العودة إلى تفاصيل المؤلَّف مدخل لفهم الاقتصاد السياسي للأراضي الفلسطينية المحتلة

مدخل لفهم الاقتصاد السياسي للأراضي الفلسطينية المحتلة

An Introduction to the Political Economy of the Occupied Palestinian Territory

طارق دعنا | Tariq Dana *

الملخّص

تقدم هذه الدراسة تمهيدًا في فهم أوضاع وتحولات المناطق الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967 من منظور الاقتصاد السياسي، وتركز على الاستراتيجيات والآليات التي يتبناها الاحتلال الإسرائيلي من أجل إعادة هندسة التفاعل بين حقلي السياسة والاقتصاد؛ خدمةً لأهدافه في تطويع السكان وفرض السيطرة الاستعمارية على الأراضي. وتسعى الدراسة لتحفيز طلاب الدراسات العليا والباحثين الناشئين، خصوصًا في حقل الدراسات الفلسطينية، إلى تبني الاقتصاد السياسي منهجًا عابرًا للتخصصات في تحليل الظواهر المركبة وتحفيزها. إن قدرة منهج الاقتصاد السياسي على تقديم قراءة نقدية تفكيكية للواقع الاستعماري يساهم جوهريًا في إثراء الجهود الرامية إلى إعادة بناء الحركة الوطنية الفلسطينية على أسس سياسية - اقتصادية جديدة لمجابهة الاستراتيجيات الاستعمارية الإسرائيلية.

Abstract

Abstract: This paper introduces the political economy perspective of the conditions and transformations of the Palestinian territories occupied since 1967. It focuses on the strategies and mechanisms adopted by the occupying forces to re–engineer the interaction between politics and economics in order to subjugate the population and enforce colonial control over the territories. This paper encourages graduate students and emerging researchers, especially in the field of Palestinian studies, to adopt the political economy as an effective inter– disciplinary method to understand and analyse complex phenomena. The ability of the political economy to provide a critical deconstructive reading of colonial realities is instrumental in efforts to rebuild the Palestinian national movement on new political–economic grounds to counter Israeli colonial strategies.

الكلمات المفتاحية:
  • الاقتصاد السياسي
  • الاستعمار الاستيطاني
  • الهيمنة الاقتصادية
  • التهدئة الاقتصادية
Keywords:
  • Political Economy
  • Settler-Colonialism
  • Economic Hegemony
  • Economic Stabilisation

ملخص: تقدم هذه الدراسة تمهيدًا في فهم أوضاع وتحولات المناطق الفلسطينية المحتلة منذ عام 9671 من منظور الاقتصاد السياسي، وتركز على الاستراتيجيات والآليات التي يتبناها الاحت لاا الإسرائيلي من أجل إعادة هندسة التفاعل بين حقلي السياسة والاقتصاد؛ خدمةً لأهدافه في تطويع السكان وفرض السيطرة الاستعمارية على الأراضي. وتسعى الدراسة لتحفيز طلاب الدراسات العليا والباحثين الناشئين، خصوصًا في حقل الدراسات الفلسطينية،

إلى تبني الاقتصاد السياسي منهجًا عابرًا للتخصصات في تحليل الظواهر المركبة وتحفيزها.

إن قدرة منهج الاقتصاد السياسي على تقديم قراءة نقدية تفكيكية للواقع الاستعماري يساهم جوهريًا في إثراء الجهود الرامية إلى إعادة بناء الحركة الوطنية الفلسطينية على أسس سياسية –

اقتصادية جديدة لمجابهة الاستراتيجيات الاستعمارية الإسرائيلية.

Abstract: This paper introduces the political economy perspective of the conditions and transformations of the Palestinian territories occupied since 1967. It focuses on the strategies and mechanisms adopted by the occupying forces to re–engineer the interaction between politics and economics in order to subjugate the population and enforce colonial control over the territories. This paper encourages graduate students and emerging researchers, especially in the field of Palestinian studies, to adopt the political economy as an effective inter– disciplinary method to understand and analyse complex phenomena. The ability of the political economy to provide a critical deconstructive reading of colonial realities is instrumental in efforts to rebuild the Palestinian national movement on new political–economic grounds to counter Israeli colonial strategies.

Assistant Professor at the Center for Conflict and Humanitarian Studies, Doha Institute for Graduate Studies.

مقدمة

احتلت إسرائيل عقب الحرب العربية – الإسرائيلية عام 9671 الأجزاء المتبقية من فلسطين التاريخية، أي الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، وقطاع غزة، والتي تعرف حاليًا باسم

«الأراضي الفلسطينية المحتلة» التي كان احتلالها استكمالً واستمرارًا للمشروع الاستعماري –

الاستيطاني الصهيوني، الساعي لإقامة دولة يهودية حصرًا، بالتوازي مع السيطرة على الأراضي واقتلاع

السكان الفلسطينيين. وعلى الرغم من استمرار الأهداف الاستراتيجية نفسها، طبّقت إسرائيل نهجًا مختلفًا، إلى حدٍّ بعيدٍ في

إدارة الأراضي الفلسطينية المحتلة وسكانها، عن النهج الذي اتبعته تجاه الفلسطينيين داخل ما أصبح يسمى إسرائيل بعد عام 948.1 لقد كان للمسألة الديموغرافية الأولوية القصوى في توجيه النهج الإسرائيلي تجاه المناطق الفلسطينية المحتلة؛ ففي حين عمل التطهير العرقي الصهيوني للمدن

والقرى الفلسطينية، ما قبل عام 948 1، على ضمان التفوق الديموغرافي والمؤسساتي اليهودي مِمَّا

مكَّن من تأسيس دولة إسرائيل، نزح من الأراضي المحتلة عام 9671 نحو 035 ألفًا من السكان، وبقي فيها أكثر من 1.5 مليون فلسطيني يعيشون في مواجهة يومية مباشرة مع الاحتلال الإسرائيلي. شكّل هذا الواقع الديموغرافي تحديًا أساسيًا للمشروع الصهيوني الساعي لفرض سيادة إسرائيلية

مطلقة وكاملة على أرض فلسطين التاريخية وإفراغها من السكان. ولذلك لم تتوجه القيادة الإسرائيلية نحو الضمّ الرسميّ للأراضي الفلسطينية المحتلة، وفرض الجنسية على سكّانها الفلسطينيين، خوفًا

من أن هذا التوجه قد يؤدي إلى عواقب بعيدة المدى على هوية الدولة الإسرائيلية وعلى المشروع الصهيوني برمته، خاصة إذا مال التوازن الديموغرافي إلى مصلحة الفلسطينيين في المستقبل غير البعيد. ومن أجل التغلب على «العبء الديموغرافي»، صمم واضعو السياسات في إسرائيل عدة استراتيجيات مركبة ومتعددة الأبعاد، جمعت بين إدارة السكان وسلب الأراضي، عبر فرض أشكال مختلفة من الضغوط السياسية والاقتصادية والقانونية والمؤسساتية والسيكولوجية. بعد تجاوز نصف قرنٍمن تغلغل هياكل الاستعمار – الاستيطاني الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وأكثر من خمسة وعشرين عامًا على انطلاق عملية أوسلو وتأسيس السلطة الفلسطينية،

تراكمت وتشابكت مجموعة من التناقضات والظواهر البالغة التعقيد، والتي تشكل في مجملها أحد مصادر الخصوصية التي تتسم بها القضية الفلسطينية. وقد نتج بعض هذه الظواهر والتناقضات من التفاعل المتزامن بين نمط الاستعمار الكلاسيكي المباشر Rule Colonial Direct (الاحتلال العسكري، والاستعمار الاستيطاني، والعنف البنيوي ضد السكان، ونهب الموارد الاقتصادية، واقتلاع السكان الأصليين وتهجيرهم)، والحكم الاستعماري غير المباشر Rule Colonial Indirect (إدارة السكان من خلال نخب ومؤسسات محلية مُذعنة، والتنسيق الأمني، وقمع المقاومة)، ونمط الاستعمار

الجديد Colonialism – Neo (التبعية الاقتصادية، والإخضاع السياسي، ومشروطيات المانحين، والسياسات النيوليبرالية). فلم يحدث سابقًا، على مدار التاريخ الاستعماري، أن تزامن نمط الاستعمار التقليدي المباشر مع نمط الاستعمار الجديد. ولم يرد تاريخيًا أن قامت القوى الاستعمارية بتطبيق

الحكم الاستعماري المباشر بالتوازي مع الحكم الاستعماري غير المباشر. وبذلك تمثل الحالة الفلسطينية صورة فريدة من نوعها في التاريخ الاستعماري. تقدم هذه الدراسة تمهيدًا لفهم أوضاع المناطق الفلسطينية المحتلة وتحولاتها من منظور الاقتصاد السياسي، وتسعى من خلال ذلك لتسليط الضوء على بعض الاستراتيجيات الإسرائيلية والتأثيرات الإقليمية والدولية، التي ساهمت في تحولات المناطق الفلسطينية المحتلة كنتيجة مصاحبة أو ناتجة من التفاعل بين السياسي والاقتصادي. تهدف هذه الدراسة إلى أمرين أساسيين: أولً، أن تكون بمنزلة ورقة مرجعية لطلاب الدراسات العليا والباحثين الناشئين في حقل الدراسات الفلسطينية، خصوصًا من منظور الاقتصاد السياسي. ثانيًا، التحفيز إلى تبني منهج الاقتصاد السياسي؛ نظرًا إلى قدرته

التحليلية في تفسير ظواهر شديدة التعقيد تنطوي على ديناميات وتناقضات مبطنة يصعب رصدها من خلال مناهج البحث التقليدية، سواء تلك التي تعتمد على أدوات التحليل السياسي المنفرد، أو الأدوات المهيمنة في التحليل الاقتصادي.

أولا: الاستراتيجيات الإسرائيلية منذ عام 1967

منذ احتلال الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 9671، استند الإطار الاستراتيجي لإسرائيل في حكم الأراضي الفلسطينية المحتلة إلى المبدأ المزدوج: الهيمنة الاقتصادية Domination Economic والتدجين الاقتصادي Pacification Economic. وعلى الرغم من التفاوت في تطبيق المبدأين كليهما، أو تعديلهما مع مرور الوقت، أو تغليب أحدهما على الآخر في أوقات أخرى، من أجل التكيف مع السياق السياسي المتغير، فقد استُخدما أساسًا بأسلوب التطبيق المتزامن بما يعزز التوسع

الاستعماري الإسرائيلي واحتواء القدرة الفلسطينية على المقاومة والردع. يمثّل هذا المبدأ المزدوج أيضًا دعامة لاستراتيجية استعمارية أوسع نطاقًا، ذات أهداف سياسية غير معلنة. فقد أدى تطبيق الهيمنة الاقتصادية والتهدئة الاقتصادية إلى تغيير جذري في مشهد الاقتصاد السياسي الفلسطيني بعد عام 9671، وإلى إعادة تشكيلٍ واسعٍ للمؤسسات المحلية، والنشاطات

الاقتصادية، فضلً عن البنى والعلاقات الاجتماعية. يسير المبدأ الأول، الهيمنة الاقتصادية، وفق المنطق الاستعماري الكلاسيكي القائم على إخضاع اقتصاد السكان الأصليين، عن طريق نزع الملكية والسيطرة على الموارد الاقتصادية والاستغلال والعنف البنيوي، مستهدفًا على نحو منتظم المجالات الحيوية للأرض والموارد الطبيعية والعمالة. وفي حالة الاستعماري – الاستيطاني، يكون الهدف النهائي لهذه الممارسات تدمير المجتمعات المحلية عن طريق إقامة مجتمع استعماري جديد على الأراضي المصادرة. لذلك تحمل الهيمنة الاقتصادية للقوى الاستعمارية – الاستيطانية أهدافًا تطهيرية وإحلالية بطبيعتها.

(1) Patrick Wolfe, «Settler Colonialism and the Elimination of the Native,» Journal of Genocide Research , vol. 8, no. 4 (December 2006), p. 388.

طبقت إسرائيل، بوصفها كيانًا استعماريًا – استيطانيًا، سياسات ممنهجةً لإخضاع الموارد الاقتصادية

الفلسطينية والتحكّم فيها لمصلحة الاقتصاد الاستعماري، وتدمير القاعدة الإنتاجية الفلسطينية. وقد كان إنشاء إدارة عسكرية لحكم الأراضي الفلسطينية المحتلة وتنظيم حياة السكان من الإجراءات الأولى التي تبنتها إسرائيل، من أجل شرعنة هيمنة المؤسسات والقوانين الاستعمارية؛ حيث كانت الإدارة العسكرية مسؤولة عن إصدار الأوامر العسكرية التي تضمنت العديد من السياسات الاقتصادية، التي قيدت واخترقت، على المستويين الكلي والجزئي، مختلف جوانب الحياة الاقتصادية الفلسطينية. فمن ناحية أولى، أحلّت إسرائيل نظامها النقدي محل جميع البنوك والمؤسسات المالية المحلية والعربية العاملة في المناطق المحتلة، ليصبح «بنك إسرائيل» السلطة العليا المسؤولة عن الترتيبات النقدية ومن ضمنها فرض العملة الإسرائيلية (الشيقل) عملة رئيسة للتبادل الاقتصادي والمعاملات اليومية. ومن ناحية ثانية، عملت الحكومات الإسرائيلية المتتالية على المصادرة المكثفة للأراضي ونزع ملكيات السكان الفلسطينيين وبناء المستوطنات على مساحات استراتيجية وغنية بالموارد. وقد

طُرحت سياسة مصادرة الأراضي على أساس ذرائع مختلفة، راوحت بين «الأمن» من طرف حكومات حزب العمل الإسرائيليّ والتبريرات الأيديولوجية من طرف حكومات الليكود والحركات اليمينية. وقد

استهدفت إسرائيل عمدًا مصادرة الأراضي الزراعية والغنية بالموارد الطبيعية والمياه لخدمة النشاط الاقتصادي الاستيطاني. ومن ناحية ثالثة، فرضت إسرائيل سيطرتها الكاملة على الحدود والمعابر البريّة والبحرية والجوية

كافة؛ ما أدى فعليًا إلى تقييد حركة الناس والتجارة والتفاعل مع العالم الخارجي. ومن خلال تقييد

التبادل التجاري مع العالم الخارجي، أغرقت إسرائيل السوق الفلسطينية بالسلع والمنتجات الإسرائيلية لتصبح الأراضي الفلسطينية المحتلة «سوقًا مختطفة» للصادرات الإسرائيلية. ومن اللافت أن واردات السلع من إسرائيل في السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين شكلت أكثر من 90 في المئة من إجمالي الواردات، لتصبح الأراضي الفلسطينية المحتلة ثاني أكبر وجهة لصادرات إسرائيل بعد الولايات المتحدة الأميركية. كما فرضت إسرائيل قيودًا إضافية على التجارة من خلال اتحاد جمركي أحادي الاتجاه ونظام ضريبي ثقيل الوطأة على النشاطات الاقتصادية الفلسطينية (رسوم جمركية، وضريبة الدخل، وضريبة القيمة المضافة)؛ وهو الأمر الذي منح المنتجات الإسرائيلية حرية الوصول إلى السوق الفلسطينية، وقيّد

في الوقت نفسه وصول المنتجات الفلسطينية إلى السوق الإسرائيلية. ومن ناحية رابعة، وضعت إسرائيل قيودًا على إصدار تراخيص إنشاء المناطق الصناعية والقيام بنشاط صناعي في الأراضي

(2) Yusef Sayigh, «Dispossession and Pauperisation: The Palestinian Economy under Occupation,» in: George T. Abed (ed.), The Palestinian Economy: Studies in Development under Prolonged Occupation , The Economy of the Middle East Series (London: Routledge, 1988), p. 260. (3) Sahar Taghdisi–Rad, The Political Economy of Aid in Palestine: Relief from Conflict or Development Delayed? Routledge Political Economy of the Middle East and North Africa (London: Routledge, 2010), p. 16.

الفلسطينية المحتلة، لتسمح فقط بعدد قليل من الصناعات الخفيفة المستندة إلى معالجة المواد الخام أو شبه المصنعة وخاصة في مجالات الغذاء والنسيج والملابس المكمِّلة للصناعات الإسرائيلية. وقد

أدى ذلك إلى دفع المنتجين الفلسطينيين إلى التعاقد من الباطن بدلً من التنافس مع الصناعات الإسرائيلية التي كانت تحظى بدعم سخي من الدولة. وبسبب تقييد التجارة والصناعات، أصبحت السوق الفلسطينية «أرضًا ملائمة للمخلّفات الصناعية الإسرائيلية غير المطابقة للمواصفات، والتي لا تستطيع منافسة المصنعين المحليين في البلدان الصناعية في أوروبا وأميركا الشمالية». ولم تحقق هذه السياسات أرباحًا ضخمةً للاقتصاد الإسرائيلي فحسب، بل أنتجت كذلك طبقة جديدة من

الرأسماليين الإسرائيليين اعتمدت أرباحها أساسًا على تسويق منتجاتهم في السوق الفلسطينية في

الأراضي الفلسطينية المحتلة. ومن ناحية خامسة، أُخضعت للسيطرة الإسرائيلية التامة جميعُ المدخلات الضرورية اللازمة للاقتصاد،

والمرتبطة بالاحتياجات اليومية الأساسية للسكان، مثل الاتصالات والنقل والكهرباء والإنشاءات والبنية التحتية. وقد تُركت هذه الخدمات الحيوية عن عمد في وضعٍ يُرثى له، وغالبًا ما استخدمتها

إسرائيل لمعاقبة من ينشط في المقاومة السياسية من الأفراد والمجتمعات المحلية. يرد في تصريح صادر عن موشيه ديان، وزير الدفاع الإسرائيلي والمهندس الرئيس للاقتصاد السياسي في الأراضي الفلسطينية المحتلة بعد عام 9671، «عندما تتغذى شبكة الكهرباء في الخليل من الشبكة المركزية [الإسرائيلية]، ونكون قادرين على نزع القابس وقطع الكهرباء، فهذا، كما هو واضح، أفضل من ألف عملية من عمليات منع التجول وتفريق الشغب». وقد نفذت الإدارة المدنية الإسرائيلية هذه السياسة رسميًا، وعلى نحو واسع في الثمانينيات، بغية

تقويض النفوذ المتزايد لمنظمة التحرير الفلسطينية في الأراضي الفلسطينية المحتلة؛ الأمر الذي أدى إلى حرمان قرى وبلدات بأكملها من خدمات الكهرباء والاتصالات وتصاريح البناء والبنية التحتية الأساسية. أخيرًا، مع نجاحها في تدمير الزراعة الفلسطينية وتعطيل التنمية الصناعية، اجتذبت إسرائيل

القوى العاملة الفلسطينية إلى العمل في ورشات البناء والمصانع والمزارع الإسرائيلية، ودفعت نحو تحويل الأراضي الفلسطينية المحتلة إلى خزان للعمالة الرخيصة وغير الماهرة، المعتمدة على السوق الإسرائيلية مصدرًا أساسيًا ووحيدًا للدخل، في حين تمكنت إسرائيل في الوقت نفسه من حماية

اقتصادها من الاعتمادية التامة على القوة العاملة الفلسطينية. صممت إسرائيل، بالتوازي مع الهيمنة الاقتصادية، استراتيجية التدجين الاقتصادي الذي يهدف إلى تطبيع احتلالها وجعله أكثر قبولً، عبر الدفع في اتجاه تحقيق مستويات محدودة ومتحكم فيها من الإنعاش الاقتصادي. كان لهذه السياسة مغزى سياسي حيوي، تضمن تقديم تحسينات شكلية

(4) Yusef Sayigh, «The Palestinian Economy under Occupation: Dependency and Pauperization,» Journal of Palestine Studies , vol. 15, no. 4 (Summer 1986), p. 49. (5) James Ron, Frontiers and Ghettos: State Violence in Serbia and Israel (California/ London: University of California Press, 2003), p. 133.

للأوضاع المعيشية للسكان، من أجل تقويض الجذرية السياسية وعرقلة العمل النضالي المناهض للاحتلال. وتعد سياسة «الجسور المفتوحة» من أوائل الأمثلة على الطريقة التي استغلت بها إسرائيل المجال الاقتصادي لأغراض سياسية. فقد تبنت الحكومة الإسرائيلية هذه السياسة، التي صمّمها وزير الدفاع

موشيه ديان، مباشرة عقب احتلال الأراضي الفلسطينية عام 9671، وهي تشير إلى الجسور التي تربط بين الضفة الغربية والأردن عبر نهر الأردن. وقد اعتمدت هذه الاستراتيجية على أربع ركائز: • الحد الأدنى من التدخل: تشجيع نمط «الحكم الاستعماري غير المباشر»، حيث تُركت المؤسسات المحلية السابقة على الاحتلال، والتي كانت تدير حياة الفلسطينيين في أثناء الحكم الأردني من دون مساس مباشر. وقد سيطرت على هذه المؤسسات النخب المحلية التقليدية التي أصبحت واجهة الحكم العسكري الإسرائيلي. وبذلك شجعت هذه الاستراتيجية السكان على تدبير نشاطاتهم المدنية والمعيشية اليومية بأدنى درجات التدخل المباشر من سلطات الاحتلال. • الحد الأدنى من الوجود: التقليل من الحضور الواسع للقوات العسكرية الإسرائيلية في المراكز السكانية. وقد هدف ذلك إلى خفض مستويات التوتر الذي يمكن أن ينشأ من الاحتكاك المباشر بين الفلسطينيين والجنود الإسرائيليين، ومن ثم تقليل احتمالية حدوث احتجاجات شعبية قد تتحول إلى مواجهات عنيفة. • تشجيع التواصل والتبادل مع الأردن: منعت إسرائيل الفلسطينيين من مواصلة التجارة الخارجية مع العالم الخارجي، لكنّ سياسة «الجسور المفتوحة» سمحت بالتبادل الاقتصادي وشجّعت عليه بين

ضفتي نهر الأردن. فمن ناحية، تلاعبت إسرائيل بالعلاقات التجارية الفلسطينية – الأردنية بما يمكِّن تسريب منتجاتها إلى الأسواق العربية، ومن ناحية أخرى، شجعت هذه السياسة ضمنيًا الهجرة

الفلسطينية إلى خارج الأراضي الفلسطينية المحتلة. كما رغبت إسرائيل من وراء هذه السياسة في إبقاء تأثير سياسي أردني في النخب التقليدية والمؤسسات المحلية لصد بروز تيارات وطنية فلسطينية. • انتعاش اقتصادي محدود: قامت إسرائيل باعتماد وتنفيذ وإشراف مباشر على مشاريع محدودة في القطاعات الزراعية والصناعات الخفيفة، من أجل خلق انطباع مضلل بالدور الإيجابي للاحتلال في تحقيق تنمية اقتصادية غير مسبوقة، على الرغم من أنّ هذه المشاريع هدفت إلى تحقيق فائدة مباشرة للاقتصاد الإسرائيلي باستخدام الأيدي العاملة الفلسطينية. لكنّ إسرائيل حالت دون تنفيذ مشاريع إنتاجية هادفة من شأنها أن تؤدي إلى إنشاء قاعدة اقتصادية محلية صلبة. يُضاف إلى ذلك أن فتح السوق

الإسرائيلية أمام شريحة كبيرة من القوى العاملة الفلسطينية كان عاملً أساسيًا من عوامل النجاح النسبي

(6) Gershon Shafir, A Half Century of Occupation: Israel, Palestine, and the World’s Most Intractable Conflict (California: University of California Press, 2017), p. 85. (7) Shir Hever, The Political Economy of the Israel’s Occupation: Repression Beyond Exploitation (London: Pluto Press, 2010).

لهذه السياسة؛ لأنه مثّل مصدرًا جديدًا للدخل وحسّن نسبيًا من المستويات المعيشية. وتشير التقديرات

إلى أن خُمسي القوى العاملة كانا يعملان في إسرائيل، أي ما مجموعه 87 ألف عامل من الضفة الغربية وقطاع غزة. ويمثّل هذا 37.8 في المئة من مجموع العاملين البالغ عددهم 232500 (32.7 و 46.5 في المئة للضفة الغربية وقطاع غزة على التوالي). علاوة على ذلك، حين منعت إسرائيل نشوء وتطوير قاعدة صناعية وإنتاجية فلسطينية مستقلة، ومن ثم عرقلت عملية تراكم رأس المال اللازمة لإنشاء طبقة رأسمالية محلية، فإنها عززت تشكّل فئة من رجال الأعمال التابعين لها، أو كومبرادور، يجنون أرباحهم من أداء دور الوسيط بين المصنّعين الإسرائيليين والسوق المحلية الفلسطينية. ونتيجة لذلك، دفع هذا الوضع دوائر الأعمال، والعمالة الفلسطينية، إلى حالة من التبعية البنيوية للاقتصاد الإسرائيلي. كان التأثير المهدِّئ الناتج من سياسة «الجسور المفتوحة» قادرًا على تثبيت المرحلة الأولية للاحتلال

عبر «إعادة تعريف الشروط التي تحكم معيشة وحياة الشعب الفلسطيني»، وبحسب تعبير ديّان،

كان الهدف الحقيقي هو جعل «الاحتلال غير مرئي» Occupation Invisible. ظلّت الجسور المفتوحة حتى أواخر السبعينيات تحقق ظاهريًا زيادة كبيرة في دخل الفرد ورفاهيته في الأراضي

الفلسطينية المحتلة. لكنها أيضًا تسببت في سلب الاقتصاد الفلسطيني، وأعاقت كل جهد محلي نحو بناء قاعدة اقتصادية مستقلّة من شأنها أن تساهم في تنمية القدرة الإنتاجية الصناعية والزراعية والتقدم التكنولوجي. ولقد وجدت دراسة ليلى فرسخ أنه في حين أدّت سياسات إسرائيل إلى مضاعفة دخل الفرد على نحو غير مسبوق، فقد تسببت أيضًا في تدمير القاعدة الاقتصادية الفلسطينية.

ثانيًا: انتكاسة الاستراتيجيات الإسرائيلية

خلال العقد الأول من الاحتلال، ساهم فرض التبعية الاقتصادية لإسرائيل، مقترنًا بالقمع الصارم لمحاولات التنظيم السياسي والتعبير عن الهوية الوطنية الفلسطينية، في إضعاف الركيزة السياسية لقيام حركة تحرر منظمة داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة. انعكست حصيلة العقد الأول من التطبيق المتزامن للهيمنة، الاقتصادية والتدجين الاقتصادي، على التحول البنيوي للمشهد السياسي والاقتصادي والاجتماعي والمؤسساتي في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وجرى هذا التحول وفق سيرورتين. الأولى هي أن الاقتصاد الفلسطيني بات يعتمد بنيويًا

على الاقتصاد الإسرائيلي وسُلب، على نحو فعال، قدرته على التطور. تسمّي سارة روي هذه الحالة

الخاصة ب «الإفقار التنموي Development – De » الذي صار مفهومًا رئيسًا في تفسير وشرح الأثر

(8) Sarah Graham–Brown, «The West Bank and Gaza: The Structural Impact of Israeli Colonization,» MERIP Reports , no. 74 (January 1979), pp. 9–20. (9) Sayigh, «Dispossession and Pauperisation,» p. 262. (10) Abed (ed.), p. 8. (11) Neve Gordon, Israel’s Occupation (California: California University Press, 2008), p. 49. (12) Leila Farsakh, Palestinian Labour Migration to Israel: Labour, Land and Occupation , The Routledge Political Economy of the Middle East and North Africa Series (Oxford/New York: Routledge, 2005), p. 31.

الاقتصادي السياسي لسياسات إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة. يؤكد هذا المفهوم على الجوانب الفريدة للاقتصاد الفلسطيني التي تميزه عن «التخلف التنموي Development – Under » الذي يستخدم غالبًا في وصف اقتصادات بلدان الجنوب. تعرِّف روي الإفقار التنموي بأنه «التمزيق

المتعمد والممنهج والتصاعدي لاقتصاد محلي من طرف اقتصاد مهيمن حيث لا تتعرض الإمكانات الاقتصادية – ومن ثم المجتمعية – للتشويه فحسب بل تُسلب أيضًا». أما السيرورة الثانية فتمكن ملاحظتها في التغيرات التي حدثت على مستوى البنى الاجتماعية والطبقية الفلسطينية. فإلى حدٍّ بعيد، ولكن من دون قصد، أدّت سياسة إسرائيل، في مصادرة الأراضي على

نطاق واسع لبناء المستوطنات اليهودية، إلى إضعاف النخب العشائرية وملاك الأراضي التقليدية التي كانت عادة تمارس نفوذًا سياسيًا واقتصاديًا على الفلاحين. كانت السلطات الإسرائيلية تفضّل على

نحو خاص هذه النخبة بسبب موقفها السياسي المعتدل، وقدرتها على صد وموازنة نفوذ القيادة الوطنية الصاعدة المرتبطة بمنظمة التحرير الفلسطينية. وقد تفاقم تلاشي قوة النخبة التقليدية على نحو أكبر؛ نتيجة التحول السريع في العمالة الفلسطينية من النشاطات الزراعية إلى قطاعات الأعمال التي تتطلب مهارة منخفضة في إسرائيل، والعمالة ذات المهارة العالية في الخارج. لقد غيّرت هذه الديناميّة جذريًا بنية القيادة في الأراضي الفلسطينية المحتلة

لمصلحة الحركة الوطنية الفلسطينية، حيث أدى تآكل قوة النخبة التقليدية إلى تهميش النخب التقليدية

المعتدلة سياسيًا، والتي كان من شأنها التكيف مع واقع الاحتلال الإسرائيلي حفاظًا على مصالحها

ونفوذها. وهذا الفراغ القيادي ملأته القيادة الوطنية المنتسبة إلى منظمة التحرير الفلسطينية، التي تتألف في معظمها من الطبقة الوسطى المتعلمة، وفئات اجتماعية مهمشة مثل اللاجئين والعمال. في هذا السياق، استطاعت منظمة التحرير الفلسطينية توسيع نفوذها والقيام بعمليات التعبئة على مستوى القواعد الشعبية. ونتيجة لذلك بدأ توجهٌ جذري سياسي وأيديولوجي بالتبلور، ووجد تعبيرًا

عنه في تشكيل التنظيمات السياسية والاجتماعية المحلية، بما في ذلك النقابات العمّالية والحركات

الطلابية والحركات النسائية والجمعيات التطوعية المتخصصة، التي أدّت مجتمعة دورًا رئيسًا في تعبئة

الشعب وتسييس الوعي الوطني. بحلول منتصف الثمانينيات من القرن الماضي، واجهت إسرائيل أزمة اقتصادية حادة أثرت سلبيًا في

الأوضاع المعيشية في الأراضي الفلسطينية المحتلة. ففي المقام الأول، عانى العمال الفلسطينيون في إسرائيل ظروفًا أشدّ قسوة، فقد تدهورت دخولهم أو ضاعت كلّيًا بسبب شدّة انخفاض الطلب على

العمال الفلسطينيين في السوق الإسرائيلية. وفي غضون ذلك، أدت سياسات إسرائيل الممنهجة تجاه

(13) Sara Roy, Failing Peace: Gaza and the Palestinian–Israeli Conflict (London/Michigan: Pluto Press, 2007), p. 33. (14) Joost R. Hiltermann, Behind the Intifada: Labor and Women’s Movements in the Occupied Territories (New Jersey: Princeton University Press, 1991), p. 9. (15) Lisa Taraki, «The Development of Political Consciousness among Palestinians in the Occupied Territories: 1967– 1987,» in: Jamal Nassar & Roger Heacock (eds.), Intifada: Palestine at the Crossroads (New York: Praeger Publishers, 1990), pp. 53–72.

الأراضي الفلسطينية المحتلة إلى «عملية إفقار زراعي وإفقار صناعي»، كان لها تأثير خطير في الأوضاع الاقتصادية المحلية. فعلى سبيل المثال، في عام 9671، ساهمت الزراعة في ما نسبته 53 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وكانت إنتاجيتها مساوية تقريبًا للإنتاجية في إسرائيل، أمّا بحلول أواخر

الثمانينيات فقد انخفضت حصة الزراعة في الناتج المحلي الإجمالي إلى أقل من 13 في المئة. وإلى جانب العامل الاقتصادي، أدى القمع السياسي والعنف الاستعماري – الاستيطاني المتواصل إلى تراكم الشروط الموضوعية اللازمة لقيام تمرد واسع النطاق ضد الاحتلال، تمثل في اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى في عام 9871 كمقاومة شعبية منظمة. لذلك، تميزت السنوات القليلة الأولى من الانتفاضة بتحالف وطني عابر للطبقات، وحالة عامة من الوحدة الوطنية عبّر عنه صعود

القيادة الوطنية الموحدة واللجان الشعبية التي نشطت في المدن والقرى كافة، وتوسع نشاطات الحركات الجماهيرية والمنظمات الطوعية المتخصصة. وفي حين نُظر إلى الانتفاضة بالدرجة الأولى على أنها شكل من أشكال النضال السياسي المناهض للاستعمار؛ فهي أيضًا انطوت على بُعد «الحرب الاقتصادية» التي لا تقل أهمية عن الاشتباك

السياسي. فعلى الرغم من أن الممارسات الاقتصادية للانتفاضة حملت هدفًا مثاليًا بتوجيه ضربة

قوية للاقتصاد الإسرائيلي، فإن نتائجها حوّلت الاحتلال إلى عبء اقتصادي على إسرائيل. قامت

«الحرب الاقتصادية» على آلية ذات شقين. الأول استهداف المصالح الاقتصادية الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، عبر أساليب متنوعة من العصيان المدني مثل الإضرابات التجارية، ومقاطعة المنتجات الإسرائيلية، والامتناع عن دفع الضرائب، ورفض العمل في إسرائيل والمستوطنات. والثاني تمثل في ابتكار نماذج محلية للصمود الاقتصادي والاكتفاء الذاتي، ولا سيما من خلال إحياء النشاط الاقتصادي المنزلي. على سبيل المثال، طوّرت المجتمعات الفلسطينية «حدائق النصر» التي استلزمت أشكالً مختلفة من

الإنتاج الزراعي وتربية الحيوانات، واعتمدت على الصناعات الزراعية الصغيرة التي تديرها تعاونيات الأحياء. وقد وُثِّق في أول سنتين من الانتفاضة أن الفلسطينيين زرعوا أكثر من 005 ألف شجرة في

جميع أنحاء الأراضي الفلسطينية المحتلة. وفي بعض المناطق، وأبرزها بيت ساحور، حققت

(16) UNCTAD, Report on UNCTAD Assistance to the Palestinian People: Developments in the Economy of the Occupied Palestinian Territory (Geneva: 2016), p. 8. (17) David Butterfield et al., «Impacts of Water and Export Market Restrictions on Palestinian Agriculture,» Faculty of Social Sciences, McMaster University, January 2000, accessed on 25/7/2019, at: https://bit.ly/2ZaaW1l (18) Hiltermann, p. 18. (19) Judith Gabriel, «The Economic Side of the Intifadah,» Journal of Palestine Studies , vol. 18, no. 1: Special Issue: Palestine 1948 (Autumn 1988), p. 202. (20) Azmy Bishara, «The Uprising’s Impact on Israel,» in: Zachary Lockman & Joel Beinin (eds.), Intifada: the Palestinian Uprising against Israeli Occupation (Massachusetts: South End Press, 1989), p. 225. (21) Mary Elizabeth King, A Quiet Revolution: The First Palestinian Intifada and Nonviolent Resistance , Introduction by Jimmy Carter (New York: Nation Books, 2007), p. 231.

حدائق النصر اكتفاءً ذاتيًا شبه كامل، وأصبحت مصدرًا رئيسًا للعمل والدخل محليًا. وفي الوقت

نفسه، خلقت هذه المبادرات فضاءات جديدة للنساء اللواتي أدّين من خلال لجانهن دورًا بارزًا في

تحويل البيوت إلى مراكز لإنتاج الأغذية والملابس والمصنوعات اليدوية، لتصبح المتاجر المحلية في معظمها خالية من المنتجات الإسرائيلية. انطوت هذه المبادرات المحلية على أبعاد سياسية واقتصادية واجتماعية. فمن الناحية السياسية، ناهضت الوضع القائم ومثّلت تعبيرًا رمزيًا عن حق تقرير المصير. ومن الناحية الاقتصادية، كانت فعّالةً

في تحقيق الاكتفاء الذاتي وضمان الصمود الاقتصادي، ولا سيما في فترات حظر التجوال والإغلاق. ومن الناحية الاجتماعية، قرّبت هذه المبادرات الناس بعضهم من بعض وعززت التضامن واحترام

الذات ووسعت المشاركة الشعبية في النشاطات الإنتاجية.

ثالثًا: الاقتصاد السياسي لدوافع عملية أوسلو

أسهمت عدة عوامل متداخلة، محلية وإقليمية وعالمية، في دفع الإسرائيليين وقيادة منظمة التحرير الفلسطينية إلى الجلوس إلى طاولة المفاوضات، ولاحقًا إلى التوقيع على اتفاقيات أوسلو عام 993.1 ارتبطت هذه العوامل بالتحول الكبير في موازين القوة على الصعيد العالمي عقب نهاية الحرب الباردة وتوسّع العولمة النيوليبرالية بقيادة الولايات المتحدة. على الجانب الإسرائيلي، كان التوجه نحو قبول الدخول في تسوية سياسية ضرورة من ضرورات المسار التحولي في الاقتصاد السياسي الإسرائيلي بغية التكيف مع التحولات الاقتصادية العالمية. ففي أوائل الثمانينيات، عانى اقتصاد إسرائيل أزمة عميقة بسبب الإنفاق الزائد على نشاطات اقتصاد الحرب، وارتفاع أسعار النفط وما أدى إليه ذلك من عجز في الميزانية، وتضخم مفرط، وارتفاع الديون الخارجية والداخلية. وردًا على ذلك، اعتمدت إسرائيل خطة لتحرير اقتصادها في عام 9851 أجرت عبرها تغييرات هيكلية في الاقتصاد. عنى التحول النيوليبرالي في إسرائيل تحولً أيضًا في خياراتها الاستراتيجية من دولة الحرب – الرفاهية إلى الليبرالية والمصالحة الإقليمية، وفرض هذا الأمرَ حقبةٌ جديدةٌ من تراكم رأس المال تطلب

اندماج الاقتصاد المحلي في اقتصاد العولمة، وجذب رؤوس الأموال من الخارج وفتح أسواق جديدة ولا سيما في السياق الإقليمي. ولكي تنجح هذه العمليات، أضحى الاستقرار السياسي والمصالحة خيارين رئيسين في سياسة إسرائيل الخارجية إزاء منظمة التحرير الفلسطينية والمنطقة كلها. وتغيرت

(22) F. Robert Hunter, The Palestinian Uprising: A War by Other Means , Revised ed. (California: University of California Press, 1993), p. 135. (23) Jonathan Nitzan & Shimshon Bichler, The Global Political Economy of Israel (London/ Virginia: Pluto Press,

(24) Amnon Aran, Israel’s Foreign Policy Towards the PLO: The Impact of Globalization (Brighton: Sussex Academic Press, 2011).

قواعد اللعبة نتيجة لذلك، وبات اتفاقُ سلام يضمن مستويات كافية من التطبيع الاقتصادي واستقرار المناخ السياسي شرطًا أساسيًا عاجلً لنهضة اقتصاد إسرائيل الجديد المعولم. لكنّ مساعي إسرائيل لإصلاح اقتصادها تعثرت في مواجهة الانتفاضة الفلسطينية الأولى (–1987

993 1) التي كلّفتها ميزانية الاحتلال خسائر اقتصادية كبيرة، وفرضت ضغوطًا على موارد الدولة الإسرائيلية. دفع ذلك إسرائيل إلى البحث عن حل وسط سياسي يعطي أمن الدولة والمستوطنات الأولوية، ويحافظ على القبضة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية المحتلة، ويريح، في الوقت نفسه، الاحتلال من عبء المسؤولية عن السكان. وقد دعم مجتمع الأعمال الإسرائيلي بحماسة عقد تسوية سلمية من شأنها أن توسع من فرص الأعمال والربح التي كانت مصلحتهم الرئيسة تكمن في اختراق السوق العربية، وتحويل احتلال الأراضي الفلسطينية المحتلة من النمط الاستعماري إلى مشروع من نمط الاستعمار الجديد. ألقت الشركات الإسرائيلية ذات النفوذ بثقلها في كفة رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق شمعون بيريز ورؤيته الاستراتيجية ل «الشرق الأوسط الجديد» التي تستلزم إعادة تعيين العلاقات العربية – الإسرائيلية وفق الأسس الليبرالية والتعاون الاقتصادي والاستثمارات عبر – الإقليمية. لكنّ رؤية بيريز في جوهرها لم تكن قائمة على الاعتماد المتبادل المتوازن بين الأطراف الإقليمية، بل

سعت لتحويل الاقتصادات الإقليمية إلى أطراف خاضعة إلى المركز الإسرائيلي. لقد كان مفتاح الوصول إلى هذا الوضع الإقليمي يكمن في إيجاد حل للقضية الفلسطينية، ليكون أداة استراتيجية في السعي نحو تأسيس «شرق أوسط جديد»/ وإدماجه في المنظومة النيوليبرالية العالمية الصاعدة. على الجانب الفلسطيني، دأبت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية في اتجاه تحقيق تسوية سلمية مع إسرائيل نتيجةً للتحولات التي حدثت في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات. ففي المقام الأول، خسرت منظمة التحرير الفلسطينية حلفاء أساسيين ومصادر الدعم المالي والسياسي والعسكري عقب تفكك الكتلة الاشتراكية، وتراجع الحركات المناهضة للاستعمار والحركات الثورية في أنحاء العالم. وقد تفاقم هذا الوضع بعد أن دعم ياسر عرفات الغزو العراقي للكويت عام 9901 الذي كان من نتائجه توقف الدعم المالي من دول الخليج، وترك منظمة التحرير الفلسطينية في وضع مالي صعب. يُضاف إلى ذلك أن الانتفاضة الفلسطينية الأولى أتت بقيادات محلية صاعدة في الأراضي

الفلسطينية المحتلة، كانت تتصدر المشهد المحلي، وتوجّه مسار الانتفاضة بعيدًا عن تأثير قيادة

منظمة التحرير الفلسطينية في تونس.

(25) Hever, p. 13. (26) Shimon Peres, The New Middle East (New York: Henry Holt & Co., 1993). (27) Tariq Dana, «The Prolonged Decay of the Palestinian National Movement,» National Identities , vol. 21, no. 1(2019), pp. 39–55.

(2((ينظر مثلً:

Helena Cobban, «The PLO and the Intifada,» Middle East Journal , vol. 44, no. 2 (Spring 1990), pp. 207–233.

وقد أثار هذا الأمر في أوساط قيادة منظمة التحرير الفلسطينية المسيطرة مخاوف جدية من تهميشها وإزاحتها عن مكانتها التاريخية؛ وهكذا، كان من شأن التسوية السياسية مع إسرائيل أن تساعدها في استعادة موقعها المهيمن. أدّت شريحة مؤثرة من الطبقة الرأسمالية الفلسطينية في الشتات – التي ازداد تأثيرها في شؤون منظمة التحرير الفلسطينية على نحو ملحوظ، بعد إخراج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان عام 9821 – دورًا مهمًا في التوسط بين قيادة منظمة التحرير الفلسطينية والإدارة الأميركية.

وكان الدافع وراء رغبتهم في الوصول إلى تسوية سلمية هو تحقيق الاستقرار السياسي وتأمين قاعدة وطنية ذات سيادة توفر لهم فرصًا استثمارية جديدة. تزامنت هذه التحولات الاستراتيجية مع إعادة تشكيل علاقات القوى على الصعيد العالمي لمصلحة نظام القطب الواحد الأميركي وانتصار الرأسمالية المتأخرة. وبناء عليه، فإن عملية «سلام» أوسلو «نُظِّمت وكُيِّفت وفق متطلبات الاقتصاد السياسي المتغير وجغرافيا إسرائيل والإجماع التنموي

النيوليبرالي العالمي التي نشأت بموجبها السلطة الفلسطينية». وقد ساهمت هذه الأجواء في التأسيس لعملية أوسلو على نمط «بناء السلام الليبرالي»، والذي يستند إلى توافقات سياسية بين نخب لا يكون هدفها في كثير من الأحيان «السلام» بقدر ما هو إعادة تشكيل الهيمنة المحلية و/ أو الحصول على الشرعية الدولية. ومن ثم استندت أوسلو إلى أولوية الحوافز الاقتصادية في إطار تفاهمات سياسية، لا تقدم معالجة عادلة للجذور الاستعمارية للقضية الفلسطينية. اتضح هذا على نحو مخصوص، في الترويج لمبدأ «ثمار السلام» الذي وعد بحقبة جديدة من التعاون الاقتصادي والازدهار، إذا ما تفاوض الفلسطينيون والإسرائيليون وتوصلوا إلى تسوية سلمية تحت مظلة العولمة. وقد توصلت الأبحاث المبكرة للاقتصادي السياسي لأوسلو إلى خلاصات وصفت اتفاقية أوسلو بكونها «سلام الأعمال» و«سلام الأسواق».

رابعًا: الشرذمة والسيطرة ما بعد أوسلو

أحدث توقيع اتفاقيات أوسلو عام 9931 بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، وما تبعه من إنشاء السلطة الفلسطينية في عام 994 1، تحولً عميقًا في الاقتصاد السياسي للأراضي الفلسطينية المحتلة.

(29) Khalil Nakhleh, Globalized Palestine: The National Sell–Out of a Homeland (New Jersey: Red Sea Press, 2012), p. 66. (30) Pamela Ann Smith, «The Exile Bourgeoisie of Palestine,»  MERIP Middle East Report , no. 142: Wealth and Power in the Middle East (September–October 1986), pp. 23–27. (31) Mandy Turner, «Completing the Circle: Peacebuilding as Colonial Practice in the Occupied Palestinian Territory,» International Peacekeeping , vol. 19, no. 4: Where Has All the Peace Gone? Peacebuilding, Peace Operations and Regime Change Wars (August 2012), p. 502. (32) Jan Selby, «The Political Economy of Peace Processes,» in: Michael Pugh, Neil Cooper & Mandy Turner (eds.), Whose Peace? Critical Perspectives on the Political Economy of Peacebuilding (London: Palgrave Macmillan, 2008), p. 13. (33) Markus E. Bouillon, The Peace Business: Money and Power in the Palestine–Israel Conflict (London/ New York: I.B. Tauris, 2004).

فقد يسّرت عملية أوسلو إعادة هيكلة البنية الاستعمارية الإسرائيلية وإعادة تعريف العلاقة بين المستعمَر

والمستعمِر، على نحو لم يسبق له مثيل في التاريخ، من خلال إلقاء المسؤولية عن السكان الفلسطينيين على عاتق السلطة الفلسطينية، وفي الوقت نفسه تعزيز قبضتها على الأراضي الفلسطينية المحتلة. وعلى الرغم من نقل بعض الوظائف التي تخص الشؤون المدنية (مثل التعليم، والصحة، والخدمات الاجتماعية) إلى السلطة الفلسطينية، ظلّت إسرائيل تحتفظ بالسيطرة الكاملة على كل جانب من جوانب الحياة الفلسطينية، مثل الحدود والأرض والمياه والموارد الطبيعية والعمالة وحرية التنقل والتجارة والإدارة المالية وإنشاء المناطق الصناعية والموارد المائية. لقد أُعيد إنتاج السيطرة الإسرائيلية على الأراضي، بل باتت أكثر فاعلية من خلال تحويل الأراضي الفلسطينية المحتلة إلى سلسلة من المعازل المفتتة وغير المترابطة بفعل التقسيم الجغرافي للضفة الغربية الذي استحدثته اتفاقات أوسلو: • المنطقة أ: تقع تحت السلطة المدنية والأمنية للسلطة الفلسطينية، وتضمّ 55 في المئة من السكان

المقيمين في المدن والبلدات الرئيسة، وتغطي نحو 81 في المئة فقط من الحجم الإجمالي للضفة الغربية. • المنطقة ب: تقع تحت السيطرة المدنية للسلطة الفلسطينية والسيطرة الأمنية الإسرائيلية، وتتألف أساسًا من قرى يقطنها 41 في المئة من السكان وتغطي نحو 02 في المئة من الأراضي. • المنطقة ج: تقع تحت السيطرة الكاملة المدنية والأمنية للاحتلال الإسرائيلي، وتضمّ 5 في المئة من

السكان، ونحو 60 في المئة من الأراضي قوامها مناطق غنية بالموارد، وأراض زراعية. وبغية ضمان السيطرة الفعالة، فإن المنطقتين «أ» و «ب» محاطتان بالكامل بالمنطقة «ج» وبالمستوطنات اليهودية والقواعد العسكرية. وضع هذا الترتيب حدًا للاستمرارية الطبيعية المكانية والديموغرافية والاجتماعية والاقتصادية بين مدن وقرى الضفة الغربية من ناحية، وبين الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية من ناحية أخرى. وتفاقم تعقيد هذا الوضع، بفعل التوسع الكمي والنوعي للمستوطنات والمستوطنين الإسرائيليين على الأراضي الفلسطينية المصادرة. وبحلول عام 0172، تشير التقديرات الإسرائيلية إلى زيادة عدد المستوطنين بنحو 622270 مستوطنًا في الضفة الغربية (باستثناء القدس الشرقية) يقيمون في 712 مستوطنة مرخصة من الحكومة الإسرائيلية، مقارنة ب 015 ألف مستوطن في عام.1993

(34) Adam Hanieh, «The Oslo Illusion,» Jacobin Magazine , 21/4/2013, accessed on 25/7/2019, at: https://bit. ly/2y5YVhJ (35) Mushtaq Husain Khan, George Giacomo & Inge Amundsen (eds.), State Formation in Palestine: Viability and Governance During a Social Transformation (London/ New York: Routledge Curzon, 2004). (36) Mandy Turner & Omar Shweiki (eds.), Decolonizing Palestinian Political Economy: De–Development and Beyond , Rethinking Peace and Conflict Studies Series (London: Routledge, 2014), p. 34.

شُيّدت هذه المستوطنات على مناطق استراتيجية، واعتمدت نشاطاتها الاقتصادية على الاستغلال

المنتظم للموارد الطبيعية واليد العاملة الفلسطينية. وبموازاة ذلك، طورت إسرائيل نظامًا معقدًا للسيطرة والتحكم. وتحوّلت الأراضي الفلسطينية المحتلة إلى حقل تجارب للتقانات الإسرائيلية المتطورة جدًا

في مجالات المراقبة والتحكم، التي فرضت مختلف أنواع القيود على حركة الأشخاص والسلع، وهذا يشمل نظام تصاريح معقدًا، وأنواعًا متعددة من تقنيات التعرف وتحديد الهوية، ونقاط التفتيش

العسكرية، والحواجز الإلكترونية، والعوائق الإسمنتية. كذلك مكنّت تلك المستوطَنات إسرائيل من سيطرتها التامة على الحدود ونقاط العبور الدولية إلى الأردن ومصر، فضلً عن منع الفلسطينيين من امتلاك مطار أو ميناء بحري خاص بهم.

خامسًا: «شرعنة» الهيمنة الاقتصادية

أطّر بروتوكول باريس الاقتصادي لعام 9941 الاقتصاد الفلسطيني في مرحلة أوسلو. وباعتباره الملحق الاقتصادي لاتفاقيات أوسلو، تمكن البروتوكول من مأسسة الهيمنة الاقتصادية الإسرائيلية على الموارد الأساسية للاقتصاد الفلسطيني، وأعاد تعريف الهيمنة الاقتصادية، من كونها تبعية قسرية منذ عام 9671، إلى تبعية بالتعاقد تستند إلى اتفاقات معترف بها دوليًا. فعلى سبيل المثال، مأسس البروتوكول

نظام التبادل التجاري غير المتوازن، من خلال إضفاء صفة رسمية على الاتحاد الجمركي غير المتوازن الذي فرض بحكم الأمر الواقع على الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967. أجبر هذا النظام الفلسطينيين على التعامل مع بنية التعريفات الجمركية الإسرائيلية الملائمة لاقتصاد متطور، وليس لاقتصاد مترهل يخضع للسيطرة الاستعمارية. ومن الأمثلة على ذلك الشروط المفروضة على ضريبة القيمة المضافة التي تمنع السلطة الفلسطينية من تخفيض معدل ضريبة القيمة المضافة أكثر من 2 في المئة؛ أي أقل من معدل ضريبة القيمة المضافة الإسرائيلية، وقد أدى هذا إلى ارتفاع تكاليف المعيشة وربط الاقتصاد الفلسطيني بحالة من التضخم المستمر. وفي السياق ذاته، حافظ البروتوكول على حالة الأراضي الفلسطينية المحتلة ك «سوق مختطف»؛ حيث بقيت الأسواق المحلية تعتمد على الواردات من إسرائيل. وفرض البروتوكول شروطًا تنظيمية وكمية بالغة التقييد على الصادرات الفلسطينية إلى إسرائيل، بهدف منعها من منافسة البضائع الإسرائيلية وحماية المنتجات الزراعية والصناعية الإسرائيلية. تشير الأرقام إلى مأسسة العجز التجاري فلسطيني مع إسرائيل، حيث يأتي نحو 85 في المئة من الواردات الفلسطينية من إسرائيل (4.5 مليارات دولار)،

(37) Elia Zureik, David Lyon & Yasmine Abu–Laban (eds.), Surveillance and Control in Israel/ Palestine: Population, Territory and Power , Routledge Studies in Middle Eastern Politics Series (New York: Routledge, 2011). (38) Nur Arafeh, «Long Overdue: Alternatives to Paris Protocol,» Al–Shabaka, 27/2/2018, accessed on 25/7/2019, at: https://bit.ly/2T7Ry1W (39) Mandy Turner, «The Political Economy of Western Aid in the Occupied Palestinian Territory Since 1993,» in: Turner & Shweiki (eds.), pp. 32–52.

في حين شُحن 70 في المئة من الصادرات الفلسطينية إلى إسرائيل (004 مليون دولار). تكمن هذه المعادلة في صميم التبعية الاقتصادية الفلسطينية لإسرائيل. إضافة إلى ذلك، أتاح البروتوكول لإسرائيل السيطرة على موارد بناء الدولة والإطار العام للاقتصاد الكلي، بما في ذلك السياسات النقدية والمالية، والعائدات التجارية، وإنشاء المناطق الصناعية، والتخطيط الزراعي. ولعلّ أبرز سمة لهذه السيطرة هي نظام التخليص الضريبي؛ فقد منح هذا النظام إسرائيل سلطة جمع الرسوم الجمركية وضريبة القيمة المضافة، وغير ذلك من إيرادات الضرائب على الواردات عبر الموانئ والحدود، وكذلك ضرائب الدخل من العمال الفلسطينيين، ومن ثم تحويلها إلى السلطة الفلسطينية. أصبح نظام التخليص الضريبي في السنوات الأخيرة أكبر مصدر لإيرادات السلطة الفلسطينية، وهو ما يمثل نحو ثلثي ميزانيتها، وهذا يعدّ شريان الحياة المالي للسلطة. لكنّ هذه التحويلات غالبًا ما

حُجزت للضغط على السلطة الفلسطينية أو معاقبتها متى تبنّت سياسات أو ممارسات لا تتوافق مع إسرائيل (على سبيل المثال، عقب فوز حماس في الانتخابات عام 0062، وعقب عرض السلطة الفلسطينية الحصول على وضعية الدولة في منظمة الأمم المتحدة عام 0122، وعقب عرض السلطة الفلسطينية الانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية في الفترة.)2015–2014

سادسًا: النيوليبرالية ورأسمالية المحاسيب

يمثّل النموذج النيوليبرالي حجر الزاوية في بناء الدولة الفلسطينية والتنمية الاقتصادية التي تنتهجها. لكنّ هذا الشكل من النيوليبرالية شديد الخصوصية؛ لأنه يتعايش ويتفاعل مع بنية استعمارية استيطانية، ويعمل ضمن الحيز الضيق الذي تتيحه السيطرة الإسرائيلية ومشروطيات بروتوكول باريس الاقتصادي.

في هذا السياق، تشكلت الطبقة السياسية – الاقتصادية العليا للسلطة الفلسطينية، ضمن ترتيباتٍ قوامها المحسوبيات والعلاقات الخاصة، وذلك بالتعاون مع قنوات إسرائيلية ودعمٍ من المانحين الدوليين. وقد مر تطور النيوليبرالية في الأراضي الفلسطينية المحتلة بمرحلتين متميزتين: الأولى هي وضع أسس النظام الاقتصادي للسلطة بناءً على تصور نيوليبرالي خلال الفترة الانتقالية في التسعينيات، والثانية هي الإصلاحات النيوليبرالية وفق أسس مهنية في فترة ما بعد الانتفاضة الثانية. أُطلقت المرحلة الأولى بعد أيام قليلة من توقيع اتفاقات أوسلو، لمّا أصدر البنك الدولي تقريرًا بعنوان

تنمية الأراضي المحتلة: استثمار في السلام، في أيلول/ سبتمبر 993.1 وباعتباره أول برنامج أساسي يضع قاعدة الإدارة الاقتصادية للسلطة الفلسطينية، أكد هذا التقرير أن النموذج الاقتصادي للسلطة

(40) UNCTAD, p. 6. (41) Arafeh. (42) Raja Khalidi & Sobhi Samour, «Neoliberalism as liberation: The Statehood Program and the Remaking of the Palestinian National Movement,» Journal of Palestine Studies , vol. 40, no. 2 (Winter 2011), pp. 6–25.

الفلسطينية يجب أن يستند إلى استثمارات القطاع الخاص ونشاطات التصدير أداتين أساسيتين للتنمية الاقتصادية. ولمّا كانت السلطة الفلسطينية كيانًا حديث النشأة، حدد التقرير الوظائف الرئيسة للقطاع العام بحيث

يوفر فرص العمل والخدمات الاجتماعية الأساسية للسكان، علمًا أن الهدف الرئيس للقطاع العام

يكمن في قدرته على خلق «بيئة داعمة يمكن للقطاع الخاص أن يزدهر فيها». ولأجل الانتقال نحو التنفيذ، أنشأ البنك الدولي «المجلس الاقتصادي الفلسطيني للتنمية والإعمار» PECDAR، بغرض التعاون مع مجتمع المانحين الدوليين وتنفيذ توصيات التقرير. وافقت السلطة الفلسطينية على توصيات البنك الدولي، واعتمدت مجموعة من الإجراءات القانونية والمؤسساتية تهدف إلى جذب رؤوس الأموال الفلسطينية في الخارج والدولية من أجل الاستثمار في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وكان من بين هذه الإجراءات تدوين النيوليبرالية في القانون الأساسي للسلطة الفلسطينية لعام 9991 الذي ينص على أن «النظام الاقتصادي في فلسطين يجب أن يستند إلى مبادئ اقتصاد السوق الحرة». إضافة إلى ذلك، أنشأت السلطة الفلسطينية هيئة تشجيع الاستثمار الفلسطينية، للترويج لنظام ضريبي يخص المستثمرين يعرف باسم «قانون تشجيع الاستثمار في فلسطين» أو قانون الاستثمار لعام.1998 وقد قدّمت هيئة تشجيع الاستثمار تنازلات ضخمة للشركات الكبيرة ومنحتها العديد من المزايا، مثل الإعفاء من ضرائب الأرباح الرأسمالية وغيرها من الحوافز الضريبية وغير الضريبية حتى من دون الرجوع إلى مجلس الوزراء أو المجلس التشريعي. في هذه البيئة، كان حلفاء ياسر عرفات في مجتمع الأعمال يوجهون بعضًا من فائض رؤوس أموالهم المتمركزة في الخارج نحو تأسيس تكتلات اقتصادية احتكارية في مناطق الحكم الذاتي. وكانت أكبر التكتلات ذات القوة السوقية الضخمة هي شركة فلسطين للتنمية والاستثمار (باديكو القابضة)، والشركة العربية الفلسطينية للاستثمار (أبيك). أنشأت هذه التكتلات احتكارات كبيرة في كل مجالات النشاط الاقتصادي تقريبًا، خاصة في المشاريع

الاستراتيجية مثل الاتصالات والبنية التحتية التي تمت خصخصتها من البداية. إلا أن تطبيق السياسات النيوليبرالية في هذه المرحلة تميز بالفوضوية، وطغت عليه الحسابات السياسية الهادفة إلى تثبيت السلطة الناشئة ونخبها. فمثلً، اتسمت عملية بناء مؤسسات السلطة بالتوسع في القطاع العام والأجهزة الأمنية، من أجل ربط أكبر عدد من الناس بشبكة المستفيدين من وجود السلطة والقبول بها، وطغت العلاقات الخاصة بين السياسيين ورجال الأعمال الذين حصلوا على تسهيلات إسرائيلية هدفت في نهاية المطاف إلى دعم السلطة الناشئة وتثبيتها. وفي الوقت نفسه، شهدت

(43) World Bank, Developing the Occupied Territory: An Investment in Peace (Washington, DC: 1993), p. 13. (44) The Palestinian Basic Law, «2003 Amended Basic Law,» 18/3/2003, accessed on 25/7/2019, at: https://bit. ly/2K0Jkpf (45) «Evaluation of the 2014 Amendments to the Investment Promotion Law,» Palestine Economic Policy Research Institute, Background paper, Roundtable 7 (2014), accessed on 10/9/2019, at: http://bit.ly/2lIAMLf

التسعينيات تدهورًا حادًا في مستويات المعيشة وارتفاعًا في البطالة والفقر مع انخفاض الناتج المحلي

الإجمالي بنسبة 3.8 في المئة. شهدت الفترة التي تلت الانتفاضة الثانية فرض شكلٍ متقدم من الحوكمة النيوليبرالية، أثّر على نحو شامل في الشروط السياسية والاقتصادية في الضفة الغربية. ونتجت هذه التغييرات من عمليتين متزامنتين؛ ارتبطت العملية الأولى بالتنفيذ الممنهج للسياسات النيوليبرالية التي أدخلها سلام فياض، رئيس وزراء السلطة الفلسطينية السابق (012–20072)، والتي اتسمت بالتسارع والمهنية في التنفيذ. ويلاحظ آدم هنية أن التزام السلطة الفلسطينية بمثل هذا التنفيذ المكثف والمتسارع للسياسات النيوليبرالية يتجاوز الوتيرة المألوفة للتدابير التي تفرضها عادة المؤسسات المالية الدولية على الدول الأخرى في المنطقة. ترافقت هذه الرؤية النيوليبرالية مع جهود منتظمة لتحقيق التحديث المؤسساتي وإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية في إطار حكم سلطوي متصاعد، وتصاعدت خلال هذه المرحلة المحسوبية في العلاقات بين السلطة الفلسطينية والشركات، واكتسبت هذه الدينامية زخمًا

من خلال استمرار الاحتكارات بوسائل وأشكال أخرى؛ إذ تحولت من احتكارات تقوم على ممارسات ضارية ومطلقة كانت قائمة في التسعينيات، إلى احتكارات أكثر اتصافًا بالبراعة والحذق والنسبية. كان «قانون تشجيع الاستثمار في فلسطين» أو قانون الاستثمار لعام 9981 أحد المؤشرات المهمة على مسار الإصلاح النيوليبرالي ومنح الشركات الكبيرة قوةً اقتصادية أكبر. وفي ظل غياب آليات المساءلة والرقابة التشريعية، عُدِّل قانون الاستثمار في عامَي 0110142 و 2، بموجب مراسيم رئاسية قدمت المزيد من التنازلات للشركات الكبيرة ومشروعاتها ومنحتها العديد من المزايا، مثل الإعفاءات من ضريبة الأرباح الرأسمالية والحوافز الضريبية وغير الضريبية من دون الرجوع إلى مجلس الوزراء أو المجلس التشريعي. ترى نخبة السلطة الفلسطينية أن قانون الاستثمار يعمل على خلق بيئة قانونية تحفز الاستثمارات الخاصة وتعزز النمو الاقتصادي. لكنّ هذا القانون يخدم أقلية اقتصادية؛ إذ يستفيد منه عدد قليل من شركات المشروعات الكبيرة ومشروعاتها ذات الامتيازات على حساب المشاريع الاقتصادية الصغيرة والمتوسطة، كما أنه يزيد من تفاقم أشكال عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية في ظل الظروف القاسية للاحتلال العسكري الإسرائيلي. وبحسب هنية، فإن الشركات الاحتكارية، مثل «باديكو القابضة» و«أبيك»، باتت تهيمن على الاقتصاد السياسي للأراضي الفلسطينية، ويكاد يكون من

(46) Gordon, p. 184. (47) Tariq Dana, «The symbiosis between Palestinian ‘Fayyadism’ and Israeli ‘economic peace’: the political economy of capitalist peace in the context of colonization,» Conflict, Security & Development , vol. 15, no. 5: Israel–Palestine after Oslo: Mapping Transformations and Alternatives in a Time of Deepening Crisis (2015), pp. 455–477. (48) Adam Hanieh, Lineages of Revolt: Issues of Contemporary Capitalism in the Middle East (Chicago: Haymarket books, 2013), p. 116. (49) «Evaluation of the 2014 Amendments to the Investment Promotion Law,» p. 6.

المستحيل العثور على شركة كبيرة أو متوسطة الحجم لا تملك فيها حصة كبيرة. وقد وجدت دراسة أخرى أن أرباح أعضاء «باديكو القابضة» تصل إلى نحو 02 مليار دولار، أي ما يقارب سبعة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي للأراضي الفلسطينية المحتلة. مؤشر آخر على التحولات النيوليبرالية في هذه المرحلة يتمثل بإلغاء القيود على البنوك وتصاعد دورها في الاقتصاد؛ ما أدى إلى زيادة كبيرة في سوق الائتمان الاستهلاكي بنسبة 604 في المئة بين عامي 0070172 و. لقد استُخدم القرض الشخصي في المقام الأول من أجل تمويل الاستهلاك (الرهون 2 العقارية، والسيارات، وتكاليف الزواج، والسلع الكهربائية) ونادرًا ما استُثمر في النشاطات الإنتاجية.

إن لهذه الحالة من المديونية الشخصية تداعيات اجتماعية كبيرة؛ لأنها توجِّه الاهتمام بالشواغل

الشخصية الخاصة وتعزز اللامبالاة السياسية، ما يدفع الناس على نحو منهجي للتخلي عن الهم العام والقضايا الوطنية. أما العملية الثانية، فقد أطلقها رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، وعُرفت بسياسة «السلام الاقتصادي» تجاه الضفة الغربية. يُعتبر السلام الاقتصادي، في جوهره، امتدادًا لمقاربة التدجين

الاقتصادي التي طبقها موشيه ديان في الأيام الأولى للاحتلال عام 9671، لكنه يختلف عنها في توجهه النيوليبرالي الصريح نحو قوى السوق وربط التنمية بالأهداف الأمنية، بغية إدخال تحسن شكلي على الاقتصاد في الضفة الغربية. يقوم السلام الاقتصادي الذي طرحه نتنياهو على افتراض فحواه أنه بتقديم حوافز اقتصادية من خلال التعاون الاقتصادي والأمني ​الفعال، مصحوبًا بتخفيف

إجراءات نظام الإغلاق في الضفة الغربية، فإن التحسن المتوقع لمستويات المعيشة الاجتماعية والاقتصادية والنمو الاقتصادي سيؤدي إلى إضعاف الميول الوطنية الجذرية والتوجه نحو المقاومة، ومن ثم ضمان قبول الفلسطينيين بالوضع السياسي القائم. وبتعبير آخر، إن إعطاء الأولوية للتنمية الاقتصادية على أساس الأداء الأمني ​الفعال، من شأنه أن يكون بديلً ملائمًا للعملية السياسية، وإن

وصول السلام الاقتصادي إلى مرحلة النضج من خلال قدرته على خلق التهدئة، وتشجيع التطبيع الاقتصادي، من شأنه أن يؤدي إلى تحقيق السلام. يوحي «السلام الاقتصادي» بأنّ هناك التقاءً أيديولوجيًا بين المستعمِر والمستعمَر. وقد أُشير إلى

هذا الالتقاء في بعض الأوساط باسم «الضفة الغربية أولً» التي صُمِّمت لإحداث تأثير غير متناظر في

الأوضاع الاقتصادية في مناطق الضفة الغربية وغزة؛ وذلك بغية التأثير في التوجه السياسي لسكانها.

(50) Adam Hanieh, «The Int e rnationalisation of Gulf Capital and Palestinian Class Formation,» Capital & Class , vol. 35, no. 1 (February 2011), p. 95. (51) Mark Levine, Impossible Peace: Israel/Palestine Since 1989 (London/New York: Zed Books, 2013), p. 114.

(((5 ينظر: عبد الله حرب، «الإغراق في الديون.. سياسات الإقراض في الضفّة»، متراس، 018/7/62، شوهد في 019/7/25:2، في

https://bit.ly/2NZRkYL (53) Ali Abunimah, The Battle for Justice in Palestine (Chicago: Haymarket books, 2014), p. 29. (54) Mohammed Samhouri, «The ‘West Bank First’ Strategy: A Political–Economic Critical Assessment,» Working paper no. 2 (Massachusetts: Crown Center for Middle East Studies, 2007), p. 3.

وفي الواقع، استغل هذا الالتقاء الأيديولوجي حالة الانقسام السياسي والمؤسساتي الفلسطيني الداخلي بين السلطة الفلسطينية بقيادة فتح في الضفة الغربية وحكومة الأمر الواقع التي أقامتها حماس في غزة. سعى الجانبان للترويج لصورة الضفة الغربية «المزدهرة اقتصاديًا» على اعتبارها نموذجًا

تأديبيًا لغزة وواقعها الإنساني المأساوي في ظل الحصار الإسرائيلي؛ الأمر الذي سيضغط على السكان

للتحول ضد حماس سعيًا وراء واقع اجتماعي واقتصادي مماثل لواقع الضفة الغربية.

سابعًا: المساعدات الدولية

يُعتبر دخول المانحين الدوليين إلى المشهد الفلسطيني أحد أهم المؤشرات في فهم طبيعة الاقتصاد

السياسي في فترة أوسلو، بما في ذلك عمليات بناء مؤسسات السلطة الفلسطينية والتنمية الاقتصادية وتحولات المجتمع الفلسطيني. فقد رُبطت المساعدات الدولية للفلسطينيين على نحوٍ صارم بالبنود

السياسية والأمنية في اتفاقيات أوسلو والتفاهمات اللاحقة. تنوعت مصادر المساعدة المالية ما بين الدول العربية والغربية وصولً إلى المؤسسات المالية الدولية والوكالات المانحة الخاصة، غير أنّ المانحين الغربيين على وجه الخصوص كانوا أقوى اللاعبين في تحديد وجهات المساعدات وحصصها بين السلطة الفلسطينية والمجتمع المدني والقطاع الخاص. وبصفة عامة، يدّعي المانحون الغربيون، من خلال بياناتهم الرسمية، أن المعونات المقدمة للفلسطينيين تأتي في سياق تعزيز «عملية السلام»، ودعم بناء المؤسسات الفلسطينية، وتعزيز التنمية الاقتصادية، وتوفير المساعدات الإنسانية. وتشير التقديرات إلى أنه، منذ بدء عملية أوسلو في عام 9931 حتى عام 0172، وُجِّه أكثر من 03 مليار

دولار من المساعدات من الجهات المانحة الثنائية والمتعددة الأطراف إلى السلطة الفلسطينية. وطوال سنوات عديدة، كانت الأراضي الفلسطينية المحتلة تأتي في أعلى قائمة الدول المستفيدة من المساعدات محسوبة للفرد الواحد، حيث تعكس المشاركة الكبيرة للمانحين والمستويات العالية للمساعدات الأهمية الاستراتيجية والجيوسياسية للمنطقة في أجندة السياسة الخارجية للدول المانحة، وخاصة في مساعيها لضمان الاستقرار والحد من احتمال اندلاع المواجهات العنيفة والانتفاضات. عُقد طوال عملية أوسلو عدد من المؤتمرات المتعددة الأطراف من أجل التعهد بمساعدات

للفلسطينيين، وطالما رُبِط عقد هذه اللقاءات بأحداث سياسية معينة، وهدفت بالأساس إلى تهدئة

الأوضاع أو دفع السلطة الفلسطينية نحو القبول بتوجهات سياسية وأمنية معينة. فمثلً، تحت عنوان «الاستثمار في السلام»، اجتمع أكثر من 42 دولة ووكالة مانحة في واشنطن العاصمة بعد فترة قصيرة من توقيع اتفاقات أوسلو عام 9931، وتعهدت بتخصيص أكثر من 2.4 مليار دولار خلال الفترة الانتقالية التي مدتها خمس سنوات.

(55) OECD, «Query Wizard for International Development Statistics,» accessed on 25/7/2019, at: https://bit. ly/2mV9CP7

وبحسب منظمي المؤتمر، كان الهدف من هذا المبلغ الأولي تشجيع بناء الدولة والتنمية الاقتصادية من خلال بناء قدرات السكان الفلسطينيين، بما يمكنهم من أن ينظموا ويديروا شؤونهم الخاصة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في سياق تنفيذ إعلان المبادئ الفلسطيني – الإسرائيلي الصادر في 13 أيلول/ سبتمبر. لكنْ خلافًا لما وعدت به الجهات المانحة، واجهت السلطة الفلسطينية تدهورًا

اقتصاديًا ومعيشيًا صاحبه ارتفاع الأصوات السياسية المعارضة. ونتيجة للخشية من تداعيات هذا

التدهور، تداعت 04 جهة مانحة للاجتماع بعد توقيع مذكرة «واي ريفر» عام 9981، وتعهدت بتقديم مبلغ إضافي قدره 4 مليارات دولار، هدفه الرئيس هو تعزيز السلطة الفلسطينية وعملية أوسلو. ومع اندلاع الانتفاضة الثانية (005–20002) والتدمير الواسع النطاق للبنية التحتية الفلسطينية على يد القوات الإسرائيلية، تحولت وجهة المساعدات من بناء المؤسسات والتنمية الاقتصادية إلى المساعدات الإنسانية والحفاظ على السلطة الفلسطينية من الانهيار التام. ورافقت هذا التحول زيادة كبيرة في مساعدات المانحين التي تضاعفت تقريبًا مقارنة بالسنوات السابقة للانتفاضة. ومرة أخرى، عقب

الانقسام الفلسطيني – الفلسطيني بين السلطة الفلسطينية بقيادة فتح في الضفة الغربية وحكومة الأمر الواقع التي أقامتها حماس في غزة في عام 0072، اجتمع المانحون الدوليون في باريس وتعهدوا بتقديم أكثر من 7.7 مليارات دولار لدعم السلطة الفلسطينية في رام الله. عُقد المؤتمر بدوافع سياسية، ولذلك استُخدم التمويل في المقام الأول من أجل تعزيز بناء مؤسسات السلطة الفلسطينية وتنمية القطاع الخاص وقوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية؛ بما يؤدي إلى تقويض نفوذ حماس في الضفة الغربية. وجِّهت انتقادات واسعة ضد سياسات المانحين الدوليين. ويرى النقد الأكثر تواترًا أن هناك تناقضًا في

التزام المانحين بدعم بناء المؤسسات والتنمية الاقتصادية في ظل استمرار التوسع الاستعماري – الاستيطاني الإسرائيلي. ومن المفارقات هنا استمرار المانحين في ربط المعونات بمشروطيات اتفاقيات أوسلو السياسية والاقتصادية والأمنية، على الرغم من الإخفاق الطويل الأمد لإمكانية التوصل إلى سلام ضمن إطار حل الدولتين. فبدلً من ممارسة الضغط السياسي على إسرائيل من أجل تهيئة الظروف الملائمة لاستثمار المساعدات على نحوٍ يدعم الحقوق الفلسطينية، تميل سياسات المانحين إلى فرض الوضع الراهن القائم على استمرار الهيمنة الإسرائيلية.

(56) Quoted in: Anne Le more,  International Assistance to the Palestinians after Oslo: Political Guilt, Wasted Money , Routledge Studies on the Arab–Israeli Conflict Series (Oxford/New York: Routledge, 2008), p. 2. (57) UNCTAD, Palestinian War–Torn Economy: Aid, Development and State Formation (New York/ Geneva: 2006), p. 37. (58) Turner, «The Political Economy of Western Aid.» (59) Jeremy Wildeman & Alaa Tartir, «Unwilling to Change, Determined to Fail: Donor Aid in Occupied Palestine in the Aftermath of the Arab Uprisings,»  Mediterranean Politics , vol. 19, no. 3 (2014), pp. 431–449. (60) Anne Le More, «Killing with Kindness: Funding the Demise of a Palestinian State,» International Affairs , vol. 81, no. 5 (2005), pp. 981–999.

لقد وجّهت إلى المانحين اتهامات صريحة بالتواطؤ في دعم البنية الاستعمارية؛ لأن سياساتهم تسير

ضد حق تقرير المصير والاستقلال الفلسطيني. ويمكن، كمثال على ذلك، اكتشاف «تواطؤ» المانحين من خلال تحرّي الطرق التي تعمل بها المساعدات الدولية وتؤدي إلى إعفاء إسرائيل، كقوة

استعمارية، من مسؤوليتها عن السكان، فضلً عن أنها تساعد أيضًا الحكومة والشركات الإسرائيلية في تمويل الاحتلال. وتوضح دراسة قام بها الاقتصادي الإسرائيلي شير هيفر أن إسرائيل تستفيد مباشرة من المساعدات من خلال إجراءات فرض رسوم الموانئ ورسوم النقل ورسوم التخزين، وأن ما يصل إلى 78 في المئة من أموال المساعدات للأراضي الفلسطينية المحتلة يذهب إلى تمويل الشركات الإسرائيلية التي تهيمن بضائعها على السوق الفلسطينية. ويعني هذا أن المساعدات لا تعيد ترسيخ الاعتماد الاقتصادي الفلسطيني على إسرائيل فحسب، لكنها أيضًا تخلق شكلً آخر من أشكال الاعتمادية على المانحين الدوليين. ويتجلى ذلك في الطرق التي تشجع بها تدفقات الأموال نشوء بنية حكم ريعي ومجتمع مدني ريعي أيضًا، حيث ساهم الممولون في تحويل شرائح واسعة في المجتمع الفلسطيني إلى مجموعات من المتلقين المتكلين على المساعدات، والذين افتقدوا القدرة والحافز للقيام بمبادرات اقتصادية وإنتاجية مستقلة ومعتمدة على الذات. كما ساهمت هذه المساعدات في تشكّل وإدامة طبقة سياسية – اقتصادية مهيمنة يرتبط بقاؤها بتلبية أجندة المانحين، ومن ثم بمطالب إسرائيل، وخاصة ما يتعلق بالحفاظ على الاستقرار والأمن. فالمجتمع المدني المحلي الذي أدّى دورًا فاعلً في مقاومة الاحتلال في حقبة ما قبل أوسلو،

أعيدت هيكلته، على نحو كبير، وفقًا لمتطلبات المانحين. ويتعلق الأمر هنا بعملية «إضفاء طابع المنظمات غير الحكومية» على المنظمات المحلية، حيث استُوعبت الحركات الجماهيرية النشطة سابقًا لمصلحة المنظمات غير الحكومية النخبوية وغير المسيَّسة والعاجزة عن إحداث تغيير اجتماعي

جذري. وعلى أساس هذه الخلفية، يعمل نموذج بناء السلام الذي يقوده المانحون في الأراضي الفلسطينية المحتلة كاستراتيجية لمكافحة التمرد، ساهمت في إضعاف الحركة الوطنية الفلسطينية على نحو فعّال أمام التوسع المستمر للنظام الاستعماري في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

خلاصة

استخدمت هذه الدراسة تحليلً يستند إلى الاقتصاد السياسي، من أجل فهم أفضل لديناميات دقيقة

ومعقدة، كامنة وراء التفاعل بين المستعمِر والمستعمَر في الحالة الفلسطينية. فمنذ احتلال الأراضي

(61) Nora Lester Murad, «Donor Complicity in Israel’s Violations of Human Rights,» Al–Shabaka, 24/10/2014, accessed on 25/7/2019, at: https://bit.ly/32KxzvH (62) Shir Hever, «How much International Aid to Palestinians Ends up in the Israeli Economy?» Aid Watch, September 2015, accessed on 25/7/2019, at: https://bit.ly/2wF0Nwb (63) Tariq Dana, «The Structural Transformation of Palestinian Civil Society: Key Paradigm Shifts,» Middle East Critique , vol. 24, no. 2 (2015), pp. 191–210. (64) Mandy Turner, «Peacebuilding as Counterinsurgency in the Occupied Palestinian Territory,» Review of International Studies , vol. 41 (2015), pp. 73–98.

الفلسطينية عام 9671، وضع صنّاع السياسة الإسرائيليون استراتيجيات متعددة للتحكم والسيطرة بغية ضمان توسيع بنية الاستعمار – الاستيطاني وتثبيتها واقتلاع السكان الفلسطينيين. وطوال نصف قرن من الاستعمار الاستيطاني للأراضي الفلسطينية المحتلة، حرصت إسرائيل على أن تكون الهيمنة الاقتصادية والتهدئة الاقتصادية في صميم استراتيجياتها المتغيرة. وعلى الرغم من قيام المقاومة الفلسطينية بعرقلة أساليب السيطرة الإسرائيلية في مختلف المراحل التاريخية، فقد ساهمت سياسة احتواء السلطة الفلسطينية والنخبة السياسية – الاقتصادية الفلسطينية في شبكات معقدة من المصالح والتعاون الاقتصادي والأمني مع إسرائيل في مرحلة ما بعد أوسلو في تعزيز البنية الاستعمارية بلا رادع. أضف إلى ذلك، أن مشاركة المانحين الدوليين والمؤسسات المالية الدولية أدّت دورًا أساسيًا في الحفاظ على الوضع القائم. حظيت المقاربة المستندة إلى الاقتصاد السياسي في السنوات الأخيرة باهتمامٍ متزايد في تحليل السياق الفلسطيني، لكنْ لا يزال هناك متسع لتطوير هذا الاهتمام؛ نظرًا إلى قدرته على الكشف عن

أساليب إسرائيل السياسية والاقتصادية لتثبيت سطوتها الاستعمارية. ومن شأن الاقتصاد السياسي على وجه الخصوص تقديم قراءة نقدية بديلة لأوجه القصور، وإدخال آليات مقاومة جديدة في وجه الاستراتيجيات الإسرائيلية. وأيضًا، يمكن أن يكون لهذا الاهتمام مساهمة مهمة في الجهود الرامية إلى إعادة بناء الحركة الوطنية الفلسطينية على أسس سياسية واقتصادية جديدة.

References

المراجع

Abed, George T. (ed.). The Palestinian Economy: Studies in Development under Prolonged Occupation. The Economy of the Middle East Series. London: Routledge,

Abunimah, Ali. The Battle for Justice in Palestine. Chicago: Haymarket books, 2014. Ann Smith, Pamela. «The Exile Bourgeoisie of Palestine.»  MERIP Middle East Report. no. 142: Wealth and Power in the Middle East (September–October 1986). Aran, Amnon. Israel’s Foreign Policy Towards the PLO: The Impact of Globalization. Brighton: Sussex Academic Press, 2011. Bouillon, Markus E. The Peace Business: Money and Power in the Palestine–Israel Conflict. London/ New York: I.B. Tauris, 2004. Cobban, Helena. «The PLO and the Intifada.» Middle East Journal. vol. 44, no. 2 (Spring 1990). Dana, Tariq. «The Structural Transformation of Palestinian Civil Society: Key Paradigm Shifts.» Middle East Critique. vol. 24, no. 2 (2015). ________. «The Prolonged Decay of the Palestinian National Movement.» National Identities. vol. 21, no. 1(2019). ________. «The symbiosis between Palestinian ‘Fayyadism’ and Israeli ‘economic peace’: the political economy of capitalist peace in the context of colonization.» Conflict, Security & Development. vol. 15, no. 5: Israel–Palestine after Oslo: Mapping Transformations and Alternatives in a Time of Deepening Crisis (2015).

Farsakh, Leila. Palestinian Labour Migration to Israel: Labour, Land and Occupation. The Routledge Political Economy of the Middle East and North Africa Series. Oxford/ New York: Routledge, 2005. Gabriel, Judith. «The Economic Side of the Intifadah.» Journal of Palestine Studies. vol. 18, no. 1: Special Issue: Palestine 1948 (Autumn 1988). Gordon, Neve. Israel’s Occupation. California: California University Press, 2008. Graham–Brown, Sarah. «The West Bank and Gaza: The Structural Impact of Israeli Colonization.» MERIP Reports. no. 74 (January 1979). Hanieh, Adam. «The Internationalisation of Gulf Capital and Palestinian Class Formation.» Capital & Class. vol. 35, no. 1 (February 2011). ________. Lineages of Revolt: Issues of Contemporary Capitalism in the Middle East. Chicago: Haymarket books, 2013. Hever, Shir. The Political Economy of the Israel’s Occupation: Repression Beyond Exploitation. London: Pluto Press, 2010. Hiltermann, Joost R. Behind the Intifada: Labor and Women’s Movements in the Occupied Territories. New Jersey: Princeton University Press, 1991. Hunter, F. Robert. The Palestinian Uprising: A War by Other Means. Revised ed. California: University of California Press, 1993. Husain Khan, Mushtaq, George Giacomo & Inge Amundsen (eds.). State Formation in Palestine: Viability and Governance During a Social Transformation. London/ New York: Routledge Curzon, 2004. Khalidi, Raja & Sobhi Samour. «Neoliberalism as liberation: The Statehood Program and the Remaking of the Palestinian National Movement.» Journal of Palestine Studies. vol. 40, no. 2 (Winter 2011). King, Mary Elizabeth. A Quiet Revolution: The First Palestinian Intifada and Nonviolent Resistance. Introduction by Jimmy Carter. New York: Nation Books, 2007. Le More, Anne. «Killing with Kindness: Funding the Demise of a Palestinian State.» International Affairs. vol. 81, no. 5 (2005). ________. International Assistance to the Palestinians after Oslo: Political Guilt, Wasted Money. Routledge Studies on the Arab–Israeli Conflict Series. Oxford/ New York: Routledge, 2008. Levine, Mark. Impossible Peace: Israel/Palestine Since 1989. London/New York: Zed Books, 2013. Lockman, Zachary & Joel Beinin (eds.). Intifada: the Palestinian Uprising against Israeli Occupation. Massachusetts: South End Press, 1989. Nakhleh, Khalil. Globalized Palestine: The National Sell–Out of a Homeland. New Jersey: Red Sea Press, 2012. Nassar, Jamal & Roger Heacock (eds.). Intifada: Palestine at the Crossroads. New York: Praeger Publishers, 1990. Nitzan, Jonathan & Shimshon Bichler. The Global Political Economy of Israel. London/ Virginia: Pluto Press, 2002. Peres, Shimon. The New Middle East. New York: Henry Holt & Co., 1993.

Pugh, Michael, Neil Cooper & Mandy Turner (eds.). Whose Peace? Critical Perspectives on the Political Economy of Peacebuilding. London: Palgrave Macmillan, 2008. Ron, James. Frontiers and Ghettos: State Violence in Serbia and Israel. California/ London: University of California Press, 2003. Roy, Sara. Failing Peace: Gaza and the Palestinian–Israeli Conflict. London/Michigan: Pluto Press, 2007. Samhouri, Mohammed. «The ‘West Bank First’ Strategy: A Political–Economic Critical Assessment.» Working paper no. 2. Massachusetts: Crown Center for Middle East Studies, 2007. Sayigh, Yusef. «The Palestinian Economy under Occupation: Dependency and Pauperization.» Journal of Palestine Studies. vol. 15, no. 4 (Summer 1986). Shafir, Gershon. A Half Century of Occupation: Israel, Palestine, and the World’s Most Intractable Conflict. California: University of California Press, 2017. Taghdisi–Rad, Sahar. The Political Economy of Aid in Palestine: Relief from Conflict or Development Delayed? Routledge Political Economy of the Middle East and North Africa. London: Routledge, 2010. Turner, Mandy & Omar Shweiki (eds.). Decolonizing Palestinian Political Economy: De–Development and Beyond. Rethinking Peace and Conflict Studies Series. London: Routledge, 2014. Turner, Mandy. «Completing the Circle: Peacebuilding as Colonial Practice in the Occupied Palestinian Territory.» International Peacekeeping. vol. 19, no. 4: Where Has All the Peace Gone? Peacebuilding, Peace Operations and Regime Change Wars (August 2012). ________. «Peacebuilding as Counterinsurgency in the Occupied Palestinian Territory.» Review of International Studies. vol. 41 (2015). UNCTAD. Palestinian War–Torn Economy: Aid, Development and State Formation. New York/ Geneva: 2006. _______. Report on UNCTAD Assistance to the Palestinian People: Developments in the Economy of the Occupied Palestinian Territory. Geneva: 2016. Wildeman, Jeremy & Alaa Tartir. «Unwilling to Change, Determined to Fail: Donor Aid in Occupied Palestine in the Aftermath of the Arab Uprisings.»  Mediterranean Politics. vol. 19, no. 3 (2014). Wolfe, Patrick. «Settler Colonialism and the Elimination of the Native.» Journal of Genocide Research. vol. 8, no. 4 (December 2006). World Bank. Developing the Occupied Territory: An Investment in Peace. Washington, DC: 1993. Zureik, Elia, David Lyon & Yasmine Abu–Laban (eds.). Surveillance and Control in Israel/ Palestine: Population, Territory and Power. Routledge Studies in Middle Eastern Politics Series. New York: Routledge, 2011.