العودة إلى تفاصيل المؤلَّف في ضوء كتابه

في ضوء كتابه

Islam in the thought of the Tunisian sociologist Abdel Wahab Bouhediba and his book Islam: Openness and Transcendence (Islām Infitāḥ wa Tajāwuz)

* Abdellatif Hermassi | عبد اللطيف هرماسي

الملخّص

تتناول المراجعة كتاب الإسلام انفتاح وتجاوز، بوصفه تتويجًا لمسار بحثي، تجاوز نصف قرن حول قضايا الوعي الديني، وكيفية تعامل المسلمين عبر تاريخهم مع الرسالة المحمدية، وأيضًا باعتباره آخر حلقة من ثلاثية عالجت مسائل العلاقة بين المسلم والآخر ومكانة الإنسان في الإسلام. تناول بوحديبة حالة الازدواجية التي عاشها المسلمون بين الوفاء لما أكدته الرسالة من حق الاختلاف وفضيلة التسامح، وفي المقابل، لحظات رسم الخطوط الحمراء والتشدد والعنف. ومع ذلك، لا يخفي المؤلف انزعاجه من صعود الحركات الإسلامية والأحداث الإرهابية وتأثيراتها السلبية في الإسلام، ليطالب بإعادة تنشيط الإنسية الإسلامية أو استنباتها، وهي التي سبق أن هاجرت إلى الغرب.

Abstract

Abstract: This article explores Abdel Wahab Bouhediba’s book, Islam: Openness and Transcendence as the pinnacle of a research process that has surpassed half a century on issues of religious awareness and how Muslims throughout their history pursue Muhammad’s message. It also treats the book as the last installment of a trilogy dealing with the relationship between the Muslim and the Other and the status of the human in Islam. Bouhediba addressed the dichotomy lived by Muslims between the fulfillment of the right of difference and the virtue of tolerance in Muhammad’s message and moments of extremism and violence. Bouhediba does not hide his distress at the rise of Islamist movements and terrorist attacks and their negative effects on Islam. He calls for the reinvigoration or recreation of Islamic humanism which has already migrated to the West.

الكلمات المفتاحية:
  • الضمير الديني
  • التوجه الإنسي للإسلام
  • جدلية الأنا والآخر
  • حوار الثقافات
Keywords:
  • Religious Conscience
  • Human Orientation of Islam
  • the Ego and the Dialectic of the Other
  • Cultural Dialogue

ملخص: تتناول المراجعة كتاب الإس ماا انفتاح وتجاوز، بوصفه تتويجًا لمسار بحثي، تجاوز

نصف قرن حول قضايا الوعي الديني، وكيفية تعامل المسلمين عبر تاريخهم مع الرسالة المحمدية، وأيضًا باعتباره آخر حلقة من ث ثااية عالجت مسائل الع قااة بين المسلم والآخر ومكانة الإنسان في الإسلام. تناول بوحديبة حالة الازدواجية التي عاشها المسلمون بين الوفاء لما أكدته الرسالة من حق الاختلاف وفضيلة التسامح، وفي المقابل، لحظات رسم الخطوط الحمراء والتشدد والعنف. ومع ذلك، لا يخفي المؤلف انزعاجه من صعود الحركات الإسلامية والأحداث الإرهابية وتأثيراتها السلبية في الإسلام، ليطالب بإعادة تنشيط الإنسية الإسلامية أو استنباتها، وهي التي سبق أن هاجرت إلى الغرب.

Abstract: This article explores Abdel Wahab Bouhediba’s book, Islam: Openness and Transcendence as the pinnacle of a research process that has surpassed half a century on issues of religious awareness and how Muslims throughout their history pursue Muhammad’s message. It also treats the book as the last installment of a trilogy dealing with the relationship between the Muslim and the Other and the status of the human in Islam. Bouhediba addressed the dichotomy lived by Muslims between the fulfillment of the right of difference and the virtue of tolerance in Muhammad’s message and moments of extremism and violence. Bouhediba does not hide his distress at the rise of Islamist movements and terrorist attacks and their negative effects on Islam. He calls for the reinvigoration or recreation of Islamic humanism which has already migrated to the West.

Sociology professor and researcher at the Faculty of Humanities and Social Sciences in Tunisia.

مقدمة

صدر حديثًا لعالم الاجتماع التونسي، عبد الوهاب بوحديبة، كتاب بعنوان الإسلام انفتاح وتجاوز، باللغة الفرنسية، وهي اللغة التي يكتب بها بوحديبة منذ بداية إصداراته في علم الاجتماع في منتصف ستينيات القرن العشرين، فقد نُشر له خمسة عشر كتابًا كلها باللغة الفرنسية، ما

عدا واحدًا جمع فيه مداخلات ألقاها باللغة العربية، وصدرت بعنوان لأفهم: فصول عن المجتمع والدين. تجدر الإشارة إلى أن المؤلف يتقن اللغة العربية، ويمتلك معرفة واسعة بالأدب العربي والموروث الإسلامي، إلى جانب تكوينه المعمق في الفلسفة وعلم الاجتماع أثناء دراسته بجامعة السوربون في خمسينيات القرن الماضي. كما يشار إلى اضطلاعه بمسؤوليات أكاديمية منذ أوائل الستينيات؛ إذ أدار

مركز الدراسات والأبحاث الاقتصادية والاجتماعية في تونس طوال ربع قرن، ثم ترأ سَ مجمع الآداب

والفنون (بيت الحكمة) في تونس. وخلال هذه المسيرة الخمسينية، أدّى بوحديبة دور مثقف السلطة

بامتياز، والمنظر لتوجهات قيادة الدولة في المجالين الديني والعائلي. على صعيد البحث والنشر العلمي؛ ذاع صيت عبد الوهاب بوحديبة، خاصة إثر صدور كتابه الإسلام والجنسانية (كتب في الأصل باللغة الفرنسية وترجم إلى عدة لغات منها العربية)، وهو عبارة عن أطروحة دكتوراه دولة في علم الاجتماع. وقد ارتأينا، بمناسبة صدور كتابه الأخير، ألا نقتصر على تقديم الكتاب للقراء، وقدّرنا أنه من المفيد وضعه ضمن المسار البحثي والمجهود الفكري الذي قام به صاحبه طوال خمسين سنة ونيف. ومع الانتباه إلى التنوع الكبير في المواضيع التي طرقها، فإن كتاباته التي تمثّل محور اهتمامنا هي تلك المتصلة بالإشكالية العامة لعلاقة المسلمين بالمثل الأعلى القرآني والتاريخ، والكيفيات التي تعاملوا بها مع الرسالة المحمدية، وهم بصدد إنتاج معيشهم الاجتماعي في ظل واقع متغير باستمرار. لماذا انتقلوا من الإبداع الحضاري إلى السلبية؟ وكيف السبيل إلى استعادة طاقة الخلق لديهم والتعامل الإيجابي مع منجزات الحداثة ونتائجها الكونية؟ ضمن هذا الاهتمام العام، في وسعنا أن نتبين مرحلتين في مقاربة الموضوع: • مرحلة أولى: امتدت طوال الستينيات والسبعينيات ركز فيها بوحديبة على شواغل المجتمع التونسي ونخبته الحاكمة، وهي تواجه مهمات البناء الوطني والتحديث، وكيفية التعامل مع الموروث الديني، خاصة في معالجة مسألتي التنمية وتطوير العائلة. وقد بلور بوحديبة في هذه اللحظة الأولى المفهوم المركزي لإنتاجاته اللاحقة، وهو «الوعي الديني»، وأعطاه الأولوية على باقي مكونات التدين. • مرحلة ثانية: انطلقت منذ الثمانينيات، واتضحت أكثر مع بداية الألفية الثالثة، وطرحت فيها مسائل علاقة الإسلام بالأديان والثقافات الأخرى، وعلاقة الأنا المسلم بالآخر، سواء شاركه في الدين أم لا. ولئن جاز ربط هذه الاهتمامات ببروز الحركات الإسلامية في السبعينيات، فإننا قد لا نجانب الصواب

إذا اعتبرنا صعود الإسلام الجهادي التكفيري منذ تفجيرات 11« سبتمبر» وحتى انتهاء تنظيم الدولة الداعشية وراء الانشغال العميق لعبد الوهاب بوحديبة بدلالات هذه الظاهرة ونتائجها، ما جعلها تشكل محور أعماله الأخيرة. وفي ضوء ما تقدم، نقترح الانطلاق من كتابات المرحلة الأولى للنظر في الكيفية التي أدرك بها بوحديبة علاقة الإسلام بالحداثة في سياق مجتمعي محدد هو السياق التونسي في مرحلة البناء الوطني، ثم نخصص المراجعة لكتابات المرحلة الثانية، وتحديدًا تلك التي اهتمت بإشكالية العلاقة بين الأنا والآخر، وتغطي ثلاثة مؤلفات تناولت بالتوالي تجربة الغيرية في الإسلام، ومسألة الإنسان في الإسلام، وأخيرًا الإسلام منظورًا إليه بصفته انفتاحًا وتجاوزًا.

أولا: سياق بناء الدولة الحديثة: أولوية الضمير الديني

مثّل الاهتمام بمكانة الوعي أو الضمير الديني ودوره منطلقًا لتفكير سوسيولوجي يروم الإسهام في مشروع النخبة الوطنية العصرية في تونس، بهدف تصفية الحساب مع الفكر الديني التقليدي والمؤسسة التي تحرسه. ففي محاضرة «تاريخية» ألقاها الأستاذ الجامعي الشاب عبد الوهاب بوحديبة، في 27 رمضان 1388 ه/ 18 كانون الثاني/ يناير 1966، بحضور «المجاهد الأكبر» الحبيب بورقيبة، وفي نطاق إضفاء شرعية العلم الاجتماعي على خيارات مؤسس الدولة الوطنية، توجه بوحديبة بالنقد لكل من المجتمع التونسي والهيئة الدينية ورجالات الحركة الإصلاحية السلفية. الأول لكونه مسلمًا في معظمه إسلامًا سطحيًا و«عن طريق الصدفة» (والمقصود الإرث التاريخي)،

لا عن معرفة ووعي. والثانية لأنها احتكرت علوم الدين بدعوى التخصص، مع أن تعاليم الإسلام لا تعترف لها بذلك، وانتهى الإسلام على يدها بأن «أصبح أقرب إلى الرجعية منه إلى التقدم والحضارة.» أما الإصلاحية السلفية الحديثة أو حركة التجديد الديني بالعالم العربي فنفى عنها كل تجديد فعلي، ساخرًا من بعض رموزها الذي «لم تتجاوز ثوريته صياغة بعض القواعد العملية أو الفتاوى حول الربا

ولُبس القبعة ». بقطع النظر عن الأحكام التعميمية القاسية الصادرة عن باحث شاب متحمس للرؤية البورقيبية فإن الأهم، وهو ما احتفظ به بوحديبة في أعماله اللاحقة، هو التأكيد أن الإصلاح أو التجديد الديني يعني بالضرورة إصلاحًا ديناميكيًا للفكر والضمير والروح، وتقديرًا جديدًا لوزن كل من المكونات الثلاثة

للتعاليم القرآنية أيضًا، أي العبادات والعقائد والوعي. فهذا الأخير هو الأساس الذي تقوم عليه العبادات والمؤسسات، والإسلام يعلمنا أن الأهم هو الضمير والإيمان المبدع، وأن العبادات من صلاة أو حج لا فائدة ترجى منها إن لم تتطهر الروح. يقتضي الوعي الديني المسلم سد الفجوة بين الروح والمادة،

(((ترجمت مجلة «إبيلْا» المحاضرة إلى الفرنسية، بعنوان:

«La conscience religieuse dans la société d’aujourd’hui»

وضمنها بوحديبة في كتابه:

Abdelwahab Bouhdiba, A la recherche des normes perdues (Tunis: M.T.E., 1973).

وبين الفلاح في الآخرة والنجاح في الدنيا، وهو ما يجعل الفعل الجاد واستغلال كل الإمكانيات الطبيعية والظروف المتاحة لتوفير أسباب المنفعة والقوة عملً تعبديًا في نظر الله. من ناحية ثانية، يدعو الإسلام أهله إلى التكيف مع ظروف عصرهم، كما يتأثر بدوره بالتحولات الاقتصادية والثقافية التكنولوجية وعلى مستوى البنى الاجتماعية. والنتيجة التي يخلص إليها هي أن المطلوب ليس إحياء علوم الدين، بل إحياء الضمير الديني وتعديل العلاقة من جديد بين الروحي والزمني. وكمثال يوضح هذه الفكرة، فإن الروح الأصلية للدين الإسلامي في ما يهم العائلة والعلاقات بين الأزواج استهدفت تحسين وضع المرأة، ومنع الزوج من هضم حقوقها أو المس بكرامتها، مع دعوة الزوجين إلى التعاون والمعاملة الحسنة والتحابّ بما يحقق الانسجام. فهذا ما يتعين الاحتفاظ به في عصرنا، وليس الصياغات والأشكال والمؤسسات التاريخية التي اتخذتها تعاليم الإسلام على غرار تعدد الزوجات والتطليق وتشريع الإرث، والتي لا يرى فيها بوحديبة سوى أشكال قانونية اقتضاها سياق عصر الرسالة ومؤسسات وضعية تجاوزتها مقتضيات العالم الحديث. والتمشّي ذاته اقترحه بوحديبة بخصوص تنظيم الحياة الاقتصادية ومكانة العمل أو، بالأحرى، الفعل في مجتمعاتنا. هذه المقترحات التي مثّلت تبريرًا للشعارات الجريئة للقيادة البورقيبية حاول بوحديبة إعطاءها سندًا

فلسفيًّا، قوامه أن الإسلام ليس مذهبًا قانونيًّا ولا طائفة سرية، وإنما هو واقع حي يعاش في الإيمان وهو

رؤية للمطلق، ولكنها منخرطة في التاريخ. الإسلام ليس تقنية تنظم العلاقة بالإله، بل هو كشف عن العظمة الإلهية التي لا تنفصل عن عظمة الإنسان، كما أن الرسالة المحمدية ليست تجربة دينية معطاة بصورة نهائية، بل هي رؤية متجددة باستمرار للإنسان وللعالم. وعليه، فالوعي الإسلامي هو المعطى الثابت، أما الطقوس والمؤسسات الدينية والدنيوية فتخضع للمتطلبات التاريخية المعاصرة. ومن هذا المنظور تحدث بوحديبة، وهو يحلل خصائص الإسلام المغاربي، عن قابلية الإسلام للتشكل وفق أنماط وصيغ متعددة. بمثل هذه المنطلقات بدأ بوحديبة يوسع المجال الوطني لبحوثه وشواغله الأولى كالتصنيع والإجرام والتنمية والعائلة؛ ليهتم أكثر فأكثر بقضايا المسلمين والإسلام، مع المحافظة على مسلماته حول الارتباط الوثيق بين الديني والدنيوي، والتوفيق بين الوفاء للرسالة والسعي للتقدم، وبين الأصالة والانفتاح، وبين الخصوصية والكونية، وبين الانتماء إلى الإسلام والانتماء إلى الإنسانية. وفي وسعنا أن نلمس بين السبعينيات والتسعينيات ثلاثة محاور اهتمام تتصل بالإنسان الديني عمومًا، وبالإسلام والثقافة الإسلامية على وجه الخصوص. ثمة اهتمام أول مداره رسالة الدين في العالم

(2) Ibid., pp. 131–143. (3) Ibid., pp. 151–156, 157–170.

والعبارة التي استخدمها هي: Plasticité de l’islam.

المعاصر وسؤاله المركزي: هل يمكن أن تتحقق التنمية من دون الرجوع إلى القيم ومن ثمّ إلى البعد

الروحي؟ وما موقف الأديان من تراجع المثل الروحية أمام انفجار الحرية وطلب المتعة واللذة؟ أما محور المبحث الثاني، فهو تأثيرات المتخيل الإسلامي في السلوكات الاجتماعية كالحياة الجنسية والكسب والاستحمام. أما المبحث الثالث فتناول جانبًا مخصوصًا من العلاقة بين الأنا والآخر، وهو

نظرة الاستشراق الكلاسيكي إلى الإسلام والمسلمين. حول هذه المسألة رأى بوحديبة أن كتابات الغربيين عن الحضارة الإسلامية ينبغي أن تحثنا، مبدئيًّا، على نقد الذات إذا جاءت في قالب دراسات

موضوعية نزيهة، لكن الملاحظ هو وجود «خطة مدبرة محكمة لقلب الحقائق وإصدار شتى التهم، وإلصاقها بمختلف جوانب أساليب عيشنا وعناصر تفكيرنا وكُنه نظرتنا للحياة»، فمثل هذا التشويه هو الذي راج، وهو ما ينبغي الحذر من تأثيره في شبابنا؛ ما جعل بوحديبة يتصدى للرد على تعبيراته في الإثنولوجيا والسوسيولوجيا الاستعماريتين.

ثانيًا: سياق صعود التطرف: تأكيد للطبيعة الإنسية لرسالة الإسلام وحضارته

مثّلت كتابات بوحديبة في المرحلة الوسيطة نوعًا من التمهيد للكتابات الصادرة بعد عام 2000، وقد اصطفينا منها ثلاثة مؤلفات تشترك في كيفية طرح مسألة العلاقة بين الأنا المسلم والآخر، وبين الحضارة الإسلامية والحضارات الأخرى. وعلاوة على ما تمثّله تلك الكتابات من تحول على مستوى المواضيع البحثية ومجال الدراسة، فإن العرض التالي سيبين أن ثمة انزياحًا واضحًا من اعتماد مناهج علم الاجتماع ونظرياته إلى الانخراط في مقاربة مركبة فلسفية وأنثروبولوجية وحضارية وتأويلية قد تكون خصبة، ولكن من المهم الانتباه إلى تأثيرها في الصرامة المنهجية المطلوبة عادة في البحوث الاجتماعية. الكتب الثلاثة صدرت بالفرنسية، وسنشير إليها في نص مقالنا باللغة العربية وهي التالية: • تجربة الغيرية في المجتمعات الإسلامية.)2002(• الإنسان في الإسلام.)2006(• الإسلام انفتاح وتجاوز.)2018(

(4) Abdelwaheb Bouhdiba, «Le message religieux dans le monde présent,» in: Rencontre islamo – chrétienne. Conscience musulmane et conscience chrétienne aux prises avec les défis du développement, Tunis, 11-17/11/1974. Collection Cahiers du C.E.R.E.S. Série études islamiques, 5) Tunis: Université de Tunis, CERES, 1974).

(((عبد الوهاب بوحديبة، لأفهم: فصول عن المجتمع والدين، سلسة موافقات 8 (تونس: الدار التونسية للنشر، 1992)، ص –95

1. تجربة الغيرية في المجتمعات الإسلامية

ينطلق الباحث في طرح مسألة الغيرية من الصورة المشوهة التي يحملها الغرب عن الثقافة والحضارة العربية والإسلامية، وما يقابلها من صورة سلبية يحملها المسلمون عن الغرب، هي ظواهر شيطنة وأنصاف حقائق واتهامات متبادلة كما يقول بوحديبة. وكل هذا يتطلب تحليلً عقلانيًا، والتمييز ابتداء

بين ما هو إشكالية كونية وما يتعلق بالتجارب التاريخية الخاصة بالمسلمين. تتمثّل المسلّمة الأساسية في أننا، بوصفنا بشرًا، نؤكد ذواتنا في العلاقة بالآخر. لذلك تنغرس الغيرية في

قلب الهوية الذاتية ويسكن الغريب في الأنا، وهو لقاح يمكن أن ينجح كما يمكن أن يؤدي إلى رفض الآخر. لا يتجه الوعي مباشرة نحو الاعتراف الأخوي بالآخر؛ ما يعني أن رفض هذا الرفض هو المؤسس للغيرية، وأن هذه الأخيرة نتيجة عنف نسلطه على أنفسنا. عند تخصيص الحالة الإسلامية، يبدأ المؤلف بتلخيص ما توصل إليه في دراسات سابقة حول مفاهيم الاختلاف والتسامح؛ وهو أن الاختلاف من المنظور القرآني يكرس مشيئة وحكمة ربانية، بل إن الاختلاف بين الأمم والثقافات يحتل مكانة القلب في مشروع الخلق، والإسلام جاء ليوحد التجانس لا ليفرضه فرضًا، وقد حافظ على الطابع المركب والثري للمجتمعات والحضارات التي دخلت فيه. لقد مثّل التعامل الإيجابي مع الغيرية عامل إبداع وإثراء، ولم يمنع الخوفُ من الزندقة الفقهاءَ من اعتبار

الاختلاف رحمة. وفي المقابل، لم يحلْ ذلك دون حدوث توترات بشأن رسم الخطوط الحمراء، ولم يمنع مرور المجتمعات المسلمة بلحظات من التشدد وتعطل حوار الثقافات، وهو أمر مفهوم نتيجة الأزمات الموجعة والجراح التي أصابت الضمير العربي الإسلامي طوال القرنين الماضيين. كيف، إذ ا، اشتغلت جدلية الأنا والآخر في الثقافة الإسلامية؟ من أجل ألّ تؤول الغيرية إلى صراع ينبغي تطويرها إلى علاقات أخوّة، لكن الانصهار يمكن أن يشتغل آليةً لإقصاء الآخرين من حظيرة الأمة. وقد

شهد التاريخ الإسلامي تسليط العنف على «الإخوة المزيفين»، بحيث عُوملوا على أنهم أعداء داخليون. فرغم اعتبار الاختلاف رحمة يراودُ التكفير مجتمعنا، ويظهر بصورة دورية من يريدون تطهير الإسلام باعتماد إحدى روايات حديث «الفرقة الناجية». يقول بوحديبة: «الفتنة مستقرة في قلب الأمة، وأنتجت حركات لم يكن من السهل الحد من غلوائها كالخوارج والحشاشين والإسلاميين [كذا!]». ويضيف: «إن الفتنة تراودنا. لقد شكلت مصدر رُعب في الماضي وهي بصدد تخريب حاضرنا». هذا في ما يخص نوازع العنف الداخلية، ولكن الأحداث الكبرى التي عرفت تعبيرات العنف في صلب المجتمعات المسلمة لا ينبغي أن تنسينا أن السلام الداخلي لا ينفصل عن السلام مع الخارج، وأن ثمة أسبابًا عديدة للتباعد والإحساس بالمرارة وإرادة الانتقام من الاستعمار وتحدي التوسع الصهيوني،

(6) Abdelwahab Bouhdiba, L’expérience de l’altérité dans les sociétés musulmanes, Collection: Arcantères essais (Paris: Arcantères Editions, 2002), pp. 7–21. (7) Ibid., pp. 21–71.

والحال أن الأنا المجروحة يمكن أن تنطلق لتدمير الآخر أو الذات، «وهنا نجد جذور الإرهاب الذي ننتجه». هل يكون بوحديبة قد رسم في كتابه حول تجربة الغيرية صورة حالكة عن الماضي والحاضر الإسلامي، وترك العنان لقلمه يعبر عن حالة من الإحباط أو اللايقين كما يقول، ويلجأ إلى جلد الذات كما يعمم ويحمل المسؤولية بطريقة لا ترضي الباحث المتبصر؟ ربما، ولكن هل يعني إلحاحه على ما حصل في تاريخ الإسلام من إفراط بل فظاعات، كما ذكر، أن الرسالة المحمدية أو الموروث من العقيدة والشريعة يرجحان كفة الغيرية الصراعية على الغيرية التي قوامها الثقة والقبول بالآخر وحب القريب في الإنسان؟ هذه مسألة أخرى، وقول بوحديبة فيها واضح وجازم، وهو أن الإسلام مشروع إنسي غايته الكرامة البشرية وسعادة البشر، وأن الحضارة الإسلامية انبنت واغتنت بالانفتاح على الآخر، بل جسدت في تعبيراتها العليا فكرة الحب الكوني. نفهم من ذلك أن بوحديبة يفرق بين ما جاء به ومن أجله الإسلام، وما فعلته به جماعات من المسلمين، وهو ما يطرح من الآن مشكل طريقة التعامل مع هذا الإرث: أتكمن مهمة الباحث الاجتماعي في تحليل الكيفيات التي بها فهمت وعاشت أطياف المسلمين المختلفة دينَها، أم في التمييز بين مرادٍ إلهي وتوجيهات نبوية تمثّل «جوهر الإسلام» من جهة، وسلوكات للمسلمين تقترب أو تبتعد عن المثل الأعلى والنموذج القدوة من جهة أخرى؟

2. الإنسان في الإسلام

المنحى السابق هو ما انخرطت فيه قراءة بوحديبة وعلى نحو متزايد. ومن هذا المنظور يعتبر أن الإسلام فوض للإنسان سلطات لا نهاية لها بفضل العقل والحرية، وتفيد قصة الخلق أن الله فضل الإنسان على سائر المخلوقات، وترك له حرية تقرير مصيره، ولكنه علمه أيضًا المبادئ الأخلاقية حتى لا ينساق إلى حرية عمياء. وهناك حدث ثان مهم وغني بالدلالات، وهو ختم النبوة الذي فتح الباب عريضًا للاجتهاد البشري، وأعطى للعقل صلاحيات متزايدة لإدراك الحقيقة وتحمل المسؤولية. في هذا الكتاب الثاني يقول بوحديبة إن الإسلام أقام حضارة إنسية لم تكن تستجيب لنداء «الله أكبر» وحسب، وإنما اتسعت للبحث عن العقل والحكمة والعلم، كما أعطى البشر أهدافًا ودوافع للفعل وحرر طاقاتهم؛ ما يجعلنا إزاء «إنسية كلية» و«إنسان كلي» عبر أعماله وإبداعاته في سائر المجالات. ضمن هذه المجالات، اختار بوحديبة أربعة لتوضيح مقترحه:

(8) Ibid., pp. 71–79. (9) Abdelwahab Bouhdiba,  L’Homme en islam (Tunis: Sud Editions, 2006), pp. 11–12. (10) Ibid., pp. 13–44.

• الأول هو القانون أو الشريعة: ففي تعارض مع الأفكار الشائعة، تعبّر الإنسية الإسلامية عن نفسها في

المقام الأول من خلال الشريعة، والفقه هو المشروع الأكثر نسقية لتحويل تعاليم القرآن والسنة إلى قوانين وضعية يجري تكييفها باستمرار بحسب تغير العصور والشعوب. • الثاني هو الآداب العربية والإسلامية التي مثّلت عملً إبداعيًا يستقي إلهامه من مختلف الينابيع

الثقافية، كما تدل عليه كتابات ابن المقفع والجاحظ والتوحيدي. • الثالث هو الفلسفة الإسلامية التي تناولت مبحثَي تنظيم المدينة، وعلاقة العقل بالإيمان في السعي إلى الحقيقة. • الرابع هو التصوف الذي انتهى إلى البحث عن الإنسان الكامل، كما جاء في عنوان كتاب لعبد الكريم الجيلي. على أن هذا العرض التحليلي، الذي قدمه بوحديبة عن التعبيرات الإنسية في الإسلام، لم يكن سوى دفعة أولى ضمن المجهود الذي انخرط فيه لبيان أوجه تعامل المسلمين مع مسألة الغيرية، ثم الدفاع

عن الطرح الإيجابي والاتجاه الإنسي بل الكوني للإسلام. ولذلك نعتبر الكتاب الثالث استكمالً للمجهود نفسه وفي الاتجاه ذاته.

3. الإسلام انفتاح وتجاوز

يستهل المؤلف كتابه هذا بتأكيد كونية القيم الإنسانية، رغم ما تتعرض له من انتهاك من جهة، وما يقابلها من خصوصيات وتنوع من جهة أخرى: فتعدد الجماعات والشعوب ليس سوى طريق مفتوح للتعارف، والبشر جميعًا مدعوون، بوصفهم أبناء الإنسان، ويسكنون دارًا واحدة، إلى انتهاج سبيل

الحوار والانخراط في ال «نحن» المشترك. فكرة الحوار تُمليها متطلبات الحاضر، كما تستخلص من التجارب والمصائر التي عرفتها الثقافات، سواء في ذلك اللحظات الممتازة للحضارات الإنسانية أو الانقطاعات التي حصلت بينها. وتأسيسًا على هذه القناعة قرأ بوحديبة مجددًا تاريخ الإسلام وزار

أراضيه غربًا وشرقًا، معتبرًا كتابه هذا «نداءً للإنسان الذي في دخيلتنا ودعوة كي لا يقع التنكر للبعد

الإيجابي في ثقافتنا، خاصة من جانب النزعات الكليانية التي حولتها إلى أشكال مجردة وقناع يخفي

أعمالً إجرامية»، وهذه النزعات يسميها «الوهابية والإسلاموية والتمامية (Intégrisme) ». يرسم الكتاب لوحة عن الإسلام المنفتح والإنسي بالإفادة من أعمال مؤرخين كبار، يتقدمهم فرناند بروديل، وبيانهم كيفيات تهيكل المجتمعات وعلاقاتها البينية وإسهامها في مورفولوجية الحضارات. وفي ضوئها يفسر مسار تشكل الحضارة الإسلامية وانفتاحها بعوامل ثلاثة؛ التوجه الكوني للإسلام، ومحدودية الوزن السكاني للعرب، مما استدعى الاعتماد على جماعات غير عربية الأصل، ثم دور العالم الإسلامي مركزًا ومعبَرًا للتجارة العالمية.

(11) Ibid., pp. 45–88. (12) Abdelwahab Bouhdiba, L’islam ouverture et dépassement (Tunis: Sud Editions, 2018), pp. 12–14.

بخصوص المنحى الكوني، ورغم أن الإسلام لم يكن جذريًا بما يكفي في رفض العبودية، وكذلك رغم

محدودية الإصلاحات التي شملت وضعية المرأة مقارنةً بوصايا النبي، فقد ساعد التوحيد على اعتبار الأخوّة بين البشر أمرًا أساسيًا، كما قامت «الإمبراطورية» على أرضية الوحدة بين الداخلين في دين

الإسلام بقطع النظر عن العرق واللون واللغة. فالمبدأ هو أن لا فرق بين أعجمي وعربي إلا بالتقوى، واليد ممدودة إلى أهل الكتاب، ومن وراء ذلك كله الانتساب إلى آدم أساسًا لتضامن كوني. وبخصوص العاملَين الديموغرافي والتجاري، لم يكن عدد العرب كافيًا لغزو العالم وإدارته، فسمحوا

لسائر الشعوب التي بلغتها دعوة الإسلام بالمشاركة في ملحمتهم. ومن هنا أتى الدور الحاسم الذي أدّاه المسلمون الجدد من غير العرب، وهم الذين سمّوا «المَوالي» في هذه الحضارة مركبة الأصول،

سواء في مجال إدارة الدولة أو الإنتاج الأدبي أو ضبط النص القرآني والحديث النبوي وحتى في تقعيد النحو العربي. وعلى الصعيد الاقتصادي لخص بروديل الأمر عندما تحدث عن سيولة الإسلام بوصفه

حضارة حركةٍ وعبورٍ للسلع، وإلى جانب ذلك حركة انتقال واسعة للأشخاص والأفكار والفنون ولأهل الأدب والطب والمترجمين والوراقين، وهو ما ساعد على امتداد الإسلام إلى أصقاع بعيدة من دون اللجوء إلى السيف. يعتبر بوحديبة أن هذه الحركية أنتجت ثقافة بلا حدود، من تجلياتها ما أصبح يعرف بالأدب العربي الذي ابتدعه عبد الله بن المقفع، وهو المرادف لما عرف في أوروبا باسم «الإنسانيات». هذا الأدب هو حصيلة عملية ضخمة من الترجمة والتمثّل أعطت شعوبًا مختلفةً المرجعيات والمعايير نفسها، وأنتجت

أعمالً جديدة وأصيلة، من ضمنها كتاب كليلة ودمنة الذي جمع بين جاذبية القصة والمعرفة بخبايا النفس البشرية، كما تضمن مدونة للقيم الأخلاقية. والنموذج الثاني لهذا الإنتاج الإنسي، الذي لقي رواجًا واسعًا في الغرب، كتاب حي بن يقظانلابن طفيل الذي أعاد الاشتغال على أسطورة الإنسان

الذي نشأ في عزلة، وانخرط في تجربة البحث عن الحقيقة، ليتوصل إليها بحدسه وعقله ودونما حاجة إلى الوحي. هذا العمل الفلسفي، وإن لم يكن يعارض القرآن، يعدّ الوحي مفيدًا للعامة، هو بمنزلة عقيدة إنسية واحتفال بالعقل، باعتباره كافيًا لتوجيه الإنسان في سائر المجالات. وعلاوة على التثاقف في حقلي الأدب والفلسفة، تجدر الإشارة إلى الحوار بين الإسلام والأديان الأخرى. صحيح أنه وجدت نزاعات مدارها نقض عقائد الآخر، ولكن بوحديبة اختار صرف النظر عنها والاهتمام بالالتقاءات التي كانت صادقة وعميقة وخصبة، وفي المركز منها مشروع الديانة الكونية. هذا المشروع رأى النور في إسبانيا – الأندلس في القرن الثالث عشر على يد رامون لُول Lull Ramon في مساعيه للتقريب بين المسيحية والإسلام وتأكيد القرابة بين الأديان التوحيدية، حتى وإن وجدت محاولته حدودها في محاولته جلب المسلمين إلى حظيرة المسيحية. وفي المقابل، جسد محيي الدين بن عربي فلسفة وحدة الإيمان، ولم يزعجه تعدد الأديان، ولا سعى لإقناع أحد بدينه لأن اهتمامه كان

(13) Ibid., pp. 16–25. (14) Ibid., pp. 39–53.

موجهًا إلى «الحب الكوني»؛ ما جعله يفتح قلبه حتى للملحدين وعبدة الأوثان. هذه هي رسالة

المتصوفة في الحقيقة، والتي نجد ما يضارعها في ثمرة التقاء الإسلام بأديان الهند متمثّلة في فكرة «دين إلهي»، نادى بها الإمبراطور المغولي المسلم جلال الدين أكبر، والذي كرس جهوده لتحقيق التقارب

بين الأديان، وانتهى بالبحث عن سِلْمٍ عالمية شاملة أسماها «صلحًا كليًّا ». لا يتسع المجال لاستعراض مختلف فصول هذا الكتاب الذي آلى صاحبه على نفسه العودة إلى تاريخ الحضارات، ليبين أن الإسلام كان إطارًا واسعًا لنسج علاقات معقدة تؤطرها نزعة الانفتاح على الآخر،

كما كان تجاوزًا للحدود العقدية والحضارية والقومية من جهة، وصمودًا للمميزات والعبقريات

الخاصة بكل ثقافة من جهة أخرى. من ذلك، مثل، ما تجلى في مجريات الحروب الصليبية، حيث لم

تكن المواجهات الدموية سوى أَحد وَجْهيْ علاقة مركبة تخللها تعارف وتثاقف ومبادلات من كل نوع،

واحترام الخصم، على غرار ما حصل بين ريتشارد قلب الأسد وصلاح الدين الأيوبي الذي تحول إلى أسطورة في الغرب. ذلك التثاقف المكثف ذاته تجلى في الفن المعماري وهندسة القصور والمساجد والقباب والمآذن وحتى المدافن، مما صوره المؤلف بعناية بالرجوع إلى حكايات قصر الحمراء في غرناطة وتاج محل في الهند وكنيسة آيا صوفيا في إسطنبول التي تحدت الأتراك عندما حولوها إلى جامع بروحها البيزنطية، وأجبرتهم على البحث عن معمار عثماني أصيل. وأخيرًا، فقد تجسد التقاء الحضارات في الإنتاج الاستشراقي الذي راجع بوحديبة بشأنه موقفه النقدي

الحازم ليعترف بدور المستشرقين في تعريف الغرب بمميزات الإسلام، ويتوقف عند لقاءات تاريخية كان من أبرزها اكتشاف الشاعر الألماني غوته الإسلام، وتأثره العميق بالأدبيات الصوفية والشعر الغنائي الفارسي؛ ما جعله يكتشف في الإسلام دينًا إنسيًا يقدس الحب. لمَ كل هذا الجهد المبذول طوال عشرين سنة من أجل إبراز الصفحات المشرقة للإسلام، والنتائج الباهرة

للتفاعلات والمبادلات الحضارية التي انخرط فيها وتقديمه في صورة الدين الكوني والإنسي؟ ثم في أي إطار معرفي وأي تخصص يمكن وضعه علمًا، وصاحبه قدم نفسه طوال أربعة عقود عالم اجتماع؟ كنا أشرنا إلى القلق والانزعاج الذي أحدثته في نفس بوحديبة الصورة السلبية والمشوهة عن الإسلام. صورة قديمة لا محالة، ولكنها تجددت وبرزت بقوة منذ تفجيرات نيويورك لتحرك نزعة كراهية الإسلام، ثم تلقت مددًا بصعود الإرهاب وعملياته المدمرة. يفسر هذا السياق الجديد مطالبة بوحديبة بإعادة

تنشيط الإنسية الإسلامية أو استنبات هذه الإنسية التي هاجرت من العالم الإسلامي إلى الغرب. إن الرسالة الإنسية للإسلام أصبحت مستعجلة «فمختلف أشكال التمامية أو الكليانية الدينية تدل على حجم الكارثة، وما يجري من استيلاء على الدين من حركات سياسية ذات نشاطية عالية، ولكنها بلا أفق». فما الحل؟ أو بالأحرى ما العلاج؟ يقول بوحديبة إنه يكمن في الإيمان بإنسية تجد أساسها

(15) Ibid., pp. 53–62. (16) Ibid., pp. 34–36, 53–88. (17) Bouhdiba,  L’Homme, pp. 101–103.

في إنسية الإيمان. الإنسية المسلمة كهمزة وصل بالحداثة لها دور كبير تؤديه. إن الإنسية اليوم هي إنسية حقوق الإنسان والديمقراطية والمشاركة والتعددية الاجتماعية والسياسية وتحرير المرأة.

ثالثًا: بين تمجيد الإسلام وإدانة الإسلاميين: من البحث السوسيولوجي إلى الخطاب الأيديولوجي

مع كتابات عبد الوهاب بوحديبة نجد أنفسنا إزاء مسيرة، تعالج، منذ انطلاقها، قضايا التنمية والعائلة

والقيم بطرح مسألة الوعي الديني ومساءلة التدين، وما إذا كان التزامات طقوسيةً لا روح فيها أو تعبيرًا

عن الضمير والإيمان. وبعد ذلك بنصف قرن، يجد الباحث نفسه أمام الإشكال ذاته، لكن في محيط عالمي وإسلامي قد تغير كثيرًا. عولمة وتصدع أو تفكك لدول وطنية، وقفزة هائلة في أطر نشاط

ووسائل تأثير صنفين من الإسلام المعاصر، هما الإسلام الوهابي المتشدد في السلوك الظاهر وشكليات التدين مع القبول بالأنظمة السياسية القائمة، والإسلام السياسي المتطرف في رفضه للواقع جملة والمنتج للتكفير والإرهاب. نحن، إذ ا، إزاء تبلور أنموذجين تفصل بينهما هوة سحيقة: إسلام استعراضي خارجي وميال إلى العنف، وإسلام يعبر عن السرائر والإيمان القلبي ويتسم بالسماحة والتسامح والانفتاح. لكن القبول بمثل هذه النماذج المثالية وتفعيلها لتحليل الحالات التاريخية الملموسة يقتضي توخي الحذر، وتحكيم المبادئ الإبستيمولوجية والقواعد المنهجية المعمول بها في العلوم الاجتماعية، ومنها الحياد القيمي والتحرر من الأحكام المسبقة والنوازع الذاتية والانحياز الأيديولوجي. ونحن لا نرى بوحديبة في كتابيه الأخيرين يتقيد بهذه القواعد أو يحسب لها حسابًا. فهو ينتج في هذين المؤلفين،

على الخصوص، خطابًا افتخاريًّا وتمجيديًّا عن الإسلام، يتجاهل، عند إحالاته القرآنية، الآيات الكثيرة

التي قد يراها آخرون محرجة للعقل الإنسي والحقوقي، والتي تحتاج إلى تفسير أو تأويل حتى يمكن الكلام عن رسالة محمدية كونية وخالدة، الأمر الذي أحجم بوحديبة عن التطرق إليه. يكتفي المؤلف كذلك في حديثه عن الإرهاب بعبارات تشهير لا تقول لنا شيئًا ذا قيمة علمية عن عوامله ودوافعه، كما يتحدث بصيغة التعميم عن الحركات الإسلامية، رغم تنوعها والاختلافات التي صارت معروفة بينها، ويحشر الإسلاميين جميعًا مع الخوارج والحشاشين والإرهابيين في كيس واحد، وهو،

لعمري، مسلك ينافي متطلبات البحث العلمي. والواقع أن الحرية التي يأخذها بوحديبة في هذا الصدد ليست جديدة، بل نجدها في كتاباته منذ الستينيات في هجومه على العلماء التقليديين والإصلاحيين،

وتوظيف ما أسماه علم الاجتماع المناضل لشرعنة سياسات الدولة وصولً إلى الإشادة ببعد نظر الرئيس بورقيبة. نحن لا نلوم بوحديبة على خياراته القيمية التي هي حق له ولكل باحث، إلا أن هذا الحق يُلزمه في

المقابل توخي الحياد والموضوعية والدقة. المشكل أن المنحى الذاتي والمؤدلج حاضر في كتابات

(18) Ibid., pp. 103–104.

يفترض أن تعكس مرحلة النضج الفكري. وكتاباه الإنسان في الإسلاموالإسلام انفتاح وتجاوز يتسمان بحضور قوي للمقاربة المعيارية الأخلاقية للقضايا المطروحة، وبصيغ من التعميم لا نجد ما يبررها في معطيات البحث. من جهة أخرى، لم يذكر عبد الوهاب بوحديبة في ثلاثيته علم الاجتماع إلا نادرًا، ولم يستخدم مناهجه

ومفاهيمه، ربما لأن مقاربته الأخلاقية والفلسفية والحضارية لقضية الغيرية تتيح له حرية تطوير مقولة الإسلام الإنسي، والتفتح على الكونية بصورة لا تسمح بها البروتوكولات الصارمة لعلم الاجتماع. ولعل هذا ما جعله يصف مقاربته بالأناسية والفلسفية و«الإسلامولوجية» (الإسلاميات الكلاسيكية طبعًا،

وليست التطبيقية على طريقة أركون.)

الخاتمة

ثمة ملاحظة أخيرة تراودنا، ونحن الذين تتلمذنا على الأستاذ بوحديبة منذ مطلع السبعينيات، وتابعنا إصداراته، وعاينا أنه، باستثناء نصوص يتيمة، قد كتب معظم تأليفه بلغة فولتير، رغم إتقانه لغة الضاد، ما يطرح السؤال. ورغم هذه الملاحظات، لا بد من التنويه بالمعرفة الموسوعية التي وظفها في استعراضه الإبداعات الفلسفية والأدبية والفنية والمعمارية، وكذلك بخصوبة وجاذبية تأويله الإنسي المُشبع بالنفحات

الصوفية، والمنفتح على مبادئ وحقوق الإنسان الحديثة للرسالة المحمدية، مع إبراز النزعة الكونية للإسلام وتجليات معانقته الإنسانية والآخر.

References

المراجع

العربية

بوحديبة، عبد الوهاب. لأفهم: فصول عن المجتمع والدين. سلسة موافقات 8. تونس: الدار التونسية للنشر،.1992

الأجنبية

Bouhdiba, Abdelwahab. A la recherche des normes perdues. Tunis: M.T.E., 1973. ________. L’expérience de l’altérité dans les sociétés musulmanes. Collection: Arcantères essais. Paris: Arcantères Editions, 2002. ________. L’Homme en islam. Tunis: Sud Editions, 2006. ________. L’islam ouverture et dépassement. Tunis: Sud Editions, 2018. Rencontre islamo–chrétienne. Conscience musulmane et conscience chrétienne aux prises avec les défis du développement, Tunis, 11-17/11/1974. Collection Cahiers du C.E.R.E.S. Série études islamiques, 5. Tunis: Université de Tunis, CERES, 1974.