العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الأفعال الأدائية وتكوين الجندر: مقالة في الظاهراتية والنظرية النسوية

الأفعال الأدائية وتكوين الجندر: مقالة في الظاهراتية والنظرية النسوية

Performative Acts and Gender Constitution: An Essay on Phenomenology and Feminist Theory

جوديت بتلر | Judith Butler *

الملخّص

بات نصّ جوديت بتلر هذا من كلاسيكيات النّسوية. وهو يجمع جمعًا خلّاقًا كلًّا من "نظرية أفعال الكلام" التي ترى أنّ اللغة أدائية تخلق أحداثًا في العالم؛ و"الفلسفة الظاهراتية" التي ترى أنّ الجسد وضع تاريخي لا واقعة طبيعية، وأنّه مجموعة من الإمكانات لا تنفكّ تتحقق؛ والجسد بحسب ميشيل فوكو هو السطح الذي تُنقَش عليه خطابات الضبط؛ والنسوية التي ترى الجندر بناءً اجتماعيًا، فيفسّر أشكال الجندر السائدة والأعراف التي تقف خلفها، ويفككها ليكشف أنّها مُكوّنة تكوينًا ويمكن، تاليًا، تكوينها بصورة مختلفة، وإقامة ضروب أخرى من الجندر غير الضربين السائدين. ومن المنطقي أن ينطوي ذلك على إطاحة الذات الأنثوية وربما تضامن النساء جماعةً، لكن بتلر تحاول أن تقيم تلك الذات وذلك التضامن من جديد، على أساس سياسي لافت وجدير بالنقاش في الوقت ذاته.

Abstract

Abstract: This essay by Judith Butler has become a feminist classic. It combines a fertile mix of speech–act theory, which views language as performative, creating events in the world; and phenomenology which sees the body as a historical idea, not a natural fact, and as a set of possibilities to be continually realized. For Michel Foucault, the body is the surface upon which the discourses of control are inscribed. Feminism sees gender as a social construct, interprets the dominant forms of gender and the conventions behind them, and deconstructs them to reveal that they are constructed and hence capable of taking on a different form, creating other kinds of gender than the two dominant ones. Logically this implies the doing away with the feminine subject and perhaps women’s group solidarity. Butler however tries to recreate this subject and solidarity on a notably political basis worthy of discussion.

الكلمات المفتاحية:
  • الجندر
  • الجنس
  • الجسد
  • الأداء
  • الظاهراتية
  • النسوية
Keywords:
  • Gender
  • sex
  • Body
  • Performance,
  • Phenomenology
  • Feminism

** Translated by Thaer Deeb | ترجمة: ثائر ديب

ملخص: بات نصّ جوديت بتلر هذا من كاسيكيات النّسوية. وهو يجمع جمعًا خلّقًا كلًّ من

«نظرية أفعال الكام» التي ترى أنّ اللغة أدائية تخلق أحداثًا في العالم؛ و«الفلسفة الظاهراتية»

التي ترى أنّ الجسد وضع تاريخي لا واقعة طبيعية، وأنّه مجموعة من الإمكانات لا تنفك

تتحقق؛ والجسد بحسب ميشيل فوكو هو السطح الذي تُنقَش عليه خطابات الضبط؛ والنسوية

التي ترى الجندر بناءًاجتماعيًا، فيفسّر أشكال الجندر السائدة والأعراف التي تقف خلفها،

ويفككها ليكشف أنّها مُكوّنة تكوينًا ويمكن، تاليًا، تكوينها بصورة مختلفة، وإقامة ضروب

أخرى من الجندر غير الضربين السائدين. ومن المنطقي أن ينطوي ذلك على إطاحة الذات

الأنثوية وربما تضامن النساء جماعةً، لكن بتلر تحاول أن تقيم تلك الذات وذلك التضامن من

جديد، على أساس سياسي لافت وجدير بالنقاش في الوقت ذاته.

Abstract: This essay by Judith Butler has become a feminist classic. It combines a fertile mix of speech–act theory, which views language as performative, creating events in the world; and phenomenology which sees the body as a historical idea, not a natural fact, and as a set of possibilities to be continually realized. For Michel Foucault, the body is the surface upon which the discourses of control are inscribed. Feminism sees gender as a social construct, interprets the dominant forms of gender and the conventions behind them, and deconstructs them to reveal that they are constructed and hence capable of taking on a different form, creating other kinds of gender than the two dominant ones. Logically this implies the doing away with the feminine subject and perhaps women’s group solidarity. Butler however tries to recreate this subject and solidarity on a notably political basis worthy of discussion.

Professor in the Department of Comparative Literature and Rhetoric at the University of California, Berkeley. Butler’s work has been very influential in feminist philosophy.

Syrian Writer and Translator.

صيف   Summer 2018

مقدمة

نادرًا ما فكّر الفاسفة في الفعل بمعناه المسرحي، لكنّ لديهم خطابًا عن «الأفعال» التي

تنطوي على معانٍ دلالية تتداعى معها أو تقترن بها، ولديهم نظريات في الأداء والفعل. وعلى سبيل المثال، فإنّ نظرية جون سيرل في «أفعال الكام»، تلك التأكيدات والوعود اللفظية التي يبدو أنّها لا تقتصر على الإشارة إلى عاقة كامية بل تتعدى ذلك إلى تكوين رابطة أخاقية بين المتكلمين، تلقي الضوء على واحدة من الإيماءات الإنجازية الظاهرة التي تشكّل المنصة التي تعمل عليها فلسفة اللغة التحليلية. كما تسعى «نظرية الفعل»، وهي ميدان من ميادين الفلسفة الأخاقية، لفهم ما يعنيه «الفعل» قبل إطاق أيّ مزاعم في شأن ما يجبعلى المرء أن يفعله. وثمّة، أخيرًا، نظرية «الأفعال »

الظاهراتية التي اعتنقها إدموند هوسرل وموريس ميرلو بونتي وجورج هربرت ميد وآخرون، وتسعى لإلقاء الضوء على الطريقة البسيطة التي يكوِّنبها الفاعلون الاجتماعيون الواقعَ الاجتماعي من خال اللغة، والإيماءة، وسوى ذلك من العامات الاجتماعية الرمزية. وإذا ما كانت الظاهراتية تبدو في بعض الأحيان أنّها تفترض وجود فاعلٍ يقوم بالاختيار والتكوين سابقٍ على اللغة (ويطرحها على أنّها المصدر الوحيد لأفعاله التكوينية)، فإن هنالك استخدامًا لمذهب التكوين أكثر جذرية يتخذ الفاعل الاجتماعي

على أنّه موضوعالأفعال التكوينية وليس ذاتها. حين تقول سيمون دوبوفوار «لا يولد المرء امرأةً، بل يصير كذلك»، فإنّها تستولي من التراث الظاهراتي على مذهب الأفعال المكوِّنة هذا وتعيد تأويله. فبهذا المعنى، لا يكون الجندر البتّة هوية ثابتة أو

محلًّ لفاعليةٍ تنبثق منها شتّى الأفعال؛ بل يكون هوية ضعيفة التكوين تكوّنت في الزمن؛ هوية قامت

(((ترتبط «نظرية أفعال الكام» Speech Acts Theory بجون أوستن في كتابه الشهير كيف نفعل الأشياء بالك ماا (1962). يرى أوستن أنّ بعضًا من اللغة فحسب هو الذي يكتفي بوصف الواقع. في حين أنّ بعضها الآخر أدائي، أو إنجازي، يرمي إلى تحقيق شيء ما أو أدائه وإنجازه. ويميّز أوستن بين «أفعال إنجازية ظاهرة» Illocutionary Acts تُنجز شيئًا بالقول ذاته («أعلنكما زوجًا

وزوجة») و«أفعال إنجازية مضمرة» Perlocutionary Acts تنجز شيئًا بواسطة القول (كما في حالة الإقناع أو التحريض أو الإخافة

بواسطة الكام). بل إنّ أوستن يتوصل في النهاية إلى أنّ كل لغة هي إنجازية في الحقيقة، بما في ذلك اللغة التي تصف الوقائع أو تنقلها؛ فتلك أفعال إعام أو إثبات، وإيصال المعلومات فعل أدائي شأنه شأن قطع وعد أو إطاق تسمية أو النطق برهان. وكي تكون «الأفعال الإنجازية الظاهرة» شرعية وسارية المفعول لا بدّ من وجود أعراف معينة: كأن تصدر عن شخص مرخَّص له بإصدارها، وأن

يصدرها بجديّة، في ظروف مائمة، وعلى النحو الإجرائي الصحيح. واصل جون سيرل مشروع أستاذه أوستن ودقّقه وعدّله واقترح

مواطن بحث جديدة، لا سيما في كتابه أفعال الكلام: مقالة في فلسفة اللغة (1969). ولعلّ أهم إضافات سيرل هي محاولته التمييز بين الأفعال الأدائية المضمرة في القول والأفعال التأثيرية. ويرى سيرل أنّ الأفعال المضمرة في القول هي قصدية، لا تؤدّى أو تُنجَز

إن لم تُقصَد. أمّا الأفعال التأثيرية فا ضرورة لأن تؤدَّى قصديًا، إذ يمكنك أن تقنع شخصًا بشيء ما أو تدفعه إلى فعل شيء ما من

دون أن تقصد ذلك. (المترجم) (((نظرية الفعل Action Theory هي نطاق من الفلسفة يُعنى بالعمليات التي تُحدث حركات جسدية إنسانية مُرادة أو متعمّدة من

نوع معقّد إلى هذا الحد أو ذاك. وهي تميّز بين الأشياء التي تقع لشخص والأشياء التي يفعلها هذا الشخص أو يجعلها تقع. يتناول

منظّرو الفعل، إذًا، قضايا كالدافع والرغبة والقصد والتعمّد والقرار والنيّة والمحاولة والإرادة الحرة. ومن المشكات الأساسية هنا

مشكلة الاختيار، أو ما يصل بين النيّة وحركات الجسد، أو «ما يتبقى حين أطرح واقعة أنّ ذراعي ترتفع من واقعة أنني أرفع ذراعي»،

كما يقول لودفيغ فتغنشتين. من الواضح أنّه ثمة لقاء في هذا النطاق الفكري بين كلّ من الإبستيمولوجيا والأخاق والميتافيزيقا

والقانون وفلسفة العقل وعدد من الفروع العلمية. (المترجم) (((من أجل مزيد من النقاش لمساهمة دوبوفوار النسوية في النظرية الظاهراتية، انظر مقالتي:

«Variations on Sex and Gender: Beauvoir’s The Second Sex,» Yale French Studies , no. 172 (1986).

مقالة في الظاهراتية والنظرةي النس:و الأفعال الأدائية وتكوين الجندر

من خال تكرارِ أفعالٍ مُؤَسْلَب. وعاوةً على ذلك، فإنّ الجندر يُقام من خال أسْلبَة الجسد، ويجبَ

أن يُفهَم، تاليًا، بوصفه الطريقة البسيطة التي تكوّن بها شتى الإيماءات والحركات والأداءات الجسدية

وَهْمَ ذاتٍ مُجَنْدرَةٍ مقيمة. وهذه الصيغة تنقل مفهوم الجندر من كونه نموذجًا راسخًا من نماذج الهوية

إلى كونه نموذجًا يحتاج إلى تصور لزمنيةٍ اجتماعية مكوَّنة. ومن المهم القول إنّه حين يقوم الجندر من

خال أفعال غير متمادية داخليًا، فإن ظاهر الجوهر يكون على وجه الدقة هوية مبنيّة بناءً، إنجازًا أدائيًا

يؤمن به الجمهور الاجتماعي العادي، بمن في ذلك الفاعلون أنفسهم، ويؤدّونه بطريقة الإيمان. وإذا ما كان أساس الهوية الجندرية هو تكرار الأفعال المؤسلَب خال الزمن، وليس هويةً تبدو ملتحمةً، فإن إمكانات التحول الجندري تُنظَر في العاقة الاعتباطية بين مثل هذه الأفعال، في إمكان قيام ضرب آخر من التكرار، في التكرار المُخِلّ والمخرِّب لذاك الأسلوب. سوف أحاول، من خال تصوّر الأفعال الجندرية الذي رسمت خطوطه، أن أبيّن بعض الطرائق التي

قد تمكّن من فهم تصوّرات الجندر المُشيَّأة والمُطبَّعة على أنّها مكوَّنة تكوينًا ويمكن، تاليًا، تكوينها

على نحو مختلف. وسوف أفهم الأفعال المكوِّنَة، بخاف النماذج المسرحية أو الظاهراتية التي تعتبر الذات المُجَنْدَرة سابقة على أفعالها، لا على أنّها تكوِّن هوية الفاعل فحسب، بل على أنّها أيضًا تكوِّن

تلك الهوية بوصفها وهمًا قسريًا، موضوع إيمان. وسوف أفيد، في سياق بناء مناقشتي، من الخطابات المسرحية والأنثروبولوجية والفلسفية، ومن الظاهراتية بصورة أساسية، كي أبيّن أن ما يُدعى بالهوية

الجندرية هو إنجاز أدائي قسرَ عليه العقاب والتابو الاجتماعيان، وأنّ في طابعها ذاته بوصفها أدائيّة،

يكمن إمكان منازعة الحالة المُشيَّأة.

أولا: الجنس/ الجندر: وجهات نظر نسوية وظاهراتية

غالبًا ما كانت النظرية النسوية نقديةً حيال التفسيرات الطبيعية للجنس والتوجّه الجنسي، التي تفترض

أن من الممكن اشتقاق معنى وجود النساء الاجتماعي من واقع فيسيولوجيتهن. وإذ ميّزت المنظّرات

النسويات بين الجنس والجندر، نازعن التفسيرات السببية التي تفترض أنّ الجنس يملي على تجربة النساء معانيَ اجتماعية معينة أو يفرضها عليها. وكذلك كانت النظريات الظاهراتية في التجسّد البشري

معنيّة بالتمييز بين شتّى السببيات الفيسيولوجية والبيولوجية التي تبني الوجود الجسدي والمعانيالتي

يتّخذها الوجود المجسَّد في سياق التجربة المعيشة. وكانت تأمات ميرلوبونتي في الفصل الموسوم

«الجسد في كينونته الجنسية»، ضمن كتابه ظاهريات الإدراك الحسّي، قد عارضت مثل هذه الروايات عن التجربة الجسدية ورأت أن الجسد هو «فكرة تاريخية» وليس «نوعًا طبيعيًا». ومما له دلالته أنّ هذا

الرأي هو الذي تقتبسه سيمون دوبوفوار في كتابها الجنس الآخر حين تهيّئ المسرح لقولها إنّ «المرأة »،

وتاليًا أيّ جندر، هما وضع تاريخي لا واقعة طبيعية.

(4) Maurice Merleau–Ponty, «The Body in its Sexual Being,» in: Colin Smith (trans.), The Phenomenology of Perception (Boston: Routledge and Kegan Paul, 1962). (5) Simone de Beauvoir, The Second Sex , H. M. Parshley (trans.), (New York:Vintage, 1974), p. 38.

صيف   Summer 2018

في كا السياقين، ليس ثمّة إنكار لوجود أبعاد الجسد المادية أو الطبيعية ولا لكون هذه الأبعاد واقعة

من الوقائع، بل يُعاد تصوّرها على أنها مميّزة من السيرورة التي يغدو الجسد من خالها محمّلً بمعان

ثقافية. ويُفهَم الجسد لدى دوبوفوار وميرلوبونتي على أنّه سيرورة نشطة من تجسّد إمكانات ثقافية

وتاريخية معينة، سيرورة تملّك معقدة لا بدّ لأيّ نظريةٍ ظاهراتية في التجسّد من أن تصفها. وما تحتاجه

نظرية ظاهراتية في التكوّن كي تصف الجسد المُجَنْدَر هو توسيع النظرة التقليدية إلى الأفعال لتعني،

على السواء، ما يكوِّن المعنى وما يُؤدَّى المعنى من خاله ويُنجَز. بعبارة أخرى، تبدي الأفعال التي

يُكوَّن الجندر من خالها ضروبَ شبَهٍ مع الأفعال الأدائية في السياقات المسرحية. وتتمثّل مهمتي، إذًا،

في تفحّص الطرائق التي يُبنى بها الجندر من خال أفعال جسمانية معينة، وإمكانات التغيير الثقافي

للجندر من خال مثل هذه الأفعال. لا يقتصر ما يراه ميرلوبونتي على أنّ الجسد فكرة تاريخية، بل يتعدّاه إلى كون هذا الجسد مجموعة من الإمكانات التي يجب ألا تتوقف عن التحقق. وما يعنيه ميرلوبونتي بقوله إنّ الجسد فكرة تاريخية هو أنّه يكتسب معناه من خال تعبيرٍ ملموس يتوسّطه التاريخ ويجري في العالم. وما يشير إليه كون

الجسد مجموعة من الإمكانات هو: أ– أنّ ظهوره في العالم، للإدراك الحسيّ، لا يحدده مسبقًا وعلى

نحوٍ ما جوهرٌ داخلي، ب– أنّ تعبيره الملموس الذي يجري في العالم يجب أن يُفهم على أنّه اضطاع

بمجموعة من الإمكانات التاريخية وتجسيد لها. وبذلك يكون ثمّة فاعلية تُفهَم على أنّها السيرورة التي

تحسم أمر هذه الإمكانات. وهي إمكانات مقيّدة بالضرورة بالأعراف التاريخية المتاحة. ليس الجسد

ماديةً متطابقةً مع ذاتها أو واقعة من الوقائع فحسب؛ فهو مادية تحمل معنى، على الأقل، وطريقة هذا الحمل هي طريقة درامية في جوهرها. وما أعنيه بالدرامية هو أنّ الجسد ليس مادةً محققة فحسب، بل تحقيق ماديمتواصل لإمكانات. والمرء ليس جسدًا فحسب، بل إنّه، بمعنى رئيس من المعاني، يصنع جسده، ويصنعه، بالفعل، على نحوٍ مختلف عن معاصريه كما عن أسافه وأخافه المجسّدين. لكنها تبقى من القواعد المؤسفة أن نزعم أنّ هنالك «نحن» أو «أنا» تصنع جسدها، كما لو أنها فاعلية غير مجسّدة تسبق خارجًا مجسّدًا وتوجّهه. الأنسب، كما أقترح، هو معجم يقاوم الميتافيزيقا الجوهرية

التي تقف خلف صِيَغ الفعل – الفاعل ويعتمد بدلً من ذلك على كيانيّة (أنطولوجيا) أسماء الفاعلين.

ذلك أنّ ال «أنا» التي هي جسدها، هي بالضرورة، نمط من التجسيد، و«ما» تجسّده هو إمكانات. لكن

قواعد الصّوغ تبقى مضللةً هنا أيضًا، لأنّ الإمكانات المجسَّدة ليست في جوهرها خارجية أو سابقة

على عملية التجسيد ذاتها. والجسد، بوصفه ماديّة منظَّمة قصدًا، هو تجسيد دائم لإمكانات مشروطة

بالعرف التاريخي ومحدَّدة به على السواء. والجسد، بعبارة أخرى، هو وضع تاريخي، كما زعمت دوبوفوار، وهو طريقة في خلق وضع تاريخي، وإضفاء الطابع الدرامي عليه، وإعادة إنتاجه. أن تخلق، أن تُضفي الطابع الدرامي، أن تعيد الإنتاج، هي أشياء تبدو أنها بعض بنى التجسيد الأولية. وهذا الخلق للجندر ليس طريقة فحسب، يكون فيها الفاعلون المجسَّدون خارجيين، سطحيين،

ومتاحين لإدراك الآخرين. ذلك أنّ التجسيد يُظهر بوضوح مجموعةً من الإستراتيجيات أو ما كان يمكن

لسارتر أن يدعوه أسلوبًا من أساليب الكينونة، أو ما كان يمكن لفوكو أن يسمّيه «أسلوبيات الوجود.»

مقالة في الظاهراتية والنظرةي النس:و الأفعال الأدائية وتكوين الجندر

وهذا الأسلوب ليس انتحالًالبتّة، لأن أساليب العيش لها تاريخ، وذلك التاريخ يشترط الإمكانات ويرسم حدودها. خُذ الجندر، مثلً، بوصفه أسلوبًا جسمانيًا، أو «فعلً»، إذا جاز القول، قصديًا وأدائيًا

على حدٍّ سواء، إذ يحمل «الأداء» نفسه المعنى المزدوج لما هو «درامي» وما هو «غير مرجعي.» حين تزعم دوبوفوار أنّ «المرأة» فكرة تاريخية وليست واقعة طبيعية، فإنّها تشدد بوضوح على التمييز بين الجنس بوصفه واقعة بيولوجية، والجندر بوصفه التأويل أو الاستدلال الثقافي لتلك الواقعة. أن تكون أنثى هو، بحسب هذا التمييز، واقعة لا معنى لها، أما أن تكون امرأةً فيعني أنتصير امرأة،ً أن تقسر الجسد على أن يمتثل لفكرة تاريخية هي فكرة «المرأة»، أن تحثّ الجسد على أن يصير عامة ثقافية، أن تجسّد ذاتك امتثالً لإمكان محدَّد تاريخيًا، وأن تفعل ذلك بوصفه مشروعًا جسمانيًا مستدامًا

ومكرَّرًا. لكن فكرة «المشروع» تشير إلى قوة مُنشِئَة ذات إرادة جذرية، ولأنّ الجندر مشروع يتّخذ البقاء

الثقافي غاية له، فإنّ مصطلح « الإستراتيجية » يشير بصورة أفضل إلى حال القسر الذي يجري أداء الجندر في ظلّه على نحو دائم ومتنوع. وهذا ما يجعل الجندر، بوصفه إستراتيجية للبقاء، أداءً له عواقبه

العقابية الواضحة. وضروب الجندر المتباينة هي جزء مما «يُؤِنْسِن» الأفراد ضمن الثقافة المعاصرة؛ وأولئك الذين يخفقون في صنع جندرهم على الوجه الصحيح لا ينفكّون يُعَاقَبون بالفعل. ولأنّه ما من «جوهر» يعبّر عنه الجندر أو يُبرزه إلى الخارج ولا مثل أعلى موضوعي يطمح إليه؛ ولأنّ الجندر ليس

واقعةً، فإنّ أفعال الجندر المختلفة تخلق فكرة الجندر، ومن دون تلك الأفعال ما كان يمكن أن يكون ثمّة جندر على الإطاق. وبهذا يكون الجندر بناءً لا يني يخفي تكوينه. والاتفاق الجمعي المُضمَر

على أداء ضروب مختلفة ومستقطَبة من الجندر، وإنتاجها، وإدامتها بوصفها تخييات ثقافية إنّما تحجبه صدقية إنتاجه. ويغدو مؤلّفو الجندر مبهورين بتخيياتهم التي يقسر من خالها البناءُ المرء

على الإيمان بضرورته وطبيعيته. وليست الإمكانات التاريخية المجسَّدة بأساليب جسمانية شتى سوى

تلك التخييات الثقافية العقابية المنتظمة التي يتناوب تجسيدها وتمويهها قسرًا. ما حجم الفائدة التي تقدّمها نقطة انطاق ظاهراتية لتوصيفٍ نسويّ للجندر؟ تبدو الظاهراتية على السطح كأنها تشاطر التحليل النسوي التزامًا بنظرية تضرب بجذورها في التجربة المعيشة، وبكشف الطريقة التي يجري بها إنتاج العالم من خال الأفعال المكوِّنة للتجربة الذاتية. ومن المعلوم أن

النظرية النسوية لا تُجمع على تحبيذ وجهة نظر الذات (سبق لكريستيفا أن اعترضت على النظرية النسوية بأنّها «مفرطة في وجوديتها») كما أنّ الزعم النسوي الذي مفاده أنّ الشخصيَ سياسي

يشير، في جزء منه، إلى أنّ التجربة الذاتية لا تبنيها الترتيبات السياسية القائمة فحسب، بل تؤثّر بدورها في تلك الترتيبات وتبنيها. ولقد سعت النظرية النسوية لفهم الطريقة التي تُؤدَّى بها البنى السياسية والثقافية النظامية أو النافذة ويُعاد إنتاجها من خال أفعال وممارسات فردية، وكيف يُلقى الضوء على تحليل أوضاع شخصية في الظاهر بوضع القضايا المطروحة في سياق ثقافي أوسع

(((التخييل Fiction، مصطلح عام ومبهم يشير إلى عمل تخيّلي نثري في الغالب (رواية، قصة، وما شابههما أو ارتبط بهما من

أجناس). ومن هنا ترجمته ب «القصّ» أو «الرواية» في كثير من الأحيان. (المترجم)

(7) Julia Kristeva, Histoire d’amour (Paris: Editions Denoel, 1983), p. 242.

صيف   Summer 2018

ومشترك. والحال أنّ الدافع النسوي، وأنا متأكدة من أنّ هناك أكثر من دافع واحد، غالبًا ما برز من

معرفة أنّ ألمي أو صمتي أو غضبي أو إدراكي ليس في النهاية ألمي أو صمتي أو غضبي أو إدراكي وحدي، وأنّه يرسم حدودي في وضع ثقافي مشترك يمكنني بدوره ويمنحني القدرة بطرائق معينة غير متوقعة. هكذا يكون الشخصي سياسيًا ضمنيًا بقدر ما يكون مشروطًا ببنى اجتماعية مشتركة،

لكنّ الشخصي مُحصَّنٌ أيضًا ضد التحدي السياسي بقدر ما يُصان التمييز بين العام والخاص.

وبذلك يغدو الشخصي، بالنسبة إلى النظرية النسوية، مقولةً جامعة، مقولة تستوعب، ولو ضمنيًا،

البنى السياسية التي عادةً ما يُنظر إليها على أنّها عامة. والحال أنّ معنى السياسي ذاته يتوسّع أيضًا.

وتنطوي النظرية النسوية، في أفضل حالاتها، على توسيع ديالكتيكي لكلتا المقولتين. فوضعي لا يكفّ عن كونه وضعي لكونه وضعَ شخصٍ آخر فحسب، وأفعالي، على ما هي عليه من الفردية، تعيد مع ذلك إنتاج وضع الجندر الذي أنتمي إليه، وتفعل ذلك بطرق شتّى. بعبارة أخرى، ثمة صَوغ

سياسي للنظرية النسوية، كامنٌ في الشخصي، وهو افتراض مفاده أنّ عالم – حياة عاقات الجندر تكوّنه، جزئيًا على الأقل، أفعالالأفراد الملموسة التي يتوسّطها التاريخ. وبالنظر إلى أن «ال» جسد

لا يني يتحول إلى جسده أو جسدها، فإنّه لا يُعرَف إلا من خال مظهره المُجَنْدَر. ولا مناص من

النظر في الطريقة التي تحصل بها جَنْدرَةُ الجسد هذه. واقتراحي هو أنّ الجسد يغدو الجندر الذي

هو عليه من خال سلسلة من الأفعال التي تتجدد، وتُنقَّح، وتتعزّز بمرور الزمن. ومن وجهة نظر

نسوية، قد يحاول المرء أن يعيد تصوّر الجسد المُجَنْدَر بوصفه إرث الأفعال المترسّبة وليس بنيةً أو

جوهرًا أو واقعةً محددة أو متوقعةً سلفًا، سواء كانت طبيعية أو ثقافية أو لغوية. يستطيع التملّك النسوي لنظرية التكوّن الظاهراتية أنّ يعبّئ فكرة الفعلعلى نحو ملتبس أشدّ الالتباس.

فحين يكون الشخصي مقولة موسَّعة لتشمل البنى السياسية والاجتماعية الأوسع، تكون أفعالالذات

المجندرة موسّعة بالمثل. ومن الواضح أنّ هناك أفعالً سياسية هي أعمال متعمَّدة وأداتية في التنظيم

السياسي والتدخل الجمعي المقاوم الذي يرمي إلى تحقيق هدف عريض يتمثل في إقامة مجموعة من العاقات الاجتماعية والسياسية أكثر عدلً. هكذا ثمّة أفعال تُجرى باسم النساء، وثمّة أفعال بذاتها

وفي ذاتها، بصرف النظر عن أيّ عاقبة أداتية، تتحدى مقولة النساء ذاتها. والحال أنّ على المرء أن ينظر

في عبثية برنامج سياسي يسعى لتغيير وضع النساء الاجتماعي جذريًا من دون أن يحسم قبل ذلك

ما إذا كانت مقولة المرأة مبنيّة اجتماعيًا على نحوٍ يجعل من كونكَ امرأة أمرًا يعني، بالتعريف، أن تكون

في حالٍ من الاضطهاد. ونظرًا إلى رغبة الخطاب النسوي المفهومة في بناء روابط التضامن، فإنّه كثيرًا

ما اعتمد على مقولة المرأة باعتبارها افتراضًا شاملً لتجربةٍ ثقافيةٍ تُطلق، في حالتها الشاملة، وعدًا

كيانيًا (أنطولوجيًا) زائفًا بتضامنٍ سياسيٍ تالٍ. وفي ثقافةٍ افتُرِضَ فيها مسبقًا، وعلى النطاق الأوسع،

أنّ «الإنسان» (الرجل، وليس «الإنسان» المرأة) بما ينطوي عليه من شمول زائف يطاول الإنسانية ذاتها، سعت النظرية النسوية بنجاح لإبراز الخصوصية الأنثوية وإعادة كتابة تاريخ الثقافة على نحو يعترف بحضور النساء وأثرهن واضطهادهن. لكنّ النسويات، في جهدهن الذي يبذلنه لمقارعة حَجْب

النساء مقولةً، يخاطرن بإبراز مقولة قد تمثّل حيوات النساء الملموسة وقد لا تمثّلها. واعتقادي أنّنا كنّا بوصفنا نسويات ولا نزال أقلّ انشغالً بالنظر في حال المقولة ذاتها، وبتبيّن شروط الاضطهاد التي

مقالة في الظاهراتية والنظرةي النس:و الأفعال الأدائية وتكوين الجندر

تتأتّى عن إعادة إنتاج لم يجرِ تفحّصها للهويات الجندرية التي تعزز مقولتَي الرجل والمرأة المنفصلتين والمتقابلتين. حين تزعم دوبوفوار أن المرأة «وضعٌ تاريخي»، فإنّها تؤكد أنّ الجسد يخضع لبناءٍ ثقافي معين، لا من خال الأعراف التي تعاقب وتحظر الكيفية التي يُعْمِلُ بها المرء جسده، و«الفعل» أو الأداء الذي يكون عليه جسد المرء فحسب، بل أيضًا من خال الأعراف الضمنية التي تبني الطريقة التي يجري بها تصوّر الجسد ثقافيًا. والحال أنّه إذا ما كان الجندر هو الدلالة الثقافية التي يتّخذها الجسد المُجنَّس،

وإذا ما كانت تلك الدلالة تقررها معًا أفعالٌ شتّى وإدراكها الثقافي، فسوف يتبيّن عندئذ أنّه لا تمكن،

من ضمن شروط الثقافة، معرفة الجنس بوصفه مميّزًا من الجندر. وتُؤدَّى إعادة إنتاج مقولة الجندر

على صعيدٍ سياسي واسع، كما يحصل حين تدخل النساء مهنةً أوّل مرّة أو يتحصّلن على حقوق معينة، أو يُعاد تصورهن في خطاب قانوني أو سياسي بطرائق جديدة إلى حد بعيد. لكن إعادة إنتاج الهوية المُجَنْدَرة الأشدّ بساطة تُؤدَّى من خال طرائق شتّى تُعْمَل بها الأجساد بالعاقة بتوقعات الوجود المُجَندَر الراسخة والمترسبة عميقًا. فثمّة ترسّب للجندر يُنتج ظاهرة الجنس الطبيعي عينها، أو المرأة الواقعية، أو أيّ من التخييات الاجتماعية السائدة والقسرية، وهذا هو الترسب الذي أنتج بمرور الوقت مجموعة من الأساليب الجسمانية التي تظهر، في شكل مُشيَّأ، على أنها تَشكُّلُ الأجساد الطبيعي في

جنسين يوجدان في عاقة ثنائية متقابلة واحدهما مع الآخر.

ثانيًا: الجندران المتقابلان والعقد الجنسي الغَيري

لضمان إعادة إنتاج ثقافة معينة، عملت مقتضيات شتّى، محددة جيدًا في الأدبيات الأنثروبولوجية التي تتناول القرابة، على وضع التكاثر الجنسي ضمن حدود نظام الزواج الجنسي الغيري الذي يقتضي تكاثر الكائنات البشرية بطرائق مُجَندرَة معينة تضمن، بالنتيجة، إعادة إنتاج نظام القرابة. وكما أشار فوكو وآخرون، فإن ارتباط جنس طبيعي بجندر مميّز وب «انجذاب» طبيعي في الظاهر إلى الجنس/ الجندر

المعاكس هو اقتران غير طبيعي لبناءات ثقافية موضوعة في خدمة المصالح التكاثرية. وبيّنت

الأنثروبولوجيا الثقافية ودراسات القرابة النسوية أنّ الثقافات محكومة بأعراف لا تقتصر على تنظيم إنتاج الخيرات المادية وضمانها وتبادلها واستهاكها فحسب، بل تتعدّاه إلى إعادة إنتاج روابط القرابة ذاتها، الأمر الذي يقتضي تابوهات وتنظيمًا عقابيًا للتكاثر لإحداث تلك النتيجة. وبيّن ليفي ستروس

أنّ تابو سفاح القربى يعمل على ضمان تصريف التوجّه الجنسي في أنماط شتّى من الزواج غيري

الجنس، ورأت غايل روبن على نحوٍ مقنع أنّ تابو سفاح القربى يُنتِج ضروبًا معينة من الهويات

(8) Michel Foucault , The History of Sexuality: An Introduction , Robert Hurley (trans.),)New York: Random House, 1980), p. 154.

«مكّنت فكرة ‘الجنس’ من الجمع معًا، في وحدة مصطنعة، بين عناصر تشريحية ووظائف بيولوجية وسلوكات وأحاسيس ولذائذ،

ومكّنت المرء من استخدام هذه الوحدة التخييلية على أنّها مبدأ سببيّ.»[...]

(9) Claude Levi–Strauss, The Elementary Structures of Kinship (Boston: Beacon Press, 1965).

صيف   Summer 2018

والتوجهات الجنسية المُجَندَرة المتميزة. وما أراه ببساطة هو أنّ الطريقة الوحيدة التي يُعاد بها إنتاج

نظام الغيرية الجنسية القسري هذا وإخفاؤه هي من خال تنمية الأجساد إلى جنسين متميزين لهما مظاهرهما «الطبيعية» واستعداداتهما الجنسية الغيرية «الطبيعية». وعلى الرغم من أنّ الخُيَاء المركزية

الإثنية تشير إلى تقدّم أبعد من بنى عاقات القرابة الإجبارية كما وصفها ليفي ستروس، فإنّني أشير، مع روبن، إلى أنّ الهويات الجندرية المعاصرة فيها عائم أو «آثار» كثيرة على قرابة متبقيّة. وقد لقي

الزعم، الذي مفاده أنّ الجنس والجندر والغيرية الجنسية هي نتاجات تاريخية أ دمِجَت وشُيّئَت بمرورُ

الزمن على أنّها طبيعية، قدرًا كبيرًا من الاهتمام النقدي، لا من ميشيل فوكو فحسب، بل من مونيك

ويتيغ، ومؤرخي اللواط، وعدد من الأنثروبولوجيين الثقافيين وعلماء النفس الاجتماعيين في السنوات الأخيرة. لكنّ هذه النظريات لا تزال تفتقر إلى الموارد النقدية الازمة للتفكير على نحو جذري بالترسّب التاريخي للتوجّه الجنسي والبناءات المرتبطة بالجنس ما دامت لا تحدد، ولا تصف، الطريقة

البسيطة التي تُنتَج بها هذه البناءات ويُعاد إنتاجها ويُحافظ عليها في مجال الأجساد. هل يمكن للظاهراتية أن تساعد في إعادة بناء نسوية للطابع الرسوبي للجنس والجندر والتوجّه الجنسي

على مستوى الجسد؟ في المقام الأول، يوفّر التركيز الظاهراتي على شتّى الأفعال التي تتكوّن الهوية

الثقافية من خالها نقطةَ انطاق مائمة للجهد النسوي الرامي إلى فهم الطريقة البسيطة التي تُحوَّل بها

الأجساد إلى جندرات. ويوفّر صوغ الجسد، بوصفه نوعًا من إضفاء الطابع الدرامي على الإمكانات أو أدائها، طريقةً لفهم الكيفية التي يتجسّد بها عرفٌ ويُؤدَّى. لكنّه يبدو صعبًا، إن لم يكن مستحيلً،

أن نتخيّل طريقة لفهم حجم اضطهاد النساء وطابعه المنهجي انطاقًا من موقع نظري يتّخذ الأفعال

المكوِّنة نقطة انطاقه. فعلى الرغم من أنّ الأفعال الفردية تعمل على الحفاظ على أنظمة الاضطهاد

وإعادة إنتاجها، ومع أنّ أيّ نظرية في المسؤولية السياسية الشخصية تفترض مثل هذه النظرة، فإنّ ذلك

لا يعني أنّ الاضطهاد هو عاقبة وحيدة لمثل هذه الأفعال. ويمكن أن نرى أنّه لولا البشر الذين تنتج أفعالهم المتعددة، بعمومها، الشروط الاضطهادية وتحافظ عليها، لكانت تلك الشروط تسقط وتزول، لكنّ العاقة بين الأفعال والشروط ليست أحادية الجانب ولا من دون توسّط. وثمة سياقات وأعراف

اجتماعية ما كان يمكن من دونها لأفعال معينة أن تغدو ممكنةً، بل ما كان يمكن تصورها أفعالً على الإطاق. وبذلك يغدو تغيير العاقات الاجتماعية مسألة تغيير للشروط الاجتماعية السائدة لا للأفعال الفردية المتأتية عن تلك الشروط. والحال أنّ المرء ليخاطر بأن يقتصر في تناوله على انعكاس تلك الشروط غير المباشر، إن لم يكن العارض، حين يبقى مقتصرًا على سياسات الأفعال. لكنّ المعنى المسرحي ل «الفعل» يدفع إلى مراجعة الافتراضات الفردانية التي تشكّل أساس النظرة الضيقة إلى الأفعال المكوِّنة في الخطاب الظاهراتي. ذلك أنّ الأفعال، بوصفها مدّة زمنية معيّنة ضمن

(10) Gayle Rubin, «The Traffic in Women: Notes on the ‘Political Economy’ of Sex,» in: Rayna R. Reiter (ed.), Toward an Anthropology of Women (New York: Monthly Review Press, 1975), pp. 178–185.

(((1 انظر مقالتي:

«Variations on Sex and Gender: Beauvoir, Wittig, and Foucault,» in: Seyla Benhabib & Drucila Cornell (eds.), Feminism as Critique (London:Basil Blackwell, 1987 [distributed by University of Minnesota Press]).

مقالة في الظاهراتية والنظرةي النس:و الأفعال الأدائية وتكوين الجندر

الأداء بأكمله، هي تجربة مشتركة و«عمل جمعي». وكما هو الحال في النظرية النسوية، فإنّ مقولة الشخصي ذاتها تُوسَّع لتشمل البنى السياسية، فنجد نظرةً إلى الأفعال أساسها مسرحي، ووجهتها أقلّ فردية، في الواقع، تقطع بعض الشوط في إبطال النقد الذي يوجَّه إلى نظرية الفعل بأنّها «مفرطة في وجوديتها». فمن الواضح أنّ الفعلَ الذي هو الجندر، الفعل الذي هو العوامل المجسَّدة بقدر

ما تجسّد على نحو درامي ونَشِطٍ دلالات ثقافية معينة وترتديها، ليس فعل الفرد وحده. لا شكّ في أنّ هنالك طرائق متباينة وفردية في صنعالمرء جندره، لكن من الواضح أنّ ذلك المرء الذي يصنعه، وذلك المرء الذي يصنعه يكون وفقًا ل  عقوبات وتحظيرات معينة، ليس بالأمر الفردي تمامًا. وهنا مرّة أخرى، لا أقصد التقليل من تأثير بعض المعايير الجندرية التي تنشأ داخل الأسرة وتُفرَض من خال بعض أساليب الثواب والعقاب الأسرية ويمكن تفسيرها، بالنتيجة، على أنّها فردية للغاية، فحتى هناك، تلخّص العاقاتُ الأسرية عاقاتٍ ثقافيةً موجودة وتُفَرْدِنُها وتُخَصِّصها، ونادرًا ما تكون أصيلةً على نحوٍ جذريّ، إذا ما كانت كذلك. والفعل الذي يقوم به المرء، الفعل الذي يؤدّيه، هو، بمعنى ما، فعل كان جاريًا قبل أن يصل المرءُ المشهدَ. وبذلك يكون الجندر فعلً مكرَّرًا، شأنه شأن نصّ لا يستنفده الممثلون المعينون الذين يفيدون منه، لكنّه يحتاج إلى ممثلين أفراد كي يجسدوه ويعيدوا إنتاجه واقعًا من جديد. ولا بدّ من تمييز المكونات المعقدة التي يشتمل عليها الفعل إذا ما أردنا أن نفهم نوع ذلك الأداء المنسجم والمتناغم الذي عادةً ما يكون عليه أداء المرء لجندره. بأيّ المعاني، إذًا، يكون الجندر فعلً؟ يقتضي الفعل الاجتماعي أداءً هو أداء مكرَّر، كما يشير الأنثروبولوجي فيكتور تيرنر في دراسته الدراما الاجتماعية الشعائرية. وهذا التكرار هو في آن معًا إعادة أداء وإعادة تجربة لمجموعة من المعاني الراسخة اجتماعيًا مسبقًا؛ وهو الشكل البسيط والشعائري لشرعيتها. وحين يُطبَّق تصوّر الأداء الاجتماعي هذا على الجندر، من الواضح أنّه على

الرغم من وجود أجساد فردية تؤدّي هذه الدلالات بصيرورتها مُؤَسْلَبةً في أنماط مُجَنْدَرة، فإنّ هذا «الفعل» يكون عامًا أيضًا مباشرةً. فهناك أبعاد زمنية وجمعية لهذه الأفعال، وطبيعتها العامة ليست من غير عواقب؛ والحال أنّ الأداء يتأثّر بالهدف الإستراتيجي الرامي إلى إبقاء الجندر في إطاره الثنائي المتقابل. إنّ الأداء، إذ يُفهَم من منظور تربوي وتعليمي، يجعل القوانين الاجتماعية صريحة.

(12) See: Victor Turner, Dramas, Fields, and Metaphors (Ithaca: Cornell University Press, 1974); Clifford Geertz, «Blurred Genres: The Refiguration of Thought,» in: Local Knowledge, Further Essays in Interpretive Anthropology (New York: Basic Books, 1983).

يشير غيرتز إلى أنّ النظرية الاجتماعية راحت مؤخّرًا تستخدم الاستعارة المسرحية بطريقتين اثنتين، متعاكستين غالبًا. فمنظ رو الشعائر

مثل فيكتور تيرنر يركّزون على فكرة الدراما الاجتماعية بأنواعها المختلفة بوصفها وسيلة لتهدئة الصراعات ضمن ثقافة من الثقافات

وتجديد التاحم الاجتماعي. ومن جهة أخرى، تركّز مقاربات الفعل الرمزي، المتأثّرة بشخصيات متنوعة تنوّع إميل دوركهايم وكينيث

برك وميشيل فوكو، على الطريقة التي تغدو بها السلطة السياسية ومسائل الشرعية ثيمات وتُحَلّ ضمن حدود معنى مؤدَّى. ويشير

غيرتز نفسه إلى إمكان النظر إلى التوتر على نحو ديالكتيكي؛ فما دراسته التنظيم السياسي في بالي بوصفها «دولة – مسرحًا» سوى

حالة من هذا النوع. ويبدو لي واضحًا، من منظور التناول النسوي الصريح للجندر بوصفه أدائيًا، أنّ تناول له بوصفه شعائريًا يجب

أن يكون متضافرًا مع تحليل للعقوبات والتابوهات السياسية التي يمكن أن يحصل في ظلّها ذلك الأداء أو لا يحصل في المجال

العام خِلوًا من عاقبةٍ عقابية.

صيف   Summer 2018

ليس الجندر، بوصفه فعلً عامًا وأدائيًا، بالخيار أو المشروع الجذري الذي يعكس خيارًا فرديًا فحسب،

لكنه أيضًا لا يُفرَض على الفرد أو يُنقَش لديه، كما يرى بعض ما بعد البنيويين حين يتناولون الذات.

ذلك أنّ الجسد لا يُرقَّش بالسنن الثقافية على نحوٍ سلبي، كما لو كان متلقيًا خاملً لعاقات ثقافية

متعيّنة مسبقًا كليًا. لكن الذوات المجسَّدة ليست أيضًا بالسابقة في الوجود على الأعراف الثقافية التي

تمارس الدلالة من خال الأجساد بصورة أساسية. الممثلون موجودون دومًا على الخشبة، ضمن شروط الأداء. وكما يمكن لسيناريو أن يُؤدَّى بطرق مختلفة، وكما تحتاج المسرحية إلى النصّ والتأويل، كذلك يقوم الجسد المُجَنْدَر بدوره في فضاء جسماني مقيَّد ثقافيًا ويؤدّي التأويات في حدود التوجيهات

الموجودة مسبقًا. على الرغم من أنّ الصات بين الدور المسرحي والدور الاجتماعي معقدة ولا يسهل التمييز بينهما (يشير بروس ويلشاير إلى حدود هذه المقارنة في كتابه لعب الأدوار والهوية: حدود المسرح بوصفه استعارة)، يبدو واضحًا أنّ الأداءات الجندرية في السياقات غير المسرحية محكومة بأعراف اجتماعية

عقابية وتنظيمية أشدّ وضوحًا منها في السياقات المسرحية، مع أنّ الأداء المسرحي يمكن أن يجتمع

مع الرقابة السياسية والنقد المرير. والحال أنّه يمكن لمرأى متخنّث على المسرح أن يبعث على المتعة والتصفيق في حين يمكن لمرأى المتخنّث نفسه في مقعد الحافلة المجاور أن يبعث على الخوف والغضب وحتى العنف. فمن الواضح أنّ الأعراف التي تتوسّط القرب والتماهي في هاتين الحالتين

مختلفة تمامًا. وأودّ أن أطلق قولين مختلفين بخصوص هذا التمييز المتردد. ففي المسرح، «ليس هذا سوى تمثيل»، وهو ينزع واقعية التمثيل، ويجعل الفعل شيئًا مميزًا تمامًا مما هو واقعيّ. وبسبب هذا

التمييز، يمكن للمرء أن يحافظ على إحساسه بالواقع إزاء هذا التحدي المؤقت لافتراضاتنا الكيانية (الأنطولوجية) القائمة في شأن الترتيبات الجندرية؛ إذ تتيح شتّى الأعراف التي تعلن أنّ «هذه ليست سوى مسرحية» رسم حدود صارمة بين الأداء والحياة. أما في الشارع أو الحافلة، فيغدو الفعل خطيرًا،

إذا ما فُعِل، لأنّه ما من أعراف مسرحية لترسم حدود الطابع التخيّلي المحض لهذا الفعل. والحال أنّه

ما من افتراض مسبق في الشارع أو الحافلة بأنّ الفعل يختلف عن الواقع؛ وينبع التأثير المقلق للفعل من أنّه ليس ثمة أعراف تيسّر إجراء هذا الفصل. صحيحٌ أنّ ثمة مسرحًا يحاول أن ينازع، بل أن يحطّم

تلك الأعراف التي تفصل الخيالي عن الواقعي (وهذا ما يوضحه ريتشارد شيكنر أشدّ الوضوح في كتابه بين المسرح والأنثروبولوجيا). لكن المرء يواجه في هذه الحالات الظاهرة ذاتها، أعني أنّ الفعل لا يتناقض مع الواقعي، بل يكوِّنواقعًا هو واقعٌ جديد بمعنى ما، صيغة للجندر لا يمكن احتواؤها في المقولات الموجودة مسبقًا التي تنظّم واقع الجندر. ومن منظور تلك المقولات القارّة، قد يرغب المرء

في القول: لكن، هذا في الواقع هو فتاة أو امرأة، أو إنّ هذه في الواقعصبيّ أو رجل، عاوةً على أنّ

المظهر يناقض واقع الجندر، وأنّ الواقع المميّز والمألوف موجود حتمًا، على نحوٍ ناشئ حديثًا، أو غير

(13) Bruce Wilshire, Role–Playing and Identity: The limits of Theatre as Metaphor (Boston: Routledge and Kegan Paul,

(14) Richard Schechner, Between Theatre and Anthropology (Philadelphia: University of Pennsylvania Press, 1985), See especially: «News, Sex and Performance,» pp. 295–324.

مقالة في الظاهراتية والنظرةي النس:و الأفعال الأدائية وتكوين الجندر

متحقق مؤقتًا، أو ربما متحقق في أزمنة أخرى أو أمكنة أخرى. لكن المتخنّث يمكن أن يفعل ما يزيد على التعبير عن التمييز بين الجنس والجندر، فيتحدى، ضمنيًا على الأقل، ذلك التمييز بين المظهر

والواقع الذي يبني قدرًا كبيرًا من التفكير الشعبي في الهوية الجندرية. وإذا ما كان الأداء ذاته هو الذي

يكوِّن «واقع» الجندر، فما من لجوء إذًا إلى «جنسٍ » أو «جندرٍ» جوهري وغير متحقق يعبّر عنه الجندر

ظاهريًا. الحال أنّ جندر المتخنّث واقعي تمامًا مثل أيّ امرئ يمتثل أداؤه للتوقعات الاجتماعية. الواقع الجندري أدائيّ على النحو الذي يعني، بكلّ بساطة، أنّه ليس واقعيًا إلا بقدر ما يُؤدّى. ويبدو

من الإنصاف القول إنّ ضروبًا معينة من الأفعال عادةً ما تُؤوَّل على أنّها تعبّر عن جوهر جندري أو

هوية جندرية، وأنّ هذه الأفعال إما أن تمتثل لهوية جندرية متوقَّعة أو تنازع ذلك التوقّع على نحو من الأنحاء. ويستند ذلك التوقّع، بدوره، إلى تصوّر للجنس، يُفهَم فيه هذا الأخير على أنّه معطى من

الخصائص الجنسية الأولية متميّز وواقعة من الوقائع. وهذه النظرية الضمنية والشعبية التي ترى أن

الأفعال والإيماءاتتعبّر عن الجندر تشير إلى أنّ الجندر ذاته شيء سابق على شتّى الأفعال والوَضْعَات

والإيماءات التي يُضفى بها الطابع الدرامي عليه ويُعرَف؛ والحال أنّ الجندر يبدو للخيال الشعبي أنّه

الازمة الروحانية أو السيكولوجية للجنس البيولوجي. ولكن إذا لم تكن خصائص الجندر تعبيرية بل أدائية، فإنّ هذه الخصائص تعمل بصورة فاعلة على تكوين الهوية التي يقال إنّها تعبّر عنها أو

تبرزها. والتمييز بين التعبير والأداء حاسم تمامًا؛ ذلك أنّه إذا ما كانت خصائص الجندر وأفعاله، أي

تلك الطرائق المختلفة التي يُظهر الجسد من خالها دلالاته الثقافية أو يُنتجها، أدائيةً، لا يكون عندها

ثمّة هوية موجودة مسبقًا يمكن أن يُقاس عليها فعلٌ أو خاصية ما؛ لا يكون ثمة أفعال للجندر حقيقية

أو زائفة، واقعية أو مشوّهة، ويتكشّف افتراض هوية جندرية صحيحة على أنّه تخييل منتظم. وما يعنيه

خلق الواقع الجندري من خال أداءات اجتماعية مستدامة هو أنّ الأفكار والتصورات ذاتها عن جنس جوهري، عن ذكورة أو أنوثة حقّة، هي أيضًا مكوَّنة تكوينًا بوصفها جزءًا من إستراتيجية يُخفى من

خالها الجانب الأدائي للجندر. لا يمكن، بالنتيجة، فهم الجندر على أنّه دور يعبّر عن «ذات» داخلية أو يموّهها، سواء جرى تصور

تلك «الذات» على أنها مُجنَّسة أم لا. وبوصفه أداءً هو أدائيّ، فإنّ الجندر هو «فعل» مفهوم على نحو

عريض وواسع، يبني التخييل الاجتماعي الخاص بداخله السيكولوجي. وبخاف وجهة نظر إرفنغ غوفمان التي تطرح ذاتًا تتخّذ «أدوارًا» شتّى وتتبادلها ضمن التوقعات الاجتماعية المعقدة ل «لعبة»

الحياة الحديثة، أشير من جهتي إلى أنّ هذه الذات ليست «خارجية» على نحو لا رجعة فيه فحسب، إذ تُكوَّن في خطاب اجتماعي، بل إنّ نسبةَ داخلٍ إليها هي في حدّ ذاتها شكل منظّم ومقرَّر على الملأ

(15) Esther Newton, Mother Camp (Englewood–Cliffs, N.J.: Prentice–Hall, 1974).

تقدّم هذه الأنثروبولوجية إثنوغرافيا مدينية حول من يتزيّون بزيّ النساء تشير فيها إلى أنّ كلّ جندر يمكن أن يُفهم على غرار هؤلاء؛

Suzanne J. Kessler & Wendy McKenna, Gender: An Ethnomethodological Approach (Chicago: University of Chicago Press, 1978).

يرى هذان الكاتبان أنّ الجندر هو «إنجاز» يتطلب مهارات بناء الجسد وتحويله إلى صنيع بارع مشروع.

(16) See: Erving Goffmann, The Presentation of Self in Everyday Life (Garden City: Doubleday, 1959).

صيف   Summer 2018

من أشكال اختاق الجوهر. لا يمكن لضروب الجندر، إذًا، أن تكون حقيقية ولا زائفة، لا واقعية

ولا ظاهرية. ومن ثمَّ، فإنّ المرء مضطر إلى أن يعيش في عالم تكوّن فيه ضروب الجندر دوالًّ

أحادية المعنى، يكون فيها الجندر وطيدًا، مستقطبًا، ويُجعَل متميزًا وعنيدًا. والحال أنّ الجندر يُقام

ليمتثل لنموذج من نماذج الحقيقة والزيف لا يتعارض مع سيولة أدائه فحسب، بل يخدم أيضًا سياسة اجتماعية في تنظيم الجندر وضبطه. وأداء المرء جندره على نحو خاطئ يُطلق مجموعة من العقوبات

الواضحة وغير المباشرة على السواء، في حين أنّ أداءه على نحوٍ حسن يوفّر الطمأنينة التي مفادها أن ثمّة جوهرانية للهوية الجندرية في النهاية. وما السهولة التي يمكن أن ينزع بها القلق هذه الطمأنينة، وما

السهولة التي تعاقب بها الثقافة أولئك الذين يخفقون في أداء وهم الجوهرانية الجندرية أو تهمشهم، سوى عامة كافية على أنّ ثمة معرفة اجتماعية على مستوى ما بأنّ حقيقة الجندر أو زيفه مفروضان اجتماعيًا وليسا ضرورتين كيانيتين (أنطولوجيتين) بأيّ حال من الأحوال.

ثالثًا: النظرية النسوية، أبعد من نموذج تعبيري للجندر

لا تطرح هذه النظرة إلى الجندر نظريةً شاملةً حول ما هو الجندر أو طريقة بنائه، كما أنّها لا تصف برنامجًا سياسيًا نسويًا صريحًا. والحال أنّ بمقدوري أن أتخيّل هذه النظرة إلى الجندر وهي تُستخدَم

في عدد من الإستراتيجيات السياسية المتناقضة. قد يخطّئني بعض أصدقائي على هذا ويصرّون على

أنّ لأيّ نظرية في تكوين الجندر افتراضات مسبقة ونتائج سياسية، وأنّ من المستحيل فصل نظرية من

نظريات الجندر عن فلسفةٍ سياسية من فلسفات النسوية. وأنا أوافق على هذا، بالفعل، وأرى أنّ مصالح سياسية في المقام الأول هي ما يخلق ظاهرة الجندر الاجتماعية ذاتها، وأنّه من دون نقد جذري لتكوين الجندر لا بدّ أن تخفق النظرية النسوية في تدقيق الطريقة التي يبني بها الاضطهاد المقولات الكيانيّة

(الأنطولوجية) التي يتم من خالها تصوّر الجندر. وسبق لغاياتري سبيفاك أن رأت أنّ النسويات في

حاجة إلى الاعتماد على جوهرانية عملية، أو نوع من الأنطولوجيا الزائفة التي تنظر إلى النساء كي تقدّم برنامجًا سياسيًا نسويًا. وهي تعلم أنّ مقولة «النساء» ليست معبّرة تمامًا، وأنّ تعددية المرجع وتفاصَله

يهزآن بأحادية معنى العامة ويتمردان عليها، لكنها تشير إلى أنّ من الممكن استخدامها لأغراض إستراتيجية. وتشير كريستيفا إلى شيء مماثل، في اعتقادي، حين وجب على النسويات استخدام مقولة النساء بوصفها أداةً سياسيةً من دون نسبة أيّ كلّية كيانية (أنطولوجية) إلى المصطلح، وتضيف أنّه

((1(دوالّجمع دالّ. ومن المعروف أنّ أحد مبادئ سوسور الأساسية أنّ اللغة تُرى على أفضل وجه بوصفها نظام ع مااات، إذ

تُعرَّفالعلامة بأنها ارتباط اعتباطيّ في جوهره بيندالّومدلول. والدالّهو صورة صوتية أو مكافئها الكتابي، أمّا المدلول فهو مفهوم.

وحين نتعلّم لغةً ما فإنّ ما نتعلّمه هو هذا القِرَان الاعتباطيّ لصورٍ صوتية ومفاهيم. ومن الواضح هنا التعامل مع الجندر كما تتعامل

الألسنية مع دالّلغوي. (المترجم)

(18) See: Michel Foucault’s edition of: Herculine Barbin, The Iournals of a Nineteenth Century French Hermaphrodite (Introduction, Michel Foucault), Richard McDougall (trans.), (New York: Pantheon Books, 1984).

إذ تجد عرضًا لافتًا لما تثيره الأجساد البينيّة الجنس من رعب. يوضح تقديم فوكو أنّ التحديد الطبّي للجنس الأحادي المعنى هو

بَعْدُ تطبيق عنيد آخر لخطاب الحقيقة، بوصفها، هوية. انظر أيضًا عمل روبرت إدغ رتن في American Anthropologist حول تنوّع

الارتكاس حيال الأجساد الخنثوية بتنوع الثقافات. (((1 ماحظات على مركز الإنسانيات، جامعة ويسليان، ربيع.1985

مقالة في الظاهراتية والنظرةي النس:و الأفعال الأدائية وتكوين الجندر

لا يمكن القول إنّ ثمة وجودًا للنساء، بالمعنى الدقيق للكلمة. ولعلّ النسويات يقلقن أشدّ القلق حيال النتائج السياسية المترتبة على القول إنّه لا وجود للنساء، لا سيما في ضوء الحجاج المقنع الذي تقدّمه ماري آن وارِن في كتابها قتل أبناء الجندر الواحد. فهي ترى أنّ السياسات الاجتماعية المتعلقة بضبط النسل وتكنولوجيا التكاثر مرادٌ لها أن تحدّ من وجود النساء، وأن تجتثّهن كليًّا في

بعض الأحيان. إزاء مثل هذا الكام، فإنّ على النسويات، في شأن النزاع حول المكانة الميتافيزيقية للمصطلح، ولأسباب سياسية واضحة ربما، أن يخمدن هذا النزاع تمامًا. لكن استخدام المصطلح ومعرفة قصوره الكيانيّ (الأنطولوجي) شيء وتقديم رؤية معيارية لنظرية

نسوية تحتفي بجوهرٍ، أو طبيعةٍ، أو واقعٍ ثقافي مشترك لا يمكن إيجاده شيء آخر مختلف تمامًا.

والخيار الذي أدافع عنه ليس إعادة توصيف العالم من وجهة نظر النساء. وأنا لا أعرف ما هي وجهة النظر هذه، لكنها مهما تكن، فهي ليست بمفردها، ولستُ بمعتنقتها. وليس سوى نصف الصواب أن أزعم بأنّني مهتمة بالكيفية التي تكوّنت فيها ظاهرة وجهة نظر الرجال أو النساء؛ ذلك أنّني في حين أرى

أنّ وجهتَي النظر هاتين مكوّنتان اجتماعيًا، بالفعل، وأنّ من المهم أن نتتبّع سلسلة النسب (الجينالوجيا)

الخاصة بكلّ منهما، فإنّ ما يهمّني كشفه، أو تفكيكه، أو إعادة بنائه في المقام الأول ليس الإبستيم

الجندريّ. والحال أنّ افتراض مقولة المرأة ذاتها افتراضًا مسبقًا هو ما يقتضي جينالوجيا نقديّة للوسائل

المؤسسية والخطابية المعقدة التي تكوّنتْ هذه المقولة من خالها. وعلى الرغم من أنّ بعض نقّاد

الأدب النسويين يشيرون إلى أنّ افتراض الاختاف الجنسي مسبقًا ضروري لكلّ خطاب، فإنّ هذا الموقف يشيّئ الاختاف الجنسي بوصفه اللحظة المؤسِّسة للثقافة، ولا يحول دون تحليل الكيفية

التي تكوّن بها الاختاف الجنسي بدايةً فحسب، بل يحول أيضًا دون تحليل الكيفية التي تكوّن بها

باستمرار، سواء من خال التقاليد الذكورية التي تجهض وجهة النظر الكلّية أم من خال تلك المواقف النسوية التي تبني مقولة «النساء» أحادية المعنى باسم التعبير عن طبقة خاضعة، بل باسم تحريرها. وكما قال فوكو عن تلك الجهود الإنسانوية الرامية إلى تحرير الذات المُجرَّمة، فإنّ الذات المحرَّرة هي

بَعْدُ أشدّ رَسْفًا في الأغال مما اعتُقِد في الأصل. من الواضح، مع ذلك، أنّني أتصور أن تتكئ جينالوجيا الجندر النقديّة على مجموعة من الافتراضات

المسبقة الظاهراتية، أهمّها التصور الموسَّع ل «الفعل» الذي يراه أنّه مشترك اجتماعيًا ومكوَّن تاريخيًا

في آنٍ معًا، كما يرى أنّه أدائيّ بالمعنى الذي سبق أن وصفته. لكن الجينالوجيا النقدية تحتاج إلى أن

تُستكمل بسياسات للأفعال الجندرية الأدائية، سياسات تعمد في آنٍ معًا إلى إعادة تعريف الهويات الجندرية الموجودة وتقديم رأي توجيهيّ في نوع الواقع الجندريّ الذي يجب أن يكون. وتحتاج

إعادة التوصيف إلى أن تكشف ضروب التشييء التي تعمل ضمنيًا بوصفها أنْوِية أو هويات جندريةَ

(20) Julia Kristeva, «Woman Can Never Be Defined,» Marilyn A.August (trans.), in: Elaine Marks & Isabelle de Courtivron (eds.), New French Feminisms (New York:Schocken, 1981). (21) Mary Anne Warren, Gendercide: The Implications of Sex Selection (New Jersey: Rowman and Allanheld, 1985). (22) Ibid.; Michel Foucault, Discipline and Punish: The Birth of the Prison , Alan Sheridan (trans.) (New York: Vintage Books, 1978).

صيف   Summer 2018

جوهرية، وإلى أن توضح كلً من الفعل وإستراتيجية الإنكار التي تكوِّن الجندر كما نعيشه وتخفيه في آنٍ معًا. والتوجيه أكثر صعوبة على الدوام، أقلّه لأننا في حاجة إلى التفكير بعالمٍ لا تعبّر فيه الأفعال والإيماءات والجسد المرئي والجسد الابس والخصائص البدنية المتنوعة التي عادةً ما تُقرَن بالجندر، عن أي شيء. وبمعنى ما، فإنّ التوجيه ليس طوباويًا، لكن قوامه ضرورة الإقرار بما يتّسم به الجندر من تعقيد حاليّ لا تني مفرداتنا تموّهه، وضرورة دفع ذلك التعقيد إلى تفاعل ثقافي محتدم من دون

عواقب عقابية. لا شكّ في أنّ تمثيل النساء يبقى مهمًا سياسيًا، شرط القيام بذلك بطريقة لا تشوّه، ولا تشيّئ، ذلك

الجمع ذاته الذي يُفترض بالنظرية أن تحرره. ومن الواضح أنّ النظرية النسوية التي تفترض مسبقًا أنّ الاختاف الجنسي هو نقطة الانطاق النظرية الضرورية والثابتة، تتفوق على تلك الخطابات الإنسانوية التي تخلط بين الكلّي والذكوري وتتملّك الثقافة برمّتها بوصفها ملكية ذكورية. صحيحٌ أنّه من الضروري إعادة قراءة نصوص الفلسفة الغربية من شتّى وجهات النظر التي جرى استبعادها، كي لا نكشف منظورًا معينًا ومجموعة المصالح التي تملي ما يوصَف به الواقعيّ من توصيفات شفافة في

الظاهر فحسب، بل أيضًا كي نقدّم توصيفات وتوجيهات بديلة؛ بل كي نرسّخ الفلسفة ممارسةً ثقافية،

وكي ننتقد مبادئها من مواقع ثقافية مهمَّشة. وأنا لستُ على خاف مع هذا الإجراء، وقد أ فَدْتُ بوضوحَ من تلك التحليات. وشاغلي الوحيد هو ألّ يغدو الاختاف الجنسي تشييئًا يُبقي الهوية الجندرية من غير قصد في قيدها الثنائي ويُبقي على توصيف الجندر والهوية الجندرية والتوجّه الجنسي في إطار جنسي غيريّ ضمنيًّا. ليس ثمّة في الأنوثة، من وجهة نظري، ما ينتظر التعبير عنه؛ وثمّة، من جهة

أخرى، قَدْرٌ كبير مما يتعلق بتجارب النساء المختلفة جرى التعبير عنه ولا يزال في حاجة إلى مثل هذا

التعبير، مع حاجةٍ إلى الاحتراس في ما يخصّ تلك اللغة النظرية، لأنّها لا تقتصر على الإباغ عن تجربة ما قبل لغوية، بل تبني تلك التجربة فضلً عن حدود تحليلها. ومهما يكن الطابع المنتشر الذي يَسِمُ البطريركية وسيادة الاختاف الجنسي بوصفهما تمييزًا ثقافيًا فاعلً ومرعيًّا، فإنّه ما من شيء متعيّن

أو معطى مسبقًا في شأن النظام الجندري الثنائي. والجندر بوصفه حقلً جسمانيًا للعب الثقافي، هو

شأنٌ إبداعي مبتكَر في الأساس، على الرغم من الوضوح التام بصدد العقوبات الصارمة على منازعة النصّ بالأداء خارج الدّور أو بالارتجال غير المبرر. ليس الجندر منقوشًا على الجسد بصورة سلبية، ولا تحدده الطبيعة، أو اللغة، أو الرمزي، أو تاريخ البطريركية الطاغي. الجندر هو ما يُوضع، دومًا،

في القيد، يوميًا وعلى نحوٍ متواصل، مع القلق واللذة، لكن إذا ما حُسِب خطأ أنّ هذا الفعل المتواصل

معطى طبيعي أو لغوي، جرى التخلّي عن السلطة لتوسيع المجال الثقافي جسديًا من خال أداءات هدّامة من شتّى الضروب.

(((2 يشير «الرمزي» هنا، كما أحسب، إلى مفهوم «الرمزي» أو «النظام الرمزي» عند المحلل النفسي الفرنسي جاك لاكان الذي يرى أنّ حالات الكينونة تنتقل من «الخيالي» إلى «الرمزي» إلى «الواقعي»؛ أي من مرحلة أو شرط لا يكون الطفل فيهما قادرًا على التمييز

بينه وبين العالم الخارجي، إلى بنية عاقات اجتماعية وجنسية وأدوار متعينة مسبقًا تؤدي فيها اللغة دورًا كبيرًا، إلى الواقعي الذي هو

«الاممكن» وغير القابل للتصور والذي لا يمكن الوصول إليه بأيّ وسيلة. (المترجم)

مقالة في الظاهراتية والنظرةي النس:و الأفعال الأدائية وتكوين الجندر

المراجع

References

Anne Warren, Mary. Gendercide: The Implications of Sex Selection. New Jersey: Rowman and Allanheld, 1985. Barbin, Herculine. The Iournals of a Nineteenth Century French Hermaphrodite. (Introduction, Michel Foucault). Richard McDougall (trans.). New York: Pantheon Books, 1984. Benhabib, Seyla & Drucila Cornell (eds.). Feminism as Critique. London: Basil Blackwell,.1987 Butler, Judith. «Variations on Sex and Gender: Beauvoir’s The Second Sex.» Yale French Studies. no. 172 (1986). De Beauvoir, Simone. The Second Sex. H. M. Parshley (trans.). New York: Vintage,

Foucault, Michel. Discipline and Punish: The Birth of the Prison , Alan Sheridan (trans.). New York: Vintage Books, 1978. Foucault, Michel. The History of Sexuality: An Introduction , Robert Hurley (trans.). New York: Random House, 1980. Geertz, Clifford. Local Knowledge, Further Essays in Interpretive Anthropology. New York: Basic Books, 1983. Goffmann, Erving. The Presentation of Self in Everyday Life. Garden City: Doubleday,

Kessler, Suzanne J. & Wendy McKenna. Gender: An Ethnomethodological Approach. Chicago: University of Chicago Press, 1978. Kristeva, Julia. Histoire d’amour. Paris: Editions Denoel, 1983. Levi–Strauss, Claude. The Elementary Structures of Kinship. Boston: Beacon Press,

Marks, Elaine & Isabelle de Courtivron (eds.). New French Feminisms. New York: Schocken, 1981. Merleau–Ponty, Maurice. The Phenomenology of Perception. Colin Smith (trans.). Boston: Routledge and Kegan Paul, 1962. Newton, Esther. Mother Camp. Englewood–Cliffs, N.J.: Prentice–Hall, 1974. Reiter, Rayna R. (ed.). Toward an Anthropology of Women. New York: Monthly Review Press, 1975. Schechner, Richard. Between Theatre and Anthropology. Philadelphia: University of Pennsylvania Press, 1985. Turner, Victor. Dramas, Fields, and Metaphors. Ithaca: Cornell University Press, 1974. Wilshire, Bruce. Role–Playing and Identity: The limits of Theatre as Metaphor. Boston: Routledge and Kegan Paul, 1981.