العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الأقباط والدولة الأمنية: العنف والإكراه والطائفية في مصر المعاصرة

الأقباط والدولة الأمنية: العنف والإكراه والطائفية في مصر المعاصرة

Copts and the Security State: Violence, Coercion, and Sectarianism in Contemporary Egypt.

شادي لوي س | Shady Lewis *

الملخّص

عنوان الكتاب الأصلي: Copts and the Security State: Violence, Coercion, and Sectarianism in Contemporary Egypt. المؤ لف: لور جرجس. الناشر: مطبعة جامعة ستانفورد. مكانالنشر: ستانفورد، كاليفورنيا. سنة النشر: 2016. عددالصفحات: 239 صفحة.

Abstract

Copts and the Security State: Violence, Coercion, and Sectarianism in Contemporary Egypt.

الكلمات المفتاحية:
  • الأقباط
  • الدولة الأمنية
Keywords:
  • Copts
  • Security State
  • Sectarianism

عنوان الكتاب الأصلي:

المؤلف: لور جرجس. الناشر: مطبعة جامعة ستانفورد. مكان النشر: ستانفورد، كاليفورنيا. سنة النشر: عدد الصفحات: 392 صفحة.

«أنا رئيس مسلم، لدولة مسلمة»

تستعين مقدمة الكتاب بتلك العبارة الشهيرة، من خطبة الرئيس الراحل محمد أنور السادات، في أيار/ مايو 9801، لتمهد للبدء في تحليل البنية الطائفية للمجتمع المصري. وعلى الرغم مما قد تشي به هذه المقدمة من استسلام للرواية المختزلة عن دور الحقبة الساداتية في التحول نحو الطائفية، فإن الكتاب في الحقيقة يحيلنا إلى نقاط تاريخية أبعد من ذلك بكثير، بل يقفز بنا إلى نقاط أحدث لا تقل جوهرية، ليرسم صورة أشد تشابكًا وتعقيدًا للطائفية في مصر. ترفض المؤلفة الميل التاريخاني والجوهراني في تناول «المسألة القبطية»، والذي هيمن على الأبحاث المتعلقة بالأقباط حتى مطلع الألفية الجديدة. فاعتماد «الذمّية» وحدةَ تحليل أساسية يؤكد منظورًا جوهرانيًا لوضعية الأقباط على أنهم «ضحايا» منذ القرن السابع الميلادي إلى اليوم، من دون أدنى تغيير. ومع هذا، تقرّ جرجس ببعض من الاستمرارية التاريخية؛ فالطائفية تعتمد على نظام سياسي وقانوني موروث جزئيًا من العصر العثماني. لكن الدولة الحديثة تظل هي الفاعل والسياق الرئيسين لإنتاج الطائفية في مصر؛ بفضل الظرف التاريخي لتشكّل الخطاب الوطني لها في مرحلة النضال من أجل الاستقلال (ص. 5). فالمواجهة مع القوى الكبرى في القرن التاسع عشر دفعت الدين ليكون محددًا رئيسًا للهُوية، وتعريف الذات الوطنية، بالضد من المُحتَل، بالاعتماد على منطق وخطابات هوياتية/ دينية. وفي ربطها للطائفية بالدولة الحديثة، تتجاوز جرجس مجموعة من المقولات طالما هيمنت على الدراسات المتعلقة بالطائفية في مصر، حتى مطلع الألفية الجديدة على الأقل، كالربط بينها وبين الذمّية ونظام المِلة العثماني. فالطائفية بالنسبة إليها ليست امتدادًا لنظام الذمّية الإسلامي، أو المِلّة العثماني، كما ترى أنها ليست نتيجة خلل في البنية العقائدية للإسلام أو المجتمعات الإسلامية، بل الأهم أن الطائفية في المجتمعات العربية إجمالً ليست نتاج قصور في عملية تحديثها وعلمنتها. تدعم جرجس في هذا ما ذهبت إليه صبا محمود في كتابها الاختلاف الديني في عصر علماني، في أن البنية الطائفية في مصر هي منتج لخلل أصيل، وتناقض متضمن في بنية الحداثة ذاتها، سواء في المجتمعات الأوروبية أو المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة. يضاف كتاب جرجس إلى مجهود بحثي متراكم في العقدين الماضيين؛ للكشف عن دور الحداثة بمفهومها الغربي في تشكيل الطائفية في المجتمعات العربية ومصر تحديدًا. وفي حين ينصبّ جهد الآخرين على البحث في تاريخ الإرساليات الغربية أو الاستعمار في المشرق العربي الكبير، فإن كتاب جرجس يوسع مدى دراسته تاريخيًا، لتربط الماضي بالوقائع والأوضاع المعاصرة. تتصدى جرجس في كتابها لمهمتين أساسيتين: الأولى هي رسم صورة ديناميكية للمجتمع

الطائفي في مصر، ودور الدولة الحديثة في إعادة إنتاج الطائفية وإدخال تغييرات جذرية عليها في الوقت ذاته. والثانية هي تقييم عمليات التغيير؛ أي فحص القوى التي حاولت كسر الدائرة المفرغة من الديناميكيات الهُوياتية، وتقييم نتائج تلك المحاولات واستشراف مستقبلها. تأتي فرادة تلك المحاولة، في إقرارها بعلاقة السلطوية والطائفية، وفي الوقت ذاته رفضها القبول بعدسة «السلطوية»، لتحليل قرينتها «الطائفية» (ص. 12) تذهب جرجس إلى أبعد من ذلك، بتنحية مفهوم «العلمانية» بوصفه غير كافٍ لفهم سياسات الهُوية في مصر، وترفض اعتبار الطائفية منتَجًا شرق أوسطي. وفي المقابل تستعين بمفهوم «التحول نحو الأمننة» (ص. 12)، الذي تعود أصوله إلى حقبة الحرب الباردة، وإن تصاعدت حدته وعمقه بعد هجمات 11 سبتمبر 001.2 وفي ذلك السياق، يركز الكتاب على محاولة كشف الخصائص المحلية لبنى العنف المتعدد لرابطة الهُوية – الأمن في مصر، مع الأخذ في الاعتبار الخصائص العامة لتلك النزعة الأمنية التي أخذت طابعًا عالميًا. يستعين الكتاب بمفهوم «الحاكمية» Governmentality لميشيل فوكو، لتحليل الطائفية، لا في مواقع السلطة المركزية فحسب، بل في مواقعها المحلية، والمواقع المتناهية الصغر. ومن هنا تأتي مساهمة الكتاب الرئيسة، في تمحيصها بُعدًا مهملً في الدراسات الأكاديمية عن الأقباط، أي تحليلها لتقنيات السلطة Technologies Power للنظام الطائفي، ومنطقها، عبر عدسة «الممارسة الخطابية؟» Practice Discursive. فالكتاب لا يكتفي بالنظر في البنية القانونية أو السياسية العليا للدولة، بل يتعداها، موجهًا الاهتمام إلى الممارسات المؤسسية والاجتماعية والخطابية والخبرات اليومية، وإلى القواعد والسرديات التي تنتجها المؤسسات، والمنافسات الانتخابية، والنشاط الحقوقي، والخطاب الإعلامي، والسياسات الحكومية والطقوس الدينية، والتي تنتج جميعًا طرقًا بعينها للفعل والتفكير، في حين تقيد غيرها، لتحافظ على بنية الطائفية وتعيد إنتاجها.

العنف المؤسس ودولة الهُوية

تخصص المؤلفة فصلها الأول لتحليل المستويات الأمنية والخطابية والقانونية لإنتاج الأقلية، بالنظر في ثلاث من دراسات الحالة: العنف الطائفي والتعامل الأمني معه، وإنتاج خطاب الإجماع الوطني، وأخيرًا تغيير الديانة. تتتبع جرجس التحولات في قوانين بناء الكنائس وتعديلاتها، والدعوات القبطية إلى تمرير قانون موحّد لدور العبادة؛ لتسلط الضوء على واحد من أهم دوافع اندلاع العنف الطائفي من جانب، ولتكشف من جانب آخر عن الغموض والميوعة المتعمّدين للنصوص القانونية، المتعلقة بدُور العبادة المسيحية، وشخصنتها للمنطق القانوني، والدفع للتعويل على حسن نيات ممثلي السلطة التنفيذية. تتجلى تلك الهشاشة القانونية، في تشجيع الدولة للجلسات العرفية وممارسات الوساطة المجتمعية، المعتمدة على نطاق واسع للتعامل مع العنف الطائفي، والتي تعطل القانون على نحو انتقائي في نطاقات وحالات بعينها، وتشجع على المزيد من العنف في المستقبل (ص 32–29). أما فيما يخص خطاب الإجماع الوطني، فإن مسحًا مختصرًا لمحاولات نظام محمد حسني مبارك تدعيم خطاب الوحدة الوطنية

عبر المؤسسات الدينية الإسلامية، وإصدارات وزارة الثقافة، وبرامج التلفزيون الرسمي، أثبت محدودية تأثيرها وذلك لأسبابٍ عديدة. فإضافةً إلى الخلافات الداخلية داخل الأزهر من جهة، وبينه وبين الأوقاف ودار الإفتاء من جهة أخرى، وإضافةً إلى ظهور الدعاة الجدد عبر شبكات البثّ الفضائي ومنافستهم للخطاب الرسمي، فإن معظم محاولات أجهزة الدولة كانت بعيدةً عن مجال الممارسة اليومي والطقسي والتعبدي، وانطلقت من أسس ترسّخ ما كان مفترضًا فيها أن تعارضه. فخطاب الوحدة الوطنية بين عنصرَي الأمة يعتمد بالأساس على افتراضِ انقسام مبدئي بينهما (ص. 3)2 وحين تتحول المؤلفة إلى فحص نماذج من التنظيرات الإسلامية المعاصرة المتعلقة بوضع الأقباط في المجتمع وأمام الدولة، فإنها تجد أن اجتهادات شخصيات عامّة مثل محمد سليم العوا وطارق البشري، مع إقرارها بالمساواة بين المسلمين والأقباط، تقرّ ضمنيًا بأن تلك المساواة ليست معطى مبدئيًا بالضرورة، بل هي مكتسب على الأقباط أن يثبتوا استحقاقهم له، ولا يوجد ضامن من ثمّ لفقدانه مستقبلً (ص. 43)–35 وفي دراسة الحالة الثالثة، لا تنظر المؤلفة إلى موضوع تغيير الديانة، بوصفها مسألة حقوقية تتعلق بحرية الاعتقاد فحسب. فخانة الديانة في البطاقة الشخصية هي بمنزلة «الوشم» الذي تطبعه ماكينة الدولة على الفرد، وتجبره من خلاله على تعريف نفسه عبر هُويته الدينية، في كل مرحلة فاصلة في حياته. ويتراكب على ذلك «الوشم» شبكة من القوانين المنظمة للأحوال الشخصية، مؤسسة على فصل طائفي لأحكامها. تعود المؤلفة مرة أخرى إلى الغموض القانوني فيما يخص عملية التحول، ففي حين لا يبدو أن هناك قانونًا يمنع التحول من الإسلام إلى المسيحية، فإنه ليس هناك قانون لتنظيم تلك العملية. ومن جانب آخر، فإن تنفيذ إجراءات التحول إلى الإسلام، وبالأخص حضور جلسات الإرشاد، في أقسام الشرطة، يبدو انتقائيًا، هو الآخر، إلى أقصى حد (ص. 32)–29 تستنتج المؤلفة أن خصوصية السلطوية المصرية، بهامشها «اللارسمي» Informal الواسع تسمح بقدر كبيرٍ من الغموض القانوني، والانتقائية في تطبيقه من جانب ممثلي الدولة، ومن ثمّ فرض حالة من الخوف الدائم على المواطنين الأقباط. وتتجلى تلك الخصوصية على نحو أوضح على المستوى المحلي، خاصة حين تتعمد السلطة عدم تطبيق القانون بتفعيل العُرف، أو تحُدّ من تطبيقه، مثلما هو الحال في رفض بعض أقسام الشرطة لجلسات الإرشاد أو رفض جهاز السجل المدني لتغيير خانة الديانة (ص. 33)–32

العنف في خطاب النقاء

يستكمل الفصل الثاني مناقشة العنف البنيوي في الحالة السلطوية المصرية، عبر تحليل العمليات التاريخية والرمزية والخطابية لتقاطع كل من المفهوم المثالي عن النقاء وعملية تحول الأمن إلى مفهوم معياري. تنطلق المؤلفة من تتبّع تاريخي لبزوغ الوعي الهُوياتي القبطي الذي بدأ في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، والذي واكب بزوغ فكرة مفهوم الدولة – الأمة في المجال العام من جانب، والتهديد الذي واجهته الكنيسة القبطية من جانب الإرساليات المسيحية الغربية من جانب آخر. تركز جرجس على تحليل خطاب الأصالة القبطي، وتلخصه مقولة «الأقباط أحفاد الفراعنة» (ص. 46). ففي الوقت الذي أكدت فيه تلك المقولة مصرية الأقباط، فإنها سرعان

ما انقلبت لصالح الاستثناء. فالأصل الفرعوني للأقباط، يميزهم عن مواطنيهم المسلمين، والذين بالضرورة «تحولوا عن دينهم ولغتهم وثقافتهم الأصلية» (ص 48–47). لكن الترويج لخطاب الأصل الفولكلوري – الإثني للأقباط لم يهدف بالضرورة إلى نصيب من التمثيل والمشاركة على المستوى السياسي، بل استهدف رفض مفهوم «الأقلية»؛ فالأقباط، بحسب هذا الخطاب، هم الأصل النقي، أي الكلية، والتي لا يمكن التعبير عنها بنسبة مئوية من عدد السكان، أو نصيب من التمثيل السياسي (ص. 49) يستعرض الفصل عددًا من دراسات الحالة عن اختفاء قبطيات، والخطاب القبطي المتعلق بمثل تلك الحوادث. فبينما تلجأ الفتيات/ النساء القبطيات، في معظم تلك الوقائع، إلى الفرار من بيوتهن لأسباب عاطفية أو بغية الهروب من أوضاع عائلية قاسية، فإن منظمات أقباط المهجر طالما روّجت أن هناك مخططًا واسعًا لإجبار القبطيات على التحول إلى الإسلام، عبر الخطف والإرغام والاغتصاب. ومن جانب الكنيسة، فإن خطابها الرسمي أصر دائمًا على نفي فكرة التحول الطوعي في هذه الحالات، في تصوير لجسد الفتاة القبطية، الطاهرة الحسنة النية، بوصفها مثالً رمزيًا للأقباط الذين يواجهون تهديدًا دائمًا بالدنس/ الإجبار على التحول. هنا أيضًا تشير المؤلفة إلى تواطُؤ ممثلي الدولة على حالات تحول القبطيات القاصرات، وزواجهن، في تعدٍ على القانون، لتؤكد مرة أخرى مفهوم «الهامش اللارسمي» المتجاوز لحدود القانون، ودوره المركزي في حالة السلطوية والمجتمع الطائفي (ص. 50). لكن مفهوم النقاء وصوره الرمزية ليس قاصرًا على الأقباط؛ فالمؤلفة تشير إلى أن صورة الفتاة المخطوفة ليست إلا صورة معكوسة لخطاب جماعة الإخوان المسلمين ضد الإرساليات التبشيرية الغربية في النصف الأول من القرن العشرين (ص. 55). يؤدي هوس النقاء، والعنف الرمزي المتأصل فيه والخوف المتولد عنه، إلى فصل واسع في المجال العام والخاص بين المسلمين والأقباط، في أماكن تجمع طلبة الجامعات، والامتناع عن شراء المأكولات من المحال المملوكة للمنتمين إلى الطائفة الأخرى، وجدالات في وسائل الإعلام على شرعية تحية الأقباط وزيارتهم وتناول طعامهم وشرابهم، وقبول التبرع بالأعضاء منهم، والعكس. وهكذا تهيمن قواعد الطهارة والنجاسة على نمط العلاقات الجسدية المباشرة والسلوكيات والممارسات اليومية في الأماكن العامة والخاصة على السواء. تصل بنا المؤلفة إلى أن الصور التي ناقشتها عن النقاء، والتي وإن كانت تعمل عبر أدوات خطابية، ليست لعبة بالكلمات فقط، بل تكشف عن المادية الكامنة في كل فعل رمزي طائفي (ص. 57)

الكنيسة القبطية: ساحة للمقاومة وحليف للنظام

يركز الفصل الثالث على أسس سلطة البابا شنودة وبنيتها ونفوذه، للكشف عن تناقضات سياسات الكنيسة في فترة جلوسه. تقدم المؤلفة سردًا مختصرًا لتاريخ الكنيسة القبطية منذ نشأتها وصولً إلى بزوغ مشروع النهضة القبطي في منتصف القرن التاسع عشر. ومن ثم تناقش الصراع بين الكهنوت والعلمانيين ممثلين في المجلس الملّي، وحسم الصراع، بوصول الضباط الأحرار إلى الحكم. فالعلاقة الشخصية الحميمة بين البابا كيرلس وعبد الناصر، وتفضيل نظام يوليو التعامل مع الأقباط بوصفهم كتلة واحدة،

دعمَا خيار استئثار الكهنوت تمثيل المجتمع القبطي (ص 69–66). لكن البابا شنودة سرعان ما استبدل النزعة الروحانية للبابا كيرلس، الذي لطالما عرف بوصفه رجل المعجزات، بمشروع لاهوت سياسي متماسك. انصبّ مشروع شنودة على احتكار تمثيل الأقباط، وعملية إنتاج المعنى. فعلى المستوى العملي، قام البابا بتحييد العلمانيين بدمجهم في النشاطات الدينية المقتصرة على الكهنة في الماضي، وبتطهير أي معارضة من داخل طبقة الكهنوت وكذلك ممن وجدهم قادرين على منافسته على النفوذ من بين أفرادها (ص 4–69.)7 تزامن ذلك مع توسع في النشاطات الاجتماعية والثقافية في الحيّز الكنسي، وتوسيع الفضاء الديني ليشمل المساحات العلمانية، فتجد الكنيسة امتداداتها في أسر الطلبة المسيحيين في الجامعات مثلً، أو المراكز الطبية في الأحياء الشعبية، وهكذا. وعلى المستوى الرمزي، فإن البابا شنودة أدى دورًا مركزيًا، بوصفه الممثل الوحيد للأقباط، عبر ما تشير إليه المؤلفة بالعمليات الكاريزمية. فطبقًا للمفهوم الفيبري، لا تتعلق الكاريزما بالضرورة بالصفات الشخصية لصاحبها فحسب، بل أيضًا بالحالة التي يخلقها ظرف تاريخي بعينه، وسياق اجتماعي بعينه، تنظر فيه الجموع إلى فرد على أنه تمثيل للجماعة وتجسيد لرغباتها. لكن، وكما أن أي مشروع لشخصنة السلطة يتناقض مع توسعه، فإن تعدد المراكز الروحية والثقافية وغيرها أضحى عصيًا على الضبط. وأصبحت السلطة البابوية، والكنيسة عمومًا، موضعًا لتمردات داخلية متكررة وعلى أكثر من مستوى، سواء من الكهنة، أو من شريحة العلمانيين، أو من منظمات أقباط المَهجر. فعلى سبيل المثال، لقد تعرض البابا كثيرًا لنقد داخلي؛ بسبب موقف الكنيسة المعلن أو الضمني في الانتخابات، ودعم مرشحي الحزب الوطني. وهنا، لا ترى المؤلفة أن الدعم والتحالف بين الكنيسة والنظام مؤسسان على نصوص لاهوتية، أو على وضعية الأقباط بوصفهم أقلية، بل هما انعكاس لوضع بنيوي، لا مفر منه، تجد الكنيسة فيه نفسها معتمدة اعتمادًا كبيرًا على ممثلي السلطة في تصريف شؤونها، كبناء كنيسة، أو توثيق الزيجات وغيرها (ص 97–90). هكذا، فبينما نجح البابا في ترسيخ مشروعه التوسعي والمركزي، فإنه لم يستطع منع عملية الفصل بين الانتماء إلى الطائفة والممارسات الروحية الفردية؛ وهو ما انتهى بعلمنة السلطة البطريركية، وإخضاعها لإمكانية النقد. وفي الوقت نفسه، فإن التوسع في النشاطات العلمانية داخل الكنيسة، بغية تحويلها إلى ملجأ من تهديدات الطائفية، تحوّل إلى إنتاج مجتمع مغلق، يرسّخ الطائفية ويعيد إنتاجها عكسيًا.

التوترات داخل المجتمع القبطي

تستكمل المؤلفة في الفصل الرابع ما بدأته في سابقه. وتركز على فحص التوترات داخل المجتمع القبطي، والتي لم تقتصر فقط على الاحتجاجات من العلمانيين أو الكهنة أنفسهم. فتلك التوترات أخذت في بعض الأحيان صورة ممارسات روحية، تشكّلت من داخل النظام الطائفي الذي ساهم في تأسيسه شنودة، إلا أنها كانت في الوقت نفسه فعلًاحتجاجيًا ضد مشروعه الأصولي. تنطلق المؤلفة في سردها للنشاط السياسي

للعلمانيين، من واقعة خطف جماعة «الأمة القبطية» للبابا يوساب الثاني وإجباره على الاستقالة عام 954.1 وقد أصرت المؤلفة على أن الواقعة كانت نقطة تحول في علاقة الكنيسة بالدولة، على الرغم من أنها تستعين بعدد كبير من المصادر التاريخية والأكاديمية التي تشكك في الواقعة وتفاصيلها، ووزن الجماعة (ص. 104) تقفز المؤلفة من تلك الواقعة، إلى عام 0062، لمناقشة مؤتمر العلمانيين الذي قدّم أوراقًا ومقترحات للإصلاح الإداري للكنيسة، وقواعد انتخاب البابا، وقانون الأحوال الشخصية، ودور العلمانيين في إدارة شؤون الكنيسة. ولاحقًا انتقلت إلى الخلافات اللاهوتية العلنية بين البابا وبين كلٍ من الأب متّى المسكين، واللاهوتي جورج حبيب بيباوي. لكن تركيز المؤلفة على واقعة «الأمة القبطية»، ومؤتمر عام 0062، وهما لم يتركا أثرًا يذكر، لا يبدو مبررًا، وخاصة مع تجاهلها نشاطًا سياسيًا ممتدًا عشرات السنين، متعلقًا بقانون الأحوال الشخصية، انخرطت فيه روابط قبطية وأفراد، شاركوا في احتجاجات ضد إدارة الكنيسة ورفعوا قضايا في المحاكم المصرية ضد الكنيسة والبابا شخصيًا. وأخيرًا تطرح المؤلفة الموجة «الكاريزمية» في الكنيسة القبطية، وجماهيرية قساوستها مثل القديس سمعان الخراز، والأنبا مكاري يونان، وزكريا بطرس، بصفتها صورة من صور التمرد ضد المشروع المركزي للبابا شنودة. لكن تفسير المؤلفة لا يبدو مقنعًا؛ لأنها لم تحاول ربط تلك الموجة المحلية، بصعود «الكاريزمية» عالميًا، وتجاهلت تراكمًا بحثيًا يربط تلك الموجة بعوامل طبقية واقتصادية متشابكة ذات أطر نيوليبرالية.

الطائفية والسلطوية وديناميكيات الخوف

في الفصل الخامس من الكتاب، تموضع المؤلفة «المسألة القبطية» على محكّ التحولات المعاصرة في الأعراف الاجتماعية، والتي تتضمن إعادة تعيين الحدود بين المرئي والتابو، والتغيرات الجارية في الوضع السلطوي، التي تفرض قواعد جديدة للتمييز بين الرسمي وغير الرسمي. ولذا، فإن المسألة القبطية اكتسبت قيمة رمزية معتبرة في الحراك السياسي الساعي لإقرار سيادة القانون وحقوق المواطنة، وفي الوقت نفسه تم استخدامها أداةً في الصراع السياسي من أجل السلطة. تعرض المؤلفة الصراعات والتحولات التي تتعلق بالتمثيل السياسي للأقباط، تلك التي تبدأ من المطالبة بنظام تمثيل طائفي نسبي، ثم التمثيل الحزبي المتفق عليه عرفيًا، وبعدها تعيينات رئيس الجمهورية لنسب من أعضاء البرلمان، وأخيرًا نظام انتخابات القوائم الملزمة قانونًا بتضمين أقباط. بعد ذلك، تستخلص أن بنية التمثيل الرمزي والمحدود للأقباط في المؤسسات المنتخبة والسلطة التنفيذية، مؤسسة على منطقين متعارضين: دعم صوري لحضورهم السياسي من جانب، وإقرار باستثنائهم من الحيّز السياسي الطبيعي من جانب آخر (ص. 123)–118 تقدم المؤلفة تحليلً للعمليات الخطابية والسياسية للحزب الوطني وجماعة الإخوان المسلمين تجاه المرشحين الأقباط، قبل الثورة، كاشفةً عن خوض كلٍّ منهما الانتخابات بأقباط على قوائمه، بينما استخدما دعاية طائفية ضد منافسيهم من الأقباط في حالات أخرى. تركز المؤلفة بالأخص على خطاب الإخوان المسلمين تجاه الأقباط، والتناقضات في المواقف بين

الوثائق المختلفة التي تصدرها الجماعة وتصريحات قياداتها، بحسب سياقها وجمهورها. وتصل أخيرًا إلى الصعود السياسي للسلفيين بعد الثورة؛ ما دفع حزب النور إلى تخفيف خطابه الطائفي بعد وصوله إلى البرلمان، وجعل الإخوان يصدرون خطابًا أكثر تشددًا ضد الأقباط للتغلب على منافسيهم الإسلاميين (ص. 128)–123 وكما كان الموقف من الأقباط ورقة في الصراع الانتخابي، والمنافسات الأيديولوجية الإسلامية، فإنه كان أيضًا أحد محاور سياسات الخوف التي استخدمت في فترة رئاسة محمد مرسي، ولحقت فئات أخرى، ومهدت في النهاية ل 30 حزيران/ يونيو 013.2 هكذا تصل بنا المؤلفة إلى أن المنافسة بين النظام الحاكم وحركات الإسلام السياسي في العقود الثلاثة الماضية حوّلت الأقباط إلى «دال فارغ من المعنى»، يستخدمه الطرفان لخدمة أهداف متعارضة، وعلى نحو تبادلي.

مقارعة الطائفية

يركز الفصل الأخير على محاولات التصدي للطائفية، والطرق التي تعامل بها النظام مع تلك المحاولات. تتتبع المؤلفة منظمات أقباط المهجر، وتحولات خطابها الأكثر تشددًا في الماضي إلى التعاون مع مؤسسات الدولة بدافع تدعيم تحول ديمقراطي مأمول. وتنتقل لاحقًا إلى مناقشة الحراك القبطي في الداخل، والذي ارتبط بالانفتاح النسبي للمجال العام منذ عام 0052، وحتى نهاية فترة مبارك. وفي ذلك السياق، تنظر إلى تأسيس حركة «مصريون ضد التمييز الديني» في عام 0062، وأسباب تراجع مشروعها للتوعية الجماهيرية والإصلاح المؤسسي. ومن ثم تنتقل المؤلفة إلى آليات النظام لتحييد تلك الجهود، كالتشويه، والاتهام بالعمالة للخارج في حالة أقباط المهجر، أو التشهير عبر الفضائح المرتبطة بكهنة الكنيسة في الإعلام؛ ولاحقًا تستعرض إستراتيجية الاحتواء التي عبرها تم تدجين بعض قيادات أقباط المهجر داخل دوائر صنع القرار في الحزب الوطني؛ وأخيرًا إستراتيجية المأسسة واللارسمية، عبر تأسيس المجلس القومي لحقوق الإنسان عام 0032، والتسامح النسبي مع نشاط المنظمات الحقوقية، من دون السماح لها بتوفيق كامل لأوضاعها قانونيًا. وفي حين تصل المؤلفة إلى أن النظام نجح في تقديم نفسه على أنه الحامي الوحيد لحقوق الأقباط، واعتمد على الفجوة بين الخطاب والممارسات الفعلية، وبين الرسمي وغير الرسمي، لتدعيم سلطويته، فإن منظمات المجتمع المدني والحراك الأهلي قد استخدمت ذلك الهامش من أجل مقاومة النظام نفسه، بهدف التقريب بين الخطابي والفعلي، وإجبار الدولة على احترام التزاماتها المعلنة تجاه مواطنيها، وهو ما حاولت ثورة يناير تحقيقه. يصل بنا الكتاب في نهايته إلى عودة السلطوية مرة أخرى بعد 30 حزيران/ يونيو 0132، وهزيمة الثورة التي فشلت في تحويل رمزية الوحدة الوطنية بين المسلمين والأقباط في ميدان التحرير إلى تصور عملي لمنظومة الحكم.

خاتمة

نجح الكتاب بالفعل في تقديم عرض متعدد الزوايا للمسألة الطائفية في مصر في علاقتها بالسلطوية، وتناولها تحليليًا من عدسة مفهوم «سياسات الحكم الفوكوي»، كاشفًا عن الهامش غير الرسمي، وعدم الوضوح القانوني المتعمد، الذي تعمل من خلاله معادلة الخوف – الطائفية. لكن يظل طموح المؤلفة إلى تحليل الممارسات

اليومية للسلطة في مواقعها المحلية والمتناهية الصغر غير مكتمل. فعلى المستوى النظري، اكتفت جرجس بربط الطائفية الأمنية/ السلطوية، من غير أن توضح العلاقة بين الأخيرة والحداثة. فهل الدولة الحديثة سلطوية بالضرورة؟ وإن كانت الإجابة بالنفي، فما هي المحددات التاريخية والسياسية لتطور الدولة الأمنية في مصر؟ فمجرد إحالة السلطوية في مصر إلى موجة «التحول نحو الأمننة» المعولمة – كما ذهب الكتاب – ينتهي بنا إلى افتراض أن تاريخ السلطوية في مصر لا يرجع إلى أبعد من بداية الحرب الباردة، وأنها لا تحمل تاريخًا محليًا خاصًّا يتمايز عن سياق السياسات الدولية. وعلى مستوى الأدوات التحليلية، فإن جرجس لم تلتفت إلى حدود مفهوم «الحاكمية» لدى فوكو الذي تم توظيفه إطارًا تحليليًا في الكتاب، وهو مفهوم ارتبط بتطور الدولة الغربية الحديثة. يحسب لجرجس مفارقاتها لأطروحة صبا

المراجع محمود، على الرغم من اتفاقهما المبدئي. فعلى العكس من كتاب محمود، الاختلاف الديني في عصر علماني، الذي حصر الطائفية في أصولها بالدولة الحداثية/ العلمانية نافيًا أي دور للسلطوية، فإن كتاب جرجس ربط الحداثة والسلطوية في مثلث واحد من العلاقات العضوية بالطائفية. وعلى المستوى التطبيقي، فإن المدى التاريخي الطويل، وتعدد الموضوعات والزوايا التي طرحها كتاب جرجس، حالَ دون التعمق في تحليل شبكات علاقات السلطة الدقيقة وصور تشكيلها للممارسات اليومية. اكتفى الكتاب في النهاية بالتركيز على القانوني والانتخابي والحزبي والكنسي، ببراعة كشفت عن إستراتيجيات الإخضاع والمقاومة، لكن من دون الخوض في اليومي والمعيش والدقيق كما وعدنا. وإن كان قد نجح في رسم مخطط مبدئي للهوامش غير الرسمية، فاتحًا الباب أمام المزيد من الجهد البحثي لتحليلها والغوص في تفاصيل الممارسة اليومية الناشئة عن تناقضاتها.

Jeffreys, Elaine. China’s Governmentalities: Governing Change, Changing Government. New York: Routledge, 2009. Mahmood, Saba. Religious Difference in a Secular Age: A Minority Report. Princeton and Oxford: Princeton University Press, 2015. Sedra, Paul. «Writing the History of the Modern Copt: From Victims and Symbols to Actors.» History Compass. vol. 7. no. 3 (2009). Sharkey, Heather J. American Evangelicals in Egypt: Missionary Encounters in an Age of Empire. Princeton: Princeton University Press, 2008. Ye’or, Bat. The Dhimmi: Jews and Christians under Islam. Madison: Fairleigh Dickinson University Press, 1985.