العودة إلى تفاصيل المؤلَّف بيئوية الفقراء. ديناميات التكيف وممارسات العيش: مقاربة أنثروبولوجية

بيئوية الفقراء. ديناميات التكيف وممارسات العيش: مقاربة أنثروبولوجية

Ecology of Poverty: An Anthropological Approach to Adaptive Dynamics and Living Practices

فوزية برج | Fouzia Borj *

الملخّص

* أستاذة علم الاجتماع والأنثروبولوجيا، بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، عين الشق التابعة لجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء.

** تعتبر هذه الدراسة جزءًا من الدراسة الأنثروبولوجية التي موّلها المجلس العربي للعلوم الاجتماعية ببيروت في منحة الدورة الثالثة.)2017(

Abstract

This study analyzes the social dynamics associated with resource management practices, the forms of competitiveness as well as the different patterns of legitimacy associated with access to resources. It also examines the social phenomena that accompanied the shift from common to private ownership in the context of the growing dominance of the modern market in the Tafilalt area of south-eastern Morocco. The study tracks the shifts in access to resources and households’ livelihood strategies, from a cultural ecology perspective. This studies the interactions of nature with communities through local culture and knowledge, and their history of utilizing resources (land, water). This study contends that inequality in the distribution of environmental resources is a reflection of patterns of access to resources, which in turn are linked to a social system that is seemingly caught between the contradictions of local and modern systems.

الكلمات المفتاحية:
  • حقوق الماء
  • استخدام الأرض
  • التحولات الفلاحية
  • الإثنوغرافيا
  • الإيكولوجيا الثقافية
  • نمط الشرعية
Keywords:
  • Water Rights
  • Land Use
  • Agricultural Transformation
  • Ethnography
  • Cultural Ecology
  • Patterns of Legitimacy

ملخص: تهدف هذه الدراسة إلى تحليل الديناميات الاجتماعية المرتبطة بممارسات إدارة

الموارد وأشكال التنافسية وأنماط المشروعية المرافقة لعملية الوصول إلى الموارد. كما تبحث

في التمظهرات الاجتماعية التي رافقت التحوّل من الملكية المشتركة إلى الملكية الخاصة في

سياق ازدياد هيمنة السوق الحديثة في منطقة الواحة بتافيلالت جنوب شرق المغرب. وتعمل

الدراسة على تتبّع تحولات طرق الوصول إلى الموارد وإستراتيجيات الأسر للعيش، وذلك من

منظور الإيكولوجيا الثقافية التي تدرس تفاعلات الطبيعة مع المجتمعات من خ لاا ثقافتهم

ومعارفهم المحلية، وتاريخهم في استخدام الموارد (الأرض والماء). وتفترض هذه الدراسة أن

اللامساواة في استخدام الموارد البيئية قد تُعتبر انعكاسًا لأنماط وصول الفاعلين إلى الموارد

المرتبطة بنظام اجتماعي متناقض بين المحلّي والحديث.

Abstract: This study analyzes the social dynamics associated with resource management practices, the forms of competitiveness as well as the different patterns of legitimacy associated with access to resources. It also examines the social phenomena that accompanied the shift from common to private ownership in the context of the growing dominance of the modern market in the Tafilalt area of south–eastern Morocco. The study tracks the shifts in access to resources and households’ livelihood strategies, from a cultural ecology perspective. This studies the interactions of nature with communities through local culture and knowledge, and their history of utilizing resources (land, water). This study contends that inequality in the distribution of environmental resources is a reflection of patterns of access to resources, which in turn are linked to a social system that is seemingly caught between the contradictions of local and modern systems.

Professor of Sociology and Anthropology, Faculty of Arts and Human Sciences – Aïn Chock Campus of University of Hassan II Casablanca.

** تعتبر هذه الدراسة جزءًا من الدراسة الأنثروبولوجية التي موّلها المجلس العربي للعلوم الاجتماعية ببيروت في منحة الدورة

الثالثة.)2017(

شتاء   winter 2019

مقدمة

تشير الدراسات التي أجريت حول مناطق الواحات في مختلف أنحاء العالم إلى الانحدار الخطير للموارد الطبيعية التي طالما تميزت بندرتها، بسبب غياب حكامة المياه الجوفية. وقد أدت السياسات الإيكولوجية والتقدم التقني في المغرب إلى خلق ديناميات زراعية جديدة، نجم عنها توسع نمط إنتاجٍ زراعي حديث على حساب نمط إنتاج أكثر أصالة ومحلية تميّز بتنظيم

موارده المائية النادرة عبر نظام معقد في حكامة الأرض، يستند إلى التشريعات العرفية التي أقرتها

القبائل في إدارة الماء والأرض. وقد ساهم تدخّل الدولة المغربية في فرض إستراتيجيةٍ حديثة وخطابٍ

إيكولوجي لتنمية الواحات وزيادة الإنتاج الزراعي وأشكال استخدام الأرض بما فيه من تحديثٍ لنظام الريّ المحلي إلى إعادة تشكيل قواعد الوصول إلى الماء وقوانينه، وهو الأمر الذي أنتج اللامساواة

الاجتماعية وأعاد إنتاجها. لقد تجاوزت الدولة من خلال تدخلّاتها في المجال الواحيّ نظام الريّ المحلي والممارسات العرفية

المرتبطة به، لكنها لم تراعِ حساسية الحقوق المائية لدى الفلاحين. وساهمت سياسات الوصول

الجديدة إلى الماء، التي تستند إلى تشجيع المستثمرين لحفر الآبار الخاصة، في انتشار ممارسات غير مشروعة للمياه الجوفية، على الرغم من أهميتها في خلق سبل العيش للفلاحين، في مقابل محدودية المعلومات العلمية عن كمية المياه الجوفية في باطن الأرض وطبقات الفرشة المائية وزيادة الطلب على استخدام المياه الجوفية. تتحدث إلينور أستروم عن تضارب المصالح والقيم فيما يتعلق باستخدام الموارد، وتؤكد أن محاولة إيجاد نسق فعال من الحكامة يشبه العرق المتجدد، لأنه يتضمن مجموعة من القواعد العُرفية التي تلائم

الظروف الاقتصادية والاجتماعية لمجموعة واحدة فقط من الناس، ويمكن في الوقت نفسه أن تضعف هذه القواعد الجانب الاقتصادي والاجتماعي للعديد من الفئات. لقد كانت ملاحظة غيرتز بالغة الأهمية في فهم نظام الريّ في المغرب وبالي (أرخبيل في إندونيسيا)، إذ أكد أن سياسة المؤسسات

يجب أن ترتبط ارتباطًا وثيقًا بأنواع مشكلات توزيع الموارد، والتي يتعيّن الانتباه إليها والتعامل معها.

والفكرة القائلة إن استخدام المياه كثيرًا ما تحكمه مجموعة من القواعد والمعايير والقوانين التي تأتي

من مصادر مختلفة، تلقى اعترافًا متزايدًا، خاصة أن الملكية المشتركة للموارد تجعل الاهتمام بالتعددية القانونية أساسيًا، وتحفز أهمية تحليل حقوق المياه والصراعات حولها وتفاعلاتها المعقدة.

(1) Karen Eugenie Rignall, «Land, Rights, and The Practice of Making a Living in Pre–Saharan Morocco,» PhD. Dissertation, University of Kentucky, Kentucky, USA, 2012, p. 3. (2) Tushaar Shah et al., «Sustaining Asia’s Groundwater boom: An Overview of Issues and Evidence,» Natural Resources Forum , vol. 27, no. 2 (2003), pp. 130–141. (3) Elinor Ostrom, Governing the Commons: The Evolution of Institutions for Collective Action (Cambridge: Cambridge University Press, 1990), p. 280. (4) Clifford Geertz, Hildred Geertz & Lawrence Rosen, Meaning and Order in Moroccan Society: Three Essays in Cultural Analysis (Cambridge: Cambridge University Press, 1979), pp. 828–830 (5) Rutgerd Boelens & Jeroen Vos, «The Danger of Naturalizing Water Policy Concepts: Water Productivity and Efficiency Discourses from Field Irrigation to Virtual Water Trade,» Agricultural Water Management , vol. 108 (2012), pp. 16–26.

مقاربة أنثروبولوجية: ديناميات التكيف وممارسات العيش: بيئوية الفقراء

إن إدراج القانون العرفي المحلي يُعتبر فعالً للاعتراف بالحقوق، إذ يؤكد بولينز ضرورة ربط إدارة

نظام الريّ بحقوق مستخدمي المياه والتزاماتهم، و«الانتباه إلى أهمية القواعد والمبادئ المؤسسة

ثقافيًا بوصفها محدداتٍ للتحكم في المياه »، موضحًا كيفية تطور أنظمة الريّ في العلاقة بالبيئات

السوسيوثقافية والطبيعية. وبالنسبة إلى كريس هان، فإن فهم الطبيعة من خلال مؤسسات إدارة الموارد لا يتم من خلال مجهولين

يقومون بتنفيد العقوبات في عالم خالٍمن الثقافة كما يتصوره هاردن، ولكن يتم من خلال وضعية الأشخاص في سياقات سوسيوثقافية محددة، إذ دحضت أستروم ما جاء به هاردن في مساهمته «تراجيديا الجماعة» Commens the of Tragedy من أن الموارد المشتركة سيُحكم عليها بالاستنزاف،

لأن الجميع يستغل هذه الموارد، الشيء الذي يجعل المستخدمين الآخرين للموارد غير قادرين على الوصول إليها ويتحمّلون تكاليف هذا الاستغلال. وينتج من ذلك سباق نحو الاستغلال الذي لا يمكن

حلّه إلا من خلال إحداث حقوق الملكية الخاصة أو العامة. شدّدت أستروم على قدرة المجتمعات المحلية على إدارة الموارد المشتركة، بسبب قدرة الناس على التعاون من أجل هدف جماعي طويل الأجل، واستعملت عبارة «حُزم الحقوق» Rights of Bundles التي تساعد على التمييز بين حقوق

الوصول والانسحاب والإدارة والاستبعاد والاغتراب. تحاول هذه الدراسة الكشف عن الديناميات الاجتماعية والاقتصادية لتحولات استخدام الأرض، كما تتتبّع تحولات الوصول إلى الموارد وإستراتيجيات الأسر للعيش، من منظور الإيكولوجيا

الثقافية التي تدرس تفاعلات الطبيعة مع المجتمعات من خلال ثقافتهم ومعارفهم المحلية، وتاريخهم في استخدام الموارد (الأرض والماء). وتفترض أنّ اللامساواة في استخدام الموارد البيئية قد تُعتبر انعكاسًا لأنماط وصول الفاعلين إلى الموارد المرتبطة بنظام اجتماعي متناقض بين المحلّي

والحديث. لقد أدت هجرة اليد العاملة إلى سلسلة من التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي ساهمت، على مدى نصف قرن، في إعادة تشكيل الممارسات الاجتماعية وإستراتيجيات التكيّف في الواحة. ومن شأن

تتبّع التغيرات في ممارسات استخدام الأرض والماء أن يلقي الضوء على التجربة المعيشة للفاعلين

(6) Rutgerd Boelens, «Cultural politics and the Hydrosocial Cycle: Water, power and Identity in the Andean Highlands,» Geoforum , vol. 57 (2014), pp. 234–247. (7) Ibid., p. 234. (8) Garrett Hardin, «The Tragedy of the Commons,» Science , vol. 162, no. 3859 (December 1968). (9) Chris Hann, «Evolution, Institutions, and Human Well–being: Perspectives from a Critical Social Anthropology,»  Journal of Bioeconomics , vol. 16, no. 1 (April 2014), pp. 61–69. (10) Elinor Ostrom, Crafting Institutions for Self–governing Irrigation Systems (Oakland, CA: Institute for Contemporary Studies, 1992). (11) Elinor Ostrom, «The Formation of Property Rights,» in: Susan S. Hanna, Carl Folke & Karl–Goran Maler (eds.), Rights to Nature: Ecological, Economic, Cultural, and Political Principles of Institutions for the Environment , 2 nd ed. (Washington: Island Press, 1996), pp. 127–156.

شتاء   winter 2019

الاجتماعيين، وأشكال الإمكانات المتاحة لهم، لأن حقوق الوصول إلى الموارد الإنتاجية ترتبط بتنظيم المؤسسات القانونية والعرفية. ولا يمكن تجاهل مركزية ملكية الأرض والماء في جميع أنحاء الحياة الاجتماعية في واحة الجرف. وذلك، كما هو الحال في الكثير من المناطق والواحات في أنحاء العالم، أن الأرض والماء ليس

لهما أهمية بوصفهما رأس مالٍاقتصاديًا فحسب، بل رمزيًا كذلك، انطلاقًا من استخدامات الأرض

الاقتصادية المباشرة، ودلالاتها الثقافية بوصفها رمزًا للتأثير الاجتماعي. وتكشف نتائج هذه الدراسة عن أهمية التحولات في الممارسات المعيشة، وكيفية وصول الأسر إلى الموارد، وانعكاسات إستراتيجياتها على الحقوق الأساسية، خاصة بعد التحولات الزراعية الحديثة التي سمحت لرأس المال الخاص بالسيطرة على الموارد. وإذا كانت تحويلات المهاجرين وتنويع موارد العيش أعادتا تشكيل الاقتصاد الإقليمي والمحلي، فإن الاستثمارات الزراعية الحديثة في واحة الجرف كانت سببًا رئيسًا في تعزيز التنافسية على الموارد لتساهم في إعادة تشكيل مجال الواحة والممارسات

الإيكولوجية المتعلقة به.

أولا: إشكالية البحث وفرضياته وإطاره المنهجي

تتمحور الأسئلة الرئيسة حول كيفية وصول الأسر الفلاحية إلى الموارد، وعلاقة ذلك بممارسات العيش وأشكال التنافسية وأنماط المشروعية المصاحبة للوصول إلى الموارد خلال الثلاثين سنة الماضية. ومع أنّ هذا البحث ليس بيئيًا، إلا أن التركيز على البيئة في واحة الجرف سيكون ضروريًا من أجل

التعرف إلى أشكال إدارة الماء، لأنها المتغير المحدد لأشكال استخدام الأرض. وتستنتج الدراسة أنّ قوانين استخدام الأرض والأشكال الهجينة لاستغلال الموارد الطبيعية التي تجمع بين المحلي والعالمي تعيد إنتاج الهشاشة الاجتماعية بين الفلاحين، وتعيد إنتاج اللامساواة في الوصول إلى الموارد، ومن ثمّ الحصص السوقية، خاصة بعد التحولّات التحديثية التي عرفها الإنتاج

الزراعي المغربي. وترتكز هذه الدراسة على جهدٍ إثنوغرافي يهدف إلى دراسة تحولات استخدام الموارد وإدارتها من منظور الإيكولوجيا الثقافية. لقد وضعنا الأسئلة التوجيهية لتسليط الضوء على مختلف الديناميات وتحولات استخدام الموارد وممارسات العيش، وكانت الأسئلة تتمحور حول كيفية وصول الأسر الزراعية إلى الموارد (الأرض والماء.) بدأ البحث الميداني في واحة الجرف في نيسان/ أبريل 2017، وركّزنا على جمع بيانات حول طبيعة التغيرات المرتبطة بإستراتيجيات التكيف، وأساليب إدارة القطاع الزراعي، وأشكال الوصول إلى الماء والأرض والإنتاج الزراعي. لقد حاولنا، استنادًا إلى المقابلات شبه المنظمة، فهْم المتغيرات

المرتبطة بالحياة المعيشة للأسر الواحيّة في علاقتها بالموارد الطبيعية (الأرض والماء) وعلاقة كل ذلك

بالتحولات السياسية والاقتصادية على المستوى الأوسع.

مقاربة أنثروبولوجية: ديناميات التكيف وممارسات العيش: بيئوية الفقراء

إن الاستقرار في الواحة مدة ثلاثة أشهر ومعايشة الحياة اليومية للواحة ساعدا على نيل ثقة الفاعلين الاجتماعيين فيها، وفهم التحديات التي يواجهونها، وجمع المعطيات الإثنوغرافية المختلفة. وقد تضمّنت الممارسة الإثنوغرافية المشاركةَ في الأعمال الزراعية، واللقاءات مع الأسر والفلاحين

والفلاحات، إضافة إلى المشاركة في اجتماعات شيوخ الخطارات (السواقي)، واجتماعات الشباب، وزيارات عيد الأضحى، والذهاب مع الأسر إلى السوق الأسبوعية. إننا استطعنا جمع ثلاثة أنواع من البيانات، على الرغم من التحديات التي واجهتنا في ميدان البحث، وهي: • بيانات جغرافية وديموغرافية: حصلنا عليها من خلال الاطلاع على السجلات المتعلقة بالمياه وملكية الأرض، والاتصال بمختلف الفاعلين داخل الواحة، مثل شيوخ القبائل الذين يمتلكون خبرة تاريخية واعية عن المجال الاجتماعي للواحة. وقد زودتنا هذه السجلات بلوائح أسر المجتمع الواحيّ، وبمعلومات عن الخصائص السكانية وحالات الهجرة والممارسات الاقتصادية

الزراعية. • بيانات صادرة عن عدد من المقابلات المفتوحة مع شرائح اجتماعية تمثل مؤسسات اقتصادية مهمة في الواحة مثل مديرية المياه، ووكالة الحوض المائي، والوكالة الوطنية لتنمية الأقاليم الواحية، والجمعيات والمنظمات المحلية، ومركز التنمية الفلاحية، ومكتب الاستثمار الفلاحي. • بيانات مستخلصة من عينة من الأسر الفلاحية التي تم اختيارها بطريقة قصدية، لتضمن تمثيل فئات مختلفة بحسب متغيرات عديدة من بينها الهجرة، والعمل المأجور، والأسر ذات التاريخ الزراعي الطويل، إضافة إلى تلك التي تمارس الزراعة والتجارة. وقد كان الهدف من هذه المقابلات هو فهم الظروف الأسرية وتجارب الحياة في واحة الريف التي تساعد على تصنيف المعلومات الديموغرافية عن تاريخهم الاجتماعي ورسم خريطة الموارد الطبيعية، ولا سيما الأراضي الزراعية ومصادر المياه والريّ وغيرها، وذلك لتوضيح العلاقات الاجتماعية وعلاقتها بإدارة الموارد الطبيعية. وقد حاولنا تسليط الضوء على مختلف الديناميات التي يعرفها المجتمع

الواحي في علاقتها بممارسات العيش، لأن التحولات لا تُنتَج وفق مسارٍ خطيّ، بل هي نتيجة

جدل داخلي وخارجي بين هذه الديناميات، التي تتضمن اتصال وانفصالً على نطاقات وفترات زمنية مختلفة. وقد مك نتنا المادة الإثنوغرافية، وخصوصًا نتائج المقابلات مع أصحاب المِلكيات الصغيرة والمستثمرين والشباب والنساء وشيوخ القبائل، من الوقوف على مختلف الديناميات المحلية التي ساهمت في تغير علاقات الفلاحين بالأرض والمياه، إضافة إلى تحولات أنماط الإنتاج الزراعي.

(12) Matthew D. Turner, «Merging Local and Regional Analyses of Land–Use Change: The Case of Livestock in the Sahel,» Annals of the Association of American Geographers , vol. 89, no. 2 (June 1999), pp. 192–219.

شتاء   winter 2019

ثانيًا: تاريخ واحة الجرف: شيء من التاريخ الشفوي

أول انطباع يحصل عند زيارة واحة الجرف في شمال شرق المغرب بمنطقة تافيلالت، هو أنها مكان للهدوء والانسجام والتناغم والوئام. لكن هذا المشهد المريح سرعان ما يتغير عند سماع قصة الواحة في السنين الأخيرة، حول تبدّل الأحوال، وانهيار التنظيم القبلي، وهيمنة أصحاب رأس المال السياسي والمقاولين على المجال. يذكر محمد (62 عامًا)، وهو أحد الفلاحين من أصحاب الحيازات الصغيرة: «لم يبقَ لنا شيء سوى

الخطارات، ويريدون تدميرها»، ليعبّر بذلك عن حال فقراء الواحة. ونظام الخطارة يحكي عن قصة

الواحة لأكثر من 400 سنة كما يشرح محمد، مؤكدًا أن هذا النظام «يحكي قصص التضامن والبساطة والتكيف مع كل الأحوال والظروف. لم يكن هناك ما يسمى ‘الملكْ ’ [الملكية الخاصة] التي نحاول الدفاع عنها اليوم لتعيش منها أسرنا». فالملاحظ في الواحة أنه تم إنشاء محطات متعددة لضخ المياه بالتزامن مع توسع الملكيات الكبيرة التي تنتشر في الأراضي الشاسعة، إلى جانب بناء أحواض تجميع المياه (تتجاوز مساحتها الهكتارات)، التي حوّلها المستثمرون بساتين لزراعة نخيل المجهول، وهو نوع

من التمور عالية الجودة وذات قيمة تسويقية عالمية. أما في الجانب الآخر من الواحة، فهناك حيازات الفلاحين الصغار المستخدمة في زراعة العديد من الأصناف مستغلةً نظام الخطارات المحليّ، إذ يتواصل الفلاحون فيما بينهم، ويتبادلون الأخبار

والأحوال أثناء انتظار دورهم في حصص المياه لسقي الأرض، إنه نسيج اجتماعي لا تجد له حدودًا، لكنه يلتقي عند ماء الساقية. إن حكاية واحة الجرف بتافيلالت هي جزء لا يتجزأ من المنظومة شبه الصحراوية الواحيّة في الجنوب

الشرقي للمغرب، وعلى بعد كيلومترات من مدينة أرفود التابعة لعمالة الرشيدية التي تمتد على مساحة 5000 هكتار. تحدّ واحة الجرف من الشمال جماعة «مدغرة» و«الخنغ» Elkheng، ومن جهة الجنوب

جماعة «سجلماسة»، وشرقًا جماعتا «عرب الصباح زيز» و«السيفا»، وغربًا جماعة «امْلعب». وتنقسم

الواحة إداريًا إلى جماعة حضرية بالجرف المركز، وجماعتين قرويتين: جماعة «عرب الصباح غريس»

(حنابو) شرقًا، وجماعة «فزنا» غربًا (انظر الخريطة). ويعود تاريخ تأسيس واحة الجرف، كما هو شائع،

إلى القرن الخامس عشر الميلادي. ويُروى أن أصل سكان واحة الجرف يعود إلى قبائل «عرب الصباح

غريس» الذين استقروا في القصور التالية: أولاد بريكة، وأولاد موسى، والترعة العشورية، وأولاد غانم، والكفيفات، وحنابو، والبوية، والكراير.

(((1 الخطارة: هي قناة باطنية تمكن من حمل مياه الفرشة الباطنية الموجودة في مناطق الهضاب نحو الواحة والمزارع المنتشرة بسافلتها والتكاليف الاجتماعية والعمالية للاستفادة من هذه المياه هي عمومًا عالية جدًا، وتتطلب درجة عالية من التنظيم على

مستوى المجتمع المحلي. انظر:

A. Bencherifa, «Le monde rurale Marocain: Diversité spéciale et culturelle,» in: Abdellatif Bencherifa & Taoufik Agoumy (eds.) , La grande encyclopédie du Maroc , vol. 9: Géographie humaine (Cremona: GEI, 1987), p. 97.

(((1 مركز الاستثمار الفلاحي بالجرف، إقليم الرشيدية،.2014

مقاربة أنثروبولوجية: ديناميات التكيف وممارسات العيش: بيئوية الفقراء

خريطة موقع واحة الجرف (منطقة الدراسة)

المصدر: من إعداد الباحثة.

ينظر إلى واحة الجرف على أنها مجال أخضر وسط مجال قاحل، وهي منخفض من ناحية الضفة اليمنى لوادي غريس، تنتشر فيه مجموعة من التلال ذات أجراف صخرية تتجاوز ارتفاعات بعضها 900 متر. ويُقدر متوسط هطول الأمطار السنوي الذي يحسب على مدى 20 سنة، بنحو 100 ميليمتر،

وهي قليلة جدًا بالنظر إلى مقاييس الزراعة البعلية. ومن أهم مصادر المياه الأخرى في الجرف هو وادي غريس (مياه الفيض)، وهو أهم مجرى مائي يخترق المنطقة ممتدًا إلى داخل جبال الأطلس الكبير الشرقي، معوّضًا عن الجفاف المتكرر

والموسمي، ويساهم في تغذية الفرشة المائية للأراضي الفلاحية والينابيع المحلية، والتي لولاها لما أمكن القيام بالنشاط الزراعي. ولذا، فإن استمرارية الواحة رهينة بتوافر الماء الذي يعتبر شريان الحياة داخل المنظومة البيئية الهشة، كما أن قدرة الإنسان الجرفي على الابتكار والتعبئة والتعامل مع مختلف مصادر المياه المتوافرة جعلته يتكيف مع هذه البيئة في أشد فترات الجفاف. وقد جعلت التحولات التي عرفها السكن بالجرف القصورَ (القرى شبه الصحراوية) غيرَ قادرة على

استيعاب الزيادة السكانية التي بلغت نحو 12302 نسمة عام 2014، وهو الأمر الذي انعكس على زيادة حصة الفرد المائية وانخفاض مستوى طبقات فرشة المياه الجوفية، خاصة مع الاستغلال المفرط والمكثف للطبقات المائية. كما أن الامتداد العمراني جاء على حساب الأراضي الزراعية التي تحولت إلى عقارات للبناء، حتى أن بعضها لم يعُد صالحًا للزراعة بفعل ضعف مردوديتها وانقراض بعض الخطارات فيها.

(((1 وكالة الحوض المائي، إقليم الرشيدية، الملحقة الهيدرولوجية، أرفود،.2012 (((1 محمد آيت حمزة، «التوازن الإيكولوجي الواحي بين التنافس والتكامل»، ندوة المجال والمجتمع بالواحات المغربية، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة مكناس، المغرب، 1993، ص.78

شتاء   winter 2019

لقد طوّر سكان الواحة تقنيات للاستفادة من المياه السطحية واستخراج المياه الجوفية، واستغلال

هذه الموارد المائية للزراعة المروية. وكانت الواحة مركزًا مهمًا للإنتاج الزراعي الذي تحدّى أهله

قسوة الطبيعة عن طريق استغلال مصادر المياه المتاحة، وتطوير تقنيات الريّ المستخدمة، بما فيها

الخطارات والآبار المستغلة باستعمال الطاقة البشرية أو الحيوانية. ويعتبر نظام الخطارة من أهم أنظمة

استغلال المياه الجوفية وأقدمها، إذ ضم ن استمرارية الماء منذ زمن طويل في الجنوب الشرقي في المغرب عامة، وفي منطقة الجرف خاصة، وساعدت على تصريف المياه الباطنية من العالية (رأس الخطارة أو الجبهة) نحو السافلة (المجال المسقي) بواسطة الجاذبية الأرضية. وتتعامل الخطارة مع المياه الجوفية التي تمثل المورد المائي الوحيد الدائم، إضافة إلى مياه الفيض (وادي غريس). وتتغذى المياه الجوفية من مياه الوادي المتسربة ومياه الريّ التي تستغلها الخطارات

الجماعية ومحطات الضخ الخاصة. وقد سنّ أصحاب الخطارات نظامًا للسقي المحلي يتضمن قوانين

وأنظمة عرفية مضبوطة لاستغلال المياه وتوزيعها فيما بينهم، واعتمدوا على وحدة زمنية أساسية في التوزيع تسمى عُرف النّوبَة (12 ساعة). ولكن الملاحظ في الخمسين سنة الأخيرة أن المياه الجوفية

عرفت عجزًا نتيجة الاستغلال المفرط للموارد. تحتاج صيانة الخطارات إلى استثمارات مكلفة اجتماعيًا واقتصاديًا، إلا أنه يتم تشغيلها حتى وقتنا هذا،

وذلك بفضل القنوات التي أُنشئت منذ أكثر من 400 سنة، والتي يكفل استمرار تشغيلها تنظيمٌ اجتماعي

نوعي. وتعود ملكية مياه الخطارة إلى مجموعة من الفلاحين أصحاب الحقوق الذين يتصرفون جماعيًا

في اتخاذ القرارات الخاصة بإدارة الري وحل النزاعات. وينظم الخطارة شيوخ مختارون من مجموع الملاكين، وهذا النوع من مؤسسات التنظيم يستند إلى قوانين عرفية تتخذ القرار على أساس التشاور والتضامن. ويتميز توزيع مياه الريّ بواحة الجرف بدقته، رغم التغيرات التي طرأت عليه في السنوات الأخيرة،

لهذا نجد أن المؤسسات المحلية التاريخية المتمثلة في القبيلة تقوم بتنظيم المياه، في علاقتها بالقبائل الأخرى. وتؤدي «اجْمَاعة»، التي تشك ل أهم وحدة في التنظيم القبلي، دورًا أساسيًا في توحيد أفخاذ

القبيلة وتوثيق العلاقات بين القبائل الأخرى وتسيير شؤونها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية،

(((1 النُّوبَة: هي الوحدة الرئيسة لتقسيم ما يمكن تسميته الحصة المائية، وتدل على تناوب الريّ بين المالكين، والمحددة زمنيًا ب 12

ساعة. والنوبة هو تقسيم زمني متعارف عليه في كل المجالات الواحيّة تقريبًا بالجنوب الشرقي. وتختلف النوبة من الليل إلى النهار،

ففي الليل تبدأ من غروب الشمس إلى شروقها وفي النهار نجد العكس. ولتفادي النزاع بين المالكين حول مسألة الليل والنهار، فقد حدد الدور (حصة الماء) بالنسبة إلى خطارة تحمل اسم الحْلوة التي تضم 24 نوبة، في 12 يومًا. بهذه الطريقة يكون للمالك حصة

بالنهار، وأخرى بالليل. وتختلف النوبة من فصل إلى آخر، وبين الليل والنهار، إذ تكون نوبة النهار طويلة في فصل الصيف وقصيرة في الشتاء، والعكس بالنسبة إلى الليل، وتبقى مهمة ضبط النوبة صعبة جدًا على النّزَال، وهو شخص تختاره القبيلة يسمى ضابط

الوقت، يتكلف بضبط الوقت وتنفيذ التوزيع الزمني بكل دقة، تفاديًا لحدوث نزاعات بين ذوي الحقوق المائية، وغالبًا ما يكون النّزَال

شخصًا لا يملك أي حقوق مائية أو أرضًا زراعية حتى يتفرغ بالكامل لتوزيع الحصص الزمنية على مستحقيها مقابل أجرة تتكلف

القبيلة توفيرها. وقد تم وضع نظام جديد، إذ اعتُبر دائمًا طلوع الشمس في السادسة صباحًا وغروبها في السادسة مساءً، وإذًا لم يبقَ

أي اختلاف لا في حصة الليل ولا في حصة النهار. لكن في السنوات الأخيرة تم الاعتماد على الساعة اليدوية من السادسة صباحًا

إلى السادسة مساء.ً

مقاربة أنثروبولوجية: ديناميات التكيف وممارسات العيش: بيئوية الفقراء

بتوزيع المياه بين الفلاحين بحسب الحصص المائية، وهي المؤسسة التي تمك نت من تطوير تقنيات السقاية وأعرافها وتوزيع المياه، معتمدةً على تشريعات عرفية لتنظيم حقوق الماء، لكن منذ الاستعمار تم تقليص دورها. وتعرف الوضعية الحالية للواحة قلةً في الموارد المائية، وسوء استخدام الأرض، إضافة إلى الضغط الديموغرافي والتوسع العمراني المتزايد، وغياب المراقبة في تعبئة المياه الجوفية بواسطة الضخ

الآلي الذي يؤدي إلى استغلالها استغلالً مفرطًا، ويهدد استدامة مخزونها الإستراتيجي الذي يزوّد الخطارات بالمياه، إذ إن قسمًا منها قد جف، نتيجة فوضى طرق الريّ، واستُنزف نتيجة توسع

الاستثمارات الزراعية الجديدة في الواحة.

ثالثًا: الإثنوغرافيا والإيكولوجيا الثقافية

ترتبط الإيكولوجيا Ecology بدراسة أعمال النظم البيئية وتفاعلاتها مع مختلف سلوكيات الكائنات الحية. بينما تركّز الإيكولوجيا الثقافية Ecology Cultural على دراسة دور الثقافة بوصفها مكونًا حيويًا لأي نسق بيئي يكون الإنسان جزءًا منه. ويتكيف الإنسان مع بيئته عن طريق الأدوات الثقافية

التي يخترعها للتكيف مع التغيرات البيئية. لا يعيد هذا النشاط الإنساني تشكيل المجتمعات الحيوية الموجودة فحسب، بل يساهم كذلك في تشكيل المعارف والأدوات التي تصوغها ثقافته نفسها. إضافة

إلى ذلك، يستنبط الإنسان باستمرار أدواتٍ جديدةً لتكيّفٍ أكثر فاعلية مع النسق البيئي المحيط به.

ونتيجة هذا التكيف الثقافي التدريجي مع الظروف البيئية، نشأت دراسات حول الإيكولوجيا الثقافية

التي ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بالاهتمام النظري المتزايد بالتاريخ وتطور الثقافة، ويعتبر ستيوارد من أوائل الذين حدّدوا التصورات الأساسية لهذا المنهج، مقترحًا النظر إلى علم الإيكولوجيا الثقافية من منظور

النظرية التطورية. وليس من الضروري اعتبار علم الإيكولوجيا الثقافية منهجية فحسب، بالنسبة إلى عالم الأنثروبولوجيا، على الرغم من أهمية حقل الدراسات الإيكولوجية، لكن من حيث إن الإيكولوجيا الثقافية تساعد على بناء تصور نظري لنسق من الظواهر، قد يساعد على معرفة خصوصيات المجتمعات ودراسة أنساقها الاجتماعية. فإنْ تم تصور النسق الاجتماعي على أنه شبكة من العلاقات بين الأشخاص من جهة، وأنّه

شبكة من العلاقات بين الإنسان والكائنات الحية الأخرى ومكونات بيئته المادية من جهةٍ أخرى، فإنه قد يمكننا فهم التفاعلات الاجتماعية فهمًا أعمق. تُعتبر البيئة الثقافية هدفًا إثنوغرافيًا للباحث، في حين يشك ل الوصف الإثنوغرافي للمجال الاجتماعي

أسلوبًا يتم من خلاله الوقوف على السلوكيات الثقافية لمجتمعٍ ما، وردّه إلى سياق اجتماعي – إيكولوجي

(18) Charles O. Frake, «Cultural Ecology and Ethnography,» American Anthropologist , vol. 64, no. 1 (February 1962), p. 53. (19) Julian Haynes Steward, Theory of Culture Change: The Methodology of Multilinear Evolution (Urbana, IL: University of Illinois Press, 1955), pp. 30–34.

شتاء   winter 2019

معين. ولا يمكن الباحث الإثنوغرافي، بعد ذلك، أن يكون راضيًا عن فهرسة مكونات النظام البيئي

الثقافي فحسب، بل يجب عليه أيضًا وصف البيئة من خلال التفسيرات التي يقدّمها الفاعلون الاجتماعيون أنفسهم وفهم القواعد النابعة من تجربتهم، وتحديد المعرفة اللازمة لمثل هذا السلوك. بذلك، يبيّن الإثنوغرافي إلى أي مدى تقترب الاعتبارات البيئية مما هو اجتماعي، ودور البيئة في

السلوك الثقافي لأفراد مجتمع معين. إن القواعد البيئية موجّهة على نحو واضح لحماية الأسر من

الآفات؛ فعملية التصحر، على سبيل المثال، تبرز أهمية زيادة الحماية وإمكانية تجاوز المشكلة بالنسبة إلى المزارعين والسيطرة على الأضرار في مراحل مختلفة، انطلاقًا من المعارف التي يمتلكونها، بينما يعتمد المزراعون أيضًا على تقنيات بديلة لها مزايا وعيوب، للسيطرة على البيئة سيطرة مختلفة مع وجود عواقب ناتجة من أنماط الاستيطان. وهكذا، فإن التناقضات الملحوظة في أنماط الاستيطان المختلفة التي أظهرها المزارعون في جنوب شرق

آسيا، على سبيل المثال، سوف تصبح قابلة للتفسير بيئيًا عندما يقارن الباحث العوامل التي تول د هذه

الأنماط في كل حالة قبل تحليل الملاحظات الإثنوغرافية واللجوء إلى المقارنة المسبقة. ولا بد من الانتباه إلى الآثار الاجتماعية المرتبطة بالإيكولوجيا لتحليل هذا النمط من الاستيطان من خلال الثقافات. وعلى الرغم من حدود هذا المنهج، فإنه يكشف عن بعض مزايا الدراسات الإيكولوجية الثقافية التي تعتمد على الوصف الإثنوغرافي، وفقًا للمبادئ التي يفسّر بها الفاعلون بيئتهم، ويتخذون بناءً عليها

قرارات تتحول إلى إستراتيجية تتكيف مع البيئة. وتمك ننا الإيكولوجيا الثقافية من معرفة إلى أي مدى تحدد العوامل البيئية نمط التكيف البيئي وملامحه، وإلى أي مدى تساعدنا على المقارنة بين الثقافات. توجد كل العناصر، من الماء والأرض والتربة والنباتات والحيوانات وغيرها، في بيئة تتميز أساسًا بثقافة

معينة، وهي تشكّل أساس الإثنوغرافيا الإيكولوجية، لكن ليس الإثنوغرافيا في حد ذاتها.

رابعًا: تراجيديا الإيكولوجيا الثقافية في المجال الواحيّ

تقتضي معالجة موضوع بحثنا من منظور بيئي الانطلاق من فكرة أن التغيرات البيئية كانت تاريخيًا

تُحتّم على السكان المحليين إنتاج معارف محلية للتكيف معها، وأن المجال الاجتماعي الواحيّ في

تطور مستمر بتراكم معارفه وإستراتيجياته لحماية المنظومة البيئية من خلال تراكم سلوكيات اجتماعية محددة تعزز قدرته على التكيف. إن النسق الاجتماعي للواحة عرف دينامية مستمرة وغير ثابتة من التغيرات في إطار تفاعلاته مع البيئة. ويمكن رؤية هذه التغيرات ضمن المستوى الإنساني العام، إلا أن معالم هذا الحراك تتمظهر أكثر على المستوى المحلي، فيتحتّم على السكان التكيف مع المعطيات

التي تنتج من الوضعية البيئية الجديدة.

(20) Frake, p. 56. (21) Ibid., pp. 53–59. (22) Ibid. (23) Daniel G. Bates & Susan H. Lees (eds.), Case Studies in Human Ecology (New York: Plenum Press, 1996).

مقاربة أنثروبولوجية: ديناميات التكيف وممارسات العيش: بيئوية الفقراء

وإن كنا نفترض أن المجتمع الواحيّ يعتمد على أدوات من تاريخه لمواجهة التغيرات البيئية، فإن

هذا يجعل المقاربة الأنثروبولوجية ملحّة لفهم الإستراتيجيات التكيفية لدى هذا المجتمع من خلال

رصد الديناميات التي يعرفها المجال الواحي. ولا شك في أن تنظيم الموارد الطبيعية، خاصة الماء، مثّل في المناطق الواحية أهم ركائز التنظيم الاجتماعي والمجالي منذ قرون، كما لا يزال يمثّل دائمًا

الهمّ الأكبر لسكانه. وقد أكسب ذلك الواحات خبرة تاريخية غنية في التعامل مع المجالات الزراعية

المسقية؛ فقد كان تنظيم المياه من أولويات اهتمام السكان، بل يمكن اعتبار واحات تافيلالت حالة دراسية لتحليل إشكالية الماء في علاقتها بالمعطيات الطبيعية والثقافية، باعتبار أن هذه المنطقة

ترتكز في توازنها الإيكولوجي على عنصر الماء أولً وأخيرًا، ما يجعلها تحتاج إلى تقنيات فعالة

لتكييف الموارد مع حاجياتها. تتطلب معالجة إشكالية العلاقة بين الديناميات الثقافية والتغيرات البيئية في المجال الواحي الاستناد إلى الإيكولوجيا الثقافية بوصفها مقاربة أنثروبولوجية، أي إن المبدأ التفاعلي يرتكز على العلاقة

التي تتشكل بين التنظيم الواحي والوسط الطبيعي، بمعنى أن هناك تفاعل متبادلً غير مباشر يؤثر في التغييرات التي تقع على التنظيم الواحي سواء من طرف الأفراد والكائنات الموجودة في الوسط نفسه أو ردة فعل الوسط نفسه، وهذا المبدأ يجعل من الواحة نسقًا System يتكون من مجموعة عناصر متفاعلة فيما بينها، فأي تغيير في أحدها ينعكس على بقية العناصر الأخرى. لا يمكن تجاهل أنّ الإنسان الواحيّ طوّر تاريخيًا آليات تمكّنه من التفاعل مع الظروف البيئية والتحكّم

فيها، على الرغم من أهمية عدم الانزلاق إلى فكرة الحتمية البيئية. لكن إستراتيجيات التكيف تتغير من سياق إلى آخر تحت تأثير العولمة التي فتحت مسارات جديدة للزراعة، حينما سمحت بالوصول إلى الموارد واستخدامها من دون قيود، وهو الأمر الذي جعل السياسات الإيكولوجية ومحاولة إدارة الموارد وحكامة البيئة في مواجهة مع الممارسات الثقافية والاجتماعية للمجتمع الواحيّ كما سنبين

لاحقًا. تفضي التجربة الاجتماعية في المجتمعات الزراعية الواحيّة إلى تشكّل نسق ثقافي متفاعل مع البيئة

الطبيعية. بينما في المجتمعات الصناعية، تميل البيئة إلى أن تكون أكثر ارتباط ا بما هو اجتماعي واقتصادي (مثل: الطبقة الاجتماعية والدخل) للوصول إلى الموارد، كونها الفرق البيئي الرئيس بين الأفراد. ومع مرور الزمن، تُجري البيئة تعديلات مستمرة للحفاظ على نوع من التوازن الإيكولوجي، ويؤدي

(24) Fikret Berkes & Dyanna Jolly, «Adapting to Climate Change: Social–Ecological Resilience in a Canadian Western Arctic Community,» Conservation Ecology , vol. 5, no. 2 (2001), accessed on 12/12/2018, at: https://bit.ly/2SBCzNe (25) Toufik Ftaita, Anthropologie de l’irrigation: Les oasis de Tiznit, Maroc (Paris: L’Harmattan, 2006), pp. 32–33. (26) M. O. Sutton & E. N. Anderson, Inotroduction to Cultural Ecolydans (New York: Alta Mira Press, 2004), p. 2. (27) J. Stephen Lansing, Priests and Programmers: Technologies of Power in the Engineered Landscape of Bali (Princton, NJ: Princton University Press, 1991).

شتاء   winter 2019

التفاعل المستمر بين الممارسات الثقافية وأنماط التكيف لمجموعة معينة إلى التخفيف من أثر الاستغلال المفرط للموارد، لكن التحديث الرأسماليّ، كما سنوضح، يؤثر في هذه المعادلة ويفرض

تحديات على الأنساق الإيكو–اجتماعية المحلية. وقد وُجد في الواحة تاريخيًا نظام ثقافي ومؤسسات وقواعد عرفية تحدد معالم عقد اجتماعي يضمن

تنظيم أشكال الوصول إلى الموارد من منظور احتياجاتها. وعلى خلاف ما توحي به نظريات التحديث، فإنّ هذا النسق معقد ويتشكّل من جوانب متداخلة سياسية واقتصادية واجتماعية ودينية تؤطر تفاعلهم مع البيئة، بما يلبّي الاحتياجات السياسية والاجتماعية للوصول إلى الموارد. وقد حدث أن سمحت

التكنولوجيا الحديثة في مناطق عديدة (مثل الأمازون وأفريقيا) باستعمار المناطق التي افتقدت مقوّمات

وجود اجتماعي بشري لتساهم في تغيير البيئة على نطاق عالمي. لقد أثبتت تقنيات الزراعة المحلية أنها ذات قيمة وضرورية في العديد من المجالات، لأنّها ترتكز

على مخزونٍضخم من المعرفة. ففي بالي، أثبتت إدارة المياه المحلية نجاحًا أكبر بكثير من التقنيات

الحديثة المُستوردة والتي لم تظهر كفاءةً في استغلال الموارد. وقد بيّن باحثون أن الشعوب الأصلية

في أميركا الشمالية، والتي كانت تُوصف سابقًا بالبدائية والتخلّف، كان لديها في الواقع مهارات متطورة جدًا في إدارة الأراضي، ليُعترف لاحقًا بأهميتها ويعتمدها المخططون. تُعتبر الثقافة الآليةَ الأساسية التي يتكيف بها الأفراد مع بيئتهم، وربما تكون «الطريقة الأكثر فاعلية للتكيف المتاحة للإنسان». فقد تعمل الثقافة على أنها آلية للرد على إدخال تقنيات حديثة وتكنولوجيا لا تراعي الخصوصيات الثقافية للبنية الاقتصادية والسياسية للمجتمعات المحلية. فالثقافة تحتوي على آليات تكيّف مرنة من خلال المعارف والممارسات البيئية المتراكمة، والتي توجد في سيرة حياة

المجتمع المحلي، لأن «الاستجابات السلوكية للقوى البيئية الخارجية يمكن اكتسابها ونقلها وتعديلها خلال فترة حياة الأفراد». وفي خلاصة هذا الجزء، يمكن القول إن جميع الناس ينتمون إلى ثقافات مختلفة، ويشتركون في أنماط السلوك الأساسي المعرّفة تبعًا لثقافة المجتمع، فكل ثقافة لديها تكيف بيئي متميز. ويمكن للمرء أن

ينظر إلى الثقافة على أنها تمثّل مجتمعي، من حيث إنها تحتل مساحة جغرافية مميزة، ولها أثر معين في كسب العيش، وتحتل مكانة محددة تتفاعل مع البيئة الطبيعية.

(28) E. N. Anderson & Felix Medina Tzuc, Animals and the Maya in Southeast Mexico (Tucson, AZ: University of Arizona Press, 2005). (29) Theodosius Dobzhansky, «On the Evolutionary Uniqueness of Man,» Evolutionary Biology , vol. 6 (1972), p. 427. (30) Donald O. Henry, Prehistoric Cultural Ecology and Evolution: Insights from Southern Jordan (New York: Springer, 1995), p. 1. (31) Alan Bicker, Johan Pottier & Paul Stillitoe (eds.), Development and Local Knowledge (London and New York: Routledge, 2011). (32) Aihwa Ong, Neoliberalism as Exception: Mutations in Citizenship and Sovereignty (North Carolina: Duke University Press, 2006), p.12.

مقاربة أنثروبولوجية: ديناميات التكيف وممارسات العيش: بيئوية الفقراء

خامسًا: نسق المعرفة التقليدية والسياسة الإيكولوجية وتحولات استخدام الموارد

كانت المعرفة المحلية تاريخيًا حصيلة ثقافات تم تصنيفها بحسب معارف مجتمعات مختلفة. وقد

كانت الغالبية العظمى من هذه المعرفة شفوية، تداولتها الأجيال. لكن حجم المعرفة كان مذهلً، إذ عادةً ما كان الأفراد يراكمون خبراتهم حول البيئة التي يعيشون فيها، وقد أنشأت كل ثقافة أنظمة للاستفادة من هذه المعرفة التي استندت إلى التجربة المعيشة للمجتمعات. إن الطبيب التقليدي، على سبيل المثال، قد لا يكون قادرًا على شرح الخصائص الكيميائية المحددة للمواد المستخدمة، ولكن

يستطيع تقدير النتائج. في مجال مخططات التنمية الحديثة غالبًا ما يستفيد العاملون من المعرفة المحلية التي تلائم

العمليات الزراعية الصغيرة الحجم، خلافًا للزراعات ذات القيمة الرأسمالية والتكنولوجيا العالية. وتبتدع الثقافات المحلية أنظمةً من الممارسات التي تهدف إلى التحكم في مواردها وبيئتها التي تشمل إدارة الموارد واستدامتها، ونتيجةً لذلك يمكن نظام الريّ المتوارث أن يحوّل المناطق القاحلة إلى مناطق

زراعية مثمرة. في المقابل، يمكن المشاريع الزراعية الكبرى المساهة في اختلال المجال، واللامساواة في توزيع الموارد، وحرمان العديد من الفلاحين من الوصول إلى الموارد. فهناك تناقضٌ بين المنطق الحديث في التنمية الزراعية وإدارة الموارد التي تنظمها سياسات صنع القرار والمخططات الزراعية بهدف توجيه الزراعة إلى السوق الوطنية والعالمية، والمنطق المحلّي للتنمية الذي يعتمد أساسًا على

تلبية حاجيات الفلاحين الصغار وعلى الحفاظ على طبيعة الموارد المتاحة سواء المتعلقة بالأرض أو الماء. لذلك عادة ما تبرز تناقضات كبيرة بين طبيعة الإصلاحات الزراعية الموجهة إلى فئة معينة من المستثمرين الكبار وبين واقع فئات اجتماعية محلية تعتمد على فلاحة معاشية وعلى تدبير جماعي للموارد بناءً على الأعراف المحلية. وفي جميع الحالات، فإن التحولّات البيئية تتطلب اتخاذ قرارات

بشأن ما يجب القيام به، ومتى يجب القيام، لأننا نفترض أن عملية صنع القرار عملية عقلانية، خاصة أن إدارة الموارد في ثقافة العديد من المجتمعات تتأسس على الأعراف المحلية في إدارة الموارد، وقد يكون العرف بمنزلة تقنية حقيقية ومهمة لضمان استمرار الموارد الطبيعية واستدامتها. ويبدو أن العديد من المجتمعات في العالم وفي بيئات مختلفة، تعتمد على الأعراف لإدارة الموارد المشتركة التي تنتقل من جيل إلى آخر. وقد تشك ل هذه الأعراف قواعد وقوانين محلية لتنظيم استغلال الموارد، وقد تصبح في الوقت نفسه وسيلة للسيطرة على الموارد والثروة، والسلطة، من طرف الإدارة الإيكولوجية الجديدة. إن المراهنة على المعارف المتعلقة باستغلال الموارد التي لم تعد تستخدم بفاعلية، قد تكون ضمانة ضد الأزمات، خاصةً إن تمّ إعادة استرجاعها من الروايات الشفوية للشيوخ

وذاكرتهم التاريخية.

(33) Anna Lowenhaupt Tsing, Friction: An Ethnography of Global Connection (Princeton, NJ: Princeton University Press, 2004), p. 4.

شتاء   winter 2019

سادسًا: السياسة الإيكولوجية وتحولات استخدام الموارد في الواحة

عرف فلاحو واحة الجرف تاريخيًا تحديات ورهانات نتيجة التحولات البيئية، فضل عن الأوضاع

الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما انعكس سلبيًا على الاقتصاد الزراعي لسكان الواحة الذين يحاولون

أكثر من أي وقت مضى المحافظة على مواردهم المائية التي تتميز بندرتها، وهو الإشكال الذي

يتفاقم بسبب غياب حكامة المياه الجوفية. تمثل الواحة مجال اجتماعيًا يغلب عليه طابع الهشاشة

ويتميز بخصوصيات تاريخية، إذ يختزن ثقافة تعكس طبيعة العلاقة بين الطبيعة والإنسان والقدرة على التكيف. وتساهم التغيرات البيئية في مجال الدراسة في تطور ثقافة المجتمع الواحيّ في ظل بنيات

دينامية شديدة التعقيد. لقد فهم الأنثروبولوجيون والمهتمون بالقبائل أن الواحات الزراعية في المغرب نسق تتكامل فيه أنماط استخدام الموارد. غير أن النظريات القطاعية التي بنيت على أسس استعمارية وتناولت التشكيلات

الاجتماعية القروية حجبت الاختلافات، خاصة بين تلك التي فرضتها السياسات الاستعمارية، فضلً عن التنافس حول مختلف استخدامات الأراضي ومؤسسات الحكم. إن هذا التصور القطاعي ميزة اتسم بها المجتمع المغربي الواحيّ الذي عرف هجرة اليد العاملة بعد الاستقلال والتوسع الزراعي.

في هذا السياق، كنا مهتمين بفهم كيفية الوصول إلى الأراضي الجديدة والسياسة الزراعية في واحة الجرف، ونظام الريّ وتبعات الخطاب الإيكولوجي الجديد وأشكال الحكامة التي تخضع لمنطق

سوسيو–اقتصادي مختلف. تلقي الإيكولوجيا السياسية الضوء على مختلف الروايات المتعلقة بالبيئة التي أصبحت تواجه شكوكًا علمية، إذ إن نقد النيوليبرالية قد طوّر من فهمنا النظري لكيف يفرض الخطاب الإيكولوجي للدولة

شكلً محددًا من التصورات التي تعمل على تهميش حق الفلاحين الصغار في استخدام الموارد،

عندما فتحت للمستثمرين الجدد إمكانيات الوصول إلى الموارد من دون قيد. ولا يقتصر الأمر على سعي السياسات الاقتصادية، على المستوى العالمي، لتعميم أجنداتها في مناطق معينة؛ بل يمكن أن تؤدي تلك السياسات، تحديدًا ثقافة دول الشمال النيوليبرالية التي يتم تصديرها إلى دول الجنوب، إلى تصدير اقتصاد خفي وسلع الشيء الذي يثير ردود فعل في مناطق تطبيق هذه السياسات بدول الجنوب. وتتشابك البيانات العامة من أشكال الرأسمالية العالمية والمحلية، لذلك لا جدوى من دراسة «الرأسمالية» المنفصلة أو التابعة، لأنها تنتشر مع سعي سلاسل المنتجين والموزّعين والمستهلكين في عصر العولمة لتعميم رؤوس الأموال والسلع. ومع ذلك، فإن هذه السلاسل تتفاوت من منطقة إلى أخرى، لأنها ترتكز على خصوصيات ثقافية متفاعلة مع الأشكال الفرعية والعالمية لرأس المال، وبالطريقة نفسها يعمل الخطاب البيئي الذي يطمح إلى العالمية.

(34) Diana K. Davis, Resurrecting the Granary of Rome: Environmental History and French Colonial Expansion in North Africa , Series in Ecology and History 58 (Athens, OH: Ohio University Press, 2007), p. 10. (35) Michael H. Glantz (ed.), Drought Follows the Plow: Cultivating Marginal Areas (Cambridge: Cambridge University Press, 1994).

مقاربة أنثروبولوجية: ديناميات التكيف وممارسات العيش: بيئوية الفقراء

تبلور الخطاب البيئي المغربي في فترتَي الاستعمار وما بعد الاستقلال، متفاعل مع الخطاب العالمي حول التصحر وأطر السياسات البيئية والزراعية الحديثة. بعد الاستقلال، لم يحصل تغير ملحوظ في الخطاب البيئي وجهازه القانوني الذي أنشأه المستعمرون، بل اندمج هذا الخطاب فيما بعد في الخطابات العالمية للتصحر، وانشغل بصياغة سياسة بيئية وزراعية حديثة، على الرغم من أن الأدلة التجريبية الوافرة تؤكد أن الممارسات والإدارة المحلية للمجتمعات لم تكن مسؤولةً عن تدهور الأراضي. يشكّل الجفاف المتكرر مشكلة مستمرة في نظام عدم التوازن في المناطق شبه الصحراوية. وقد قام عدد من العلماء بتوثيق تدهور الأراضي في المغرب، وقد تمثلت الأسباب الرئيسة لهذا التدهور بالتوسعات الزراعية وملكية الأرض، والسياسات البيئية التي همّشت الرعاة وأصحاب الملكيات

الصغيرة، خاصة في المجال الجغرافي الزراعي الأكثر إنتاجية والذي يمتد من مراكش شمال إلى فاس. وكان من نتائج سياسة التخطيط الزراعي الاستعمارية زيادة المساحات المزروعة، واتساع قطاع أصحاب الحيازات الصغيرة في المغرب على هامش المزارع الاستعمارية الكبيرة، الأمر الذي تسبّب في دفع عدد من الفلاحين إلى الهامش. وقد تبنّت دولة ما بعد الاستقلال الرؤية نفسها التي تبنّتها الدولة الاستعمارية، والتي ساهمت كذلك في إعادة صياغة الخطاب البيئي بما يخدم رؤيتها السياسية ومصالح نخبها الاقتصادية. وقد افترض هذا الخطاب وما ترتّب عليه من سياسات زراعية أن السكان المحليين غير قادرين على إدارة الموارد البيئية. وقد انتُقدت سياسات الدولة البيئية، خاصة في المناطق شبه الصحراوية في جنوب المغرب التي

أصبحت أكثر هشاشةً بعد أن خضعت لتقلبات مناخية واسعة على مدى العقدين الماضيين، وهو ما انعكس في «مخطط المغرب الأخضر» الحكومي عام 2008، الذي أكد أهمية دور الزراعة في محاربة الفقر، وألحّ على اتخاذ تدابير إجرائية لجعلها في خدمة التنمية المستدامة. منذ نهاية برنامج التقويم الهيكلي في منتصف التسعينيات حتى عام 2007، أصبحت الزراعة المغربية يتيمةً لا إستراتيجية لها في مخططات التنمية، لأن السياسات التي اتُّبعت حتى ذلك الحين فشلت، ولم تحقق الأهداف التي حددتها لنفسها. ولا يمكن إنكار أهمية تنوع «أدوار» الزراعة وخصائصها المتعددة الأبعاد: الاقتصادية، والاجتماعية، والغذائية، والصحية، والبيئية والثقافية، والإقليمية، إلا أنها لم تتوقف البتّة عن إعادة إنتاج الفشل البنيويّ نتيجة تبنّيها مبادئ النيوليبرالية التي فاقمت من سوء

استخدام الموارد الطبيعية المتدهورة والمحدودة.

(36) Abdellah Hammoudi,  Master and Disciple: The Cultural Foundations of Moroccan Authoritarianism (Chicago, IL: University of Chicago Press, 1997). (37) Paul Pascon, Capitalism and Agriculture in the Haouz of Marrakesh , John R. Hall (ed.), C. Edwin Vaughan & Veronique Ingman (trans.), (London: KPI, 1986). (38) Ibid. (39) Najib Akesbi, «Le Plan Maroc vert: une analyse critique,» in: Najib Akesbi et al., Questions d’économie marocaine 2011 (Rabat: PMU/ Association marocaine de sciences économiques, 2011), pp. 20–23. (40) Ibid., p. 20.

شتاء   winter 2019

كان لهذا التاريخ الإيكولوجي آثار في التجربة المعيشة للفئات الاجتماعية في جنوب الهامش، ولكن يمكن القول أيضا إننا نفهم قوة خطاب الدولة الإيكولوجي النابع من تأثير فكرة الدولة الحديثة بوصفها جهازًا، ومجموعة من المؤسسات التي لديها «سياسات» و«تنفذ» برامج، إذ كانت وما زالت الفاعل الوحيد الذي ينظم مكانيًا وزمانيًا ويشرف على المجال ويراقبه، ولكن بطرق غير متكافئة. يعزى فشل مخططات الإنتاج الزراعي دائمًا إلى التغيّرات المناخية وسوء تنظيم الأسواق والعجز

التجاري وضعف البنية التحتية وتزايد السكان الفقراء، وغيرها. قد يكون ذلك مقبولً على نطاق واسع، لكن لا نستطيع التأكد من أن سلوكيات الإنسان في البيئة القاحلة – التنظيم المشترك للماء مثلً – تؤدي بالضرورة إلى تدهور الواحات. وفي المقابل، نحتاج إلى دراسة الديناميات السياسية والاقتصادية والاجتماعية لفهم الديناميات الإيكولوجية للواحة في خصوصيتها التي تشكّك في الآثار السياسية والمعرفية للحفاظ على التوازن البيئي، إذ تَعتبر المجتمع المحلي عاجزًا عن إدارة الموارد الطبيعية أو احتواء التدهور البيئي في ظل بنياته ومؤسساته التقليدية. وقد فضّلت السياسات الحكومية مواجهة فقراء الواحات بمشاريع إستراتيجية للإصلاح والتنمية الزراعية من دون مراعاة الخصوصيات الثقافية لهذه المجالات، إذ كان على المجال الواحيّ أن يتحمّل

التكاليف الاقتصادية والإيكولوجية ونمو رأس المال الذي لا يؤدي بالضرورة إلى رخاء العديد من الفلاحين، والاعتراف بحقهم في الوصول العادل إلى المياه الجوفية ومكابدة العيش. وقد أشار بيتي إلى دراسات كارل ماركس حول المسألة الزراعية، مؤكدًا حتمية اختفاء المزارع الصغيرة مع تعميم الأسلوب الرأسمالي في الإنتاج. وهو الأمر الذي يجعلنا نتساءل عن قدرة الفلاحين على التكيف والصمود، خاصة أن الزراعة المغربية لا تزال «عائلية» في طبيعتها، «لأن الإصلاحات الزراعية فتحت ورش الاستثمار في الزراعة ولم تعمل على تطوير الزراعة الأسرية التي اعتبرتها عملً

تجاريًا، والمزارعَ رجلَ أعمالٍومقاولً من دون فهم خصوصياتها المعيشة ». وقد تجاهل التصور

الذي جاءت به السياسة الإيكولوجية للدولة، في إطار المخطط الأخضر، إنجازات عقود من البحث في المغرب والعالم، خاصة في منطقة البحر الأبيض المتوسط، وتفادى فهم السلوكيات الاقتصادية المحلية، ما فوّت عليها فرصة تصحيح المسار، فساهم في ترسيخ اللامساواة الاجتماعية. ولا شك في أن التحولات الزراعية التي يعرفها مجال واحة الجرف، نتيجة تدخلات الدولة وتحوّل خطابها

الإيكولوجي، خلقت مجال هجينًا، إذ لاحظنا انقلابًا مثيرًا للاهتمام، عندما أغفلت الإصلاحات الزراعية

السرد التاريخي للمجال الواحيّ وخطاب الفلاحين الصغار، ما كان له انعكاسات على التجربة المعيشة

للفقراء، الأمر الذي وضع السياسات الإيكولوجية في حرج، حينما اعتُبرت المجتمعات المحلية غير قادرة على احتواء التغيرات البيئية وتنظيم مواردها من خلال المؤسسات العرفية والمعارف المحلية.

(41) Olivier Petit, «La Surexploitation des eaux souterraines: enjeux et gouvernance,» Natures Sciences Sociétés , vol. 12, no. 2 (2004), pp. 146–156. (42) Akesbi, p. 22.

مقاربة أنثروبولوجية: ديناميات التكيف وممارسات العيش: بيئوية الفقراء

وقد أثّرت سياسات الدولة الإيكولوجية في المجال الاجتماعي للواحة الذي ازداد هشاشةً، بسبب تبنّيه نظامًا هجينًا يتأرجح بين ممارسات النظام المحليّ للريّ (نظام الخطارة) والممارسات الحديثة

في تنظيم التعامل مع المياه التي أفرزها منطق السوق الحديثة. وقد أدت تلك الازدواجية إلى التنافسية بين نمطين أحدهما محلي (تقليدي) والآخر حديث. فقد جاء توسّع حيازات المستثمرين، سواء داخل

الواحة القديمة أو في أطرافها الحديثة، على حساب سوء استغلال الثروة المائية. في التجربة المعيشة للفلاحين الصغار، يفرض الانفصام الذي يعيشونه بين محاولة التكيف والاستقرار وبين هاجس اللجوء

إلى الهجرة، تحديات كبيرةً للتعايش بين نمطين إنتاجيَين يتسمان بالتناقض؛ فنمط الزراعة الحديثة

في الواحة يتغذى من تدفق الموارد اللامتكافئ من الواحة التقليدية، كما أن التقنيات الجديدة للري

ومنطقها الاقتصادي الرأسمالي يخلخلان المنطق التضامني الاجتماعي المحلي، «اجْمَاعة»، مع توسّع

نظام الملكية الفردية.

سابعًا: استنتاجات بحثية: إدارة الموارد والخطاب الإيكولوجي الجديد للفلاحين

يمكن تصنيف نتائج البحث إلى ثلاثة محاور رئيسة: أولها، ممارسات إدارة الموارد وتفكك نظام الري

الواحي التقليدي، وثانيها، التوسعات الجديدة وإعادة تشكيل المجال الاجتماعي الواحيّ، وثالثها،

طموحات الترقّي الاجتماعي عند شريحة مهمّشة تاريخيًا في المغرب عامة وفي الواحة خاصة، وهم

شباب الحراطين.

1. ممارسات إدارة الموارد وتفكك نظام الريّ الواحيّ

تعتمد قبائل الجرف على نظام الخطارات أو السواقي في استغلال المياه الجوفية، وهو النظام الاستغلالي الذي يتميز بهشاشته وتأثره بالتغيرات المناخية. أما تكلفة المياه الجوفية التي يتم تعبئتها من الخطارات فهي مرتفعة جدًا، خاصة على مستوى أعمال الصيانة. لكنّ الفلاحين في واحة الجرف

يجدون دائمًا إستراتيجياتٍ للتكيف مع التحديات التي تواجه نظام الريّ المحلي. تستفيد الواحة القديمة من مياه الخطارات، إذ تساهم كل خطارة في مساعدة أكثر من 400 أسرة، بحسب ما ورد في سجلات شيوخ الخطارات. وقد عرفت الواحة خلال مسارها التاريخي ما سماه الشيخ عبد الله (96 سنة) حروب الخطارات بين القبائل التي تنازعت على المسافات بين خطارة وأخرى. وقد نظ م زعماء القبائل والمزارعون الكبار هذا النوع من الخلافات بقوانين محلية تمنع زيادة خطارة على أخرى في مسافة الحفر، لأنه يمكن أن تتسبب في جفاف الأخرى. وقد عنى ذلك أن التنظيم الاجتماعي للسقي المحليّ خضع للتشريعات العرفية بين القبائل التي

نجحت باعتمادِ نظامٍ محليّ ينظم استغلال المياه الجوفية. وقد كانت قبائل عالية الواحة عمومًا (قبائل

«فزنا») الأكثر تضررًا من الجفاف في مرحلة الاستعمار، لذلك تأثرت خطاراتها بشدة. ولمواجهة ذلك،

تم حفر أربع آبار جماعية استفادت منها قبائل العالية. لكن الملاحظ، أن القبائل منذ عام 1974 تخلّت

شتاء   winter 2019

عن صيانة الخطارات لكونها ملكية مشتركة، فعجز الفلاحون عن إعادة صيانتها، بل عمدت العديد من الأسر إلى ردم سواقي الخطارات وضمّها إلى أراضيها الزراعية، بل قامت بإنشاء المنازل فوقها. وقد كان نتيجة ذلك أن استغل سكان عالية الواحة من الأعيان وأصحاب رأس المال قنوات الخطارات لحفر الآبار، بينما لم يكن لدى المهمّشين من الفلاحين الإمكانيات لصيانتها، خاصة أنها ملك مشترك.

اعتمد سكان عالية الواحة على الآبار الجماعية لفترة ما بعد الاستعمار، لكن تم فضّ ما يسمى «آبار الشراكة» نتيجة النزاعات التي نشأت بين الفلاحين حول كيفية استعمال المياه واقتسام مصاريف الصيانة، ومع أن منهم من استعمل المياه في النشاط الزراعي، فالعديد منهم انخرط في عملية بيع الماء، لذلك تم التخلي عن هذه الآبار الجماعية وعمل الفلاحون بعد ذلك على حفر آبار فردية لبيع الماء. إن الفاعلين الرئيسين في أسواق الماء هم أصحاب السلطة ورأس المال السياسي الذين يستفيدون من السلطة للوصول إلى المصادر المائية والتحكم في السوق (انظر الصورة)؛ فالماء يعتبر آلية من آليات ابتزاز المهمشين من الفلاحين الصغار في ممارسة حقوقهم في الوصول إلى المياه. صورة إحدى الضّيَع الزراعية للمستثمرين أصحاب رأس المال السياسي

المصدر: تصوير الباحثة،.2017

يُستخرج الماء من «الغوار»، وهو تجمّع محطات الضخ الذي يتدفق فيه ماء آبار الفلاحين قبل توزيعه.

وقد ساهم أعيان السلطة من القبائل المتحالفة انتخابيًا، بحسب أحد الفلاحين الشباب المشاركين في

البحث، «في تخريب السواقي، لأنه ليس لديهم مصلحة في إعادة الحياة إليها أو صيانتها، ليستفيدوا من عملية البيع». تخضع إدارة الموارد في عالية الواحة لسلطة المزارعين الكبار المنتخبين في الجماعات القروية المحلية، الذين رفضوا صيانة السواقي، بل اعترضوا كذلك على محاولة صيانتها، رغم مطالبة الفلاحين الصغار

(((4 يوسف، 34 سنة، مقابلة شخصية،.2017/9/12

مقاربة أنثروبولوجية: ديناميات التكيف وممارسات العيش: بيئوية الفقراء

بذلك. وقد أدى تفكك البنية القبلية التي كانت مسؤولةً عن تنظيم حقوق الماء باعتبارها «اجْمَاعَة»، إلى

التحول من الملكية المشتركة إلى الملكية الخاصة. لقد كان تنظيم السقي قبل ذلك جماعيًا في الغالب، على الرغم من وجود ملكية فردية، وذلك لأن

أشكال حيازة الأرض ونظام الريّ خضعَا للتنظيم الجماعي للقبائل. وقد عرفت «اجْمَاعة» التي نظ مت

عملية استعمال المياه فترات طويلة كما أشرنا سالفًا، تحولات عميقةً قاومتها السلطة السياسية بعدما تم تفكيك البنية القبلية، فأضحت إدارة الموارد تتميز بالفوضى في عالية الواحة، على الرغم من أن التحالف القبلي فرض نفسه في المواسم الانتخابية. ويعود ذلك إلى هيمنة أصحاب الحيازات الكبيرة من الأرض على ملكية المياه في واحة الجرف، في حين لجأ الفلاحون الصغار إلى شراء المياه لسقي حيازاتهم الصغيرة، معتمدين على تحويلات أقاربهم المهاجرين إلى المدن أو الخارج، حيث يعمل أغلبهم في قطاعات الإنشاءات. أحد هؤلاء الفلاحين الصغار هو حسن، رب أسرة، ويعمل جميع إخوته المهاجرين في قطاع البناء في المدن المغربية. يشتكي حسن من هيمنة المؤسسة السياسية على منافذ الماء قائل: «المستثمرون هم المستفيدون من البيع [...] هدفهم قتل الإنسان وإرساله إلى العمل في ورشات البناء [...] هذا شكل من أشكال الاستعمار (نهاجر ولا نعود) [...] شجرة أو زيتونة مجهولة أو أي شيء أهم منا نحن ليس لدينا أهمية [...] زيادة على ذلك يشترون الأراضي بثمن بخس ويقتلون سوق الأراضي». وفي هذا الظرف الجديد، تعتبر المساهمات المالية للمهاجرين في الخارج من الواحة الأكثر أهمية خاصة في أوقات الشدة، فقد أدى الجفاف الطويل خلال الفترة 2006–2000 إلى انخفاض كبير في الموارد المحلية، على نحوٍ أدى إلى انخفاض دخل الأسر. وبسبب ارتفاع نسبة الهجرة الموسمية من الواحة، تعتبر نساء المهاجرين عماد الأسرة، بسبب مساهمتهن في اقتصاد المزرعة (يطلق عليها محليًا

اسم الغابة)، إضافة إلى عبء العمل المنزلي. وغالبية هؤلاء النساء لم يتعلمن قط، إذ لا يزال من الشائع جدًا ترك الفتيات المدرسة من أجل الزواج في سن مبكرة. ترتفع نسبة النساء المشاركات في النشاط الزراعي بين زوجات المهاجرين إلى المدن المغربية (مْسَافْرينْ)، والنساء المطلقات والأرامل، على الرغم من انخفاضها اليوم. إن الحضور الاقتصادي

للمرأة الواحيّة دائم من شروق الشمس لحصاد المزروعات العلفية ونقلها، وغالبًا ما تكون المرأة

مسؤولة عن تربية المواشي والحيوانات وإطعامها في السكن الدائم، والمساعدة في الحصاد، وتعبئة التمور، وأحيانًا الحراثة وإزالة الأعشاب الضارة. تقول خديجة: «الرجال يسافرون للعمل لأننا لا نملك هنا شيئًا. نعاني الجفاف وقلة الحيلة، لذلك عندما تأتي مياه الوادي [مياه الفيض] يحضر النساء اللواتي

يخرجن إلى العمل وسقي الكَمونْ [ضيعة فلاحية صغيرة]، ومزاحمة الرجال للحصول على حصة الماء».

(((4 حسن، 42 سنة، مقابلة شخصية،.2017/8/14 (((4 خديجة، 51 سنة (فلاحة وزوجها مهاجر للعمل في مدينة الدار البيضاء)، مقابلة شخصية،.2017/10/20

شتاء   winter 2019

يشتري الفلاحون، أصحاب الحيازات الصغيرة، الماء بخمسة وعشرين درهمًا (دولاران ونصف) لساعة

الريّ الواحدة لحيازاتهم التي لا تتجاوز مساحتها عشرة أمتار، وهي عملية مكلفة للفلاح خاصة في

فصل الصيف. وبسبب تخريب قنوات الريّ، وإغلاق المزارعين الكبار ورجال الأعمال منافذ تدفق

المياه في السواقي المجاورة، يضطر الفلاحون الصغار إلى نقل المياه في قنوات الريّ مدة تراوح بين

أربع وخمس ساعات، ويدفعون ثمن الساعات الإضافية. تمثّل المزارع الكبيرة في الواحة تحديًا كبيرًا أمام الفلاحين الصغار الذين ينتمي العديد منهم إلى قبائل

معروفة بالمعارضة السياسية في عالية الواحة، والذين بادر العديد منهم إلى حفر آبارهم الخاصة وتزويدها بالكهرباء، من أجل تعزيز منافستهم في سوق الماء وممارسة حقهم في الوصول إلى الماء. وتدفع التنافسية بين ملاك الآبار إلى التنازع على مسافة الحفر، ليلجأ البعض منهم إلى القضاء. وتعتبر منطقة «الغُوَار»ْ

سوق الماء الأساسيّة، حيث تجتمع هناك آبار المزارعين الكبار وأصحاب رأس المال السياسي. يحكي مصطفى الذي خاض سلسلة من الصراعات حول حفر بئر مع مزارعين كبار مقرّبين من السلطة

السياسية في الواحة: «منعوني من الحفر، فزودنا البئر بالكهرباء عن طريق حكم إداري، وأنا الآن أنافسهم. أشتغل ما بين 500 و 600 ساعة من دون قطيعة. لدي محطة للضخ تشتغل ب 36 قنينة غاز في اليوم من دون توقف [...] جفت آبار الأباطرة [...] جفف الله قلوبهم، نحن نسمى مجرمي الدنيا، دائمًا

في المشاكل والدعاوى، نحن لا نحترم الأباطرة الكبار ولا نسامح في حقنا». ويخضع المجال الاقتصادي في الواحة كذلك لتوافقات عُرفية بين المزارعين الموجودين في عالية الواحة وسافلتها، فيما يتعلق بمياه الفيض (مياه الأمطار المكونة من السيول والأنهار وتتميز بضعفها وعدم انتظامها)، فالأسبقية في الريّ عُرفًا هي لسكان عالية الواحة قبل سكان السافلة، لكن في بعض

الأحيان يتم السماح بتدفق المياه في اتجاه السافلة مباشرة، قبل أن يستفيد منها سكان العالية بذريعة الخوف من الجريان المرتفع، والذي قد يتسبب في الفيضانات وهدم منازل سكان العالية، وحينئذ يتم فتح قناة الريّ للمستثمرين الموجودين في سافلة الواحة. وقبل أن تتفكك البنية القبلية، كان شيخ

القبيلة يراقب عملية الريّ، عندما تأتي مياه الفيض، ويقوم بجولة في الواحة ليتأكد من أن كل الفلاحين

في عالية الواحة استفادت حيازاتهم من هذه المياه.

2. الهجرة والحراطون وإعادة بناء المجال الواحيّ

لقد كانت واحة الجرف تسمى «جْنَانْ النَبِي» (منطقة خضراء) لأنها عُرفت بثروتها المائية بمنطقة

تافيلالت. واعتُبرت المياه منذ فترة طويلة الأساس الاقتصادي في نظام الواحة الاجتماعي، لذلك سعى

سكانها لاستعمال الموارد المائية استعمالً عقلانيًا، واعتمدوا على الخطارات أو السواقي في تعبئة

المياه. والملاحظ داخل المجال الواحي أن التقنيات التقليدية في نظام الريّ طالما تكيفت مع الطبيعة

المحيطة، وقد أدرك الواحيّون معنى الندرة، فاعتمدوا على التنوع في الإنتاج الفلاحي.

(((4 مصطفى، 46 سنة، مقابلة شخصية،.2017/8/6

مقاربة أنثروبولوجية: ديناميات التكيف وممارسات العيش: بيئوية الفقراء

ولطالما جذبت واحة الجرف القادمين الجدد من الواحات المجاورة، مثل واحة الريصاني التي تضررت من الجفاف منذ بداية الثمانينيات (1985–1980). وبعد الاستقلال تزايدت عمليات الحفر الآلية للآبار، والتوسع في الأراضي التي لم تكن مستغلة زراعيًا، وهما اللذان ساهم فيهما قدوم المهاجرين الجدد

«فِيلالا» (نسبة إلى تافيلالت) منذ عام 1974، الذين نقلوا معهم أشجار النخيل من نوع المجهول إلى الواحة. ولم يتعرف سكان الواحة إلى هذا النوع من النخيل إلا مع هؤلاء الفلاحين المهاجرين الذين

استقروا بجانب الوادي «سَاقِيةْ الوَاد »ْ. وإلى حدود سنوات السبعينيات، كانت الدولة تحدد أشكال الوصول إلى الماء التي كانت تخضع للمؤسسات القبلية، لكن الملاحظ أن أشكال الوصول إلى الموارد (الأرض والماء) قد عرفت تحولات نحو الاستغلال الفردي الخاص. ومع ذلك، لا يزال الوصول إلى الماء في الواحة يخضع للتنظيم الجماعي والتشريعات العرفية المرتبطة بتنظيم حقوق الماء في السواقي «الخطارات». أما الآبار التي تم

حفرها في سافلة الواحة وفي مراحل سابقة، فإنها لم يستعملها الفلاحون «المُلّكْ» استعمالً منتظمًا،

نظرًا إلى صغر حجم الحيازات الصغيرة «تَغْدَة»، وضعف مردوديتها، إضافة إلى ارتفاع تكلفة

الاستثمار، والأهم من ذلك أن الواحة التقليدية بمؤسساتها «اجْمَاعَة» مرتبطة بتاريخها الاجتماعي في

علاقتها بالماء المشترك الذي يميّز هويتها، ووجودها أيضًا في المجال. وفي سنوات التسعينيات، حفر الفلاحون آبارًا جماعية في إطار تعاونيات، بقيت منها اليوم بئران في

سافلة الواحة، ولم يبقَ منها أي بئر في عاليتها. وكان بيع الماء في هذه المرحلة يجري في إطار نظام الريّ التضامني، وبناءً على العلاقات الاجتماعية التي تجمع بين الفلاحين وجيرانهم. ولم يبقَ اليوم في

سافلة الواحة أي بئر جماعية، حتى الآبار القديمة منها التي تم توريثها فقد قُسّمت بين الورَثة، ما أدى

إلى تعدد أشكال الاستعمال الفردي، فقد يتناوب على البئر الواحدة عدد من الأفراد الذين يستخدمون

أشكالً مختلفة من الوقود لضخ المياه، كالغاز والكهرباء والبنزين، وكل فرد يستخدم مصدرًا للطاقة

ملائمًا لإمكاناته المادية. وقد قاد الدعم الذي قدّمته الدولة منذ عام 2008، وفق «مخطط المغرب الأخضر» إلى توسع الاستعمال الفردي للمياه لاستعماله في الاستثمار في نخيل المجهول الذي تطورت زراعته مع التوسع في أطراف الواحة. وقد استفاد العديد من المستثمرين الكبار وأصحاب رأس المال السياسي والمقاولين من دعم الدولة، وساهم نفوذهم السياسي في الهيمنة على الأراضي العامة واستغلالها بطرق غير قانونية، خصوصًا في زراعة النخيل. وقد استغل بعضهم كذلك نفوذه من أجل الضغط على الفلاحين الصغار،

خصوصًا المهاجرين منهم، من أجل بيع أراضيهم في فترة الجفاف بأثمان بخسة أو مقايضتهم بأراض

في مناطق أخرى. وقد امتد هذا النفوذ إلى الاستيلاء على الأراضي التابعة ل «الزَاوْيَة»، التي بيعت

بأثمان رمزية. أما التوسعات داخل الواحة القديمة فشملت المستثمرين الصغار الذين لا تتجاوز مساحة

(((4 تغدة أو الكمون: ضيعات فلاحية صغيرة. (((4 تتعلق بالأراضي التي منحت هبةً لزاوية سيد الغازي بالريصاني من أجل البركة، وتستفيد الزاوية من ثمن كرائها.

شتاء   winter 2019

مزارعهم ستة هكتارات، بينما لا تتعدى مساحة مزارع مستثمري «البلْاد» أربعين هكتارًا. ويمارس هؤلاء

الفلاحون أشكالً زراعية جديدة اعتمادًا على تقنيات حديثة (الري بالتنقيط، والاعتماد على ألواح

الطاقة الشمسية بدلً من البنزين، ومحطات ضخ المياه، وأحواض لتخزين المياه). بذلك، فإنّ ظهور أشكال جديدة من الزراعة التسويقية (زراعة نخيل المجهول على نحو واسع) مرتبط بتدخل الدولة، وما انطوى عليه هذا التدخل من إطلاقٍ وتسريع لعملية الوصول إلى الماء، وتوسّع استخدام الأرض

في واحة الجرف. وما يثير الاهتمام هو استعداد شباب مجتمع الواحة الدائم للاستفادة من الأرض واستغلالها. ومن بين

هؤلاء الشباب من ينتمي إلى الحَرّاطِين Haratine، وهم شريحة اجتماعية مهمّشة اجتماعيًا، طالما

استُغلّت اقتصاديًا من العديد من الفئات الاجتماعية الأخرى (الشرفاء مثل) في الزراعة وأعمال الحفر

والتنظيف والأعمال المائية الزراعية. وقد عانى حرّاطو الواحة (الخمّاسة القدامى) التمييزَ في الوصول

إلى مختلف الموارد مثل الأرض والماء. وهناك من وضّح أن الشرفاء استعبدوهم، فقد «تمت ترجمة عنف البنية الاجتماعية إلى نظام فصلٍ عنصري، حيث شكل الحراطون فئة المستعبدين، وقد سمح وضعهم الدوني للعوام (الشرفاء، العرب أو البربر) باستغلال قوة عملهم من دون مشاركتهم ثمار هذا العمل، وهو الوسيلة التي طورها مجتمع الواحة ما قبل الاستعمار». ارتبطت المكانة الاجتماعية في الواحة، فترة طويلة، بملكية الأرض «الملكْ »، شأنها شأن أي مجتمع

زراعي. لذلك ساهمت تحويلات المهاجرين في خلخلة بنية التراتبية الاجتماعية، لتعيد الفئات الاجتماعية المنحدرة من الحراطين تموقعها داخل الهرم الاجتماعي، وذلك من خلال شرائها الأراضي والحقوق المائية. وقد ظهرت أشكال جديدة من التعاونيات والجمعيات أسست لممارسات اقتصادية جديدة من طرف الشباب، تهدف إلى ضم الأراضي وتجميع الحصص المائية، الأمر الذي فرض أساليب جديدة من التفاوض بين الأسر من أبناء العمومة وأبناء القبيلة الواحدة لتجميع الأرض التي تم تقسيمها بفعل الإرث وتلاشي علاقات التضامن. وفي نظرنا، فإنّ أحد محفّزات العودة إلى ما سميناه «القبَلية» الجديدة، بوصفها نمط ا للتعاقد بين أبناء القبيلة الواحدة على مصالح مشتركة، هو الاستفادة

من دعم الدولة في زراعة النخيل، إضافة إلى أنواع أخرى من المزروعات، لذلك ساهمت سياسة الدولة الإيكولوجية في تغيير التوازنات السوسيومجالية مساهمةً ملحوظة.

3. رهانات إعادة بناء التراتب الاجتماعي وأدواتها: طموحات شباب الحراطين

نجح العديد من أبناء الحراطين في تحدّي النظام التقليدي، وتمك ن من الترقّي الاجتماعي، غير أن العديد منهم لم يختاروا مغادرة الواحة، بل فضّل أبناؤهم التوسّع في شراء الأراضي وحقوق المياه

(((4 الشرفاء العلويون: فئة اجتماعية متميزة داخل مجتمع تافيلالت بحكم نسبها الشريف وقرابتها من الرسول، لذلك فهي فئة اجتماعية سلالية أكثر من اعتمادها على المحدد الاقتصادي.

(50) M. Kadiri, «La Gestion communautaire dans les kser de Jorf,» Mémoire de licence, University Moulay Ismail, Meknès, Morocco, 1997, p. 8.

مقاربة أنثروبولوجية: ديناميات التكيف وممارسات العيش: بيئوية الفقراء

في الخطارات، ليحجزوا مواقعهم إلى جانب نخب العرب والمرابطين والشرفاء. وقد بدأت صيرورة التحوّل في المكانة الاجتماعية لأبناء الحراطين في بداية السبعينيات بسبب تحويلات المهاجرين

الذين غدوا «ملْاكَة»، وبعضهم اشترى أراضيَ كانوا يعملون فيها خَمّاسَة Khammès، وهو ما يمكن

فهمه على أنه انتقام رمزي من تاريخ الإقصاء الاجتماعي الطويل. وتشدّد الملاحظة الميدانية على ضرورة إيلاء التماسك والتضامن الاجتماعيَّين أهميةً في فهم تطوّر

وضعية الحراطين، إذ تتميز عائلاتهم بالامتداد وكبر الحجم، والتي تشكّلت تاريخيًا عبر المصاهرة.

ويشكّل الحراطون قوة أساسية في الانتخابات الجماعية المحلية لتمركزها في منطقة واحدة هي قصور. وقد غيّر هذا التطوّر في البنية الإثنو–سياسية في واحة الجرف، إذ سمحت لهم بالمشاركة في

التمثيل السياسي وتولّي مناصب مهمة عند الجماعة القروية في الواحة، وهو الأمر الذي لم يكن ممكنًا من قبل. وهكذا أصبحوا أكثر تأثيرًا في القرار السياسي الذي ساهم في تعديل وضعيتهم الاجتماعية. لم يمرّ الصعود الاجتماعي والسياسي لشريحة الحراطين من دون استفزاز القبائل، خاصة الفلاحين

أصحاب الملكيات الصغيرة. وظهر هذا الخوف في ردة فعل العرب و«الشرفاء» أثناء إنجاز المقابلات معهم، الذين لم يترددوا في إبداء تذمرهم بسبب تغير أحوال الحراطين ووصولهم إلى السلطة، كما عبّروا عن سوء تسييرهم لشؤون القبائل وتنظيم نظام الريّ زيادة على محدودية تجربتهم. وإذا كانت الفئة الاجتماعية المنحدرة من الحراطين قد توسعت في ملكية الأرض، واستطاعت خلخلة التراتب الاجتماعي القبلي، إلا أنه لا يزال يتعيّن عليهم الوقوف ضد مقاومة الفئات من غير المهاجرين،

وتلك الفئات التي قاومت الاعتراف بهم لنسبهم وتاريخهم الاجتماعي، وهي الفئات الاجتماعية التي تضطر الآن إلى بيع بعض الحيازات للبقاء، ويتعذّر عليها في كثير من الأحيان دفع «الفْرِيضَة» (ضريبة الصيانة) لصيانة السواقي. ظهر لاحقًا استياء قبائل العرب والشرفاء إلى العلن، عندما طالب أحد الشباب المنحدر من الحراطين (أبناء الخمّاسة) القبائل بصيانة الخطارات بعد أن تم ردمها عام 2003 بسبب أخطاء في أشغال صيانة

الطريق الرئيسة. ولم تتدخل الدولة لمساعدة القبائل في صيانة الخطارات، إذ تعتبر خطارة «الك» بِيرَة

رهان الحراطين ضد القبائل التي يملكون فيها حقوقًا مائية مهمة، إذ أسس الحراطون جمعية للتنمية والمحافظة على الخطارات منذ عام.2006 لقد أراد شباب الحراطين أن يثبت للقبائل قدرته على قيادة مشاريع صيانة الخطارة، فواجه كثيرًا من

العراقيل من طرف القبائل التي لها حقوق «الملكْ ». بذلك دافعت فئات من شريحتَي العرب والشرفاء عن وضعيتها الاجتماعية والثقافية ضد من اعتبرتهم تهديدًا لتاريخها ورساميلها الاجتماعية. وكان ذلك عن طريق التشديد على ضرورة أن تكون في صدارة أي مبادرة مجتمعية. في هذا الصدد يقول لحسن (38 سنة): عارضونا لكوننا شبابًا ليس لدينا تجربة كبيرة، أنت تعرفين أن

التقسيم القبلي يتضمن الشرفة، والأحرار، والحراطين، والمرابطين، و«العبيد»، كيف أن تنتمي إلى طبقة

شتاء   winter 2019

الحراطين بهذا المفهوم القدحي تأتي وتقول لنا يجب إعادة النظر في أعمال صيانة الخطارات. قال لي أحد منهم: «الشّوْك الذي دَرسناه على والدك زمان تُريد أنت الآن أن تُدرسَه عَليْنَا». بذلك اعتبرت هذه

الفئات مشروع الحراطين لصيانة الخطارة تجاوزًا لأعراف القبائل، خاصة أنها تعتبر كل ما يتعلق بنظام الريّ التقليدي وصيانة الخطارات خطًا أحمر، كما أنها تجد في خطاب فئة الحراطين الاجتماعية رغبة في الانتقام لتاريخ التهميش والإقصاء الاجتماعيَّين.

أ. الحقوق المحلية في الموارد المشتركة: أوامر العولمة، أين السبيل لتحقيق العدالة الاجتماعية؟

إذا كان الحق في الماء هو أساس الزراعات الأكثر إنتاجية، فإنه الأكثر مساهمة كذلك في هشاشة المزارعين الفقراء. تساهم الزراعة الحديثة في تحسين الوضع الاجتماعي للمزارعين الكبار من جهة، ومن جهة ثانية ينظر المزارعون إلى المياه بوصفها وسيلة للوصول إلى «آفاق غير محدودة». وقد لاحظنا ذلك إثنوغرافيًا، من خلال دراسة الصراع والتلاقي بين أنظمة تبدو كأنها من أزمان مختلفة. لقد كان ل «مخطط المغرب الأخضر» هدف محدد، وهو استغلال الموارد (الأرض والماء) بما يتماشى مع الطموحات الاقتصادية الجديدة التي تبنّتها الدولة. وكان من المتوقع بعد الفترة الاستعمارية واستقلال المغرب أن يتوقف الصراع حول الموارد، لكن استمر نمط الهيمنة نفسه مع التطوّر النسبي

الذي جاء لتلبية المتطلبات الوطنية. ويبدو أن أكثر التهديدات المثيرة للقلق هو حرمان العديد من الفلاحين الفقراء من سبل العيش وإقصاؤهم والدفع بهم إلى الهجرة خارج المجال الواحيّ. إن حاجيات الفلاحين الصغار من الموارد قليلة، ويعتمد بقاؤها على الزراعات خارج نسق السوق الحديثة، لكن مع التحولات الزراعية، والتوسعات الزراعية الجديدة، والتغيرات التي أتت بها الدولة عندما فتحت عملية الوصول إلى استخدام الأرض والماء للمستثمرين من دون قيود، تم تجاهل احتياجات البقاء لدى الفلاحين الصغار. لقد أصبحت المناقشات المتعلقة بالاعتراف بالملكية المشتركة للموارد تجدّد الحاجة الملحّة إلى

التعرف إلى الحقوق المحلية والعرفية للفاعلين المحليين لتحقيق العدالة الاجتماعية، وضمان حقهم في الوصول إلى الموارد واستخدامها، وهو ما يثير السخرية أحيانًا لدى القائمين على تنفيذ مخطط التنمية الزراعية بحسب المقابلات الميدانية في واحة الجرف. وتتجلى مظاهر اللاعدالة الاجتماعية في: • يتعلق طموح الإصلاح الزراعي بفتح عملية الوصول إلى الموارد، وإعادة ترسيخ الرؤية المزدوجة للزراعة: قطاع «تقليدي» وقطاع «حديث»، زراعة ذات إنتاجية عالية وقيمة مضافة في السوق مقابل

(51) Hassan Quarouch et al., «Eaux souterraines, sources de dignité et ressources sociales: Cas d’agriculteurs dans la plaine du Saïss au Maroc,» Cah Agric , vol. 23, no. 3 (Mai–Juin 2014), pp. 158–165. (52) Najib Akesbi, «Une Nouvelle stratégie pour l’agriculture marocaine: Le ‘Plan Maroc vert’,» New Medit , vol. 11, no. 2 (2012), pp. 14–15

مقاربة أنثروبولوجية: ديناميات التكيف وممارسات العيش: بيئوية الفقراء

مزارع صغيرة على الهامش في إطار الدعم التضامني، وهذا في نظر نجيب أقصبي فشل بالتغلب على الرؤى المزدوجة للزراعة. يتناقض «الإصلاح الزراعي» الذي تحرّكه السوق الحديثة مع التماسك

الاجتماعي لسكان الواحة، ويهدد كذلك مصادر الموارد الطبيعية. غير أن ندرة الموارد وثقافة السكان المحليّين، لا تؤخذ في الاعتبار في مخططات التنمية، إذ تحولت السيطرة على الموارد من المجتمعات

المحلية إلى المؤسسات المالية الوطنية والدولية. ولا شك في ارتباط مشاريع نخيل المجهول في واحة الجرف بموارد الواحة القديمة ودعم الدولة الذي يعطي الأولوية لاقتصاد السوق، ويكرّس تبعية

الاقتصاد المحليّ ليحوّله إلى اقتصاد بقاء. ومن خلال هذه المشاريع برز سباق وتنافسية شديدة على

الموارد بين المستثمرين، بل أنتج كذلك خطابًا يميّز ضد فئات معينة من الفلاحين ويطالب بإقصائهم

من المجال الواحيّ، متذرعًا بعدم قدرة هذه الفئات على مواكبة سياسة إصلاح الإنتاج الزراعي التي

أتى بها برنامج «مخطط المغرب الأخضر.» • عمليات الضخّ، إذ يواجه الفلاحون الصغار، أصحاب الخطارات، منافسة شديدة من طرف الفلاحين المستثمرين داخل الواحة الذين تتسبب ممارساتهم المائية في جفاف الخطارات. • أدى الفقر والهشاشة والوضع الاقتصادي المتدني لفئات مختلفة من الفلاحين، إضافة إلى صعوبة وصولهم إلى المياه واستخدامها، إلى تمايز اجتماعي واقتصادي، دفع شريحةً واسعة منهم إلى الهجرة. وإن كان التحدي اليوم هو كيفية ربط الأمن الاقتصادي بالاستدامة البيئية، فإنه من الصعب أن نتحدث عن الحقوق المتساوية لجميع الأفراد في الموارد الطبيعية والخدمات البيئية. فالتوزيع الإيكولوجي غير العادل يتسبب في صراعات ناتجة من التناقضات حول الوصول إلى الموارد الطبيعية، وحول أعباء السياسات الإيكولوجية المتّبعة، إذ نجد في بعض الأحيان أن صراعات التوزيع الإيكولوجي تتداخل

مع نزاعات التوزيع الاقتصادي، لأن فقراء الواحة من الفلاحين الصغار، وفي كثير من الأحيان، غير قادرين على الوصول إلى ما يكفي من المياه، فسقاية الأرض تكلّفهم أحيانًا أكثر من ضعف مداخيلهم التي لا تسمح لهم بشراء الماء من أصحاب الآبار الذين يقبلون على بيع المياه.

ب. بيئة الفقراء وتجربة العيش وإستراتيجيات التكيف

تتميز بيئة الفقراء بتعبير مارتينز بنقصٍ على مستوى وسائل الإنتاج، وهو أمرٌ لا يمكن التغلب عليه

إلا باستعمال تقنيات تتكيف مع البيئة المحلية وطبيعة الإنتاج. وفي العديد من المجتمعات السابقة تم تأمين النقائص المالية خارج السوق، لكن يبدو أن دخل المجتمع المكتسب في السوق اليوم هو الوسيلة الأساسية لكسب العيش وضمان بقاء الإنسان. غير أن علاقات السوق كانت ولا تزال غير كافية لتحقيق الأمن الاقتصادي. فنظريًا يمكن توفير الموارد

من خلال العلاقات التبادلية داخل السوق، إلا أن العديد من نشاطات الرعاية في الأسرة والمجتمع،

(53) Ibid., p.16. (54) Joan Martinez–Alier, «Ecology and the Poor: A Neglected Dimension of Latin American History,» Journal of Latin American Studies , vol. 23, no. 3 (October 1991), pp. 624–625.

شتاء   winter 2019

والعديد من الموارد الطبيعية، مثل الطاقة الشمسية ومياه الأمطار، لا تزال خارج حدود منطق السوق الحديثة. فالطبيعة عصيّة على قوانين السوق الحديثة، ومواردها اللازمة لإنتاج السلع وخدمات دعم

الحياة الأساسية (مثل المياه وتكوين التربة وتنظيم المناخ والمحافظة على التنوع البيولوجي وتطوره،

وتوافر الطاقة ودورة المواد) تنتج أنماطًا اجتماعية أكثر تعقيدًا من منطق نظام السوق. وقد ينطبق الأمر نفسه على الاقتصاد؛ فإنتاج الطاقة يحتاج دومًا إلى موارد جديدة؛ فإن كان حجم

الاقتصاد كبيرًا، فإن الدورات الطبيعية لا يمكن أن تنتج الموارد التي تكفي حراكيته. لهذا السبب،

قد فهم الإنسان الواحيّ معنى الندرة والهشاشة والضغوط السوسيو–اقتصادية الداخلية والخارجية،

وحاول أن يواجه هذه التحديات بالاعتماد على التكثيف والتنويع. وقد أدى ذلك دورًا حاسمًا في

إستراتيجيات التكيف لدى الفاعلين في واحة الجرف، وذلك بفضل التنسيق الاجتماعي المعقد (دور اجْمَاعَة) والتنظيم الاجتماعي الهرمي (دور القبيلة.) إن البعد التاريخي ضروري لدراسة التكيف عند الإنسان الواحي مع محيطه. ويؤكد البحث الميداني الإثنوغرافي أن هشاشة واحة الجرف والجفاف المتكرر لا يؤثران بقدر ما يؤثر النمو الديموغرافي، إضافة إلى السياسات الإيكولوجية التي شجّعت على المنافسة على الموارد وممارسة الزراعات

الموجّهة نحو السوق على حساب الممارسات المحلية التي تضمن حقوق الماء وحق العيش للفاعلين

في الواحة التقليدية. لقد انخفض عدد الأراضي الزراعية المتاحة نتيجة الاستثمار في أطراف الواحة، واستغلت استغلالً

مفرطًا. إن تحولات نظام الريّ في واحة الجرف أدت إلى إضعاف إستراتيجيات التكيّف الممكنة للقبائل

في مجتمع واحيّ إثنيّ يتميز باللامساواة الاجتماعية في الوصول إلى الموارد، رغم أن إستراتيجيات

التكيف في واحة الجرف تعتمد على المرونة في استخدام الموارد وتنظيمها بناءً على التشريعات

العرفية للقبائل. يحدد النظام الاجتماعي في واحة الجرف القائم على التسلسل والنظام الاجتماعي الهرمي، إستراتيجيات التكيف، خاصةً أعمال تنقية الخطارات وصيانتها وإصلاحها، بناءً على ما يسميه

الفلاحون «الفْريضَة»، وهي عرف يخضع للمنطق الجماعي للفعل، إذ يتم الوصول إلى الماء على نحو

جماعي «م لكْ مشترك»؛ لأن القبائل لديها مؤسسات تقليدية وأعراف محلية تقوم من خلالها بإدارة ندرة الماء وتدبيرها. ومع ذلك، فإن الإصلاح الزراعي في واحة الجرف يرتكز إلى حد بعيد على «احتياطيات الفلاحين» الفقراء الذين يعيشون في هذه المنطقة التي تعاني أزمة هيدرولوجية. وحاول مجتمع واحة الجرف، على الرغم من ذلك، التكيف مع قلة المياه الجوفية، إذ قام بتعديل البنية التحتية لبعض الخطارات لاستيعاب هذا المورد واعتماد قواعد عرفية لإدارة المياه، غير أن ممارسة عمليات الضخ في التوسعات الجديدة ساهمت في جفاف الخطارات.

(((5 حمزة، ص.86

(56) Vincent Battesti, Jardins au desert: Évolution des pratiques et savoirs oasiens , Jérid Tunisien (Paris: IRD Éditions, 2005), p. 15.

مقاربة أنثروبولوجية: ديناميات التكيف وممارسات العيش: بيئوية الفقراء

وفي المقابل، يبحث الشباب من فئة الحراطين عن الاعتراف الاجتماعي وفرص الحراك الاجتماعي، مستفيدين من الدينامية الاقتصادية التي أصبحت تعرفها الواحة نتيجة التوسعات الجديدة التي استثمرت في نخيل المجهول الذي شكّل طموحًا اقتصاديًا لدى العديد من الفئات الاجتماعية، خاصة

المهاجرين الذين يتسابقون نحو الاستثمار وحفر الآبار لإنجاز مشاريعهم. وقد كانت لهذه الديناميات آثار مهمة في إعادة تنظيم المجتمع المحلي والعلاقات الاجتماعية داخل واحات النخيل وخارجها. إن السيطرة على مساحات من الأراضي الزراعية الجديدة ومنح الدعم للحصول على المياه والإنتاج الزراعي خلقَا تنافسيةً وسباقًا على الموارد (الأراضي والمياه) لسكان الواحات لإحياء الزراعة الصحراوية، وتطوير أشكال الزراعة في التوسعات الجديدة، ولكنه ساهم أيضًا في إعادة تشكيل الواحة وخلخلة البنية الاجتماعية. أعطت سياسات الدولة الزراعية الانطلاقة للسباق والمنافسة على المياه الجوفية ودعم التوسع الزراعي ومحطات الضخ الفردية التي أنشأها المستثمرون الجدد من أجل زراعة أشجار النخيل ذات القيمة التسويقية العالية. وقد كان ذلك على حساب النظام الاقتصادي والاجتماعي المحلّي للواحة الذي مارس دورًا تاريخيًا في صمود الفلاحين، حين هيمن منطق السوق الحديثة على مواردهم (الأرض

والماء)، وفرض عليها أن تتحمّل التكاليف الاقتصادية والإيكولوجية، إضافة إلى مواجهة نمو رأس

المال. وقد قادت هذه العوامل إلى تعميق هشاشة الفلاحين الاجتماعية، وحرمانهم من حقوقهم المائية. وتدلّ نتائج البحث الإثنوغرافي في واحة الجرف على أن الدولة لم تركّز على تخفيف وطأة الفقر من خلال إصلاحاتها الزراعية، ودعم نسق كسب العيش المتنوع في الواحة، على الرغم من أنّ الزراعة قامت بدور تاريخي في سبل العيش في واحات الجنوب، وارتبطت ارتباط ا وثيقًا بالعمليات الاجتماعية والاقتصادية الأخرى، ولا سيما الهجرة. وفي المقابل، تشجّع الدولة سياسات الهجرة التي توفّر لها

تدفقات مالية من المهاجرين، لكنّ سياساتها الزراعية تقفل إمكانات التطوّر أمام صغار الفلاحين. تعترف هذه الدراسة بأهمية الأولويات الاستثمارية والزراعية للدولة وانخراطها في السياسات الإيكولوجية العالمية، ولكن إستراتيجيات العيش لأصحاب الحيازات الصغيرة والأسر الفلاحية في واحة الجرف، تتطلب منظورًا أوسع نطاقًا حول كيفية تحقيق العدالة الاجتماعية، لأن السر يكمن في

حفاظ الزراعة على التنوع لكسب العيش، ودعم الفلاحين الصغار بدل من تأرجح الواحة على وقع تقلبات الأسواق العالمية والمغربية والحضرية. يشكّل الانفتاح على إستراتيجيات سبل العيش المحلية لسكان الواحة مدخلً ضروريًا للتقاطع مع

سياسة الدولة على المستوى المحلي. ولا ننسى أن سياسات «مخطط المغرب الأخضر» قد عززت علاقات انعدام الثقة بين سكان الجرف، وكرّست السباق نحو الموارد وخلقت الصراعات بين القبائل.

لذلك، فإن أنماط الشرعية الجديدة للوصول إلى الموارد واستخدام الأرض والماء وضعت العديد من الفئات الاجتماعية في الهامش.

شتاء   winter 2019

إن السياسات التي يتم تفعيلها الآن في المجال الواحيّ ما زالت تحتاج إلى إعادة النظر، خاصة فيما

يتعلق بالهجرة والاستثمار وإستراتيجيات العيش والممارسات الزراعية وتحولات استخدام الأرض والمياه، إذ تشير المعطيات إلى صعوبة الحديث عن خطاب الحفاظ على البيئة واستدامة الموارد من دون مراعاة الخصوصيات الثقافية. وأخيرًا، إنه من الضروري إعادة النظر في ارتكاز إدارة عملية الوصول إلى الأرض والمياه انطلاقًا من

منظورٍ نيوليبرالي للتنمية. ليس لأنها تغفل الجوانب السوسيوثقافية لإدارة العلاقة بالموارد البيئية (الأرض والماء) فحسب، بل لأنها تفرض تحديات كبيرة على الفلاحين. وبالنظر إلى التوترات في الديناميات الاجتماعية والاقتصادية في واحة الجرف، فإن تحولات استخدام الأرض والماء وسبل العيش تؤكد أن السلطة السياسية تساهم على نحو أساسيّ في تحديد من يستفيد ومن يفقد قوت العيش.

خاتمة

أدت السياسة الاقتصادية للدولة المغربية وديناميات اجتماعية عديدة، من بينها الهجرة وتوسع اقتصاد السوق الذي أنتج منطقًا جديدًا للفاعلين في المجال الاجتماعي، إلى تحولات زراعية مهمة في المجتمع الواحي. وبالنسبة إلى واحة الجرف يمكن التمييز بين الواحة القديمة بمنطقها الاقتصادي المحلي، والواحة الحديثة بمنطقها الجديد. لقد مارس تصور الدولة للمسألة الزراعية دورًا مهمًا في

هذه التحولات بتجاهله قاعدة كبيرة من السكان المحليين الذين طالما اعتمدوا على إستراتيجيات تضامن اجتماعي باعتبارهم «اجْمَاعة»، وهي مؤسسة اجتماعية تعتمد في حكامة مواردها المائية على قيم مشتركة أساسها التضامن والتشاور. وقد أوضحت نتائج هذه الدراسة أهمية الاستخدام المرن والدينامي للموارد من خلال التنظيم الجماعي الذي يخضع له نظام الريّ المستند إلى الأعراف المحلية. وشكلت هذه النقطة محور العديد من النقاشات حول أهمية المعارف المحلية في إدارة الموارد، وإمكانية فقدان هذه المجتمعات هذه المعرفة نتيجة الديناميات الاقتصادية التي أفرزتها العولمة، إذ من الواضح أن بعض الممارسات المرتبطة بإدارة الموارد تم تجاوزها. أخيرًا أثبتت الدراسة أنه لا يمكن دراسة تحولات المجتمعات الواحية من دون

إدماج البعد البيئي في الإشكالية السوسيولوجية والأنثروبولوجية التي تطرحها التغيرات الحاصلة في هذه المناطق.

References

المراجع

العربية

حمزة، محمد آيت. «التوازن الإيكولوجي الواحي بين التنافس والتكامل». ندوة المجال والمجتمع بالواحات المغربية. كلية الآداب والعلوم الإنسانية. جامعة مكناس. المغرب،.1993

مقاربة أنثروبولوجية: ديناميات التكيف وممارسات العيش: بيئوية الفقراء

الأجنبية

Akesbi, Najib. «Une Nouvelle stratégie pour l’agriculture marocaine: Le ‘Plan Maroc vert’.» New Medit. vol. 11. no. 2 (2012). Akesbi, Najib et al. Questions d’économie marocaine 2011. Rabat: PMU/ Association marocaine de sciences économiques, 2011. Anderson, E. N. & Felix Medina Tzuc. Animals and the Maya in Southeast Mexico. Tucson, AZ: University of Arizona Press, 2005. Bates, Daniel G. & Susan H. Lees (eds.). Case Studies in Human Ecology. New York: Plenum Press, 1996. Battesti, Vincent. Jardins au desert: Évolution des pratiques et savoirs oasiens, Jérid Tunisien. Paris: IRD Éditions, 2005. Bencherifa, Abdellatif & Taoufik Agoumy (eds.). La Grande encyclopédie du Maroc. vol. 9: Géographie humaine. Cremona: GEI, 1987. Berkes, Fikret & Dyanna Jolly. «Adapting to Climate Change: Social–Ecological Resilience in a Canadian Western Arctic Community.» Conservation Ecology. vol. 5. no. 2 (2001). Bicker, Alan, Johan Pottier & Paul Stillitoe (eds.). Development and Local Knowledge. London and New York: Routledge, 2011. Boelens, Rutgerd & Jeroen Vos, «The Danger of Naturalizing Water Policy Concepts: Water Productivity and Efficiency Discourses from Field Irrigation to Virtual Water Trade.» Agricultural Water Management. vol. 108 (2012). Boelens, Rutgerd. «Cultural Politics and the Hydrosocial Cycle: Water, Power and Identity in the Andean Highlands.» Geoforum. vol. 57 (2014). Davis, Diana K. Resurrecting the Granary of Rome: Environmental History and French Colonial Expansion in North Africa , Series in Ecology and History 58. Athens, OH: Ohio University Press, 2007. Dobzhansky, Theodosius «On the Evolutionary Uniqueness of Man.» Evolutionary Biology. vol. 6 (1972). Frake, Charles O. «Cultural Ecology and Ethnography.» American Anthropologist. vol. 64. no.1 (February 1962). Ftaita, Toufik. Anthropologie De L’irrigation: Les oasis de Tiznit, Maroc. Paris: L’Harmattan, 2006. Geertz, Clifford, Hildred Geertz & Lawrence Rosen. Meaning and Order in Moroccan Society: Three Essays in Cultural Analysis. Cambridge: Cambridge University Press,

Glantz, Michael H. (ed.). Drought Follows the Plow: Cultivating Marginal Areas. Cambridge: Cambridge University Press, 1994. Hammoudi, Abdellah. Master and Disciple: The Cultural Foundations of Moroccan Authoritarianism. Chicago: University of Chicago Press, 1997. Hann, Chris. «Evolution, Institutions, and Human Well–being: Perspectives from a

شتاء   winter 2019

Critical Social Anthropology.»  Journal of Bioeconomics. vol. 16. no. 1 (2014). Hanna, Susan S., Carl Folke & Karl–Goran Maler (eds.). Rights to Nature: Ecological, Economic, Cultural, and Political Principles of Institutions for the Environment. 2 nd ed. Washington: Island Press, 1996. Hardin, Garrett. «The Tragedy of the Commons.» Science. vol. 162. no. 3859 (December

Henry, Donald O. Prehistoric Cultural Ecology and Evolution: Insights from Southern Jordan. New York: Springer, 1995. Kadiri, M. «La gestion communautaire dans les kser de Jorf.» Mémoire de Licence. University Moulay Ismail. Meknès. Morocco, 1997. Lansing, J. Stephen. Priests and Programmers: Technologies of Power in the Engineered Landscape of Bali. Princton, NJ: Princton University Press, 1991. Martinez–Alier, Joan. «Ecology and the Poor: A Neglected Dimension of Latin American History.» Journal of Latin American Studies. vol. 23. no. 3 (October 1991). Ong, Aihwa. Neoliberalism as Exception: Mutations in Citizenship and Sovereignty. North Carolina: Duke University Press, 2006. Ostrom, Elinor. Governing the Commons: The Evolution of Institutions for Collective Action. Cambridge: Cambridge University Press, 1990. _______. Crafting Institutions for Self–governing Irrigation Systems. Oakland, CA: Institute for Contemporary Studies, 1992. Pascon, Paul. Capitalism and Agriculture in the Haouz of Marrakesh , John R. Hall (ed.). C. Edwin Vaughan & Veronique Ingman (trans.). London: KPI, 1986. Petit, Olivier. «La Surexploitation des eaux souterraines: Enjeux et gouvernance.» Natures Sciences Sociétés. vol. 12. no. 2 (2004). Quarouch, Hassan et al. «Eaux souterraines, sources de dignité et ressources sociales: cas d’agriculteurs dans la plaine du Saïss au Maroc.» Cah Agric. vol. 23. no. 3 (Mai– Juin 2014). Rignall, Karen Eugenie. «Land, Rights, and the Practice of Making a Living in Pre– Saharan Morocco.» PhD. Dissertation. University of Kentucky. Kentucky, USA, 2012. Shah, Tushaar et al. «Sustaining Asia’s Groundwater Boom: An Overview of Issues and Evidence.» Natural Resources Forum. vol. 27. no. 2 (2003). Steward, Julian Haynes. Theory of Culture Change: The Methodology of Multilinear Evolution. Urbana, IL: University of Illinois Press, 1955. Sutton, M. O & E.N Anderson. Inotroduction to Cultural Ecolydans. New York: Alta Mira Press, 2004. Tsing, Anna Lowenhaupt. Friction: An Ethnography of Global Connection. Princeton, NJ: Princeton University Press, 2004. Turner, Matthew D. «Merging Local and Regional Analyses of Land – Use Change: The Case of Livestock in the Sahel.» Annals of the Association of American Geographers. vol. 89. no. 2 (June 1999).