العودة إلى تفاصيل المؤلَّف صورة المرأة في خطاب الممارسات السحرية والدينية بالمغرب

صورة المرأة في خطاب الممارسات السحرية والدينية بالمغرب

The Image of Women in the Discourse of Miracle and Religious Practices in Morocco

عبد الهادي أعراب | Abdelhadi Arabe *

الملخّص

نسعى في هذه الورقة لمساءلة صورة المرأة في خطاب الممارسات السحرية والدينية في المغرب، بالتوقف عند معطيات ودراسات ميدانية مقارنة. وهي فرصة لتحليل منطقها الذكوري التبريري الذي استطاع عبر سيرورة التاريخ أن يرسّخها صورًا غير قابلة للدحض في السياق الثقافي العامي والعالِم Savant على حد سواء. وتعالج الورقة أيضًا العديد من الدراسات التي اهتمت بتناول موضوع التديّن في المغرب، ورسمت صورة المرأة البعيدة عن التزام الشعائر الدينية الشرعية والمتاخمة، وفي المقابل المتورطة في أعمال السحر وعبادة الأضرحة والمزارات.

Abstract

Abstract: This paper interrogates the image of women in the discourse of religious and miracle practices in Morocco, using comparative data and field studies. This offers an opportunity to analyze its justificatory patriarchal logic, which over the course of history has been able to consolidate this picture as irrefutable in both the popular and the well–informed cultural context. Furthermore, this paper examines studies concerned with religiosity in Morocco have painted a picture of women far from committed to religious slogans and, by contrast, involved in magical acts and worship of tombs and shrines.

الكلمات المفتاحية:
  • التديُّن
  • السحر
  • الهيمنة الذكورية
  • المرأة
Keywords:
  • Women
  • Religiosity
  • Magic
  • Miracle

ملخص: نسعى في هذه الورقة لمساءلة صورة المرأة في خطاب الممارسات السحرية والدينية في المغرب، بالتوقف عند معطيات ودراسات ميدانية مقارنة. وهي فرصة لتحليل منطقها الذكوري التبريري الذي استطاع عبر سيرورة التاريخ أن يرسّخها صورًا غير قابلة للدحض

في السياق الثقافي العامي والعالم Savant على حد سواء. وتعالج الورقة أيضًا العديد من الدراسات التي اهتمت بتناول موضوع التديّن في المغرب، ورسمت صورة المرأة البعيدة عن

التزام الشعائر الدينية الشرعية والمتاخمة، وفي المقابل المتورطة في أعمال السحر وعبادة الأضرحة والمزارات.

Abstract: This paper interrogates the image of women in the discourse of religious and miracle practices in Morocco, using comparative data and field studies. This offers an opportunity to analyze its justificatory patriarchal logic, which over the course of history has been able to consolidate this picture as irrefutable in both the popular and the well–informed cultural context. Furthermore, this paper examines studies concerned with religiosity in Morocco have painted a picture of women far from committed to religious slogans and, by contrast, involved in magical acts and worship of tombs and shrines.

Sociology professor at the College of Arts and Humanities, Université Chouaib Doukkali, El Jadida, Morocco.

مقدمة

من بين الصور السلبية العديدة حول المرأة بالمغرب، اخترنا الوقوف عند تلك التي تجعلها أشد ارتباطًا بالسحر من الرجل، وأخرى تنظر إلى تديّنها بنوع من الارتياب والتشكيك. ولعل واحدة من الأمثال العديدة والجمل المسكوكة والمُرسِّخة لهذه الصور، تعتبرها «ذات دين منقوص»، أو أن «سحرها يضاهي عمل الشيطان ذاته». تختلف الإجابات المُفسرة لهذا الربط القوي بين النساء وعالم السحر ولإقصائهن من دوائر التديّن والمُقدس، غير أنها عمومًا تتركز حول طبيعتهن النسوية وضعفهن السيكولوجي، والحال أنها تعبيرات خطابية لتبرير التفاوت بين الذكور والإناث، أكثر منها أجوبة تفسيرية للواقع الذي تعانيه النساء في صمت أو تواطؤ ثقافي. فالواضح عندنا أنها تنطوي على عنف رمزي، ترسخه الثقافة عبر ترسيمات Schèmes غير واعية ومحمّلة بعلاقات الهيمنة، تهب للذكر ما لا تهبه للأنثى، بما يسمح لهذا العنف أن يجد فيها شروط استدامته وتأبيده. وللتقدم في التحليل نؤكد ملاحظة منهجية اعتمدناها خلفيةً بحثية، سيساعد عرضها المقتضب القارئ على متابعة فكرتنا ومفادها أنه: في الدراسات الأنثروبولوجية والسوسيولوجية الكلاسيكية حدث جدل واسع بشأن العلاقة بين الأسطورة والدين والسحر، وبشأن الفرق بينها، وكذلك بشأن المُقدس والمُدنس. وقد تضمنت الدراسات الكولونيالية حول هذه الظواهر، كما تبلورت تاريخيًا في

التجربة المغاربية، غموضًا كبيرًا بسبب إسقاط مفهوم المقدس في المسيحية على التجربة الاجتماعية

الإسلامية، وكذا بسبب غياب مناقشة دقيقة للعلاقة المعقدة والدينامية بين الطقوس الدينية والطقوس السحرية في هذه التجربة، إذ يمكن لفئة معينة من «رجال الدين» – لا ينتمون إلى الإسلام الرسمي – أن يجمعوا على نحو غامض بين الوظيفة الدينية والوظيفة السحرية. من ناحية أخرى نشير إلى أن بحثنا لا يعمّم الخطاب موضوع الفحص على جميع أصناف النساء.

ففي التاريخ المغاربي والأندلسي، كتب السِيَر مليئة بأسماء نساء فقيهات، قمنَ بدور ديني أساسي في

حياة المؤمنين رجالً ونساء، سواء بأفعالهن الخيرية – نذكر هنا فاطمة الفهرية التي قامت ببناء جامع القرويين بمدينة فاس في القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي 65/2 ه 878 م – أو بعلمهن في الفقه ونحوه. ونحن إذ نشير إلى هذه المسألة، فإننا نهدف إلى أخذ مسافة من الدراسات الكولونيالية النمطية

(((طرحت العلاقة بين الدّين والسّحر نقاشًا واسعًا جسدته في حقل الأنثروبولوجيا تصورات أسماء لامعة أمثال فريزر James

George Frazer ومالينوفسكي Bronislaw Malinowski وموس Marcel Mauss وغيرهم. فهناك من سعى للفصل والقول بالاختلاف، كما هو الحال بالنسبة إلى فريزر، وإن لم يستطع أن ينفي صدور أحدهما عن الآخر، لأن أخطاء الساحر وعدم تجاوب الطبيعة معه دائمًا، مهّدَا للتسليم بوجود قوى أخرى متجاوزة وعليا تغطي هذا القصور. أما بالنسبة إلى مالينوفسكي، فقد تبيّن الامتزاج ذاته،

خصوصًا في المجتمعات القديمة، حيث تتكسر الحدود بين العنصرين ويرتبط كل منهما بالآخر. كما سعى موس لإقامة تمييز خاص

بينهما، منطلقًا من أن الدين يجسد القداسة المتعالية، أو تعالي المقدس La transcendance du sacré، بينما يفتقد السحر بجانبه غير المقدس إلى الالتزام الاجتماعي المشترك، كونه يعتمد على تقوى محايثة للطبيعة تمثلها أساسًا القوى المختلفة، انظر:

Marcel Mauss, Sociologie et Anthropologie (Paris: PUF, 1966), pp. 12–13.

(((انظر في هذا الصدد:

Émile Durkheim, Les formes élémentaires de la vie religieuse (Paris: PUF, 1960).

المُعمِمة. وبناء على هذه الملاحظات فإن بحثنا لن يخوض في هذه النقاشات، ولو أن لها علاقة

وطيدة بالقضية التي نطرحها من ناحية الإطار المعرفي العام الذي يشملها، إنما سيركز، في المقابل، على الخطاب الذكوري، بشقيه المعرفي والعامي، الذي صنع صورة نمطية للنساء المغربيات، عبر تناوله لعلاقتهن بمجالَي الدين والسحر، وهي صورة دونية تظهر من خلالها المرأة أقل تدينًا وأقرب إلى ممارسة السحر. بالتوقف مثلً عند الكتابات الأنثروبولوجية الكولونيالية التي طبعت مرحلة التأسيس للسوسيولوجيا بالمغرب، سنجد أنها لم تبدِ اهتمامًا كبيرًا بالنساء على نحو مباشر، مُؤسِسةً بذلك تقليدًا سوسيولوجيًا

يقصيهن من دوائر المقدس الديني، فكل ما أنتجته حولهن كان من قبيل المصادفة العارضة، ما دام هاجسها الأكبر قد ارتبط بفهمٍ وتحليلٍ للبنيات القبلية للمجتمع المغربي، لذا تسجل الباحثة رحمة بورقية على هذا الصنف من الدراسات، إلى جانب وفائه للمشروع المعرفي للسلطة الاستعمارية، مركزيته الذكورية Androcentrique، لأنه رغم أهمية المرأة في المجتمع القبلي، لم تحظَ بما يكفي من الاهتمام موضوعًا للبحث في هذه الدراسات، بل عملت، في المقابل، على ترسيخ صورة المُضطهَدة

والمُحجّبة ضد نظرات الرجال، وهي الصورة النمطية المتداولة ذاتها عن الشرق وثقافته المميزة، مُذكّرة

الغرب بماضيه البعيد ومراحله التاريخية المنصرمة. فروبير مونتاني مثلً لم يفرد للمرأة موقعًا خاصًا في

مؤلفه الأساسي، باستثناء إشارات تتعلق بالعُرف والمعتقدات الدينية والطقوس السحرية المحلية، وبالنسبة إلى إدموند دوتي، ظل الإسلام المغاربي متأرجحًا بين جانب العبادة المُغرقة بالممارسات

المُحتقِرة للنساء تارة والاندماج في العبادات الإسلامية تارة أخرى؛ ولأن المرأة مُبعَدة من القداسة،

فإنها تجتهد في الارتباط بالسحر وتقديس قدراته المفارقة فيما يشبه «ديانة ذات طبيعة دونية». ويذهب إدوارد فسترمارك بعيدًا في الربط بين المرأة والكائنات اللامرئية، في سياق ربطه بين الجن

وًالدم بالنسبة إلى بعض المهن والأفراد كالجزارين مثل، مؤكدًا أن النساء كائنات بعيدة عن القداسة؛ ولأن الجن كائنات تفضل منابع المياه والمواقد النارية التقليدية حيث تعمل المرأة وتوجد باستمرار، فإن صلتهما تتعمق أكثر بما يجعلها عمليًا أشد عرضة للإصابة بأذاها. كما توقف

عند المرأة المسنّة بوصفها الأكثر خبرة في ممارسة السحر، وهي مفارقة تسم المجتمع المغربي، لأنه

(3) Robert Montagne, Les Berbères et le Makhzen dans le sud du Maroc: Essai sur la transformation politique des Berbères sédentaires (Groupe Chleuh) , (Paris: Alcan, 1930). (4) Edmond Doutté, Magie et Religion en Afrique du Nord (Paris: Maisonneuve et P. Geuthner, 1984), p. 15.

(((إدموند دوتي، «السحرة والعرافون بشمال أفريقيا»، في: مجموعة مؤلفين، السحر من منظور إثنولوجي، ترجمة محمد أسليم (مكناس: مطبعة سيندي، 9911)، ص.68

(6) Edward Westermarck, Survivances Païennes dans la Civilisation Mahométane (Paris: Payot, 1935), p. 14. (7) Ibid, p. 160.

(((لاحظ إميل درمنغهم أن للماء خاصية قداسية وسحرية، لهذا ارتبطت الأماكن المقدسة كالأضرحة مثلً بالآبار ومنابع المياه، وهي منابع سحرية أو لها بُعد سحري، إذ تُستعمل للعلاج أيضًا سواء بالشرب أو الاغتسال، انظر:

Émile Dermenghem, Le Culte des Saints dans l’Islam Maghrébin (Paris: Gallimard, 1954), pp. 143–145. (9) Westermarck, p. 14.

في الوقت الذي يحترم الشيوخ تُستثنى النساء، فكلما شاخ الرجل حظي باحترام أكبر، بينما كلما تقدمت المرأة في السن، صارت مؤهلة للتحول إلى ساحرة. وبالتوقف عند إدوارد ميشو – بلير، نجد أن الثابت في الإسلام المغاربي طقوسه الخرافية بتقديس الأضرحة المحلية التي ترتادها النساء بعيدًا عن التمثل التام لله الواحد. إنه إسلام يقدس الموتى، وهم مَن يحكمون مثلما أوضح ألفريد

بيل، ما دام الاعتقاد السائد يدور حول أرواح تسكن الأحجار والأشجار والحيوانات والكائنات البشرية أيضًا. استمر التصور ذاته «الأندرو مركزي» في الدراسات السوسيولوجية لمراحل لاحقة، ففي دراسة لبرونو إتيان عامَي 9789791 و 1، عن تديّن النساء بالدار البيضاء، نجد معطيات خاصة تضعها بين السحر

والعرافة، منطلقة من وجود تباين في الممارسات الدينية لمصلحة الذكور ومؤكدة أن الفاعلين هم دائمًا

رجال علماء وفقهاء، بينما لا يتكاثر عدد النساء إلا إذا اتجهنا نحو الأسفل؛ وخلافًا للتصورات التي أكدت في سبعينيات القرن الماضي أن الخطاب السلفي سيحد من المعتقدات الشعبية، أوضحت دراسة برونو استمرارية الإسلام الشعبي المرتبط بالأضرحة غير بعيد عن العرافة والتطيّر والسحر. أما إذا توقفنا عند الكتابات المغربية في مرحلة لاحقة، فسنجد أن جزءًا كبيرًا منها انصبّ على المستوى

القانوني؛ لأنها نظرت إلى القوانين بوصفها المسؤول المباشر عن التفاوت واللامساواة بين الذكور والإناث، والعنصر الذي ينبغي التوجه إلى تغييره ومراجعته، بينما أغفلت الشروط الثقافية لهذا التفاوت وأشكال الصمت عنه والتواطؤ معه بمباركة من الذهنية الثقافية المسكونة بالمركزية الذكورية، كما لم تنتبه إلى اختلاف واقع النساء وتعدد معيشتهن وتنوعه السوسيولوجي تبعًا لاختلاف المناطق والمجتمعات. من هنا اتجهت مساعينا في هذه الورقة، إلى مساءلة بعض الصور الثقافية العنيفة حول المرأة، تلك التي تربطها بالسحر وتعتبر تدينها ضعيفًا مقارنة بالرجل. ويتعلق الأمر بتقليد ربط قِيم الرجل بالأعلى وقيم الأنثى بالأدنى، كما أناط بالأول أدوارًا كبرى ونسب إليه تدينًا أنقى، بينما أناط بالثانية أدوارًا

(10) Ibid., p. 118. (11) Edouard Michaux–Bellaire, «Le Wahhabisme Au Maroc,» Bulletin du Comité de L’Afrique Française (1928), p. 492. (12) Alfred Bel, Religion Musulmane en Berbérie: Esquisse d’histoire et de Sociologie Religieuse (Paris: Librairie Orientaliste/ Paul Geuthner, 1938), p. 9. (13) Ibid., p. 75. (14) Bruno Etienne, «Magie et Thérapie à Casablanca,» Annuaire de L’Afrique du Nord , vol. 18 (1979), pp. 267–284. (15) Jean–Paul Charney, Sociologie de l’Islam (Paris: Sindibad, 1977).

1(((في فرنسا وإسبانيا مث، تؤكد رحمة بورقية أن الاتجاه إلى التاريخ كان واضحًا وقويًا، للبحث عن تاريخ الع قااات بين

الجنسين، انظر:

Rahma Bourquia (dir.), Etudes féminines: Notes Méthodologique , Série colloques et Séminaires 73 (Rabat: Université Mohamed V, 1997), p. 10.

ثانوية ووسم تدينها بالضعف والسذاجة. ألسنا في النهاية أمام سيرورة تنشئة اجتماعية أناطت بالذكور أدوارًا أساسية وبالإناث أدوارًا دونية؟ أليست سوى صور جاهزة صنعتها الثقافة لتبرير الهيمنة الذكورية

وتأبيدها؟

أولا: تديّن النساء

تدور إشكالية «المرأة والتدين» حول الكشف عن موقع النساء ومكانتهن في المجتمع، في ثنايا المعيش اليومي وعبر التمثلات المجتمعية التي ينتجها الأفراد. فلا يتعلق الأمر حتمًا بانسياق، فحسب، لدراسة

تديّن النساء ضمن موضة «دراسات النوع الاجتماعي»، وإنما بالتوقف عند التصورات الجاهزة حول

تديّن النساء ومدى التزامهن بالشعائر الدينية والشرعية. ومن خلال مراجعة الأدبيات السوسيولوجية،

نجد أن أغلب الدراسات ركزت على المتصوفات وهوامش الديانات والعبادات، تلك المرتبطة بالسحر والعرافة والتطير وتقديس الأولياء. ونستطيع تأكيد أن إبعاد المرأة من المقدّس ووسْم تديّنها

بالضعف، مؤشرات عميقة على إقصائها الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والديني. فلئن كان الدين الإسلامي المعياري، يعتبر النساء والرجال متساوين أو شقائق في الأحكام، فقد تم تغييبهن في التاريخ الواقعي للإسلام من مواقع السلطة الدينية كافة كالإمامة والإفتاء، فهن شبه غائبات عن الأماكن الدينية كالمساجد، وهن أقل حضورًا في مراكز العلم الديني مقارنة بالفقهاء الذكور؛ وحتى إذا سُمح لهن

بالصلاة، ففي الخلف وراء الذكور أو من وراء جدران مانعة أو حجاب ساتر. ويبقى النموذج السائد الذي يرعاه الفقهاء المحافظون هو نموذج «امرأة جاهلة بأمور الدين، امرأة بلا عقل ولا دين تستمر في الدفاع عن الخطاب الذكوري ما دام دم الحيض والنفاس يقصيانها من دوائر الطُهر». لقد رسخت الثقافة المجتمعية عبر التاريخ، مجموعة من الصور المسكوكة حول تديّن النساء، لا تنفصل

عن المواقع الإيجابية للذكورة والمواقع السلبية للأنوثة، فلئن كانت الأولى رمزًا إلى الخير والتديّن

والاستقامة والفضيلة، فإن الثانية رمز إلى الشر والانحراف والسقوط في الرذيلة؛ هكذا يتمثلن بصفتهن تهديدًا جنسيًا وصحيًا ودينيًا واجتماعيًا ضد الرجال، ومهندسات للمؤامرات والدسائس والمناورات،

يستهدفن استقرار المجتمع والتحام الأواصر وينشرن النزاع والشقاق والاختصام فيما بين الأفراد. نحن إذًا أمام ثقافة تبعد الجسد الأنثوي من دوائر المقدس وتحوله إلى جسد مدنس غير مرغوب فيه، كما تسِمه بعدم الطهر، وصمة تحاصره ليس فقط في الممارسات الدينية بل في الأعمال اليومية المعتادة كافة، فدورة المرأة الطبيعية تصبح نجاسة وممارستها الجنسية مع الرجل تصبح بدورها نجاسة،

(((1 محمد العيادي وحسن رشيق ومحمد الطوزي، الإس ماا في الحياة اليومية: بحث حول القيم والممارسات الدينية بالمغرب (الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 0132)، ص.199 1(((المرجع نفسه، ص 2.06 1(((المختار الهرّاس، «بروز الفرد داخل العائلة في أنجرة: الهُوية الاقتصادية وصراعات الجنس والأجيال»، دكتوراه الدولة في علم

الاجتماع، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الخامس، الرباط، 000–1999 ص 2،.211 2(((دامية بنخويا، «الجسد الأنثوي أو الجسد المرصود للألم»، في: مجموعة مؤلفين، الجسد الأنثوي، سلسلة مقاربات، إشراف عائشة بلعربي (الدار البيضاء: دار الفنك للنشر / مطبعة النجاح الجديدة، 9911)، ص.16

يتملص منها بكل سهولة بينما تحاصر جسدها بصورة شبه أبدية. لذلك ظلت بَركَة النساء وصلاحهن

استثناءً ضعيفًا ومسكوتًا عنه في الثقافة المجتمعية، فهن لا يمثلن جماعة الدوار في القبائل والقرى

والمداشر، ورغم مشاركتهن في الأعمال الفلاحية المختلفة، يبقين مشدودات إلى المجال البيتي بينما يشدّ الرجال إلى المجال العمومي. يمثل الجسد الأنثوي المقدس استثناءً أنثروبولوجيًا يخص المجتمعات الأميسية التي أفردت للنساء

مساحات خاصة للسلطة والفعل، وعبر التاريخ الديني الطويل، لا نصادف إلا نماذج محدودة جدًا لهذه العينة من النساء؛ ففي المسيحية مثلً نجد مريم العذراء التي أنجبت من دون أن يتم تدنيس جسدها جنسيًا، وفي الإسلام نجد تكريمًا لجسد الأم عندما ربط الله طاعتها بطاعته، فهي حصرًا

صورة «الجسد – الأم» الموجب للاحترام والوقار والطاعة والاهتمام والرعاية. بهذا تتحول الأمومة إلى وظيفة بيولوجية سحرية تقلب الأوضاع ولو إلى حين، ناقلة المرأة من وضع الجسد المُشتهى جنسيًا

والباعث على الفتنة، إلى جسد محترم حتى في تعرية جزء منه كالنهد المُرضِع أمام الملأ، أو إلى جسد

يحوز سلطة الانتفاض لما يعلن على نحو انتقامي عن رغبات غريبة في مرحلة الوحم. استثناءات قليلة، تلك التي أعطيت فيها المرأة مواقع ذات أهمية دينية، أبرزها نموذج المتعبّدة رابعة

العدوية المختلفة كلية عن امرأة الفقهاء، لأنها لم تعد مصدر فتنة وغواية وإنما هي مثال يُحتذى

ونموذج للعشق الإلهي لا يقل عن تديّن الرجال. ففي التصوف الشعبي تحديدًا، نجد نساءً أميات

أحرزن قدرًا من الصلاح والبركة، مثل «ميمونة» المتدينة بأسلوبها الفطري الساذج والذي تجسده

المقولة المشهورة «ميمونة كتعرف سيدي ربي وسيدي ربي كيعرف ميمونة». لكن نتساءل، هل يمثل التصوف الشعبي تديّن النساء في الإسلام المغاربي؟ ولماذا اتخذ منهن مجال انتقائهن الأوحد؟ أهو

حقًا الاستثناء الوحيد لتدينهن؟ لا شك في أن الإسلام «المارابوتي»، أدمج النساء الأميات والجاهلات في منظومته الدينية ومتّعهن بقدر من القداسة والبركة؛ فبالأضرحة وقبور الأولياء يوجدن ويضطلعن بأعمال أساسية، ومنهن «مقدمات» يختارهن شيخ الطريقة لينقلن البركة للراغبات في تحصيلها لقاء هدايا وأعطيات، ثم لينصتن للزائرات ويساعدنهن على تجاوز مشكلاتهن ونقل طلباتهن إلى الله عبر سلسلة وساطة الولي والصلحاء والرسول. في سياقه أيضًا، تمتعت النساء بالبركة، فكنّ يحملن لقب «لالّ»؛ ولأن الإسلام المغاربي

(((2 الهرّاس، ص.209

(((2 نجاة الرازي، «المرأة والعلاقة بالجسد»، في: مجموعة مؤلفين، الجسد الأنثوي،.48 (2((المرجع نفسه، ص.49

(24) Naima Chikhaoui,  «La Sainteté Féminine face a L’occultation des femmes: Quels sens,» in: Groupe d’auteurs, Histoire des Femmes au Maghreb: Réponse a L’exclusion , Série colloques et séminaires 5 (Kénitra: Publications de la Faculté des Lettres et des sciences humaines, 1999), pp. 33–53. (25) Sossie Andezian, «Femmes et religion en Islam: Un couple maudit?» Clio: Femmes, Genre, Histoire , no. 2 (1995), accessed on 12/9/2018, at: https://goo.gl/5wu9JF (26) Ibid.

مثلما بيّن إدموند دوتي احتفظ بقدر كبير من تاريخ المنطقة ما قبل الإسلام وثقافتها، فقد أوجد

للنساء مساحة خاصة مثل «لالّ ميمونة» بفاس و«لالّ مغنية» بالجزائر و«لالّ عايشة المانوبية» بتونس أو «لالّ سيتّي» بنت الولي عبد القادر الجيلاني بتلمسان... إلخ. وبالاقتراب من صورة هؤلاء النسوة الصالحات، سنجدها تقوم على إنجاز نوع من الابتعاد عن الحياة المعتادة للنساء، مثل «لالّ زينب» التي عاشت حياة العزوبية بلا زوج أو أبناء مخلصة لحياة النسك والعبادة؛ لهذا نسجت حولهن جميعًا صورة المُرعبات المُخيفات، كما رُبطن بقدرات خارقة على الاتصال بالعالم اللامرئي. إنهن يمثلن

نساءً غير عاديات يلفّهن الغموض والغرابة، بالوجود بين المُقدس والمُدنَس أو بين الديني والدنيوي،

إلى حد أنهن أحيانًا لَسْن بالذكور ولا بالإناث. بعيدًا عن هذه الاستثناءات، نؤكد أن الوقوف على واقع النساء بإكراهاته الكثيرة، يبيّن أن تديّنهن

سوسيولوجيًا محكوم بظروفهن الاجتماعية والثقافية وتحديدًا بالأعمال التي يضطلعن القيام بها؛

فالصلاة مثلً يؤدينها بالمنازل والبيوت، أما عن أدائها بالمساجد فيمثل ظاهرة جديدة، كانت تقتصر إلى حدود قريبة على الأيام الأخيرة من شهر رمضان، ثم إن الهندسة المعمارية للمساجد لم تكن تخصص لهن أجنحة خاصة. وبالضد من الصورة النمطية التي ربطت المرأة المسنّة بالسحر والخرافة والابتعاد عن الدين، تَأكّد في أكثر من دراسة أن النساء كلما تقدّمن في السن، كثّفن ممارساتهن الدينية، وهي الملاحظة ذاتها التي «قام بها علماء اجتماع الأديان في أمكنة أخرى حيث تعيش مجتمعات أخرى وأديان أخرى غير الإسلام». فقد أمكننا في دراسة ميدانية بالوسط القروي، تجميع مجموعة من المعطيات تهمّ معدلات الصلاة وشدة المواظبة عليها، نذكرها كالتالي: من بين 500 فرد، بلغ عدد المصلين 300، توزعت على 491 ذكرًا، و 511 أنثى، لتبدو نسبة المواظبة

على الصلاة لصالح الإناث ب 50.33 في المئة، مقارنة ب 49.66 في المئة في صفوف الذكور؛ كما لمسنا أيضًا أن عدد المُصلين يتضاعف في الفئة العمرية الممتدة من 35 عامًا فما فوق. وعبر

المقابلات الميدانية التي أجريناها مع قرويات، تبيّن لنا أن المرأة القروية لا تصلي إلا بعد أن تصل

(27) Edmond Doutté, «Notes sur l’islam maghrébin: Les Marabouts,» Revue de L’Histoire des Religions , vol. 40 (1900), pp. 289–336. (28) Ibid.

(2((نسجل أن «الإعفاء المخول للنساء في المتخيل الشعبي لارتياد الأماكن العمومية لم يكن يشمل المساجد، إذ إن الحمّام

والسوق من بعده كانا إلى وقت قريب المكانين الوحيدين المرخصين اللذين يمكن للنساء حضورهما خارج دائرة المحارم»، في: العيادي ورشيق والطوزي، ص.207 ((3(المرجع نفسه، ص.251 ((3(يتعلق الأمر ببحث ميداني هو في الأصل أطروحة لنيل درجة الدكتوراه في علم الاجتماع، اعتمدنا فيها تقنيات مختلفة، تقاطع فيها الكمّي بالكيفي بدءًا بالملاحظة لمتابعة الظواهر المدروسة والمقابلة المعمَّقة مع مخبرين مختلفين (فقهاء، مدرسين، نساء،

قرويين، شيوخ)، ولتكميم هذا الجانب الكيفي استثمرنا المعطيات الإحصائية المستخلصة من تطبيق الاستمارة التي بلغ حجمها 500 فرد، موزعة على 027 من الذكور و 302 من الإناث، تخترقها فئتان عمريتان: الأولى يتحدد سنها من 51 إلى 34 عامًا والثانية من 35

عامًا فما فوق. انظر: عبد الهادي أعراب، «الفقيه كمؤسسة بالمجال القروي: دراسة لتغير مكانة وأدوار فقهاء الشرط بالمغرب، إقليم

خريبكة نموذجًا»، أطروحة دكتوراه، كلية الآداب، جامعة محمد الخامس – أكدال، الرباط، المغرب، 007.2 ((3(المرجع نفسه، ص.128

مرحلة متقدمة من السن تلائم انتهاءها من وظائفها البيولوجية (الحمل والوضع والرضاعة)، وما يميزها من حالات تكون فيها خارج الحياة الدينية (فترة الطمث والنفاس). في هذا السياق تؤكد

إحدى المستجيبات: لم أصَلِّ إلا بعد أن أنهيت تربية أبنائي وتخلصت من بولهم وعناء تربيتهم والاهتمام بحاجياتهم [...] الآن أصلي من دون انقطاع، كما أصوم وأحترم كل السنن، فقد علمني ابني البكر الذي درس بالجامعة بمدينة مراكش أشياء كثيرة، أما فيما مضى فكنت لا أجد وقتًا كافيًا

للعبادة، كنت أعمل (أشقى) بالبيت وأعمل (أشقى) في الحقل، أطبخ وأعد الطعام لأهل البيت وأحمل طعام الحصّادين والخمّاسين (زهرة). وفيما يخص المواظبة على الصلاة «بالجامع» (من مجموع الذين يصلّون أو يصلّون أحيانًا)، تبيّن لنا

أنها ضعيفة ولا تتجاوز 10.11 في المئة، وهي نسبة تتناقص في صفوف النساء لتصل إلى 1.68 في المئة، ما يبيّن أن أداء الصلاة «بالجامع»، يبقى طقسًا ذكوريًا بالوسط القروي. كما نسجل أيضًا أن

الشيوخ أكثر أداءً للصلاة بالجامع من الشباب، بفارق يصل 3.43 في المئة، ويتضح عمومًا أن نسبة

مهمة من القرويين لا يُصلّون «بالجامع»، 44.54 في المئة، تبلغ فيها النساء 83.08 في المئة بينما تبقى نسبة أخرى تقدر ب 32.51 في المئة لا تواظب على الصلاة. في السياق ذاته، بينت دراسات مقارنة تفوّقهن على الرجال بفارق يبلغ 01 في المئة. فميلهن الكبير، مثلما أوضح رونالد كامبيش، إلى إظهار اهتمامهن بالدين، سمة تكاد تكون كونية تؤكدها الملاحظة المقارنة على نحو مستقل عن الموروث الديني المذهبي لكل بلد. ففي دراسة الإسلام في الحياة اليومية وبصوت المستجيبات أنفسهن، بدا لفريق العمل أنهن أكثر أداءً للصلاة والصوم

والنوافل من حيث هي التزامات اختيارية. وهو ما يوافق الملاحظة المباشرة، لأن المرء يستطيع أن يرى خروجهن المكثف للصلاة في رمضان وارتيادهن المساجد التي يوجد بها خطباء مرموقون، شابات وعجائز وفتيات صغيرات؛ بل إنهن يتفوقن على الذكور بفارق 01 في المئة فيما يخص شعيرة الصلاة التي صارت جزءًا مندمجًا في الحياة اليومية لربّات البيوت. وحتى اللائي ينقطعن

عن أدائها فهن أقل من الذكور بنسبة 1 إلى 2 في المئة، تضاف إليها سلسلة من الالتزامات والممارسات الاجتماعية كقراءة القرآن.

((3(المرجع نفسه. ((3(المرجع نفسه، ص.129–128 ((3(العيادي ورشيق والطوزي، ص.200 ((3(المرجع نفسه، ص 042؛

Roland Campiche, «Religion Statut Social et Identité Féminine,» Archives des Sciences Sociales des Religions , no. 95 (Juillet–Sep. 1996), p. 75.

((3(اعتمدت الدراسة على مقابلة 609 نساء من مجموع العينة الكلية البالغ عددها 5611 فردًا. انظر: العيادي ورشيق والطوزي،

ص.199 ((3(المرجع نفسه، ص.211 ((3(المرجع نفسه، ص.208

ومتى استحضرنا كون النوافل التزامًا اختياريًا وطوعيًا مقارنة بالفروض الدينية، نلمس درجة تديّن النساء بانخراطهن في الأعمال الدينية المُجهِدة كالاعتكاف والصلاة المستمرة وإقامة الليل، في اتجاه تحسين ممارساتهن للواجبات اليومية. إن حرصهن على أداء الصلاة بنوافلها، يؤشر عمليًا إلى أداء ديني مرتفع يعكس «بناء فئة ممارسة للواجبات الدينية على درجة من الورع والتقوى حسب ماكس فيبر». وحتى بالنسبة إلى الصوم وهو الواجب الديني المعياري لإسلام المغاربة، فهن أكثر تشددًا من الذكور في أدائه، بدليل أن 98 في المئة من المُستجيبات يرين العمل الشاق لا يبيح الإفطار، بل إن ما يناهز 47 في المئة منهن اعتبرن فعل الإفطار ذنبًا كبيرًا، على صاحبه أن يتوارى عن الأنظار كنوع من الإقصاء والنبذ لا التستّر. فعلى غرار الصلاة إذًا، بدت بوضوح صرامة النساء في الصوم، وهي الصرامة الدينية ذاتها في التمسك بقيمة الورع والتقوى مجسّدة في المواظبة على الشعائر، إلى حد اعتبار المُفطِر في رمضان غير مسلم بنسبة 64 في المئة لدى النساء مقابل 54 في المئة لدى الذكور. لقد أبدت النساء صعوبة كبرى في التطبيع مع حرية المُعتقد في رمضان ولو كانوا من ذوي القربى، لأن 1 في المئة منهن فقط مَن تقبل بإعداد الطعام لغير الصائمين من الأبناء و 9 في المئة من تقبل ببقاء المطاعم مفتوحة أثناء النهار، تأكيدًا لضرورة إغلاقها. إن التديّن بصيغة المؤنث واقع قائم ولا يمكن التشكيك فيه، سواء بالوسط القروي أو الحضري، لكن الحصار الاجتماعي والثقافي للهيمنة الذكورية يطبع معرفتهن الدينية، ويدفعها إلى توجّهات مجنسنة تخص عالم النساء ومحدودة بالمجالات التي تتصل بحياتهن الحميمية والجسدية. فقد بدا واضحًا، أن المرأة لا تهتم دينيًا إلا بالموضوعات التي تهمّها مثل الحجاب والوضع والحمل، أكثر من القضايا التي لا تهمّها على نحو مباشر مثل التعامل مع البنوك. لكنها في الآن ذاته، تميل أكثر من الرجل إلى إعطاء الدين أهمية كبرى في الحياة الخصوصية والسياسية. وبالنظر إلى تزايد الإقبال على الحجاب واتساع رقعة امتداده، من حيث هو مؤشر مادي خارجي يحيل

((4(المرجع نفسه، ص.209 ((4(يحتل صيام رمضان قيمة خاصة لدى مجموع المغاربة ضمن مجموع الشعائر الدينية، فبقدر ما يبدون تسامحًا إزاء الأركان

الأخرى، فإنهم يبدون تشددًا واستنكارًا لمُفطري رمضان حتى بالنسبة إلى من يُخلّون ببعض الالتزامات الدينية أو لمن يشربون

الخمر، لأن الاعتقاد السائد أن إفطار رمضان عمدًا يجر على صاحبه عقابًا دنيويًا مستعجلً. كما أن السلطات المغربية نفسها تعتبر

الإفطار العلني، مسًّا بالنظام العام.

((4(العيادي ورشيق والطوزي، ص.213 ((4(المرجع نفسه، ص.214 ((4(المرجع نفسه، ص.219–218 ((4(المرجع نفسه، ص.222 (4((يتم التعامل مع الح جاب بصفته مؤشرًا رئيسًا على أسلمة زاحفة، عبر أشكال جديدة من اللباس بطابع إسلامي، والواقع أنه تم

إدماجه إكسسوارًا في مجموع اللباس، فبتعدديته الكبيرة شك ولونًا ونسيجًا (الحايك، الدرة، الخمار، اللثام، النقاب، البرقع

الأفغاني، الجلباب المغربي... إلخ) صار يطرح تشويشًا على مستوى الفهم، لا سيما لمّا ترتبط بألبسة عصرية مغايرة كالأحذية

العالية وأحمر الشفاه، في مشهد استعراضي، حوّل الحجاب إلى لباس مبتذل وملتبس الدلالات، بوجوده في أمكنة متعارضة واقترانه

بسلوكات أخلاقية متناقضة، انظر: العيادي ورشيق والطوزي، ص.2267–22

على «التقوى المعلن عنها أو رسالة واضحة عن التحلّي بالأخلاق» نؤكد أنه بات أمرًا ملموسًا،

يمتد وينتشر لدى شرائح واسعة من النساء، ربات البيوت والموظفات والمتزوجات والعازبات والحضريات والقرويات أيضًا.

ثانيًا: النساء والسحر

يُعدّ السحر ظاهرة قديمة وممتدة في تربة الفكر البشري، تجذرت بقاياها في الثقافة والمُعتقد والسلوك. لهذا وفي مجتمع مثل المغرب، يصعب أن نخص به فئة أو شريحة اجتماعية دون أخرى، لأن المعتقدين بقدراته والمقبلين عليه فئات مختلفة، المتعلمون والأميون، والقرويون والحضريون، والمتدينون وغير المتدينين، والإناث والذكور. فهو ظاهرة تخترق العديد من المجتمعات وتمثل أحد «النظائر الثقافية» التي ينبغي التعامل معها بقدر كبير من الحذر، تفاديًا للسقوط في مواقف وأحكام مسبقة لا علمية. فمن التسرع القول إن السحر عرفته المجتمعات القديمة وحدها، لأن الإنسان الحديث نفسه والمعاصر رغم التطور الهائل لحياته وأساليبها، ما زال يطلب السحر كلما تطلّع إلى مجهول أو اشتدت عليه قسوة الحياة أو ضاقت به السبل. فهو إذًا وليد للعجز والخوف، وفي مستوى آخر هو اعتقاد جذّرته الثقافة المجتمعية عبر التنشئة ليصبح بنية راسخة يصعب تغييرها، وفي مستوى ثالث، هو نشاط تجاري ومهني يرتزق منه ممارسوه ومحترفوه، وبذلك لا يمكن اختزاله في ممارسات مجنسنة أو تمثلات معزولة عن السياق السوسيولوجي والثقافي للمجتمع. ليس السحر اعتقادًا بتغيير الأشياء أو التأثير فيها وتحويل طبائعها فحسب، وإنما هو حاجة اجتماعية وثقافية وسيكولوجية، يجد فيه الفرد حمايته الإيمانية؛ فالإحساس بالحرمان والعجز عن مواجهة الواقع الاجتماعي وضغوطه المختلفة، قد يدفعه إلى الاستسلام للمعتقد السحري وممارساته العملية، واجدًا فيه ما يخفف آلامه ويجدد آماله ويعزز قدرته على مواصلة الحياة، فكلما تزايد إحساسه بالعجز، ابتعد في المقابل عن التعامل بواقعية مع حياته، متوجّهًا إلى «عقلانية السحر» اللاعقلانية، لتسهل عليه مواجهة الواقع وتجعله مقبولً ومستساغًا؛ بهذا يمثل السحر نوعًا من

((4(المرجع نفسه، ص.227 (4((من المهم الإشارة إلى أنَّ انتشار الحجاب، لم يكن دائمًا مرتبط ا بنزعة التدين، بل عبّر أيضًا عن علامة لانخراط أوسع للنساء

في المجال العام إجمالً وفي سوق العمل بخاصة، أي إنه كان بمنزلة س حاا نسائي يبرر منازعتهنّ الرجال في مجالات اعتبرت

تاريخيًا للرجال.

(4((سامية حسن الساعاتي، السحر والمجتمع: دراسة نظرية وبحث ميداني، ط 2 (بيروت: دار النهضة العربية للطباعة والنشر، 9831)، ص.7 ((5(من الصعب اليوم الاتفاق مع فريزر فيما ذهب إليه من أن السحر مرحلة فكرية سابقة للمرحلتين الدينية والعلمية، أو مع طرح ليفي برول من أن العقلية البدائية تمثل مرحلة ما قبل التفكير المنطقي. (5((في مقابل هذه الإجابة، ثمة تحليلات مغايرة، قاربت علاقة الدين بالسحر تاريخيًا. انظر: عزمي بشارة، الدين والعلمانية في

سياق تاريخي، ج 1 (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2012 (5((إبراهيم بدران وسلوى الخماش، دراسات في العقلية العربية: الخرافة، ط 3 (بيروت: دار الحقيقة، 9881)، ص 8.1 (5((هشام شرابي، مقدمات لدراسة المجتمع العربي، ط 4 (بيروت: دار الطليعة، 9911)، ص.57–55

الاحتماء التأميني للمستقبل الهش، ما دام يقوم في العمق على مبدأ الجبروت الذي يحطم كل القيود. وبالنظر إلى خصوصية العلاقة السلطوية بين الذكور والإناث داخل المجتمع المغربي، نؤكد أنها علاقة مؤطرة اجتماعيًا وثقافيًا، عبر قوة المؤسسة الاجتماعية ونفوذ الثقافة ممثلة في الدين والأعراف والقيم

المجتمعية. ولئن كان القانون الوجه الظاهر لهذه السلطة، فإنه لا يمثّل في الواقع إلا واحدًا من أوجهها الكثيرة، لأن القيم تتضمن سلطة أعمق. فسلطة الرجل تصبح مقبولة وقوية، بمباركة الثقافة التي تكفل لها الشرعية، لهذا يصبح تغييرها أمرًا متعذرًا وصعبًا، لأن السلطوية الذكورية تجذرت في الثقافة

المتحكمة والمنتجة للقوانين ذاتها، خلافًا للمجتمعات الغربية التي ينظم فيها القانون الثقافة. ومن وجهة نظر سوسيو–أنثروبولوجية تتبنى مقاربة النوع الاجتماعي، نلمس أن المرأة والرجل ليسا كائنين بيولوجيين فحسب، وإنما هما تمثلات وتصورات تم بناؤها عبر التاريخ، فلا وجود لأحدهما في ذاته وإنما للتصورات المُشكَّلة عن كل منهما اجتماعيًا وثقافيًا. ومتى استحضرنا قوة الخطاب

الثقافي السائد حول الذكور والإناث، نجد أن كلً منهما لا يرى نفسه إلا عبر بوابته الأساسية، بل إن «النساء لا يبتكرن خطابًا مضادًا حول أنفسهن يعارض خطاب الرجال حول الأنوثة، لأنهن يستقين تصوراتهن من نفس المنابع الثقافية». بهذا يصبح التفاوت بين الإناث والذكور مفروضًا من موقع أعلى، تباركه القيم وتصدّقه الأعراف. إن الثقافة ذاتها هي التي تسمح للمرأة بتوسل السحر سبيلً لمقاومة الهيمنة الذكورية والحد من سلطوية الذكور، مثلما تزودها بخبرات متداولة حول أساليب الكيد والمناورة والخداع واستعمال الأبناء لممارسة التأثير في الأزواج. فكلما ازداد حصار الرجل للمرأة، لجأت إلى السحر سلطةً خفية لمواجهة واقعها المضطرب أو لاسترجاع ما ضاع منها في العلن بكيفية سرية؛ هكذا يوفر لها السحر سواء للعلاج أم للانتقام، قوة جديدة تعيد الاعتبار لذاتها سرًا، كما يهبها سلطة رمزية لمجابهة

سلطته وقهر المجتمع على السواء. إننا أمام صراع مشيد ثقافيًا وتاريخيًا، يجد بذوره الأولى في

طبيعة التنشئة الاجتماعية الذكورية التي تقوّي دور الذكر وتعزّز أهميته، بينما تهمّش الأنثى وتربطها

(5((مصطفى حجازي، سيكولوجية الإنسان المقهور (بيروت: معهد الإنماء العربي، 9891)، ص.160–159 (5((رحمة بورقية، «النساء والسلطة»، دراسات عربية، العدد 10–9 (9951)، ص.66 ((5(المرجع نفسه، ص.66 ((5(أوضح بورديو أن العنف الرمزي للهيمنة الذكورية، نتاج لعمل تاريخي لا يتوقف، ساهمت فيه مجموعة من المؤسسات، بدءًا

من الأسرة والمدرسة والكنيسة والدولة، وفي مستوى آخر الرياضة والصحافة؛ لذلك يأخذ التفاوت بين الذكور والإناث بُعدًا طبيعيًا

وجوهريًا يتم القبول به والتطبُع معه. انظر: بيير بورديو، الهيمنة الذكورية، ترجمة سلمان قعفراني (بيروت: المنظمة العربية للترجمة،

0092)، ص.128–62 ((5(– بورقية، «النساء والسلطة»، ص.67 ((5(المرجع نفسه. ((6(المرجع نفسه، ص.70 (6((عز الدين الخطابي، سوسيولوجيا التقليد والحداثة بالمجتمع المغربي (الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 0012)، ص.55

بكل معاني الطاعة والضعف والصمت. يتقوى هذا الصراع بتصور كل منهما للآخر شقًا معارضًا أو خصمًا ينبغي هزيمته، لأن الذكر ينشأ على احتقار الأنثى وازدرائها وتبخيس أعمالها وإنجازاتها، وهي

تبادله ذلك بسلوك «الكيد» والحذر وعدم الثقة. في هذا المناخ من الصراع والتوجّس المتبادل، يخشى

الرجل سحر النساء ولا سيما الصنف الذي يستهدف رجولته وفحولته الجنسية، لأن الثقافة الذكورية ذات المركزية القضيبية، تطالبه برجولة وفحولة كاملتين، لهذا يعمد الرجال إلى تبنّي سلوكات القسوة

والعنف؛ فهم مثلما أوضح بيير بورديو « قساة بسبب معاناتهم الخاصة ». يعيش الرجل رُهاب سحر المرأة باستمرار، لأنه يخشى أن يتحول إلى فريسة منقادة لزوجته ورغباتها؛

لذا يقاوم ويحتاط ويتخذ كل الإجراءات الممكنة ليكون بعيدًا عن متناول سحرها وسهامه، باذلً في ذلك جهدًا كبيرًا حتى لا ينعت ب «محكوم مراتو» أو «مغلوب مراتو» أو يقال عنه إنها حوّلته إلى

كبش «حولي» أو «دارت له قرون». إنها الصورة التي تهزم رجولته وتدمّر ذكورته وتنقص من احترامه

وشرفه واعتداده بنفسه أمام الآخرين. يزداد الخوف من الأذى السحري للمرأة بوصفه معتقدًا قديمًا وشائعًا كلما كانت عجوزًا مسنّة، إذ

يعتقد أن العجائز أسّ الشر والكيد والعين الشريرة وكل الأعمال السحرية التي ترهب الرجال. ولعل

واحدة من كبرى مفارقات المجتمع الأبيسي، أنه مسكون بالخوف من النساء، فالرجال يشكّكون في السلوك الجنسي لنسائهم مثلما يشكّكون في تعاطيهن السحر، معتقدين أنهم مستهدفون من أي ممارسة سحرية محتملة لخليلاتهم أو زوجاتهم، راسمين في الآن نفسه صورة الأوصياء على القيم وحرّاس الفضيلة، بينما هم يرتابون في سمعة النساء، ومن ثمَّ يحاصرونهن ويشددون المراقبة على

أجسادهن باسم حماية الشرف. كثيرة إذًا هي العوامل التي تدفع المرأة إلى توسّل السحر أو ممارسته واللجوء إليه، ويمكن تلخيصها

في مشروطيتها الاجتماعية والثقافية، فلا يتعلق الأمر بطبيعة نسوية أو بميل فطري، وإنما بواقع يطبعه العجز والخوف والحرمان، يدفعها دفعًا إلى هذه الممارسة والاحتماء بها، فهي محاطة بأسوار من الخوف، سواء الخوف من المستقبل أو الخوف من الأب أو الأخ أو الزوج، أو الخوف من العنوسة

((6(بورديو، ص.9 ((6(المرجع نفسه، ص.86

(64) Rahma Bourquia (dir.), «Habitat, Femmes et Honneur, le cas de quelques quartiers d’Oujda,» in: Rahma Bourqia (dir.), Femmes, culture et société au Maghreb: Femme et Famille I (Casablanca: Afrique Orient, 1996), p. 29.

((6(بيَّن المختار الهرّاس جزءًا كبيرًا من هذه الصور السلبية عن المرأة في الخطاب الذكوري، متوقفًا عند كتابات فستر مارك؛

والواضح أنها صور ما زالت قائمة إلى اليوم. انظر: الهرّاس، بروز الفرد، ص.207

(66) Fatima Hajjarabi, «Femmes et Changement Social, Quelques Remarques sur le Rif Central,» in: Bourqia (dir.), Femmes, culture et société au Maghreb: Femme et Famille I , p. 60. (67) Ibid., p. 59.

((6(حول علاقة المرأة بالسحر والحاجة اليه للعلاج أو للاحتماء والسلطة... إلخ، يمكن الرجوع إلى:

Zakaria Rhani, «Le chérif et la possédée: Sainteté, rituel et pouvoir au Maroc,» L’Homme , no. 190 (2009), pp. 27–50; Zakaria Rhani, Le pouvoir de guérir: Mythe, mystique et politique au Maroc (Leiden and Boston: Brill, 2014).

والشيخوخة والعقم... إلخ؛ من هنا تمارس سحرها الوقائي البسيط ممثلً في البخور والرُقى التي

راكمتها عبر التجارب، لكن ما أن يشتد خوفها ويبلغ مبلغًا كبيرًا، حتّى تجابهه بسحر أكبر. وفي كل

هذه الحالات المختلفة يمنحها السحر تفسيرات مطمئنة للظواهر الغريبة التي تصطدم بها، ويساعدها على مواجهة الصعاب والأحداث العنيفة مثل المرض والألم، كما يربطها بآمال تحقيق ما عجزت عن تحقيقه في الواقع. ولأنها تعاني أكثر مما يمكن أن يعانيه الرجل، ويُمارس عليها كل أشكال الهيمنة الاجتماعية والسياسية والقانونية، فسرعان ما توجه إحساسها بالقهر إلى سلوكيات انتقامية من الزوج ومن المجتمع ومن نفسها أيضًا، فالحَماة والعجوز عمومًا، تتحول إلى كائن «مُسترجِل»، تستجمع سنوات الحرمان والقهر، لتتبوأ مكانة سلطوية متأخرة، منتقمة من بنات جنسها (زوجات الأبناء) وغانمة من امتيازات هذا الوضع الجديد. كما يشتد خوفها أيضًا لأن الثقافة اختزلتها في جسد ضعيف مراقب ومتحكم فيه، جسد يلخص كل مفارقات النظام الذكوري، فهو مرغوب فيه متى امتلأ أنوثة وإثارة وهو مُهان ومخترق بنظرات الغير وكلامهم لمّا يتم تحويله إلى عورة مستباحة ومتحرش بها، أو حين يحاصر وتغلّق عليه الأبواب لتمنعه عن العالم؛ إنه جسد معرّض للألم والعنف، قلّما يلتفت إليه على أنه

واهب للحياة، بل يختزل في رؤية بيولوجية تقتصر على المهبل والرحم؛ فالجسد الأنثوي العاقر يمثل صورة للعنف القوي الذي تمارسه الثقافة الذكورية على المرأة لمّا تطالبها بالإنجاب وتربط قيمتها الإيجابية بتحقيقه، بينما تبخس وجودها حين تخفق في ذلك. من أقسى الصور المجتمعية الشائعة حول وصم المرأة بالسحر تلك التي تخصها بنعت «السحّارة» أو»الشوّافة»، فمن هي هذه الشخصية النسوية التي تختزل الرأي السائد حول ممارسة النساء للسحر؟ تعد «الشوافة» أو البصّارة امرأة تمارس قراءة الطالع والتكهن بأمور المستقبل، كما تمارس إلى جانبه نوعًا من السحر الدفاعي والهجومي. تلقب بالكاهنة أو ب «مولاة الكارطا» مثلما هو متداول في الأوساط الشعبية، وتلقبها النسوة ب «مولاة الحناء» ليس فقط لأنها مادة أساسية في مطبخها السحري،

((6(الساعاتي، ص.165 (7((من صور المعاناة والدونية التي تعانيهما المرأة، أن الثقافة المجتمعية تسوي بينها وبين الطفل الصغير سواء على مستوى التأديب أو التعامل، أو على مستوى الطهارة الجسدية... إلخ، فكل منهما قاصر ينبغي تأديبه، وكلاهما أيضًا بعيد عن الطهارة! انظر:

Sossie Andezian «De l’Usage de la Dérision dans un Rituel de Pèlerinage,» in: Fanny Colonna & Zakya Daoud (dir.), Être marginal au Maghreb (Paris: CNRS, 1993), p. 286.

(((7 تعتبر معاناة المرأة داخل المجتمعات العربية عمومًا نوعًا من التصريف، يختزل كل التناقضات والإخفاقات التي تميزها من

مجتمعات أخرى. انظر: حجازي، ص.209–208

(72) Fatima Mernissi, Sexe, Idiologie et Islam (Paris: Tierce, 1983), pp. 55–56, 64.

7(((انظر: مجموعة مؤلفين، الجسد الأنثوي. (7((انظر في هذا الصدد:

Aicha L’Khadir, «Mal, maladie, croyanceetthérapeutique au Maroc: Le cas de Casablanca,» Thèse de doctorat, Université de Bordeaux 2 Victor Segalen, Département d’Anthropologie sociale et ethnologie, 1998.

ولكن لإضمار المعنى القدحي للألقاب السابقة والاستعاضة عنها بآخر يرتبط ببركة مادة الحناء وقيمتها الرمزية في عالم النساء. هي امرأة تنتمي إلى الهامش، مطلّقة في الغالب أو تزوجت وطلّقت لمرات عديدة، أي إنها مُخفِقة في حياتها الزوجية، كما يعتقد أنها مسكونة بجنّي اختارها دون غيرها، يهبها القدرة على التكهن. فهي منتقاة لعمل سحري غير طوعي ليس بمقدورها رفضه، أي إنها مرغمة على ما تقوم به – أو هكذا يتصور على الأقل لتبرير ممارستها – فيما يشبه المكتوب المقدّر للهبة السحرية التي أعطيت لها؛ لأن الاعتقاد السائد يفيد أن أي محاولة لرفض هذا الانتقاء، يعرّضها للعنة الجنّي فتسقط

مريضة أو صريعة أذاه السحري. ها هنا تبدو المرأة مرة أخرى حتى في حالة «الساحرة» أو البصّارة ليست سيدة قرارها لأنها وسيط نسوي، فحسب، للجنّي، فهي مملوكة له ومسكونة به، ولا تحوز سيادة تامة على جسدها نفسه، كما أن ممارستها هي لفائدته لقاء خدماته ورضاه. أكثر من ذلك، هي نموذج للمرأة السيئة، لأن التصور الشائع يعدّها صاحبة خطايا ومرتكبة آثامًا كبرى ومتعاونة مع الشيطان الذي يمدّها بالأخبار والمعلومات. ثمة تبخيس واضح لسحر «الشوافة» مقارنة بسحر الرجل، سواء في حالة الساحر المتخصص أو «الفقيه» صانع التمائم والأحجبة، وهو تبخيس مزدوج لأن كلً منهما رجل لا امرأة، ثم لأن ما ينجزانه سحر لا عرافة امرأة وكهانتها؛ فالبصّارة وفقًا للثقافة المجتمعية، نموذج يكرس صورة المرأة المقدوحة، كونها تعمل مع الشيطان «مُسخَّرة للشيطان» ومملوكة في الآن نفسه للجنّي، فهي مُتحكَّم فيها أكثر مما هي قادرة على التحكم فيه، بينما «الفقيه» مثلً بتمثيليته الدينية قادر على طرد الشيطان وتطويع الجن لأغراض مختلفة. هكذا نستنتج في مستوى أبعد أن المرأة في نشاطها السحري تعيد إنتاج الهرمية ذاتها لصالح الذكور، فسحرها بوصفه مقاومة للهيمنة الذكورية لا يجسد في النهاية إلا إحدى وسائل الضعيف لمواجهة القوي، الكيد في مواجهة العنف. ولأن الثقافة المجتمعية أعلت من هيمنة الذكور فقد بخست مقاومة النساء واعتبرتها أعمالً نسوية «فعايل النسا». إنه تمييز سافر يعيد إنتاج المسافة العميقة التي تفصل عالم الرجال عن عالم النساء، عالم المرئي عن اللامرئي، ويجعل في النهاية إستراتيجياتهن ضد هيمنة الذكور ضعيفة ومتهاوية، لأن النهايات التي يسعين لها عبر السحر والمكر والحيلة تبقى هي الحب أو الوهن الجنسي للرجل المحبوب – المكروه؛ فهي إستراتيجيات للتكبيل والربط والإخضاع والتسخير والانشغال والانتظار، تظل غير كافية لتثوير علاقة الهيمنة، بقدر ما تمنح في المقابل تأكيدًا قويًا لفكرة النساء الشريرات أو النساء بوصفهن كائنات شريرة. إنها إذًا «هيمنة مُهيمَن عليها». وحتى لو جاز الحديث عن عنف للنساء، فهو حتمًا عنف ناعم ضد العنف القوي الذي يمارسه عليهن الرجال. إنهن إذًا يبقين محكومات بحمل الدليل على مكرهن، وبذلك يمنحن التبرير الكافي على كل الممنوعات

(75) Saadia Radi, «Croyance et Référence, L’utilisation de l’islam par le faqih et la suwafa a Khénifra (Maroc),» L’annuaire de l’Afrique du Nord , vol. 33 (1994), p. 190. (76) Ibid., pp. 190–195.

(((7 بورديو، الهيمنة الذكورية، ص.162

التي تحاصرهن. إن واقعهن تراجيدي ما دامت آثار الهيمنة سرعان ما تعيد تثبيت التمثلات السلبية عن جنسهن فيما يشبه اللعنة، لمّا تصبح الرؤية الذكورية تبرّرها الممارسات التي تحددها. فالواضح أن

«الثقافة لا ترغب في إعطاء المرأة أي سلطة مرئية معترف بها»، ولذلك فهي عمليًا تحتمي من سلطة

الثقافة بالثقافة، ولنقل إنها تهرب من الثقافة إلى الثقافة؛ وحتى في الحالات التي يسمح فيها المجتمع لبعض النساء بالوصول إلى مواقع معينة من السلطة، فإنهن يعجزن عن تغييرها لصالحهن. قد يغيرن واقعهن الفردي، لكنهن حتمًا لا يستطعن فعل الكثير بالنسبة إلى النساء الأخريات اللائي يقعن خارج دوائرها.

خلاصة

نستخلص مما سبق أن كلً من الخطاب الأنثروبولوجي الكولونيالي والخطاب الذكوري العام في المغرب، حول تَديّن النساء وعلاقتهن بالسحر، يترجم الوضعية الاجتماعية الدونية للنساء. فالمعرفة الذكورية الكولونيالية، بوصفها معرفة سلطوية مزدوجة، ضد المستعمَر وضد العنصر النسائي المهيمَن عليه داخل المجتمع المستعمَر في حد ذاته، نسجت صورة نمطية عن علاقة النساء بالدين تفتقر إلى عنصر المعرفة المحلية بالمسألة؛ إذ إن الممارسات الدينية، شأنها شأن كل الممارسات الثقافية الأخرى، تتأثر بالطبقية وبالإثنية وموارد القوة بصفة عامة، ما يفسر وجود نساء عالمات انتمين إلى الأوساط الاجتماعية المُهيمِنة داخل المجتمع، كما هو واقع اليوم. لكن الصورة النمطية الكولونيالية تجاهلت هذه الحقيقة، وفي المقابل أغرقت في التقريب بين النساء ومجال السحر والشعوذة. أما عن الصورة الشائعة للمرأة المغربية والتي مفادها أنها «سحّارة» و«بصّارة»، أقرب إلى الشيطان منها إلى الملاك، فإنها تنتشر أكثر في الأوساط «الشعبية» من دون أن تكون الطبقات العليا متحررة منها، وهي صورة تعكس حرص المجتمع الذكوري الشامل على إقصاء المرأة من مجال «الخير» الذي يتموقع فيه الرجال أيديولوجيًا، ويكسبون منه احتكار الموارد والاعتبارات الاجتماعية المولِّدة للسلطة والمنتِجة

للهيمنة. ومن المهم القول إن هذه الإستراتيجية نصف الواعية تحولت إلى بنية تاريخية تلبست بالعقول والأشياء – وفقًا لمفهوم بورديو للهابيتوس – توجه إلى اليوم النظرة والعلاقة النمطية بالمرأة المغربية في الأوساط الاجتماعية إجمالً.

المراجع

References

العربية

أعراب، عبد الهادي. «الفقيه كمؤسسة بالمجال القروي: دراسة لتغير مكانة وأدوار فقهاء الشرط بالمغرب، إقليم خريبكة نموذجًا». أطروحة دكتوراه. كلية الآداب والعلوم الإنسانية. جامعة محمد

الخامس – أكدال. الرباط..2007

(7((المرجع نفسه، ص.59–58 (7((بورقية، ص.71

بدران، إبراهيم وسلوى الخماش. دراسات في العقلية العربية: الخرافة. ط 3. بيروت: دار الحقيقة،

بشارة، عزمي. الدين والعلمانية في سياق تاريخي. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2012 بورديو، بيير. الهيمنة الذكورية. ترجمة سلمان قعفراني. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2009 بورقية، رحمة. «النساء والسلطة». دراسات عربية. العدد 1).995(10–9 حجازي، مصطفى. سيكولوجية الإنسان المقهور. بيروت: معهد الإنماء العربي،.1989 الخطابي، عز الدين. سوسيولوجيا التقليد والحداثة بالمجتمع المغربي. الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة،.2001 الساعاتي، سامية حسن. السحر والمجتمع: دراسة نظرية وبحث ميداني. ط.2 بيروت: دار النهضة العربية للطباعة والنشر،.1983 شرابي، هشام. مقدمات لدراسة المجتمع العربي. ط 4. بيروت: دار الطليعة، 991.1 العيادي، محمد وحسن رشيق ومحمد الطوزي. الإسلام في الحياة اليومية: بحث حول القيم والممارسات الدينية بالمغرب. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق،.2013 مجموعة مؤلفين. السحر من منظور إثنولوجي. ترجمة محمد أسليم. مكناس: مطبعة سيندي،.1991 مجموعة مؤلفين. الجسد الأنثوي. سلسلة مقاربات. إشراف عائشة بلعربي. الدار البيضاء: دار الفنك للنشر/ مطبعة النجاح الجديدة،.1991 الهرّاس، المختار. «بروز الفرد داخل العائلة في أنجرة: الهُوية الاقتصادية وصراعات الجنس والأجيال».

أطروحة دكتوراه. كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الخامس. الرباط،.2000–1999

الأجنبية

Andezian, Sossie. «Femmes et religion en Islam: Un couple maudit?» Clio: Femmes, Genre, Histoire. no. 2 (1995). Bel, Alfred. Religion Musulmane en Berbérie: Esquisse d’Histoire et de Sociologie Religieuse. Paris: Librairie Orientaliste/ Paul Geuthner, 1938. Bourquia, Rahma (dir.) Femmes, Culture et Société au Maghreb: Femme et Famille I. Casablanca: Afrique Orient, 1996. ________. Etudes féminines: Notes méthodologiques. Série colloques et séminaires 73. Rabat: Université Mohamed V, 1997.

Campiche, Roland. «Religion Statut Social et Identité Féminine.»  Archives des Sciences Sociales des Religions. no. 95 (Juillet–Sep. 1996). Charney, Jean–Paul. Sociologie de l’Islam. Paris: Sindibad, 1977. Colonna, Fanny & Zakya Daoud (dir.). Être Marginal au Maghreb. Paris: CNRS, 1993. Dermenghem, Emile. Le Culte des Saints dans l’Islam Maghrébin. Paris: Gallimard,

Doutté, Edmond. Magie et Religion en Afrique du Nord. Paris: Maisonneuve et P. Geuthner, 1984. ________. «Notes sur l’islam maghrébin: Les Marabouts.»  Revue de L’Histoire des Religions. vol. 40 (1900). Durkheim, Emile. Les formes élémentaires de la vie religieuse. Paris: PUF, 1960. Etienne, Bruno. «Magie et Thérapie à Casablanca.» Annuaire de L’Afrique du Nord. vol. 18 (1979). Groupe d’auteurs. Histoire des Femmes au Maghreb: Réponse à L’exclusion. Série colloques et séminaires 5. Kénitra: Publications de la Faculté des Lettres et des sciences humaines, 1999. L’Khadir, Aicha. «Mal, maladie, croyance etthérapeutique au Maroc: Le cas de Casablanca.» Thèse de doctorat. Université de Bordeaux 2 Victor Segalen. Département d’Anthropologie sociale et ethnologie. 1998. Mauss, Marcel. Sociologie et Anthropologie. Paris: PUF, 1966. Mernissi, Fatima. Sexe, Idiologie et Islam. Paris: Tierce, 1983. Montagne, Robert. Les Berbères et le Makhzen dans le Sud du Maroc: Essai sur la Transformation Politique des Berbères Sédentaires (Groupe Chleuh). Paris: Alcan,

Radi, Saadia. «Croyance et Référence. L’utilisation de l’islam par le faqih et la suwafa à Khénifra (Maroc).» L’annuaire de l’Afrique du Nord. vol. 33 (1994). Rhani, Zakaria. «Le chérif et la possédée: Sainteté, rituel et pouvoir au Maroc.» L’Homme. no. 190 (2009). ________. Le pouvoir de guérir: Mythe, mystique et politique au Maroc. Leiden and Boston: Brill, 2014. Westermarck, Edouard. Survivances Païennes dans la Civilisation Mahométane. Paris: Payot, 1935.