العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الكفاح من أجل إقامة الدولة في الأردن: الأصول الاجتماعية للتحالفات في الشرق الأوسط

الكفاح من أجل إقامة الدولة في الأردن: الأصول الاجتماعية للتحالفات في الشرق الأوسط

The Struggle for the State of Jordan: The Social Origins of Alliances in the Middle East

حاتم الصرايرة | Hatem Alsarairah *

الملخّص

ا لعنوان الأصلي : The Struggle for the State of Jordan: The Social Origins of Alliances in the Middle East. المؤلف : جيمي ألينسون .Jamie Allinson الناشر: .I.B.Tauris & Co. Ltd . مكان النشر: نيويورك ولندن. سنة النشر : 2015 . عدد الصفحات : 185 صفحة.

Abstract

. I.B.Tauris & Co. Ltd.

The Struggle for the State of Jordan: The Social Origins of Alliances in the Middle East.

الكلمات المفتاحية:
  • القوى القبلية
  • الخاوة
  • الأفندية
  • دول الجنوب
  • المعونة البريطانية
Keywords:
  • Tribal Forces
  • al-Khawa
  • Effendis
  • States of the South
  • British Aid

العنوان الأصلي:

المؤلف: جيمي ألينسون Jamie Allinson. الناشر:

مكان النشر: نيويورك ولندن. سنة النشر: عدد الصفحات: 185 صفحة.

يتألف كتاب جيمي ألينسون من ستة فصول وخاتمة. قام المؤلف في المقدمة بتحليل العاقات الإقليمية لدول الشرق الأوسط، والظروف التي أحاطت ببناء الدولة في (دول الجنوب)، متخذًا الأردن خال الفترة 1957–1950 نموذجًا للدراسة. فقد كان عقد الخمسينيات تحديدًا من الفترات الأشد تعقيدًا وتشابكًا في تاريخ الأردن. وقد ركّز المؤلف، في دراسته للتجاذبات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي شهدتها المنطقة، على الصراع بين القوى الفاعلة، والتي انطلقت من رؤى اجتماعية متباينة في توجهاتها تأسيسًا على الاختاف القائم في إرثها الاجتماعي؛ إذ اتخذ من نظرية تروتسكي المعروفة ب «التنمية غير المتوازنة والمشتركة»، وإسهامات جوستين روزنبرغ المتعددة حول هذه النظرية، والعديد من المؤلَّفات التي تناولت هذه النظرية، قاعدةً لفهم ظروف منطقة الشرق الأوسط عمومًا، وإسهامات هذه الظروف في بناء الدولة الأردنية الحديثة خصوصًا. ولعل من المفيد هنا فهم نظرية «التنمية غير المتوازنة والمشتركة»، وهي ضمن المفاهيم الماركسية لوصف ديناميكية العالم لتاريخ البشرية؛ فقد استخدم هذه النظرية في الأصل ليون تروتسكي لدراسة الثورة الروسية (الثورة البلشفية عام 1917)، والمستقبل المحتمل للنظام القيصري في روسيا. ويقصد تروتسكي بهذا المفهوم وصف نمط السمة التطورية في التوسع عالميًا عن طريق الإنتاج الرأسمالي ابتداءً من القرن السادس عشر وذلك من خال نمو السوق العالمية التي كانت تربط الشعوب والأراضي معًا على نحو أكبر من خال التجارة والهجرة والاستثمار. وكان تركيز تروتسكي قد انصبّ، في البداية، على تاريخ الإمبراطورية الروسية، حيث أهم التطورات العلمية والتقنية المتقدمة. وتتلخص هذه النظرية على نحو عام ومختصر، كما يمكن أن يستنتج من اسمها، في دور العناصر والقوى الاجتماعية المختلفة في بناء الدولة؛ إذ تركّز على ضرورة تجميع المشترك من عناصر القوى المختلفة على الرغم من عدم تساويها في الأهمية والتأثير في بناء الدولة الواحدة.

سيادة الدولة في المجتمعات البدائية

يتعرض ألينسون في مقدمته بشيء من العمومية للظروف الداخلية والإقليمية والدولية التي رسمت معالم السياسة الأردنية، ومدى تأثير تلك العوامل في قرارات القيادة الأردنية في خلق نوع من التوازن للتحالفات الداخلية والإقليمية والدولية، والدور الذي اضطلعت به تلك الظروف في التمحور السياسي في الأردن، والذي اضطرت النخبة السياسية بموجبه إلى القفز على «الثوابت» في كثير من الأحيان. كما قارن ألينسون بين دول الجنوب ودول الشمال في عقد تحالفاتها. وركّز على حاجة النخب الحاكمة في دول الجنوب إلى هذه التحالفات أكثر من حاجة المجتمعات إليها. فقد كان هاجس هذه النخب في دول العالم الثالث (دول الجنوب) هو الأمن أكثر من بناء الدولة نفسها. ويذكر ألينسون أن عدم الكفاءة في إدارة الدول وتنافس مراكز القوى في دول الجنوب، والتي غالبًا ما تمتلك مشروعيةً أقوى من الأنظمة الحاكمة نفسها، قد جعل التدخل الخارجي أمرًا محتمًا ومطلوبًا من النخب الحاكمة في كثير من الأحيان. ومع أنّ السياسة هي لعبة التوازنات بين المصالح المتضاربة والمتنافسة، فإنّ ذلك ليس في قاموس دول الجنوب التي عادة ما تقوم النخب الحاكمة

فيها على خلق نوع آخر من التوازنات الداخلية بطرق سلمية واسترضائية، تخدم مصالحها أكثر من حرصها على خدمة شعوبها. فمن وجهة نظر ألينسون، واعتمادًا على مجموعة من الدراسات المنتقاة، فإنّ الدول الواقعة في جنوب الكرة الأرضية تعاني أشكالً متعددة من القصور، لا تتحقق معها شروط نشوء الدولة وعواملها وتطورها، ومن هنا تلجأ هذه الدول إلى الدعم الأجنبي للمساعدة في الوصول إلى تثبيت ركائز الحكم والدولة عمومًا. وبهذا، فهو يستحضر نظرية تروتسكي التي تثبت فكرة عالمية النظام الرأسمالي، من حيث شموليته وتأثيره في كل أنحاء العالم، بدلً من النموذج الاجتماعي غير الثابت في مسيرته وغير المستقر في رؤيته للأمور؛ إذ وقفت هذه النظرة عقبة في وجه وصول هذه الدول إلى أهدافها، وأدت الاختافات الاجتماعية دورًا بارزًا في عدم تبنّي هذه الدول أصولً ثابتة وراسخة تساعد على قيام الدولة الحديثة كالمؤسسات الاقتصادية والسياسية المتمثلة بالأحزاب، والاجتماعية المتمثلة بمنظمات المجتمع المدني، وهي عادة ما تكون غائبة أو مغيّبة عن القيام بأي دور محوري في دول الجنوب. وأرى شخصيًا أنّ مثل هذه المقارنة لا تتسم بالإنصاف؛ لأنها لا تأخذ في الاعتبار عدم التماثل في الحالتين، ففي دول الشمال مكّنت الثقافة السياسية والأعراف الديمقراطية الراسخة الشعوب من تجاوز غير المتوازن إلى المشترك لإقامة الدولة وإدامتها وفق الأسس الديمقراطية التي تستند إلى شرعية صناديق الاقتراع. وهذا لا ينطبق على شعوب دول الجنوب التي كانت القوة هي العنصر الأساسي والوحيد في انخراطها في مفهوم الدولة الريعية. وإذا استطاعت النخب السياسية في دول الجنوب إدخالَ مفاهيم مشتركة للجمع بين القوى المتفاوتة، كالأمن والوطنية والسيادة، فقد بقيت هذه المفاهيم لفظية وغير مقنعة للشعوب، خاصة بعد أن ترجم الحكّام هذه المفاهيم لفائدة بقائهم على رأس السلطة، بغضّ النظر عن توافر عناصر الشرعية من عدمها، وهي شرعية بكل الأحوال قامت على التحالف بين السياسة والعسكرتاريا وأصحاب المصالح الضيقة.

العلاقات الاجتماعية ونظرية التنمية غير المتوازنة والمشتركة

أسهب ألينسون في الفصل الثاني في توضيح الإطار النظري لمفهوم التنمية غير المتوازنة والمشتركة، والخوض في إشكالية العاقات الاجتماعية المختلفة بين الشعوب، والتعريف بالمفاهيم الأساسية لعاقة الخاوة Khuwwa والرأسمالية. ويقترح هذا الفصل أنّ نظرية التنمية غير المتوازنة والمشتركة تهتم بالطابع المتنوع والمتعدد الرؤى والوسائل للتنمية. ويركّز على وضع تعريف للتنمية، بوصفها عاملً متغيرًا في العاقات الاجتماعية، ويرمز إليها بوصفها أسلوب إنتاج، ويحدد عدم التوازن في انتشار هذا المتغير زمانيًا ومكانيًا، وبهذا يتولد تراكم أكبر للقوة الإنتاجية. ويمضي هذا الفصل في تعريف المشترك بين الأفراد بالتفاعل النسبي لأنواع مختلفة من العاقات الاجتماعية للإنتاج، وعلى وجه الخصوص تلك التي تمّ إنتاجها من الطبيعة العالمية للعاقات الرأسمالية. واعتمد ألينسون في توضيحه هذا على الكثير من الأعمال التي استلهمت رؤى الأنثروبولوجيا الماركسية كأعمال بيير فيليب ري، وكاوو ميلوكوس. ويناقش

ألينسون عملية التحول للعاقات الاجتماعية والتقائها بالرأسمالية العالمية من خال المعونة التي قدّمتها الحكومة البريطانية للأردن، والتي مثّلت المفتاح لفهم التحولات الاجتماعية في الأردن وتحالفاته الاحقة. ويكمن إسهام ألينسون في هذا الصدد، في تقريبه لفهم عملية التراكم الأولي، بوصفها أساسًا جوهريًا لأشكال النضال السياسي في مرحلة ما بعد الاستعمار، ومن خال توسع العاقات الرأسمالية في قلب هذا الإطار النظري. كما أوضح ألينسون مدى تفاعل النماذج الرأسمالية لانتزاع الفائض من العاقات الاجتماعية المحلية، وهو يرى أن مفهوم التنمية غير المتوازنة والمشتركة يضع منهجًا واضحًا للنضال الاجتماعي والسياسي الذي شهدته المنطقة. ويضيف أنّه ليس ضروريًا أن يصل التراكم البدائي إلى مفهوم العمل الحر في الأسواق الرأسمالية، ولكنه قد يتفاعل مع عوامل اجتماعية أخرى لإنتاج تكوين اجتماعي مشترك. وهذه هي الحالة السائدة في طبيعة تكوين الأردن؛ فأصول تكوينها الجيوسياسي كان بتأثير بناء خارجي للعاقات الاجتماعية للقوى الرعوية التي اعتمد اقتصادها على الخاوة، والذي تمّ إنهاؤه بفعل الاستعمار البريطاني وقبلها الإصاحات العثمانية. ناقش ألينسون استغال القوى الكبرى لمقوماتها الاقتصادية والتنظيمية والعسكرية في خلق بيئة متوافقة مع رؤيتها في دول الجنوب وذلك لتسهيل السيطرة عليها باسم التطور والحداثة. في الفصل الثالث، ناقش ألينسون الأصول التي قام عليها الانتقال الاجتماعي في الأردن؛ فواصل إثارة النقاش حول طبيعة العاقات المجتمعية التي سبقت دخول الرأسمالية، بعنوان «المعونة البريطانية»، إلى الأردن. ويرى أنّ هذه العاقات قد تجسدت بوضوح أكبر من خال الخاوة، التي يؤخذ بموجبها الإنتاج الزائد بالقوة عن طريق إكراه البدو للفاحين بدفع الفائض من إنتاجهم خاوةً مقابل عدم الاعتداء. ويناقش الفصل كيف كان للبدو أفضلية على سكان المناطق المستقرة، استطاعوا بموجبها أن يرغموهم على دفع الخاوة. وأسهب هذا الفصل في الحديث عن جذور المحاولات العثمانية لإبطال مفهوم الخاوة وإجراءاتها ونتائجها؛ وذلك عن طريق إصاحات إدارية واقتصادية فُرضت على الدولة العثمانية، بسبب ما أصبح الغرب يمثّله من تهديد للدولة العثمانية في مناطق نفوذها، وجاءت هذه الإصاحات على شكل فرمانات عرفت بالتنظيمات التي تمثّلت بخطَّي شريف كلخانة وهمايون عامَي 1839 و 1854 على التوالي. ويرى ألينسون أنه على الرغم من أنّ هذه الإصاحات كانت ذات عاقة مباشرة بالسياسة العثمانية ومصالحها الاقتصادية في المنطقة، فإنّها تمثل تطبيقًا لنظرية «التنمية غير المتوازنة والمشتركة»، أ رغمت عليها الدولة العثمانية لأسبابُ خارجية تتعلق بالتفوق الغربي في المجالين الجيوسياسي والعسكري للغرب على الدولة العثمانية. وقد حرم هذا التفوق الدولة العثمانية من الكثير من مداخيل موازنتها المالية، التي تقلصت تدريجيًا بفعل الامتيازات التي منحتها الدولة العثمانية للقوى الغربية، وعلى رأسها توقيع اتفاقية التجارة الحرة مع بريطانيا عام.1832 ومن هنا، يرى ألينسون أنّ محاولة الدولة العثمانية هزيمة المشروع القبلي الذي اعتمد على الخاوة كان لمصلحة الاستقرار السياسي والإداري عن طريق الإصاحات المتعلقة بتسجيل الأراضي، والتي جعلت ملكيتها محصورة في الراغبين

والقادرين على الاستفادة منها. ومن ناحية أخرى، قامت الدولة العثمانية بإدخال معامل اجتماعي جديد تَمثّل بتوطين الشركس والشيشان في الأردن. وكان لتسجيل الأراضي بأسماء هذه الفئة دور في تحفيز القبائل البدوية كالعدوان وبني صخر إلى المبادرة بتسجيل أراضيهم بأسمائهم، وكان لقيام والي دمشق بإرسال حمات عسكرية ضد العدوان وبني صخر ترجمة عملية من الدولة العثمانية لإرغام هذه القوى القبلية على التخلي عن وظيفتهم الاقتصادية القديمة المتمثلة بالخاوة، والانخراط في وظيفة اقتصادية جديدة توفّر للدولة موارد ثابتة من ضريبة الأراضي. وتجدر الإشارة هنا إلى أن ألينسون بالَغ في حجم هذه الإصاحات وتأثيرها في البنية الاجتماعية الأردنية. والحقيقة أنّ هذه الإصاحات كانت متفاوتة في نجاحها من مكان إلى آخر، ففي الوقت الذي كان لها تأثير مباشر وملموس في شمال الأردن؛ وذلك بسبب تبنّي الدولة العثمانية لمفهوم الأمن الشامل في هذه البقعة؛ نجد أن تأثيرها بقي ضعيفًا أو غير ملموس في الجزء الجنوبي من الباد، بسبب الإهمال الواضح في الإجراءات العثمانية. وذلك لتخوّف الدولة العثمانية من أنّ يكون لفرض رؤيتها الإصاحية على القوى القبلية تأثير سلبي في أمن الحجاج وسامتهم، المارّين بمناطق تلك القوى من جهة، وكون السيطرة على تجمعات سكانية دائمة الانتقال أمرًا غير واقعي وغير ممكن من جهة أخرى. فضلً عن أن الإجراءات العثمانية ببناء خط سكة الحديد الحجازي الذي بدأ العمل به عام 1908 قد كان له أثر واضح في الموقف العدائي الذي اتخذته القوى البدوية في جنوب الأردن من الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى؛ إذ عملت مجموعات كبيرة من هذه القوى تحت إمرة لورنس العرب لتفجير قضبان خط سكة الحديد الحجازي وسحبها.

القوة العسكرية الأردنية: الموطن والجذور الاجتماعية

ناقش ألينسون في الفصل الرابع أهمية تأسيس القوة العسكرية ودورها الأساسي في الانتقال الاجتماعي، وفقًا لمفهوم نظرية التنمية غير المتوازنة والمشتركة وخيارات الاصطفاف الظرفية التي ظهرت لاحقًا في خمسينيات القرن الماضي. كما تعمّق في دراسة التغيرات الدراماتيكية التي شهدها الأردن في حقبة الثاثينيات؛ تلك الفترة التي شهدت تراجعًا اقتصاديًا كبيرًا ومؤثرًا في المكوّن القبلي في الأردن نتيجةً لأمرين، هما: الكساد الاقتصادي العالمي الكبير في ثاثينيات القرن الماضي، وتراجع الغزو القبلي على الحدود مع نجد. عزا ألينسون قبول البدو الانخراط في «قوة البادية» التي أنشأها غلوب باشا إلى مشكلة الفقر التي تم من خالها دمج القبائل البدوية في الجهاز الرسمي للدولة، لتكون عمادًا للدعم الذي تلقّاه النظام الهاشمي فيما بعد، فضلً عن دور هذه القوات في عملية بناء الدولة الأردنية وتطورها بعد دمج النظام الريعي القائم على الخاوة في النظام الرأسمالي العالمي الذي أدخلته بريطانيا بوصفها قوة انتداب من خال المعونة المالية البريطانية التي كانت تقدّمها للقوى العسكرية المختلفة والتعويضات التي دفعتها للبدو في فترة الركود الاقتصادي.

وهكذا يرى ألينسون أنّ التحول الاجتماعي الذي حدث في الأردن، تحت سلطة الانتداب وقبلها تحت سلطة الدولة العثمانية، كان يهدف إلى تحويل المجتمع البدوي غير المنضبط إلى مجتمع يساهم في التنمية الشاملة في الأردن، وتحويله من طبقة اجتماعية منغلقة على نفسها إلى طبقة اجتماعية منسجمة مع محيطها الاجتماعي المستقر من جهة، ومؤمنة بمفهوم المساهمة في بناء الدولة الحديثة من جهة أخرى. وفي هذا الصدد، قارن الباحث بين المجتمعين الأردني والعراقي لتشابه ظروفهما؛ إذ وقعا تحت سلطة المستعمر نفسه، بريطانيا. وخلص إلى القول إنّ الطبقية الاجتماعية غير المتوازنة في العراق، على عكس ما كانت في الأردن، كان لها تأثير في الصراع الذي حملت لواءه المؤسسة العسكرية التي انقلبت على النظام الحاكم ونجحت في العراق، في حين فشلت في الأردن لكون المنخرطين من العناصر البدوية في القوة العسكرية في الأردن كانوا من المجموعات المتدينة والبسيطة، وكانوا أقل فسادًا ومثّلوا تربة غير صالحة للدعاية الشيوعية، ومن هنا كانوا أشد ارتباطًا بالنظام الذي نسب نفسه إلى الرسول. ومما تجدر الإشارة إليه هنا أنّ مساهمة ألينسون في إضاءة هذا الجانب كانت قاصرة عن فهم الواقع الذي عاشه البدو في تلك الفترة والظروف التي دفعتهم إلى الانخراط في سلك الجندية موظّفين رسميين بعد أن كانوا يرفضون ذلك من قبل؛ فالتركيز على الكساد الاقتصادي العالمي، بوصفه سببًا لقبول القوى البدوية الانخراط في سلك الجندية في الأردن، يُجانب الحقيقة. ولا أرى رابطًا قويًا بين حالة البدو المعيشية والكساد الاقتصادي العالمي؛ فنحن لا نتحدث عن اقتصاد يقوم على الزراعة أو التجارة أو الأسواق المالية، وإنما على الرعي والخاوة والغزو. وقد تجاهل ألينسون السبب الرئيس لتغيير القوى البدوية موقفها في قبول دخول الجندية، وهو يتمثل بالانضباط واحترام الوقت والطاعة العمياء، وهي تمثّل أكبر تحدٍ لأشخاص اعتادوا نمط حياة وأعرافًا أقل انضباطًا. ولعلّ السبب الرئيس الذي أجبر هذه القوى القبلية كان يتعلق بالدرجة الأولى بالدور السلبي الذي مثّلته قوة حدود شرق الأردن الإمبريالية التي أنشأتها بريطانيا عام 1926، ووظفتها على الحدود الأردنية ومنها الحدود الجنوبية منذ عام 1928؛ إذ كان لاحترام بريطانيا تعهداتها لآل سعود، بموجب اتفاقية «حداء» الموقّعة عام 1925 بين الحكومة البريطانية وكيلً عن إمارة شرق الأردن وحكومة نجد، آثار مدمرة في اقتصاد البدو في الجزأين الجنوبي والشرقي من الأردن. وكان لالتزام بريطانيا منع أيّ تعديات أو غزو قبلي في اتجاه قبائل نجد انطاقًا من أراضي شرق الأردن، في الوقت الذي عجزت فيه قوة حدود شرق الأردن عن حماية قبائل الأردن من غزوات القبائل النجدية، نتائج كارثية على اقتصاد البدو في الأردن. فقد أخلّت هذه الإجراءات بالتوازن الاقتصادي الذي يقوم على الغزو والغزو المعاكس بين القبائل على طرفَي الحدود، لدرجة أصبحت القبائل الأردنية مقتنعة بتآمر الحكومة البريطانية مع آل سعود عليها من ناحية. ومن ناحية أخرى، كان للجفاف الذي ضرب الأردن، لسنوات عدة في ثاثينيات القرن الماضي، دور بارز في المعاناة التي عاشتها القوى البدوية؛ إذ نفق معظم ما تبقى من مواشيهم بعد أن فقدوا أكثر من نصفها في الغارات النجدية. ورغم التردد في بداية الأمر، فإنهم قبلوا الانخراط في قوة البادية التي كوّنها غلوب باشا في جنوب الأردن

عام 1930، بعد أن أكسبه تعاطفه مع قضيتهم احترامًا كبيرًا بين أوساط البدو، وإقناعهم بأنّ قوة البادية ستتولى مسؤولية حماية أراضيهم بدلً من قوة حدود شرق الأردن الإمبريالية، والتي بلغ العداء بينها وبين قبائل الأردن حدًا خطيرًا هددت بموجبه القبائل الأردنية حكومة الانتداب وحكومة الإمارة بتغيير ولائها والانتقال إلى نجد إذا ما استمر الحال على ذلك.

حلف بغداد: الصراع على مراكز القوة في الأردن

في الفصل الخامس، تحدّث ألينسون عن الصراع الذي أحدثه حلف بغداد، والذي مثّل نقطة تحول في التحالفات الأردنية الاحقة؛ إذ شهد الأردن في هذه الفترة ظهور مجموعتين، إحداهما تُمثّل المجموعات المؤيدة للشيوعية والمدعومة من الاتحاد السوفياتي وأطلق عليها ألينسون مسمى «الأفندية»، وأخرى كانت ترى مصلحتها مرتبطة بالوجود البريطاني الذي وفّر لها الانتقال من حياة البداوة إلى طبقة اجتماعية مثّلت القوة العسكرية في الأردن، وأدّت دورًا مهمًا في التوازن الذي استندت إليه القيادة الأردنية في تحالفاتها وعاقاتها بين المعسكرين. فقد شهدت الفترة 1958–1955 ما يشبه الحرب الباردة، شملت القوى الإقليمية المحيطة بالأردن خارجيًا والقوى الفاعلة في الداخل. وعلى النقيض من بريطانيا وحليفتها بغداد وبعض القوى الداخلية المؤمنة بالوجود البريطاني الذي بدأ في التهاوي بعد الحرب العالمية الثانية، تقف القوى المناهضة لاستعمار ويتزعمها جمال عبد الناصر في مصر. مثّلت طبقة الأفندية عامل ضغطٍ داخلي على النظام، وكانت قادرة على تثوير الشارع الأردني ضد حلف بغداد، باعتباره تكريسًا للتبعية للمعسكر الغربي الإمبريالي، وما أحدثه من إشكالات وتفتيت للوحدة العربية بتبنّيه مشروع الدولة الإسرائيلية. وقد كان من الصعب على أيٍّ من المسؤولين في الدولة الأردنية، في خضمّ هذا الجدل والتظاهرات والاجتماعات، دعم توجّه الأردن إلى الانخراط في حلف بغداد. ولتخفيف الضغط، قام الملك حسين بخطوة جريئة تمثّلت بطرد غلوب والضباط البريطانيين، وهو ما عرف بتعريب قيادة الجيش العربي في الأول من آذار/ مارس 1956، مع الإبقاء على المعونة البريطانية بموجب ملحق المعاهدة البريطانية – الأردنية لعام.1948 في الفصل السادس، واصل ألينسون متابعة الشأن الأردني بين عامَي 1957–1955؛ إذ كان العدوان الثاثي (بريطانيا، وفرنسا، وإسرائيل) على مصر سببًا في إلغاء النظام الأردني للمعاهدة البريطانية – الأردنية، والتي كان الأردن يتلقّى بموجبها معونة مالية ثابتة من الخزينة البريطانية تربطه بالاقتصاد الرأسمالي العالمي. وقد أسهب ألينسون في هذا الفصل في توضيح استخدام نظرية التنمية غير المتوازنة والمشتركة وتطبيقاتها على التحالفات الجيوسياسية في الأردن ما بعد الاستعمار، وعلى رأس ذلك رغبة الولايات المتحدة في أخذ دور بريطانيا، بوصفها لاعبًا رئيسًا في الشرق الأوسط، وذلك لضمان الاستقرار وتدفق النفط إلى العالم الغربي. كما تعرض ألينسون لانقاب الفاشل الذي قام به الضباط الأحرار أو ما كان يُعرف بالطبقة المثقفة والمسيّسة، والتي أطلق عليها اسم «الأفندية»، ضد النظام الهاشمي في الأردن عام

1957. وقد أدّى ذلك إلى طرد رئيس الوزراء ذي الميول الشيوعية، وإنهاء المعونة البريطانية، وإحال المعونة الأميركية المقدّمة تحت شعار مبدأ أيزنهاور لاحتواء المد الشيوعي في المنطقة. وقد كانت هذه الخطوة ردًا على المعونة العربية التي وُعِدَ الأردن بها بدلً من المعونة البريطانية، ولكنها لم ترَ النور بسبب الشروط التي غلّفتها، والرغبة في استخدامها لجرّ الأردن إلى المعسكر الشرقي بدلً من المعسكر الغربي. وأرى هنا أنّ الخطوة التي قام بها الملك حسين بطرد الضباط البريطانيين وتعريب قيادة الجيش، ومع أنها فُهمت في حينها على أنها انتصار للحلف الموالي لمصر على الحلف الموالي للغرب، فإنّه تبيّن لاحقًا عكس ذلك؛ فقد أراد الملك حسين بذلك سحب البساط من تحت أقدام القوى اليسارية التي ناهضت دخول الأردن في حلف بغداد. ففي الوقت الذي ألغى فيه النظام الأردني المعاهدة البريطانية – الأردنية، والتي كان يتلقّى بموجبها دعمًا ماديًا، رفض المعونة العربية كونها كانت على حساب السيادة الأردنية. ومن هنا يجب فهم توجّه القيادة الأردنية إلى الانضمام إلى مشروع أيزنهاور المناهض لانتشار الشيوعية، وهذا ليس له إلا معنى واحد وهو أنّ الطبقة المثقفة «الأفندية» التي أعطاها ألينسون حجمًا يفوق قدرتها على التغيير لم تكن بالصورة التي أبرزها، وإلا لما تمكَّن الملك حسين من المغامرة بالتوجه ثانية إلى الغرب. وهذا دليل واضح على أنّه كان مدركًا ومتأكدًا بأنّها ظاهرة صوتية فحسب، على الرغم من نجاحها في تأليب الرأي العام في المدن خاصة؛ كون القرى والأرياف والبادية تقطنها مجتمعات متدينة، حيث كان طرح طبقة الأفندية للرؤى السياسية اليسارية لا يائم القيم الدينية لهذه الفئات الاجتماعية. في خاتمة الكتاب تعرض ألينسون لنظرية التنمية غير المتوازنة والمشتركة، وكيف يمكن أن تزودنا بفهم عميق للمسارات الاجتماعية التي وقفت خلف التحالفات الجيوسياسية للأردن خال فترة الذروة والصراع في خمسينيات القرن الماضي، وكان تحليله لا يرتكز على مفهوم واحد في كل الأحيان. ويرى ألينسون أنّ نظرية التنمية غير المتوازنة والمشتركة قدّمت نوعًا متميزًا من القاعدة الاجتماعية للهاشميين وخصومهم، والتي ارتبطت جوهريًا بالطريقة التي اندمجت بموجبها العاقات الاجتماعية في النظام الرأسمالي العالمي بصفة أساسية عن طريق المعونة البريطانية. ويمكننا القول إنّ الناس يصنعون تاريخهم، ولكن في ظروف ليس من اختيارهم، وهذه الظروف يمكن الإشارة إليها على أنّها (مشتركة ومتفاوتة) في آنٍ معًا. وقد جهد ألينسون في إثبات أنّ نظرية التنمية غير المتوازنة والمشتركة، بوصفها ظاهرة تاريخية استقرائية لبعض المفاهيم الماركسية، قد قدّمت تفسيرًا يسهم في معرفة الجذور التاريخية والاجتماعية لتشكّل الدولة (في دول الجنوب.) ويفترض ألينسون أنّ المعونة البريطانية التي حلّت مكان الخاوة في الاقتصاد البدوي قد مثّلت آلية «الاشتراك»، وأنتجت نوعًا من العاقة العمودية بين التكوين الاجتماعي البدائي في الأردن واقتصاد الرأسمالية العالمية. ويتساءل ألينسون في خاتمة كتابه: هل من الممكن أن توفر نظرية التنمية غير المتوازنة والمشتركة طريقًا للخروج من هذه الورطة؟ ويجيب عن ذلك بالإيجاب؛ تأسيسًا على تاريخ الدول القائمة وتجاذباتها وتعاماتها في المنطقة. وبعبارة أخرى، فإنّ التباين

الاقتصادي بين المجتمعات الرعوية والقوى الرأسمالية كبير جدًا، وفي حين يمثّل الأول قمة الفوضى يعبّر الثاني عن قمة التنظيم. ولعل هذا ما جعل ألينسون يعتقد أنّ حقن الاقتصاد الرعوي البدائي في الأردن إبان تشكيل الدولة بلُقاح الرأسمالية قد أوجد نوعًا من انعدام التوازن الاجتماعي في البداية لدى الفئة التي تلقّت هذه المعونة؛ وتلخّص هذا الإشكال في رغبة هذه المجموعة (القوى البدوية) في السير على خطى التقدّم مع الحفاظ على تراثها وتقاليدها من دون مساس. وهذا ما تمّ التعبير عنه في حينها بإطاق وصف «فتيات غلوب» Girls Glubbs على قوة البادية التي أنشأها غلوب باشا في ثاثينيات القرن الماضي؛ وذلك بسبب رفضهم قصّ شعورهم الطويلة لتتاءم مظاهرهم مع الوظيفة الجديدة التي أصبحوا يمثلونها وهي الجندية، وما تعنيه من انضباط في الأداء والمظهر. وبمرور الزمن أصبحت هذه القوة أكثر القوى العسكرية فاعلية في الساحتين المحلية والإقليمية؛ إذ ساعدت بريطانيا في عملياتها ضد حكومة فيشي الفرنسية في سورية، وضد انقاب رشيد عالي الكياني في العراق سنة 1941، كما كانت القوة الحاسمة في الحفاظ على جزء عزيز من فلسطين عام 1948. وقد مثّلت لاحقًا العمود الفقري للجيش العربي الذي أصبح من أكثر الجيوش تنظيمًا في المنطقة، وكانت له مساهمة فعّالة وتأثير واضح في تطور المجتمع الأردني لاحقًا. وتكفي الإشارة هنا إلى أنّ القوات المسلحة الأردنية كانت رائدة في مجالين مهميّن، هما: تعليم المهن لكثير من أبناء الشعب الأردني، ونشر التعليم بين أبناء القبائل التي كانت تتخذ من البادية موطنًا لها.

إشكالات الدراسة: الرؤى والمآلات

في نهاية هذا التحليل، لا بد من التعرض لمسارين في الكتاب قيد العرض. يتعلق الأول بالمعلومات الواردة في هذا الكتاب وقيمتها من حيث الجدة والفائدة العامة للقارئ؛ ففي هذا المجال، اجتهد ألينسون في عرض الواقعين السياسي والاجتماعي اللذين أفضيا إلى قيام الدولة في الأردن بطريقة لا تخلو من الإبداع مع التشديد على محدودية إضافتها إلى المكتبة التاريخية والسياسية الأردنية؛ إذ لم يضف ألينسون كثيرًا إلى من سبقه من حيث الأصالة. ولعل ما يؤخذ على ألينسون إهماله الكبير لأهم مصدرين للمعلومات عن الانتقال الاقتصادي والاجتماعي والتحالفات الجيوسياسية في الأردن باستثناء بعض الإشارات التي مثّلت البيئة الحاضنة لقيام الدولة الأردنية لاحقًا، وأقصد هنا الأرشيف العثماني في إسطنبول، والوثائق البريطانية المودعة في مكتب السجات المدني في لندن. وهما مصدران لا غنى عنهما لأي باحث يريد فهم الواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي للأردن قبل نشوء الدولة؛ فنحن نتحدث عن تاريخ يمتد على 430 عامًا، بدءًا من الحكم العثماني عام 1516 وانتهاءً باستقال الأردن عام 1946. أما المسار الثاني، فيتعلق بتطبيقات نظرية التنمية غير المتوازنة والمشتركة على الواقع العربي بوجه عام والأردني بوجه خاص، لدرجة يشعر معها القارئ بأنّ المؤلف مفتون بها حد الهوس، وأنّ كثيرًا من تطبيقاتها على الواقع الأردني، خاصة فيما يتعلق بالتحولات الاجتماعية والاقتصادية في غير محلها، وقد دأب ألينسون على حشر مفردات هذه النظرية مثل التنمية وعدم التوازن والاشتراك في مواقع غير منسجمة مع هذه النظرية.

وقد شعرت وأنا أقرأ في كثير من محطات الكتاب أنّ المؤلف أصبح أسيرًا لفرضيته في إمكانية تطبيق هذه النظرية على التجربة الأردنية مع الاختاف الجوهري بين الواقع الأردني بخاصة والعربي بعامة من جهة، وبيئة هذه النظرية الخصبة في دول الشمال من جهة أخرى. فالمنهج الرأسمالي اقتصاديًا والديمقراطي سياسيًا، لديه المرونة في الاستفادة من المشترك بين القوى الاجتماعية وتجسير المختلف أو غير المتوازن بينها عن طريق مؤسسات منظمة تدفع في اتجاه الاستفادة

المراجع

Alsarairah, Hatem. A British Actor in the Bedouin Stage: Globb in Jordan 1930–1956.

Glubb, John Bagot. A Soldier with the Arabs. London: Hodder and Stoughton, 1957.

من كل طاقات المجتمع المنظم في دولٍ يمثّل الفصل بين السياسة والاقتصاد والبعد الاجتماعي فيها مبدأ أساسيًا من مبادئ الحكم، ولكل منها مؤسساته التي تدفع في اتجاه إنجاحه وفق إطار قانوني وعمل ممنهج. وهذا يختلف جذريًا عن واقع دول الجنوب التي يختلط فيها ما هو اجتماعي بما هو سياسي واقتصادي، وتحكمها نخب تجمع عناصر القوة بيدها وتوظفها للبقاء على هرم السلطة بغضّ النظر عن مشروعية بقائها من عدمها.

References

Amman: The National Library, 2001.

Lawrence, Thomas Edward. Seven Pillars of Wisdom. London: 1983.