العودة إلى تفاصيل المؤلَّف نحو علوم اجتماعية في السياق العربي: في الحاجة إلى النظرية المجذرة

نحو علوم اجتماعية في السياق العربي: في الحاجة إلى النظرية المجذرة

Towards Social Sciences in the Arab Context: The Need for Grounded Theory

باسم محمود | Basem Mahmud *

الملخّص

تقترح هذه الدراسة "النظرية المجذَّرة" Grounded Theory منهجيةً قادرةً على المساهمة في مواجهة أزمة التنظير وعلاقته بالواقع الإمبريقي، وهي من أهم العوائق التي تحول دون تأسيس علوم اجتماعية في السياق العربي. لذلك، تقدم عرضًا لهذه المنهجية وإجراءاتها، وطريقتها الاستقرائية التي تقود إلى بناء نظرية قائمة على البيانات الميدانية، وليس على نظريات مسبقة. كما تناقش الفوائد النظرية والعملية، لاعتمادها في البحوث الميدانية المتعلقة بالمجتمعات العربية، وتبحث التحديات التي قد تواجه المشتغلين فيها بصفة عامة، وفي العالم العربي خاصة، وتقدم بعض الأفكار والطرق للتعامل معها. ثم تخلص إلى جملة من المقترحات الضرورية لتعزيز ممارستها في الجامعات والمراكز البحثية العربية.

Abstract

Abstract: This paper suggests the grounded theory as a methodology that can contribute effectively and efficiently to confronting the crisis of theory and its relationship with empirical reality, which is one of the most significant obstacles to the production of social science in the Arab context. The paper presents this approach, its procedures and its inductive method, which is conducive to the construction of a theory based on empirical data and not on preconceived assumptions. It discusses the theoretical and practical benefits of its adoption in field research on Arab societies and the challenges which those who employ it may face, both in general and in the Arab world in particular, offering some ideas on how to deal with these issues. Finally, it concludes with several suggestions for enhancing its practice in Arab universities and research centers.

الكلمات المفتاحية:
  • مناهج البحث
  • البحوث الميدانية
  • المقابلة المعمقة
  • البيانات النوعية
Keywords:
  • Research Methodology
  • Field Research
  • In–Depth Interviews
  • Qualitative Data

ملخص: تقترح هذه الدراسة «النظرية المجذَّرة » Grounded Theory منهجيةً قادرةً على المساهمة في مواجهة أزمة التنظير وع قااته بالواقع الإمبريقي، وهي من أهم العوائق التي تحول دون تأسيس علوم اجتماعية في السياق العربي. لذلك، تقدم عرضًا لهذه المنهجية وإجراءاتها، وطريقتها الاستقرائية التي تقود إلى بناء نظرية قائمة على البيانات الميدانية، وليس على نظريات مسبقة. كما تناقش الفوائد النظرية والعملية، لاعتمادها في البحوث الميدانية المتعلقة بالمجتمعات العربية، وتبحث التحديات التي قد تواجه المشتغلين فيها بصفة عامة، وفي العالم العربي خاصة، وتقدم بعض الأفكار والطرق للتعامل معها. ثم تخلص إلى جملة من المقترحات الضرورية لتعزيز ممارستها في الجامعات والمراكز البحثية العربية.

Abstract: This paper suggests the grounded theory as a methodology that can contribute effectively and efficiently to confronting the crisis of theory and its relationship with empirical reality, which is one of the most significant obstacles to the production of social science in the Arab context. The paper presents this approach, its procedures and its inductive method, which is conducive to the construction of a theory based on empirical data and not on preconceived assumptions. It discusses the theoretical and practical benefits of its adoption in field research on Arab societies and the challenges which those who employ it may face, both in general and in the Arab world in particular, offering some ideas on how to deal with these issues. Finally, it concludes with several suggestions for enhancing its practice in Arab universities and research centers.

Ph.D. Candidate at the Institute of Sociology at Freie Universität, Berlin/ Germany.

خريف   Autumn 2018

مقدمة

«إن إينشتاين لم يتمكن من السير على خطى كِبْلر، وربما ليس لدينا نحن كبلر بعد. كما

ويمكن أن نعمل على خنق وكبت علم الاجتماع إذا أضعنا كل الوقت اليوم على مشكلات عملية قبل أن نطور النظرية بشكلٍ كاف. وإننا نفعل نفس الشيء إذا أنفقنا الوقت كله على إنجاز نظريات شمولية مجردة. إن مهمتنا الرئيسة اليوم تتمثل في تطوير نظريات خاصة، قابلة للتطبيق على نطاقات محدودة من البيانات» (روبرت ميرتون) لا شك في أن العلوم الاجتماعية في العالم العربي تعاني مشكلات مختلفة تعرقل تطورها، سواء تلك المتعلقة بسيطرة أنظمة استبدادية لا تتيح أي هامش للبحث، وتسعى لضبطه وتوجيهه بما يتوافق مع أغراضها في السيطرة، أو تلك التي تعود في طبيعتها إلى التبعية للعلوم الغربية على الصعيدين النظري والمنهجي، إضافةً إلى غياب التنظيم والتفاعل بين الباحثين فهم يعملون بأسلوب فردي غير مؤسساتي. ونتيجةً لذلك، نادرًا ما تقدّم البحوث الميدانية التي تتم في العالم العربي إضافات نوعية؛ فهي تتعامل

مع البيانات من منظور تلك الأطر النظرية التي نشأت في سياقات غريبة عنها، وتأتي نتاجات مبعثرة من دون إمكانية لدمجها في إطار نظري، يتيح بناءَ تراكمٍ معرفي عميق في المجتمعات العربية. من هنا، تأتي

الحاجة إلى البحث عن طرق استقرائية تتيح تجاوز هذه العقبات، وتعمل على تأسيس علوم اجتماعية في السياق العربي قادرة على المساهمة في تطوير المعارف النظرية والمنهجية، وإنتاجها على مستوى العالم. هذه هي القضايا التي تتناولها هذه الدراسة؛ فهي تهدف إلى إبراز الفوائد النظرية والعملية لإحدى أهم الطرق التي تعتمد الاستقراء متمثّلة في النظرية المجذَّرة، وتبحث في تحديات تطبيقها في السياق العربي، وكذلك في سبل تعزيز ممارستها في الجامعات والمعاهد العربية من جانب الطلاب والمشتغلين بالبحوث الميدانية النوعية. وتتكون هذه الدراسة من خمسة أقسام رئيسة، هي: • يتناول الأول أزمة العلوم الاجتماعية في العالم العربي. • يعرض الثاني موقع النظرية في البحث الاجتماعي واستخداماتها بين الاستقراء والاستنباط. • يقدم الثالث لمحة عامة عن النظرية المجذرة: نشأتها ومدارسها. • يتناول الرابع فوائد استخدام إجراءات النظرية المجذرة، والتحديات التي تواجه المشتغلين فيها وطرق مواجهتها. • يركز الخامس على سبل تعزيز ممارسة النظرية المجذرة في البحوث النوعية في العالم العربي.

أولا: أزمة العلوم الاجتماعية في العالم العربي

في عام 2009، عقد مؤتمر «علم الاجتماع في عالم غير متكافئ» في تايوان. ركز ساري حنفي على ثلاث قضايا أساسية برزت خلاله، ولخصها كالتالي:

(((استخدمت الترجمة العربية كما وردت في: رث والاس، النظرية المعاصرة في علم الاجتماع: تمدد آفاق النظرية الكلاسيكية، ترجمة محمد عبد الكريم الحوراني (عمَّان: دار مجدلاوي للنشر والتوزيع، 2011)، ص.97 (((ساري حنفي، «التحديات أمام علم الاجتماع في عالم غير متكافئ»، إضافات، العدد 6 (2009)، ص.6–4

في الحاجة إلى النظرية المجذرة: نحو علوم اجتماعية في السياق العربي

• تشكل شبه إجماع على وجود سيطرة لسوسيولوجيا غربية على كثير من السوسيولوجيات الوطنية. • تأكيد أهمية تطوير السوسيولوجيا الوطنية إلى شكل يأخذ ألوان الواقع المعيش والتطور التاريخي في كل سياق. • وجود أشكال مختلفة من السوسيولوجيا، ليس بحسب واقعها الجغرافي، وإنما بحسب علاقتها بالمجتمع والدولة. ويرى خلدون النقيب أن المقاربات النظرية لعلم الاجتماع في البلاد العربية تعاني كونها لم تصمم لتحليل المجتمع العربي، وإنما «لتفسير جمود المجتمع العربي والمجتمعات الشرقية عمومًا»، كما أنها غير صالحة لدراسة الحاضر بسبب انشغالها بالماضي؛ لذلك يؤكد النقيب الحاجة إلى نماذج نظرية بديلة تقوم على اكتشاف ما هو دينامي وفاعل في المجتمع العربي. يقول محسن بوعزيزي: «إن علم الاجتماع العربي لم ينتج مفهومًا واحدًا أو مصطلحًا ذا صلة بجذوره الاجتماعية، وتهيمن عليه اللغة الذرائعية (الأداتية) والغريبة عن المجتمع، متأثرة بالمفاهيم المشتقة من الخبرة الاجتماعية الغربية». وفي الكتاب نفسه يشكو الباحث أحمد بدوي من أن عدم استخدام المنهجيات الصارمة وضعف الجانب النظري ساهما في اقتصار البحوث على الجانب الوصفي. إذا كانت هذه هي الحال على مستوى النظرية، فكيف هي حالة البحث الميداني؟ في دراسة عن المواد المنشورة في مجلة إضافات، وجد ساري حنفي أن 29 في المئة منها فقط مبني على دراسات ميدانية. وفي مراجعته لعدة دوريات عربية وجد المختار الهراس أنها لا تتجاوز 22.5 في المئة، الأمر الذي قاده إلى استنتاج مفاده «لا توازن حاد» بين توجهات الباحثين النظرية وممارساتهم الميدانية، ولذلك يؤكد أن هذا التوجه لا يخدم ما يتطلع إليه الباحثون العرب من ربط بين العلوم الاجتماعية والسياق التاريخي والاجتماعي للمجتمعات العربية. كما أنه لن يساعد على إنتاج «معطيات جديدة مسايرة لتطور هذه المجتمعات وقابلة لأن توظف في مراجعة النظريات والتحقق من مدى صحتها»؛ ومن ثمّ حتى إذا وجدت هذه الدراسات، فإنها تبقى مبعثرة في ظل غياب إطار نظري يوحدها ويدمج بعضها في بعضها الآخر.

(((خلدون النقيب، «بناء المجتمع العربي: بعض الفروض البحثية»، في: محمد عزت حجازي وآخرون، نحو علم اجتماع عربي:

علم الاجتماع والمشكلات العربية الراهنة، ط 2 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1989)، ص.220 (((ليزا تراكي، «مراجعة كتاب ‘مستقبل العلوم الاجتماعية في العالم العربي’ لساري حنفي وآخرون»، المستقبل العربي، العدد 449 (تموز/ يوليو 2016)، ص.170–167 (((المرجع نفسه. (((ساري حنفي، «الكتابة السوسيولوجية العربية: تحليل بعض المتغيرات في مجلة ‘إضافات»’، إضافات، العدد 19 (صيف 2012)، صفحة ص.8 (((المختار الهراس، «دوريات العلوم اجتماعية العربية: مناهج، مداخل ومقاربات»، المرصد العربي للعلوم الاجتماعية، 2015، ص 18، شوهد في 20 2018/9/، في: https://bit.ly/2xyzsNh (((انظر: عبد الصمد الديالمي، «إشكالية الكتابة السوسيولوجية في المغرب: محاولة تركيبية»، في: حجازي وآخرون، ص.333

خريف   Autumn 2018

ويمكن أن نضيف أنها غالبًا كمّية، وحتى النوعيّة منها تتم بناءً على أطر نظرية ولدت في الغرب وفي سياقات تاريخيّة مختلفة. لذلك، تبدو العلاقة بين النظري والتطبيقي في البحوث العربية علاقة إشكالية جدًا، وفي حاجة إلى اهتمام خاص من علماء الاجتماع العرب. ويلخص سعد الدين إبراهيم هذه الإشكالية على النحو التالي: «ما يقوله المشتغلون العرب بعلم الاجتماع عن الواقع العربي يكاد يندرج في معظمه إما تحت عباءة المحاورات الأيديولوجية أو الوعظ الإصلاحي (الينبغيات). أما القليل الذي يقال عن الواقع العربي مستندًا إلى دراسات ميدانية متعمقة، فبالرغم من أهميته القصوى إلا أنه إلى الآن لا يزال جزئيًا أو تجزيئيًا [...] ونادرًا ما يحاول الباحث الذي يقوم بهذه الدراسة أو تلك أن يربط محتواها بالسياق المجتمعي العام، أو بغيرها من دراسات الآخرين حول جوانب مشابهة أو متصلة في مجتمعه القُطري أو في المجتمع القومي. كذلك يندر أن نجد من يحاول أن يجمع ويدمج نتاج هذه الدراسات الجزئية والتجزيئية في نسق تراكمي معرفي عام، قابل للتطوير والتعديل والإضافة». إضافة إلى ذلك اعتمدت هذه الدراسات، إلى حدّ كبير، على أطر نظرية ماكروسوسيولوجية Macrosociology. ورغم أهميتها، تبقى قاصرة عن رؤية الناس بصفتهم فاعلين اجتماعيين. ولكن هل يمكن فهم مجتمعات تشهد تحولات كبرى من دون التركيز على هؤلاء الفاعلين والمعاني التي يعطونها لأفعالهم وللعالم مِن حولهم ومن ثمّ دورهم في عملية التغيير؟

(((وجد الهراس أن 30 في المئة فقط اعتمدوا على بيانات كيفية، علمًا أن 5.49 في المئة فقط استخدموا تقنية المقابلة الفردية،

انظر: الهراس، ص 20. إذا أخذنا في الاعتبار القدرة الاستكشافية الكبرى للأدوات المستخدمة في البحث الكيفي عمومًا وللمقابلة

خصوصًا، يمكننا أن نتخيل ضعف قدرات البحوث الميدانية هذه بشأن تكوين فهم عميق للمشكلات البحثية التي تدرسها. (((1 على سبيلِ المثال، لم يكن مصطلح «الربيع العربي» الذي ساد في مقاربة الانتفاضات أو التحركات الاجتماعية، في الحقيقة، أكثر من مقاربة مبنية على تجربة التغير الاجتماعي في دول أوروبا الشرقية (ربيع براغ)، وهذا يعرقل أي محاولة جدية لفهم جذرية الثورات العربية، انظر:

Sari Hanafi, «The Arab revolutions; the emergence of a new political subjectivity,» Contemporary Arab Affairs , vol. 5, no. 2 (April 2012), pp. 198–213.

وكذلك ما أبرزه عالم الاجتماع الإيراني آصف بيات في دراسته للتغير الاجتماعي عن عجز مفاهيم مثل الحركات الاجتماعية أو الحركات الاجتماعية الجديدة عن فهم التحولات في العالم العربي، الأمر الذي قاده إلى سك مفهوم جديد: «ال حااركات » الاجتماعية، انظر:

Asef Bayat, Life as politics. How ordinary people change the Middle East (Amsterdam: Amsterdam University Press, 2010), p. 14.

(((1 سعد الدين إبراهيم، «تأمل الآفاق المستقبلية لعلم الاجتماع العربي في الوطن العربي: من إثبات الوجود إلى تحقيق الوعود»، في حجازي وآخرون، ص.347 (((1 حتى فترة متأخرة، كان الحضور الأبرز على مستوى الأطر النظرية للوظيفية والمادية – التاريخية، رغم أنها في أحيان كثيرة تأتي

عبارة عن محاولات توفيقية، قارن ذلك ب: عبد الباسط عبد المعطي، اتجاهات نظرية في علم الاجتماع، سلسلة عالم المعرفة 44 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1981)، ص 185–181؛ عباد يحيى، «مساهمة في نقد الانشغال العربي بثنائية

الأيديولوجي’: الحالة الفلسطينية مثالً»، رسالة ماجس ت ي ر، كلية الدراسات العي ا، جمة بيرزيت، رام لله، 2013،

‘الم عرفي /

ص 106؛ عبد الحليم مهورباشة، علم الاجتماع في العالم العربي من النقد إلى التأسيس: نحو علم العمران الإسلامي (عمّان: المعهد

العالمي للفكر الإسلامي، 2018)، ص.108

في الحاجة إلى النظرية المجذرة: نحو علوم اجتماعية في السياق العربي

بناءً على ما تقدم، يغدو من الضروري البحث في إمكانية إعادة تحديد هذه العلاقة بين النظري – التطبيقي، بما يتيح فهمًا عميقًا للمجتمعات العربية من جهة، ويتيح مشاركة عربية فاعلة في تطوير العلوم الاجتماعية من جهة أخرى. بالنسبة إلى البدائل المقترحة لتجاوز هذه المعضلات، اعتبر عزمي بشارة أن تحدي نشوء علوم اجتماع عربية في السياق العربي مرتهن بقدرتها على «استنبات» و«استقراء» لمفاهيم ومصطلحات وأدوات تحليل، وأن تكون قابلة للتصدير إلى سياقات ثقافية أخرى. فهو يرى أن امتحان نشوء علوم اجتماعية في السياق العربي، وإمكانية المساهمة في هذه العلوم على نطاق عالمي «متعلق بمدى قدرتنا على استنبات مصطلحات ومفاهيم في واقعنا، وليس فقط تبيئة مفاهيم من سياقات أخرى فيه، على أهمية هذه الجهود القصوى. والمطلوب أن تُستقرأ مفاهيم وأدوات تحليل إضافية في السياق العربي، وتستخدم في فهمه، وتُصدّر إلى سياقات ثقافية أخرى ليرى الباحثون هناك إذا كان في إمكانهم أن يستعيروا منها في واقعهم». وأضيف أنه لا يمكن إنجاز مثل هذه الأهداف بالأدوات المنهجية المستخدمة نفسها، وأننا في حاجة إلى مراجعة المناهج السائدة في بحوثنا الميدانية، وإلى التوجه نحو استخدام مقاربات استقرائية قادرة على المساهمة في إنشاء نظريات مبنية على البيانات المستمدة من البحوث الميدانية في العالم العربي (من نوع ما أسماه ميرتون النظريات متوسطة المدى)، وليس من نظريات مسبقة ولدت في سياقات مختلفة تمامًا وفي مجتمعات غربية غالبًا. باختصار، تعاني العلوم الاجتماعية العربية البقاء في المجال الوصفي وقلة التنظير انطلاقًا من البيانات والمعطيات الميدانية؛ بسبب ركون البحوث الميدانية إلى الاستنباط بدلً من الاستقراء، إضافة إلى تشتت هذه البحوث وعدم توظيفها في عملية بناء المعرفة النظرية. وهذا ما تستطيع أن تساهم فيه النظرية المجذرة بكفاءة؛ كونها، على عكس الطرق الأخرى، استقرائية ولها هدف رئيس يتمثل في الوصول إلى نظرية اعتمادًا على جملة من الإجراءات والمعايير الصارمة. إن الهدف الأخير لهذه المنهجية يكمن في توليد نظرية مجذَّرة في البيانات النوعيّة بعد أن يكون الباحث قد قام ببناء المفاهيم بنفسه بطريقة استقرائية. لذلك، يمكن أن تساعد النظرية المجذرة في «التحرر» من سيطرة الأطر النظرية

(((1 عزمي بشارة، «تحديات أمام العلوم الاجتماعية والإنسانيات في السياق العربي»، معهد الدوحة للدراسات العليا، 2017/10/18،

شوهد في 2018/9/16، في: https://goo.gl/EY3JuJ

(((1، بينت دراسة حديثة للدكتور أحمد موسى بدوي أن موضوع مناهج البحث شبه غائب عن الأولويات البحثية الراهنة في علم مثلً الاجتماع المصري، انظر: أحمد موسى بدوي، «الأولويات البحثية الراهنة في علم الاجتماع المصري»، ورقة بحثية مقدمة في المؤتمر الدولي: العلوم الاجتماعية في البلدان العربية في مواجهة التعددية الكونية العلمية، الجامعة الأميركية في بيروت، بيروت،.2011 (((1 كثرة الدراسات النظرية على حساب الميدانية لا تعني كثرة التنظير، فالأخير يشير إلى عملية تشييد النظرية، ويمكن أن يكون ذلك بطرق ومستويات متعددة. وما يهمنا هنا ليس التنظير الذي يجد مادته الأساسية في مفاهيم ونظريات قائمة، وإنما ذلك الذي يجدها في البيانات الميدانية؛ لأنه يساهم في ردم الهُوَّة بين المعرفة النظرية عن مجتمعاتنا العربية والواقع الإمبريقي، قارن ذلك ب:

David A. Whetten, «What Constitutes a Theoretical Contribution?» Academy of Management Review , vol. 14, no. 4 (October 1989), p. 492.

خريف   Autumn 2018

الغربية؛ بمعنى أنها تقدم إجراءات مفيدة لبناء نظريات انطلاقًا من الواقع المعيش في سياقاته وتوجه الباحث لاختيار قضايا ذات أهمية مجتمعية، كما أن انشغالها بالفعل الاجتماعي يتيح رؤية ما هو دينامي وفاعل في المجتمع العربي. وهي تمكّن، إضافة إلى ذلك، من الوصول إلى نظريات صورية انطلاقًا من النظريات الأساسية المجذرة. لا يتوافر لدينا دراسة إحصائية دقيقة عن استخدام الباحثين العرب النظرية المجذرة، لكن يبدو أنها ليست غائبة عن علوم الإعلام والاتصال فحسب، كما لاحظ الباحث نصر الدين لعياضي، وإنما في معظم مجالات العلوم الاجتماعية؛ فهي عندما تحضر تبقى محصورَة في مجالات محددة وغالبًا ما تكون رسائل دكتوراه أو ماجستير وليست مقالات أكاديمية منشورة في مجلات علمية محكّمة.

(((1 ينبغي عدم الخلط بين التحرر من هيمنة هذه النظريات والرفض المسبق لها. وكما سنوضح لاحقًا، تفيد إجراءات النظرية

المجذَّرة ربط علاقة تفاعلية نقدية بأي نظريات مسبقة أيًا كان مصدرها: فالباحث ينخرط في نقاش معها بعد أن يكون قد طور مفاهيم

وخطوطًا عريضة لنظريته من الواقع الذي يدرسه من دون أن يجعل تلك النظريات موجهة إلى دراسته للواقع؛ بكلمات أخرى، بعد

أن يكون قد ترك البيانات تقوده بدلً من أن يفرض عليها مفاهيمه. ومن خلال هذه العلاقة التفاعلية بتلك النظريات، يمكن صقل المفاهيم لدراسة مجتمعاتنا على نحو أفضل، وللمشاركة في تطوير النظريات على مستوى العالم. (((1 النظرية الأساسية theory Substantive هي النظرية التي تنشأ من خلال بيانات ميدانية في مجال معين، في حين أن النظرية الصورية هي تلك التي تقوم بناء على نظريات أساسية، إنها شكل أعلى من التجريد ولكنها مجذرة أيضًا في البيانات لأنها تبنى فوق نظريات أساسية مجذرة. فائدتها أنها تتيح تصدير النظرية من المجال المحدد إلى مجالات أخرى. بشكل عام معظم النظريات التي تنشأ في البحوث التي تستخدم النظرية المجذرة هي نظريات أساسية تقدم تفسيرًا لمشكلة البحث؛ ومن ثمّ يمكن اعتبارها بمنزلة

«رابط إستراتيجي»، بحسب جليسر وشتراوس، يتيح إمكانية توليد نظرية صورية أو تشكيلها Formal theory، انظر:

Barney G. Glaser & Anselm L Strauss, The Discovery of Grounded Theory: Strategies for Qualitative Research, seventh (Chicago: Aldine Publishing, 1967), p. 79.

((1(نصر الدين لعياضي، «البحث العلمي في علوم الإع ماا والاتصال في المنطقة العربية وغياب الأفق النظري »، المستقبل

العربي، العدد 450 (2016)، ص.26 (((1 لا توجد دراسة تحصي بدقة استخداماتها. هذا مجرد انطباع تكوَّن من نظرة عامة إلى البحوث الميدانيّة التي أجريت بعد

انطلاق الثورات العربية في عام 2010، والتي قالت إنّها اعتمدت النظرية المجذ رة. يبدو أنها تنحصر على نحو رئيس في مجال التربية

والتعليم، انظر: رجاء لطفي أحمد أبو عرّة، «مراحل نمو الفهم الهندسي في موضوع المثلثات باستخدام الجيوجبرا لدى طلاب

الصف الثامن الأساسي»، رسالة ماجستير، جامعة النجاح الوطنية، نابلس، 2014؛ منى عبد الله البحراني وآخرون، «الاتجاهات نحو

برنامج معالجة صعوبات التعلم من وجهة نظر المعلمات والطلاب في سلطنة عُمان: دراسة نوعية تحليلية»، مجلة التربية الخاصة

والتأهيل، مج 2، العدد 5 (2014)، ص 225؛ صوفيا سعيد الريماوي وخولة شخشير صبري (مشرف)، «الاتجاهات نحو الحاسوب

ومعوقات استخدامه في التعليم لدى معلمي العلوم في المدارس الحكومية في الضفة الغربية»، دراسات العلوم التربوية، مج 38، العدد 1 (2011)، ص 124؛ وجيه ضاهر ونمر بياعة، «سياقات وصفات تعلم تلاميذ المدرسة الإعدادية الرياضيات بمساعدة الهاتف

الخلوي»، مجلة ‎ جامعة، العدد 14 (2010)، ص 221؛ وبدرجة أقل علم النفس الاجتماعي، انظر: أماني موسى أبو صبح، «دور الهُوية الجماعية الفلسطينية في تحقيق التوافق النفسي ل فأأراد عقب الصدمة الناجمة عن التعرض للعدوان العسكري»، أطروحة

دكتوراه، جامعة بيرزيت، رام الله، 2011؛ سمر عيسى بلوط، «التعمق في تجربة أمهات أطفال مرضى السرطان في فلسطين ومدى

التوافق النفسي لديهن»، رسالة ماجستير، جامعة بيرزيت، رام الله، 2011. علمًا أن دراسة مسحية لعشر مج ت عربية محكّمة

أظهرت ندرة الاعتماد على البحث النوعي في مجال التربية الخاصة، ففي الفترة الممتدة بين عامي 2006 و 2014، لم يتم استخدامه إلا في ثلاث دراسات ميدانية مقابل 322 دراسة اعتمدت الكمّي، انظر: إبراهيم بن عبد الله الحنو، «مدى استخدام منهجية البحث

النوعي في التربية الخاصة: دراسة تحليلية لعشر مجلات عربية محكمة في الفترة من 2005 م إلى »2014، مجلة التربية الخاصة

والتأهيل، مج 3، العدد 10 (2016)، ص 179. والدراسة الوحيدة التي اهتمّت مباشرة بالحراك الاجتماعي في العالم العربي، والتي

تمكّنا من الاط عاا عليها، كانت عبارة عن تقرير صادر عن معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية، انظر: كارول

كرباج، «السياسة بالصدفة: ‘الحراك’ يواجه ‘شعوبه»’، ورقة عمل، معهد السياسات في الجامعة الأميركية، بيروت،.2016

في الحاجة إلى النظرية المجذرة: نحو علوم اجتماعية في السياق العربي

قبل الخوض في إجراءات النظرية المجذرة للتعرف إلى مزاياها، سيكون من المفيد بحث موقع النظرية في البحث الاجتماعي للتوقف عند دورها وموقعها فيه والنتائج المترتبة على نمط العلاقة بين البحث الميداني والنظرية: بحث – نظرية أو نظرية – بحث.

ثانيًا: موقع النظرية في البحث الاجتماعي

عند وضع مخطط البحث، يحتاج الباحث إلى ثلاثة عناصر مترابطة فيما بينها، لا غنى عنها، وهي: رؤية فلسفية للعالم، ومخطط البحث، وأدوات (أو تقنيات) للبحث. والرؤية الفلسفية للعالم Worldview Philosophical هي عبارة «عن مجموعة أساسية من المعتقدات التي توجه العمل». ويصنفها كريسويل وفق أربعة أنواع رئيسة، غالبًا ما توجه البحوث الميدانية، هي: • ما بعد الوضعية Postpositivism: تفترض وجود قوانين تحكم العالم، وأن هناك حاجة إلى امتحان أو اختبار النظريات لفهمه. لذلك، ينطلق الباحث من نظريات محددة، ومن ثم يجمع بيانات تؤكد هذه النظريات أو تدحضها؛ من أجل مراجعتها، وإجراء فحوص أو اختبارات جديدة. وهي تشترك مع الوضعية في الاعتقاد من جهة وجود حقيقة موضوعية خارج الذات. وبالنسبة إلى الباحث الوضعي، يمكن معرفة هذه الحقيقة كما هي بالفعل، أما بالنسبة إلى الباحث ما بعد الوضعي فيمكن الاقتراب منها أو معرفتها بطريقة «مشوهة» أو احتمالية لكنها ليست معرفة مطابقة. • البنائية Constructivists: تقوم على الاعتقاد بوجود حقائق متعددة. فالأفراد يُكوِّنون معاني ذاتية

عن تجاربهم، وهي معان متعددة ومتنوعة؛ ولذلك على الباحث أن يسعى للاقتراب من نظرتهم قدر الإمكان والاعتماد عليها في تحليله ومقاربته للمشكلة موضوع الدراسة. على عكس الباحث ما بعد الوضعي الذي يسعى إلى الاقتراب قدر الإمكان من الحقيقة الموضوعية، ينشغل البِنائي بفهم الناس وتأويلاتهم. • التحويلية Transformative: تفترض أن مقاربات الباحثين ما بعد الوضعيين والبِنائيين غير معنية بفهم الأفراد المُهمَشين وبعلاقات السلطة والقوة في المجتمع. لذلك، تتركز اهتمامات التحويليين على قضايا؛ مثل النسوية، والتمييز العنصري، وما بعد الكولونيالية، وفق أجندة واضحة تهدف إلى إحداث تغيير جذري في المجتمع وتمكين الفئات الاجتماعية الهشة.

(20) John W. Creswell , Research Design: Qualitative, Quantitative, and Mixed Methods Approaches (Thousand Oaks, CA: Sage Publications, 2014), p. 6. (21) Ibid., p. 6. (22) Egon G. Guba & Yvonna S. Lincoln, «Competing paradigms in qualitative research,» in: N. K. Denzin & Y. S. Lincoln (eds.), Handbook of qualitative research (Thousand Oaks, CA: Sage, 1994), p. 111.

خريف   Autumn 2018

• البراغماتية Pragmatic: ينصب تركيز الباحث على المشكلة والسؤال المتعلقين بالبحث، بغض النظر عن أي اعتبارات نظرية أو منهجية مسبقة؛ ولذلك قد يلجأ إلى مقاربات متنوعة سواء كانت ما بعد وضعية، أو بنائية، أو تحولية، في البحث ذاته. أما مخطط البحث فيحدد على أساس المقاربة التي سيعتمدها الباحث فيما لو كانت كمية أم نوعية أم ستعتمد البحث المندمج methods Mixed. يقوم الجانب الكمّي أساسًا على بيانات رقمية، يمكن تحليلها إحصائيًا، وتستخدم عادة بعد تكوين متغيرات Variables قابلة للقياس وعلى

التجربة التي تسعى لتحديد الأثر الذي قد تحدثه معاملة ما Treatment في مجموعة ما. أما الجانب النوعي، فهو يهتم بدراسة البيانات التي لا يمكن تحليلها بالطرق الكميّة المذكورة، وهناك عدة

أنواع: السردية، والإثنوغرافية، والفينومينولوجية، ودراسة الحالة، والنظرية المجذرة، وغيرها. وتتعلق أدوات البحث بطبيعة الأسئلة، وعملية جمع البيانات وتحليلها، إضافة الى تفسير النتائج والتحقق من صرامتها. والاستبيان والتجربة هما من بين الأدوات الأكثر ملاءمة للبحث الكمّي، بينما تعتبر المراقبة والمقابلات، بأنواعها، الأكثر ملاءمة للبحوث النوعية، رغم أنه من الممكن استخدامها في البحوث الكميّة أيضًا. لكن كيف ينعكس ذلك على موقع النظرية في البحوث الميدانية؟ وما الذي يميز النظرية المجذرة من طرق البحث النوعية الأخرى؟ يتوافق الكمّي أساسًا مع الرؤية ما بعد الوضعية التي تعتقد أنه ثمة حقيقة موضوعية. وقد يتوافق النوعي مع أي رؤية من الرؤى الثلاث المذكورة سابقًا (البِنائية، والتحويلية، وما بعد الوضعية)، ومن الممكن أن يبدأ بنظريات مسبقة بهدف اختبارها، أو من الممكن أن يعتمد على الاستقراء لتكوين فرضيات أو نظريات بناء على البيانات الميدانية (خصوصًا في حالة النظرية المجذرة). بصفة عامة، في البحوث الكميَّة، تأتي النظرية أولً، أما في البحوث النوعية، فموقعها قد يختلف؛

خصوصًا عندما يكون هدف البحث هو إنشاء فرضيات أو نظريات بطريقة استقرائية، كما هي الحال في النظرية المجذرة، حيث يبرز هاجس الحرص على عدم تأثر الاستقراء سلبيًا بالنظريات

والدراسات المسبقة. ولذلك، غالبًا ما يتم تأجيل التعمق في هذه الأدبيات إلى مرحلة لاحقة؛

حيث تستخدم لمناقشة النتائج بطريقة تساعد على تشييد النظرية التي تكون قيد التطوير بناء على البيانات. ويشرح الشكل (1) الفرق بين الطرق التقليدية التي عادة ما تبدأ بمراجعة النظريات والدراسات السابقة مقارنةً بالنظرية المجذرة التي تقلب العملية رأسًا على عقب؛ حيث تبدأ بجمع البيانات لتنتهي بالنظرية.

(23) Creswell, p. 10.

(((2 المقصود هنا أنّ البنائيين والتحويليين يعتمدون أساسًا البحث النوعي؛ مثل المقابلات، والمجموعات المركَّزة، فهي أقدر على

سبر المعاني والتجارب الشخصية التي يهتمون بها أو يريدون إبرازها، بينما يستخدم ما بعد الوضعيين البحث الكمي بالدرجة الأولى نظرًا إلى اهتمامهم بالقياس واختبار النظريات، لكن قد يستخدمون البحث النوعي أيضًا، قارن ذلك ب: p. 19 Creswell,.

في الحاجة إلى النظرية المجذرة: نحو علوم اجتماعية في السياق العربي

الشكل (1) الفرق بين النظرية المجذرة والطرق النوعية التقليدية

النظرية المجذرةالتقليدي
جمع البيانات وتحليلهاقراءة الأدبيات
تطوير نظريات/ فرضياتتشكيل فرضيات
قراءة الأدبيات لتفسير النتائججمع البيانات
اختبار الفرضيات

المصدر:

Michael L. Jones, George K. Kriflik & M. Zanko, «Grounded theory: a theoretical and practical application in the Australian film industry,» in: Abdul Hafidz Bin Hj (ed.), Proceedings of International Qualitative Research Convention 2005 (QRC05) (Malaysia: Qualitative Research Association of Malaysia, 2005).

يمكن التمييز بين إستراتيجيات البحث النوعي على أساس أربعة معايير: غايتها، ونوع المشكلة التي تعالجها، وخلفيتها، ووحدة التحليل. كما يظهر من الجدول (1)، مقارنةً بين النظرية المجذرة وغيرها، يظهر الاختلاف في طريقة استعمال النظرية التي تعتبر الهدف الأخير للباحثين المشتغلين وفق النظرية المجذرة. فهي لا تبدأ بالنظرية، وإنما تسعى لتكوين نظرية، اعتمادًا على جملة إجراءات لا بد من التزامها خلال جمع البيانات وتحليلها، وهذا ما يميزها من غيرها أساسًا. لذلك، ينصح باللجوء إليها عند الحاجة إلى بناء نظريات مجذَّرة في البيانات تقوم على رؤى المستجيبين. وتتميز أيضًا بأنها تركز على الأفعال والمراحل والتفاعلات الاجتماعية في الحياة اليومية، فهي قد نشأت متأثرة إلى حد كبير بالتفاعلية الرمزية Interactionism Symbolic التي تقوم على افتراضات تعتبر أنه لا يمكن بناء معرفة سوسيولوجية من دون فهم المعاني التي يعطيها الفاعلون الاجتماعيون لأفعالهم وللعالم من حولهم، والتي يكوِّنونها من خلال التفاعل مع غيرهم من الأفراد ومع المجتمع، وكذلك لا بد من فهم تأويلاتهم لهذه المعاني؛ فهي تخضع باستمرار للتعديل وإعادة التفسير. إضافة إلى ما سبق، لا بد من الإشارة إلى أن الاختلاف في الرؤى الفلسفية للعالم أدى إلى انقسامات حادة في صفوف منظّري النظرية المجذرة أنفسهم؛ الأمر الذي دفع في اتجاه نشوء مدارس أو نسخ مختلفة منها. وهذا ما سنتناوله في السطور التالية؛ حيث سنقدم موجزًا لنشأتها ومدارسها وإجراءاتها.

(25) Herbert Blumer, Symbolic Interactionism: Perspective and Method (California: University of California Press, 1969), p. 2.

((2(لقد تطورت النظرية المجذَّرة كثيرًا مقارنةً بما كانت عليه في بدايتها (انظر الجدول 2). رغم ذلك، تبدو معظم الانتقادات التي

توجه لها متجاهلةً لهذا التطور؛ فهي تنحصر في الرد على النظرية المجذ رة الكلاسيكية. وتتجاوز إسهامات تشارماز وكلارك الكثير

من الإشكالات التي غالبًا ما يثيرها منتقدو النظرية المجذَّرة. ولا مجال في هذه الورقة – خصوصًا أنها تركز على أحدث نسخها

(البنائية) – لتناول النقاشات الدائرة حاليًا بين مؤيديها ومعارضيها، لكن للاطلاع عليها، انظر:

Tony Bryant & Kathy Charmaz (eds.), The Sage handbook of grounded theory (California: Sage, 2007), p. 50.

الجدول (1) خمس إستراتيجيات للبحث النوعي

الميزاتدإراسة الحالةالإثنوغرافيةالنظرية المجذرةالفينومينولوجياالسردية
تركز
ا على
تطوير وصف
وتحليل
معمقين لحالة
أو حالات
متعددة
وصف وتفسير
لجماعة ذات
ثقافة مشتركة
تطوير نظرية
ترتكز على
بيانات ميدانية
فهم جوهر
التجربة
استكشاف حياة
الفرد
نوع
المشكلة
ا الأنسب
تكوين فهم
معمق لحالة
أأو حالات
وصف وتفسير
للأنماط
الثقافية
المشتركة
لمجموعة ما
بناء نظرية تقوم
على رؤية
المستجيبين
عند الحاجة إلى
وصف جوهر
ظاهرة معيشة
عند الحاجة إلى
إخبار قصص من
التجارب الفردية
الخلفيةمستمدة من
السيكولوجيا
والقانون
والعلوم
السياسية
وأالطب
مستمدة من
الأنثروبولوجيا
والسوسيولوجيا
مستمدة من
السوسيولوجيا
مستمدة من
الفلسفة وعلم
اإألنفس والتعليم
مستمدة من العلوم
الإنسانية بما في
ذلك الأنثروبولوجيا
والأدب والتاريخ
والسيكولوجيا
والسوسيولوجيا
وحدة
التحليل
تدرس حدثًا
ما، برنامجًا،
نشاطًا ما لأكثر
من فرد
تدرس جماعة
ذات ثقافة
مأاشتركة
الأفعال،
العمليات،
أو التفاعلات
الاجتماعية لعدة
أفراد
عدة أفراد
مشتركين في
التجربة نفسها
فرد واحد أو أكثر

المصدر:

John W. Creswell, Qualitative Inquiry and Research Design: Choosing Among Five Approaches (California: Sage

ثالثًا: النظرية المجذرة: النشأة والمدارس

في عام 1965، نشر بارني جليسر Glaser. G Barney، وأنسيلم شتراوس Strauss. L Anselm، كتابهما المعنون إدراك الموت Awareness of Dying، ونتيجةً للكثير من الأسئلة التي واجهتهما عن

خريف   Autumn 2018

Publications, 2007), p. 78.

في الحاجة إلى النظرية المجذرة: نحو علوم اجتماعية في السياق العربي

كيفية إجراء البحث، قررا أن يجيبا عن ذلك بكتاب. وهكذا، قدما النظرية المجذرة لأول مرة في كتابهما الشهير اكتشاف النظرية المجذرة The Discovery of Grounded Theory في عام.1967 تلقى جليسر تكوينه الأكاديمي في جامعة كولومبيا حيث سادت المناهج الكميَّة، وتأثر على

نحو رئيس بأعمال الرياضي وعالم الاجتماع بول لازارسفيلد Lazarsfeld. F Paul الذي اشتهر باستخدامه البحث الكمّي والكيفي. وكان الأثر البارز الثاني لروبرت ميرتون Merton. K Robert، الذي كان قد بلور مفهوم النظريات المتوسطة المدى Theory Middle–Range، بهدف الدمج بين النظرية والبحث الميداني. أما شتراوس، فجاء من جامعة شيكاغو التي اشتهرت باعتمادها المناهج الكيفية. درَس ودرّس فيها. تأثر بما عرف بمدرسة شيكاغو: أسماء مثل روبرت بارك Robert Park. E، وجورج ميد Mead. H George، وهربرت بلومر Blumer Herbert، حضرت بكثرة في أعماله. كان المناخ السائد في أوساط علماء الاجتماع ينظر بريبة إلى البحث النوعي الذي يفتقر إلى إستراتيجيات وإجراءات دقيقة ومنظمة للتعامل مع البيانات. تمكن جليسر وشتراوس من تقديم مقاربة منهجية جديدة ومختلفة عما كان سائدًا في المقاربات النوعية الأخرى. واستفادا من الصرامة والتنظيم الذي يميز البحث الكمّي، الأمر الذي طالما افتقده البحث النوعي، ومن الاستقراء الذي يمكّن الباحث من تطوير نظريات مؤسسة على البيانات. رغم ذلك، لم تتوقف الخلافات بينهما، وقد أدت لاحقًا إلى تطور مدرستين مختلفتين من النظرية المجذرة. برز الانقسام إلى حد كبير في عام 1992، عندما نشر جليسر كتابه مبادئ النظرية المجذرة Basics of Grounded Theory؛ حيث عمد إلى الرد على كتاب شتراوس وكوربين ب  مبادئ البحث الكيفي: إجراءات وتقنيات النظرية المجذرة

Basics of qualitative research: grounded theory procedures and techniques، معتبرًا أن

شتراوس ذهب بعيدًا جدًا عن منهجية النظرية المجذرة. قادت هذه الاختلافات بين المؤسسين لاحقًا إلى تشكل تقاليد أخرى من النظرية المجذرة. ويمكن الحديث عن أربع مدارس أو تقاليد رئيسة من النظرية المجذرة، تستخدم عادة في البحوث الاجتماعية، هي: • مدرسة جليسر التي بقيت وفيَّة لما ظهرت عليه النظرية المجذرة لأول مرة، ويمكن اعتبارها منحازة

إلى الوضعية بحكم تكوين جليسر الكمي. • المدرسة الشتراوسية أو شتراوس – كوربين وهي نسخة معدلة من السابقة، أقرب إلى ما بعد الوضعية، وهي تعود أساسًا إلى التفاعلية الرمزية. • مدرسة النظرية المجذرة البنائية التي أسستها كاثي تشارماز Charmaz Kathy، التلميذة السابقة لجليسر وشتراوس، وهي تستند فيها إلى الرؤية الفلسفية البنائية التي تحدثت عنها سابقًا. • النظرية المجذرة النسوية التي ظهرت مع أعمال جوديت ويست Wuest Judith، والتي تستخدم عادة في مجالات محددة مثل التمريض أو تلك المتعلقة بقضايا الجندر، لذلك لن أناقشها في

(27) Cheri Fernandez, «Guest Editorial, Themed Section,» The Grounded Theory Review , vol. 11, no. 1 (2012), p. 27.

خريف   Autumn 2018

هذه الدراسة؛ حيث سأركز على المدارس الثلاث الأولى الأكثر شيوعًا واستخدامًا في مجالات

متنوعة. كانت الرؤى الفلسفية المختلفة حاضرة بقوة في هذه الانقسامات، وتجلى ذلك خصوصًا في الموقف من العلاقة بين الباحث والمُشارك: ترى تشارماز أن جليسر وشتراوس يميلان إلى اعتقاد مفاده وجود حقيقة خارج الباحث؛ ومن ثمّ يمكن «اكتشاف» النظرية، لذلك تؤكد أنه من غير الممكن إجراء هذا الفصل بين الباحث وموضوعه: ما يحدث هو «بناء» نظرية يشترك فيه الباحث والمشاركون. وهذا بدورة ينعكس في الموقف من استعمال النظريات والدراسات السابقة. لكن يجب أن يبقى واضحًا

أن الخلاف لا يدور فيما لو كان يجب استخدامها أو عدم استخدامها، وإنما حول كيفية استخدامها ولحظته. رغم الاختلافات بين المدارس أو التقاليد المختلفة من النظرية المجذرة، هناك عناصر رئيسة تشكل الأساس الذي يعتمد عليه الباحث أيًّا كانت المدرسة التي يعتمدها؛ وهو ما يهمنا في هذه الدراسة. وإن كانت قليلة، إلا أنه توجد بعض الكتابات أو الترجمات لأعمال جليسر وشتراوس وكوربين، ولكن تكاد تغيب تمامًا أعمال كاثي تشارماز بالعربية. لذلك سأقوم بعرض العناصر الأساسية؛ لإجراء بحث وفق النظرية المجذرة البنائية وسأحاول، قدر الإمكان، توضيح الخلافات مع جليسر أو شتراوس وكوربين في هذا الخصوص.

رابعًا: إجراءات النظرية المجذرة: الفوائد والتحديات

إن دراسة النظريات والأدبيات، كما بينّا سابقًا، ليست الخطوة الأولى في البحث، والنظرية المجذرة تطلب من الباحث دخول حقل البحث الميداني بسرعة. لا ينطلق الباحث الذي يستخدم النظرية المجذرة من مفاهيم تم تحديدها بدقة في دراسات سابقة، وإنما من خلال أسئلة عامة، ومن خلال ما يعرف بالمفاهيم ذات الحساسية (أو الحساسة)، والتي قدمها بلومر على أنها مقابل للمفاهيم النهائية التي تحدد بوضوح ودقة ما هو مشترك لفئة من الأشياء عن طريق التعريف الدقيق للصفات، أو من خلال توافر معايير محددة. فالمفاهيم ذات الحساسية تفتقد هذا الوضوح. لهذا الأمر أهمية كبرى بالنسبة إلى الباحث الذي يشتغل في السياق العربي؛ فهذه البداية تمكنه من البقاء في درجة عالية من الانفتاح على ما يراه خلال عملية جمع البيانات الميدانية. إن المفاهيم الحساسة هي نقطة بداية فقط، ينحصر دورها في إعطاء الباحث مجموعة من الأفكار التي تمكنه من إثارة أنواع

((2(تقدم تشارماز نظريتها المجذَّرة البنائية هذه مقابل ما تسميه النظرية المجذَّرة الموضوعية، سواء عند جليسر أو شتراوس وكوربين، وترى فيها استمرارًا للرؤية الفلسفية الوضعية، انظر:

Kathy Charmaz, Constructing Grounded Theory: A Practical Guide through Qualitative Analysis (California: Sage Publications, 2006), p. 132. (29) Glenn A. Bowen, «Grounded Theory and Sensitizing Concepts,» International Journal of Qualitative Methods , vol. 5, no. 3 (2006), pp. 12–23; Charmaz, p. 16. (30) Bowen, p. 2.

في الحاجة إلى النظرية المجذرة: نحو علوم اجتماعية في السياق العربي

محددة من الأسئلة حول موضوع البحث، وتمكنه من الشروع فيه قبل أن يبدأ ببناء مفاهيمه اعتمادًا على إجراءات النظرية المجذرة. إن من أهم هذه الإجراءات هو ما يعرف بطريقة المقارنة المستمرة (أو الدائمة) التي سأتحدث عنها بالتفصيل لاحقًا، فرغم أن عملية جمع البيانات وتحليلها في النظرية المجذرة يتمَّان في الوقت نفسه، سأحاول أن أعرض أولً عملية جمع البيانات، ثم سأنتقل إلى تحليلها. غالبًا ما يستخدم باحثو النظرية المجذرة المقابلة أداةً لجمع البيانات، ولو أنه يمكن استخدام

أدوات أخرى أيضًا. يمكن أن يقوم الباحث خلال المقابلة بتدوين الملاحظات أو بتسجيل المقابلة. وبخصوص التسجيل، فإن جليسر يعارضه؛ بحجة أنه يؤثر سلبيًا في سير المقابلة، ويرهق الباحث

ببيانات كثيرة غير مفيدة، إضافةً إلى أن تفريغها يستغرق وقتًا طويلً (عادة في حدود خمس ساعات لكل ساعة تسجيل). كان عالم الاجتماع العراقي علي الوردي قد اقترح الامتناع عن التسجيل؛ لاعتبارات تخص الثقافة المحلية التي ترتاب في أي طريقة رسمية لجمع البيانات. رغم ذلك، فإن للتسجيل فوائده الجمَّة، إن كانت الظروف تسمح بذلك؛ فهو يمكّن الباحث من التركيز على ما يقوله المشارك والتفاعل معه بطريقة أفضل مما لو كان منشغلً بكتابة الملاحظات، كما أنه يساعد على عدم فقدان أي تفاصيل قد تكون مهمة. وبما أنّ المقابلات غالبًا ما تتم باللهجات المحكية، فإن

نقلها المباشر إلى اللغة العربية الفصحى قد يؤدي إلى فقدان الكثير من غنى البيانات. فالمحكية هي الأقرب إلى المعاني التي يستخدمها السكان في الحياة اليومية. بعد أن تنتهي المقابلة، يجب أن يعود الباحث إلى مكتبه ويدون مذكرة أولية عامة عن المقابلة؛ حيث يذكر كل الأفكار والأسئلة والانطباعات التي أثارتها. إن كتابة المُذكِّرات تعتبر مهمة أساسية في النظرية المجذرة، وهذا يعني كتابة كل الأفكار والأسئلة والمقترحات التي تنشأ أثناء جمع البيانات وتحليلها. وهي تعتبر أمرًا

لا بد منه؛ كونها تشجع الباحث على تحليل البيانات والرموز في وقت مبكر وتوجهه أثناء عملية البحث، فهي نوع من المحادثة مع الذات تساعد على بناء الملاحظات التحليلية. فيجب أن تكون عفوية، وغير رسمية، وطليقة، وقصيرة، وغير متكلفة؛ على نحو يسمح بالقبض على الأفكار العابرة (عن الرموز). وتميز تشارماز بين المذكرات الأولية، والمتقدمة. ويستخدم باحثون غيرها تصنيفًا آخر: تحليلية، ونظرية، ومنهجية أو ذات علاقة بموضوع أساسي.

(31) Barney G. Glaser, Doing grounded theory: Issues and discussion (California: The Sociology Press, 1998), p. 107.

(((3 انظر: محمد بامية، العلوم الاجتماعية في العالم العربي: أشكال الحضور، المرصد العربي للعلوم الاجتماعية (بيروت: 2015)، ص.7

(33) Michael Quinn Patton, Qualitative evaluation and research methods , 3 rd ed. (California: Sage Publications, inc, 2002), p. 381. (34) Ibid., p. 72. (35) Ibid., p. 80. (36) Virginia Carrero Planes, Rosa María Soriano Miras & Antonio Trinidad Requena, Teoría Fundamentada: Grounded Theory: El Desarrollo de La Teoría Desde La Generalización Conceptual , 2 nd ed. (Madrid: Centro de Inivestigaciones Sociológicas, 2012), p. 53.

خريف   Autumn 2018

بعد الانتهاء من تفريغ المقابلة، يبدأ الباحث مباشرة بعملية ترميز البيانات، وهي تتألف من ثلاثة أنواع مختلفة: • الترميز الأولي أو المفتوح: تسمي تشارماز هذا النوع الأولي، بينما يفضل جليسر وشتراوس وكوربين تعبير المفتوح. وهو يمثّل الخطوة الأولى في عملية الترميز. ومن المهم أن يبقى الباحث منفتحًا على

أي فكرة قد يجدها في البيانات، وأن يثير التساؤلات التي تساعد على بناء فئات: ماذا تعني هذه

البيانات؟ وماذا تقترح؟ ومِن وجهة نظر مَن؟ وما الفئة النظرية التي تشير إليها هذه البيانات المحددة؟

وهناك بعض النصائح الإضافية المفيدة التي تساعد الباحث على التقدم في هذه العملية:. Line–by–line coding ترميز كل سطر بسطره – – التوقف عن الترميز وكتابة مذكرة عندما تبرز أي فكرة جديرة بالتدوين. – الاستمرار في العمل الميداني مهما كان الوقت اللازم. – على الباحث ألا يعطي مسبقًا أي أهمية تحليلية لمتغيرات مثل الجنس أو العمر أو الطبقة الاجتماعية أو غيرها. بالنسبة إلى جليسر، تنبثق الفئات من البيانات، أما بالنسبة إلى تشارماز، فيتم بناؤها بالتشارك بين الباحث والمشاركين؛ لأن لكل باحث مهارات ومعارف مختلفة. • الترميز المُركَّز: يسمى أيضًا الانتقائي، ويمثّل الخطوة التالية بعد الترميز الأولي؛ حيث يقوم الباحث

باختيار أبرز الرموز والأهم بالنسبة إلى البحث. وهي تكون عادة تلك الرموز المرتبطة بفئة مركزية Category Core، لذلك عادة ما يبدأ الترميز الاختياري بعد أن يكون الباحث قد توصل إلى هذه الفئة. بالنسبة إلى جليسر وشتراوس، توجد فئة مركزية واحدة، لكن تشارماز لا تشترط ذلك؛ فبالنسبة إليها قد يكون هناك أكثر من واحدة. ويمك ن الترميز المُركّز الباحثَ من حبك قصة تحليلية ومن ثمّ استكمال

تكوين الفئات على نحو كامل ونهائي، وجمع المزيد من البيانات بهدف إشباع هذه الفئات المختارة. كما أن تشارماز لا تفترض علاقة خطية بالترميز الأولي، أي إن الترميز المُركَّز يمكن أن يحدث في أي

لحظة خلال الترميز الأولي.

(((3 يقوم معظم الباحثين بترميز بياناتهم النوعية بناء على محاور أو أفكار رئيسة Themes، بينما يهتم الباحث الذي يعتمد النظرية

المجذَّرة بالترميز بطريقة تتيح له رؤية الأفعال والمراحل. هذه الطريقة المختلفة بالترميز بالغة الأهمية لتمكين الباحث من التقدم

بخطى ثابتة نحو بناء النظرية. لذلك، كان لا بد من عرضها في هذه الورقة ولو باختصار. فكما تقول تشارماز: قوة النظرية المجذ رة تبدأ بالترميز. وخير وسيلة للتحقق من صحة هذه الادعاءات هو أن يرجع القارئ – الباحث إلى مقابلة ما، كان قد قام بترميزها وفق

الطرق السائدة، وإعادة العملية مجددًا وفق ما تقترحه النظرية المجذَّرة: ترميز سطر – سطر، وبدلً من استخدام صيغ تخفي الفعل،

ينبغي التفكير في صياغة أخرى تظهره. فمث، بدلً من «المشاعر» أو «المرض» يتم استخدام «ضبط المشاعر» أو «الصراع مع المرض»، وهكذا. سيلاحظ مباشرة كيف أن البيانات ستبدو أكثر غنى ودينامية. في الورقة التالية تقدم تشارماز نموذجًا لنص تم ترميزه

بطرق مختلفة؛ حيث يظهر الفرق بعد ترميزه بطريقة سطر – سطر وبصيغة تظهر الفعل، انظر:

Kathy Charmaz, «The power and potential of grounded theory,» Medical Sociology Online , vol. 6, no. 3 (October 2012), p. 6. (38) Planes, Miras & Requena, p. 48.

في الحاجة إلى النظرية المجذرة: نحو علوم اجتماعية في السياق العربي

• الترميز النظري: هناك نوعان من الرموز؛ الواقعية والنظرية، وتشكل الأولى مفاهيم من المادة الميدانية لمجال البحث، أما الثانية فهي تشكل مفاهيم عن كيفية ارتباط الرموز الواقعية (التي تم اختيارها خلال الترميز المُركز) بعضها ببعض. في هذه المرحلة ينتقل الباحث من بناء فئات من الرموز إلى التأمل

والبحث في طبيعة العلاقة بين الفئات فيما بينها، من أجل نسجها معًا في فرضية ونظرية. تُمكّن عملية الترميز الباحث من الصعود التدريجي إلى مستوى أعلى من التجريد، حتى الوصول إلى رسم معالم النظرية. لكن أليس من الممكن القول إنّ هناك طرقًا عدة للوصول إلى هذا الهدف؟ فلماذا الإصرار على النظرية المجذرة وعلى الحاجة إليها، إن كان من الممكن الوصول إلى النتيجة ذاتها بطرق متعددة؟ في ظل تبعية العلوم الاجتماعية العربية للنظريات الغربية وغياب التنظير، تأتي الحاجة إلى النظرية المجذرة في السياق العربي من كونها، من بين كل طرق البحث النوعي، تضع الوصول إلى نظرية بطريقة استقرائية هدفًا لها. وطورت جملة من الإجراءات لضمان عدم «تلوث» عملية الاستقراء، وتحصينها من مخاطر الانزلاق في إشكالات الفئات أو المفاهيم المسبقة. وقد أثبتت كفاءة كبيرة، من خلال تطبيقها في مجالات بحثية متنوعة، وفي مجتمعات مختلفة، كما أنها تطورت إلى حد كبير عما كانت عليه في بدايتها؛ ما جعل منها اليوم المنهجية الأبرز في البحوث الميدانية التي تهدف إلى إنشاء نظرية، وليس الاكتفاء بالوصف أو تكوين فرضيات: النظرية الناتجة هي نظرية تم التحقق منها وبناؤها في الوقت نفسه من خلال طرق وإجراءات صارمة. ولعل واحدة من أكثر الإجراءات أهمية بالنسبة إلى الباحث العربي تكمن في أنها تساعد على تجاوز «بعثرة» الدراسات الميدانية (الإشكالية التي تحدثنا عنها في المقدمة)، ووضعها في إطار نظري عن طريق توفير إمكانية الانتقال إلى نظرية صورية بناءً على نظريات أساسية، وعن طريق المعايير التي يجب أن يلتزمها الباحث لضمان جودة

((3(الأبحاث التي اعتمدت النظرية المجذَّرة كانت كلّها نوعية تقريبًا.

Kathy Charmaz, «A Constructivist Grounded Theory Analysis of Losing and Regaining a Valued Self,» in: Frederick J. Wertz et al., Five Ways of Doing Qualitative Analysis: Phenomenological Psychology, Grounded Theory, Discourse Analysis, Narrative Research, and Intuitive Inquiry (New York: Guilford, 2011), p. 167.

مع أن جليسر يؤكد أنها من الممكن أن تكون نوعية أو كميّة، وكان قد نشر مؤخرًا كتابًا يشرح طريقة إجراء بحوث كميّة للدفع في

هذا الاتجاه، انظر:

Barney G. Glaser, Doing Quantitative Grounded Theory (Mill Valley, CA: Sociology Press, 2008), p. 1.

من حيث المبدأ، يحاجّ جليسر بعبارته الشهيرة «كل شيء بيانات»، وبأنه على الباحث المشتغل بالنظرية المجذ رة ألّ يهتم بكونها

كميّة أو نوعيّة، ما دامت تقبل التوظيف للهدف الرئيس: تكوين نظرية مجذ رة في البيانات الميدانية. لكن نظرة واحدة على عناوين

الأعمال التأسيسية للنظرية المجذَّرة تظهر مدى ارتباطها الوثيق بالبحث النوعي (انظر الجدول.)2 (((4 قارن ذلك ب:

Kathy Charmaz, «Grounded Theory in Global Perspective: Reviews by International Researchers,» Qualitative Inquiry , vol. 20, no. 9 (2014), p. 1074; Kathy Charmaz, «Grounded Theory as an Emergent Method,» Hesse–Biber, S. N., & Leavy, P. (eds.) Handbook of emergent methods (New York: Guilford Press, 2010), p. 156; Kevin G. Corley, «A Commentary on ‘What Grounded Theory Is…’ Engaging a Phenomenon from the Perspective of Those Living it,» Organizational Research Methods , vol. 18, no. 4, p. 601; Bryant & Charmaz, p.1.

خريف   Autumn 2018

نظريته. يُضاف إلى ذلك ضرورة التزام إجراءات الترميز (والتي قد تختلف قليلً بين جليسر وشتراوس

وتشارماز) لضمان الانتقال السلس من الأسفل إلى الأعلى. وهناك طريقتان أساسيتان لا بد للباحث أن يلتزمهما عند اعتماد النظرية المجذرة أيًا كانت المدرسة التي كان قد اختارها: طريقة العينة النظرية،

وطريقة المقارنة المستمرة. لا تتيح هاتان الطريقتان للباحث بناء مفاهيمه التحليلية انطلاقًا من البيانات فحسب، وإنما تُمكّنانه أيضًا من صقل هذه المفاهيم من خلال مقارنتها بالبيانات والأدبيات السابقة، فضلً عن تمكّنه من اكتشاف كيفية مساهمة المفاهيم التي أنشأها في تقديم إضافات نوعية جديدة في النظريات السابقة؛ ومن ثمّ المساهمة في تطويرها وصقل مفاهيمها. إنها علاقة تفاعلية مدعمة بما

وجده في بياناته، بدلً من سبر هذه البيانات بمفاهيم مسبقة ناجزة وجاهزة لا تعير أي انتباه لخصوصية الظاهرة التي تدرسها وسياقاتها. كما أنها تساعده على استثمار وقته وجهده؛ على نحو يتيح له التركيز على الإجابة عن التساؤلات والتحديات التي تفرضها عليه بياناته من أجل الوصول إلى النظرية. • طريقة العينة النظرية: بالرغم من أن النظرية المجذرة تنهج مسلك ا استقرائيًا، فإن هذه الطريقة تجمع

بين الاستقراء والاستنباط، وهذا النوع الأخير يصبح واضحًا من تعريف هذه الطريقة، فهي «عملية جمع

البيانات لتوليد النظرية، حيث يقوم المحلل بجمع وترميز وتحليل لبياناته في الآن ذاته، ويقرر ما هي البيانات التي سيتم جمعها بعد ذلك وأين يمكن العثور عليها، من أجل تطوير نظريته حال نشأتها». بهذه الطريقة، تقوم الرموز المستقرأة بتوجيه عملية جمع البيانات. ويتيح هذا النوع من طرق سحب العينة للباحث العثور على بيانات بطريقة تسمح له بإنشاء فئات جديدة. ينتهي جمع البيانات عند الوصول إلى ما يعرف بالتشبع النظري؛ ما يعني أن البيانات التي تم جمعها أضحت متكررة، لا تضيف

(((4 في كتابهما النظرية اكتشافالمجذَّرة، ذكر جليسر وشتراوس ثلاثة معايير، هي: ملاءمتها وصلاحيتها للعمل وأهميتها. وأضاف

جليسر لاحقًا معيارًا رابعًا، هو «قابليتها للتعديل». أما شتراوس وكوربين فحددا معايير مزدوجة ترتبط بعملية البحث وبالنتائج. ووفق

تشارماز، توجد أربعة معايير: الصدقية والأصالة والصدى والفائدة. وتتطلب هذه المعايير الأربعة من الباحث إخضاع نظريته لجملة

من الأسئلة على نحو يتيح المساهمة في نقاش النظريات أو المُسلَّمات القائمة والدفع في اتجاه تصدير النظرية إلى مجالات أخرى؛

على نحو يمكّن من بناء إطار نظري أشمل: هل منطقية روابط هناك هل الملاحظات الإمبريقية؟ من واسعة مجموعة الفئات تغطي قوية بين البيانات المُجمَّعة والحجج والتحليل؟ كيف تتحدى النظرية، أو توسع، أو تنقح الأفكار والمفاهيم والممارسات الحالية؟

أعمق رؤى التحليل لهم يقدم هل ذاتها؟ الظروف يشاركونهم الأشخاص الذين أو معقولة بالنسبة إلى المشاركين تبدو النظرية هل المعرفة؟ وغيرها يسهم في أخرى؟ كيف مجالات في البحث من مزيد وعوالمهم؟ هل يمكن أن يؤدي التحليل إلى حياتهم حول من الأسئلة، انظر:

Charmaz, Constructing Grounded Theory , p. 182.

(((4 طور شتراوس نوعًا آخر من الترميز أسماه الترميز المحوري coding Axial، وهو يتطلب من الباحث إجراء وصف دقيق

للعلاقات بين كل فئة وفئاتها الفرعية. ولا تشترط تشارماز هذا النوع من الترميز، أمّا جليسر فيرفضه رفضًا تامًّا، وأرى أنه قد يعرقل

عملية الانتقال إلى النظرية، وهي الدافع الرئيس للحاجة إلى النظرية المجذ رة من أجل بناء نظريات في السياق العربي. كانت جودي كينديل قد اقترحت، من خ لاا تجربتها مع هذا النوع من الترميز، عدم اللجوء إليه في حال كان الهدف هو الوصول إلى نظرية، ولكنها رأت أن له فائدة كبرى إن كان الهدف هو تطوير الجانب الوصفي للمفاهيم، انظر:

Judy Kendall, «Axial Coding and the Grounded Theory Controversy,» Western Journal of Nursing Research , vol. 21, no. 6 (December 1999), pp. 743–757. (43) Glaser & Strauss, p. 45. (44) Barney G. Glaser, Theoretical Sensitivity: Advances in the Methodology of Grounded Theory , 4 th ed. (California: Mill Valley, The sociology Press, 1978), p. 37.

في الحاجة إلى النظرية المجذرة: نحو علوم اجتماعية في السياق العربي

أي معلومات جديدة ذات صلة لتنقيح الفئات أو لإضافة تفاصيل جديدة. يساعد هذا الأمر على تجاوز الكثير من المصاعب التي ترافق عملية الترميز: لا حاجة إلى جمع بيانات جديدة إلى أي فئة مشبعة. وهكذا، يمكن أن يكرّس الباحث وقته وجهده لجمع المعلومات اللازمة للفئات غير المشبعة فقط.

والهدف من العينة النظرية هو الحصول على بيانات مفيدة تفسر الفئات. وليس البحث عن «التمثيل» أو زيادة القابلية للتعميم الإحصائي كما هي الحال في البحث الكمي. كما أنه غالبًا ما يتم الخلط

بين طريقة العينة النظرية وطرق العينة القصدية المستخدمة عادة في البحوث النوعية. ويكمن الفارق بينهما في أن الباحث في الحالة الأولى لا يعرف مسبقًا من يجب أن يختار، ولا وماذا يجب أن يختار، على عكس الحالة الثانية. في العينة النظرية، يسعى الباحث لجمع «البيانات وثيقة الصلة بخصائص جديدة تظهر تباعًا، ومن ثم صقل الفئات وتنقيحها في النظرية الناشئة»؛ لذلك، فهو

يتغير دائمًا وفقًا للاحتياجات النظرية. إن طريقة العينة النظرية قصدية؛ بمعنى أن الاختيار يتم لتنقيح

النظرية الناشئة، ولا يحركه هاجس الحصول على عينة تمثيلية. • طريقة المقارنة المستمرة (أو الدائمة): يحدد جليسر التحليل المقارن المستمر على النحو التالي: – مقارنة الحالات القابلة للتطبيق على كل فئة. وهذا من شأنه أن يساعد على ظهور الفئات وكذلك الخصائص المرتبطة بها. – دمج الفئات وخصائصها. وهذا يؤدي إلى ظهور النظرية؛ لذلك لا بد من جمع البيانات وتحليلها في الوقت ذاته باتباع طريقة العينة النظرية. – ترسيم النظرية؛ الأمر الذي سيتيح اكتشاف الاتساق في الفئات وفي خصائصها أيضًا. – أخيرًا، كتابة النظرية. وهكذا، سيتمكن الباحث، اعتمادًا على الاستقراء والمقارنة الدائمة خلال عملية البحث كلها، من توليد مفاهيم ونظريات أكثر تجريدًا، وسيعود ليفحص بياناته من خلالها؛ وهذا يعني أنه لا ينتظر إلى حين الانتهاء من جمع البيانات كي يحللها كما هو مألوف في إستراتيجيات نوعية أخرى. في النظرية المجذرة، يجمع الباحث البيانات ويحللها في وقت واحد، كما أن هذه المقارنات لا تقتصر على البيانات التي تم تحليلها؛ فحتى الأدبيات والنظريات الموجودة يمكن أن تكون أيضًا مصادر غنية للمقارنة.

(45) Charmaz, Constructing Grounded Theory , pp. 100–101. (46) C.f. Jenna Breckenridge & Derek Jones, «Demystifying Theoretical Sampling in Grounded Theory Research,» The Grounded Theory Review , vol. 8, no. 2 (June 2009), p. 115. (47) Charmaz, Constructing Grounded Theory , p. 96. (48) Barney G. Glaser, «The Constant Comparative Method of Qualitative Analysis,» Social Problems , vol. 12, no. 4 (Spring, 1965), p. 439. (49) Charmaz, Constructing Grounded Theory , p. 165.

يظهر الشكل (2) على نحو ملخص كل ما ذكرناه حتى الآن، تقريبًا، بخصوص عملية البحث وفق النظرية المجذرة البِنائية. الشكل (2) طريقة النظرية المجذرة

المصدر:

Kathy Charmaz, Constructing Grounded Theory: A Practical Guide through Qualitative Analysis (California: Sage

خريف   Autumn 2018

Publications, 2006), p. 11.

في الحاجة إلى النظرية المجذرة: نحو علوم اجتماعية في السياق العربي

بإيجاز، تعني زيادة الاهتمام باستخدام النظرية المجذرة والتزام إجراءاتها نظريات أساسية أكثر، ومن ثم سيكون في الإمكان الوصول إلى نظريات صورية. ونتيجة ذلك تعزيز قدرة الباحثين العرب على إضافة إسهامات نظرية قيّمة (مستمدة من واقعهم) في مجال العلوم الاجتماعية على مستوى العالم،

وفي الوقت نفسه خروجهم من دور «الواعظ»؛ بحيث إنهم يقدمون نظريات تفسر الواقع في السياق العربي، وتفهمه بعمق، ولا تكتفي بالدور الوصفي للظواهر. على سبيل المثال، تساءل عزمي بشارة في افتتاحيته لمؤتمر طلبة الدكتوراه العرب في الجامعات الغربية عن أسباب عدم وجود مساهمات جدية عربية رغم توافر الإمكانات. وذكر غياب نظرية في الانتقال الديمقراطي، رغم أن العالم العربي اليوم يمثّل مختبرًا كبيرًا للمساهمة في ذلك. وأضاف أن أهم الإصدارات المتعلقة بهذا الموضوع كانت في

أميركا اللاتينية؛ لأنها عاشت تجربة الانتقال، ووجد من ينظِّر منها استقرائيًا بالبناء على دراسة حالات

معينة. وأضيف هنا، أليس من الطبيعي أن نصل إلى هذه النتيجة ما دامت المقاربات الأكثر استخدامًا في العالم العربي (كما أوضحنا سابقًا)، الكمية والنوعية منها، غير معنية أو على الأقل لا تضع التنظير أو بناء نظرية هدفًا لها كما تفعل النظرية المجذرة (الأقل حضورًا)؟ ثمّ إنّ النظرية المجذرة يمكن أن تساعد على تحسين تصميم الأدوات البحثية الكميّة؛ بسبب مقدراتها الاستكشافية وعملية الترميز

الدقيقة وطريقتها المقارنة الدائمة وبناء المفاهيم من البيانات: فلو سبقت المسوحات (المؤشر العربي مثلً) سيكون في الإمكان صياغة المتغيرات التي يراد قياسها بطريقة أفضل، ولو استخدمت في مرحلة لاحقة فمن شأنها أن تشكل نظريات عن قضايا بقيت غير مفهومة، إضافةً إلى فهم الفروق في البيانات الكميّة. يقودنا هذا الأمر إلى المنهجية المندمجة التي لا مجال للخوض في تفاصيلها في هذه الدراسة.

تلك هي فوائد النظرية المجذرة، لكن – مثلها مثل أي منهجية أخرى – لها حدودها وتحدياتها. غالبا ما يُفاجأ الباحث بتحديات النظرية المجذرة. فبالرغم من وفرة الكتب التي تشرح إجراءاتها إلا أنها تفتقد للكثير من التفاصيل الضرورية حول تطبيق هذه المنهجية. هذه هي الحال بصفة عامة. أما بخصوص العالم العربي، فهذه الكتب شبه غائبة أو صعبة المنال. إضافة إلى ذلك، تعتبر المقابلة (الأداة المفضلة لباحثي النظرية المجذرة)، بوصفها – من دون شك – أداة ذات إمكانات استكشافية كبرى، لكن لها أيضًا تحدياتها؛ فهي تتطلب من الباحث مهارات معينة، خصوصًا إذا كان يتعامل مع قضايا حساسة. أضف إلى ذلك أن عملية الترميز واتباع طريقة العينة النظرية قد تتطلب وقتًا طويلً؛ الأمر الذي ربما يكون مشكلة خاصة بالنسبة إلى الطلاب أو أولئك الذين لديهم وقت محدود

(((5 «كلمة عزمي بشارة في افتتاح مؤتمر طلبة الدكتوراه العرب»، يوتيوب، 2018/3/26، شوهد في 2018/9/16، في:

https://bit.ly/2PGOt7F

((5(لا شك في أن ما يحدد إستراتيجية البحث هو السؤال البحثي، وأنه يجب أل تُفرض إستراتيجية واحدة دون غيرها. المقصود

هنا هو أننا في حاجة إلى مزيد من التنظير، ومن ثمّ الاهتمام بالنظرية المجذ رة، وتمكين الباحثين منها أكثر سيدفع في هذا الاتجاه

من دون أن يعني ذلك أنها صالحة لكل الأسئلة؛ فلو كان هدف الباحث هو وصف ظاهرة ما ف معنى حينئذ لاستخدامها، ومن الأفضل عندها أن يلجأ إلى إستراتيجيات أخرى. إن الحاجة إليها تأتي من الرغبة في التنظير في البحوث الاجتماعية العربية بناءً على

البيانات الميدانية؛ ولا تسعى هذه الورقة بأي حال لتصويرها على أنها حل «مُخل.»ِّص

(52) Kaisa Backman & Helvi A. Kyngäs, «Challenges of the Grounded Theory Approach to a Novice Researcher,» Nursing & health sciences , vol. 1, no. 3 (Sep. 1999), p. 152.

خريف   Autumn 2018

لإكمال أبحاثهم. كما أنّ هناك طرقًا مختلفة لاكتشاف/ أو بناء النظرية المجذرة؛ ولذلك يجب أن يقرر الباحث أفضل طريقة، بناءً على سؤاله البحثي وخطته الزمنية. تُعدّ مراجعة الأدبيات وتحديد الإطار النظري الذي يوجه جمع البيانات وتحليلها أمرًا لا بد منه

للحصول على الموافقة والتمويل من الجهات الحكومية، أو المنظمات، أو المؤسسات الأكاديمية. وهذا يمثّل تحديًا لمتطلبات النظرية المجذرة، وخصوصًا بالنسبة إلى أولئك الذين يستخدمون المدرسة الكلاسيكية/ أو جليسر. وهذا السبب قد يصبح عقبة أمام النشر؛ ذلك أنّ العديد من الناشرين والمدققين أو المراجعين معتادون العملَ من خلال طرق البحث التقليدية؛ لذلك، من الممكن أن يسيئوا فهم إستراتيجيات النظرية المجذرة. وقد اقترح إليوت وهيغينز أربع إستراتيجيات لمواجهة تحديات النشر هذه؛ وذلك من خلال توضيح الأمور التالية لإثبات الكفاءة الأكاديمية: • ماذا يعني الاستقراء؟ وما قدراته على توليد معرفة جديدة؟ • مزايا الأسئلة التي تعتمدها النظرية المجذَّرة خلال جمع البيانات وتحليلها. • العلاقة بحث – نظرية بصفتها نقيضًا لنظرية – بحث. • كيف تقدم النظرية المجذرة وسيلة استقرائية – استنباطية قابلة للتطبيق من أجل توليد نظرية مستمدة من عالم حياة المشاركين؟

خامسًا: سبل تعزيز ممارسة النظرية المجذرة في السياق العربي

إذا كان ما سقناه – عن الحاجة إلى التنظير وقدرة النظرية المجذرة على الدفع بهذه الاتجاه – صحيحًا، فلا بد عندها من التفكير في إجراءات تساهم في تعزيز ممارسة النظرية المجذرة في البحوث الميدانية في العالم العربي. وفيما يلي بعض المقترحات التي يمكن أن تساعد على ذلك. • يختار الكثير من طلاب الدراسات العليا المنهج، بناء على ما كان قد تعلمه أو خبره خلال دراسته في المرحلة الجامعية الأولى. وتكمن المشكلة في أن طلابًا كثيرين ينهون مرحلتهم الجامعية

الأولى من دون أن يكونوا قد سمعوا بالنظرية المجذرة؛ فهناك ضعف في تعليم المناهج بصفة

((5(سيعترض العديد من الباحثين المشتغلين بالنظرية المجذَّرة على كلامي هذا. فالفكرة السائدة هي أن الجهد المكثف المبذول في البداية سيسهل العمل في المراحل المتقدمة من البحث؛ ومن ثمّ فإنّ الوقت سيكون نفسه تقريبًا. لكنني أرى أن هذا الكلام ليس

صحيحًا إلّ بالنسبة إلى حالة الباحث صاحب الخبرة في إجراءات النظرية المجذَّرة. بالنسبة إلى الطلاب والمبتدئين، سيكون الأمر

مختلفًا تمامًا، وسيتطلب ذلك بعض الوقت الإضافي ريثما يتمكنوا منها.

(54) Kathleen M. Eisenhardt & Melissa E. Graebner, «Theory Building from Cases: Opportunities and Challenges,» Academy of Management Journal , vol. 50, no. 1 (February 2007), p. 26. (55) Naomi Elliott & Agnes Higgins, «Surviving Grounded Theory Research Method in an Academic World: Proposal Writing and Theoretical Frameworks,» Grounded Theory Review , vol. 11, no. 2 (December 2012), p. 9.

في الحاجة إلى النظرية المجذرة: نحو علوم اجتماعية في السياق العربي

عامة. لذلك من الضروري الاهتمام بتعليم هذه المنهجية خلال هذه المرحلة، وإيلاء تعليم تقنيات المقابلة، بصفتها أداة لجمع البيانات، أهميةً خاصة. ويمكن الاعتماد على تأسيس المدارس الصيفية. • تتمثّل إحدى أبرز المشكلات التي تواجه الباحثين العرب في أنهم يعملون بصفة فردية، لذا يغيب النقاش فيما بينهم؛ ومن ثمّ يغدو من الضروري إنشاء شبكات من الباحثين المعنيين بموضوع معين، أو

منهج معين، أمرًا مُلحًّا. ويتأكّد هذا الأمر في حال اعتماد منهجيات مثل النظرية المجذرة؛ فهي جديدة

نسبيًا ويحتاج الباحث المبتدئ دومًا إلى من يساعده في الإجابة عن الكثير من الشكوك المتعلقة بها،

ولا سيما تلك التي تخص عملية الترميز والانتقال إلى تشكيل النظرية. ويمكن البحث عن التعاون مع الشبكات أو المؤسسات الموجودة حاليًا مثل معهد النظرية المجذرة، أو النظرية المجذرة أونلاين،

أو المدرسة الصيفية الدولية للنظرية المجذرة والبحث النوعي، أو غيرها. • نظرًا إلى المشكلات، التي تحدثت عنها سابقًا، والتي قد تواجه الباحثين في الحصول على تمويل

أو في نشر أعمالهم إذا اعتمدوا النظرية المجذرة، يغدو من الضروري اتخاذ إجراءات لحل هذه المشكلات والمساهمة في خلق فضاء لنشر أعمالهم الأكاديمية وتشجيعهم على المضي قدمًا في

استخدامها. • يواجه الكثير من الباحثين العرب مشكلة في التعامل مع اللغات الأجنبية، يضاف إليها صعوبة الوصول إلى مراجع عربية. وبالنسبة إلى النظرية المجذرة يصبح الموضوع أشدّ تعقيدًا (لا يبدو أن أيّ عمل من أعمال كاثي تشارماز – النظرية المجذرة البنائية – قد تُرجم إلى العربية). لذلك لا بد من ترجمة الأعمال الأساسية التي تشرح سبل تطبيقها، ونقل الكتب التأسيسية إلى العربية (الجدول 2)؛ لتمكين الباحثين من إجراء بحوثهم اعتمادًا على النظرية المجذرة في السياق العربي. ولفهمٍ أفضل للفروق بين المدارس الرئيسة الثلاث، لا بد من ترجمة الأعمال التي تتناول هذه القضية؛ فهي مهمة جدًا، لأن الكثير من الباحثين يخلط بين هذه المدارس المختلفة؛ الأمر الذي يهدد جودة البحث، فضلً عن أنه أمر لا بد منه من أجل تبرير اختيار تقليد أو مدرسة ما دون غيرها. ويجب، من دون شك، عدم الاكتفاء بالترجمة؛ فمن المفيد إنجاز كتب مماثلة تشكل دليل عمليًا يأخذ في الاعتبار

(((5 تؤكد ستيني شامي المديرة العامة لمجلس البحوث الاجتماعية أنه من غير الممكن أخذ نظرية ظهرت في مكان ما، وفي وقت

ما، وتطبيقها على السياق المحلي، وتضيف أن «الجامعات في المنطقة تقوم بعمل سيئ حقًا فيما يخص تدريس مناهج البحث»، انظر: أورسولا ليندسي، «العلوم الاجتماعية في العالم العربي شحيحة رغم الحاجة إليها»، موقع الفنار للإعلام، 2016/4/9، شوهد

في 2018/9/20، في: https://goo.gl/SZG53V (57) «The Grounded Theory Institute: The official site of Dr. Barney Glaser and Classic Grounded Theory,» accessed on 20/9/2018, at: https://goo.gl/HgJShW

(((5 حنفي، «الكتابة السوسيولوجية العربية»، ص.21 ((5(هذه، مثلً، ورقة حديثة (2015) نشرت عن هذا الموضوع ومفيدة جدًا للطلاب والباحثين بشأن التعرف إلى المدارس المختلفة

للنظرية المجذًّرة قبل الشروع في البحث.

Méabh Kenny & Robert Fourie, «Contrasting Classic, Straussian, and Constructivist Grounded Theory: Methodological and Philosophical Conflicts,» The Qualitative Report , vol. 20, no. 8 (August 2015), pp. 1270–1289.

السياق العربي، وفي الوقت نفسه تساهم في تطوير المنهجية ذاتها من خلال المشاركة في النقاشات الدائرة حولها عالميًا. الجدول (2) قائمة بالكتب الأساسية للنظرية المجذرة

خريف   Autumn 2018

YearAuthorTitle
1967Glaser &
Strauss
The discovery of grounded theory
اكتشاف النظرية المجذرة
1978GlaserTheoretical sensitivity
الحساسية النظرية
1987StraussQualitative analysis for social scientists
التحليل الكيفي لعلمء الاجتمع
1990Strauss &
Corbin
Basics of qualitative research: Grounded theory procedures
and techniques
أساسيات البحث الكيفي: تقنيات وإجراءات النظرية المجذرة
1992GlaserBasics of grounded theory analysis
أساسيات التحليل وفق النظرية المجذرة
1994Strauss &
Corbin
Grounded theory methodology: An overview (in Handbook
of qualitative research , 1 st edition).
منهجية النظرية المجذرة: نظرة عامة)في دليل البحث الكيفي، الطبعة
الأولى)
1995CharmazGrounded theory (in Rethinking methods in psychology)
النظرية المجذرة (في إعادة التفكير في المناهج في السيكولوجيا)
1998Strauss &
Corbin
Basics of qualitative research: Grounded theory procedures
and techniques , 2 nd edition.
أساسيات البحث الكيفي: تقنيات وإجراءات النظرية المجذرة، الطبعة
الثانية

يتبع

في الحاجة إلى النظرية المجذرة: نحو علوم اجتماعية في السياق العربي

تابع

2000CharmazGrounded theory: Objectivist and constructivist methods
(in Handbook of qualitative research , 2 nd edition)
النظرية المجذرة: المناهج الموضوعية والبنائية (في دليل البحث
الكيفي، الطبعة الثانية)
2005ClarkeSituational analysis: Grounded theory after the postmodern
turn
التحليل الظرفي: النظرية المجذرة بعد منعطف ما بعد الحداثة
2014CharmazConstructing grounded theory: A practical guide through
qualitative analysis (2 nd edition)
النظرية المجذرة: دليل عملي خلال البحث الكيفي (الطبعة الثانية)

المصدر:

Melanie Birks, & Jane Mills, Grounded Theory: A Practical Guide , 2 nd ed. (California: Sage Publications, 2015), p. 3.

ملاحظات ختامية

بدأت هذه الدراسة بالتعرف إلى إحدى إشكاليات العلوم الاجتماعية العربية؛ حيث اعتمدت على نحو رئيس على دراسات ومراجعات لباحثين وعلماء اجتماع عرب. ثم انتقلت إلى عرض إجراءات النظرية المجذرة من حيث هي منهجية قادرة على المساهمة في تجاوز هذه الإشكالية؛ ليس بصفتها مفتاحًا سحريًا قادرًا على مواجهة كل المشكلات، وإنما بالنظر إلى قدرتها على المساهمة في الدفع نحو تنظير أكثر، مبني على بيانات ميدانية مستمدة من الواقع. لذلك، تمكن إجراءات النظرية المجذرة الباحث من التعامل النقدي مع النظريات والدراسات السابقة مهما كان مصدرها. وذلك بعد أن يكون قد أنشأ، استقرائيًا ومن الواقع المعيش، مفاهيمه وكوّن خطوطًا عريضة لفرضياته؛ على

نحو لا يتيح له صقل مفاهيمه فحسب، وإنما المساهمة في تطوير المفاهيم والنظريات السابقة، ومن ثمّ إضافة إسهامات قيمة والمشاركة في النقاشات التي تدور حول موضوع بحثه على مستوى العالم. تطرقت هذه الدراسة أيضًا إلى نشأة النظرية المجذرة، وهذا ضروري لفهم نُسخِها أو مدارسها. فالخلافات الإبستمولوجية بين مؤسسيها (شتراوس وجليسر) كان لها دور رئيس في الاختلافات اللاحقة ونشوء أربع مدارس رئيسة ذكرناها سابقًا. وهذه الدراسة لا تركز على المدرسة البنائية (تشارماز) بسبب كونها أهم من غيرها أو أنها المدرسة التي يجب أن «تُتبنى». لقد تمّ الاهتمام بالمدرسة البنائية لكونها الأكثر غيابًا عن البحوث العربية؛ لذلك كان من الملائم تسليط ضوء أكثر عليها، وفي الوقت نفسه إظهار أبرز الاختلافات بينها وبين المدارس الأخرى.

خريف   Autumn 2018

ويجب أن نتوقع أننا قد نجد أنفسنا إزاء نسخة معدلة أو جديدة من النظرية المجذرة في حال حازت على اهتمام أكبر من قبل الباحثين والمؤسسات العلمية العربية. ذلك لأن انتشار مدرسة أو فكر ما لا يتم بمعزل عن البنى الثقافية والاجتماعية. لكن هذا لن يحدث قبل ممارستها، وقبل أن يتواصل الباحثون العرب المشتغلون بها فيما بينهم، ويتشاركوا تجاربهم المتعلقة بها، ويبحثوا سبل مواجهة تحدياتها. قبل ذلك، لا يمكن أن نتوقع، أو حتى أن نتخيل، شكل هذا الجديد (كما تؤكد تشارماز نفسها). ولهذا السبب، ختمت هذه الدراسة ببعض المقترحات الأولية لتعزيز ممارستها في العالم العربي عسى أن يساهم ذلك في إثارة المزيد من الاهتمام بهذه المنهجية ذات الإمكانات الكثيرة التي نحن في أمسِّ الحاجة إليها؛ من أجل تأسيس علوم اجتماعية في السياق العربي، وفي الوقت نفسه إثارة

المزيد من النقاش حول قضايا التنظير وعلاقته بالواقع المعيش في العالم العربي. وهذا الأمر من شأنه أن يساهم في جعل العلوم الاجتماعية «أكثر جاذبية».

المراجع

References

العربية

أبو عرّة، رجاء لطفي أحمد. «مراحل نمو الفهم الهندسي في موضوع المثلثات باستخدام الجيوجبرا

لدى طلاب الصف الثامن الأساسي». رسالة ماجستير. جامعة النجاح الوطنية، نابلس،.2014 بامية، محمد. العلوم الاجتماعية في العالم العربي: أشكال الحضور. المرصد العربي للعلوم الاجتماعية. بيروت:.2015 البحراني، منى عبد الله وآخرون. «الاتجاهات نحو برنامج معالجة صعوبات التعلم من وجهة نظر المعلمات والطلاب في سلطنة عُمان: دراسة نوعية تحليلية.» مجلة التربية الخاصة والتأهيل. مج.2 العدد 5.)2014(بدوي، أحمد موسى. «الأولويات البحثية الراهنة في علم الاجتماع المصري». ورقة مقدمة في المؤتمر الدولي: العلوم الاجتماعية في البلدان العربية في مواجهة التعددية الكونية العلمية. الجامعة الأميركية في بيروت. بيروت،.2011 بشارة، عزمي. «معهد الدوحة: تحديات أمام العلوم الاجتماعية والإنسانيات في السياق العربي.» موقع معهد الدوحة للدراسات العليا. 2017/10/18:. في JuJ 3 EY / gl. goo:// https بلوط، سمر عيسى. «التعمق في تجربة أمهات أطفال مرضى السرطان في فلسطين ومدى التوافق النفسي لديهن. رسالة ماجستير». جامعة بيرزيت، رام الله،.2011 تراكي، ليزا. «مراجعة كتاب ‘مستقبل العلوم الاجتماعية في العالم العربي’ لساري حنفي وآخرون.» المستقبل العربي. العدد 449 (تموز/ يوليو.)2016

(60) Charmaz, «Grounded Theory in Global Perspective.»

(((6 انظر: ريتشارد سويدبيرغ، «قبل النظرية يأتي التنظير أو كيف نجعل العلوم الاجتماعية أكثر جاذبية»، ترجمة حميد الهاشمي،

عمران، مج 5، العدد 20 (أيار/ مايو.)2017

في الحاجة إلى النظرية المجذرة: نحو علوم اجتماعية في السياق العربي

حجازي، محمد عزت وآخرون.نحو علم اجتماع عربي: علم الاجتماع والمشكلات العربية الراهنة. ط 2. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1989 حنفي، ساري. «افتتاحية: التحديات أمام علم الاجتماع في عالم غير متكافئ.» إضافات. العدد 6 _______. «الكتابة السوسيولوجية العربية: تحليل بعض المتغيرات في مجلة إضافات.» إضافات. العدد 19 (صيف.)2012 الحنو، إبراهيم بن عبد الله. «مدى استخدام منهجية البحث النوعي في التربية الخاصة: دراسة تحليلية لعشر مجلات عربية محكمة في الفترة من 2005 م إلى.»2014 مجلة التربية الخاصة والتأهيل. مج.3 العدد 10.)2016(الريماوي، صوفيا سعيد وخولة شخشير صبري. «الاتجاهات نحو الحاسوب ومعوقات استخدامه في التعليم لدى معلمي العلوم في المدارس الحكومية في الضفة الغربية.»دراسات العلوم التربوية. مج 38. العدد 1.)2011(سويدبيرغ، ريتشارد. «قبل النظرية يأتي التنظير أو كيف نجعل العلوم الاجتماعية أكثر جاذبية». ترجمة حميد الهاشمي. عمران. مج 5. العدد 20.)2017(ضاهر، وجيه ونمر بياعة. «سياقات وصفات تعلم تلاميذ المدرسة الإعدادية الرياضيات بمساعدة الهاتف الخلوي ». مجلة‎ جامعة. العدد.)2010(14 عبد المعطي، عبد الباسط. اتجاهات نظرية في علم الاجتماع. سلسلة عالم المعرفة 44. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.1981 كرباج، كارول. السياسة بالصدفة: الحراك يواجه شعوبه. ورقة عمل. معهد السياسات في الجامعة الأميركية في بيروت. بيروت،.2016 لعياضي، نصر الدين. «البحث العلمي في علوم الإعلام والاتصال في المنطقة العربية وغياب الأفق النظري.» المستقبل العربي. العدد.)2016(450 مهورباشة، عبد الحليم. علم الاجتماع في العالم العربي من النقد إلى التأسيس: نحو علم العمران الإسلامي. عمَّان: المعهد العالمي للفكر الإسلامي،.2018 موسى أبو صبح، أماني. «دور الهُوية الجماعية الفلسطينية في تحقيق التوافق النفسي للأفراد عقب الصدمة الناجمة عن التعرض للعدوان العسكري». رسالة دكتوراه. جامعة بيرزيت، رام الله.)2011(الهراس، المُختار. «دوريات العلوم الاجتماعية العربية: مناهج، مداخل ومقاربات». المرصد العربي للعلوم الاجتماعية. 2015:. في https://bit.ly/2xyzsNh والاس، رث. النظرية المعاصرة في علم الاجتماع: تمدد آفاق النظرية الكلاسيكية. ترجمة محمد عبد الكريم الحوراني. عمَّان: دار مجدلاوي للنشر والتوزيع،.2011

خريف   Autumn 2018

يحيى، عباد. «مساهمة في نقد الانشغال العربي بثنائية ‘المعرفي/ الأيديولوجي’: الحالة الفلسطينية

مثالً». رسالة ماجستير في علم الاجتماع. كلية الدراسات العليا. جامعة بيرزيت. رام لله،.2013

الأجنبية

Backman, Kaisa & Helvi A. Kyngäs. «Challenges of the Grounded Theory Approach to a Novice Researcher.» Nursing & health sciences. vol. 1. no. 3 (1999). Bayat, Asef. Life as politics. How ordinary people change the Middle East. Amsterdam: Amsterdam University Press, 2010. Bin Hj, Abdul Hafidz (eds.). Proceedings of International Qualitative Research Convention 2005 (QRC05). Malaysia: Qualitative Research Association of Malaysia. Birks, Melanie & Jane Mills. Grounded Theory: A Practical Guide. 2 nd ed. California: Sage Publications, 2015. Blumer, Herbert. Symbolic Interactionism: Perspective and Method. California: University of California Press, 1969. Bowen, Glenn A. «Grounded Theory and Sensitizing Concepts.» International Journal of Qualitative Methods. vol. 5. no. 3 (2006). Breckenridge, Jenna & Derek Jones. «Demystifying Theoretical Sampling in Grounded Theory Research.» The Grounded Theory Review. vol. 8. no. 2 (June 2009). Bryant, Tony & Kathy Charmaz (eds.).  The Sage handbook of grounded theory. California: Sage Publications, 2007. Charmaz, Kathy. Constructing Grounded Theory: A Practical Guide through Qualitative Analysis. California: Sage Publications, 2006. ________. «Grounded Theory as an Emergent Method.» Hesse–Biber, S. N. & Levy, P. (eds.) Handbook of emergent methods. New York: Guilford Press, 2010. ________. «The power and potential of grounded theory.» Medical Sociology Online. vol. 6. no. 3 (October 2012). ________. «Grounded Theory in Global Perspective: Reviews by International Researchers.» Qualitative Inquiry. vol. 20. no. 9 (2014). Corbin, Juliet & Anselm Strauss. «Grounded Theory Research: Procesures, Canons and Evaluative Criteria.» Zeitschrift fuer Soziologie. vol. 19. no. 6 (1990). Corley, Kevin G. «A Commentary on ‘What Grounded Theory Is…’: Engaging a Phenomenon from the Perspective of Those Living it.» Organizational Research Methods. vol. 18. no. 4.

في الحاجة إلى النظرية المجذرة: نحو علوم اجتماعية في السياق العربي

Creswell, John W. Qualitative Inquiry and Research Design: Choosing Among Five Approaches. California: Sage Publications, 2007. ________. Research Design: Qualitative, Quantitative, and Mixed Methods Approaches. California: Sage Publications, 2014. Denzin, Norman K. & Yvonna S. Lincoln (eds.). Handbook of qualitative research. Thousand Oaks, California: Sage Publications, 1994. Eisenhardt, Kathleen M. & Melissa E. Graebner, «Theory Building from Cases: Opportunities and Challenges.» Academy of Management Journal. vol. 50. no.1 (February 2007). Elliott, Naomi & Agnes Higgins. «Surviving Grounded Theory Research Method in an Academic World: Proposal Writing and Theoretical Frameworks.» Grounded Theory Review. vol. 11. no. 2 (December 2012). Fernandez, Cheri. «Guest Editorial, Themed Section.» The Grounded Theory Review. vol. 11. no. 1 (2012). Glaser, Barney G. «The Constant Comparative Method of Qualitative Analysis.» Social Problems. vol.12. no. 4 (Spring, 1965). ________. Theoretical Sensitivity: Advances in the Methodology of Grounded Theory. 4 th ed. Mill Valley. California: The sociology Press, 1978. ________. Doing grounded theory: Issues and discussion. California: The Sociology Press, 1998. ________. Doing Quantitative Grounded Theory. California: The Sociology Press,

Glaser, Barney G. & Anselm L. Strauss. The Discovery of Grounded Theory: Strategies for Qualitative Research. Chicago: Aldine Publishing, 1967. Hanafi, Sari. «The Arab revolutions; the emergence of a new political subjectivity.» Contemporary Arab Affairs. vol. 5. no. 2 (April 2012). Kendall, Judy. «Axial Coding and the Grounded Theory Controversy.» Western Journal of Nursing Research. vol. 21. no. 6 (December 1999). Kenny, Méabh & Robert Fourie. «Contrasting Classic, Straussian, and Constructivist Grounded Theory: Methodological and Philosophical Conflicts.» The Qualitative Report. vol. 20. no. 8 (August 2015).

Patton, Michael Quinn. Qualitative evaluation and research methods. 3 rd ed. California:

Planes, Virginia Carrero, Rosa María Soriano Miras & Antonio Trinidad Requena. Teoría Fundamentada: El Desarrollo de La Teoría Desde La Generalización Conceptual. 2 nd

Wertz, Frederick J. et al. Five Ways of Doing Qualitative Analysis: Phenomenological Psychology , Grounded Theory, Discourse Analysis, Narrative Research, and Intuitive

Whetten, David A. «What Constitutes a Theoretical Contribution?» Academy of

خريف   Autumn 2018

Sage Publications, 2002.

ed. Madrid: Centro de Inivestigaciones Sociológicas, 2012.

Inquiry. New York: Guilford, 2011.

Management Review. vol. 14. no. 4 (October 1989).