الجهاد في الغرب: صعود السلفية المقاتلة
Jihad in the West: The Rise of Militant Salafism
الملخّص
ا لعنوان الأصلي: Jihad in the West: The Rise of Militant Salafism . المؤلف: فرايزر إيغرتون/ Frazer Egerton . المترجم: فادي ملحم. الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. سنة النشر: 2017 . عدد الصفحات: 288 صفحة.
Abstract
Author: Frazer Egerton. Translator: Fadi Melhem. Publisher: ACRPS – Beirut/Doha. Year of publication: 2017.
- الجهاد في الغرب
- السلفي المقاتل
- المخيال السياسي
- الأمة المتخيلة
- Jihad in the West
- Militant Salafism
- Political Imaginary
- Imagined Community
العنوان الأصلي: المؤلف: المترجم: فادي ملحم. الناشر: سنة النشر: عدد الصفحات: 288 صفحة.
فرايزر إيغرتون/ Egerton.Frazer
المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.
أولا: أهمية الكتاب
تنبع أهمية الكتاب من أهمية موضوعه – وهو الجهاد والقتال السلفي في الدول الغربية – ذلك أنّ السلفية المقاتِلة تُعَد من الحركات الأهم في عالم السياسة. ويحاول الكتاب تقديم فهم جدِّي وجديد للظاهرة السلفية المقاتلة، بالتركيز على المخيال السياسي الذي يكوِّن الجماعات السلفية المقاتلة، خافًا للمناهج والأطر النظرية السابقة التي تعقَّبت الظاهرة؛ مثل مناهج الخلل النفسي، والاغتراب الفردي، والاغتراب البنيوي، التي عانت قصورًا نظريًا ومنهجيًا في تفسير الظاهرة. وينشغل الكتاب بتفسير دور أدوات وظواهر حديثة؛ مثل الإعام، وتأثير حركة التنقل والهجرة، في تصاعد بنية السلفية المقاتلة وأيديولوجيتها.
ثانيًا: بنية الكتاب
يتكون الكتاب من مقدمة وستة فصول. في المقدمة، يحاول الكاتب تقديم دراسة واضحة ومطّلعة على السلفية المقاتلة ضمن الأطر النظرية، ويدعم ذلك بأدلة تجريبية. ويرجع استخدام الكاتب مصطلح «السلفية المقاتلة»، وتجنبه استخدام «السلفية الجهادية»، إلى كون المصطلح الثاني تعبيرًا عن تيار شائع ووصفًا له، بينما يحمل مصطلح «السلفية المقاتلة » دلالات استخدام هذه المجموعة للعنف. ويضبط المؤلف مصطلح «السلفية» باشتقاقها في اللغة العربية من السلف، أي الجَد، ويبيِّن أنها تعني التفسير الحرفي في الإسام على المذهب السني؛ وهو التفسير الذي يرى أنّ الاجتهاد بعد النبي محمد وأصحابه انحرافٌ عن الأصل (ص 15–14). ويحصر الكتاب دراسة السلفية المقاتلة في الغرب؛ أي إنه يدرس أولئك الذين وُلدوا في الغرب أو عاشوا فيه فترة طويلة، مؤكِّدًا اختاف سيرة السلفيين الذين وُلدوا ونشؤوا في حضن المدينة الغربية عن سيرة أولئك الذين عانوا ويات الفقر المدقع أو النزاعات، أو التلقين الديني المتطرف في مناطق أخرى (ص. 15) يهتم الفصل الأول، «مُلَّ مجنون أم مقاتل من أجل الحرية؟ من هو السلفي المقاتل؟»، بتفسير الظاهرة السلفية؛ إذ يرى الكاتب أنّ هناك عنصرين رئيسَين في تفسير السلفية المقاتلة: العنصر الديني، والعنصر السياسي (ص. 21). ويناقش فكرة الدفاع عن المسلمين في العالم من خال الاعتماد على أفكار السلفيين المتشددين وعباراتهم وخطابهم، وهذا لا يعني أن السلفية المقاتلة هي ردة فعل مباشرة على السياسة الخارجية الغربية (ص 27–26). ويتوقف الكتاب، أيضًا، عند ادعاءات السلفيين المقاتلين ومرويّاتهم الكبرى المنطلقة من أن قتالهم نابع من سوء أوضاع المسلمين، وحرمانهم، والاستبداد الممارَس ضدهم، مجادلً بأن غزو العراق وأفغانستان كان الحافز المسبِّب للنزعة القتالية (ص. 29)–27 ويشير الكاتب إلى أن السلفي لا يهتم بالسياسة إلا عندما ينجزها في إطار الكفاح المسلح بين كيانين متخيَّلَين: الإسام، والغرب (ص. 30) يحاول المؤلف فهم موقع الثقافة الدينية داخل الظاهرة السلفية المقاتلة، بالنظر إلى ادعاء السلفيين المقاتلين أن الإسام هو محركهم ومحفزهم؛ فهم يعيشون ويموتون من أجل الواجب الديني (ص. 32). ويجادل المؤلف بأن البحث في النصوص والتعاليم الدينية، للحصول على تفسيرات مباشرة وثابتة عن الإرهاب، هو أسلوب تحقيقي غير مفيد؛ ذلك أنه يمكن إيجاد دعوات ترفض العنف إلى جانب تلك الداعية
إليه في تلك النصوص والتعاليم. ومن ثم، يرى المؤلف أن دور الدين يقع في السردية الخاصة التي تُصاغ وفقًا لأشكال الفهم السياسي الذي يريده المقاتلون، وأن هناك جوانب سياسية – دينية للكفاحية القتالية ترى في الغرب عدوًّا للأمة يهدد هويتها (ص. 37) ويُعنى الفصل الثاني، «ما هي مشكلة هؤلاء الناس؟»، بنقد العجز والقصور اللذين يسمان منهجين سيطرا على دراسة الإرهاب؛ هما منهج الخلل النفسي، ومنهج الاغتراب. ويجادل المؤلف بأن ادعاء وجود استعدادات نفسية مسبقة للإرهاب هو نتاج أدلة من روايات ضيقة وضعيفة، مصدرها عدد قليل جدًّا من الإرهابيين. وعلى الرغم من أهمية فرضية الاغتراب، لم يجرِ توضيح معناه، ولا الأثر المحتمَل الذي يسببه. ويرى المؤلف شقَّين رئيسين في عملية التنظير لمبدأ الاغتراب في السلفية المقاتلة؛ هما منهج الاغتراب الفردي، ومنهج الاغتراب البنيوي (ص. 44)–43 تدَّعي نظرية/ منهج الاغتراب الفردي أن الشعور بالاغتراب، بعد الفشل في الاندماج الاجتماعي، يدفع السلفي المقاتل إلى الرغبة في الانتقام من أولئك المسؤولين عن فشله. وجاذبية الكفاحية الراديكالية، بحسب هذا الاتجاه، مصدرها الفرصة التي تقدِّمها للفاشل لانتقام من المنتصرين أو الناجحين، واختيار السلفية المقاتلة هو خيار طارئ، يعتمد على المصادفة؛ إذ تكون هذه العقيدة السلفية موسمية، أي رائجة في زمان ومكان معيَّنين، ولا يكون اختيارها بسبب قدرتها على الإقناع (ص. 49)، ولكن بفضل توقيت ظهورها وانتشارها في تربة مائمة. وتحظى نظرية الاغتراب البنيوي في تفسير الانتقال إلى الراديكالية والتشدد القتالي بدعم ملحوظ يتجاوز دعم نظرية الاغتراب الفردي. وهي تركِّز على الاغتراب الجيلي (ضمن جيل معيَّن)؛ إذ تضم السلفية المقاتلة فئة الذكور الشباب (ص 57–56). وهناك اختاف في تحديد سبب شعور الشباب بالاغتراب ما بين فئة تقول إن المسلمين الغربيين يعانون الرفض أو الصد العرقي، وفئة أخرى تقول إن الدافع هو التمييز والحرمان الاقتصادي (ص. 58) أما الفصل الثالث، «يأخذنا إلى كل مكان: دور المخيال السياسي»، فقد طور المؤلف فيه مفهوم المخيال السياسي السلفي باستبطان مفهوم «الجماعات المتخيَّلة» الذي صاغه بندكت أندرسون. ويتساءل المؤلف حول ماهية العوامل التي تسهِّل على الأفراد بناء المخيال السلفي المقاتل. ويرى أن «المخيال السياسي السلفي يشتد حين يتخيل المجاهد نفسه مدافعًا عن المسلمين في أنحاء العالم، أي في المعركة التي يشنها زماؤه المقاتلون من مانشستر إلى مقديشو. ويتكون المخيال السياسي ويصير فاعل عندما تجتمع حوادث عالمية منوَّعة، وتتداخل مع حوادث محلية. وأصبح هذا الأمر ممكنًا بسبب تضافر قوى وأوضاع خاصة في هذه المرحلة الراهنة من الحداثة المعولمة» (ص. 82)–81 وهناك عدد من الأمور التي تتيح للمخيال السياسي العمل بطريقة فاعلة في السلفية المقاتلة؛ منها الحداثة المعولمة، وانتشار الشبكة العنكبوتية، وتكثيف العاقات الاجتماعية على صعيد العالم، وتأثر حوادث محلية بحوادث في أماكن بعيدة (ص. 86). وهناك شرطان من شروط الإمكانات التي أثَّرت تأثيرًا كبيرًا في المخيال السياسي لدى السلفيين المقاتلين؛ هما حركات الانتقال، ووسائل الإعام. تؤثر حركة التنقل
الكبرى للسلفيين المقاتلين في تبلور هوياتهم؛ وذلك بتعرضهم لاحتمالات تؤثر، أيضًا، في مخيالهم السياسي، كما أن الإعام الإلكتروني والمركزي والتفاعلي الذي تهيمن عليه الصورة يؤدي دورًا بالغ الأهمية في تشكيل هوية السلفي المقاتل؛ وذلك بدمجه في حوادث من أماكن بعيدة ضمن نظرية عالمية (ص 88–87)، وقد قلص هذا الإعام النشط المسافات، وعمل بنهم في القضاء على الحيز/ المكان (ص. 90). وهكذا فإن «السلفي المقاتل يتخيل نفسه عضوًا في الأمة التي تواجه الغرب العدواني أو المتغطرس» (ص. 99). وقد أدى الإعام وحركة التنقل إلى إنشاء سياسة حنين (نوستالجيا) تعتمد على شيء آخر غير التجربة؛ إذ «لا يعتبر السلفي المقاتل، وهو نتاج المخيال السياسي، أن الأمة من وحي الخيال. تأتي فكرة الأمة، وهي مركزية في مشروع السلفية المقاتلة، من وهم يقود إلى الحنين، لكنه حنين با ذاكرة» (ص. 100) وفي الفصل الرابع، «وسائط المعلومات الشاملة وتكوين المجتمع المقاتل»، يجادل المؤلف بأن للإنترنت أهمية كبيرة في عالم السلفيين من أجل البحث عن الحقيقة ومعرفة ما يرغبون فيه، كما كان للبثّ الفضائي، خصوصًا قناة الجزيرة، دور في نقل الأحداث إلى داخل بيوت ضواحي أمستردام/ هولندا (ص. 115)–114 إن مشاهدة السلفيين المقاتلين القنوات الفضائية ومقاطع الصراعات التي لم يخوضوها عرَّفتهم الحقائق السياسية التي لم يكونوا جزءًا منها، وجعلتهم يتصورون أنهم يخوضون الحرب نفسها (ص. 122). أما الدور الرئيس لوسائل المعلومات الشاملة في تكوين الوهم لدى السلفية المقاتلة المعولمة، فهو يتمثل بقدرتها على بناء مجتمع الأمة المتخيَّل وتعزيزه. وهي تعزز مكانة الفرد في هذا المجتمع بطريقتين رئيستين؛ هما الدور الخاص للصور، والقضاء على المكان/ الحيز (ص. 127)؛ فمشاهدة الحوادث المختلفة في العالم تخلق فور وقوعها وهمًا بالمشاركة في ذلك العالم، وبالتقارب الافتراضي (ص. 128) ويتسبب النقص في الانتماء، أو الارتباط بالمجتمع، في اعتماد الصور حججًا عاطفية؛ فالعواطف جزء لا يتجزأ من السياسة، ولا يمكن قياسها. وتحمل العاطفة تأثيرًا واضحًا في الفكر السياسي للسلفيين المقاتلين، وتنشئ رابطًا قويًّا بين السلفيين المقاتلين بغض النظر عن المسافة الجغرافية والشخصية والثقافية. فهم يتوحدون بالعواطف؛ ومنها الخوف، والشعور بالذل، والاضطهاد المزعوم بفعل الحرب المستمرة التي يشنها الغرب على العالم الإسامي (ص 132–131). ثم إن «سهولة الوصول إلى وسائل الإعام الإلكتروني، ونشرها الصورة التي تتخطى الحدود، تساعد في توضيح فكرة محددة عمن هو اﻟ (أنا)، ومن هم اﻟ (نحن). ومع شيوع صورة الصراعات المقبلة من أماكن مختلفة جغرافيًا، وتشبُّع مجموعات بها وهضمها، بدأ مسلمون غربيون يعتبرون أنفسهم مجاهدين تربطهم صات قربى. ويتضاعف تأثير الصور عندما يتداخل مع الشرط الأكثر أهمية في إمكان ظهور السلفية، وهو حركة الانتقال» (ص. 135) يشتق الفصل الخامس، «حركة الانتقال: من الفعلي إلى الأيديولوجي»، الحيز المكاني عند السلفيين المقاتلين من فكرة الأمة، وهي هوية دينية عابرة للحدود الوطنية، وترفض الإقليم حدودًا للهوية (ص. 139). واهتم هذا الفصل بتقصِّي حركة الانتقال في حياة عدد من السلفيين المقاتلين،
وشرحها، وتتبُّع أهمية هذه الحركة، ودورها في إنتاج رؤية بديلة لتدابير سياسية، ومصدر للهوية (ص. 140). وأوضح المؤلف أن السلفية المقاتلة في أوروبا تنمو من خال أعضاء أوروبيين، ينقسمون بين أقلية انتقل آباؤهم إلى أوروبا، وأكثرية انتقلوا هم أنفسهم إليها (ص. 141) ويتبين أن أكثر المنخرطين في السلفية المقاتلة هم من المهاجرين، لكن ذلك لا يعني أن عدد غير المهاجرين قليل في السلفية المقاتلة. «يسمى المقاتلون الذين ولدوا وترعرعوا في الغرب بالإرهابيين المحليين. ومنهم من ينحدر من آباء غير مهاجرين، لكنّ آباء معظمهم مهاجرون. وتُظهر الفئة المنحدرة عن الهجرة أن حركة الانتقال لا تَنتج دائمًا من ظاهرة عدم الانتماء إلى إقليم/ مكان. ويزداد تأثير حركة الانتقال عندما يعيشها آخرون لم ينتقلوا أو يهاجروا شخصيًّا. فصاحب المتجر الكشميري في بكهام، ومدرّس اللغة الكندي في بوسان، والمومس الكمبودية في دبي، لا يقصرون هجرتهم على ذواتهم، بل يجلبون معهم أيضًا مفاعيل الانتقال أو الهجرة التي تؤثر في الآخرين: إما بالاتصال المباشر، أو من طريق التحويات المالية، وإما عبر نقل الأفكار وتبادلها. وهذا لا يخلو من نتائج أو عواقب» (ص. 148). ومعنى هذا أن حركة الانتقال، من أقاليم، ودول غير أوروبية إلى أوروبا، تسهم في إنماء النزعة السلفية المقاتلة بسبب ظروف التهجير ومسبباته، ويتأثر بها الجيل المهاجر وجيل الأبناء أيضًا. تُعَد الأمة المقاتلة الأساس الأيديولوجي للسلفيين المقاتلين في الغرب، خصوصًا في عاقاتهم العدائية بعدوهم المفترَض (الغرب)، وتقوِّض عملية الانخاع من المكان أهمية الفكرة القائلة إن الإقليم/ المكان هو المحدِّد للهوية. وهذا لا يعني أن الانتقال يقضي على هذه الفكرة؛ فأحيانًا يعزز الانتقال الرأي القائل بضرورة وجود تطابق بين المكان الذي يقيم فيه الفرد (أين أنا؟)، وحقيقة الشخصية (من أنا؟)، وتؤدي حركة الانتقال إلى تزايد إمكان تعديل مفهوم الهوية في عملية إنتاج الحياة السياسية؛ فعملية انخاعهم المكاني تعزز إمكان اعتمادهم رؤية للعالم غير منتَجة إلى مكان أو أرض/ إقليم. وزاد ذلك من تمكينهم من تخيل أنفسهم جزءًا من جماعة عالمية تتجاوز سواها من الجماعات (ص. 161)–160 يحاول الفصل السادس، «لماذا أنا؟ دور السرديات الأوسع والوسطاء»، توضيح أن الأفكار الكثيرة حول ظهور السلفية المقاتلة مرتبطة بالبنية الاجتماعية المتغيرة، وبالدور القوي للإعام وحركة الانتقال. ويؤكد المؤلف أنه على الرغم من أن جميع المسلمين في الغرب يواجهون القوى نفسها (الدولة، والمؤسسات، والبنيات القانونية... إلخ)، فإن أعداد أولئك الذين ينضمون إلى النضال والكفاح صغيرة جدًا، ويتساءل: لماذا ترفض الأغلبية الانضمام إلى الحركة «النضالية» التي يبدي عدد قليل استعداده للعيش أو الموت من أجلها؟ (ص. 169) ويوضح المؤلف أن تفكير السلفية المقاتلة تجاه القوى الأوروبية يتسم بالنمطية؛ إذ ينتشر اعتقاد بين كثير من الناس، خصوصًا من جهة المسلمين في الغرب، مفاده أن هناك سياسات خارجية وعسكرية غربية تزن بمكيالين من دون مبرر؛ خدمةً للمصالح الذاتية فحسب، وأن المسلمين والدول الإسامية يتعرضون لظلم بلدان غربية كثيرة وعدوانيتها (ص. 173). ويمثِّل هذا النمط من التفكير والتخيات تربة خصبة لبناء سرديات السلفية المقاتلة.
ويبرز تبجيل الأبطال والشهداء في خطاب السلفيين المقاتلين، إلى جانب المظالم السياسية التي يتعرضون لها، إذ يشعر مسلمو الغرب بعاطفة كبيرة تجاه هؤلاء الأبطال، ويقوم السلفيون بتعديل العِبَر التي يقدمونها عن الأبطال، ويضيفون أيضًا شخصيات معاصرة تشبه رسالتها ومثالها رسالتهم ومثالهم (ص. 179)؛ من أجل صناعة الرواية السلفية المقاتلة وحبكتها السردية. ويؤدي الوعاظ المقاتلون دورًا مركزيًّا في نشر أفكار السلفية المقاتلة، وبث رسالة متمثلة بحتمية الجهاد العالمي عند جميع المسلمين (ص. 188) ولروح الجماعة دور مهم أيضًا، وعادة ما يتحول معظم الذين يختارون الحركية النضالية إلى السلفية المقاتلة في إطار تضامني داخل جماعة؛ إذ تؤدي الجماعة دورًا مهمًّا في ترويج الخطاب السلفي. وفي إطار الجماعة، تُحمَّل أشرطة فيديو من الإنترنت، وتُلخَّص محاضرات الوعاظ المناضلين الحركيين أو سِيَر المنظِّرين الحركيين، وتُعَد الجماعات عاملً مهمًا في تقبل الخطاب الذي يشكل نواة السلفية المقاتلة (ص. 191) في «خاتمة» الكتاب طرح المؤلف بديلً من المقاربات الأخرى التي تركز على الأسباب الجذرية الفردية لتطور السلفية المقاتلة، مستخدمًا فكرة المخيال السياسي في عصر الحداثة المعولمة. ويؤدي المخيال السياسي دورًا محوريًّا في حياة السلفيين المقاتلين، وفي جميع الأحوال، تعتمد الهوية السياسية والعاقات السياسية على ممارسة المخيال السياسي بدرجة ما (ص. 202)–201 كما جادل المؤلف بأن تطور السلفية والسلفيين المقاتلين تم من خال الإعام وحركة الانتقال ومساعدة الوعاظ المقاتلين (ص. 205)
ثالثًا: مناقشة الكتاب
نجح الكتاب، إلى حدٍ ما، في تقديم دراسة منهجية للسلفية المقاتِلة ضمن إطار نظري واضح، مستندًا إلى أدلة وتقارير وشهادات موثقة. وفكك الصورة النمطية، وأسقط الأحكام المسبقة والدعاية الإعامية والتحريضية ضد المسلمين في الغرب، من خال تبيان أن عدد السلفيين المقاتلين المنتمين إلى الإسام في الغرب يمثل نسبة قليلة، وأن الغالبية المسلمة في المجتمعات الغربية غير منخرطة في نشاط السلفية المقاتلة؛ أي إن هناك حياة يومية طبيعية للمسلمين الذين يعيشون في أوروبا، وهذا ما يُسقط ادعاء معاداة المسلمين في الغرب للدول والمجتمعات الغربية. وهكذا نجح الكاتب في تفادي السقوط في فخ التعميم. لكن المؤلف انحاز إلى الدعاية السياسية والإعامية الغربية التي تروِّج ارتباط الإرهاب بالإسام؛ وذلك باستبعاده منهج الخلل النفسي، ومنهجَي الاغتراب الفردي والاغتراب البنيوي، وتبنيه فكرة «المخيال السياسي». ويدَّعي هذا المنهج أن السلفية المقاتلة تبني لنفسها صورة جماعة متخيَّلة، تخوض حربًا ضد الغرب؛ بسبب وجود ظلم موجَّه إلى المجتمعات الإسامية. وهنا، يقع المؤلف في فخ التحيز المنهجي؛ لأنه مأسس الأعمال العنفية الفردية، سواء المنظمة أو غير المنظمة، ضمن هوية مقاتِلة لجماعة متخيَّلة، وصوَّرها على أنها بنية اجتماعية/ سياسية/ ثقافية/ أيديولوجية، وقلل من أهمية دراسة الخلفيات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية لمنفِّذي الهجمات في الغرب.