعدها من هذا الصراع الداخلي وينتقلون إلى مجتمع حداثي متكامل. على العكس من ذلك، هو صراع مستمر، ويصوِّر جوهر تطور العراق في العصر الحديث. إن هذا الصراع الثابت بين الحضارة والبداوة هو ما يميز الخصوصية العراقية. فالعراق يعتبر تخمًا بين العالم القبَلي للجزيرة العربية والقوة السياسية الشيعية لإيران. ففي أغلب تاريخه، شهد العراق
هجرات قبلية من الجزيرة العربية مثَّلت هزة لاستقرار الحياة الحضرية وهددت النعيم الاقتصادي للمدن. آخر الهجرات القبلية التي كان لها أكبر الأثر في تاريخ العراق الحديث، كانت هجرة قبيلتَي
(1((علي الوردي، دراسة في طبيعة المجتمع العراقي: محاولة تمهيدية لدراسة المجتمع العربي الأكبر في ضوء علم الاجتماع
الحديث (بغداد: مطبعة العاني،.)1965
شمر وعنزة في القرن الثامن عشر الهجري، وكانت في جزء منها نتيجة توسُّع السلطة الوهابية. لقد
عنى موقع العراق، بوصفه تخمًا بين إسلام سني وآخر شيعي، وبالنظر أيضًا إلى موقع مدنه المقدسة
كالنجف وكربلاء، أنه ساحة لصراع أيديولوجي يتطور عادة نحو صدام طائفي. فالصراع بين الحضارة والبداوة وبين المجتمعات الدينية شكَّل مجموعة من الحقائق الاجتماعية التي حدَّدت تاريخ تفاعلات العراقيين الاجتماعية، وكذلك مظاهرهم النفسية والاجتماعية (وهنا يعتمد الوردي على دوركايم كما فهمه النهضويون). مثَّلت هذه القيم الاجتماعية عائقًا ضد تطوُّر مجتمع وطني عراقي متجانس. كان الوردي يشك، بقدر كبير، في دور الحشد الجماهيري والثورة والتمرُّد في خلق هوية عراقية متجانسة.
وكان عاجزًا عن تحليل صعود الحركات الجماهيرية في الأربعينيات والخمسينيات تحليلً منهجيًّا. في
مقدمة تاريخه المتعدد الأجزاء للعراق، المعنون لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، تأمَّل الوردي معنى الحشد الجماهيري. فقد شبَّه فهم العراقيين لمجتمعهم بهرم يمثِّل كل جانب من جوانبه
واجهة من الهوية والشخصية العشائريتين العراقيتين. فبإمكان العراقيين النظر تجاه أحد جوانب الهرم ورفض الاعتراف بوجود الجانب الآخر. وما إن يقوم أحد الأفراد برؤية الجانبين حتى يصبح موضوعيًّا
فعلً، ويستطيع النظر إلى ما هو أبعد من مجتمعه الخاص. عدا ذلك، يظل الأفراد في حالة التنويم الاجتماعي. في العصر الحديث، وخصوصًا في فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى، اتسم المجتمع العراقي بما دعاه «الحماسة الجماعية». فعلى الرغم من أن بإمكان هذه الحماسة حشد الناس لقتال معتدٍ أو ظالم، فإنها تقود أيضًا إلى قصور النظر والافتقار إلى الموضوعية. هذه النظرة إلى الحشد الجماهيري متفشية في تحليل الوردي لثورة العشرين ضد البريطانيين في العراق. فهذه الثورة، من وجهة نظر الوردي، لم تكن انتفاضة وطنية أو مناهِضة للاحتلال جمعت بين زعماء القبائل في منطقة وسط الفرات وبين الوطنيين في المدن العراقية. على العكس من ذلك، كانت انتفاضة قبَلية مشحونة بالمصالح الشخصية الضيقة للشيوخ القبَليِّين. تصوير هذه الانتفاضة بوصفها
إشارة إلى أول شعور وطني، كما يدَّعي كثير من العراقيين، هو أمر خاطئ. ما هو تصوُّر الوردي لثورة 1958؟ لقد شعر الوردي بأن الثورة تجاهلته، وكان خائفًا ممن كان يسميهم
«الغوغاء». شعر بالتهميش بصفته أستاذًا ومثقفًا شعبيًّا، وعبَّر عن هذا الشعور في حاشية ملحقة لكتاب
عن الأحلام نشره في عام 1959 بعد الأحداث الدموية في الموصل وكركوك. فقد ذكر أنه كان منحازًا إلى اليسار في فترة الملَكية. كما اشتكى من أنه لا يقرأ كتبه إلا قليل من الأشخاص في وقت الثورة،
وذلك لأن أذواق الناس تغيَّرت. فالعهد الجديد قد جاء معه بكُتَّاب جدد يقدِّمون أعمالهم لأشخاص
الموجودين في السلطة ولأذواق الشعبية، عوضًا عن إنتاج أعمال «موضوعية». إضافة إلى شعوره بالتهميش من طرف الثورة، لم يستطع الوردي مواءمة ظهور الشعب بصفته قوة فاعلة في التاريخ ضمن
((1 خصص الوردي جزأين من كتابه لثورة العشرين، فكانت دراسته بمنزلة تحدٍّ مباشر للتأريخ الثوروي الجديد لثورة العشرين (
على أنها ثورة شعبية تقدمية. رد على هذا التحدي ستار جبر ناصر، هوامش على كتاب علي الوردي «لمحات اجتماعية من تاريخ
العراق الحديث»، مج 5(بغداد: أوفسيت الميناء،.)1978 (1((علي الوردي، الأحلام بين العلم والعقيدة (لندن: دار كوفان،.)1994
إطاره النظري لفهم السياسة والشخصية العراقيتين. ما هي قوى التغيير الاجتماعي التي شكَّلت الشعب التي يمكن العثور عليها في تحليله للمجتمع العراقي باعتباره في صراع ثابت بين الحضارة والبداوة؟ في أي مجال سياسي تطوَّر إذا كانت الأحزاب السياسية ليست إلا انعكاسًا لهذا الصراع؟ ما هو الدور
الذي قامت به التغيرات السياسية والاقتصادية في العراق في تشكُّل الشعب؟ بما أن الوردي كان شديد الارتباط بفكرة المجتمع باعتباره حالة دائمة من الصراع بين شكلَيْن اجتماعيَّين ثابتَين، فإنه كان من
الصعب عليه تفسير صعود السياسات الجماهيرية. وكان يرى أن السياسات الجماهيرية مهدَّدة بأن يختطفها الغوغاء الذين كان يساويهم – مقتبسًا من
ماركس – بالبروليتاريا الرَّثَّة. فعنف الثورة، وحماسة الجيل الجديد، وحدَّة الصراعات الحزبية في
عام 1959، كانت كلها نتيجة طبيعة المجتمع العراقي. والطريق الوحيدة للعراقيين للخروج من هذا الاستقطاب تكمن في ممارسة السياسة من خلال الحوار ضمن إطار ديمقراطي يأخذ مصالح الأغلبية في الاعتبار. إلا أن تشاؤمه قاده إلى استنتاج أن المجال السياسي في الملَكية كان أكثر مواءمة
للديمقراطية من السياسات الجمهورية التي ظهرت بعد عام 1958. وهي الخلاصة التي وجدت لها أنصارًا داخل العراق وخارجه بعد فشل حرب عام 1991 وتدمير العراق الذي تسبب به نظام البعث أولً، ثم الولايات المتحدة الأميركية لاحقًا.
ثالثًا: تبعات مقاربتَي بطاطو والوردي تجاه فهمنا العراق
من ينظر إلى تاريخ كلٍّ من بطاطو والوردي للعراق الحديث في عام 2017، سيميل إلى أن يجد الكثير مما قدَّمه الوردي مُعينًا على فهمنا للحاضر. فابتداءً من التسعينيات الميلادية، أعيد نشر كتب الوردي
وتوزيعها على نحو واسع. إن إعادة إحياء تراث الوردي تشير إلى مساءلة واسعة للعالم العربي لمشروع التحديث، ولأنظمة ما بعد الاستعمار التي حكمت منذ الخمسينيات الميلادية. يبدو المجتمع العراقي مثل مجتمع ممزق بين القبَلية والطائفية، ويبدو أن خطابه السياسي مسيطَر عليه
من طرف من سمَّاهم الوردي في كتاب ينتقد فيه الدين عام 1954 (وعاظ السلاطين). بعض المثقفين
العراقيين اليوم يُعيدون الاعتبار جديًّا لعمل علي الوردي بوصفه عالم اجتماع، حيث أوردوا ثلاث
سمات في عمله ما زالت مستمرة. وتتمثل هذه السمات بما يلي:
1. إصراره على الاستثنائية العراقية
المقصود بإصرار الوردي على الاستثنائية العراقية تحليله المجتمع العراقي، ليس بوصفه شكلً من أشكال المجتمع العربي، أو بوصفه مجتمعًا في حالة انتقالية قابلة للمقارنة بغيره في العالم، ولكن
((1 كثرت الكتب والمؤتمرات عن علي الوردي بعد سقوط نظام البعث، وفي ظل إخفاق المشاريع السياسية التي أعقبت الاحتلال (
الأميركي. ولكنها نمت أيضًا لوجوب صياغة جديدة لسردية تاريخ العراق. على سبيل المثال، انظر: الحيدري. (1((تم إحياء الذكرى المئوية لولادة الوردي في مؤتمر عُقِد في الجامعة الأميركية في بيروت عام 2014، وفد إليه الكثير من الباحثين
الذين يحاولون إحياء ما يسميه بعض الدارسين «منهجية» علي الوردي، شوهد في 2017/8/8، في:
http://www.aub.edu.lb/Events/Pages/EventDetails.aspx?ItemId=504
باعتباره مجتمعًا بجوهر متميِّز تشكَّل من خلال ديناميكيته التاريخية الخاصة. منح فهم الوردي للعراق
هؤلاء المثقفين نقدًا لأدبيات حول العراق التي أنتِجت في عهد البعث في السبعينيات والثمانينيات، وشددت على عروبة العراق ورصيده في مقاومة الاستعمار بوصفه بلدًا من العالم الثالث. فقد وجد أنصار الوردي الجدد فهمًا منعشًا وغير مؤدلج لتاريخ المجتمع العراقي. أصبح عمله أداة للثورة من
قبل بعض المثقفين ضد أيديولوجيات الماضي الشمولية والتجانسية. كما ساعدت أعماله في تدعيم سردية قديمة للوطنية العراقية، قُمِعت بعنف في العراق إبان حكم البعث: وطنية تنادي بإدراك التكوين الاجتماعي الفريد للعراق باعتباره بلدًا متعدِّد الطوائف والأديان والإثنيات، ولا ينبغي لأي أيديولوجية أو سردية تاريخية مهيمنة أن تحكمه. على الرغم من رؤية الوردي المحافظة تجاه المجتمع العراقي، نجده يُعاد إحياؤه بوصفه ليبراليًّا
ديمقراطيًّا. والحق أن مشروع الوردي لم يكن ليبراليًّا (بل على عكس ذلك، كان مناهضًا لفكرة حركة
التنوير الغربية التي تؤمن بإمكانية التقدم والتكامل في المجتمع الإنساني)، ولكنه كان مشروعًا نهضويًّا
بإصرار صاحبه على وجوب صنع تاريخ حاضر على ركيزة «علمية» وغير طوباوية أو مثالية.
2. دمج الشيعة في سردية تاريخ العراق، والصراع بين البداوة والحضارة
يرجع هذا الاهتمام الجديد بعمل الوردي إلى أنه في تاريخه لمجتمع العراق – الذي يجب أن نتذكر أنه كتبه إبَّان حكم البعث – كان من أول من دمج الشيعة في سردية تاريخ العراق على مدى ثلاثة قرون.
فهو كتب ما يمكن أن نصفه بأنه مكافحة لسردية هيمنت منذ العهد الملَكي وحتى حكم البعث على تاريخ العراق، وكانت مبنية على تاريخ الطبقات المسيطرة سياسيًّا وثقافيًّا، ومعظمهم من سُنة المدن
الثلاث الكبرى. وعلى مستوى آخر، أعانت الورديَّ نظرتُه إلى الصراع بين البداوة والحضارة، باعتباره
عنصرًا ثابتًا في الشخصية الاجتماعية العراقية، على فهم صعود نظام البعث التكريتي، وإعادة قبلنة
Retribalization المجتمع العراقي منذ التسعينيات الميلادية، وكذلك طبيعة العنف الذي تفشى في السياسة العراقية منذ بداية العهد الجمهوري، فهمًا ملائمًا ومختزلً.
3. نقد صعود الدين وتوظيفه في السياسة
لم يكن الوردي علمانيًّا؛ فعلى الأقل، لم يتناول أي عمل من أعماله قضية الحكومة العلمانية. على
العكس من ذلك، كان له فهم عميق للمجتمع الشيعي، خصوصًا أنه وُلد ونشأ في الكاظمية، وظل
محافظًا على علاقاته بحيِّه بحضور المجالس وزيارة المقاهي. ففي كل أعماله، نجده يستشهد بالرسول،
وعلي بن أبي طالب، وبالحديث والقرآن، بالطريقة التي يستشهد فيها بالشعر والأمثال الشعبية ليوضح وجهة نظره. لقد كان لديه أسلوب المحدِّث الذي كان يستطيع تضمين المفاهيم المجردة للعلوم الاجتماعية باقتباسات من النصوص الدينية. بمعنى آخر، كانت أعماله تتحدث باللغة المتفشية في الثقافة الشعبية والسياسة في العراق. إلا أن الوردي كان ناقدًا لوجود الدين في السياسة، وذلك لأنه كان
مقتنعًا بأنه يجلِب معه عقلية مثالية وغير نقدية. بمعنى آخر، لم يكن الدين ملائمًا للسياسة الديمقراطية.
ولهذا السبب استُخدِمت أعماله لنقد الخطاب الحالي للسياسة في العراق.
على النقيض من أعمال الوردي، يبدو أن تحليلات بطاطو الطبقية، وتفاؤله النسبي بمشروع الحداثة وبناء الأمة العراقية، غير ملائمَين لعام 2017. وعلى الرغم من أن كتابه تُرجِم إلى العربية في التسعينيات
الميلادية ونُشِر على نحو موسَّع ضمن الأدبيات السرية خلال العقد الأخير من الحكم البعثي، فإنه لم
يُنتِج تحليلً من طرف المثقفين العراقيين وعلماء السياسة كما حدث لأعمال الوردي. كان المعلقون
العراقيون على بطاطو علماء اجتماع ومثقفين ينتمون إلى اليسار، أبدوا تقديرًا لصرامة تحليلاته وضخامة
المواد التي اعتمد عليها، لكنهم قدَّموا نقودات منهجية ونظرية أيضًا. وما زال كتابه يُقرأ لما فيه من
معلومات تاريخية، خصوصًا لأنه استطاع الوصول إلى مصادر تُعتبَر اليوم إما مفقودة أو مُتلَفة. ومع
ذلك، فإن تقويمه للمجتمع العراقي ومقاربته المنهجية لدراسته لم يعودا ضمن النقاشات العامة حول كيفية فهم الحاضر العراقي. ويعود هذا الأمر في جانب منه إلى تدمير الدولة العراقية والتجانس الوطني العراقي، ثم إنه نتيجة اللحظة الخاصة في التاريخ التي نجد أنفسنا فيها اليوم. لقد أعيد بعث الهويات الطائفية، بل اختراعها في بعض الحالات، وكذلك الهويات القبَلية. لا يتحرك
الناس ضمن حدود الطبقة والعشيرة ليشكِّلوا تحالفات من أجل خلق مشروع وطني كما وضَّح بطاطو. وفي حقيقة الأمر، تبدو محاولات تفسير الصراعات السياسية بمفهوم الطبقة بدلً من العشيرة والطائفة غير مفيدة في الجوِّ الحالي للشرق الأوسط. فأجهزة الدولة الخدماتية التي اعتادت تقديم الخدمات
الاجتماعية والتعليم لمواطنيها، والتي كانت الركن الرئيس للمطالَبة بالمواطنة الحديثة، صارت شركات أبوية توزع الأعمال الخيرية لأتابعها المفضَّلين. وهذا جانب من بناء الدولة لم يتطرق إليه بطاطو. فبطاطو، على عكس الوردي، لم يعتقد أن تنوع المجتمع العراقي يضطره إلى أن يأخذ مسارًا استثنائيًّا
في التطور الاجتماعي والتاريخي. بكلمة أخرى، هو لم يؤمن قطُّ بالاستثنائية العراقية، فقد ولد اهتمامه المبدئي بالعراق من رغبته في دراسة ثورة 1958 في إطارٍ مقارنٍ بينها وبين الثورات الموجودة في أماكن أخرى من العالم. وجاء اعتماده على فيبر وماركس وغيرهما مُطعَّمًا بكوزموبوليتانية المثقفين النازحين
في زمانه. فتنوُّع العراق، وانقساماته القبلية والعشائرية والإثنية، كانا عراقيين، لكن العراقيين، كغيرهم
من شعوب العالم، كانوا منقسمين على أسس متقاربة. قد يبدو تأكيد هذه الخلاصة بسيطًا للوهلة الأولى، إلا أنه يحمل معه تبعات عميقة لدراسة العراق ومجتمعات الشرق الأوسط عمومًا. على المستوى المبدئي، تسمح هذه الخلاصة بفهم مشروع تحديث العراق، بنجاحاته وإخفاقاته، باعتباره جزءًا من عملية عالمية للتغير، أثَّرت في المجتمعات تأثيرًا مختلفًا. ومن الأمثلة الدالة على
ذلك أن هناك كثيرًا من الأعمال التي كُتِبت عن النظام السياسي لحزب البعث العراقي ودكتاتورية صدام
حسين، وصوَّرتها مقاربة لأنظمة الشمولية النازية والسوفياتية، أو تمظهرات لجوهر قبَلي وطائفي لا
يتغيَّر في التكوين الاجتماعي العراقي. في كلا هذين التصويرين للبعث، نجد العراق أصبح بلدًا بعيدًا،
لا يقارَن إلا بأشد الأشكال السياسية تطرُّفًا، وأن مجتمعه وتاريخه في حاجة إلى تفسير خاص، وإلى
أصناف خاصة للفهم. وكما بيَّنت الأبحاث الأخيرة، فإن النظام البعثي كان سلطويًّا وليس شموليًّا؛
عنيفًا لكنه مستعد أيضًا لتقبُّل الآخرين الذين يستعدُّون للعمل معه ومكافأتهم، سواء أكانوا من السُّنة
أم من الشيعة أم من الأكراد. ما كان يهم الدولة البعثية، مثل كل دولة سلطوية، هو الطاعة. اعتمد
نظام البعث «التكريتي» على الشبكات العشائرية للحفاظ على سلطته، وفضَّل توظيف أشخاص من منطقته نفسها، ليس لوجود خصائص ثقافية عميقة وغير متغيرة، ولكن لأسباب إستراتيجية وسياسية. هذا النوع من الأنظمة السياسية القائمة على الاستتباع ليس إلا شكلً من أشكال الحكم المنتشرة في العالم من البلدان الشيوعية وبعد الشيوعية إلى بلدان الأنظمة السلطوية في أميركا اللاتينية؛ أي إنها ليست ظواهر خاصة بقبَلية المجتمع العراقي الثقافية أو الطائفية، ولكنها تعود إلى عوامل بنيوية محلية
وإقليمية ودولية. إذا قبلنا بهذا أساسًا لفهمنا العراق، فسيكون من الأسهل علينا تفسير السياق الذي ساهم في صعود
الطائفية والقبلية السياسية بشكلها الحالي في العراق وغير العراق، باعتباره جزءًا لا يتجزأ من التحوُّل
العالمي بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة في السياسة والرأسمالية العالمية التي كان تأثيرها في العالم متنوعًا. ترافق مع هذا التحوُّل صعود للحركة الدينية في أوروبا والولايات المتحدة
الأميركية، ونمو للحركات اليمينية المحلية، وكذلك – وهذا يحدث الآن في الولايات المتحدة – إعادة تشكيل للنظام السياسي العرقي والإقليمي الذي يمر بمنعطف شديد العنف. لعل أكثر ما يجعل منهجية بطاطو مهمَّة لنا في الحاضر ليس تحليلها الطبقي، وإن كان مهمًّا لنا أن
نسترجع قراءته للعراق وعالمنا من منظور طبقي جديد. تكمن أهمية منهجيته في تأريخيته للطبقات وشروحات المكانة في العراق. ولكن بطاطو لم يؤرخ في موضوع الطائفية؛ لأنه لم يكن مهتمًّا بها.
وظن أن العشائرية التقليدية سائرة إلى الاندثار. ولكن لا الطائفة ولا العشيرة مندثرة في العراق. لقد كتب بعض مَن درسوا العراق أن هاتين الظاهرتين هما ظاهرتان جديدتان تمكنتا على نطاق واسع في ظل حروب خاضها العراق، من جعل الدولة هشة، وصاغت ولاءات جديدة بين شعبها. ولكن ما لا تفسره هذه الحقائق هو خصوصية إعادة البناء والتفعيل والاستحداث لولاءات كان جيلان أو ثلاثة أجيال من أهل العراق – وخصوصًا أهل مدنه الكبرى وعلى رأسها بغداد – يظنون أنها غير مهمة
لفهمهم المواطَنة. قد يوفِّر حنا بطاطو بعض الإشارات، لعل أهمها منهجية دراسة المركَّب الاجتماعي الحالي لمجموعة ولاءات غير ثابتة (مرحلية) مفعَّلة بمصالح شتى، ودراسة طبقات ووجهات جديدة وُلدت في غضون التحوُّل الاقتصادي العالمي، والحرب الدائمة في المنطقة منذ عام 1948، وعوامل
(15) David Baran, Vivre la Tyranie et lui Survivre, L’Irak en Transition]Living Tyranny and Surviving It: Iraq in Transition[, (Paris: Mille Et Une Nuits, 2004); Dina Rizk Khoury, Iraq in Wartime: Soldiering, Martyrdom and Remembrance (Cambridge: Cambridge University Press, 2013); Joseph Sassoon, Saddam Hussein’s Ba’th Pary: Inside an Authoritarian Regime (Cambridge: Cambridge University Press, 2012).
((1 لدراسة تعيد النظر في سياسات الاتحاد السوفياتي وشبكات علاقات القربى والتعاضد المناطقي الداعمة لسياساته، انظر (:
Barbara Walker, «(Still) searching for a Soviet Society: Personalized political ties and economic ties in recent Soviet historiography,» Comparative Studies in Society and History , vol. 43, no. 3 (2001), pp. 631-642.
((1 لمعالجة نظرية للسياسات العالمية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، انظر (:
Partha Chaterjee, The Politics of the Governed, Reflections on Popular Politics in Most of the World (New York: Columbia University Press, 2004); for the US see Wendy Brown , Regulationg Aversion, Tolerance in the Age of Identity and Empire (Princeton: Princeton Univesrity Press, 2006).
أخرى. بمعنى آخر، يمنحنا بطاطو آلية تفسير بطريقة مقنعة، عملية، بعيدة النظر، لفهم ماضي العراق الحديث وحاضره والخروج من مأزق استثنائيته.
المراجع
العربية
الجابري، علي حسين. علي الوردي: السيرة والآراء. بغداد: بيت الحكمة،.2002 الجميل، سيار ومازن لطيف. حنا بطاطو: في سيرته ومنهجه وتفسيره لتاريخ العراق المعاصر. بيروت: دار الرافدين،.2015 حيدري، إبراهيم. علي الوردي: شخصيته وأفكاره الاجتماعية. كولون: دار الجمل،.2006 الشماع، سلام. مجالس الوردي: الدكتور علي الوردي، مجالسه ومعاركه الفكرية. دمشق: مركز الناقد،
ناصر، ستار جبر. هوامش على كتاب علي الوردي «لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث.» بغداد: أوفسيت الميناء،.1978 الوردي، سليم علي. علم الاجتماع بين الموضوعية والوضعية: مناقشه لمنهاج الدكتور علي الوردي لدراسة المجتمع العراقي. بغداد: مطبعة العاني،.1978 الوردي، علي. وعاظ السلاطين: بحث صريح بطبيعة الإنسان من غير نفاق. بغداد: دار المعارف،
________. دراسة في طبيعة المجتمع العراقي: محاولة تمهيدية لدراسة المجتمع العربي الأكبر في ضوء علم الاجتماع الحديث. بغداد: مطبعة العاني، 1965. ________. لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث. بغداد: مطابع عدة،.1978–1969 ________. الأحلام بين العلم والعقيدة. لندن: دار كوفان،.1994
الأجنبية
Baran, David. Vivre la Tyranie et lui Survivre, L’Irak en Transition [Living Tyranny
Batatu, Hanna. The Old Social Classes and Revolutionary Movements in Iraq. Princeton:
Brown , Wendy. Regulationg Aversion, Tolerance in the Age of Identity and Empire.
References
and Surviving It: Iraq in Transition]. Paris: Mille Et Une Nuits, 2004.
Princeton University Press, 1978.
Princeton: Princeton Univesrity Press, 2006.
Chaterjee, Partha. The Politics of the Governed, Reflections on Popular Politics in Most of the World. New York: Columbia University Press, 2004. Fernea, Robert and William Roger Louis. The Iraqi Revolution of 1958: The Old Social Classes Revisited. London: I.B. Tauris, 1991. Khoury, Dina Rizk. Iraq in Wartime: Soldiering, Martyrdom and Remembrance. Cambridge: Cambridge University Press, 2013. Moore, Barrington Jr. The Social Origins of Dictatorship and Democracy: Lord and Peasant in the Making of the Modern World. Boston: Beacon Press, 1993. Sassoon, Joseph. Saddam Hussein’s Ba’th Pary: Inside an Authoritarian Regime. Cambridge: Cambridge University Press, 2012. Thompson, E.P. The Making of the English Working Class. USA: Vintage Books, 1966. Walker, Barbara. «(Still) searching for a Soviet Society: Personalized political ties and economic ties in recent Soviet historiography.» Comparative Studies in Society and History. vol. 43. no. 3 (2001).