التجريب بين علم النفس وعلوم الأعصاب: اشتراك في البراديغم، واختلاف في التقنيات، وتشابه في النتائج
Experimentation between Psychology and Neuroscience: One Paradigm, Various Techniques, and Similar Results
الملخّص
يناقش هذا البحث إشكالية المنهج التجريبي بين العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية التي تهتمّ بدراسة الإنسان. وقد انطلقنا من فرضية مفادها أن اختلاف التخصصات واختلاف التقنيات التجريبية قد يفضيان إلى نتائج متشابهة عند الاشتغال بالبراديغم نفسه. ومثّلنا لذلك بعلم النفس المعرفي والعلوم العصبية المعرفية عند دراستهما موضوعًا دقيقًا مثل الكفاءات المبكرة لدى الرضيع. وإذا كان لهذا البحث هدف منهجي وآخر إبستيمي، فإن معالجته اقتضت رصد نشأة البراديغم المعرفي، وتحديد المفاهيم المؤسسة له، ورصد خصوصيات التجريب بالنسبة إلى كل علم، وتدعيم ذلك بنماذج توضيحية. وتوصلنا إلى أن الاشتغال بالبراديغم نفسه يفضي إلى نتائج متشابهة حد التماثل، وإن اختلفت التخصصات العلمية والتقنيات التجريبية.
Abstract
Professor of cognitive psychology at the University of Sidi Mohamed Ben Abdallah Fez, Morooco.
- البراديغم
- التقنيات المنهجية
- الكفاءات المبكرة
- العلوم المعرفية
- السيكولوجيا
- العلوم العصبية
- Paradigms
- Methodology
- Early Competencies
- Cognitive Sciences
- Psychology
ملخص: يناقش هذا البحث إشكالية المنهج التجريبي بين العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية التي تهتمّ بدراسة الإنسان. وقد انطلقنا من فرضية مفادها أن اختلاف التخصصات واختلاف
التقنيات التجريبية قد يفضيان إلى نتائج متشابهة عند الاشتغال بالبراديغم نفسه. ومثّلنا لذلك بعلم النفس المعرفي والعلوم العصبية المعرفية عند دراستهما موضوعًا دقيقًا مثل الكفاءات
المبكرة لدى الرضيع. وإذا كان لهذا البحث هدف منهجي وآخر إبستيمي، فإن معالجته اقتضت رصد نشأة البراديغم المعرفي، وتحديد المفاهيم المؤسسة له، ورصد خصوصيات التجريب بالنسبة إلى كل علم، وتدعيم ذلك بنماذج توضيحية. وتوصلنا إلى أن الاشتغال بالبراديغم نفسه يفضي إلى نتائج متشابهة حد التماثل، وإن اختلفت التخصصات العلمية والتقنيات التجريبية.
Abstract: This article examines the experimental approach between humanities and natural sciences that studies humans. It is built on the premise that different disciplines and different experimental techniques may produce similar results when engaging with the same paradigm. The paper uses cognitive psychology and cognitive neuroscience to study a delicate subject such as early competencies in nursing babies. The research required monitoring the emergence of cognitive paradigms, defining its founding concepts, and monitoring the specificities of experimentation for each science, and supporting this by illustrative models. The result was that the use of the same paradigms leads to similar results, even if the disciplines and experimental techniques differ.
مقدمة
إذا كانت الدراسة الإبستيمية تفيد – في أحد معانيها – تتبع المفاهيم والنظريات المنجزة في مختلف العلوم دراسة وتحليلً، بهدف تنوير التطور العلمي، فإننا سنقتصر في هذا الموضوع على المفاهيم والتطور العلمي على المستوى المنهجي. وبذلك، تكون دراستنا منهجية بالجوهر، إبستيمية بالعرَض، وفي الآن نفسه تقويمية في امتداداتها (أهمية البحث العلمي بالنسبة «إلينا» في
ثقافتنا)، واستشرافية في أهدافها العامة (النظر في كيفية تطوير آفاق البحث العلمي «عندنا» نظريًا
ومنهجيًا وتقنيًا). ثم ينطلق بناء الموضوع من معطيات عامة، ابتغاء الوصول إلى تفاصيل دقيقة، كونه
يصل شمولية العلوم المعرفية بالحيثيات الدقيقة للكفاءات المعرفية، وستتأسس مقاربتنا المنهجية على البعد التأريخي، مقرونة بالتحليل الإبستيمي، ومعتمدة نماذج توضيحية. وبذلك، سنناقش إشكالية المنهج التجريبي بين العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية التي تهتمّ بدراسة
الإنسان، لتوضيح مساهمة البراديغم في تغيير موضوع البحث، وتطوير تقنياته. وننطلق في ذلك من أربعة أسئلة: أولها مرتبط بوجودنا العلمي: كيف ننخرط ضمن إشكالات البحث في «العلوم المعرفية» الحالية ونساير براديغماتها النظرية والتجريبية؟ وثانيها مرتبط بقدراتنا المعرفية «نحن»: كيف نساير تحولات البراديغم المعرفي من البحث عن السيرورات المعرفية إلى البحث عن الكفاءات المعرفية المبكرة؟ وثالثها يسائل مؤهلاتنا: ما تكلفة استعمال التقنيات الحديثة معرفيًا وماديًا في المنهج
التجريبي؟ ورابعها مرتبط بموقف مجتمعي من البحث العلمي الحالي: هل نحن في حاجة إلى البحث العلمي؟ وهل من الضروري توافر تكنولوجيا حديثة ومكلفة لإنتاج المعرفة في إطار العلوم المعرفية؟ وبناء على هذا التقديم الإشكالي العام، نفترض أن اختلاف التخصصات واختلاف التقنيات التجريبية قد يفضيان إلى نتائج متشابهة عند الاشتغال بالبراديغم نفسه. تنطلق مُسوّغات هذه الفرضية من
التقاطعات المنهجية التي أضحت تتكثّف بين العلوم الإنسانية (نموذج علم النفس) والعلوم الطبيعية (نموذج علوم الأعصاب)، وتفيد أنه إن كان لكل من علم النفس المعرفي وعلوم الأعصاب المعرفية موضوعهما الخاص، وإن كانا يلتقيان منهجيًا في توظيف التجربة بمعناها الواسع ضمن المنهج
التجريبي، وإن كانا يتأطران معًا ضمن البراديغم المعرفي، فإنهما قد يختلفان في بعض تفاصيل
التقنيات التجريبية التي يستعملانها في الدراسات الميدانية، أو في إجراءات تطبيقها، وقد يشتركان في تفاصيل أخرى، لكنهما قد يصلان إلى نتائج متشابهة حد التطابق، وأحيانًا متكاملة، عند دراستهما موضوعًا مشتركًا، مثل معالجة المعلومات ذهنيًا/ دماغيًا، أو الكشف عن الكفاءات المبكرة لدى
الرضيع.
(1) Angèle Kremer–Marietti, La Philosophie Cognitive (Paris: PUF, 1994).
(((نستعمل «إلينا»، و«عندنا»، و«نحن» بدلالتها الثقافية، لتعيين مجتمعاتنا من المحيط إلى الخليج، في مقابل «عندهم»، و«هم»، و«لهم»، للإحالة على الغرب مصدر البحث العلمي حاليًا. (((سيلاحَظ هذا البعد من خلال تدرّج تواريخ المراجع المعتمدة من ثمانينيات القرن الماضي إلى الآن، باستثناء مرجع توماس
صامويل كُون Thomas Samuel Kuhn الذي يعود إلى 1962، والذي اعتمدنا نسخته المترجمة إلى الفرنسية الصادرة سنة.1973
وإضافة إلى خلفية نظرية مزدوجة: سيكولوجية وعصبية، يكون هدفنا من هذا الموضوع مزدوجًا أيضًا: • هدف منهجي: يكمن في مناقشة الأساليب المنهجية الحديثة المستعملة في التجربة للكشف عن الكفاءات المبكرة لدى الرضيع، باعتباره موضوعًا حديثًا في مجال البحث (أي أكثر بقليل من نصف قرن)، في غياب الأداة التواصلية التقليدية التي هي اللغة. • هدف إبستيمي: نبتغي من خلاله بيان كيف تتطور العلوم (انفصال واتحادًا)، لتفضي إلى انبثاق تخصصات جديدة، أو انصهارها في علم جديد، وكيف يرافق التغيّر المنهجي تغيّرات في الموضوع. نستشف، إذ ا، أن مضامين هذا الموضوع وحيثياته تندرج ضمن الإطار النظري للمقاربة المعرفية في بُعديْها السيكولوجي والعصبي، ثم إن طريقة معالجة هذا الموضوع تستلزم منا بسط الخصوصيات
التجريبية لكل علم على حدة، ثم بسط بعض النماذج التوضيحية المدعمة لفرضيتنا، بالموازاة مع تحديد المفاهيم المؤسسة لها، والكشف عن العلاقات القائمة أو الممكنة بينها. وقبل ذلك، نتساءل كيف أصبحت السيكولوجيا والعلوم العصبية معرفيتين؟
أولا: البراديغم المعرفي: بين البناء والتغيير
سنعمل عند هذا المستوى من النظر على رصد إرهاصات تبلور البراديغم المعرفي، وتعيين بعض التوجهات ضمنه، بهدف تحديد كيفية تجديد الأساليب والتقنيات المنهجية وتقاسمها بين بعض العلوم، خصوصًا السيكولوجيا والعلوم العصبية. فقد تميّز التيار المعرفي بخصوصيات معرفية
وإبستيمية نجملها في كون تحديده يتأرجح بين تعدد التخصصات أو فروعها، ووحدة المشروع الذي يجمعها، وتعدد التسميات التي تصف هذا التكتل الجديد. فكيف كان المنشأ؟
1. منشأ «علم جديد»: جدلية الاتفاق والاختلاف، والثابت والمضاف
إذا كانت العلوم قد اجتمعت في الفلسفة في مرحلة تاريخية من تطور الفكر الإنساني، ثم انفصلت عنها تباعًا، وكان آخرها السيكولوجيا، فإن بعض التخصصات بدأت الآن تتجمّع في توجه جديد (أو
علم جديد) إطاره «البراديغم المعرفي». كان من أوائل المساهمين فيه السيكولوجيا، التي أدّت دورًا
فعّالً في تطوير الاتجاه المعرفي، لأنها تتمركز داخل العلاقات البينتخصصية للعلوم والتخصصات
المشكلة له. وإن كان انفصال العلوم عن الفلسفة خلق تمييزًا بين العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية، فإن التوجه المعرفي تجاوز هذه الحدود، وأضحى الحديث قائمًا عن «العلوم المعرفية» (أو «العلم المعرفي
science cognitive ») التي تشترك في إشكالية سيرورة معالجة المعلومات في الذهن/ الدماغ. يتفق كثير من المرجعيات المعرفية على حضور السيكولوجيا والذكاء الاصطناعي، ويختلف جزئيًا
حول حضور علوم الأعصاب واللسانيات، ويتعمّق الخلاف بخصوص حضور تخصصات أخرى، أو
(4) Claude Bonnet, Rodolphe Ghiglione & Jean–François Richard, Traité de Psychologie Cognitive 1: Perception, Action, Langage (Paris: Dunod, 1989), p. 5.
فروعها. وما دامت التخصصات التي تشكل التوجه المعرفي مرتبطة بالعلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية والعلوم الصورية والفلسفة والمنطق، فإن ذلك يعني أن هذه التخصصات (أو فروعها) تتجه نحو الوحدة، لكنه لا يفيد التسليم بانصهارها في علم معرفي واحد مكتمل الأركان: موضوعًا ومنهجًا
ومفاهيم ومجال تطبيق. لكن، عندما نتحدث عن علوم معرفية، نقصد التخصصات التي تتبنى البراديغم المعرفي، وتساهم في صياغة مفاهيم جديدة، ليصبح العلم المعرفي هدفًا تطمح إلى تحقيقه. وإن كنا نفضل استعمال مفهوم «علم معرفي» بالمفرد، وليس «علومًا معرفية» بالجمع، فلكونه يجمع بين تخصصات وفروع تخصصات
عديدة ومختلفة، وحتى لا تفيد علومًا وتخصصات داخل علوم أخرى، بل علومًا وتخصصات داخل
علم واحد يوحّدها. ورغم هذا التفضيل الاصطلاحي، قد يحيل الجمع على المفرد في سياقات تفرضها
الصياغة اللغوية. ومهما تعدّدت التخصصات المشَك لة للعلم المعرفي واختلفت، توحّدها مجموعة
من التوافقات. كيف ذلك؟ تتلاقى التخصصات المشار إليها حول مشروع موحّد يكمن في شرح قدرات الذهن الإنساني،
وينصب على دراسة الظواهر والمكوّنات الأساسية للأجهزة المعرفية، والتفاعلات القائمة بين هذه
الأجهزة، وسلوكات الأفراد (والحيوانات و«الآلات» أيضًا) في أشكالها الأكثر تجريدًا أو الأكثر رمزية. إن الشروط العلمية التي في إمكانها أن تؤطر هذه الاهتمامات، تجلت في البحث عن العلاقات القائمة بين الذهن والدماغ، ليكون الهدف معرفة طبيعة الذهن، ووظائفه، وأسسه العصبية. فكانت دراسة السيرورات الذهنية أو المعرفيات موضوع المشروع الموحّد، وتفيد العمليات المعرفية ذاتها: فسيولوجية
كانت أو سيكولوجية، وراثيّة، نوروبيولوجية، طبيعية، صوريّة، رمزيّة، نسقيّة، دلالية، دينامية. يمكن، أيضًا، أن ننقّب عن بعض عناصر الجواب مع تيبرغيان في كون ثورة الحواسيب دفعت في
اتجاه تفضيل دراسة التمثلات ارتباطًا بالذهن، أما ثورة التصوير الدماغي فإنها تبحث في التواصل (تواصل العصبونات) في الدماغ، وتعمل على تصوير المعرفة وأسسها العلائقية بين مناطق الدماغ. وعلى هذا الأساس، فإن العلاقة بين علم النفس وعلوم الأعصاب كامنة في ثنائية: الدماغ (موضوع علوم الأعصاب المنتمية إلى مجال علوم الحياة)، والفرد (موضوع السيكولوجيا المنتمية إلى علوم الإنسان). يتعلق الأمر، في هذه العلاقة، بفهم الفرد في أبعاده البيولوجية والسيكولوجية، ما دام الحديث لم يعد قائمًا عن الفرد من جهة، ودماغه من جهة أخرى، بل عن الفرد بدماغه؛ ما دامت كل السيرورات
السيكولوجية تنتج بالضرورة من نشاط دماغي. وعليه، فالفرد وحدة تُدرس في مختلف مستويات
(((راجع تفاصيل أوفى ضمن: بنعيسى زغبوش ومصطفى بوعناني وعبد النبي سفير، «نماذج البحث المعرفي ونمذجة العمليات
المعرفية»، مجلة معرفية، العدد 1 (1997)، ص.5 (((نستعمل «تخصصات» وليس «علومًا» حتى يشمل معناها، مثلً، فلسفة الذهن التي تعد جزءًا من هذه التركيبة.
(7) Daniel Andler (dir.), Introduction aux Sciences Cognitives (Paris: Gallimard, 1992), p. 166.
(((غي تيبرغيان [وآخرون]، قاموس العلوم المعرفية، ترجمة جمال شحيّد (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2013)، ص.28
التنظيم: المستوى العصبي الذي تدرسه مثلً علوم الأعصاب، والمستوى المعرفي الذي تدرسه مثلً السيكولوجيا المعرفية التجريبية. وتبرز أهمية هذا اللقاء في أن معظم تمويلات الجامعات الغربية للعلوم المعرفية توجه حاليًا إلى كل ما هو سيكولوجي–عصبي، بحسب تأكيد بيير دازن
Dasen Pierre. فما تأثيرات السيكولوجيا والعلوم العصبية في تخصصات أخرى؟
2. بين السابقة Psy والسابقة Neuro: تبلور اختزال أم تطور؟
إن المقصود «بالسابقة» (أو صدر الكلمة، ومقابلها الفرنسي Préfixe) هو إضافة حرف أو بضعة أحرف إلى بداية الكلمة لإفادة معنى جديد. ونستقي بعض مسوغات اختيار السيكولوجيا وعلوم الأعصاب نماذج في تحليلنا، من تطور البحث في موضوع محدد، ومن تبلور تخصصات فرعية انطلاقًا منهما، قد تكون مجالات تدخل علم النفس بسابقته Psy أو علوم الأعصاب بسابقتها Neuro أساسها. إن السابقة Psy هيمنت على نحو بعيد في مرحلة تاريخية معينة (وحتى الآن) إلى درجة أنها تسربت إلى جميع ميادين الحياة الإنسانية (والحيوانية والآلات أيضًا)، إذ خصص بييرون سبع صفحات من قاموسه للتعريف بالمصطلحات التي تبتدئ ب Psy وما يرتبط بها. ونلاحظ، انطلاقًا من بداية القرن الحالي، تبلور الظاهرة نفسها مع السابقة «نورو» التي أضحت تمتد إلى مجالات الحياة والتخصصات على نحو بعيد أيضًا. فقد أضحى التوجه النورولوجي مهيمنًا، بحسب دوفيلروي، وبدت موجة النورو في أوجها، بعدما شهدت سنوات التسعينيات من القرن الماضي ميلاد ما يسمى بالنورو–فلسفة، كما بدأ تبلور تخصصات فرعية جديدة مثل: نورو–تيولوجيا، نورو–أخلاق، نورو–اقتصاد، نورو–تدبير، نورو–تسويق، نورو–تربية، نورو–تعليمية (ديداكتيك). بل أكثر من ذلك، التقت النورولوجيا بالدراسات الثقافية في علم الأعصاب الثقافي، لدراسة التفاعلات بين الثقافة والذهن والدماغ. ونشأ علم الأعصاب المعرفي الاجتماعي، لدراسة تفاعل الذهن مع المسارات الدماغية التي تحكم سلوك الفرد في ثقافة معينة. يرجع الحضور القوي للبعد العصبي ضمن المقاربة المعرفية، إضافة إلى تطور تقنيات البحث، إلى كون دماغ الإنسان الراشد يمثل نحو 2 في المئة من وزن جسمه، إلا أنه يستهلك نحو 20 في المئة من طاقته، يخصَّص ما بين 60 و 80 في المئة من هذه الطاقة للتواصل بين العصبونات، ويستعمل الباقي
للتفاعل مع العالم الخارجي. كما يقوم الدماغ بتدبير نحو 98 في المئة من الوظائف على نحو مباشر
أو غير مباشر، ما دام الدماغ مسؤول عن الوظائف الإنسانية الأكثر تعقيدًا مثل: التفكير وحل المشاكل
(((راجع: بنعيسى زغبوش، «من الاستجابات إلى وميض الدماغ: مدخل للتفكير في وضعية السيكولوجيا»، مجلة مقاربات – مجلة
العلوم الإنسانية، العدد 14 (2014)، ص.8
(10) Henri Piéron, Vocabulaire de la Psychologie , 3 rd ed. (Paris: PUF, 2000), pp. 359–366. (11) Elise De Villeroy, «Le Nouvel âge des Sciences Cognitives: la Rançon du Succès,» Sciences Humaines (Hors–série spécial) no. 7 (September–October 2008), p. 76. (12) Shinobu Kitayama & Jiyoung Park, «Cultural Neuroscience of the Self: Understanding the Social Grounding of the Brain,» SCAN , vol. 5, no. 2–3 (June–September 2010). (13) Marcus Raichle, «Que Fait le Cerveau Inactif?» La Recherche , no. 410 (July–August 2007), p. 73.
والانفعالات والوعي والسلوكات الاجتماعية. إن هذا النشاط الدماغي المعقّد والكثيف، نتج من تطور ثلاثة مكونات أساسية لدى الإنسان، يجملها برونر في المخيخ الذي يؤمن مرونة الحركات، والقشرة الدماغية مستقرّ الذكاء المجرد، والحُصين Hippocampe مصدر الوجدان. وبذلك، نسجل أن
كل الوظائف المعرفية متمركزة في الدماغ، وهو أمر يُعلّل مقدار الطاقة المستهلكة لاشتغاله. ولذلك،
أضحى الدماغ يعتلي كل مراتب تفسير السيرورات المعرفية والوجدان والسلوك. فهل موجة النورو، بحسب تساؤل دوفيلروي، علامة انتصار اتجاه اختزالي عصبي؟ إن مردّ هذا
التساؤل ما يسود أوساط الباحثين من تسليم بصدق نتائج الأبحاث النورولوجية وقطْعِيّتها، على خلفية
المعاينة المباشرة للدماغ وهو يشتغل. فهل هو تحول علمي في المنطلقات والتصورات، وطبيعة النتائج والتفسيرات؟ أو في القناعات والمعتقدات؟ أو في طبيعة الحجج العلمية نفسها؟ إذا كان دازن قد عبّر عن هذه النزعة الاختزالية في كون أغلب الباحثين يظنون أنهم يستطيعون تفسير
الظاهرة بمجرد تحديد شدّة الوميض في هذه المنطقة أو تلك من الدماغ، فإن جانيرو يخالفه الرأي، ويعتبر أنه من خلال رؤية الدماغ يشتغل في الزمن الفعلي أو رصد وميضه، «نفهم على نحو أفضل كيف يدرك الإنسان، وكيف يفكر، وكيف يشعر». لكن عمق تفكير سيرل يعتبر أن الذهن «شيء» طبيعي وتطوره «سيرورة» طبيعية، إلا أنهما غير قابلين للاختزال في أساسهما العصبي. وعليه، فالعالم شاسع ومتنوع، كما يقول برونر، «وما من نظرية اختزالية للذهن لها القدرة على أن تَفيه حقّه كلّية». وهنا تكمن أهمية البراديغم المعرفي.
3. تبلور العلم المعرفي: التجديد ضمن التجريب
يكمن المسار المنهجي، بحسب أندلر، في وصف الاستعدادات والقدرات الأساسية للذهن الإنساني وشرحها وتقييسها Simulation، وكذا البحث عن شروط النمذجة الممكنة للعلاقات بين الذهن والدماغ، وهو أيضًا أنماط تحليل الوظائف المتضمنة فيها أو المنبثقة منها؛ وقد تم تدعيم هذا التوجه، حاليًا، بالبحث عن أسسها العصبية في الدماغ. وبذلك، استعملت العلوم المعرفية المنهج
التجريبي بمعناه الواسع، إذ وظفت مناهج كلاسيكية كالملاحظة، واستعملت أيضًا التقنيات الحديثة (الواقع الافتراضي مثلً)، والتقييسات الرياضية والمعلوماتية والتصوير الدماغي الوظيفي.
(14) Daniel C. Dennett, Théorie Evolutionniste de la Liberté , Christian Cler (trad.) (Paris: Odile Jacob, 2004). (15) Jérôme Bruner, «Y a–t–il une fin aux Révolutions Cognitives?» Revue Française de Pédagogie , no. 111 (1995). (16) De Villeroy, p. 76.
(((1 راجع: زغبوش، «من الاستجابات»، ص.8
(18) Marc Jeannerod, «Psychologie et Neurosciences: Une Autre Conception de la Nature Humaine,» Sciences Humaines (Hors–série spécial), no. 7 (September–October 2008), p. 78. (19) John Searle, Mind: A Brief Introduction (New York; Oxford: Oxford University Press, 2004). (20) Jérôme Bruner, «Another Look at New Look 1,» American Psychologist , vol. 47, no. 6 (June 1992), p. 47. (21) Daniel Andler, «Cognitives (Sciences),» in: Encyclopaedia Universalis , vol. 6 (Paris: Nouv. Ed, 1989).
وفي هذا السياق، يقترح لوني أن يختص كل علم معرفي بمنهج معين يؤكد صدقيته العلمية، مثل: البحث عن التماسك الصوري بالنسبة إلى المنطق، وبناء جهاز مادي قابل للاشتغال بالنسبة إلى الذكاء الاصطناعي، والملاحظة النسقية بالنسبة إلى اللسانيات، والتجريب بالنسبة إلى السيكولوجيا المعرفية والعلوم العصبية المعرفية. وبذلك، نسجل أن التجريب يوحّد العلمين الأخيرين، ونسجل أيضًا أن غنى هذه المسارات المنهجية، قد ينتج منه بعض التداخلات المنهجية بين هذه العلوم، أو قد تشترك في بعض الخطوات مع عديد من التخصصات داخل العلم المعرفي، في ضوء وحدة الموضوع ووحدة البراديغم. إنّ بناء معرفة حول الوظائف المعرفية غير القابلة للملاحظة المباشرة، هو نتيجة لاستدلال يقوم به الباحث، ارتباطًا بكون معرفة تفكير الآخرين، بحسب شولز وآخرين، هي دومًا معرفة غير مباشرة، تتوسطها أقوالهم أو أفعالهم أو هما معًا. لكننا ندقّق هذا التحديد الآن لنقول: من خلال تصوير نشاطهم الدماغي أيضًا، فيكون الكشف عن معرفية الفرد من خلال القول، و/ أو الفعل، و/ أو معاينة النشاط الدماغي. وبذلك، اتسمت المقاربة المعرفية بتطور منهجي تجلى في تطوير مناهج دقيقة للملاحظة، مثل تحليل البروتوكولات الفردية التي توظف بالخصوص في نماذج الذكاء الاصطناعي، والتأكد من صلاحية الفرضيات حول الميكانزمات باستعمال مناهج إحصائية ومناهج التقييس، وتصوير النشاط الدماغي الذي مكّن من رؤية الدماغ وهو يقوم بوظائفه في الزمن الفعلي. وعليه، تستدعي التحديدات المنهجية اعتبارات إبستيمية خاصة، يمكن إجمالها في إمكانية اكتشاف الظواهر المعرفية، ووصفها، وتحليلها؛ كما يمكن تقييسها الواحدة تلو الأخرى، ويمكن الآن تصوير أسسها العصبية. يمكن القول، مما سبق، إن موضوع هذا التوجه المعرفي ومسارات دراسته المنهجية، لم تكن سابقة عليه في الوجود، بل تم بناؤها باستمرار، بمعية تطور البحث العلمي وتطور تقنياته، وكذا تطور النظريات المؤسسة له ونماذجه المفسّرة. وبناء على ما سلف، يمكن الجزم بأنه ما من منهج أو تقنية منهجية
يمكن أن توصلنا إلى الكشف عن بعض الحقائق غير القابلة للملاحظة المباشرة، ليبقى تكامل المناهج معبرًا أساسًا لفهم معرفيات الإنسان وسيروراته الذهنية.
(22) Jean–François Le Ny, Science Cognitive et Compréhension du Langage (Paris: PUF, 1989), p. 9. (23) Jan Schoultz, Roger Säljö & Jan Wyndhamn, «Heavenly Talk: Discourse, Artifacts, and Children’s Understanding of Elementary Astronomy,» Human Development , vol. 44, no. 1 (May 2001), p. 73. (24) Bonnet, Ghiglione & Richard, p. 5.
(((2 راجع كيفية الانتقال من التجريب على الدماغ إلى تصوير نشاطه، ضمن: حسيبة الطايفي البرنوصي وبنعيسى زغبوش ومصطفى بوعناني «الذاكرة: بين إسهامات التطور التقني ومتغيرات معالجة اللغة»، في: بنعيسى زغبوش وإسماعيل علوي (تنسيق
وتقديم)، اللغة والذاكرة والكفاءات، سلسلة كتب 6 (فاس: منشورات مختبر العلوم المعرفية،.)2015
(26) Andler, «Cognitives.» (27) Howard Gardner, The Mind’s New Science: A History of the Cognitive Revolution (New York: Basic Books, 1985).
4. من تقاسم المنهج إلى تقاسم مسارات البحث
يسلم البراديغم المعرفي في السيكولوجيا المعرفية التجريبيّة بأن سبب السلوك سيرورات معرفية، يمكن
استنتاج وجودها من التغيرات التي تطرأ على هذا السلوك، الذي يكون قابل للملاحظة والقياس وفق شروط وبروتوكولات تجريبية مختلفة، قد يكون «زمن الاستجابة» أحد مؤشّراتها. أما في علوم الأعصاب، فيكون النشاط العصبي سببًا في حدوث السيرورات المعرفية والسلوك، تتم ملاحظته
وقياس شدّته أو مدّته في ضوء شروط تجريبية مختلفة أيضًا. وعليه، فإن كل سلوك ينتج من سيرورات بعينها، ويتم الكشف عنه من خلال بروتوكول تجريبي ملائم، قد يقترن بتصوير النشاط الدماغي. ثمّ إن
المقارنة بين العلمين تفيد أنه: • في السيكولوجيا: السيرورات المعرفية (سبب) تؤدي إلى السلوك (نتيجة.) • في علوم الأعصاب: النشاط الدماغي (سبب) يؤدي إلى السيرورات المعرفية (وسيط) التي تؤدي إلى السلوك (نتيجة.) وبذلك، تصبح السيرورات المعرفية التي كانت سببًا في السلوك في السيكولوجيا، بدورها نتيجة لنشاط
الدماغ في علوم الأعصاب، أو وسيط ا بين النشاط الدماغي والسلوك. ثمّ ننتقل إلى مستوى أعمق من
مراتب التحليل، يعتلي نشاط الدماغ فيها سلسلة الأسباب التي تُفسّر السلوك، فيصبح سبب الأسباب،
ويتعاظم معه خطر اختزال السلوك في وميض الدماغ. من جهة أخرى، إن كان العلم يقوم على القياس، فإننا نلاحظ أن المؤشر المعتمد للقياس هو «زمن» المعالجة، أو «شدّة» الاستجابة (فسيولوجية وحركية) بالنسبة إلى السيكولوجيا، والنشاط الدماغي (أو شدة الوميض) في علوم الأعصاب. إن ما يوحّد هذين العلمين منهجيًا هو التجريب، وأيضًا البراديغم المعرفي الذي أصبح يوجّه الانشغالات البحثية نحو
الدراسة المعرفية في إطار العلاقة بين الذهن والدماغ والسلوك، باعتباره موقفًا إبستيميًا، وإطارًا مفاهيميًا
متميزًا. فما معنى البراديغم، بما هو مفهوم مفصلي في تحليل موضوعنا ومناقشته؟
ثانيًا: تبلور المفاهيم: الثّابت والمتغيّر
يشير المفهوم عامة إلى نتاج الذهن الذي لا يكون له انعكاس مباشر في الواقع، بل يتمظهر من خلال عناصره المفردة، ويكون الهدف منه الإحاطة بالعناصر المشتّتة في الواقع وتنظيمها ذهنيًا.
وبذلك، فالمفاهيم تساعد الذهن على تنظيم الواقع من خلال تنظيم نفسه. سنتول ى، إذًا، في هذه النقطة، الإحاطة ببعض الجهاز المفاهيمي الذي ساهم في تطور المقاربة المعرفية، من خلال استحضار نماذج من مفاهيم مؤطرة لها، وأخرى نظرية، وثالثة تتعلق بالتمثلات، ورابعة ذات طبيعة منهجية.
(28) Le Ny, p. 9.
1. البراديغم: التدقيق والتعميم
بالنظر إلى أهمية مفهوم «براديغم»، فإنه يستحق بعض التوضيح، بما هو خلفية مؤطرة لموضوع اشتغالنا، ولتأثيره المطلق في مرجعيات البحث ومنهجياته وأساليب التحليل وإمكانات التفسير وغيرها؛ علاوة على أن فهم الموضوع يستلزم الإحاطة بمضمون مفهوم «براديغم». يكتسي هذا المفهوم وضعًا
خاصًا في هذا التحليل، لكونه خلفية مؤطرة لجملة من التخصصات، ثم لتعدّد ما أفرد له من تحديدات.
فباستعمال تقنيات معلوماتية، توصلت ماسترمان إلى أن كُون استعمل «براديغم» بإحدى وعشرين طريقة مختلفة، إنه مفهوم موغل في التجريد. إن كان ميلاد البراديغم يتم «من خلال اكتشاف علمي عالمي معترف به»، فإنه يتكوّن من مجموع المعايير التي توجه النشاط العلمي، ويعمل على تشكيل
الحياة العلمية في مرحلة معينة من تاريخ تطور البحث العلمي. وعليه، فإن الإحاطة به تستدعي ضبطه من خلال رصد مكوناته الصغرى: الماهية والوظيفة والمكونات والخصائص، والتي يمكن إجمالها في ثلاثة مستويات: • المستوى التأطيري: يحدد مبادئ البحث ومفاهيمه ومعايير إنجازه ومساراته. • المستوى الإجرائي: يوجه الباحثين إلى الوحدات التي يمكن دراستها، ويحدد ما الذي يجب أن يلاحظه الباحث وكيفية ملاحظته وكيفية صياغة الأسئلة وبلورة الفرضيات الملائمة وكيفية تفسير النتائج، وما الحلول التي يمكن اقتراحها أو اعتمادها. • المستوى السياقي: يسيطر في مرحلة معينة، ويكون خاضعًا للقيم الاجتماعية والعلمية السائدة،
وللتوافقات بين أعضاء المجموعة العلمية. يتكون البراديغم، عمومًا، من مجموعة متجانسة من الوقائع والتفسيرات النظرية، معززة بعوامل
خارج – علمية، قد تتعلق بسوسيولوجيا العلوم، مثل تنصيب العلماء المنضوين تحت هذا البراديغم في مناصب أساسية، والتمويل المفضل للأبحاث التي تدخل في هذا الإطار، وغير ذلك. لا تتحول البراديغمات بالنسبة إلى كُون عفويًا إلى براديغمات معدلة أو مختلفة، بل تطيحها الأعمال
العلمية التي كانت هامشية، والتي غالبًا ما كانت ترفضها الجماعة العلمية. إن أفضل مثال على ذلك،
عندما أطاح البراديغمُ المعرفي البراديغمَ السلوكي، إذ كانت السلوكية ترفض دراسة ما يجري بين المثير
والاستجابة، وسمّته «علبة سوداء»، هذه العلبة السوداء نفسها أضحت موضوع دراسة البراديغم المعرفي
الذي أزاح البراديغم السلوكي من حقل البحث العلمي، على الأقل نظريًا.
(29) Margaret Masterman, «The Nature of a Paradigm,» in: I. Lakatos & A. Musgrave (eds.), Criticism and the Growth of Knowledge (Cambridge: Cambridge University Press, 1970). (30) Thomas Samuel Kuhn, La structure des Révolutions Scientifiques , Laure Meyer (trad.) (Paris: Flammarion, 1973). (31) Ibid., p. 11. (32) Roland Dorand & Françoise Parot, Dictionnaire de Psychologie (Paris: PUF, 1991), p. 26. (33) Ibid.
وعليه، يصبح البراديغم إطارات: نظرية ومنهجية وإجرائية، للقيام بالبحث وتفسير نتائجه. إنه أيضًا نموذج مفاهيمي مسيطر يستعمل غالبًا، في بعده الإبستيمولوجي، لوصف صيغة من صيغ التفسير
المسيطر في تخصص أو حقل علمي في مرحلة من مراحل تطوره، وقد يكون، حتى، أيديولوجيا مهيمنة، مثل البراديغم التحليلي والبراديغم المعرفي. ولصعوبة تحديد مفهوم البراديغم، ارتأينا الاقتصار على ما تم صوغه في إطار السيكولوجيا المعرفية، التي عادة ما استعمل فيها مصطلح البراديغم لتعيين سيرورة معرفية، أو عدة تجريبية نموذجية. فإن كانت السيرورة المعرفية موضوع الدراسات، فإن العدة التجريبية تعد أساس كل دراسة علمية، وتصبح في المقاربة المعرفية، الإنسانية منها خصوصًا، نافذة نطل من خلالها على معرفيات الفرد وكفاءاته ووظائفه المعرفية، وعندها يمكن أن نماثلها مع طريقة اشتغال الحاسوب في المقاربة الحاسوبية التي تعتمد التأكيد التجريبي والتقييس والنمذجة؛ أو نماثلها مع طريقة اشتغال الدماغ ضمن المقاربة الاقترانية التي تعتمد العلوم العصبية خلفية لها. كيف ساهم البراديغم المعرفي في تغيير حمولات بعض مفاهيم البحث الأساسية (الطفل، التواصل، الكفاءة) أو تغيير بعض مرتكزاتها؟
2. تجديد النظرة إلى الطفل
على المستوى النظري، أبرزت الدراسات منذ ستينيات القرن الماضي، غنى الكفاءات التي يتّسم بها الرضيع والطفل الصغير في مجال الوجدان والحركية والمعرفية. وهو ما سمح لباور سنة 1974، ببلورة نظرية فطرية متجانسة، تفيد أن الطفل يمتلك منذ الميلاد الكفاءات الضرورية لنموه. إنها كفاءات لا يمكن إلا أن تكون فطرية، ومبرمجة وراثيًا من الناحية البيولوجية، ولا دخل للوسط
والتعلّم فيها. وبذلك، استلزمت هذه المسألة التنقيب عن أصل تكوّن المعرفية لديه، مع افتراض
وجود كفاءات مبكرة، يتطلب التعبير عنها العدول عن منطق المعرفة الصريحة المعبّر عنها مباشرة
باللغة، إلى منطق إدراكي آخر يعتمد مؤشرات أخرى، مثل الاستجابات الفسيولوجية أو الحركات أو النشاط الدماغي. وسنناقش هذه النقطة باعتماد أحد تساؤلي دو كروز ودو سميت، وهو التالي: بأي طريقة تدعم الأدلة التجريبية وأدلة علم النفس العصبي فرضية الاتجاه الفطري لدى الرضيع؟
(34) Daniel Nollet & Jacques Thomas, Dictionnaire de Psychothérapie Cognitive et Comportementale (Paris: Ellipses, 2001), p. 156. (35) Ibid. (36) Thomas G. R. Bower, Development in Infancy (San Francisco: W.H. Freeman, 1974). (37) Helen De Cruz & Johan De Smedt, «The Innateness Hypothesis and Mathematical Concepts,» Topoi , vol. 29, no. 1 (March 2010).
للجواب عن هذا السؤال، نُقرّ بداية بأن تصورات الذكاء الفطري تنطلق من مسلمة مفادها أن الطفل
يولد «جاهزًا»، وذلك لتوفره على عدة بيولوجية أولية تتمثل في «مبادئ عامة» أو «قواعد بسيطة» للتفاعل مع الوسط. فالرضيع يرى ويسمع ويشم ويتذوق ويحس، أي إن قنواته الحسية للتفاعل مع العالم الخارجي تكون وظيفيَّةً منذ ميلاده، بل ربما قبله. إن عُدّة الرضيع العصبية شبه المكتملة موجودة
داخل جمجمته، وحجّة ذلك ما يلاحظ من عدم تناسب حجم رأسه مقارنة بحجم جسده عند الميلاد.
كما أن شكل الدماغ وبنياته الأساسية، تكون شبه مكتملة عند الميلاد، إذ ينمو الدماغ نموًا هائل بين
4 أسابيع و 40 أسبوعًا، ليتخذ شكلً شبه نهائي. من هذا المنطلق، أصبحت كفاءات الرضيع المبكرة إشكالية محورية في العلوم المعرفية عامة، وفي السيكولوجيا المعرفية وعلم النفس العصبي، بوجه مخصوص، وتوصلت بخصوصها إلى نتائج نوعية، نجملها في ثلاث ملاحظات: • إن اكتشافات السيكولوجيين النمائيين، طوال عقدي ثمانينيات القرن الماضي وتسعينيّاته، «سمحت
بفهم أن المولود الجديد والطفل الصغير يمتلكان، في الواقع، كفاءات معرفية، لا تتمظهر بالضرورة في سلوكاتهما الظاهرة». • تبلورت منذ ثمانينيات القرن الماضي دراسات تجريبية نوعية، في علم النفس المعرفي وعلم النفس العصبي المعرفي، تخص الرضيع وكفاءاته. كما أن تطور تقنيات التصوير الدماغي وتقنيات حديثة أخرى، مثل آلة تعَقّب حركة العين Eye–Tracking، ساهم في تطوير هذه المقاربات. • لم تعد الأبحاث تقيس النمو بالسنوات (مثل تصنيف مراحل نمو الذكاء لدى بياجي Piaget وغيره من سيكولوجيي النصف الأول من القرن العشرين، الذين ركزوا على دراسة مراحل نمو الطفل: اجتماعيًا
ووجدانيًا)، بل بالأشهر أو بالأسابيع أو بالأيام أحيانًا. وبذلك، تطمح أغلب الدراسات الراهنة حول المولود الجديد إلى وصف الخاصيات البنيوية (الأولية) لجهازه المعرفي وللقواعد التي يوظفها، ما دامت البنية ليست هي ما يمكن الفرد أن يقوله حولها فقط،
(38) Jacqueline Bideaud, «Psychologie du Développement: Les Avatars du Constructivisme,» Psychologie Français, vol. 44, no. 3 (September 1999).
(((3 راجع مثلً:
Elizabeth S. Spelke, «Initial Knowledge: Six Suggestions,» Cognition , vol. 50, no 1–3 (April–June 1994).
(((4 انظر مثلً:
Renée Baillargeon, «La Connaissance du Monde Physique par le bébé. Héritage de Piaget,» in: O. Houdé & C. Meljac, L’esprit Piagétien (Paris: PUF, 2000). (41) Richard Cloutier, Pierre Gosselin & Pierre Tap, Psychologie de L’enfant , 2 nd ed. (Montréal: Gaëtan Morin Éditeur, 2005), p. 109. (42) Hugo Lagercrantz, «La Fabrication du Cerveau,» Sciences Humaines , no. 219 (October 2010), p. 56.
((4(يمكن الاط عاا على تركيب نظري لهذه الدراسات، ضمن: بنعيسى زغبوش، «الكفاءات المبكرة بين الفطرة والاكتساب:
المرجعيات النظرية والخصوصيات المنهجية والتقنية »، في: زغبوش وعلوي.
(44) Michael Tomasello, Aux Origines de la Cognition Humaine (Paris: Retz, 2004 [1999]), p. 13.
بل ما يستطيع القيام به بواسطتها أيضًا. ويفترض أن يشرح هذا الوصف حالات التوازن اللاحقة، أي كفاءات الفرد الراشد التي تتمظهر بداية عند الولادة. ولكن، كيف يتم التواصل بين الباحث والرضيع؟
3. تجديد التواصل ضمن التجربة: بين الغائب والشاهد
يشير «التواصل»، عامة، إلى ما يحدث في كل مرة توجد فيها مجموعة من الكائنات مع بعضها البعض. أما التواصل اللغوي، بحسب ميرلان Merlin، فهو إحدى أهم مراحل «استخراج الذاكرة». ونقصد به، في هذا السياق، العلاقة البحثية القائمة بين الباحث والمبحوث في الدراسات المعرفية الميدانية التي تنصبّ على الرضيع: سيكولوجية كانت أم ضمن العلوم العصبية، والتي وضَعت استعمال
اللغة – الأداة التواصلية بامتياز في الدراسات الكلاسيكية – موضع تساؤل. وبالاستعانة بالتقنيات الحديثة وبإبداعية الباحث، استطاعت السيكولوجيا وبعدها علوم الأعصاب، بلورة أنماط جديدة من التواصل مع المبحوث، إما من خلال تصوير شدّة نشاطه الدماغي عندما تتوافر التقنيات الضرورية لذلك، أو من خلال ملاحظة حركاته وتمظهراته الفسيولوجية، وقياس امتدادها الزمني أو شدّتها؛
فتوظيف حركات العينين، مثلً، غير مقصود لذاته، إذ الغاية منه الكشف عن كفاءة كامنة في الذهن / الدماغ، فيُستخلص الغائب (الكفاءة) من الشاهد (حركة العين)، على حدّ قياس الغائب على الشاهد. ويجد الطرح الأخير بعض مُسوّغاته في اقتران الخطابات الشفوية بتعابير الوجه، وأوضاع الجسم،
والحركات العفوية، بمعنى أن الحركات تحمل دلالات معينة، والإنسان قادر على خلق إشارات اتفاقية، سواء باليد أو بهيئة الجسد، لتعيين شيء غير موجود في الواقع اللحظي. وبذلك، لن تكون ابتسامة الرضيع مجرد حركات لبعض عضلات الوجه تمدّدًا أو تقلّصًا، بل ستدل على تبليغ انفعالات
معينة، فتكون للابتسامة وظيفة وجدانية بنفس قدر وظيفتها التواصلية. وبذلك، تكون اللغة قد تطورت من اليد إلى الفم. نفهم، مما سبق، أن مبادئ التواصل، إضافة إلى الحركة، موجودة لدى الطفل قبل. وقد وظّفت الدراسات الحديثة هذه الفكرة للكشف عن الكفاءات المبكرة لدى الرضّع، حيث سيضفي الباحث دلالة علمية على
حركتهم أو استجاباتهم الفسيولوجية، ارتباطًا بالبروتوكول التجريبي المستعمل، وسيكون لها معنى علميّ
عند خضوعها لقياس دقيق، أو لبروزها في صورة بصرية تعكس شدّة نشاط الدماغ. ما معنى هذه الكفاءات التي يطمح الباحثون إلى دراستها لدى الرضيع؟
(45) Annick Weil–Barais (dir.), L’Homme Cognitif (Paris: PUF, 1993), pp. 81–82. (46) Boris Cyrulnik, «Très Loin du Passé Simple,» Les dossiers de la recherche , no. 22 (February–April 2006), p. 6.
((4(نقل:ً عن
Bruner, «Y a–t–il,». (48) Rafael E. Núñez & Eve Sweetser, «Spatial Embodiment of Temporal Metaphors in Aymara: Blending Source– domain Gesture with Speech,» paper presented at Proceedings of the 7 th International Cognitive Linguistics Conference, Santa Barbara, CA, 2001. (49) Michael C. Corballis, From Hand to Mouth: The Origins of Language (Princeton: Princeton University Press,
4. الكفاءات: من هدف إلى منطلق
إذا كانت بؤرة الموضوع الكفاءات المبكّرة، وإن كان مصطلح «مبكّر» لا يعكس التباسًا على مستوى التحديد والدلالة، فإن مفهوم «كفاءة»، في المقابل، يستلزم بعض التوضيح. وبغضّ النّظر عن نشوء المفهوم في عالم «الشّغل» حيث يفيد مستوى متقدم من ضبط المهنة، يصله الفرد بعد سنوات من مُراكمة التجارب، أصبحنا نتحدث عن الكفاءة منطلقًا (مبكرة) لاكتسابات وتعلمات لاحقة. وبذلك، أصبح الهدف هو المنطلق. فهل وصل الرضيع إلى هذه العتبة من خلال البرمجة الوراثية وتطور الكائن الإنساني نفسه؟ إنه سؤال يستحق المتابعة، لكنه يخرج عن مجال موضوعنا. ولتوضيح مفهوم الكفاءة في السيكولوجيا، نستهلّه بتصور يؤطرها من خلال المفاهيم الفرعية: «الإنجاز» و«العدة البيولوجية» و«السياق» (بيئة)، وتفيد العلاقات بينها أن الانتقال من «الإنجاز» القابل للملاحظة، إلى «العدة البيولوجية»، يتم عبر «السلوك»؛ ونردفه بتصور يحددها من خلال مفاهيم مشابهة للمفاهيم السابقة: «الفعل» و«الاستعداد» و«البيئة»، وتفيد أن الانتقال من «الفعل» إلى «الاستعداد» يتم عبر ما هو «حسي–حركي». وكلا التحديدين يشمل السياق أو البيئة التي تتشكل فيها الكفاءات. إن ما يهمّنا في هذين التصورين، هو أن الشاهد المعلوم يتمثل في السلوك أو الفعل، ويحيل
على الغائب المجهول الذي يتمثل في كفاءة معينة. وهو مرتكز دراسة الكفاءات في النماذج التي سنقدمها. لكن الغائب المجهول، الآن، أضحى يتخذ صبغة منهجية، ويكمن في كيفية الانتقال من السلوك إلى الكفاءة تجريبيًا وإجرائيًا؟ فهل يمكن بلورة طريقة لقياس الغائب المجهول على الشاهد المعلوم؟ وهل
حركات عينَي الرضيع أو رجليه، أو دقات قلبه، أو تنفسه، وهو الشاهد الذي نلاحظه، تحيل على كفاءة معينة لديه، وتكشف مستوى نموها، وهو الغائب الذي نطمح إلى معرفته، والاستدلال عليه من خلال إجراءات تجريبية خاصة؟ إن الجواب عن هذين السؤالين، يستدعي رصد التحولات المنهجية التي ساهمت في تطوير تقنيات البحث، لدراسة هذا الموضوع.
5. التقنيات المنهجية وأساليب التجريب: بين الممكن والمؤجل
منذ سبعينيات القرن الماضي، انكب الباحثون في العلوم المعرفية على دراسة الطفل على نحو أدق، بالاعتماد على قياسات غير مباشرة، وبناء مهمات تجريبية صغرى، تسمح بالكشف عن معرفيات
(50) Andrée Pomerleau & Gérard Malcuit, L’enfant et Son Environnement: Une Etude Fonctionnelle de la Première Enfance (Quebec: PUQ; Bruxelles: Editions Mardaga, 1983). (51) Thomas Berry Brazelton, «De la NBAS aux Touch Points,» in: M. Dugnat (dir.), Le Monde Relationnel du Bébé (Ramonville–Saint–Agne: Érès, 1997).
الأطفال وكفاءاتهم. لكن الباحثين واجهوا صعوبات تجعل دراسة الطفل أعقد من دراسة الراشد، ونجملها في تغيّر معارف الطفل بسرعة، وتسارع تطور بنياته العصبية وتعقدها، وصعوبة إنتاج وضعية
تجريبية ملائمة للطفل. فكيف استطاع الباحثون تجاوز هذه الصعوبات تجريبيًا؟ إن بعض عناصر الجواب، تكمن في استثمار بعض المعطيات النظرية الخاصة بالتعلم، التي تفيد أن التعلم السريع وغير المكلف معرفيًا، قد ينتج من التعود/ التفاعل مع الجديد، واستثمار الإمكانات
التقنية والتكنولوجية التي عرفت تطورًا كبيرًا في تخصصات مجاورة للسيكولوجيا، وساهمت مجتمعة
في تطوير براديغمات تجريبية جديدة، مثل البراديغم التجريبي: «التعود–اللاتعود». ولكون الرضيع لم يكتسب اللغة المنطوقة لتحقيق التواصل مع المحيط، توظف النوروسيكولوجيا تصوير النشاط الدماغي؛ في حين تطور السيكولوجيا التجريبية بروتوكولات تجريبية لتحديد خصائص مراحل المعالجة التي تحدث بعد المثير، من خلال قياس زمن الاستجابة أو كثافتها غالبًا. وبذلك، أضحى
التواصل بين الباحث والمبحوث يمر عبر مؤشرات أخرى تعكس نشاط الرضيع المعرفي أثناء تفاعله مع المثيرات. فإذا نظر الرضيع، مثلً، إلى وضعية غير منتظرة مدة أطول من وضعية منتظرة، يمكن،
بحسب بَيْلَرجون، افتراض أن له انتظارًا معينًا بخصوص مسار المشهد، وأنه مندهش من خرق هذا
الانتظار. تصبح، إذ ا، استجابات معينة: فسيولوجية وحركية، مؤشرات على كفاءات الرضيع. ثمّ يمكن التأكيد أن
«المنهجية تشترط تطور الأبحاث بقوة» في مجال كفاءات الرضيع. كما أن إمكانية التساؤل عن القفزات المنهجية المحتملة مستقبلً، تقود مباشرة إلى التفكير في التصوير الدماغي الوظيفي، بالرغم من وجود «أسباب أخلاقية ستحد بقوة من استعماله في المستقبل القريب». يجد هذا الطرح دعمًا
من وجهة نظر علمية، وليس لأسباب أخلاقية، عند اعتبار أن «التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي IRMF لا يفيد كثيرًا في دراسة الطفل بسبب تطور بنياته الدماغية». لكن تصورًا ثالثًا يعتبر أن التصوير
بالرنين المغناطيسي الوظيفي يبقى من الأدوات المستقبلية لاختبار النظريات الجديدة في النمو المعرفي، انطلاقًا من وضعيات تجريبية مفتاحية كمهمة القريصات لبياجي. وبذلك، تكمن أهمية هذا التصور الأخير في إمكانية توظيف التجريب والتصوير معًا.
(52) Ghislaine Dehaene–Lambertz, «Les Sciences Cognitives: Mieux Comprendre Le Cerveau en Développement,» Médecine & enfance (February 2003), p. 115. (53) Olivier Pascalis & Scania de Schonen, «Recognition Memory in 3–4–day–old Human Infants,» Neuroreport , vol. 5, no. 14 (October 1994). (54) Dehaene–Lambertz, p. 117. (55) Renée Baillargeon, «La Physique Démarre au Berceau,» Les Dossiers de la Recherche , no. 34 (2009). (56) Roger Lécuyer, «Introduction: Inné fable?» Intellectica , vol. 1, no. 34 (2002), p. 26. (57) Ibid. (58) Dehaene–Lambertz, p. 117. (59) Olivier Houdé, «Les Bébés Sont des Petits Savants,» Les Dossiers de la Recherche , no. 34 (2009), p. 20 (Propos recueillis par Marie–Laure Théodule).
نقر، إذ ا، بأن التحولات النظرية والمنهجية، وتطوير تقنيات تواصلية وتجريبية جديدة، مؤطرة بالبراديغم المعرفي، مك نت علومًا مختلفة من دراسة «الرضيع المعرفي» والكشف عن الكفاءات التي تؤهله
للتوافق مع وسطه بفاعلية، وعكست بشكل جلي إبداعية الباحث. إنها المسألة التي سنوضحها من خلال استحضار بعض النماذج المعبرة.
ثالثًا: نماذج توضيحية: بين التكامل والتغاير
بفضل تطور تقنيات قياس زمن الاستجابات التي تعتمد الحواسيب، وتقنيات رصد الحركات، إضافة إلى تقنيات تصوير النشاط الدماغي، استطاع الباحثون قياس استجابات الرضيع وردّات أفعاله بدقّة،
كما أبدعوا في تجاوز الصعوبات والتعقيدات التي تستدعيها ضرورة تطوير وضعيات تجريبية منسجمة، وقادرة على إثارة الاستجابات المنتظرة لدى الرضيع. ولتعدد الدراسات حول الكفاءات المبكرة وغناها، سنقتصر على براديغم «التفضيل البصري» وبراديغم «التعود–اللاتعود»، موضحين أهمية كل منهما منهجيًا، من خلال أمثلة من دراسات أفضت إلى نتائج
نوعية عند توظيفها، وكشفت عن معطيات لم يكن ليتخيّلها العقل الإنساني قبل نصف قرن من الآن.
فكيف تم توظيف البراديغمات التجريبية للكشف عن معرفيات الرضيع وكفاءاته؟
1. براديغم التفضيل البصري
يعتمد براديغم التفضيل البصري قدرة الإدراك البصري لدى الرضيع، حيث يعدّ طول مدة النظر إلى المثير مؤشرًا على الاهتمام به أو عدمه، وعلى أساسه، يمنح الباحث دلالة خاصة لقراءة النتائج
وتفسيرها واستنتاج معرفة جديدة منها. وسنعتمد دراسة كفاءة تعرف الوجوه ودراسة كفاءة الحساب، لتوضيح أنه رغم اختلاف التقنيات المنهجية، تصل الأبحاث إلى النتائج نفسها عند دراسة موضوع معين في إطار البراديغم المعرفي. وإن كنا نستعمل «الرضيع» بالمفرد أحيانًا لتخفيف الصياغة اللغوية، فإننا نقصد الجمع «الرضّع»، ما دامت الدراسات التجريبية تعتمد عيّنة من المساهمين في البحث، حتى تستقيم التحليلات الإحصائية.
أ. قياس زمن تثبيت النظر
نقدم، لتوضيح كيفية استعمال مؤشر قياس زمن تثبيت النظر، نموذجين تجريبيين: يتعلق الأول بتَعرّف
الوجوه، ويخصّ الثاني العمليات الحسابية. الرضيع «المفضِّل» للوجوه مع بداية الستينيات، ابتكر فانز طريقة سمحت باكتشاف بعض كفاءات الرضيع، وتمثلت في إدخال براديغم «التفضيل البصري» في المسار التجريبي. فبناء على ملاحظة فانز المتمثلة في كون الرضيع
(60) Robert L. Fantz, «The Origin of Form Perception,» Scientific American , vol. 204, no. 5 (May 1961).
ينظر إلى الأشياء المختلفة لمدد زمنية مختلفة، بلور طريقة تجريبية ساعدت الباحثين على دراسة الإدراك البصري لدى الرضيع، وصمّم لهذا الغرض «غرفة البحث» chamber Looking، مُجهّزة
بشاشتين للعرض وزِرّ لقياس زمن تثبيت النظر على كل شاشة. كما فسّر الدلالة الإحصائية المستخلصة
من مقارنة أزمنة تثبيت النظر بالاستناد إلى الفرضية المؤطرة بإطار نظري متين. باستعمال هذه التقنية في مجال تَعرّف الرضيع إلى الوجوه، استخلص فانز أن رضيعًا عمره يومان فقط،
يفضل النظر إلى أشكال تشبه الوجه، ولاحظ أن رضيعًا عمره بين أسبوعين وثلاثة أسابيع، يفضل النظر
مطولً إلى أشكال معينة أكثر من النظر إلى أقراص ملونة، كما لاحظ أن الرضيع يفضل النظر إلى صورة وجه إنساني عادي أكثر من النظر إلى صورة وجه مبعثر الملامح، أو تغيب عنه خصائص الوجه. ولنحتفظ بهذه «المعادلة» الأولى: النظر مطولً = مثير إيجابي. الرضيع «المندهش» من العمليات الحسابية الخاطئة كانت أولى المحاولات الرائدة في هذا المجال على يد واين؛ متوسلة بمسرح الدمى المتحركة تصميمًا تجريبيًا لدراسة الجمع والطرح لدى الرضع المراوحة أعمارهم بين 4 و 5 أشهر، وباعتماد
براديغم «التفضيل البصري» المبني على قياس زمن تثبيت النظر على حدث ممكن: 1 + 1 = 2 (دمية + دمية = دميتان)، أو حدث غير ممكن: 1 + 1 = 1 (دمية + دمية = دمية)، 1 + 1 = 3 (دمية + دمية = 3 دمى). لاحظت الباحثة أن الرضيع يبدو مندهشًا من «الأحداث الخاطئة» أو غير المتوقعة، بدليل مؤشر زمن تثبيت النظر عليها، الذي يفوق على نحو دال إحصائيًا زمن نظره إلى مشهد «الأحداث
الصحيحة» أو المتوقعة. وخلصت، من نتائج دراستها، إلى وجود قدرة لدى الرضيع على القيام بعمليات حسابية منذ شهره الرابع، كما فسّرت اختلاف مؤشر أزمنة النظر إلى «الأحداث الصحيحة»
(أي المتوقعة) و«الأحداث الخاطئة» (غير المتوقعة)، بقدرة الرضّع على رصد أخطاء الحساب. ولنحتفظ بهذه «المعادلة» الثانية: النظر مطولً = مثير سلبي. باستحضار المعادلتين السابقتين، قد يتبادر إلى ذهننا وجود «تناقض» في كيفية تفسير النتائج؛ إذ نلاحظ أن الرضيع يطيل النظر إلى الوجه الحقيقي فيَتعرّفه، ويطيل النظر إلى العمليات الخاطئة فيتعرّف الخطأ
فيها، والمفروض منطقيًا أن يكون زمن النظر إلى مثير إيجابي (وجه حقيقي، عملية صحيحة) مختلفًا
عن زمن النظر إلى مثير سلبي (وجه غير حقيقي، عملية خاطئة). لكن مراجعة المسار التجريبي تفيدنا في تبديد هذا اللبس؛ فالرضيع في تجربة تعرّف الوجوه يختار النظر إلى شاشة من بين شاشتين تعرضان
صورتين مختلفتين على نحو متزامن، في حين أن العرض في تجربة رصد الخطأ يتم عبر عمليتين متسلسلتين زمنيًا ونتيجة (1 + 1 = 2). وعليه، تستدعي طبيعة الموضوع، تعرّف الوجوه أو متابعة
عمليات حسابية، مسارًا تجريبيًا خاصًا، وأزمنة استجابة مختلفة، وتفسيرًا ينسجم مع طبيعة التصميم
التجريبي المعتمد. إنه براديغم تجريبي منسجم في كليته.
(61) Karen Wynn, «Addition and Subtraction by Human Infants,» Nature , vol. 358, no. 6389 (September 1992).
إن كانت الدراسات التجريبية السيكولوجية قد أثبتت كفاءة الرضيع في القيام بعمليات حسابية بسيطة، فهل يدعم التصوير الدماغي النتائج السابقة؟
ب. قياس شدّة النشاط الدماغي
حاولت دراسة بيرجي وآخرين التأكد من ارتباط زمن النظر المرتفع لدى الرضيع بكسر أفق توقعاته بشأن الأحداث التي تجري أمامه، وذلك باعتماد العدة التجريبية نفسها تقريبًا التي وظفتها واين،
باستثناء أنهم عرضوا الأحداث مسجلة بواسطة الفيديو على الشاشة، ليكون زمن العرض متساويًا بالنسبة إلى الكل، ولتكون سرعات الاستجابة قابلة للمقارنة في ما بينها أيضًا. عمل الباحثون على تسجيل النشاط الدماغي لرضّع أعمارهم بين 6 و 9 أشهر، بواسطة جهاز EEG لرصد النشاط الدماغي، واستخلصوا منه خرائط طبوغرافية تُبيّن توزيع الجهد وتحدّد التأثير في فروة الرأس. كشف
التحليل الطّيفي لنشاط دماغ الرضّع زيادة النشاط السلبي في حالة الحل غير الصحيح؛ فالرضيع، بحسب بيرجي ومعاونيها، قادر على رصد الأخطاء الحسابية، إذ تنشط المناطق الدماغية المسؤولة عن اكتشاف الخطأ لديه بمجرد تفاعله مع الأحداث الحسابية الخاطئة، وهي الاستجابة الدماغية عينها التي يبديها الراشد الذي يواجه معادلة حسابية خاطئة. وفسّرت إتيان هذه النتائج بكون
المناطق الدماغية التي تتدخل في رصد الأخطاء، تبدو وظيفية (أي تقوم بوظيفتها) قبل السنة الأولى من عمر الطفل.
2. براديغم التعوّد-اللاتعوّد
استُعمل براديغم «التعود–اللاتعود» بنجاح لاختبار كفاءات الرضيع في مختلف الأعمار، وفي كل مجالات الوظائف المعرفية. ويقصد بظاهرة «التعود» ذلك الاهتمام الذي يبديه الرضيع بمثير معين، فيثبت نظره عليه فترة زمنية معينة إلى أن يشعر بالملل، فيحوّل ناظريه عنه علامة على عدم الاهتمام به. في حين، يشير «اللاتعود» إلى أن الاستجابة السلوكية وليدة تجدّد اهتمام الرضيع بمثير جديد، مثل: فتح عينيه أكثر، أو الشروع في مص الحلمة الاصطناعية بشراهة، أو تثبيت بصره أكثر على المثير الجديد، أو ارتفاع دقات قلبه، أو تسارع تنفسه، أو تحريك رجليه بقوة، والتي تكون مؤشرًا على اندهاشه
أو تضايقه أو قلقه أو اهتمامه بهذا المثير. كما يكون على الباحث تفسير استجابات الرضيع (الفسيولوجية أو الحركية) ومنحها معنى، بقياس مؤشرات محددة (الزمن أو الشدّة)، ثم استخلاص نتائج نوعية. وسنقتصر في مثالنا على كفاءة تقدير الكميات.
(62) Andrea Berger, Gabriel Tzur & Michael I. Posner, «Infant Brains Detect Arithmetic Errors,» PNAS , vol. 103, no. 33 (September 2006). (63) Sandrine Etien, «Le Sens des Nombres,» Les dossiers de la recherche, no. 34 (February 2009), pp. 46–47. (64) Dehaene–Lambertz.
أ. الرضيع القادر على التمييز بين الكميات
اعتبرت إيزار وآخرون أن الأفراد يمتلكون كفاءات حسابية حدسية مهما كانت ثقافتهم وتربيتهم. وقد أكد عديد من الدراسات أن هذه الكفاءات حاضرة منذ الشهور الأولى بعد الولادة. من هذا المنطلق، سنبحث عن الحجة الداعمة لوجود كفاءة تقدير الكميات لدى الرضيع من خلال الدراسات التجريبية التي تعتمد قياس زمن تثبيت النظر، والدراسات التي تقيس شدّة النشاط الدماغي. قياس زمن تثبيت النّظر اختبرت كْزو وسبيلكي، أول مرة، كفاءة الرضيع المرتبطة بمعنى الأعداد، في التمييز بين مجموعتين مختلفتين من حيث عدد الأشياء التي تحتويها. فباستعمال الشاشة، عرضتا على رضّع (من 6 أشهر) الغيمات بنفس العدد من النقط (مثلً 8 نقط)، مع اختلاف حجمها وموضعها بين صورة وأخرى. بعد ظهور علامات الملل على الرضّع، تدرجان صورًا تحتوي أعدادًا مختلفة (16 نقطة مثلً)، الأمر الذي
يتمخض عنه تجدد اهتمام الرضّع بالصور، ويتمظهر ذلك في أنهم أضحوا ينظرون إلى الشاشة مدة أطول. خلصت هذه الدراسة إلى أن رضّعًا عمرهم 6 أشهر، يميّزون بين مجموعات كبيرة من المواضيع على
أساس عددها، عندما يكون الاختلاف بينها بنسبة النصف (8 نقط مقابل 16 نقطة)؛ وفي المقابل، لا يميّز الرضّع بين 8 نقط و 12 نقطة، أي عندما يكون الاختلاف بين المجموعتين بنسبة الثلثين. وكشفت
دراسة لاحقة أن رضعًا أعمارهم 6 أشهر يميزون بين غيمة من 16 نقطة وأخرى من 32 نقطة (نسبة
مقدارها النصف)، ولكنهم يفشلون في التمييز بين 16 و 24 نقطة (نسبة مقدارها الثلثان.) إلا أن ليبتون وسبيلكي أوضحتا أن رضّعًا أعمارهم 9 أشهر، يتمكّنون من التمييز بين 8 نقط و 12 نقطة
(بنسبة الثلثين)، وتوصلت كْزو وأرياكا إلى النتيجة نفسها مع رضّع من 10 أشهر، من خلال تجربتين: في الأولى استطاع الرضّع التمييز بين 8 عناصر و 12 عنصرًا، أي بنسبة الثلثين، وفي الثانية فشل الرضّع
في التمييز بين 8 و 10 عناصر، أي نسبة أربعة أخماس. إن كان قياس زمن تثبيت النظر أفضى إلى النتائج السابقة، فهل يؤكدها قياس شدّة النشاط الدماغي؟
(65) Véronique Izard et al., «Comment les Nombres se Répartissent dans L’espace: Une Intuition Originelle Logarithmique,» Médecine Sciences , vol. 24, no. 12 (December 2008). (66) Fei Xu & Elizabeth S. Spelke, «Large Number Discrimination in 6–month–old Infants,» Cognition , vol. 74, no. 1 (January 2000). (67) Fei Xu, Elizabeth S. Spelke & Sydney Goddard, «Number Sense in Human Infants,» Developmental Science , vol. 8, no. 1 (January 2005). (68) Jennifer S. Lipton & Elizabeth S. Spelke, «Origins of Number Sense: Large Number Discrimination in Human Infants,» Psychological Science , vol. 14, no. 5 (September 2003). (69) Fei Xu & Rosa I. Arriaga, «Number Discrimination in 10–month–old Infants,» British Journal of Developmental Psychology , vol. 25, no. 1 (March 2007).
قياس شدة النشاط الدماغي أظهرت إيزار ومعاونوها، عن طريق التخطيط الكهربائي لدماغ رضّع EEG، أثناء عرض سلسلة مسترسلة من الصور المتباينة من حيث موضوعاتها (رؤوس بط أو رؤوس كلاب) أو عدد عناصر موضوعاتها (4 أو 8 عناصر)، أنّ دماغ الرضيع يرمّز المعلومات الرقمية على نحو منفصل عن خصائص
الأشياء، ابتداء من الشهر الثالث من عمره. وذلك بعد أن لاحظوا أن الاستجابة الدماغية عند تغيّر عدد
عناصر المثير (4 أو 8 عناصر) تختلف عن الاستجابة الدماغية عند تغيّر موضوع المثير (رؤوس البط أو
رؤوس الكلاب). وقد أكدت دراسة كل من بيازا وإيزار، مع ثلاث مجموعات من الأطفال، دلالة الاستجابة الدماغية أثناء تغيّر العدد. نستخلص من الدراسات السابقة حول الحساب وتقدير الكميات ثلاث مسائل: • الأولى نظرية، تدعم تصورات الاتجاه الفطري، وتفيد أن المعنى الفطري للعدد، مبرمج وراثيًا لدى
الرضيع، ما دام الدماغ الإنساني، بحسب دوهاين، يمتلك آلية لإدراك الكميات الرقمية. وعليه، فبنيات الإنسان الدماغية مهيأة لمواجهة مشاكل حسابية قبل أن يتكلم أو يحسب على نحو صريح بوقت طويل. • الثانية خاصة، تبحث عن حجج دقيقة، وتفيد أن الرضيع يفهم بعض أوجه علم الحساب منذ السنة الأولى من الحياة، إذ تنمو التمثلات التقريبية للعدد باكرًا، وربما منذ الميلاد، وأن «الكفاءة التقريبية
لتمثل العدد، تتطور بوضوح لدى الرضّع قبل اللغة والعدّ الرمزي». • الثالثة منهجية، مفادها أن استعمال البراديغم التجريبي المنسجم في إطار البراديغم المعرفي، يفضي إلى نتائج متشابهة، ولو اختلفت التقنيات المنهجية والتخصصات العلمية.
رابعًا: خلاصات عامة
إن استحضار مجمل ما ناقشناه حول خصوصيات دراسة الكفاءات المبكرة لدى الرضيع ضمن البراديغم المعرفي، يسمح لنا ببلورة جملة من الاستنتاجات المرتبطة بتطور البحث العلمي المعرفي، واتفاقه على جملة من النتائج، رغم اختلاف تقنيات البحث التجريبي. كما أن استحضار خصوصيات البراديغم المعرفي، الذي تميَّز أساسًا بالانتقال من دراسة الظواهر القابلة للملاحظة المباشرة إلى دراسة
(70) Véronique Izard, Ghislaine Dehaene–Lambertz & Stanislas Dehaene, «Distinct Cerebral Pathways for Object Identity and Number in Human Infants,» PLOS Biology , vol. 6, no. 2 (March 2008). (71) Manuela Piazza & Véronique Izard, «How Humans Count: Numerosity and the Parietal Cortex,» Neuroscientist , vol. 15, no. 3 (June 2009). (72) Stanislas Dehaene, Les Neurones de la Lecture (Paris: Odile Jacob, 2007). (73) Etien, p. 46. (74) Izard, Dehaene–Lambertz & Dehaene. (75) Xu & Spelke, p. B5.
الظواهر التي لا تلُاحظُ إلا باستعمال أدوات ملائمة، سمح بالقول إن تغيير التقنيات المنهجية وتطويرها، فتح آفاقًا جديدة للبحث، وبلور مواضيع جديدة للدراسة. وإن كان توظيف التقنيات الحديثة أمرًا
ضروريًا في العلوم العصبية المعرفية (تصوير النشاط الدماغي)، فإن الأمر ليس بهذه الإطلاقية في
السيكولوجيا المعرفية، لكن النتائج المتمخضة عن بعض الدراسات حول كفاءات العدّ والحساب لدى الرضيع، تشير إلى تشابهها بين التخصصين حد التماثل أحيانًا، وهو ما يفيد تكاملهما ضمن البراديغم المعرفي. وبناء عليه، يمكن الإقرار بأن دراسة الكفاءات المبكرة لدى الرضيع ضمن البراديغم التجريبي المعرفي، قد سمحت بتطوير أساليب جديدة في البحث والتواصل، ومؤشرات جديدة للقياس، وتوظيف العدّة التجريبية الملائمة، وأفضت مجتمعة إلى نتائج نوعية. وكان المنطلق الأساسي فيها إبداع تقنيات تجريبية جديدة لمعالجة متطلبات موضوع جديد، وإبداع أساليب تواصلية غير معتادة لإنتاج معرفة ملائمة. وبذلك، أصبح لحركات الرضيع واستجاباته الفسيولوجية ونشاطه الدماغي، دلالات علمية لدى الباحث، تتجاوز عائق غياب لغة للتواصل. إذا كان الأسلوب الملائم للتواصل مع الطفل، إذ ا، يسمح بالكشف عن معرفياته، فهل يمكن أن نغامر بالتساؤل حول قابلية تطبيق هذا التصوّر تربويًا داخل الفصل الدراسي، بأن نشجّع التلاميذ على التعبير
عن كفاءاتهم ولو مع وجود قصور لغوي لديهم؟ وهل يمكن تطبيق هذا التصور مع من يعاني صعوبات النطق أو اضطرابات اللغة؟ تحتاج الأجوبة عنها إلى تعميق البحث. تسمح الخلاصات العامة بتجميع معطيات التحليل السابق في استلزامات ننظّمها وفق محورين:
1. استلزامات نظرية ومنهجية
أضحت الدراسات المعرفية تتمحور أكثر حول الرضيع بعد أن كان الراشد في قلب اهتماماتها، ثم المراهق فالطفل. إنه تحوّل نوعي في مجال البحث، فرضه التراكم الكمي للإنتاج العلمي نظريًا،
والتطور المنهجي والتقني. وبقدر ما كان الاهتمام منصبًّا على كيفية معالجة الأفراد للمعلومات
(سيرورات المعالجة)، تحوّل الآن صوب الكشف عن الكفاءات المبكرة، بغضّ النّظر، أحيانًا، عن
كيفية المعالجة أو سيروراتها. فبعد أن كانت السيرورات هدفًا، أضحت وسيلة، خصوصًا مع دراسة
الرضيع، حيث لا يمكن الحديث عن معرفة، ما دامت المعرفة تبنى على معلومات مستقاة من التفاعل مع الواقع، وحيث أضحت التحولات السريعة التي تطرأ على القدرات المعرفية، تقاس بالأيام وبالأسابيع وبالأشهر، وليس بالسنوات كما كان الأمر سابقًا. إن كانت السيكولوجيا والعلوم العصبية تتشابهان في أسلوب البحث التجريبي، وفي المؤشرات الدالة (زمن تثبيت النظر وشدّة الاستجابة الفسيولوجية وشدّة نشاط الدماغ)، فإنهما تختلفان في المظاهر القابلة للملاحظة: السلوكات في علم النفس، والنشاط الدماغي في علوم الأعصاب. ولو كانت السيكولوجيا تستعمل مؤشّر النشاط الفسيولوجي (أكان المدخل بصريًا أم سمعيًا)، والعلوم العصبية
تستعمل مؤشّر النشاط الدماغي (أكان المدخل بصريًا أم سمعيًا)، فإن نتائجهما تتشابه حد التطابق.
وهو أمر يضفي صفة الخصوبة على التلاحم بين هذين العلمين، ويضفي صفة التوازي والتكامل بين علم من العلوم الإنسانية يدرس الذهن، وآخر من العلوم الطبيعية يدرس الدماغ، لكن البراديغم المعرفي جمع بينهما ضمن إشكالية «العلاقة بين الدماغ والذهن والسلوك.» وعليه، فإن خلق وضعيات تجريبية داخل المختبر، ضروري في الإجراء العلمي لمراقبة البارامترات التجريبية. إنه مسار من مسارات تعميق معارفنا حول الأطفال، وحول دماغ الإنسان؛ «فالأطفال آلات للتعلم»، والدماغ آلة بيولوجية وفيزيائية–كيميائية معقدة جدًا، نستطيع بفهمها الإحاطة بطرق الاشتغال السيكولوجي. واعتبارًا بذلك، ولصعوبة التجريب على الطفل، لسرعة تغيّر معارفه،
وكذا تطوّر بنياته المعرفية من خلال تكاثف الاقترانات العصبية، يمكننا، من دون شك، خلق وضعيات
تجريبية أقرب من واقع الطفل، إذ نقترب حثيثًا من علوم التربية والسوسيولوجيا والأنثروبولوجيا. وبذلك، نلاحظ أن الدراسات من هذا النوع حول الرضيع لا يمكنها أن تجري إلا في المختبر. كما أن صبر الباحث على طول الدراسة، ومرافقة الوالدين رضّعهم للمساهمة في البحث العلمي داخل المختبرات رغم متطلبات الرضيع الحيوية؛ كلها قيم اجتماعية تعكس نظرة المجتمع الإيجابية إلى البحث العلمي ومساراته وقيوده ومقتضياته.
2. استلزامات ثقافية وسياقية
يمكن الإقرار بأن كفاءات الرضيع في كل أنحاء العالم هي نفسها. وبذلك، نقرّ بمشروعية الاستفادة من
الدراسات «الغربية» التي أشرنا إليها، وقابليتها لتفسير جزء كبير من النمو المعرفي لدى الرضيع في مجتمعاتنا، إلا أن سياق تبلور هذه الكفاءات يمنح بعض الخصوصيات لطريقة تشك لها، وهو ما يستدعي بإلحاح القيام بدراسات محلية تنصبّ على هذا المتغيّر السياقي، ما دام العالم الثقافي الذي
سيكبر فيه الرضيع، سيمنحه المفتاح السوسيو–معرفي للانفتاح على العالم، بحسب تُمَزيلو. هل «مجتمعنا» (من المحيط إلى الخليج) مستعدّ لهذه الدراسات تقنيًا وبشريًا؟ وهل الاعتمادات
المخصصة للبحث العلمي في جامعاتنا، ستمك ن من اقتناء المعدات اللازمة ومواجهة تحدي ارتفاع التكلفة؟ هل «مجتمعاتنا» بمكوناتها، مستعدة للمساهمة في مثل هذه الدراسات من خلال
إشراك الآباء والأمهات لأبنائهم الرضع فيها، من منطلق تمثلهم للع لم والعالم؟ هل الباحثِ الجامعي في هذه المجتمعات مؤهّل (تقنيًا، ومعرفيًا) لتوظيف هذه التقنيات المنهجية الحديثة
للقيام بمثل هذه الدراسات، ارتباطًا بتمثله لعملية البحث العلمي ذاتها: نظريًا من خلال الكتب،
(76) Baillargeon, «La physique,» p. 34. (77) Jean–Pierre Changeux, L’homme Neuronal , Collection: Le Temps des Sciences (Paris: Fayard, 1983). (78) Dehaene–Lambertz, p. 115. (79) Houdé, p. 21. (80) Tomasello, p. 13.
وميدانيًا من خلال التجريب؟ وحتى إن استعملت هذه التقنيات في دراسات مشابهة، هل المجتمع
مستعدّ لتقبل نتائجها، ما دامت مطالب المجتمع حاليًا مرتبطة أساسًا بالمشاكل اليومية، المرَضية
منها بوجه مخصوص، أو الناتجة من سوء التوافق الاجتماعي، والمشاكل المدرسية. ولا ترتبط بتصورات استراتيجية تهمّ البحث العلمي في الأساس؟ إنها أسئلة تحتاج إلى جهد مجتمعي كبير
للجواب عنها، أو عن بعض تفاصيلها.
خاتمة
إنّ سعينا لتَبيّن صفة التجدّد المستمر في البحث ضمن العلم المعرفي، كان نتيجة لتعقّد الظاهرة
الإنسانية نفسها، ولتطوّر تقنيات البحث في هذه الظاهرة. واخترنا لذلك تخصصَي السيكولوجيا وعلوم
الأعصاب، من أجل الدفع بدينامية البحث العلمي عامة في مجتمعاتنا ضمن إطار العلم المعرفي، الذي يجب عليه، بحسب برونر، أن يتحوّل إلى مُؤتمن على معرفتنا حول إمكانيات استعمال
التفكير؛ وكذا لحثّ طلاب العلم على التشبّع بمنطق البحث العلمي إنتاجًا وتعبيرًا وإبداعًا، وليس
استهلاكًا واجترارًا فقط. كما رغبنا في الإشارة إلى أن البحث العلمي أصبح مع الرضيع يركّز على دراسة الثوابت (الكفاءات) وليس المتغيرات (سيرورات المعالجة)، بمعنى أنه يدرس ما هو مشترك بين جميع الناس، بغض النظر عن الاختلافات الثقافية، وإن كانت دينامية تطور الذهن تنشأ من التفاعل بين الدماغ والثقافة. كلنا متشابهون عصبيًّا ومتساوون دماغيًّا (إلا من كان له خلل وراثي، أو اضطراب نمائي). فالدماغ أعدل
الأشياء قسمة بين الناس، قياسًا على قولة ديكارت، وقد ينتج ذهنًا أو وعيًا مختلفين باختلاف سياقات
تمظهرهما وثقافة نشأتهما. فكيف نهيئ الشروط الملائمة لتشكيل دماغ الفرد على نحو «سليم» من دون أن نلقي بالمسؤولية على الوراثة تبريرًا لإهمال الشروط السياقية لنمو الطفل؟ لقد كان الاهتمام منصبًا سابقًا على تهيئة الطفل ليصبح رجل الغد، وأضحى الآن الاهتمام منصبًا على
تهيئة الرضيع ليصبح رجل الغد. فهل هي الإرهاصات الأولى لبلورة مشروع مسار تربوي جديد منذ الميلاد ما دام للرضيع كفاءات تمكّنه من التفاعل مع العالم وتمكنه من التعلم أيضًا؟ وهل نحن معتبرون باستراتيجيات البحث والتخطيط العلمي بعيد المدى في هذا المجال؟ إننا في حاجة إلى تطوير لغة للتعبير العلمي، بعد أن طغت كل أشكال التعبير الأخرى، والتي أضحت
تَسِم تفكيرنا وتعطله أكثر فأكثر، وأضحت الهوة بين قدرات استيعاب المعرفة نفسها تتسع بيننا وبين المجتمعات «المتقدمة» في هذا المجال، وقد يصبح تخلفنا «معرفيًا» cognitif، يتمظهر على مستوى
تخلّف سيرورات المعالجة لدينا، وعلى مستوى القدرة على الاستيعاب المعرفي، لينضاف إلى التخلف الاقتصادي والاجتماعي وغيرهما، فيصبح تخلفنا ذهنيًا بأساس عصبي.
(81) Bruner, «Y a–t–il,».
المراجع
العربية
للترجمة،.2013
منشورات مختبر العلوم المعرفية،.2015
المعرفية.» مجلة معرفية. العدد.)1997(1
مجلة مقاربات – مجلة العلوم الإنسانية. العدد.)2014(14
الأجنبية
References
تيبرغيان، غي [وآخرون]. قاموس العلوم المعرفية. ترجمة جمال شحيّد. بيروت: المنظمة العربية زغبوش، بنعيسى وإسماعيل علوي (تنسيق وتقديم.) اللغة والذاكرة والكفاءات. سلسلة كتب 6. فاس:
زغبوش، بنعيسى ومصطفى بوعناني وعبد النبي سفير. «نماذج البحث المعرفي ونمذجة العمليات
زغبوش، بنعيسى. «من الاستجابات إلى وميض الدماغ: مدخل للتفكير في وضعية السيكولوجيا.»
Andler, Daniel (dir.). Introduction aux Sciences Cognitives. Paris: Gallimard, 1992. Baillargeon, Renée. «La Physique Démarre au Berceau.» Les Dossiers de la Recherche. no. 34 (2009). Berger, Andrea, Gabriel Tzur & Michael I. Posner. «Infant Brains Detect Arithmetic Errors.» PNAS. vol. 103, no. 33 (September 2006). Bideaud, Jacqueline. «Psychologie du Développement: Les Avatars du Constructivisme.» Psychologie Français. vol. 44, no. 3 (September 1999). Bonnet, Claude, Rodolphe Ghiglione & Jean-François Richard. Traité de Psychologie Cognitive 1: Perception, Action, Langage. Paris: Dunod, 1989. Bower, Thomas G. R. Development in Infancy. San Francisco: W.H. Freeman, 1974. Bruner, Jérôme. «Another Look at New Look 1.» American Psychologist. vol. 47, no. 6 (June 1992). ________. Jérôme. «Y a-t-il une fin aux Révolutions Cognitives?» Revue Française de Pédagogie. no. 111 (1995). Changeux, Jean-Pierre. L’homme Neuronal, Collection: Le Temps des Sciences. Paris: Fayard, 1983. Cloutier, Richard, Pierre Gosselin & Pierre Tap. Psychologie de L’enfant. 2 nd éd. Montréal: Gaëtan Morin Éditeur, 2005. Corballis, Michael C. From Hand to Mouth: The Origins of Language. Princeton: Princeton University Press, 2002. Cyrulnik, Boris. «Très Loin du Passé Simple.» Les dossiers de la recherché. no. 22 (February-April 2006).
De Cruz, Helen & Johan De Smedt. «The Innateness Hypothesis and Mathematical Concepts.» Topoi. vol. 29, no. 1 (March 2010). De Villeroy, Elise. «Le Nouvel âge des Sciences Cognitives: la Rançon du Succès.» Sciences Humaines (Hors-série spécial). no. 7 (September-October 2008). Dehaene, Stanislas. Les Neurones de la Lecture. Paris: Odile Jacob, 2007. Dehaene-Lambertz, Ghislaine. «Les Sciences Cognitives: Mieux Comprendre Le Cerveau en Développement.» Médecine & enfance (February 2003). Dennett, Daniel C. Théorie Evolutionniste de la Liberté. Christian Cler (trad.). Paris: Odile Jacob, 2004. Dorand, Roland & Françoise Parot. Dictionnaire de Psychologie. Paris: PUF, 1991. Dugnat, M. (dir.). Le Monde Relationnel du Bébé. Ramonville-Saint-Agne: Érès, 1997. Etien, Sandrine. «Le Sens des Nombres.» Les dossiers de la recherche. no. 34 (February
Fantz, Robert L. «The Origin of Form Perception.» Scientific American. vol. 204, no. 5 (May 1961). Gardner, Howard. The Mind’s New Science: A History of the Cognitive Revolution. New York: Basic Books, 1985. Houdé, O. & C. Meljac. L’esprit Piagétien. Paris: PUF, 2000. Houdé, Olivier. «Les Bébés Sont des Petits Savants.» Les Dossiers de la Recherche. no. 34 (2009). Izard, Véronique et al. «Comment les Nombres se Répartissent dans L’espace: Une Intuition Originelle Logarithmique.» Médecine Sciences. vol. 24, no. 12 (December
Izard, Véronique, Ghislaine Dehaene-Lambertz & Stanislas Dehaene. «Distinct Cerebral Pathways for Object Identity and Number in Human Infants.» PLOS Biology. vol. 6, no. 2 (March 2008). Jeannerod, Marc. «Psychologie et Neurosciences: Une Autre Conception de la Nature Humaine.» Sciences Humaines (Hors-série spécial). no. 7 (September-October 2008). Kitayama, Shinobu & Jiyoung Park. «Cultural Neuroscience of the Self: Understanding the Social Grounding of the Brain.» SCAN. vol. 5, no. 2-3 (June-September 2010). Kremer-Marietti, Angèle. La Philosophie Cognitive. Paris: PUF, 1994. Kuhn, Thomas Samuel. La structure des Révolutions Scientifiques. Laure Meyer (trad.). Paris: Flammarion, 1973. Lagercrantz, Hugo. «La Fabrication du Cerveau.» Sciences Humaines. no. 219 (October
Lakatos, I. & A. Musgrave (eds.). Criticism and the Growth of Knowledge. Cambridge: Cambridge University Press, 1970.
Lécuyer, Roger. «Introduction: Inné fable?» Intellectica. vol. 1, no. 34 (2002). Le Ny, Jean-François. Science Cognitive et Compréhension du Langage. Paris: PUF,
Lipton, Jennifer S. & Elizabeth S. Spelke. «Origins of Number Sense: Large Number Discrimination in Human Infants.» Psychological Science. vol. 14, no. 5 (September
Nollet, Daniel & Jacques Thomas. Dictionnaire de Psychothérapie Cognitive et Comportementale. Paris: Ellipses, 2001. Núñez, Rafael E., & Eve Sweetser. «Spatial Embodiment of Temporal Metaphors in Aymara: Blending Source-domain Gesture with Speech.» paper presented at Proceedings of the 7th International Cognitive Linguistics Conference. Santa Barbara, CA, 2001. Pascalis, Olivier & Scania de Schonen. «Recognition Memory in 3-4-day-old Human Infants.» Neuroreport. vol. 5, no. 14 (October 1994). Piazza, Manuela &Véronique Izard. «How Humans Count: Numerosity and the Parietal Cortex.» Neuroscientist. vol. 15, no. 3 (June 2009). Piéron, Henri. Vocabulaire de la Psychologie. 3 rd éd. Paris: PUF, 2000. Pomerleau, Andrée & Gérard Malcuit. L’enfant et Son Environnement: Une Etude Fonctionnelle de la Première Enfance. Quebec; PUQ; Bruxelles: Editions Mardaga,
Raichle, Marcus. «Que Fait le Cerveau Inactif?» La Recherche. no. 410 (July-August
Schoultz, Jan, Roger Säljö & Jan Wyndhamn. «Heavenly Talk: Discourse, Artifacts, and Children’s Understanding of Elementary Astronomy.» Human Development. vol. 44, no. 1 (May 2001). Searle, John. Mind: A Brief Introduction. New York; Oxford: Oxford University Press,
Spelke, Elizabeth S. «Initial Knowledge: Six Suggestions.» Cognition. vol. 50, no. 1-3 (April-June 1994). Tomasello, Michael. Aux Origines de la Cognition Humaine. Paris: Retz, 2004 [1999]. Weil-Barais, Annick (dir.). L’Homme Cognitif. Paris: PUF, 1993. Wynn, Karen. «Addition and Subtraction by Human Infants.» Nature. vol. 358, no. 6389 (September 1992). Xu, Fei & Elizabeth S. Spelke. «Large Number Discrimination in 6-month-old Infants.» Cognition. vol. 74, no. 1 (January 2000). Xu, Fei & Rosa I. Arriaga. «Number Discrimination in 10-month-old Infants.» British Journal of Developmental Psychology. vol. 25, no. 1 (March 2007). Xu, Fei, Elizabeth S. Spelke & Sydney Goddard. «Number Sense in Human Infants.» Developmental Science. vol. 8, no. 1 (January 2005).