تفكيك الاشتراكية العربية
The Unmaking of Arab Socialism
الملخّص
عنوان الكتاب: تفكيك الاشتراكية العربية. عنوان الكتاب في لغته الأصلية: The Unmaking of Arab Socialism المؤلف: علي قدري. الناشر: Anthem Press تاريخ النشر: 2016. عدد الصفحات: 314.
- الاشتراكية العربية
- الثروة
- الرأسمالية
- البرجوازية
عنوان الكتاب عنوان الكتاب في لغته الأصلية المؤلف: علي قدري. الناشر تاريخ النشر عدد الصفحات
: تفكيك الاشتراكية العربية.
: 314 صفحة.
الكتاب بإطاره العام
يستعرض الكتاب، كما يُستدل من عنوانه الرئيس، الحيثيات السياسية والاجتماعية لانسلاخ الدول العربية عن النهج الاشتراكي واقترابها يومًا بعد يوم من النهج الليبرالي، وتبعات هذا التحول في كل من سورية ومصر والعراق، وعلى نحو مقتضب في اليمن وليبيا. يستهل المؤلف كتابه بمقدمة وافية تلخص قتامة الواقع العربي، من اختلال واضح في توزيع الثروة والمداخيل، داخل القطر العربي الواحد وبين الأقطار العربية، ولنا في هذه أمثلة كثيرة. فكما تتضمن المجموعة العربية البلدان الأكثر ثراء في العالم، مجلس التعاون لدول الخليج العربية على وجه الخصوص، فإنها تتضمن مجموعة أخرى من البلدان الأشد فقرًا، مثل السودان والصومال واليمن. ويتناول المؤلف الهزائم العسكرية المتتالية التي تعرّض لها العالم العربي وحالة الحرب المستمرة التي يعيشها، والتي لم تسهم في تفكيك القاعدة الإنتاجية والعصف بالمقومات الاقتصادية فحسب، بل أغرقتها في دوامة الإنفاق العسكري الذي كان من دون أدنى شك، على حساب برامج ومجالات تنموية أشدّ إلحاحًا. تقدم الأجزاء اللاحقة من هذه المراجعة خلاصة للمحاور والمسائل التي تطرق إليها الكتاب بفصوله الستة الرئيسة.
البرجوازية الاشتراكية والبرجوازية الرأسمالية: هنا يكمن الفرق
في الفصل الأول من الكتاب، يحلل المؤلف ويقارن بين النهج التنموي الاقتصادي والاجتماعي ومخرجاته إبان الحقبة الاشتراكية في سورية ومصر، وبين تلك التي ترافقت مع شروعها في التحول وتطبيق النهج الليبرالي. وهنا يركز المؤلف على المحرك الرئيس لهذين النهجين، ويتمثل ببرجوازية الدولة وتحولها من برجوازية وطنية إبان الحقبة الاشتراكية إلى برجوازية تجارية اندمجت مع النظام المالي العالمي، على نحو ألحق الضرر بنطاق واسع من فئات المجتمع، ولا سيما الطبقات العاملة. ويرى المؤلف أن العوائد التنموية التي تعكسها المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية التي عاصرتها البلدان العربية ذات النهج الاشتراكي لم تتخط مخرجاتها في البلدان العربية الأخرى فحسب، بل تفوقت أيضًا على مجموعة واسعة من دول العالم، إلا أن هذه العوائد سرعان ما أخذت تتلاشى تدريجيًّا مع تبني النهج الليبرالي. نشأت البرجوازية التشاركية التي تارة يطلق عليها المؤلف برجوازية الدولة أو البرجوازية الوطنية، بفعل التحالف الضمني بين العسكريين والطبقة الاجتماعية الوسطى، ممثلة بالنخبة التكنوقراطية المهنية في المجتمع، من متعلمين ومهنيين ومالكي الحيازات الصغرى من الأراضي، وأدّت هذه جميعها على نحو فاعل دور الوكيل التنموي إبان الحقبة الاشتراكية، لكن في إطار منظومة سلطوية كان للعسكريين كلمة الفصل فيها. كان هذا النمط من التحالف البرجوازي يحظى برعاية ودعم من الدولة، مكّناه من السيطرة على مقومات الإنتاج، وفي الوقت نفسه ساهم في ضبط إيقاع إعادة توزيع الدخل والثروة، من خلال الحد من وتيرة التراكم الرأسمالي. وفضلً عن ذلك ساهم هذا التحالف أيضًا في الحد من نفوذ الطبقات الإقطاعية التقليدية (مالكو الأراضي والطبقة
البرجوازية التي كانت تحظى برعاية المستعمر) لصالح الطبقات الوسيطة التي أخذت في الاتساع والتنامي بفعل سياسة التعليم المجاني الشامل، وسياسة دعم السلع والخدمات الأساسية، ومن بينها السكن والصحة. في مقابل ذلك، عملت البرجوازية الرأسمالية، بعد تفكيك المقومات الداعمة لبرجوازية الدولة، على إيجاد تحالفات برغماتية خاصة، جمعت النخب العسكرية بطبقة النخب المالية، قطاع التجار على وجه الخصوص، التي تفاعلت على نحو مستبد مع رأس المال الأجنبي. وقد انصب جل اهتمام هذه التحالفات على توليد المال الخاص لا أكثر، وهو ما جعلها تركز على الريع التجاري من التبادلات التجارية والمعاملات المالية من دون أن تولي الجانب الإنتاجي الاهتمام المطلوب. فتمخض عن عمليات التحول هذه تغيرات في طبيعة مداخيل الطبقات الوسطى المتحالفة مع السلطة ومصادرها، من الاعتماد على الريع الذي يتولد بفعل نمو الإنتاجية الوطنية المدفوعة أساسًا بالاستثمار في الصناعات الثقيلة، إلى الريع المالي والجيوسياسي المبني على الهوامش الربحية غير الإنتاجية. يُلقي المؤلف جانبًا من اللوم على نمط المشاركة السياسية الذي اتسم بإقصاء الشريحة الوسطى من عملية صنع القرار والدفاع بصفة مباشرة عن حقوقها ومصالحها، وهو ما سهل على البرجوازية الرأسمالية تجاوز مصالحها إبان عملية التحول إلى الليبرالية. ويرى المؤلف أن ما ميز الأنظمة الاشتراكية العربية أنها تركت هامشًا ولكنه كان منضبطًا لتوسع القطاع الخاص، تمثل بفرض هوامش ربحية مسقوفة على التجارة فيما بين الصناعات، على الرغم من شروعها في إضفاء الطابع الاجتماعي على ملكية الأراضي والموارد الوطنية على النحو الذي كان متبعًا في الاتحاد السوفياتي والصين. إلا أن هذا الإيقاع المنضبط لتوسع القطاع الخاص سرعان ما تلاشى؛ بفعل إزالة السقوف السعرية خلال حقبة النيوليبرالية.
الطبقة الوسطى: الحلقة الأضعف في عملية التحول
في الفصل الثاني، يركز المؤلف على مرحلة ما بعد الحربين ومن ثم السلام مع إسرائيل (كامب ديفيد) التي يصفها ضمنيًا بمرحلة سوداوية. فبعد أن أبرمت مصر اتفاقية السلام مع إسرائيل، أخذت في تطبيق سلسلة من التغيرات الاقتصادية الهيكلية تلخصت في تبني النهج الليبرالي الذي أضعف الاقتصاد المصري وأدخل الدولة المصرية في الفضاء الإمبريالي الأميركي. ولولا هذه التغيرات، لكانت الطبقة العاملة في مصر أحسن حالً مما هي عليه اليوم؛ فهي لا تكاد تحصل على حد كفافها، وتتراجع مقوماتها يومًا بعد يوم. وفي هذا السياق، يتغزل المؤلف بالحقبة الناصرية والإصلاحات التي شهدتها، من إصلاحات اجتماعية، وإصلاح قطاع الأراضي، والمظلة الصحية الشاملة والتعليم المجاني. لقد ردمت هذه الإصلاحات وغيرها، بحسب المؤلف، جانبًا من الفجوة التنموية العميقة التي تعرضت لها مصر إبان حكم الملك فاروق. فخلال الخمس عشرة سنة الأولى من الثورة الناصرية، تراجعت معدلات الأمية تراجعًا نوعيًا، وشهدت معدلات النمو الاقتصادي قفزات نوعية وكذلك معدلات توقع الحياة، على نحوٍ أدخل مصر في العالم المعاصر. كما يستشهد المؤلف بعدد من الدراسات التي تعكس الوجه التنموي المشرق للحقبة الناصرية، من تنامي معدلات
الإنفاق الاستهلاكي الخاص في الوقت الذي كان فيه الإنفاق العسكري ينمو بوتيرة متسارعة، والنمو في إنتاجية الأراضي الزراعية، ونجاح سياسات العمل التي جاءت مدعومة بزخم الاستثمارات الحكومية والتوسع في سياسات التعليم. ومع الدخول في عصر الانفتاح الذي تنامت أركانه بعد كامب ديفيد، بدأت مصر في التدحرج تدريجيًا على سلم التنمية. فسياسات تحرير التجارة الخارجية والميزان التجاري، وما ترتب عليها من تراجع في أسعار الصرف وما صاحب ذلك من نمو مطرد في الأسعار لا سيما السلع الأساسية، جميعها عوامل أسهمت في تقويض مقومات الطبقة العاملة التي لم تستطع أجورها مجاراة نمو الأسعار. يرى دعاة الليبرالية ذلك نتاجًا لسياسات الاكتفاء الذاتي والحروب التي تورطت فيها مصر إبان الحقبة الناصرية وأثقلتها بالديون. إلا أن الباحث يحاول دحض هذه الادعاءات من خلال الاستشهاد ببعض المؤشرات التي تشير إلى اعتدال الاعتماد على المدخرات الأجنبية وخدمة الدين الخارجي قبل الثمانينيات. وكما يرى المؤلف، فقد فشلت الدولة في التعامل مع متلازمات الانفتاح الاقتصادي ومتناقضاته، وتغليب مصلحة الغالبية العظمى من السكان «الطبقة العاملة». فعلى سبيل المثال، يستشهد الباحث بتنامي انسياب المواد المستوردة الرخيصة الثمن وتدفق البترودولار (الحوالات والمساعدات من دول الخليج العربي) التي عملت معًا على تخفيض سعر صرف الجنيه المصري. إذ تراجعت مساهمة القطاع الصناعي في المحصلة من نحو 22 في المئة في عام 1970 إلى 16 في المئة في عام 2013، على الرغم من التأثير الإيجابي المفترض لتراجع سعر الصرف في تنافسية الاقتصاد المصري وتوسع القاعدة الصناعية تبعًا لذلك. كما أنّ تنامي تدفق البترودولار، في ظل سياسة تثبيت سعر صرف الجنيه، أوجد بدوره أسواقًا سوداء للصرف، ووضعت الجنيه أمام ضغوطات كبيرة حتى إن سعر الدولار الأميركي وصل نحو 5 أضعاف سعره الرسمي. لقد تعرض نظام سعر الصرف المزدوج هذا لضغوطات كبيرة؛ بفعل الارتفاع الكبير في حجم البترودولارات المتداولة في الاقتصاد الوطني؛ ما دفع إلى ضخ كميات كبيرة من العملة المحلية. فأصبح هذا الفائض النقدي يلاحق كميات محدودة من السلع التي كان معروضها محدودًا بفعل تنامي الإنفاق على الجهود الحربية وإهمال القاعدة الإنتاجية الوطنية. وبناءً على ذلك، تضخمت الأسعار وأصبحت برامج الدعم الاجتماعي من المساكن الاجتماعية، والنقل المدعوم، والأغذية الأساسية، متعطشة للمزيد من الموارد التمويلية؛ ما أفضى في المحصلة إلى تقليص نطاق هذه البرامج، وكل ذلك على حساب الفئات المستفيدة، ومنها الطبقة العاملة. وحتى عوائد السلام التي ترتبت على إبرام اتفاقية كامب ديفيد لم تكن لتعمل أيضًا لصالح الطبقات الوسطى العاملة. فتأثير الإمبريالية الأميركية وأيديولوجيتها بدا واضحًا على ترتيبات تقاسم هذه العوائد، فالمساعدات كانت تهدف إلى إعطاء دور أكبر لوكلائهم في الداخل المصري، كما كان للتوزيع غير العادل للمنافع، وسياسات الخصخصة وسياسات الاستملاك، دور واضح في إضعاف الاقتصاد المصري. وعلى الرغم من تحقيق الاقتصاد المصري معدلات نمو مرتفعة بلغت في المتوسط نحو 5 في المئة خلال الفترة
2010–1980، فإن ثمار هذا النمو تركزت في فئات محدودة من المجتمع المصري، ممثلة في طبقة الوكلاء وأصحاب رؤوس الأموال المرتبطين بالولايات المتحدة الأميركية، وذلك على حساب الطبقة العاملة التي شهدت مداخيلها انخفاضًا متزامنًا. وفي تشخيصه للحقبة النيوليبرالية، يرى المؤلف أنها كرست في نموذجها التنموي حالة من النمو غير العادل، وانفكاكًا عن التصنيع وسياسات جردت الفقراء وصغار الملاكين من أراضيهم، من دون إيجاد فرص عمل كافية وقادرة على استيعابهم. وعلى النحو نفسه، يعرج المؤلف على التجربة السورية في إدارة عملية التحول من النهج الاشتراكي إلى النهج النيوليبرالي. فبعدما كانت الدولة تؤدي دورًا فاعلً في الحفاظ على مصلحة الطبقة العاملة من خلال الموازنة بين الأهداف التنموية والمسألة الأمنية، أضحت في ظل النهج الليبرالي وسيلة وأداة لتكريس الإمبريالية الاستغلالية والإقصائية. فجملة الإصلاحات الليبرالية التي تبناها النظام السوري ابتداء من تولي الرئيس السابق حافظ الأسد مقاليد الحكم وإطلاقه الحركة التصحيحية في عام 1971، عملت على إعطاء القطاع الخاص دورًا أكبر، وإن كان ذلك تدريجيًّا في ظل معارضة الطبقات البرجوازية التقليدية ومقاومتها، والتي كان عليها التحالف فيما بعد مع طبقة النخب العسكرية. كما عملت السياسات الليبرالية أيضًا على تحرير الأسواق وتخفيف القيود التنظيمية؛ وهو ما نتج منه طبقة برجوازية تجارية تحالفت براغماتيًا مع النظام والطبقة العسكرية الحاكمة. وتختلف هذه الطبقات والتحالفات في جوهرها وإفرازاتها عن برجوازية الدولة التي كانت، نسبيًا، أشدّ تحيزًا إلى الطبقات العاملة وأكثر حماية لها. إن التحولات الليبرالية التي انطلقت في عهد الرئيس السابق حافظ الأسد، وتحديدًا بعد انطلاق الحركة التصحيحية في عام 1971، أخذت تدريجيًا تعطي دورًا أكبر لرأس المال الخاص في ظل معارضة الطبقات البرجوازية التقليدية وطبقة التجار الدمشقيين الذين كان عليهم التحالف فيما بعد مع العسكريين. في حين بدأت فئات المهنيين والطبقة الوسطى تفقد المكاسب التي كانت تحظى بها، إبان تطبيق السياسات الاشتراكية في ستينيات القرن العشرين؛ إذ كان القطاع العام المشغل الرئيس لها. فعلى سبيل المثال، ساهم قرار سعر الصرف الذي تم اعتماده، في 22 نيسان/ أبريل 1980، في تمكين طبقة التجار العسكريين على نحو غير عادل، وساهم في تنامي الأسواق السوداء وتفاقم معدلات التضخم. وعلى الرغم من شروع الدولة في زيادة الأجور، فإنها لم تكن قادرة على اللحاق بالأسعار؛ ما ترتب عليه تراجع كبير في الأجور الحقيقية، لا سيما للطبقات العاملة في الصناعة والزراعة، هذا فضلً عن التأثيرات المترتبة على تراجع أعداد العاملين في القطاع العام. كما كان لعملية التهريب المنظمة من لبنان، وبرعاية رسمية من النظام، دور فاعل في تفتيت البرجوازية الصناعية وتقويض تنافسيتها أمام الطبقات البرجوازية. وبطبيعة الحال، فقد عملت هذه التغيرات وغيرها على تكريس الأزمة الاجتماعية، ووضعت الطبقة العاملة أمام جملة من التحديات التي كان من الصعب مواجهتها. كما أن الحزم الواسعة لإصلاحات الليبرالية، كتحرير الأسواق، وتخفيف القيود على التجارة
الخارجية والاستثمار الأجنبي لا سيما في الجهاز المصرفي، لم تكن لتستند إلى قواعد وأسس تنافسية، وإنما جاءت جميعها لتخدم فئة البرجوازيين الجدد. وفي هذا المجال، يؤكد المؤلف أن هذه التحولات وغيرها هي تطبيق عملي للنظرية الإمبريالية، وهي بالأساس نظرية حربية، يقوض فيها رأس المال السلطة ويدمر القيم المجتمعية.
الانقضاض على الطبقة العاملة: الحروب والنيوليبرالية، وجهان لعملة واحدة
في الفصول الأخيرة من الكتاب، يستشهد المؤلف بسلسلة من الأحداث والأدبيات والنظريات التي جاءت في بعض الحالات مدعومة بالمؤشرات الرقمية، ليؤكد عاملين أساسين شكلّا البيئة الحاضنة للانقضاض على الطبقة العاملة في البلدان العربية بمجملها، ولا سيما الاشتراكية منها في السابق؛ أولهما الحروب وظروفها وثانيهما النهج الليبرالي. انطلق الإطار العام للتحليل الذي تناول من خلاله المؤلف علاقة النيوليبرالية بالطبقة العاملة، أساسًا من ظاهرة التكديح Proletarianisation، وهي ظاهرة اجتماعية تتمثل بتحول أصحاب العمل والعاملين لحسابهم الخاص إلى عاملين ومستخدمين بأجر. وتُعتبر هذه الظاهرة، بحسب المؤلف، ظاهرة عالمية تركزت في البلدان النامية، وأخذت تتنامى بوتيرة متسارعة منذ منتصف القرن العشرين. فبعد أن كانت الدول النامية تمثّل نحو 30 في المئة من القوى العاملة العالمية في عام 1950، أصبحت في عام 2010 تمثّل نحو 80 في المئة منها. كانت التبعات التي ترتبت على هذه الظاهرة سلبية في معظم البلدان التي عرفتها، باستثناء عدد قليل من الدول، ومن بينها الصين التي عملت على حماية حقوق القوى العاملة ومكاسبها إبان عملية التحول. وقد تمثل أبرز هذه السلبيات بإضعاف القوى العاملة؛ فالعمالة الجديدة أصبحت عاطلة عن العمل، أو أصبحت تعمل في القطاع غير الرسمي، في نشاطات متدنية الإنتاجية والأجور، تمامًا كما هي الحال في البلدان العربية. فخلال الفترة 2010–1980، تراجعت نسبة سكان الريف في البلدان العربية من 60 في المئة إلى نحو 04 في المئة، وهو ما يعادل بالأرقام المطلقة نحو 100–70 مليون نسمة. وتزامنًا مع هذه التغيرات، عرفت مستويات التشغيل تراجعًا، وانخفضت تبعًا لذلك حصة الأجور من الدخل القومي بنحو 25 في المئة. تمخض عن تبعات هذه التحولات الديموغرافية - الاقتصادية تراجع كبير في حجم القطاع الزراعي؛ ما ترتب عليه ارتفاع في حجم المواد الغذائية المستوردة إلى الحد الذي أدت فيه أزمة أسعار المواد الغذائية في الأسواق العالمية إلى اندراج أفواج جديدة من السكان تحت خط الفقر. ويعتقد المؤلف أن النيوليبرالية لم تكن قادرة، أو بالأحرى لم تكن لديها رغبة حقيقية في تنمية الاقتصاد والمجتمع، على النحو الذي يمكنه من استيعاب الأفواج المتزايدة من المهاجرين في وظائف نوعية ذات قيمة مضافة وأجور مرتفعة. بل يذهب المؤلف إلى أبعد من ذلك، فيرى أن النيوليبرالية قد عمدت وسخّرت إمكانياتها ونفوذها لتكريس ظاهرة التكديح في العالم العربي. فالطبقة المركزية المتحكمة التي كانت تمتلك قواعد اللعبة اختارت أن تختزل وتستنزف الموارد
الوطنية وتوظفها خدمة لمصالحها الخاصة، بدلً من قيامها بإعادة تدوير الثروة واستثمارها في مصالح المجتمع كله. إن ما قامت به بالأحرى، تمثل بتحييد المنتجين الأصلاء وإبعادهم، لا سيما المزارعين، عن أراضيهم ومقوماتهم الإنتاجية؛ ما وضعهم أمام خيارات صعبة دفعتهم في المحصلة إلى الهجرة إلى المناطق الحضرية والاندماج في وظائف وأعمال متدنية الأجر. كما يستعرض الكتاب حيثيات السياسات النيوليبرالية التي جعلت الدول النامية، والبلدان العربية من بينها، تعتمد على نحو متنامٍ على الواردات الغذائية، هذا إضافة إلى خفض أسعار مواردها وموجوداتها بالأسعار المحلية قبل تحويلها إلى الدولار؛ ما أفضى إلى مزيد من التباين بين الطبقة العاملة والطبقة المركزية المتنفذة ممثلة بالرأسماليين والتجار وحلفائهم. تمثل حالة الحرب التي عاصرتها البلدان العربية حالة أساسية ومركزية أخرى من الحالات التي عصفت بالمقومات المعيشية للمواطن العربي، والطبقة العاملة على وجه الخصوص. فحالة الحرب المستمرة التي مر بها عديد من البلدان العربية كما كانت الحال في العراق، وحالة الاستعداد للحرب كما هو في عدد آخر منها، جميعها استوجبت زيادة الإنفاق العسكري الذي كان يمول على حساب الطبقات العاملة والوسيطة، من خلال زيادة العبء الضريبي، أو من خلال تقنين حجم الإنفاق على البرامج الاجتماعية وخفضه. كما تمخض عن ذلك متسع أقل لإنفاق على البرامج التنموية الاجتماعية، وفي المحصلة، الطبقة العاملة والوسيطة هي الخاسر الأكبر. إن حالة الحرب المستمرة التي تعيشها البلدان العربية، كما يرى المؤلف، تفاقم المخاطر الاستثمارية وتوجد حالة مستمرة من عدم اليقين، وهذا بدوره يثبط الحافز على الاستثمار. وفي البلدان التي تعاني مخاطر مستقبلية للانهيار، فإن قلة من أصحاب الرساميل الوطنية لديهم الاستعداد للاستثمار في مثل هذه الظروف، وهي بالتحديد رأس المال الحكومي، والرساميل المحلية الخاصة التي يصعب استثمارها في الخارج، ورأس المال الخاص الذي يتحول ليصبح وكيلً للقوى الإمبريالية بهدف الانتفاع وتحقيق العوائد من اقتصاديات الحرب نفسها، وتنطبق هذه الأخيرة على الحالة العربية. وفي هذا المجال، يؤكد المؤلف أن إقحام البلدان العربية في هذه الحروب ما هو إلا جزء من الأيديولوجيا الإمبريالية الرأسمالية، خصوصًا بعدما أدركت أن المنافسة الرأسمالية كانت عاجزة في حد ذاتها عن تحقيق الانحدار المطلوب. فالإنفاق العسكري في العالم العربي كان بمختلف المعايير يتجاوز قدراتها، وهو ما مكن بدوره الإمبرياليين من السيطرة على السلع الأولية والمقدرات الوطنية وتوظيفها خدمة لرأس المال العسكري الذي تُحوَّل فوائض عوائده إلى الطبقة المركزية المتنفذة. كانت الحالة العراقية حاضرة بقوة في سياق تحليل الحروب وعلاقتها بالإمبريالية وتأثيراتها التنموية. فالكتاب يسهب في البحث في الحالة العراقية وظروفها السياسية، وتطورها منذ بداية الحقبة الاشتراكية في عام 1958 وصولً إلى الحقبة التي تبعت العدوان الأميركي على العراق واحتلاله في عام 2003. يرى المؤلف أن العراق قد شهد قفزات تنموية ملحوظة خلال السنوات الأولى من الحقبة الاشتراكية؛ فبعدما كان يُعدّ من بين أكثر دول العالم
تفاوتًا في الدخول ومعدلات الأمية، استطاع خلال عقدين من الزمن تحقيق معدلات نمو قياسية في التنمية البشرية والاجتماعية بما شمل ذلك فجوة التباين في الدخل. إلا أن محاولة إقحام العراق في الحروب الداخلية منذ استقلاله، ومن ثم استدراجه إلى حروب إقليمية، وضعته في حالة مستمرة من الحرب وأخضعته لقواعد اقتصاديات الحرب، وهي في تأثيراتها وتبعاتها أشدّ فتكًا من الإمبريالية الرأسمالية. فخلال الحصار الذي فرض على العراق بعد حرب الخليج الأولى في عام 1990، تراجعت المؤشرات التنموية والاجتماعية تراجعًا حادًا؛ فعلى سبيل المثال تراجع الناتج المحلي بعد الحرب مباشرة بنحو الثلثين، وانخفض متوسط نصيب الفرد من نحو 2200 دولار أميركي في نهاية الثمانينيات إلى نحو 884 دولارًا في نهاية التسعينيات، وتفاقمت معدلات البطالة وكذلك التضخم الذي سجل معدلات قياسية وانحسر المعروض من المواد الغذائية، وغيرها كثير، وألحق ذلك ضررًا كبيرًا بالاستقرار المعيشي والاجتماعي لشريحة واسعة من السكان، ولا سيما القوى العاملة. وبطبيعة الحال، لم يصبح العراق أحسن حالً بعد العدوان الأميركي من العراق واحتلاله في عام 2003. فعلى الرغم من ارتفاع أسعار النفط ارتفاعًا ملحوظًا خلال الحقبة التي تلت العدوان، فإن هيمنة المحتل وتقسيم العراق وإذكاء الطائفية والعرقية وإقحامه في نزاعات وحروب داخلية وغيرها من العوامل، جميعها كبدت المواطن العراقي خسائر فادحة على الصعد كافة، وأبقت العراق في سياق الحرب المستمرة واقتصادياتها. كان العالم العربي على وجه العموم، وسيظل في حالة مستمرة من الحرب، ومن ثمّ فإن ديناميكية توزيع الثروة وإهدار الموارد الوطنية وفقًا لترتيبات اقتصاديات الحروب، بعيدًا عن المصلحة العامة والطبقة العاملة على وجه الخصوص، مرشحة للاستمرار أيضًا.
الكتاب في مراجعة سريعة
بلا أدنى شك، يُعدّ الكتاب بالمواضيع التي تناولها وهيكليته عملً متميزًا بمختلف المقاييس؛ فهو يبحث بإسهاب وعمق في المسيرة التنموية لأبرز اقتصادات الدول العربية. ويشرح، في إطار نظريات الاقتصاد السياسي، الظروف والحيثيات التي ترافقت مع تحول البلدان الاشتراكية العربية إلى تطبيق النهج النيوليبرالي. يؤخذ على هذا الكتاب مستوى التعقيد في لغته، وتشعب مواضيعه على النحو الذي قد يفقد القارئ التركيز وتكوين أفكار متسلسلة ومنسجمة. وقد لا يخفى على القارئ، في كل جزء من الكتاب، مدى التحيز الذي يبديه الكاتب إلى النهج الاشتراكي، وهي بالطبع معتقدات وتوجهات خاصة لا تعيب الكتاب ومؤلفه، إلا أنها وكما هي الحال في هذا الكتاب، قد تفضي إلى الانتقائية والبعد عن الحيادية في طرح المعطيات والاستشهاد بالنظريات والمؤشرات والأحداث التاريخية وغيرها من الحيثيات التي تخدم توجهات المؤلف. وعلى الرغم من ذلك، فإن الكتاب يطرح أمام القارئ نظريات وتصورات جديدة حول ديناميكيات التحولات الاقتصادية في البلدان العربية التي شملها الكتاب في إطار معطيات الاقتصاد السياسي ونظرياته. إن أبرز ما يمكن استنتاجه في هذا السياق وبحياد هو أهمية أطر الحاكمية الوطنية، والمشاركة السياسية، والمشاركة الواسعة في عمليات رسم السياسات وصنع القرار، في تحديد المخرجات التنموية لعمليات التحول الاقتصادي وأينما كان اتجاهها.