العودة إلى تفاصيل المؤلَّف ثورة اجتماعية: السياسة ودولة الرفاه في إيران

ثورة اجتماعية: السياسة ودولة الرفاه في إيران

A Social Revolution: Politics and the Welfare State in Iran

فاطمة الصمادي | Fatima Alsmadi *

الملخّص

ا لعنوان الأصلي: A Social Revolution: Politics and the Welfare State in Iran . المؤلف: كيفان هاريس Kevan Harris . سنة النشر: 2017 . الناشر: جامعة كاليفورنيا. عدد الصفحات: 381 صفحة. *

Abstract

Author: Kevan Harris. Publisher: University of California. Year of publication: 2017. No. of pages: 381.

الكلمات المفتاحية:
  • الثورة الإسلامية الإيرانية
  • الرعاية الاجتماعية
  • صراع النخب
  • التغيير الاجتماعي
Keywords:
  • Iranian Islamic Revolution
  • Social Welfare
  • Elite Conflict
  • Social Change

العنوان الأصلي: المؤلف: كيفان هاريس Kevan Harris. سنة النشر: الناشر: جامعة كاليفورنيا. عدد الصفحات: 381 صفحة.

في هذا الكتاب الذي يستحق أن يوصف ب  «الرصين»و «الأكاديمي»، يناقش كيفان هاريس، الأستاذ المساعد في علم الاجتماع بجامعة كاليفورنيا، في لوس أنجلوس، مسار التنمية في إيران، من خال الاحتكام إلى السياق العام للثروة والرفاه والرعاية الاجتماعية، وفق نظريات الاقتصاد العالمي، مع تأطير وسياسي لا تقف نظريات علوم الاجتماع فلسفي والسياسة بعيدة عنه. وضلاِمن هذه المقاربة، يختلف الصعود والهبوط في المسار الاقتصادي الإيراني عما شهدته غالبية الدول المتوسطة الدخل خال العقود الخمسة الماضية، ومع ذلك، فإن هناك كثيرًا من المعطيات التي تؤكد خصوصية التجربة الإيرانية. لهذا الكتاب عددٌ من نقاط القوة؛ قد يكون من أهمها المنهجية التي اتبعها هاريس، والتي استندت إلى الجهد الميداني، وهو ملمح غائب التي تُنشَر حول إيران عن معظم الدراسات والكتب عمومًا، وفي العالم العربي خصوصًا. قام هاريس بحثية عدة بجمع المعلومات من خال زيارات لإيران في الفترة 2011–2006، شملت مؤسسات الرعاية الاجتماعية في عدد من المحافظات على امتداد إيران؛ فقد أقام الباحث في مدنها فترات أجرى خالها مقابات معمقة مع مسؤولين سابقين وعاملين في قطاعات العمل، والرعاية الاجتماعية، ووزارة الإسكان، ومؤسسة الإمام الخميني للإغاثة، ومخطِّطي الرعاية الاجتماعية في مؤسسات الرعاية في القرى، وشبكة الرعاية الصحية، ومؤسسة الضمان الاجتماعي، فضل عن مقابات مع علماء اجتماع إيرانيين وخبراء اقتصاديين، مع مراجعة وتوظيف للكثير مما نُشر في الصحف والدوريات الإيرانية، مسجلِّ عينه ماحظة جوهرية مفادها أن إيران التي رآها بأم مختلفة عن تلك التي قرأ عنها في الصحف، وعن تلك التي صوَّرها الإعام (ص. 37) ما يفعله هاريس، ولعلها إحدى الإضافات الحقيقية التي يقدمها الكتاب، أنه يقدم معلومات وزوايا جديدة في دراسته لتأثيرات المسار في نشأة مؤسسات الرعاية الاقتصادي في إيران الاجتماعية وعملها، ذلك المسار الذي بدأ في شكل ركود اقتصادي في «دولة تركض سريعًا وتبقى في المكان نفسه»؛ إذ لا تخبرنا المواد المتاحة على هذا الصعيد، خصوصًا في اللغات غير الفارسية، إلا عن تغيرات اجتماعية وسياسية قليلة في إيران ما بعد الثورة. لذلك، يلجأ هاريس إلى دراسة سياسات الرعاية الاجتماعية بوصفها مدخل فعَّالً على هذا الصعيد، على نحو يتجاوز الدولة الريعية التي تتسم بالغياب النسبي نظريات من الدول الشرق أوسطية لنظام الضرائب في كثير (ص. 67)–45 منظومة الرفاه والرعاية في دراسته التي تغطي الاجتماعية في الجمهورية الإسامية، يعود هاريس إلى دراسة الفترة البهلوية في عهدَيها، تحت حكم كل من رضا شاه (ص 84–68) ومحمد رضا شاه (ص 95–85)؛ إذ كانت المؤسسة الرئيسة المهتمة بالسياسة الاجتماعية في ظل الموهيَلكية، «مؤسسة الأمان الاجتماعي»، تقوم على نظام

المؤسساتية الموجَّهة نحو الرعاية الاجتماعية الطبقات المهنية والعمالية الرسمية. ويرى هاريس أن هذه الآلية أوجدت منطقين (ص. 104) ساهما في إنتاج الحالة الاحتجاجية ضد نظام الشاه، هما: – أولً: ضغط الجماعات المعبأة من الأدنى التي شملت المثقفين القوميين، والحركات اليسارية، والطبقات الوسطى، والعمال الصناعيين، وأخذت في الاتساع، ودفعت المَلكية البهلوية لتنفيذ سياسات الرعاية الاجتماعية في دولة قومية مؤلَّفة حديثًا. – ثانيًا: قيام نخب الدولة بتوظيف عملية بناء الرعاية الاجتماعية في شكل إستراتيجية حُكم؛ من أجل دمج طبقات جديدة، بوصفها كوادر في مشروع تكنوقراطي لبناء الدولة وتحديثها؛ لتشكِّل منافسًا للنخب التقليدية الحزبية والثقافية التي اتخذت مواقف معارضة للنظام، وهذا ما يتضح من إطاحة حكومة مصدق، وما أعقبها من أحداث. تبلورت، نتيجة لتلك المطالَبات بحدودها الدنيا، منظمات الرعاية الاجتماعية التي خاطبت بالفعل اهتمامات جماهيرها المادية والاقتصادية. أما جهود الرعاية الأخرى التي قامت بها دولة الشاه؛ مثل إصاح ملكية الأراضي، والصحة الريفية، والتعليم، فقد جاءت نتيجة التجريب من الأعلى إلى الأدنى أكثر من كونها نتيجة لضغط اجتماعي (ص. 109) إن إحدى النتائج الرئيسة لتلك الجهود كانت عملية الانتقال الطبقي التي شملت قطاعات واسعة من المجتمع الإيراني، بما فيها تلك المصنفة بوصفها قطاعات تقليدية؛ مثل الفاحين، وتجار المدن، والمهاجرين، والمؤسسة الدينية متوسطة المستوى. وقد أدى الشكل الضيق للسياسة النخبوية في الفترة المَلكية البهلوية، التي اتسمت بوجود مجموعات متنازعة تحت حكم الشاه، إلى تشجيع النخب المتنافسة لتوسيع نظام الرعاية الاجتماعية؛ من أجل استقطاب فئات اجتماعية أخرى، لتكون قواعد زبائنية (ص. 290). وقادت الرؤية القومية لإيران، ومستلزمات أن تكون عضوًا في نادي الدول الغنية، وحاجتها إلى وضع أولويات معينة لاقتصاد والسياسة الاجتماعية، إلى المبالغة في إبراز نجاح دولة بهلوي وقوتها. وقد خدعت هذه المبالغة المراقبين فيما يتعلق بصدق تعبير هذه السياسات عن نفسها، وصدق بنيتها الاجتماعية؛ إذ تعرضت هذه السياسات مرارًا للإفساد، أو إعادة التوجيه، أو استغال مجموعات داخل النظام في صراعها ضد مجموعات أخرى (ص. 90)–87 ويرى المؤلف أن ثورة 1979 كانت مزيجًا من تعبئة تلك الفئات الاجتماعية التي عزَّزها نظام الرعاية الاجتماعية لبهلوي؛ مثل طاب الجامعات، والمهنيين الرسميين، والعمال الصناعيين، والموظفين الحكوميين؛ فضلً عن تعبئة الفئات التي رأت نفسها مستبعَدة من ذلك النظام، وهي المسماة الجماعات التقليدية في المجتمع. إن محركات بناء الدولة الحديثة ضمن المَلكية البهلوية أدت إلى تسييس المشاركين في هذا التصاعد التعبوي، إلا أن شرائح مختلفة من المجتمع الإيراني كانت تحمل رؤى مختلفة للنظام الاجتماعي الحديث. وكانت أحداث عامَي 1979–1978، بدرجة عالية، نزاعًا بين نخب الدولة الأقوياء والمعارضة المسيسة حول ما يجب أن يتضمنه هذا النظام، والفئات التي عليه أن يشملها (ص. 111)

في الفصل الثالث من الكتاب، يناقش هاريس ما يُعَنونه «خلق دولة رعاية الشهداء» (ص. 112)؛ إذ لم يكن من السهل بعد الثورة إعادة السيطرة على هذه الموجة العارمة من التعبئة الاجتماعية. وكانت المطالب ترتفع مجددًا من القاعدة إلى الأعلى في اتجاه الدولة. رافق ذلك أن دخلت الجمهورية الإسامية سريعًا في عزلة جيوسياسية فرضتها عليها القوى العظمى، وعانت قيودًا اقتصادية على مصدر دخلها الرئيس (ص. 143)، وخاضت حربًا ضد العراق شكلت أزمة وجودية. ولمواجهة الضغوط التي فرضتها هذه الأحداث المتزامنة، اضطرت نخب الدولة إلى الالتفات إلى الداخل، وتعبئة السكان من أجل الدفاع وبناء المؤسسات وحماية الحدود (ص. 123) استجاب المايين من الإيرانيين لدعوات الدولة، وشارك الإيرانيون بأشكال مختلفة، خال سنوات الحرب، في المؤسسات العسكرية، وفي المنظمات الثورية التي انتشرت في أرجاء الدولة. وعملت المايين الأخرى من السكان على تسيير أمورها ببساطة، باعتبار وقائع ضرورات زمن الحرب، والشعارات الساخنة لمؤيدي الدولة الذين كانوا يعتقدون أن المؤامرات المضادة للثورة لا تتوقف. ومع ذلك، لم يكن بقاء الدولة الجديدة يعتمد على الأيديولوجيا أو المواعظ أو القسر أو الكاريزما فقط؛ إذ كان يجب توفير وعود بشيء ما في المقابل (ص 131–130). ونتيجة لاختاط الضغوط الاجتماعية، ووعود الدولة والنخب الجديدة المتصارعة، نشأ مُركَّب الرعاية الاجتماعية لمؤسسات السياسة الاجتماعية. إن مكونات «دولة الشهداء» تلك غريبة جدًّا بالنسبة إلى المراقبين الغربيين. وعلى سبيل المثال، فإن المؤسسات المانحة (بنياد) التي انخرطت في مهمات الرعاية الاجتماعية والإنتاج الاقتصادي على حد سواء، صرفت الأنظار عن المنظمات التي كانت تستخدمها قطاعات واسعة من المجتمع الإيراني وهمَّشها نظام رفاهية الشركات الذي ساد في زمن المَلكية. ووفر النظام الجامعي المتسع فرصًا جديدة للأفراد أصحاب المؤهات الثورية المكتسَبة حديثًا. ووفَّرت لجنة إمداد الإمام الخميني الخيرية – وهي مؤسسة تعمل من أجل التخفيف من حدة الفقر – المساعدات لأسر المسنِّين، وللأمهات الأرامل، أو اللواتي لا أزواج لهن، ولعائات المهاجرين (ص. 147)–145 وانتشر نظام عيادات الرعاية الصحية الأوَّلية في أنحاء الريف، وقام بتدريب العاملين المحليين في المجال الصحي لتوفير الاحتياجات الصحية لقطاع واسع من المجتمع. وحتى المؤسسات المانحة المشهورة، مثل «مؤسسة الشهيد»، وفَّرت الرعاية والدخل لقدامى المحاربين المعوقين ولأسرهم الممتدة (ص. 154). ويعتقد هاريس أن هذه ابتكارات مؤسساتية لم تكن موجودة فعليًّا قبل الثورة، وأنها أسهمت في إعادة توفير السلع، وعودة الإنتاج الاجتماعي للأسر، ووفَّرت سبل للعيش. وقد حلَّت شبكات الدولة للرعاية محل أشكال أخرى غير مستقرة من الدعم، مثل القرابة، وشبكات السوق. دفعت ضرورات الحرب الإيرانية – العراقية نخب الدولة الجديدة إلى الاعتماد على التعبئة الشعبية. وشكلت النقاشات حول ضرورات زمن الحرب انقسامات بين النخب في الجمهورية الإسامية.

كما قامت الحرب بمأسسة التعبئة الشعبية من خال الروابط المكوَّنة حديثًا بين الدولة والمجتمع، ووفَّرت أيضًا مساحة لانقسامات الفصائلية، وسَّعت نطاق التنافس النخبوي في تسعينيات القرن العشرين. لقد فرضت الحرب خطابًا معيَّنًا، وثبَّتت خطابًا على حساب آخر. وقدَّم هذا الخطاب الحرب على أنها «حرب بين الحق والباطل»، واستثمر «الاستشهاد» و«عاشوراء»، واتكأ على مفهوم «الجهاد». وفي الوقت ذاته، استفاد من حالة العداء تجاه العراق في التعبئة لنفسه وإقصاء منافسيه. وكما كانت الحرب صانعة للخطاب ومؤثرة فيه، فإن وقفها أوجد الأرضية للدخول في دورة جديدة، ليحل خطاب منافس، يقوم على ضرورة الإعمار، وبناء الاقتصاد، وانفتاح المجتمع، وهي دورة قادها هاشمي رفسنجاني حين اعتمد على فريق اقتصادي من أولئك الذين درسوا في الغرب. وكانت النقاشات والظروف نفسها التي حكمت العقد الأول من عمر الجمهورية الإسامية هي التي أسست لانقسامات التي أخذت بعدًا فكريًّا انعكس أساسًا على دور الدولة، والاقتصاد، والتنمية السياسية والاقتصادية، والمجتمع المدني، والحقوق الفردية. وتجلَّى التجاذب والانقسام في فترة حكم محمد خاتمي، وخصوصًا في الفترة الرئاسية الثانية. ويرى هاريس، في إحدى خاصاته حول هذه القضية، أن ما حدث في إيران يمكن مقاربته وفق ما يحدث عادة في عقب الثورات والحروب؛ ففي إيران، وجد الرجال والنساء أصحاب الخلفيات المهمَّشة والفقيرة فرصًا متاحة، واختاروا في كثير من الأحيان انتهاج حياة تختلف جذريًّا عن حياة آبائهم. لا شك في أن انقاب الأوضاع والتمييز الطبقي اللذين وُجِدا خال اضطرابات الثورة والحرب أضرَّا بالآلاف من العائات التي كانت تتمتع بمستويات معيشة لائقة ما قبل عام 1979، لكن هذه العملية نفسها سمحت للكثيرين الآخرين بانتهاج مسار اجتماعي كان مسدودًا مسبقًا من الآباء المتعجرفين، والنخب المحلِّية، وأصحاب الشهادات المهنية، وموظفي حكومة النظام القديم. وقد أدى الحشد السياسي للثورة والحرب إلى الحشد الاجتماعي الاقتصادي للمايين من السكان الذين التفوا حول مؤسسات الرعاية الاجتماعية الجديدة (ص. 292) وعند انتهاء الحرب ورحيل الخميني، رمز الدولة، صاحب الكاريزما والسطوة، تصارعت النخب السياسية للجمهورية الإسامية حول كيفية مأسسة الثورة؛ وليس ذلك من منظور المؤمنين فقط، بل من منظور العالم بأسره أيضًا. إن إدراك القيود الصعبة لاقتصاد العالمي وقوانين اللعبة ما بعد عام 1989 قاد المزيد من نخب إيران للدفع في اتجاه إعادة تطبيق المعايير والسياسات التكنوقراطية؛ من أجل صياغة دولة تنموية تكون قادرة على إنهاء عسكرة المجتمع التي سادت في أعوام الحرب الثمانية، ولعل الفريق الذي اعتمد عليه رفسنجاني في فترة إعادة البناء مثَّل هذا التوجه. وبحسب بعض السياسيين فإنّ هذا الأمر يُعَد الطريق الوحيدة المؤدية إلى الاستقال الاقتصادي، بينما رأى غيرهم أنه كان طريقة للسيطرة في سياق الصراع الداخلي النخبوي (ص. 292). وبغض النظر عن النيات، فإن نخب ما بعد الثورة جميعها تقريبًا، وهي التي شملت المحافظين الثقافيين الأقوياء والمتطرفين المتوجهين نحو العالم الثالث، توصلت – على مضض – إلى أن النمو الاقتصادي واقتصاد المعرفة هما مفتاحا الحفاظ على المسار الثوري. وتبعًا لذلك، بدأت الدولة في اعتماد الخطط وتطوير مؤسسات الدفع التنموي التي كانت سائدة في زمن مَلكية بهلوي.

يقدم هاريس قراءة متميزة لفترة حكم محمود أحمدي نجاد، ويعتقد أنه لم يقم أحد غير أحمدي نجاد، المؤيد لاسترجاع أيام الثورة الأولى، بالإعان – مرارًا وتكرارًا – أن أحد أهداف سياسة إدارته هو أن تصبح إيران «أكثر الدول تطورًا في العالم»، على نحو يذكِّرنا بوعود محمد رضا شاه بتحويل إيران إلى «القوة الصناعية الخامسة» (ص. 293) تشير إحدى نتائج الدراسة إلى أن المحرك التنموي للجمهورية الإسامية منذ تسعينيات القرن العشرين وما تاها تشابه مع جهود بناء الدولة في حقبة ما قبل الثورة، باستثناء اختاف أساسي واحد؛ هو أن النخبة السياسية العليا في مرحلة ما بعد الثورة كانت أكثر عنادًا وتنافسًا من الدوائر الملَكية الضيقة التي سادت في الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين (ص. 177)–176 وقد مكَّنت هذه الانقسامات الفصائل المعارضة من منع مبادرات النخب الجديدة في الدوائر المختلفة للدولة أو مهاجمتها، مخافة تمكُّنها من حشد قطاعات مختلفة من المجتمع من خال السياسة الجماهيرية. وأدى التداخل بين تنافس النخب والتعبئة الشعبية إلى توسيع نظام الرعاية الاجتماعية الإيراني، ليتجاوز المؤسسات التي ورثها من السبعينيات، وتلك التي ابتكرها في الثمانينيات. وعلى الرغم من أنّ النظامين المَلكي والجمهوري الإسامي كانا سلطويين، وربما اعتمدا على عائدات النفط، فإن كلًّ منهما أنتج نظامًا للرعاية الاجتماعية مختلفًا تمامًا عما أنتجه الآخر (ص. 293). ومع ذلك، لا يمكن التسليم على نحو كامل بالنتيجة التي يعلنها هاريس في هذا المحور، ومفادها أن المنافسة الحزبية في النظام الثاني وفَّرت بقدر كبير سبلً مختلفة للمطالب الاجتماعية للطبقات الدنيا، ولمطالبة هذه الطبقات بأن يكون لها دور في سياسات النخبة. ويمكن القول بأهمية التدافع بين المجموعات السياسية والاجتماعية، الحزبية وغير الحزبية، في إيجاد دفع شامل لسياسة الرعاية الاجتماعية، وبأن هذا الدفع لم يزل قويًّا إلى اليوم؛ على الرغم من الصعوبات الاقتصادية التي تعانيها الجمهورية الإسامية. وعلى الرغم من هذا التوسع الذي شهده نظام الرعاية الاجتماعية في إيران، فإنه لا يمكن تجاهل القيود والمحددات التي تواجهها الجمهورية الإسامية على هذا الصعيد، ولا ينكرها هاريس (ص. 293). ولعل أبرزها ما يلي: – إن التخفيف من الفقر المدقع كان ممكنًا في دولة متوسطة الدخل في حال توافر موارد كافية للمهمة أو امتاك الدافع السياسي لفعل ذلك. في المقابل، كان تخفيف التفاوت الاجتماعي أصعب كثيرًا؛ لأن الدول المتوسطة الدخل تمتلك قطاعات غير رسمية واسعة يصعب على الدولة ضبطها وإدارتها. أما منظمات التأمين الاجتماعي الشركاتية الموجودة في السابق والمنقولة عن نماذج أوروبية، فلم تستطع وحدها تغطية جميع السكان، وذلك على اعتبار أنها تعمل من خال العاقة بين التوظيف الرسمي والعمل المأجور. – إن الفقر المدقع قد تناقص، وسعى مزيد من الناس لإيجاد سبل للصعود، وصار نظام الرعاية الاجتماعية نفسه في كثير من جوانبه أكبر تكلفة وإرهاقًا للدولة؛ فالرعاية الصحية الطويلة الأمد تطلبت موارد أكبر على المستويين المؤسساتي والمادي، مقارنة بالرعاية الصحية الأوَّلية، كما أن التوسع في التعليم نتج منه تخريج مئات الآلاف من الإيرانيين الشباب الذين طالبوا لاحقًا

بوظائف وأوضاع مائمة للشهادات التي حصلوا عليها حديثًا، لكن ذلك كان أكثر مما يستطيع القطاعان الحكومي والخاص توفيره؛ فضل عن إشكاليات صناديق التقاعد التي بدأت باتفاقيات تقاعد سخية، صيغت لتناسب قوة عمل رسمية أصغر. ومع احتمالية تحوُّل المجتمع إلى مجتمع يشيخ، لاحت في الأفق نقطة انعطاف التكلفة التي تفوق قدرة الدولة على الوفاء بها. وفي حين رفعت الطبقات المتوسطة الجديدة توقعاتها تجاه خدمات الرعاية الاجتماعية، فإن هذه القطاعات أجهدت السعة التنظيمية لنظام الرعاية الاجتماعية. – إن الثورات ترفع التوقعات، كما أن دول ما بعد الثورات، خصوصًا تلك التي تمتلك نخبة سياسية على درجة عالية من التنافس ومشروعًا تنمويًّا توسعيًّا، تطلق الوعود التي ترفع من تلك التوقعات أكثر فأكثر. وحينما لا تتجسد هذه التوقعات في الواقع، ويتم إدراك أن رأس المال الثقافي الذي اكتسبه مايين الأفراد من خال المؤسسات التعليمية أثناء العقدين الماضيين أصبح غير ذي فائدة في البيئة الاجتماعية الحالية، فإنّ الكثيرين يصبحون مستعدين لأنْ يكونوا ضد الدولة، ولأنْ يحثُّوا على ذلك، على نحو علني، وذلك من أجل محاسبتها، وهو ما يعزز الحالة الاحتجاجية في دولة مثل إيران. من خال هذه الزاوية، تستحق مقاربة هاريس في قراءة احتجاجات الحركة الخضراء عام 2009 التوقُّف؛ فهو يضعها في سياقات تتجاوز عنوانها السياسي (تزوير الانتخابات، وشعار «أين صوتي؟»). لقد جسدت الاحتجاجات، وفق هذه الرؤية، شكاوى المايين من المشاركين في الحركة الخضراء الوجيزة والقوية في آن واحد، وهي التي شملت مطالبات بالتحول الديمقراطي تداخلت مع مطالبات بالتوزيع المتساوي للموارد الاقتصادية والاجتماعية (ص. 265)؛ فبينما كان المحتجون في عام 2009 ينتمون في أغلبهم إلى الطبقات الوسطى الدنيا والعليا من المجتمع، فإنهم لم يكونوا ضمن الطبقة العليا النخبوية التي صوَّرهم بها معارضو تلك الحركة، بل إنهم، على العكس من ذلك، كانوا إجمالً رجالً ونساءًارتقوا من خال المسارات المؤسساتية للجمهورية الإسامية نفسها، ولكنهم شعروا بأن هناك ما يحول بينهم وبين سبل المعيشة المتوقَّعة التي وُعدوا بها. ومن خال الاحتجاج، كانوا يستعملون القوة الاجتماعية التي اكتسبوها عبر مسار فترة ما بعد الثورة لدفع الدولة في اتجاه التحول الديمقراطي (ص. 279)–270 إن دينامية العاقات بين الدولة والمجتمع التي تم بحثها في هذا الكتاب تتعارض مع التصوير المتداول للرعاية الاجتماعية المتمثل بأنها رشوة استبدادية في نموذج الدولة الريعية. ومن هذا المنظور، فإن تبدّل القوة الاجتماعية خال العقود الخمسة الأخيرة في إيران يمكن وضعه، جنبًا إلى جنب، مع تحولات أوسع للدول متوسطة الدخل خال حقبة ما بعد الاستعمار. تحتاج إحدى النتائج المهمة التي وضعها هاريس في نهاية كتابه إلى نقاش تفصيلي ودراسات ميدانية أخرى، وهي تتعلق بمستقبل إيران؛ فلو بقيت الجمهورية الإسامية قائمة جيلً آخر، أو أزاحها نظام جديد، فإن المناهج الاجتماعية الناتجة من مسارها ما بعد الثورة قد ولدت مجموعة من التناقضات التنموية من شأنها أن تقود الدولة في لحظة ما نحو أحد مسارين: الأول هو مسار ميثاق للرعاية الاجتماعية أكثر إقصاء،ً

وكيان سياسي أكثر استبدادًا وضيقًا؛ والثاني هو مسار تعميم ميثاق الرعاية الاجتماعية، وكيان سياسي أكثر ديمقراطية واتساعًا. وبأخذ انهيار النظام الجيوسياسي القديم في الشرق الأوسط في الاعتبار، يصعب توقع أي المسارين هو أكثر احتمالً، إلا أن عُرف سياسة النزاع داخل إيران، وارتفاع مَدِّ التنافس العالمي الذي نشهده، يوحيان بأن الحركات داخل المجتمع الإيراني ستستمر في الضغط والإجبار وإعادة تشكيل الدولة الإيرانية. وبهذا المعنى الدقيق، فإن التعبئة الشعبية لثورة 1979 ما زالت مستمرة، وهي التي ستشكِّل مشهد إيران المستقبلي.