العودة إلى تفاصيل المؤلَّف حول إِعْمَال الوجه: تحليلٌ للعناصر الشعائرية في التفاعل الاجتماعي

حول إِعْمَال الوجه: تحليلٌ للعناصر الشعائرية في التفاعل الاجتماعي

On Face–Work: An Analysis of Ritual Elements in Social Interaction

إرفنغ غوفمان | Erving Goffman *ترجمة ثائر ديب | Thaer Deeb **

الملخّص

ترجمة: ثائر ديب صقل عالم الاجتماع الأميركي إرفنغ غوفمان مفهوم "الوجه" ليعبّر به عن صورة الذات عن نفسها وأمام الآخرين وفي تفاعل معهم. وفي هذا المقال الكلاسيكي، يشرح غوفمان كيف يمكن فهم العلاقات التفاعلية بين الأفراد بوصفها علاقات شعائريّة قائمة على قواعد وقيم مستقاة من المجتمع، وتعكس الطريقة التي يرغب المرء من خلالها في أن يراه مجتمعه المحيط، والتي تُشتقّ منها قواعد احترام الذات ومراعاة الآخرين التي يميل الشخص إلى التصرف وفقًا لها في أثناء لقاء من اللقاءات، على نحو يحفظ وجهه ووجوه المشاركين. ويوضح غوفمان أن القبول المتبادل سمة بنيوية أساسية من سمات التفاعل، ولا سيما تفاعل المحادثة وجهًا لوجه. وعادةً ما يكون ذلك قبولًا مُصطنعًا، وليس حقيقيًا؛ إذ لا يميل إلى أن يستند إلى اتفاق على التقويمات الودّية المعبَّر عنها صراحةً، بل على استعداد للإيحاء الموقت بالاتفاق على أحكام لا يتفق عليها المشاركون في الواقع.

Abstract

Abstract: Erving Goffman defined the term «face» to express an image of the self in front of others and interaction with them. In this canonical article, Goffman explains how interactive relationships between individuals can be understood as ritual connections built on rules and values derived from society, mirroring the way a person wants to be perceived in their surrounding space, from which the rules of self–respect and consideration for others is drawn. People rely on these rules to dictate their behaviour during interactions in a manner that saves both their own face and the faces of their counterparts. Goffman makes clear that «this kind of mutual acceptance seems to be a basic structural feature of interaction, especially the inter–action of face–to–face talk.» This is usually what Goffman refers to as a «working acceptance», not a «real one», as it usually comes from a «willingness to give temporary lip service to judgements with which the that participants do not really agree».

الكلمات المفتاحية:
  • الوجه
  • الأشخاص
  • اللقاءات الاجتماعية
  • التفاعل الاجتماعي
Keywords:
  • Face
  • Persons
  • Social encounters
  • Social interaction

إرفنغ غوفمان | Erving Goffman * ترجمة ثائر ديب | Thaer Deeb **

تحليلٌ للعناصر الشعائرية في التفاعل الاجتماعي

ملخص: صقل عالم الاجتماع الأميركي إرفنغ غوفمان مفهوم «الوجه» ليعبّر به عن صورة

الذات عن نفسها وأمام الآخرين وفي تفاعل معهم. وفي هذا المقال الك سيكي، يشرح غوفمان كيف يمكن فهم العلاقات التفاعلية بين الأفراد بوصفها علاقات شعائريّة قائمة على

قواعد وقيم مستقاة من المجتمع، وتعكس الطريقة التي يرغب المرء من خلالها في أن يراه مجتمعه المحيط، والتي تُشتقّ منها قواعد احترام الذات ومراعاة الآخرين التي يميل الشخص

إلى التصرف وفقًا لها في أثناء لقاء من اللقاءات، على نحو يحفظ وجهه ووجوه المشاركين. ويوضح غوفمان أن القبول المتبادل سمة بنيوية أساسية من سمات التفاعل، ولا سيما تفاعل

المحادثة وجهًا لوجه. وعادةً ما يكون ذلك قبولً مُصطنعًا، وليس حقيقيًا؛ إذ لا يميل إلى أن

يستند إلى اتفاق على التقويمات الودّية المعبَّر عنها صراحةً، بل على استعداد للإيحاء الموقت

بالاتفاق على أحكام لا يتفق عليها المشاركون في الواقع.

Abstract: Erving Goffman defined the term «face» to express an image of the self in front of others and interaction with them. In this canonical article, Goffman explains how interactive relationships between individuals can be understood as ritual connections built on rules and values derived from society, mirroring the way a person wants to be perceived in their surrounding space, from which the rules of self–respect and consideration for others is drawn. People rely on these rules to dictate their behaviour during interactions in a manner that saves both their own face and the faces of their counterparts. Goffman makes clear that «this kind of mutual acceptance seems to be a basic structural feature of interaction, especially the inter–action of face–to–face talk.» This is usually what Goffman refers to as a «working acceptance», not a «real one», as it usually comes from a «willingness to give temporary lip service to judgements with which the that participants do not really agree».

Canadian/ American Sociologist.

Syrian Writer and Translator.

مقدمة

ما من شخص إلّ وهو ويعيش في عالم من اللقاءات الاجتماعية Encounters Social التي تُدخله مع مشاركين آخرين إمّا في تماس Contact وجهًا لوجه وإما بالتوسّط. وهو يميل في

كلّ تماس إلى إبداء ما يُدعى في بعض الأحيان، الخطّLine، وهو نسق من الأفعال اللفظية وغير

اللفظية يعبّر بها عن رأيه في الوضع Situation ويعبّر من خلال ذلك عن تقويمه للمشاركين

Participants، ولا سيما هو نفسه. وبصرف النظر عن نيّة الشخص في أن يتّخذ له خطًّا أم لا، فسوف

يجد أنّه قام بذلك بالفعل. وسوف يفترض المشاركون الآخرون أنّه اتخذ موقفًا بإرادته إلى هذا الحد أو ذاك؛ ما يضطره، إن أراد التعامل مع ارتكاسهم حياله، إلى أن يأخذ في الحسبان ما يمكن أن يكونوا

قد شكّلوه من انطباع عنه. يمكن أن نعرّف مصطلح الوجه Face بأنّه القيمة الاجتماعية الإيجابية التي يدّعيها شخصٌ لنفسه من

خلال الخطّ الذي يفترض الآخرون أنّه اتخذه خلال تماس معين. والوجه هو صورة يرسمها المرء لذاته من حيث الصفات الاجتماعية المحبَّذة، وإن تكن صورة قد يشاطره إيّاها آخرون، كما هو الحال

عندما يُبدي شخصٌ مهنته أو ديانته إبداءً حسنًا بإبداء نفسه إبداءً حسنًا. ينزع الشخص إلى عيش ارتكاس انفعالي فوري حيال الوجه الذي يتيحه له تماسٌّ مع آخرين، يشحن

وجهه ويركّز فيه طاقته الانفعالية، تغدو «مشاعره» مرتبطة به. وإذا ما عزز اللقاء صورةً له لطالما أخذها كمسلّمة، قد لا يشعر بالكثير حيال الأمر. وإذا ما أقامت الأحداث وجهًا له أفضل مما توقّعه، يمكن

أن «يشعر بالرضا»؛ وإذا لم يُوفَ بتوقعاته المعتادة، نتوقّع أن «يشعر بالسوء» أو «يشعر بالأذى».

وبصورة عامة، فإنَّ ارتباط شخص بوجه معين، متضافرًا مع اليسر الذي يمكن أن ينقل به هو والآخرون

معلومات لا تعزز هذا الوجه، يوفّران أحد الأسباب التي تدفع هذا الشخص إلى أن يرى أنَّ المشاركة في أيّ تماس مع الآخرين هي التزام. وسوف تكون لدى الشخص، أيضًا، مشاعر تجاه وجوه

المشاركين الآخرين التي يعززها اللقاء، وفي حين يمكن أن تختلف هذه المشاعر في الكمّ والاتجاه

عن مشاعره حيال وجهه الخاص، فإنّها تشكّل انخراطًا في وجوه الآخرين فوريًا وعفويًا كانخراطه في

(((كُت بَت هذه الورقة في جامعة شيكاغو، وأنا أدين بالدعم المالي ال زاام لكتابتها لمنحة الصحة العامة في الولايات المتحدة

الأميركية MH(5[M702(6) No.)] التي قُدِّمَت لدراسة خصائص التفاعل الاجتماعي بين الأفراد، وهي دراسة ترأسها الدكتور وليم

سوسكين من قسم علم النفس في جامعة شيكاغو.

This paper was written at the University of Chicago; for financial support in writing it, I am indebted a U.S. Public Health Grant (No. M702[6]MH[5]) for a study of the characteristics of social interaction of individuals headed by Dr. William Soskin of the Department of Psychology, University of Chicago.

(((ثمة مناقشات للتصوّر الصيني للوجه في:

Hsien Chin Hu, «The Chinese Concept of ‘Face’,» American Anthropologist , vol. 46, no. 1 (1944), pp. 45–64; Martin C. Yang, A Chinese Village (New York: Columbia University Press, 1945), pp. 167–172; J. MacGowan, Men and Manners of Modern China (London: Unwin, 1912), pp. 301–312; Arthur H. Smith, Chinese Characteristics (New York: Fleming H. Revell Co., 1894), pp. 16–18.

وثمة تعليق على التصوّر الهندي الأميركي للوجه في:

Marcel Mauss, The Gift , Ian Cunnison (trans.) (London: Cohen & West, 1954), p. 38.

وجهه. ووجه المرء ووجوه الآخرين أبنية من النظام الواحد ذاته، وقواعد المجموعة وتحديد الوضع هما اللذان يقرران مقدار شعور المرء حيال الوجه وكيف يتوزّع هذا الشعور على الوجوه المعنيّة. يمكن القول إنَّ شخصًا لهوجه Face Have، أو بوجه Face In، أو يحفظوجهًا Face Maintain،

حين يبدي الخطّ الذي يتّخذه فعليًا صورةً له متّسقة داخليًا، أي تدعمها أحكام وأدلّة يسوقها المشاركون

الآخرون، وتؤكّدها أدلّة تسوقها وسائط غير شخصية موجودة في الوضع. في مثل هذه الأوقات، يظهر بجلاء أنَّ وجه الشخص ليس شيئًا مُودعًا في جسمه أو على جسمه، بل شيء متوضّع على نحو

مستفيض في دفق الأحداث خلال اللقاء، ولا يتجلّى إلا حين تُقرأ هذه الأحداث وتُفسَّر سعيًا وراء ما

تعبّر عنه من تقويمات. ينزع الخطّ الذي يحفظه شخصٌ أو يحفظه له آخرون في أثناء تماسٍ معهم إلى أن يكون من نوع

مؤسسي مشروع. ففي أثناء تماس من نمط معين، يمكن أن نتوقع أن يُحافَظ على متفاعل Interactant

ذي صفات معروفة أو مرئية في وجهٍمعيّن، وأن نشعر أنّ من الملائم أخلاقيًا أن يكون الأمر كذلك.

ونظرًا إلى صفات هذا المتفاعل وإلى الطبيعة التقليدية للقاء، فسوف يجد أنَّ اختيار الخطوط المتاح

أمامه واختيار الوجوه الذي ينتظره هو ذلك الاختيار المحدود. وعلاوة على ذلك، فإنّه يُحمَّل، على

أساس قلّة من الصفات المعروفة، مسؤولية امتلاك عدد هائل من الصفات الأخرى. ومن غير المحتمل أن يعي مشاركوه طابع كثيرٍ من هذه الصفات، إلى أن يتصرف على نحوٍ واضح بطريقة تكذّب امتلاكه لها؛ فيدرك الجميع عندئذ هذه الصفات ويفترض أنّه كان قد أعطى عن قصد ذلك الانطباع الخاطئ أنّه يمتلكها. هكذا، بينما يعمل الاهتمام بالوجه على تركيز انتباه الشخص على النشاط الحالي، لا بدّ له، كي يحفظ الوجه في هذا النشاط، من أن يأخذ في الحسبان مكانته في العالم الاجتماعي الذي يقف وراءه. فالشخص الذي يمكنه أن يحفظ الوجه في الوضع الحالي هو شخص أحجم في الماضي عن أفعال معينة، فبات من الصعب أن ينبري لها. يُضاف إلى ذلك أنَّه يخشى فقدان الوجه الآن، الأمر الذي يعود

في جزء منه إلى أنَّ الآخرين قد يأخذون هذا علامةً على أن لا حاجة إلى أخذ مشاعره في الاعتبار في المستقبل. لكنَّ هنالك حدًّا لهذا الاعتماد المتبادل بين الوضع الحالي والعالم الاجتماعي الأوسع:

فلقاءٌ مع أشخاص لن يتعامل معهم ثانيةً يتركه حرًّا في اتّخاذ خطّ رفيع سوف يكذّبه المستقبل، أو يتركه

حرًّا في أن يعاني ضروبًا من الإذلال تجعل التعامل اللاحق معهم أمرًا محرجًا. يمكن القول إنَّ شخصًا هو بوجهٍخطأ Face Wrong In عندما تُقدَّم على نحوٍ ما معلومات عن جدارته

الاجتماعية لا يمكن دمجها، ولو بعد لأيٍ، في الخطّ الذي يُحفَظ له. ويمكن القول إنَّ شخصًا بلا

وجه Face of Out عندما يشارك في تماس مع آخرين من دون أن يكون له مسبقًا خطٌّ من النوع الذي يُتوقَّع من المشاركين في مثل هذه الأوضاع أن يتّخذوه. وما يقصد إليه كثيرٌ من المزاح هو دفع شخص

إلى إظهار وجه خاطئ أو عدم إظهار أيّ وجه، غير أنَّ هنالك مناسبات جديّة أيضًا يجد فيها المرء

نفسه فاقدًا للصلة مع الوضع على مستوى التعبير.

حين يحسّ شخص أنّه بوجه يرتكس في العادة بمشاعر الثقة والطمأنينة. ونظرًا إلى ثباته في الخط

الذي يتّخذه، يشعر أنّ في مقدوره أن يرفع رأسه ويقدّم نفسه للآخرين علانيةً. كما يشعر بشيء من الأمان والارتياح، الأمر الذي يمكن أن يحصل أيضًا حين يشعر الآخرون أنّه بوجه خطأ، لكنهم يفلحون في إخفاء هذه المشاعر عنه. حين يكون شخص بوجه خطأ أو بلا وجه، تسهم في اللقاء أحداث معبّرة لا يمكن حبكها بسهولة في

نسيج المناسبة التعبيري. وإذا ما أحسَّ أنّه بوجه خطأ أو بلا وجه، قد يشعر بالخجل والدونية نظرًا إلى

ما جرى للنشاط بسببه، ونظرًا إلى ما قد يجري لسمعته كمشارك. وقد يشعر، علاوة على ذلك،

بالاستياء لأنه اعتمد على اللقاء في دعم صورةٍ للذات بات مرتبطًا بها عاطفيًا ويجدها الآن مهدَّدة.

وقد يعيده إلى الوراء شعوره بالافتقار إلى دعم حكميّ تقويمي يقدمه له اللقاء، بل قد يبلبله، ويسوقه

إلى عجز موقّت كمتفاعل. وقد تتعثر طريقته وقدرته على التحمّل، وتنهاران، وتتداعيان. وقد يُحرَج

ويتكدّر، وقد يحس بالخزي. وشعوره، المبرر أو غير المبرر، بأنَّ الآخرين يرونه مبلبلً وأنّه لا يبدي أيّ

خطٍّ صالح، قد يُنزل بمشاعره مزيدًا من الأذى، تمامًا كما يمكن لتحوله من كونه بوجه خطأ أو بلا وجه

إلى شخص مخزيٍّ أن يضيف مزيدًا من الاضطراب إلى انتظام الوضع التعبيري. وسيرًا على ما هو

شائع، فسوف أستخدم التعبير poise» « [اتّزان، رصانة، وقار] كي أشير إلى القدرة على كبت وإخفاء أيّ ميل إلى الخزي في أثناء اللقاءات مع الآخرين. في مجتمعنا الأنكلو–أميركي، شأنه شأن بعض المجتمعات الأخرى، يبدو أنَّ ما تعنيه عبارة « to lose face» [يفقد وجهه، يريق ماء وجهه، يخسر اعتباره] هو أن يكون المرء بوجه خطأ، أو أن يكون بلا وجه، أو مَخْزيًّا. ويبدو أنَّ ما تشير إليه عبارة to save one’s face» « [يحفظ المرء وجهه، ينقذ سمعته،

يصون كرامته] هو العملية التي يعزز من خلالها هذا المرء انطباعًا لدى الآخرين بأنّه لم يفقد وجهه.

وبحسب الاستخدام الصيني، يمكن القول إنَّ عبارة to give face» « [يعطي وجهًا، يحترم، يكرّم]

تعني أن ترتّب لآخر اتّخاذ خطّ أفضل من الذي قد يكون قادرًا على اتّخاذه، وبذلك يحصل هذا

الآخر على وجه أُعطي له، وهذه واحدة من الطرائق التي يمكنه من خلالها أن ينال وجهًا. قد يتوقّع المرء أن يجد، كجانب من جوانب السنّة الاجتماعية Code Social لأيّ وسط اجتماعي،

تفهّمًا للمدى الذي يجب أن يبلغه شخص في حفظ وجهه. فما إن يتّخذ صورةً لذاته يعبّر عنها وجهه،

حتى يغدو من المنتظر أن يفي بها ويحافظ عليها. فيكون مطالبًا، بطرائق تختلف باختلاف المجتمعات،

بأن يُظهر احترامًا لذاته، ويتخلى عن أفعال معينة لأنّها أرفع منه أو أدنى، وأن يجبر نفسه على أداء

سواها ولو كانت تكلّفه الكثير. وبدخول الشخص ذلك الوضع الذي يُعطى فيه وجهًا يحفظه، فإنه

يتحمل مسؤولية أن يقف حارسًا لدفق الأحداث وهي تمرّ أمامه. ويكون عليه أن يضمن أنّ ثمّة نظامًا

تعبيريًا Order Expressive معينًا يجري تعزيزه: نظامٌ ينظّم تدفق الأحداث، كبيرها وصغيرها، بما

يجعل كلَّ ما تعبّر عنه متّسقًا مع وجهه. وعندما يبدي شخصٌ ضروبًا من وخز الضمير انطلاقًا من

(3) Smith, p. 17.

واجبه حيال نفسه في المقام الأول، فإننا نكون في مجتمعنا إزاء الكبرياء Pride؛ وعندما يفعل ذلك انطلاقًا من واجباته حيال وحدات اجتماعية أوسع، ويتلقى دعمًا من هذه الوحدات في قيامه بذلك،

نكون إزاء الشرف Honor. وعندما يرتبط وخز الضمير بأشياء لها علاقة بالوضعة؛ بالأحداث التعبيرية المستمدة من الطريقة التي يتعامل بها الشخص مع جسده وانفعالاته والأشياء التي لديه بها تماسّ

جسدي، فإننا نكون إزاء الكرامة Dignity، وهذه الأخيرة جانب من جوانب الضبط التعبيري يُطرى

على الدوام من دون أن يُدرَس قطّ. وعلى أي حال، فإنّه في حين يمكن وجه الشخص الاجتماعي أن

يكون أشدّ ممتلكاته شخصيةً ومركز أمنه ولذّته، فإنّه ليس سوى قرض يقرضه إيّاه المجتمع؛ وسوف

يُسحب ما لم يتصرف بطريقة تليق به. الصفات المحبّذة وعلاقتها بالوجه تجعل من كلّ إنسان سجّان

نفسه؛ وهذا قيدٌ اجتماعي أساسي على الرغم من أنَّ كلَّ إنسان قد يحب زنزانته. مثلما يُتوقَّع من العضو في أيّ مجموعة احترام ذاته Respect – Self، كذلك يُتوقَّع منه أيضًا أن يحافظ

على مستوى من مراعاة Considerateness الآخرين؛ يُتوقَّع منه أن يمضي بعيدًا في حفظ مشاعر

الآخرين الحاضرين ووجوههم، ويُتوقَّع أن يفعل ذلك عن طيب خاطر وعفويًا، بسبب التماهي

الانفعالي مع الآخرين ومع مشاعرهم. ونتيجة لذلك، فإنّه لا يميل إلى رؤية مَسْخ الآخرين.

والشخص الذي يمكن أن يشهد إذلال الآخر ويبقى متمالكًا نفسه وبلا مشاعر يوصف في مجتمعنا بأنّه «بلا قلب»، شأنه شأن من يمكنه أن يمسخ نفسه من دون أن يشعر بشيء فيوصَف بأنّه «سفيه». يتمثّل الأثر المتضافر لقاعدة احترام الذات وقاعدة المراعاة في أنَّ الشخص يميل إلى التصرف في

أثناء لقاء من اللقاءات على نحو يحفظ كلً من وجهه ووجوه المشاركين. وهذا يعني أنّ الخطّ الذي يتّخذه كلّ مشارك يُتاح له في العادة أن يسود، ويُسمح لكلّ مشارك أن يقوم بالدور الذي يبدو أنّه اختاره

لنفسه. وبذلك تقوم حالة يقبل فيها الجميع، موقّتًا، أحدُهم خطّ الآخر. ويبدو أن هذا النوع من القبول المتبادل هو سمة بنيوية أساسية من سمات التفاعل، لا سيما تفاعل المحادثة وجهًا لوجه.

(((بالطبع، كلما زادت سلطة الآخرين وهيبتهم زاد احتمال أن يبدي المرء الاحترام لمشاعرهم، كما يشار في:

H.E. Dale, The Higher Civil Service of Great Britain (Oxford: Oxford University Press, 1941), p. 126n.

«شرح لي مذهب ‘المشاعر’ منذ سنوات كثيرة مضت موظف مدني بارز ذو حسّ عيّاب وساخر رفيع. أوضح أنَّ أهمية المشاعر

تختلف باختلاف أهمية الشخص الذي يشعر. حين تقتضي المصلحة العامة إزاحة موظف صغير عن منصبه، لا حاجة إلى إبداء أي اعتبار لمشاعره؛ وإذا كان ذلك الشخص سكرتيرًا مساعدًا، فلا بد من إبداء شيء من الاعتبار المعقول؛ أمّا إذا كان سكرتيرًا دائمًا، فإنَّ

مشاعره تكون عنصرًا أساسيًا في الأمر، ولا يمكن، لغير المصلحة العامة الاضطرارية، أن تتخطى ما تقتضيه تلك المشاعر».

(((يعلم الباعة، ولا سيما باعة الشارع، أنهم إذا ما اتخذوا خطًّا سوف يُكذَّب إن لم يشتر الزبون الممانع، فإنَّ هذا الأخير يمكن أن

يقع في شرك المراعاة ويشتري كي يحفظ وجه البائع ويحول دون ما يمكن أن ينجم عن الحالة. (((الاتفاق الظاهر على تقويم الجدارة الاجتماعية لا يعني المساواة، بالطبع؛ فالتقويم الذي يدعم بالتراضي أحد المشاركين قد

يكون مختلفًا تمامًا عن تقويم يدعم بالتراضي مشاركًا آخر. ومثل هذا الاتفاق متناغم أيضًا مع التعبير عن الخلاف في الرأي بين

مشاركين، شريطة أن يبدي كلّ من المتناقشين «احترامًا» للآخر، بما يسوق التعبير عن عدم الاتفاق لأن ينقل تقويمًا للآخر يكون هذا

الآخر راغبًا في أن ينقله عن نفسه. الحالات المتطرفة تشترطها الحروب والنزاعات وشجارات الحانات، عندما تكون هذه الأخيرة من

نوع راقٍ، إذ يمكن خوضها في كنف التراضي، وكلّ بطل يسوق فعله بحسب قواعد اللعبة، بما يمكّن من تفسير فعله كتعبير عن لاعب نزيه مشتبك علانية مع خصم نزيه. ويمكن في الواقع تحليل قواعد أي لعبة ولياقاتها باعتبارها وسيلة يمكن التعبير من خلالها عن صورة لاعب نزيه، كما يمكن تحليل صورة لاعب نزيه على أنّها وسيلة تتعزز بها قواعد لعبة ولياقاتها.

وعادةً ما يكون ذلك قبولً «مُعْمَلً»، وليس «حقيقيًا»، إذ لا يميل إلى أن يستند إلى اتفاق على

التقويمات الودّية المعبَّر عنها صراحةً، بل على استعداد للإيحاء الموقت بالاتفاق على أحكام لا يتفق

عليها المشاركون في الواقع. ولقبول الخطوط المتبادل أثرٌ محافظ مهم في اللقاءات. فما إن يقدّم الشخص خطًّا في البداية حتى

يميل هو والآخرون إلى بناء ارتكاساتهم اللاحقة عليه، ويَعْلَقون به بمعنى ما. فإذا ما غيّر الشخص

خطّه على نحو جذري، أو ناله التكذيب، وقع الاضطراب، لأنّ المشاركين سيكونون قد أعدّوا أنفسهم

لأفعالٍلم تعد الآن ملائمة والتزموا بها. عادةً ما يكون صون الوجه شرط التفاعل، لا غايته. وعادةً ما يُسعى وراء الغايات المعتادة – مثل

اكتساب المرء وجهًا له أو تعبيره بحرية عن معتقداته الحقيقية أو تقديم معلومات تحطّ من شأن

الآخرين أو حلّ مشكلات وأداء مهمات – بطرائق تتسق مع صون الوجه. وتعني دراسة حفظ الوجه دراسة قواعد المرور الخاصة بالتفاعل الاجتماعي؛ فيعلم المرء السنّة التي يلتزم بها في حركته عبر مسارات الآخرين وخططهم، من دون أن يعلم إلى أين يذهب، أو لماذا يريد الوصول إلى هناك. بل إنه لا يعلم حتى سبب استعداده لاتباع السنّة؛ ذلك أن عددًا كبيرًا من الدوافع المختلفة يمكن أن يدفعه

بالمثل إلى فعل ذلك. قد يرغب في حفظ وجهه بسبب ارتباطه العاطفي بصورة الذات التي يعبّر عنها،

أو بسبب كبريائه أو شرفه، أو بسبب السلطة التي تسمح له مكانته المفترضة بممارستها على المشاركين

الآخرين، وهلمّ جرًّا. وقد يرغب في حفظ وجه الآخرين بسبب ارتباطه العاطفي بصورةٍ لهم، أو لأنّه

يشعر أنّ لمشاركيه حقًّا معنويًا في ذلك، أو لأنّه يريد أن يتجنب العداء الذي قد يُوجَّه إليه إذا فقدوا

وجوههم. وقد يشعر أنّ ثمة افتراضًا قائمًا مفاده أنّه شخص من نوع يبدي التعاطف والرحمة تجاه

الآخرين، بحيث يمكن أن يشعر، إذا ما أراد حفظ وجهه، أنه مضطر إلى أن يراعي الخط الذي اتّخذه المشاركون الآخرون.

ما أعنيه ب  إِعْمَال الوجه Work – Face هو الأفعال التي يلجأ إليها شخص ليجعل كلّ ما يقوم به متّسقًا

مع الوجه. ويقوم إِعْمَال الوجه بالتصدي ل «الحوادث»، أي تلك الأحداث التي تعمل آثارها الرمزية

الفاعلة على تهديد الوجه. هكذا، يكون الاتزان نوعًا مهمًا من إِعْمَال الوجه، لأنّ الشخص يسيطر من

خلال الاتزان على إحراجه بحيث يمكنه والآخرين أن يتخطّوا هذا الإحراج. وسواء كانت العواقب الكاملة لأفعال حفظ الوجه معروفة للشخص الذي يوظّفها أم لا، فإنّها غالبًا ما تصبح ممارسات

معتادة وموحدة؛ مثل الحركات التقليدية في لعبة أو الخطوات التقليدية في رقصة. ويبدو أنَّ لكلّ شخص، ولكلّ ثقافة فرعية، ولكلّ مجتمع ذخيرةً مميزة من ممارسات حفظ الوجه. وهذه الذخيرة هي ما يشير إليه الناس بعض الشيء حين يُسْألون كيف يبدو شخصٌ أو تبدو ثقافةٌ «في الحقيقة»؟ ويبدو

من ثم أنَّ مجموعة الممارسات المحدَّدة التي يؤكدها أشخاص محددون أو مجموعات محددة مستمدة من إطار واحد من الممارسات الممكنة متّسق منطقيًا. ويبدو الأمر كما لو أنَّ الوجه، بطبيعته

ذاتها، لا يمكن حفظه إلا بعدد معين من الطرائق، وكما لو أن كلّ تجمّع اجتماعي يجب أن ينتقي

اختياراته من مصفوفة الإمكانات الواحدة هذه. من المتوقع أن يكون لدى أعضاء كلّ دائرة اجتماعية بعض المعرفة بإعمال الوجه وبعض الخبرة في استخدامه. وفي مجتمعنا، يُسمّى هذا النوع من القدرات في بعض الأحيان باللباقة، أو اللياقة، أو

الدبلوماسية، أو المهارة الاجتماعية. ويرتبط الاختلاف في المهارة الاجتماعية بفاعلية إِعمال الوجه أكثر مما يرتبط بتواتر تطبيقه؛ ذلك أنَّ الأفعال التي تطاول الآخرين تُعدَّل جميعها تقريبًا، بالتقادم أو

بالمنع، من خلال اعتبارات الوجه. ولكي يوظّف شخصٌ ذخيرته من ممارسات حفظ الوجه، من الواضح أنّه لا بدّ، أولً، من أن يدرك

التفسيرات التي ربما فسّر بها الآخرون أفعاله والتفسيرات التي ربما ترتّب أن يفسّر بها أفعالهم. بعبارة

أخرى، عليه أن يمارس الإدراك Perceptiveness. لكنه حتى لو كان على دراية صحيحة بالأحكام المنقولة رمزيًا وكان ماهرًا اجتماعيًا، يجب أيضًا أن يكون راغبًا في ممارسة إدراكه ومهارته؛ يجب،

باختصار، أن يكون ذا كبرياء ومراعيًا. ومن المسلّم به، بالطبع، أنَّ امتلاك الإدراك والمهارة الاجتماعية

يؤدي في كثير من الأحيان إلى تطبيقهما على نحوٍ تخفق فيه مصطلحات مثل التهذيب أو اللباقة في أن تميّز في مجتمعنا بين الميل إلى ممارسة هذه القدرات والقدرات ذاتها. سبق أن قلت إنَّ الشخص يكون له توجّهان: توجّه دفاعي نحو حفظ وجهه، وتوجّه وقائي نحو حفظ

أوجه الآخرين. وبعض الممارسات يكون دفاعيًا في المقام الأول في حين يكون بعضها الآخر وقائيًا

في المقام الأول، على الرغم من أننا نستطيع عمومًا أن نتوقع اتّخاذ هذين المنظورين في آن معًا. ففي

محاولة الشخص حفظ وجه الآخرين، عليه أن يختار مسلكًا لا يؤدي إلى إضاعة نفسه؛ وفي محاولته حفظ وجهه، عليه أن يحترس من فقدان الوجه الذي قد يستلزمه فعله بالنسبة إلى الآخرين. ثمة ميل، في كثير من المجتمعات، إلى التمييز بين ثلاثة مستويات من المسؤولية التي قد يتحملها أي

شخص إزاء تهديد للوجه الذي خلقته أفعاله. أولً، يمكنه أن يبدو كأنّه تصرف ببراءة؛ إذ تبدو إساءته غير مقصودة ومن دون دراية، ويمكن أولئك الذين يدركون فعله أن يشعروا أنه كان يحاول تجنبها لو توقع عواقبها المسيئة. وتُدعى مثل هذه التهديدات في مجتمعنا زلّت، أو غلطات، أو أخطاء، أو عثرات. ثانيًا، يمكن الشخص المسيء أن يبدو كأنّه تصرف على نحوٍ خبيث وحقود، بنيّة التسبب في

إساءة صريحة. ثالثًا، ثمة إساءات عارضة؛ تنشأ كنتاج للفعل، ثانوي غير مخطط له، لكنه يكون متوقعًا

في بعض الأحيان: ذلك الفعل الذي يقوم به المسيء على الرغم من عواقبه المسيئة، وإن يكن من دون رغبة في الإساءة. ويمكن من وجهة نظر مشارك معين أن يبدي المشارك نفسه أنواع التهديد الثلاثة

(((من المفترض بالمهارة الاجتماعية والإدراك أن يكونا مرتفعين في المجموعات التي كثيرًا ما يتصرف أعضاؤها كممثلين

لوحدات اجتماعية أوسع مثل السلالات أو الأمم، لأنَّ اللاعب هنا يقامر بوجه ترتبط به مشاعر أشخاص كثر. ومن المتوقع، بالمثل،

أن تكون المهارة الاجتماعية متطورة بين أولئك الذين لهم مكانة عالية ومن يتعاملون معهم؛ ذلك أنّه كلما زاد امتلاكُ متفاعلٍ لوجه،

زاد عدد الأحداث التي قد لا تكون متّسقة معه، وزادت تاليًا الحاجة إلى المهارة الاجتماعية بغية إحباط هذه الضروب من عدم

الاتساق أو الردّ عليها.

هذه ضد وجهه، أو ضد وجه الآخرين، أو أن يقدّمها الآخرون ضد وجوههم، أو ضد وجهه. هكذا، قد

تربط الشخص علاقات مختلفة كثيرة بتهديدٍ يتهدد وجهه. فإذا ما أراد أن يحسن التعامل مع نفسه ومع الآخرين في جميع الحالات الطارئة، تعيّن أن تكون لديه ذخيرة من ممارسات حفظ الوجه إزاء كلّ هذه

العلاقات المحتملة التي تربطه بتهديد من التهديدات.

أنواع إِعْمال الوجه الأساسية

1. عملية التجنّب

يمكن أن تكون عملية التجنّب Process Avoidance The هي الطريقة الأضمن التي يحول بها شخصٌ دون تهديد وجهه؛ هي تجنّب ضروب التماس التي يُحتمل أن يحصل فيها هذا التهديد. تمكن ملاحظة هذه العملية في علاقة التجنّب في جميع المجتمعات، وفي الميل إلى إجراء معاملات دقيقة معينة من خلال وسطاء. وبالمثل، يعرف الأعضاء في كثير من المجتمعات قيمة الانسحاب الطوعي قبل أن تكون ثمة فرصة لحدوث تهديد متوقَّع للوجه. ما إن تكون لدى الشخص فرصة لقاء حتى تبدأ فعلَها أنواعٌ أخرى من ممارسات التجنّب. فيتّخذ تدابير دفاعية تبعده عن مواضيع ونشاطات قد تفضي إلى التعبير عن معلومات لا تتفق مع الخطّ الذي يحافظ عليه. ويعمد، في لحظات ملائمة، إلى تغيير موضوع الحديث أو اتجاه النشاط. وغالبًا ما يظهر

في البداية حييًّا رابط الجأش، فيقمع أيّ إظهار للمشاعر إلى حين اكتشاف نوع الخط الذي يبدي

الآخرون استعدادًا لدعمه. وكلّ ادعاء يتعلّق بالذات إنّما يُطلق بتواضع مهين، أو مع مؤهلّات شديدة القوة، أو مع ملاحظة تشير إلى عدم الجدية. ومن خلال التحوّط بهذه الطرائق، يكون قد أعدّ نفسه لئلا

يناله التكذيب بالانفضاح، أو الفشل الشخصي، أو بأفعال الآخرين غير المتوقعة. وإذا لم يحوّط

ادعاءاته عن ذاته، فسوف يحاول على الأقلّ أن يكون واقعيًا في شأنها، مدركًا أنَّه من غير ذلك قد

تكذّبه الأحداث وتجعله يفقد وجهه.

(((نجد في مجتمعنا مثال للتجنب في الزنجي من الطبقة الوسطى والعليا الذي يتفادى ضروب التماس مع البيض وجهًا لوجه كي

يحمي تقويمه لذاته الذي تعكسه ملابسه وسلوكه، يُنظر مثلً:

Charles Johnson, Patterns of Negro Segregation (New York: Harper, 1943), ch. 13.

ويمكن أخذ وظيفة التجنّب في الحفاظ على نظام القرابة في المجتمعات الصغيرة الشفاهيّة كمثال محدد للفكرة العامة ذاتها.

(((ثمة مثال في:

K.S. Latourette, The Chinese: Their History and Culture , vol. 2 (New York: Macmillan, 1942), p. 211.

إذ يقول: «إنّ جارًا أو مجموعة من الجيران قد يبذلون مساعي حميدة في تهدئة نزاع يضحّي فيه كلّ متنازع بوجهه باتخاذه الخطوة

الأولى في التقرّب من الآخر. الوساطة الحكيمة يمكن أن تفضي إلى المصالحة في الوقت الذي تُحفظ فيه كرامة الطرفين».

(1((أشار هارولد غارفينكل، في ورقة غير منشورة، إلى أنَّ الشخص حين يجد أنّه فقد وجهه في لقاء حواريّ، قد يشعر برغبة في

أن يختفي أو تبتلعه الأرض، وأنَّ ذلك قد لا ينطوي على رغبة في إخفاء فقدان الوجه فحسب، بل أيضًا في العودة سحريًا إلى لحظة

في الزمن كان من الممكن فيها حفظ الوجه بتجنّب اللقاء.

تتّسم بعض المناورات الوقائية بأنّها شائعة بمقدار شيوع هذه المناورات الدفاعية. يُظهر الشخص

الاحترام والأدب، ملحًّا على أن يعامل الآخرين كلّ معاملة رسمية قد تكون مستحقّة لهم. ويلجأ إلى

التكتّم؛ فلا يجاهر بوقائع قد تكون متناقضة ضمنيًا أو صراحةً ومحرجة للمزاعم الإيجابية التي قدّمها

الآخرون. ويلجأ إلى ضروب المواربة والخداع، فيصوغ إجاباته بغموض دقيق بحيث يحفظ وجوه الآخرين حتى لو لم يحفظ مصلحتهم. ويوظّف المجاملات، معدّلً مطالبه حيال الآخرين أو تقويماته لهم تعديلات طفيفة حتى يتمكنوا من تحديد الوضع على أنّه وضع لا يتعرض فيه احترامهم لذاتهم للخطر. وهو في مطالبته الآخرين بمطالب تنتقص من شأنهم، أو في نسبته إليهم صفات تحطّ من قدرهم، قد يستخدم المزاح، متيحًا لهم اتخاذ موقف مفاده أنّهم ذوو روح رياضية، قادرون على

التفلّت من معاييرهم المعتادة الخاصة بالكبرياء والشرف. وقبل الانخراط في فعل يُحتمل أن يكون

مهينًا، قد يقدّم تفسيرات حول ما يجب أن يدفع الآخرين إلى ألّ يشعروا بالإهانة من هذا الفعل. وعلى سبيل المثال، إذا كان يعلم أنّه سيضطر إلى الانسحاب من اللقاء قبل انتهائه، قد يخبر الآخرين مقدمًا

أنّه من الضروري أن يغادر، كي تكون لديهم وجوه مهيّأة لذلك. لكن تحييد الفعل الذي يحتمل أن

يكون مسيئًا لا حاجة به إلى أن يكون تحييدًا لفظيًا؛ قد ينتظر لحظة مواتية أو فاصلً طبيعيًا: كما في

لحظة هدوء عابر في محادثة حين لا يكون في المغادرة إهانة لأحد المتكلمين، فيستخدم بهذه الطريقة السياق بدلً من الكلمات كضمان لعدم الإساءة. عندما يفشل شخص في الحيلولة دون حادث، يظل بمقدوره أن يحاول الحفاظ على تخييل مفاده أنه لم يحصل أي تهديد للوجه. نجد المثال الأوضح على هذا حين يتصرف الشخص كما لو أنَّ حدثًا يشتمل على تعبير مهدِّد لم يحصل على الإطلاق. وقد يطبّق هذا التغافل المدروس على أفعاله هو –

كما هو الحال حين لا يبدي أي علامة خارجية تقرّ بأنّ معدته تقرقر – أو على أفعال الآخرين، كما هو

الحال حين لا «يرى» أن آخر قد تعثّر. وتدين الحياة الاجتماعية في المشافي العقلية بالكثير لهذه

(((1 حين يعرف الشخص الآخرين معرفة جيدة، يعرف القضايا التي ينبغي ألا تُطرَح والأوضاع التي ينبغي ألا يضع فيها هؤلاء

الآخرين، ويكون حرًّا في تقديم مواد على هواه في جميع المجالات الأخرى. وحين يكون الآخرون غرباء بالنسبة إليه، غالبًا ما

يعكس الصيغة، فيقتصر على مجالات معينة يعلم أنّها آمنة. وفي هذه المناسبات، وكما يشير زيمل، «التكتّم لا يقتصر بأيّ حال من

الأحوال على احترام سرّ الآخر، واحترام مشيئته الخاصة أن يخفي عنّا هذا الأمر أو ذاك، بل يتعدّى ذلك إلى النأي بالنفس عن معرفة

كلّ ما لم يكشفه لنا الآخر صراحةً»، يُنظر:

The Sociology of Georg Simmel , Kurt H. Wolff (trans. & ed.) (Glencoe, IL: Free Press, 1950), pp. 320–321.

(((1 اعتاد الرحّالة الغربي على الشكوى من أنَّ الصيني لا يمكن الاطمئنان البتة إلى أنه يقول ما يعنيه، إذ يقول على الدوام ما يشعر

أنَّ مستمعه الغربي يريد سماعه. واعتاد الصيني على الشكوى من أنَّ الغربي فجّ، فظّ، وجلف. وبحسب المعايير الصينية المفترضة،

فإنَّ سلوك الغربي من الخراقة إلى درجة أنّه يثير أزمة، ويضطر الآسيوي إلى أن يحجم عن أي ردّ مباشر كي يسارع إلى تعليق يمكن

أن ينقذ الغربي من الموقف الخطر الذي وضع فيه نفسه. يُنظر:

Smith, ch. 8, «The Talent for Indirection.»

هذا مثال على مجموعة مهمة من سوء الفهم التي تنشأ في أثناء التفاعل بين شخصين يصدران عن مجموعتين لهما معايير شعائرية مختلفة. (((1 نجد مثالً حسنًا على هذا في مراسم الاستعراض التي قد تجبر أولئك الذين في عرض على أن يعاملوا كلّ من يضعف على

أنه ليس موجودًا البتة.

العملية؛ إذ يستخدمها المرضى في ما يتعلق بخصوصياتهم، ويستخدمها الزوّار، بشيء من اليأس

غالبًا، في ما يتعلق بالمرضى. وعمومًا، فإنَّ تعاميًا حاذقًا من هذا النوع لا يُطبَّق إلا على الأحداث التي

يمكن إدراكها وتفسيرها، إذا ما أُدركَت وفُسِّرَت، على أنّها تهديدات للوجه. يُمارَس نوعٌ من التغافل اللبق أكثر أهمية وأقلّ إثارة حين يعترف شخصٌ علانيةً بوقوع حادثٍ من

الحوادث، من دون أن يعترف أنّه يحتوي على تعبير مهدِّد. وإذا لم يكن هو المسؤول عن الحادث، فلا بد من أن يسند تعاميه بتسامحه؛ وإذا كان هو فاعل الفعل المهدِّد، فلا بد من إسناد التعامي برغبته في البحث عن طريقة للتعامل مع الأمر تجعله معتمدًا على تسامح الآخرين وتعاونهم ذلك اعتمادًا خطيرًا. يحدث نوع آخر من التجنّب عندما يفقد شخص السيطرة على تعبيراته أثناء اللقاء. في مثل هذه

الأوقات، قد لا يحاول التغافل عن الحادث بقدر ما يحاول إخفاء نشاطه أو حجبه بطريقة ما، فيمكّن الآخرين من تجنّب بعض الصعوبات التي خلقها مشارك لم يحفظ وجهه. وبالمثل، عندما يُلتقَط أنّ

شخصًا بلا وجه لأنه لم يكن يتوقَّع أن يتوغّل في التفاعل، أو لأنّ المشاعر القوية عطلت قناعه التعبيري، قد يبتعد الآخرون للحظة عنه أو عن نشاطه على نحو وقائي، ليمنحوه الوقت كي يتمالك نفسه.

2. عملية التصحيح

عندما يفشل المشاركون في مسعى أو لقاء في منع وقوع حدث يتعارض صراحة مع أحكام الجدارة الاجتماعية المرعية، وعندما يكون الحدث من النوع الذي يصعب التغافل عنه، من المرجّح أن يمنحه

المشاركون مكانةً معترفًا بها بوصفه حادثًا؛ بمعنى إقراره باعتباره تهديدًا يستحق اهتمامًا رسميًا مباشرًا،

والمضي قُدمًا في محاولة «تصحيح» آثاره، وهذا ما يسمّى عملية التصحيح Corrective The

Process. وعند هذا الحدّ، يجد واحد أو أكثر من المشاركين أنفسهم في حالة راسخة من اختلال التوازن أو الخزي، ويكون من الواجب القيام بمحاولة لإعادة توطيد حالة شعائرية مُرضية بالنسبة

إليهم. وأنا أستخدم المصطلح «شعائرية» Ritual لأنني أتعامل مع أفعال يبيّن الفاعل من خلال

مكوّنها الرمزي مدى جدارته بالاحترام أو مدى شعوره بجدارة الآخرين بهذا الاحترام. وصورة التوازن

ملائمة هنا لأنَّ طول الجهد التصحيحي وشدّته يتناسبان طردًا مع ثبات التهديد وشدته. وجه المرء،

إذًا، هو شيء مقدس، والنظام التعبيري المطلوب لإدامته هو، لذلك، نظام شعائري.

(((1 يبدو أنَّ الأنثروبولوجيين الاجتماعيين يجدون هذا النوع من الصورة ملائمًا على نحوٍ طبيعي. لاحظوا، مثل، ما ينطوي عليه

القول التالي لمارغريت ميد في:

Margaret Mead, Kinship in the Admiralty Islands , vol. 34 (New York: the American Museum of Natural History, 1934), pp. 183–358.

«حين يضرب زوج زوجته، يقضي العرف بأن تتركه وتذهب إلى أخيها، الفعلي أو الوظيفي، وتبقى حينًا من الزمن بحسب درجة

الإهانة التي لحقت بكرامتها» (ص. 274)

سوف أدعو ب  التبادل Interchange سلسلة الأفعال التي يطلقها تهديدٌ للوجه معترف به وتنتهي بإعادة توطيد التوازن الشعائري. وبتعريف رسالة من الرسائل أو حركة من الحركات بأنّها كلّ ما ينقله فاعلٌ خلال دوره في القيام بفعل من الأفعال، يمكن القول إنَّ تبادلً من التبادلات يشمل حركتين أو أكثر أو مشارِكَين أو أكثر. ويمكن أن نجد أمثلة واضحة على هذا في مجتمعنا في سلسلة Excuse me» « (عفوًا) و Certainly» « (حتمًا)، وفي تبادل الهدايا أو الزيارات. ويبدو أنَّ التبادل هو وحدة ملموسة

أساسية من وحدات النشاط الاجتماعي ويوفّر طريقة تجريبية طبيعية لدراسة شتى أنواع التفاعل. ويمكن تصنيف ممارسات حفظ الوجه تصنيفًا مفيدًا وفقًا لموقعها في السلسلة الطبيعية للحركات التي تضمّ هذه الوحدة. وبصرف النظر عن الحدث الذي يأتي بالحاجة إلى تبادل تصحيحي، يبدو أنّ

هناك أربع حركات كلاسيكية معنية. هناك، أول، التحدي Challenge الذي يتحمّل المشاركون من خلاله مسؤولية لفت الانتباه إلى سوء

التصرف؛ ويشيرون ضمنًا إلى أنَّ المطالبات المهدِّدة تجب مواجهتها بحزم وأنَّ حدث التهديد نفسه يجب أن يُعاد إلى الخط. الحركة الثانية قوامها العرض أو التقدمة Offering، حيث يُعطى المشارك، المسيء في العادة، فرصة تصحيح الإساءة وتوطيد أركان النظام التعبيري من جديد. وثمة بعض الطرائق الكلاسيكية للقيام بهذه الحركة. إذ يمكن، من جهة أولى، القيام بمحاولة لإظهار أنَّ ما يبدو على أنّه تعبير مهدِّد هو في الحقيقة حدث لا معنى له، أو فعل غير مقصود، أو مزاح لا يُقصد به أن يؤخذ على محمل

الجدّ، أو نتاج «لا يمكن تفاديه»، ويمكن تفهّمه، لظروف مخفِّفة. ويمكن، من جهة أخرى، التسليم بمعنى الحدث وتركيز الجهد على مبدعه. فقد تُقدَّم معلومات لتبيان أنَّ المبدع كان واقعًا تحت

تأثير شيء ما، لا تحت تأثيره هو نفسه، أو أنه كان مَقُودًا من قِبل شخص آخر ولم يتصرف من تلقاء نفسه. وحين يزعم شخص أنَّ الفعل كان بقصد المزاح، قد يواصل ليزعم أنّ الذات التي يبدو أنها تكمن وراء الفعل قد تنزّلت بوصفها مزاحًا أيضًا. وحين يجد شخصٌ فجأةً أنه فشل صراحةً في تلك المقدرات التي يفترض الآخرون أنّه يمتلكها، والتي يزعم أنّها لديه – كالقدرة على التهجئة، وعلى أداء مهمات بسيطة، وعلى التكلّم من دون إساءة استخدام الألفاظ، وما إلى ذلك – قد يسارع، بطريقة جادة أو سواها إلى إضافة أنّه يزعم أنَّ هذه الضروب من عدم القدرة هي جزء من ذاته.

(((1 فكرة التبادل مستمدة جزئيًا من كلٍّ من:

Eliot D. Chapple & C.M. Arensberg, «Measuring Human Relations: An Introduction to the Study of the Interaction of Individuals,» Genetic Psychology Monographs , vol. 22 (1940), pp. 3–147, especially pp. 26–30; A.B. Horsfall & C.A. Arensberg, «Teamwork and Productivity in a Shoe Factory,» Human Organization , vol. 8, no. 1 (1949), pp. 13–25, especially p. 19.

من أجل مزيد من المعلومات عن التبادل كوحدة، يُنظر:

E. Goffman, «Communication Conduct in an Island Community,» Unpublished PhD. dissertation, Department of Sociology, University of Chicago, 1953, especially chs. 12 & 13, pp. 165–195.

وهكذا، يبقى معنى الحادث المهدِّد، إنّما مع إمكانية إدماجه الآن بسلاسة في دفق الأحداث المعبِّرة. يمكن المسيءَ أن يتّبع إجراءين آخرين، إضافة إلى استراتيجية إعادة تعريف الفعل المسيء أو إعادة

تعريف نفسه أو بدلً من تلك الاستراتيجية: يمكن أن يقدّم تعويضات للمتأذّي، حين لا يكون وجهه هو الذي تهدد؛ أو يمكنه أن يعاقب نفسه ويكفّر عنها ويدفع ديتها. وهاتان حركتان أو مرحلتان مهمتان في التبادل الشعائري. ومع أنَّ المسيء قد يخفق في إثبات براءته، فإنّه يمكن أن يشير من خلال هاتين الوسيلتين إلى أنّه الآن شخص متجدد، شخص دفع ثمن خطيئته التي اقترفها بحقّ النظام التعبيري، ويمكن الثقة به وإدخاله من جديد مشهد الحكم والتقويم. كما يمكنه، علاوة على ذلك، إظهار أنه لا يتعامل مع مشاعر الآخرين باستخفاف، وأنه إذا ما آذى مشاعرهم، ولو كان ذلك ببراءة، فهو مستعد لأن يدفع ثمن فعلته. وبذلك فهو يطمئن الآخرين أنهم يستطيعون قبول تفسيراته من دون أن يكون هذا القبول علامة ضعف أو افتقار إلى الكبرياء من جانبهم. وهو يُظهر

أيضًا، من خلال تعامله مع نفسه، ومن خلال معاقبته لنفسه، أنّه يدرك بوضوح نوع الجرم الذي كان سيرتكبه لو كان الحادث ما بدا عليه في البداية، وأنّه يعرف نوع العقاب الذي يجب أن ينزل بمن يرتكب مثل هذا الجرم. هكذا يُظهر الشخص المشتبَه أنّه قادر تمامًا على الاضطلاع بدور الآخرين

حيال نشاطه الخاص، وأنّه لا يزال من الممكن التعامل معه كمشارك مسؤول في العملية الشعائرية، وأنَّ قواعد السلوك التي يبدو أنه انتهكها لا تزال مقدسة وقائمة لم تضعف. قد يثير الفعل المسيء القلقَ حيال السنّة الشعائرية Code Ritual؛ لكن المسيء يخفف هذا القلق بإظهار أنَّ كلً من السنّة وهو نفسه كنصير لها لا يزالان في حالة جيدة. بعد التحدي والتقدمة، يمكن أن تأتي الحركة الثالثة: يمكن الأشخاصَ الذين قُدِّمَت لهم التقدمة أن

يقبلوها Acceptance كوسيلة مُرضية لإعادة توطيد النظام التعبيري والوجوه التي يدعمها هذا النظام.

عندها فحسب يمكن للمسيء أن يوقف الجزء الأكبر من تقدمته الشعائرية. في الحركة الأخيرة من

حركات التبادل، يبدي الشخص الذي غُف ر له علامة امتنان وشكر Thanks لأولئك الذين قدموا له فرصة المغفرة. توفّر مراحل العملية التصحيحية – التحدي، العرض، القبول، الشكر – نموذجًا لسلوك شعائري بين

الأشخاص، لكنّه نموذج يمكن الابتعاد عنه بطرائق لافتة. على سبيل المثال، قد تمنح الأطراف المُساء

إليها المسيءَ فرصة البدء بالتقدمة قبل إبداء التحدي وقبل إقرار الإساءة بوصفها حادثًا. وهذه مجاملة

شائعة، تستند إلى الافتراض الذي مفاده أنَّ المتلقّي سوف يبدي تحديًا لذاته. علاوة على ذلك، عندما

يقبل الأشخاص المُساء إليهم التقدمة التصحيحية، قد يشتبه المسيء في أنَّ ذلك يجري على مضض

ولباقة، ولذلك فقد يقدّم طواعيةً تقدمات تصحيحية إضافية، ولا يدع الأمر حتى يتلقى قبولً ثانيًا أو

ثالثًا لاعتذاره المتكرر. أو قد يتولى الأشخاص الذين أُسيء إليهم دور المسيء بلباقة ويقدّموا طوعًا تلك الأعذار التي من شأنها، بالضرورة، أن تكون مقبولة لديهم.

يحدث خروج مهم عن الدورة التصحيحية المعيارية عندما يرفض مسيءٌ مُتحدَّى بوضوح أن يكترث

للتحذير ويواصل سلوكه المسيء، بدلً من أن يصحح فعله. هذه الحركة تعيد الكرة إلى ملعب المُتحَدّين؛

فإذا ما وافقوا على رفض تلبية مطالبهم، يكون من الواضح أنّ تحديهم كان خدعة وأنَّ الخدعة انكشفت. وهذا موقف ضعيف؛ لا يمكن أن يستمدوا منه وجهًا لهم، فهو مجرد جعجعة. ولتجنّب هذا المصير، ثمة

بعض الحركات الكلاسيكية المتاحة. يمكن، على سبيل المثال، أن يلجؤوا إلى انتقام عنيف لا لياقة فيه، فيدمروا أنفسهم أو الشخص الذي رفض الإصغاء إلى تحذيرهم. أو يمكن أن ينسحبوا من الأمر في سخط واضح مستطير، لكنه واثقٌ من أنَّ له ما يبرره. الأمران كلاهما يوفران وسيلة لحرمان المسيء من مكانته كمتفاعل، وبذلك إنكار حقيقة الحكم المسيء الذي أصدره. وهاتان الاستراتيجيتان كلتاهما طريقتان لإنقاذ الوجه، لكن الأثمان تكون باهظة في العادة بالنسبة إلى جميع المعنيين. وتفادي مثل هذه المشاهد هو واحد من الأسباب التي تجعل المسيء يسارع إلى الاعتذار؛ فهو لا يريد أن يضطر الأشخاص

الذين أُهينوا إلى أن يوقعوا أنفسهم في شراك اللجوء إلى تدابير يائسة. من الواضح أنَّ للمشاعر دورها في دوائر الارتكاس هذه، كما يحدث عند التعبير عن الكرب بسبب ما

فعله أحدهم بوجهِشخصٍ آخر، أو عند التعبير عن الغضب بسبب ما فُعل بوجهه. وأريد أن أشدد على أنَّ هذه المشاعر تعمل كحركات، وتنسجم بدقة مع منطق اللعبة الشعائرية بحيث يبدو من الصعب أن تُفهم من دونها. والحال، إنّ من المحتمل أن تتناسب المشاعر المُعرَب عنها تلقائيًا مع النسق

الرسمي للتبادل الشعائري على نحوٍ أشد أناقة من تلك المدروسة بوعي.

تسجيل النقاط: الاستخدام العدواني لإِعمال الوجه

كلّ ممارسة لحفظ الوجه يُتاح لها أن تُحيّد تهديدًا معينًا، تفسح المجال أمام إطلاق متعمّد للتهديد

نظرًا إلى الكسب الآمن الذي يمكن إحرازه من خلاله. حين يعلم شخصٌ أنَّ تواضعه سوف يلقى ثناء

الآخرين عليه، قد يجري وراء المديح. وحين يمكن أن يُفحص تقديره الخاص لذاته إزاء حوادث

عارضة، قد يرتب لظهور حوادث عارضة مواتية. وحين يكون الآخرون مهيئين للتغافل عن إهانة وإبداء الصَّفح، أو لقبول الاعتذار، قد يتّخذ ذلك أساسًا للإساءة إليهم بلا وجل. وقد يلجأ من خلال

الانسحاب المفاجئ إلى دفع الآخرين دفعًا صوب حالة غير مُرضية شعائريًا، وتركهم يتخبطون في

تبادل لا يمكن إكماله بسهولة. وقد يرتّب للآخرين، أخيرًا، وعلى حسابه بعض الشيء، أمر إيذاء

مشاعره، فيضطرهم بذلك إلى أن يشعروا بالذنب والندم وانعدام التوازن الشعائري المتواصل.

1(((حتى حين يطلب طفل شيئًا ما ويُرفَض طلبه، من المحتمل أن لا يبكي ويعبس كتعبير عق نااي عن الإحباط، بل كحركة

شعائرية، تشير إلى أنَّ له وجهًا ليفقده وإلى أنَّ فقدانه ينبغي أل يُسمح به بخفّة. بل إنَّ الأهل المتعاطفين قد يفسحون المجال أمام

مثل هذا الإبداء، ويرون في هذه الاستراتيجيات الفجّة بدايات الحياة الاجتماعية. (1((من الشائع كثيرًا استخدام استراتيجية دفع الآخر إلى وضع لا يستطيع فيه تصحيح الأذى الذي ألحقه، لكنها لا تستخدم في

أي مكان بالإخلاص لنموذج السلوك الشعائري الذي تستخدم به في الانتحار الانتقامي، يُنظر:

M.D.W. Jeffreys, «Samsonic Suicide, or Suicide of Revenge Among Africans,» African Studies , vol. 11, no. 3 (1952), pp. 118–122.

عندما لا يتعامل شخصٌ مع إعمال الوجه بوصفه شيئًا يحتاج أن يكون مهيّئًا لأدائه، بل كشيء يمكن التعويل على أداء الآخرين له أو قبوله، لا يعود اللقاء أو المسعى مشهد مراعاة متبادلة، بل ساحة تدور فيها مسابقة أو مباراة. وغرض اللعبة هو حفظُ خطِّ جميع الأطرف من تناقضٍ لا يغتفر، مع تسجيل المرء أكبر عدد ممكن من النقاط ضد خصومه وإحراز أكبر عدد ممكن من المكاسب لنفسه. ويكاد حضورُ الجمهور لهذا الصراع أن يكون ضرورة. والطريقة المعتادة هي أن يقدّم الشخص وقائع حسنة عنه هو نفسه ووقائع غير حسنة عن الآخرين على نحوٍ يجعل الردّ الوحيد

الذي يسَع الآخرين التفكير فيه هو ذاك الذي ينهي التبادل بتأفّف، أو بمبررٍ واهٍ، أو بضحكة تحفظ

الوجه مفادها «مقبولة منك»، أو بعودة نمطية فارغة إلى «حقًّا؟» أو بتنويع من تنويعات «هكذا إذًا». وسوف يتعين على الخاسرين في مثل هذه الحالات أن يحدّوا من خسائرهم، ويسلّموا ضمنًا بخسارة بعض النقاط، ويحاولوا القيام بعمل أفضل في التبادل التالي. وفي بعض الأحيان تسمى النقاط التي تُحرَز بالإلماع إلى المكانة الطبقية الاجتماعية بالازدراءات Snubs؛ وتلك التي تُحرز بالإلماع إلى الاحترام الأخلاقي بالتنقيرات Digs، وفي كلا الحالين يتعامل المرء مع قدرة على ما يسمّى في بعض الأحيان بالخبث Bitchiness. في التبادلات العدوانية، لا ينجح الفائز في تقديم معلومات محبَّذة لديه وغير محبَّذة لدى الآخرين

فحسب، بل يوضح أيضًا أنَّ في مقدوره كمتفاعل أن يتدبّر أموره على نحو أفضل من خصومه. وغالبًا ما يكون الدليل على هذه المقدرة أهم من جميع المعلومات الأخرى التي ينقلها الشخص في عملية التبادل، بحيث ينزع إحداث «صدع» في التفاعل اللفظي إلى الانطواء على أنَّ البادئ يحوز وضعًا أفضل في المناورة من أولئك الذين تنزل بهم تعليقاته. ومع ذلك، إذا نجحوا في تفادي اندفاعته، ثم نجحوا في الردّ، لا يكون على مُطلق اللعبة أن يواجه الاستخفاف الذي يردّ به الآخرون فحسب، بل أن يقرّ أيضًا حقيقة أنَّ افتراضه التفوق في المناورة قد ثبت زيفه. وبذلك يبدو أحمق؛ ويفقد وجهه. ومن

هنا، مقامرة على الدوام في أن «تدلي بتعليق». إذ يمكن أن تُقلب الطاولات وأن يخسر المعتدي أكثر مما كان يمكن أن يربحه لو أفلحت حركته. وفي بعض الأحيان تدعى الردود أو الإجابات في مجتمعنا بالأجوبة المفحمة Squelches أو الأجوبة التي لا يُعلى عليها Toppers، ويمكن، نظريًا، إفحام جواب

مفحِم، والعلوّ على جواب لا يُعلى عليه، وملاقاة الردّ بردٍّ مضاد، لكن هذا المستوى الثالث من الفعل

الناجح يبدو نادرًا ما خلا في التبادلات المنظَّمة.

1(((في ألعاب الطاولة وألعاب الورق يأخذ اللاعب في حسبانه، وعلى نحو منظ م، ردود خصومه المحتملة على لعبة يوشك أن يلعبها، بل يأخذ في الحسبان أيضًا أنَّ خصومه سيعرفون أنّه يحتاط مثل هذه الاحتياطات. أمّا اللعب الحواري فهو بالمقارنة اندفاعي

وتلقائي على نحو مدهش؛ فالبشر لا ينفكّون يطلقون تعليقات على الآخرين الحاضرين من دون أن يخططوا باحتراس لتعليقاتهم

هذه بما يحول دون الردّ الناجح. وبالمثل، في حين أنَّ الخداع والإخفاء هما إمكانان نظريان في أثناء المحادثة، لكنهما قلّما

يُستخدمان.

اختيار إِعمال الوجه الملائم

حين يقع حادث، قد يحاول الشخص الذي يواجه وجهُه تهديدًا إعادةَ توطيد النظام الشعائري بنوع معين من الاستراتيجية، في حين يرغب المشاركون الآخرون في نوع مختلف أو يتوقعون ممارسته.

عندما يقع مكروه بسيط، مثلً، ويكشِف للحظة شخصًا بوجه خطأ أو بلا وجه، غالبًا ما يكون

استعداد الآخرين وقدرتهم على التصرف بصورة تتعامى عن التباين أكبر من استعداد الشخص المهدَّد نفسه وقدرته. وغالبًا ما يفضلون أن يمارس التوازن، في حين يشعر هو أنّه لا يستطيع أن

يحتمل التغافل عمّا حدث لوجهه ويغدو تبريريًا ومَخْزِيًّا، إن كان هو الذي خلق الحادث، أو قطعيًا

على نحوٍ مدمِّر، إن كان الآخرون هم المسؤولين عنه. لكن الشخص، من جهة أخرى، قد يُظهر توازنًا حين يشعر الآخرون أنّ عليه أن يغرق في اعتذار محرج؛ أي إنّه يستفيد من مساعدتهم بلا حقّ بمحاولاته أن ينكر الأمر بجراءة. وفي بعض الأحيان، قد يكون الشخص نفسه مترددًا حيال الممارسة التي سيلجأ إليها، ما يترك الآخرين في موقف محرج يتمثّل في عدم معرفة الطريق التي يتعيّن عليهم اتباعها. لذلك عندما يرتكب شخصٌ «غلطة» طفيفة، قد لا يُحرَج هو والآخرون بسبب

العجز عن التعامل مع مثل هذه المصاعب، بل لأنَّه ما من أحد يعلم للحظةٍ ما إذا كان المسيء سيتصرف على نحوٍ يتجاهل الحادث، أو يعترف به اعترافًا فكهًا، أو يستخدم بعض الممارسات الأخرى التي تحفظ الوجه.

التعاون في إِعْمَال الوجه

عندما يكون الوجه مهدَّدًا، لا بدّ من إِعْمَال الوجه، لكن مباشرة ذلك أو القيام به في البداية من قبل الشخص الذي تهدد وجهه، أو من قبل المسيء، أو من قبل شاهد من الشهود فحسب، غالبًا ما

يكون ذا أهمية ثانوية. ويثير غياب الجهد لدى أحد الأشخاص جهدًا تعويضيًا من طرف الآخرين،

وتريح مساهمة أحد الأشخاص الآخرين من المهمة. والحال، إنّ هناك كثيرًا من الحوادث الصغرى

(1((ينسب الفولكلور كثيرًا من التوازن إلى الطبقات العليا. وإذا ما كان ثمة حقيقة في هذا الاعتقاد، فقد يكمن في حقيقة أن

الشخص من الطبقة العليا يميل إلى أن يجد نفسه في مواجهات يتفوق فيها على المشاركين الآخرين بطرائق أخرى إضافة إلى الطبقة.

غالبًا ما يكون المشارك رفيع المرتبة مستقلً نوعًا ما عن رأي الآخرين الحسن، ويجد أنه من العملي أن يكون متعجرفًا، متمسّكًا بوجهٍ

معين بصرف النظر عما إذا كان اللقاء يدعمه أم لا. من جهة أخرى، يميل الواقعون في نطاق سلطة مشارك إلى الاهتمام الشديد

بتقويمه لهم أو بشهادته عليهم، وبذلك يجدون صعوبة في الحفاظ على وجه خطأ قليً من دون أن يشعروا بالحرج وضرورة الاعتذار. ويمكن أن نضيف أن الأشخاص الذين يفتقرون إلى إدراك الرمزية التي تنطوي عليها الأحداث الصغرى قد يتمالكون

أنفسهم في المواقف الصعبة، مبدين توازنًا لا يمتلكونه في الحقيقة. (2((هكذا، حين يشعر شخص، في مجتمعنا، أنَّ الآخرين يتوقعون منه الارتفاع إلى المعايير المقبولة الخاصة بالنظافة والأناقة والإنصاف والضيافة والكرم والبحبوحة وما إلى ذلك، أو حين يرى نفسه شخصًا عليه أن يحافظ على هذه المعايير، قد يثقل كاهل

اللقاء بالاعتذارات المطوّلة عن إخفاقاته، في الوقت الذي لا يهتمّ المشاركون الآخرون بالمعيار، أو لا يحسبون أنَّ الشخص يفتقر

إليه حقًا، أو أنّهم على قناعة بأنّه يفتقر إليه وينظرون إلى الاعتذار نفسه على أنَّه جهد عبثي في الارتقاء بذاته. (((2 هكذا تتمثّل إحدى وظائف الأطراف الثانوية في النزاعات الفعلية، كما في النزاعات المجازية، بتقديم مبرر لعدم المشاركة

يمكن قبوله لدى المشاركين.

التي يحاول فيها المسيء والمُساء إليه الشروع في الاعتذار في الوقت ذاته. ويكون حلّ الأمر بما

يُرضي جميع الأطراف هو المطلب الأول، أمّا التوزيع الصحيح للإنحاء باللائمة فيكون أمرًا ثانويًا في

العادة. ومن هنا إخفاق تعابير مثل اللباقة والكياسة في تبيان ما إذا كان وجه الشخص هو ما تحفظه

دبلوماسيته أم وجه الآخرين. وبالمثل، فإنّ تعابير مثل «غلطة» و«زلّة» في تحديد ما إذا كان وجه الفاعل نفسه هو الذي هدده أم وجه المشاركين الآخرين. وحين يجد شخص ما أنّه عاجز عن حفظ وجهه، من المفهوم أن يبدو الآخرون ملزمين بحمايته. وعلى سبيل المثال، فإنَّ مصافحةً ربما لم يكن من المفترض أن تطول، تغدو، في مجتمع مهذّب، مصافحة لا يُستطاع قطعها. وهكذا يفسّر المرء

مقتضيات النبالة Oblige Noblesse التي يُنتظر أن يكبح ذوو المقام الرفيع من خلالها قدرتهم على

إحراج الأقلّ شأنًا، وكذلك حقيقة أن المعوّقين كثيرًا ما يقبلون المجاملات التي يمكنهم تدبّر

أمرهم على نحو أفضل من دونها. نظرًا إلى أنَّ كلَّ مشارك في مسعى من المساعي معنيّ، وإن كان لأسباب مختلفة، بحفظ وجهه ووجه

الآخرين، فلا بدّ من أن ينشأ التعاون الضمني على نحو طبيعي كي يتمكن المشاركون معًا من تحقيق

أهدافهم المشتركة المختلفة الدوافع. يتمثّل واحد من الأنواع الشائعة للتعاون الضمني على حفظ الوجه في اللباقة التي تُمارس في إعمال

الوجه ذاته؛ إذ لا يدافع الشخص عن وجهه ويقي وجه الآخرين فحسب، بل يعمل أيضًا بحيث يمكّن الآخرين استخدام إعمال الوجه من أجلهم ومن أجله وييسّر لهم الأمر. وبذلك يساعدهم على مساعدة

(((2 يُنظر، مثلً:

Jackson Toby, «Some Variables in Role Conflict Analysis,» Social Forces , vol. 30, no. 6 (1952), pp. 323–337.

«مع الراشدين، من غير المحتمل أن تثير القضايا التافهة نزاعًا. ويوضح الاعتذار التلقائي لغريبين يصطدمان بالمصادفة في شارع

مزدحم الوظيفة الإدماجية التي تؤديها اللياقة أو الإتيكيت. والواقع، إنَّ كل طرف من أطراف الاصطدام يقول: ‘لا أعلم إن كنت

المسؤول عن هذا الوضع، لكن إذا كنت كذلك، من حقّك أن تغضب مني، وهو حقّ أرجو منك ألا تمارسه’. وبتحديد الوضع الذي

يكون فيه على الطرفين أن يحطّا من قدريهما، يمكّن المجتمع كلًّ منهما من أن يُبقي على احترامه لنفسه. وقد يفكّر كلّ منهما في

أعماق قلبه: ‘لماذا لا يرى هذا الغبي الأخرق أين يأخذنا؟’ لكنَّ كلًّ منهما يقوم جهارًا بدور الطرف المذنبسواء كان يشعر بأنَّ الدور

يلائمه أم لا» (ص. 325) (((2 يحوز الشخص بمعنى من المعاني، وبغضّ النظر عن موقعه الاجتماعي النسبي، سلطةً على المشاركين الآخرين وعليهم أن

يعتمدوا على مراعاته.وعندما يتصرف الآخرون تجاهه بطريقة ما، يعوّلون على علاقة اجتماعية به، لأنَّ أحد الأشياء التي يعبر عنها

التفاعل هو علاقة المتفاعلين.وبذلك يعرضون أنفسهم للخطر، إذ يضعونه في موقع يكذّب المزاعم التي يعبرون عنها فيما يتعلق

بموقفه تجاههم.ولذلك يكون من المتوقَّع، استجابةً للعلاقات الاجتماعية المدّعاة، أن يمارس كل شخص، سواء كان في منزلة

رفيعة أو وضيعة، مقتضيات النبالة ويحجم عن استغلال موقف الآخرين المعرّض للخطر. نظرًا إلى أنَّ العلاقات الاجتماعية تتحدد

جزئيًا بالعون الطوعي المتبادل، فإنّ رفض طلب للمساعدة يصبح مسألة حساسة، يحتمل أن تكون مدمرة لوجه الطالب.يُنظر:

Chester Holcombe, The Real Chinaman (New York: Dodd Mead, 1895).

حيث نجد مثالً صينيًا: «يعود كثير من الزيف الذي يُقال إن الصينيين قد أدمنوا عليه كأمّة إلى مقتضيات اللياقة والإتيكيت. إنَّ ‘لا ’

واضحة وصريحة لهي قمة الج فااة. ولا بدّ من تلطيف الرفض أو الامتناع مهما يكن نوعه وتخفيفه ليغدو تعبيرًا عن عدم القدرة

والعجز المؤسف. ولا مجال البتة لإظهار عدم الرغبة في تقديم منّة أو جميل. وبدلً من ذلك، ثمة شعور مهذّب بالأسف لا مفرّ منه

لكنَّ ظروفًا متخيلة تمامًا تجعله مستحيلً بالمرّة. وكانت قرون من ممارسة هذا الشكل من المواربة قد جعلت الصينيين مبدعين لا

مثيل لهم في اختراع الأعذار وتطويرها. ومن النادر، بالفعل، أن تعيي الحيلة أحدًا منهم في شأن قليل من التخييل المطرز ببراعة

لإخفاء حقيقة غير مرحَّب بها» (ص. 275)–274

أنفسهم ومساعدته. على سبيل المثال، فإنَّ اللياقة الاجتماعية تحذر الرجال من طلب موعد ليلة رأس السنة في وقت مبكر جدًا، كي لا تجد الفتاة صعوبة في تقديم عذر لطيف لرفضها. ويمكن توضيح هذه اللباقة من المرتبة الثانية من خلال الممارسة الواسعة النطاق لإتيكيت الصفة السلبية. فالشخص الذي لديه صفة غير ظاهرة مقوَّمة سلبيًا، غالبًا ما يجد أنَّ من الملائم بدء لقاء من اللقاءات بإقرار

محتشم بفشله، لا سيما مع أشخاص لا يعرفونه. وبذلك يُحذَّر الآخرون مقدَّمًا من الإدلاء بملاحظات

مستهجنة حول شخصه، ويُنقَذون من تناقض التعامل الودّي مع شخص يعادونه من دون أن يدروا.

وتمنع هذه الاستراتيجية الآخرين أيضًا من أن يفترضوا في شأنه تلك الافتراضات التلقائية التي تضعه في موضع زائف كما تنقذه من التحمّل المؤلم أو الاعتراض المحرج. غالبًا ما تعتمد اللباقة في إعمال الوجه على اتفاق ضمني على إنجاز المهمة من خلال لغة التلميح:

لغة التورية، والالتباس، والوقفات التي في محلّها، والنكات المصوغة بعناية، وما إلى ذلك.

والقاعدة في هذا النوع من الاتصال غير الرسمي هو أنَّ المرسِل ينبغي ألا يتصرف كأنه نقل رسميًا

الرسالة التي ألمح إليها، في حين أنَّ للمستلمين حقَّ وواجبَ التصرف كأنهم لم يتلقوا رسميًا الرسالة

التي ينطوي عليها التلميح. وبذلك يكون الاتصال التلميحي اتصالً يمكن إنكاره؛ ولا يحتاج إلى التصدي له. وهو يوفر وسيلة يمكن تحذير الشخص من خلالها أنَّ خطّه الحالي أو الوضع الحالي يفضي إلى فقد وجهه، من دون أن يصبح هذا التحذير في حد ذاته حادثًا. ثمة شكل آخر من أشكال التعاون الضمني يبدو أنّه يُستخدم بكثرة في كثير من المجتمعات، هو نكران

الذات المتبادل. غالبًا ما يكون الشخص خلوًا من أيّ فكرة واضحة عمّا يمكن أن يكون قسمة عادلة

أو مقبولة للأحكام خلال هذه المناسبة، فيحرم نفسه طواعية أو يخفض قيمتها بينما يدلّل الآخرين ويثني عليهم، فيُجري الأحكام في كلتا الحالتين بأمان أبعد من احتمال أن تكون عادلة. ويتيح للأحكام

المحبَّذة عن نفسه أن تأتي من الآخرين، أمّا الأحكام غير المحبَّذة عن نفسه فهي مساهماته الخاصة.

وتقنية «من بعدك، يا ألفونس» هذه تعمل عملها، بالطبع، لأنّه بحرمان نفسه يمكنه أن يتوقّع بثقة أن يطري عليه الآخرون أو يدللوه. وبغضّ النظر عن قسمة الحسنات التي يستقر الأمر عليها في النهاية، يُعطى جميع المشاركين في البداية فرصة إظهار أنّهم غير مرتبطين أو مقيدين برغباتهم وتوقعاتهم، وأن

لديهم نظرة إلى أنفسهم متواضعة بما يكفي، وأنه يمكن الاعتماد عليهم في دعم السنّة الشعائرية. ومن

الأمثلة الأخرى على هذا، ثمة المساومة السلبية التي يحاول من خلالها كلّ مشارك أن يجعل شروط الدَّفع أكثر ملاءمة للطرف الآخر؛ ولعلّه كشكل من أشكال التبادل، أكثر انتشارًا من النوع الذي نجده

لدى الاقتصادي.

(((2 ثمة تعليقات مفيدة على بعض الأدوار البنيوية التي يؤدّيها الاتصال غير الرسمي تشتمل عليها مناقشة المفارقة الساخرة

والفكاهة في:

Tom Burns, «Friends, Enemies, and the Polite Fiction,» American Sociological Review , vol. 18, no. 6 (1953), pp. 654–

(((2 «من بعدك، يا ألفونس»، Alphonse you, After، عبارة من القصة الفكاهية الأميركية المصورة ألفونس وغاستونلفريدريك بير أوبر، وهي عبارة تشير إلى رسمية مفرطة وتهذيب بالغ. (المترجم)

يمثّل أداء الشخص في إِعمال الوجه، إلى جانب اتفاقه الضمني على مساعدة الآخرين في أدائهم إِعمال الوجه الخاص بهم، رغبته في الالتزام بقواعد التفاعل الاجتماعي الأساسية. وهنا تكمن السمة المميزة لتنشئته الاجتماعية كمتفاعل. ولو لم ينشأ اجتماعيًا هو والآخرون على هذا النحو، لكان

التفاعل في معظم المجتمعات ومعظم المواقف أمرًا أشدّ خطورة على المشاعر والوجوه، ولوجد

الشخص أنه من غير العملي أن يتوجّه صوب تقويمات رمزية للجدارة الاجتماعية، أو أن يمتلك

مشاعر؛ أي لكان من غير العملي أن يكون كائنًا شعائريًا مرهفًا. وكما سأشير، فإنه لو لم يكن الشخص

كائنًا شعائريًا مرهفًا، لما تم تنظيم مناسبات المحادثة بالطريقة التي عادة ما تنظَّم بها. ولا عجب أنَّ

الاضطراب ينجم عن شخص لا يمكن التعويل عليه في أن يلعب لعبة حفظ الوجه.

الأدوار الشعائرية للذات

استخدمتُ ضمنيًا إلى الآن تعريفًا للذات مزدوجًا: الذات كصورة جُمعت معًا من الآثار التعبيرية

المترتبة على كامل دفق الأحداث في مسعى ما، والذات كنوع من اللاعب في لعبة شعائرية يتصدى على نحو مشرّف أو غير مشرّف، دبلوماسي أو غير دبلوماسي، لطوارئ الموقف الحكمية التقويمية.

وثمة هنا تفويض مزدوج. فالبشر بوصفهم كائنات مقدسة، يخضعون لإهانات وضروب من التدنيس؛ ولذلك يكون عليهم كلاعبين في اللعبة الشعائرية أن يسوقوا أنفسهم إلى مبارزات، وأن ينتظروا رشقة من الطلقات تخطئ الهدف قبل أن يعانقوا خصومهم. وثمة هنا صدى للتمييز بين قيمة أوراق كوتشينة كانت من نصيب لاعب وقدرة هذا الشخص على اللعب بها. ولا بدّ من أخذ هذا التمييز في الحسبان، على الرغم مما يبدو من أنّه ما إن يحقق شخص صيتًا حسنًا أو سيئًا في اللعب، حتى يمكن أن يغدو هذا الصيت جزءًا من الوجه الذي يجب أن يلعب لاحقًا للحفاظ عليه. ما إن يُفصَل دورا الذات هذان، حتى يمكن النظر إلى السنّة الشعائرية التي ينطوي عليها إِعمال الوجه

لمعرفة كيف يرتبطان. فحين يكون شخص مسؤولً عن إطلاق تهديدٍ لوجهِشخصٍ آخر، يبدو كأنَّ له الحقّ، ضمن حدود، في أن يتملّص من هذه الصعوبة من طريق إذلال الذات. وحين تؤدّى هذه

الإهانات طواعيةً لا تبدو أنها تدنّس صورته. ويبدو الأمر كما لو أنَّ له حقّ عزل نفسه ومعاقبتها كفاعل من دون أن يؤذي نفسه ككائن كامل الجدارة. ويمكنه بهذا العزل ذاته، أن يقلل من شأن نفسه وأن يتحفّظ بعض الشيء على صفاته الإيجابية، مدركًا أنَّ أحدًا لن يأخذ تصريحاته على أنها تمثيل منصف

لذاته المقدسة. أمّا إذا أُجبر بخلاف مشيئته على أن يعامل نفسه بهذه الطرائق، فسوف يتهدد وجهَه

وكبرياءه وشرفَه ذلك التهديدُ الخطير. هكذا يبدو أنَّ لدى الشخص، في ما يتعلق بالسنّة الشعائرية، ترخيصًا خاصًا بأن يقبل من سوء المعاملة على يديه ما لا حقّ له بأن يقبله من الآخرين. وربما كان هذا

ضربًا من الترتيب الآمن لأنّه من غير المحتمل أن يمضي بهذا الترخيص بعيدًا، في حين يمكن أن

يسيء الآخرون استخدام هذا الترخيص إذا ما مُنح لهم. علاوة على ذلك، يحقّ للشخص، ضمن حدود، أن يسامح المشاركين الآخرين على إهاناتهم صورته المقدسة. ويمكنه أن يتجاهل، بأناة، ضروب تلطيخ وجهه الطفيفة، كما أنّه الشخص الوحيد القادر

على قبول الاعتذارات نيابة عن ذاته المقدسة في ما خصّ الأذيات الكبيرة بعض الشيء. وهذا امتياز

آمن نسبيًا يمكن الشخصَ أن يحوزه في ما يتعلّق بذاته، لأنّه امتياز يُمارس لمصلحة الآخرين أو

لمصلحة المسعى. ومن المثير للاهتمام أنّه حين يرتكب الشخص زلّة ضد نفسه، ليس هو من يمتلك رخصة العفو عمّا جرى؛ بل الآخرون وحدهم هم الذين يتمتعون بهذا الامتياز، وهو امتياز من الآمن

لهم أن يحوزوه لأنهم لا يستطيعون ممارسته إلا لمصلحته أو لمصلحة المسعى. هكذا يجد المرء نظامًا من الضوابط والتوازنات يُعطى بموجبه كلّ مشارك الحق في تولّي أمر تلك المسائل وحدها التي

ليس لديه سوى أقلّ الحوافز لإساءة تولّيها. باختصار، لقد صُمِّمَت حقوق المتفاعل وواجباته لتحول

بينه وبين إساءة استخدام دوره ككائن ذي قيمة مقدسة.

التفاعل اللفظي

ينطبق معظم ما قيل إلى الآن على لقاءات من النوع المباشر والمُتوسَّط، على الرغم من أنّ التفاعل

في النوع الأخير من المرجح أن يكون أخفّ بكثير، مع التقاط خطّ كلّ مشارك من أشياء مثل الأقوال المكتوبة وسجلات العمل. لكنَّ ظروفًا معلوماتية فريدة تسود في أثناء الاتصالات الشخصية المباشرة

وتجعل أهمية الوجه واضحة على نحوٍ خاص. وما يعنيه النزوع البشري إلى استخدام العلامات والرموز هو أنَّ الأدلة على الجدارة الاجتماعية والتقويمات المتبادلة تُنقَل من خلال أشياء بالغة الصِّغر،

وأنَّ هذه الأشياء سوف تُشاهَد، وكذلك حقيقة أنّها شوهدت. هكذا يمكن نظرةً غير محترسة، أو تبدّلً

عابرًا في نبرة الصوت، أو موقفًا بيئيًا يُتَّخَذ أو لا يُتَّخذ، أن تسبغ على المحادثة أهمية حكمية تقويمية.

ولذلك، كما أنّه لا توجد مناسبة للتحادث إلا ويمكن أن تنشأ فيها انطباعات غير لائقة عن قصد أو عن غير قصد، كذلك ما من مناسبة للتحادث تبلغ من التفاهة ذلك القدر الذي لا يتطلب من كلّ مشارك أن يبدي اهتمامًا جديًا بالطريقة التي يتعامل بها مع نفسه ومع الآخرين الحاضرين. العوامل

الشعائرية الموجودة في ضروب التماس المتوسَّطَ تحضر هنا ذلك الحضور الأقصى. كلّما نشأت الإمكانية المادية للتفاعل اللفظي، في أيّ مجتمع، يبدو أنَّ نظامًا من الممارسات والأعراف

والقواعد الإجرائية يفعل فعله كوسيلة لتوجيه دفق الرسائل وتنظيمه. ويسود نوع من التفاهم في شأن الزمان والمكان الذي سوف يُسمَح فيه ببدء التحادث، كما في شأن الأشخاص الذي سيتحادثون،

والموضوعات التي ستُطرح. وتُستخدَم مجموعة من الإيماءات المهمة لإطلاق دفق من التواصل وكوسيلة للأشخاص المعنيين بإجازة بعضهم بعضًا كمشاركين شرعيين. وحين تحدث عملية

(2((يمكن أن نقدّر معنى هذه الحالة بالنظر إلى أنواع المشاركة غير الشرعية وغير المصدَّق عليها التي يمكن أن تحصل في تفاعل

لفظي. قد يسترق شخص السمع إلى آخرين من دون علمهم، ويمكن أن يسترق السمع إليهم وهم يعلمون ذلك ويختارون إمّا

التصرف كما لو أنّه لا يستمع إليهم أو الإشارة إليه على نحو غير رسمي أنهم يعرفون أنه يستمع إليهم.في جميع هذه الحالات، يُصَدّ

المتطفّل رسميًا بوصفه شخصًا لا يشارك رسميًا في المناسبة.ومن الطبيعي أنَّ السنن الشعائرية تقتضي أن يُعامَل مشاركٌ مصدَّق عليه

بصورة مختلفة تمامًا عن مشاركٍغير مصدَّق عليه.هكذا، مثلً، لا يمكن تجاهل ما يزيد على مقدار معين من الإساءة من مشاركٍغير

مصدَّق عليه من دون أن تفضي ممارسة هذا التجنّب إلى فقدان وجه الأشخاص المُسَاء إليهم؛ فبعد حدّ معين لا بدّ من تحدي

المسيء والمطالبة بتعويض.لكنّ أنواعًا كثيرة من الإساءة اللفظية التي يقترفها مشاركون غير مصدَّق عليهم، يمكن تجاهلها، في كثير

المجتمعات كما يبدو، من دون هذا الفشل في التحدي الذي هو واحد من مكوّنات فقدان الوجه.

التصديق المتبادل هذه، يكون الأشخاص المصدَّق عليهم على هذا النحو في ما يمكن تسميته حالة محادثة Talk of State؛ وهذا يعني الإعلان عن أنّهم متاحون رسميًا أحدهم للآخر بغرض التواصل

اللفظي، وأنهم متضامنون معًا للحفاظ على تدفق الكلام. كما تُستخدَم مجموعة من الإيماءات المهمة

التي يمكن من خلالها مشاركًا أو أكثر من المشاركين الجدد أن ينضموا رسميًا إلى المحادثة، ويمكن

من خلالها مشاركًا أو أكثر من المشاركين المعتمدين أن ينسحبوا رسميًا، كما يمكن من خلالها إنهاء

حالة المحادثة. ثمة ميل إلى الحفاظ على تركيز مفرَد للفكر والاهتمام البصري، ودفق مفرد للكلام، وشرعنة ذلك

كلّه كتمثيل رسمي للقاء. وثمة ميل إلى نقل الاهتمام البصري المتضافر والرسمي للمشاركين بسلاسة عن طريق إشارات إجازة رسمية أو غير رسمية، يشير من خلالها المتحدث الحالي إلى أنّه على وشك الانتهاء وإفساح المجال ويشير المتحدث التالي إلى رغبة في أخذ الكلمة. ويسود تفاهم حول طول الفترة التي يتولّى فيها المشارك الكلام وعدد مرات ذلك. وينقل المتلقّون إلى المتكلم، من خلال الإيماءات المناسبة، أنّهم يولونه انتباههم. ويقيّد المشاركون انخراطهم في

أمور خارجة عن اللقاء ويلتزمون حدًا للانخراط في رسالة اللقاء الخاصة بكلّ واحد منهم، فيضمنون بهذه الطريقة القدرة على المضيّ في أي وجهة يأخذهم فيها موضوع المحادثة. وتُنظَّم حالات

المقاطعة والهدوء على نحو لا يعطّل تدفق الرسائل. وتُعدَّل الرسائل التي هي ليست جزءًا من التدفق المعتمَد رسميًا على نحو لا تتداخل فيه مع الرسائل المعتمدة ذلك التداخل الخطير.

ويُحجم الأشخاص القريبون الذين ليسوا مشاركين إحجامًا واضحًا عن استغلال موقعهم التواصلي

ويعملون أيضًا على تعديل اتصالهم الخاص، إن وجد، فلا يُحْدِثون تداخلً مؤذيًا. ويُسمح لحماسة

معينة أو لجوٍّ انفعالي معين أن يسود. وعادةً ما يتم الحفاظ على تفاهم مهذَّ ب، ويتملّق المشاركون

الذين قد يكون أحدهم على خلاف فعلي في الآراء مع الآخر موقتًا؛ ما يجعلهم متفقين في الواقع ومن حيث المبدأ. ويجري اتّباع القواعد لتيسير الانتقال، إذا ما وُجد، من موضوع محادثة إلى

آخر.

لا تتعلق قواعد المحادثة هذه بالتفاعل اللفظي الذي يُؤخذ على أنّه عملية جارية، بل ب «مناسبة» من مناسبات التحادث أو بحلقة من حلقات التفاعل بوصفها وحدة ذات حدود طبيعية. وتتكون هذه الوحدة من النشاط الإجمالي الذي يحدث خلال الوقت الذي تعتمد فيه مجموعة معينة من المشاركين بعضهم على بعض للتحادث وتحافظ على تركيز للانتباه مفرد ومثير.

(2((من أجل مزيد من تناول بنية التفاعل اللفظي، يُنظر:

Goffman, reference footnote 14; part 4.

(2 ((ما أعنيه هو تضمين المحادثات الرسمية حيث تكون القواعد المرعية الإجراء محددة صراحةً ومفروضة رسميًا، وحيث

لا يسمح بتولّي الكلام إلا لضروب معينة من المشاركين، وكذلك الدردشات والمحادثات اللطيفة التي لا تكون فيها القواعد صريحة ويجري فيها تداول الدور جيئة وذهابًا بين المشاركين.

تمثّل الأعراف المتعلقة ببنية مناسبات التحادث حلً فعالً لمشكلة تنظيم دفق الرسائل اللفظية. ولدى محاولة اكتشاف كيفية الحفاظ على هذه الأعراف السارية المفعول كمرشد للفعل، فإننا نجد أدلة تشير إلى وجود علاقة وظيفية بين بنية الذات وبنية التفاعل اللفظي. يتعامل المتفاعل الاجتماعي مع التفاعل اللفظي كما يتعامل مع أي نوع آخر من أنواع التفاعل، بوصفه شيئًا تجب متابعته بعناية شعائرية. وبلجوئه التلقائي إلى الوجه، يعرف كيف يتصرف في ما يتعلق بالمحادثة. وبطرحه على نفسه السؤال المتكرر والتلقائي، «إذا تصرفت على هذا النحو أو لم أتصرف، هل أفقد وجهي أو يفقد الآخرون وجههم؟» يقرر في كل لحظة، بوعي أو بغير وعي، كيف يتصرف. وعلى سبيل المثال، قد يُتَّخذ المدخل إلى مناسبة من مناسبات التفاعل اللفظي كرمز للحميمية أو

لغرَض مشروع، ولذلك على الشخص، كي يحفظ وجهه، أن يحجم عن الدخول في محادثة مع

مجموعة معينة من الآخرين ما لم تكن ظروفه تبرر ما أعرب عنه مدخله في ما يخصّه. وبمجرد الاقتراب

من محادثة، عليه أن ينضم إلى الآخرين حفظًا لوجوههم. وما إن ينخرط في محادثة، عليه ألا يطلب من الاهتمام إلا بالمقدار الذي يعبّر تعبيرًا مناسبًا عن جدارته الاجتماعية النسبية. وتأتي حالات الهدوء

الفائضة كعلامات محتملة على عدم وجود شيء مشترك، أو على عدم تمالكك لنفسك بحيث تخلق شيئًا تقوله، فتتجنّب ذلك. وبالمثل، فإنَّ المقاطعات وحالات عدم الانتباه قد تشير إلى عدم الاحترام

ويجب تجنبها لئلا يكون عدم الاحترام الضمني جزءًا مقبولً من العلاقة. ويجب الحفاظ على قشرة

من الاتفاق بالطرافة والأكاذيب البيضاء، كي لا يُساء إلى افتراض القبول المتبادل. ويجب التعامل مع

الانسحاب بحيث لا يدلّ على تقويم غير لائق. وعلى الشخص أن يكبح تورطه العاطفي حتى لا يعطي صورة لشخص لا يتحكم في نفسه أو كرامته ولا يرتقي فوق مشاعره. تبرز العلاقة بين الذات والتفاعل اللفظي مزيدًا من البروز عندما نتفحّص التبادل الشعائري. ففي لقاء

حواري، يميل التفاعل إلى الظهور في صورة اندفاعات، فيجري تبادل في لحظة، ويوزَّع دفق المعلومات والأعمال على هذه الوحدات الشعائرية المغلقة نسبيًا. ويميل الهدوء بين تبادلين إلى

أن يكون أكبر من الهدوء بين أدوار التحادث في تبادل واحد، وثمة ميل إلى وجود علاقة بين تبادلين متسلسلين أقلّ مغزى من العلاقة بين خطبتين متسلسلتين في تبادل. ينشأ هذا الجانب البنيوي للمحادثة عن حقيقة أنه عندما يطلق شخص طوعًا قولً أو رسالة، مهما تكن

تافهة أو مألوفة، فإنه يلزم نفسه وأولئك الذين يخاطبهم، ويعرّض جميع الحاضرين للخطر على نحوٍ

ما. فبقول المتحدث شيئًا ما، يعرّض نفسه لاحتمال أن يقوم المتلقون المقصودون بإهانته بعدم

(2((بين البشر الذين لديهم بعض الخبرة في التفاعل واحدهم مع الآخر، غالبًا ما تُنهى اللقاءات الحوارية بطريقة تعطي انطباعًا بأن

كلَّ مشارك وقع وحده على لحظة الانسحاب ذاتها. فيكون الانفضاض عامًّا، وقد لا يكون أحد واعيًا لتبادل التلميحات المطلوبة

لجعل مثل هذا التواقت السعيد في الفعل ممكنًا. هكذا يُنقَذ كلّ مشارك من الوضع المسيء الذي يبدو فيه مستعدًا لقضاء مزيد من

الوقت مع أحدٍ ليس مستعدًا لقضاء هذا الوقت معه. (3((يكون الفصل التجريبي لكل وحدة تبادلية أمرًا غامضًا حين يعمد الشخص ذاته الذي يتولى دور إنهاء المحادثة في تبادل إلى

تولّي دور المتكلم الأول في تبادل تالٍ. لكن الفائدة التحليلية للتبادل بوصفه وحدة تبقى قائمة.ً

الإصغاء إليه أو اعتباره وقحًا أو أحمق أو عدوانيًا في ما قاله. وإذا ما قوبل بمثل هذا الاستقبال، فسوف

يجد نفسه ملتزمًا ضرورة القيام بفعلٍ ما لحفظ الوجه قبالتهم. وعلاوةً على ذلك، فإنَّ المتكلّم بقوله

شيئًا ما، يعرّض من يقصدهم من المتلقين لاحتمال أن تكون الرسالة هي برهان ذاتها، متعجرفة،

متطلبة، ومهينة، وعمومًا مسيئة لهم أو لتصورهم عنه، فيجدون أنفسهم مضطرين إلى القيام بفعل ضده

دفاعًا عن السنّة الشعائرية. وإذا ما امتدح المتحدث المتلقّين، فسوف يضطرون إلى إطلاق إنكار

ملائم يُظهر أنّهم لا يحبذون رأيًا فيهم يفرط في إطرائهم ولا يتوقون كثيرًا إلى ضروب الدلال التي

تعرّض موثوقيتهم ومرونتهم كمتفاعلين للخطر. هكذا، عندما يطلق شخصٌ رسالة، مساهمًا بذلك في ما قد يشكل تهديدًا للتوازن الشعائري، يضطر

أحدٌ ما آخر من الحاضرين إلى إظهار أنَّ الرسالة تمّ تلقيها وأنَّ محتواها مقبول لدى جميع المعنيين أو

تمكن مجابهتها على نحو مقبول. وقد يحتوي هذا الردّ المقبول، بالطبع، على رفض لبق للاتصال

الأصلي، إلى جانب مطالبةٍ بالتعديل. وفي مثل هذه الحالات، قد تكون هنالك حاجة إلى عدة عمليات تداول للرسائل قبل إنهاء التبادل على أساس الخطوط المعدلة. ويبلغ التبادل ختامه حين يمكن السماح له بذلك، أي عندما يشير كلّ واحد من الحاضرين إلى أنّه راضٍ شعائريًا. وثمة

إمكانية لهدوء موقت بين تبادلين، إذ يأتي في وقت لا يؤخذ فيه كعلامة على شيء غير لائق أو غير مرغوب فيه. يحدد الشخص، إذًا، وبوجه عام، كيف يجب أن يتصرف في مناسبة من مناسبات التحادث باختبار المعنى الرمزي المحتمل لأفعاله قبالة صوره الذاتية التي يحاول أن يعززها. لكنه إذ يفعل ذلك، يُخضع

سلوكه تلقائيًا للنظام التعبيري السائد ويساهم في تدفق الرسائل المطّرد. هدفه هو حفظ الوجه، ومؤدّاه

هو حفظ الوضع. ومن الحسن، من وجهة نظر حفظ الوجه، أنَّ للتفاعل اللفظي ما له من تنظيم تقليدي، ومن الحسن، من وجهة نظر الحفاظ على تدفق الرسائل اللفظية المطّرد، أنَّ للذات ما لها من بنية شعائرية. لكني لست أقصد أنَّ نوعًا آخر من الأشخاص يرتبط بنوع آخر من تنظيم الرسائل لن يفعل ذلك أيضًا.

والأهمّ، هو أنني لا أقصد أنَّ النظام الحالي خالٍمن نقاط الضعف أو العيوب، فهذه يجب توقعها؛

ذلك أنَّ الآلية أو العلاقة الوظيفية التي تحلّ مجموعة من المشكلات في أيّ موضع من مواضع الحياة

الاجتماعية تخلق بالضرورة مجموعة من المصاعب والمطاعن المحتملة الخاصة بها. وعلى سبيل المثال، من المشكلات المميزة في التنظيم الشعائري لضروب التماس الشخصية أنّه في حين يمكن للشخص أن يحفظ وجهه من خلال التشاجر أو بالانسحاب الساخط من اللقاء، فإنّه يفعل ذلك على حساب التفاعل. وعلاوة على هذا، فإن ارتباط الشخص بالوجه يعطي الآخرين شيئًا يستهدفونه؛ فهم لا يسعهم أن يحاولوا جرحه بصورة غير رسمية فحسب، بل يمكن أيضًا أن يقوموا بمحاولة رسمية

(((3 حدوث وحدة التبادل هو حقيقة تجريبية.إضافة إلى تفسيرها الشعائري، ثمة تفسيرات أخرى يمكن اقتراحها؛ على سبيل

المثال، عندما يطلق الشخص قولً ويتلقى ردًا في الحال، فإن ذلك يوفر له طريقة لمعرفة أنَّ قوله تمّ تلقيه وأنّه تمّ تلقيه على النحو

الصحيح.ومثل هذه« الاتصالات عن الاتصالات »تكون ضرورية لأسباب وظيفية حتى لو لم تكن ضرورية من الناحية الشعائرية.

لتدمير وجهه تدميرًا تامًا. كما أنَّ خوف الشخص من احتمال فقد وجهه غالبًا ما يحول بينه وبين مباشرة

ضروب من التماس يمكن من خلالها إيصال معلومات مهمة وإعادة ترسيخ علاقات مهمة، وقد يُساق

إلى السعي خلف أمان العزلة بدلً من خطر اللقاءات الاجتماعية. وقد يفعل هذا على الرغم من شعور الآخرين أنه مدفوع ب «كبرياء زائفة»؛ كبرياء توحي بأنَّ السنّة الشعائرية تحصل على الأفضل من أولئك

الذين تنظّم سلوكهم. ويمكن لعقدة «من بعدك، يا ألفونس»، علاوة على ذلك، أن تجعل إنهاء التبادل أمرًا صعبًا. وكذلك، أيضًا، حين يشعر كلّ مشارك بأنّ عليه التضحية بأكثر قليلً مما جرت التضحية به

من أجله، ما يمكن أن يُحدث نوعًا من حلقة الملاطفة الفاسدة، أشبه بحلقة العداوة التي يمكن أن

تؤدي إلى مشاحنات علنية، حيث يتلقى كلّ شخص أشياء لا يريدها ويعطي بالمقابل أشياء كان يفضّل الاحتفاظ بها. ومرّة أخرى، قد يُصرف، في التعامل الرسمي، قدر كبير من الطاقة لضمان عدم

وقوع أحداث قد تحمل معها تعبيرًا غير لائق. ومن جهة أخرى، عندما تمارس مجموعة من الأشخاص

تعاملها المألوف وتشعر بأنّها لا يحتاج بعضها إلى أن يتمسك بالشكليات مع بعض، من المحتمل أن يتفشى عدم الاكتراث والمقاطعات، وقد تتدهور المحادثة إلى نوع من اللغط بلا تنظيم. تتطلب السنّة الشعائرية ذاتها توازنًا دقيقًا، ويمكن أن يبذر فيها الاضطراب بيسر كلُّ من يتمسّك بها

بشغف شديد أو من غير شغفٍ كافٍ، من حيث معايير مجموعته وتوقعاتها. وإذا ما قلّ الإدراك كثيرًا،

وقلّت اللباقة كثيرًا، وقلّت الكبرياء والمراعاة كثيرًا، كفّ الشخص عن كونه أحدًا يمكن الوثوق بأنّه

يمكن أن يلتقط إشارة تتعلق به أو يطلق إشارة تحول دون إحراج الآخرين. مثل هذا الشخص يشكل تهديدًا حقيقيًا للمجتمع؛ وليس ثمة الكثير مما يمكن أن يُعمَل معه، وغالبًا ما يحصل على ما يريده.

وإذا ما زاد الإدراك كثيرًا أو زادت الكبرياء كثيرًا، غدا الشخص أحدًا رقيق الإحساس، تجب معاملته

برفق شديد، ويتطلب رعاية من الآخرين تفوق ما قد يكون جديرًا به من وجهة نظرهم. وإذا ما زادت

اللباقة كثيرًا أو زادت المراعاة كثيرًا، غدا الشخص أحدًا اجتماعيًا جدًا، يترك لدى الآخرين شعورًا بأنهم

لا يعرفون كيف يقفون معه في الحقيقة، ولا يعرفون ما يجب عليهم فعله للتأقلم الطويل معه. على الرغم من هذه «المرَضِيَّات» المتأصّلة في تنظيم التحادث، يبقى التوافق الوظيفي بين الشخص

الاجتماعي والتفاعل اللفظي ذلك التوافق القابل للحياة والعملي. والوجهة التي يتخذها الشخص حيال الوجه، لا سيما وجهه، هي درجة الاستطاعة التي يتمتع بها النظام الشعائري في ما يتعلق به؛ ومن ثمَّ فإنَّ وعدًا بالرعاية الشعائرية لوجهه هو في صلب بنية التحادث.

الوجه والعلاقات الاجتماعية

عندما يباشر شخصٌ لقاءً مباشرًا أو بالتوسّط، يقف في نوع من العلاقة الاجتماعية بالآخرين

المعنيين، ويتوقّع أن يقف في علاقة معينة بهم بعد انتهاء اللقاء المحدد. وهذه، بالطبع، إحدى الطرائق التي يتم بها تعشيق التماسات الاجتماعية مع المجتمع الأوسع. ويمكن فهم كثير من النشاط الحاصل في أثناء لقاء على أنه جهد يبذله كلّ طرف من أطرافه لإتمام المناسبة وجميع أحداثها غير المتوقعة وغير المقصودة التي يمكن أن تسلّط على المشاركين ضوءًا غير مرغوب فيه،

من دون عرقلة علاقات المشاركين. وإذا ما كانت العلاقات في حال من التغيّر، فإنّ الهدف يكون

الوصول باللقاء إلى ختام مُرضٍ من دون إحداث تبديل في مسار تطوره المتوقع. وهذا المنظور يفسّر جيدًا، على سبيل المثال، رسميات التحية والوداع البسيطة التي تحصل لدى مباشرة البشر

لقاءً حواريًا أو مغادرته. توفّر التحيات طريقة لإظهار أنّ العلاقة ما زالت كما كانت عند إنهاء

المشاركة السابقة، وأنَّ هذه العلاقة تنطوي على كبتٍ للعداوة يكفي لأن يسقط المشاركون احتراساتهم موقتًا ويتحادثوا. أمّا الوداعات فتلخّص أثر اللقاء في العلاقة وتُظهر ما قد يتوقعه

المشاركون أحدهم من الآخر عندما يلتقون في المرة القادمة. وتعوض حماسة التحيات ضعف العلاقة الناجم عن الغياب الذي انتهى للتو، في حين تعوض حماسةُ الوداعات العلاقةَ عن الضرر الذي يوشك أن يحدثه بها الانفصال. يبدو أنّ ثمة واجبًا يميز كثيرًا من العلاقات الاجتماعية مفاده أن يضمن كلّ واحد من الأعضاء دعم

وجهٍمعين للأعضاء الآخرين في مواقف معينة. ولذلك يكون ضروريًا، بغية الحيلولة دون انقطاع هذه العلاقات، أن يتجنّب كل عضو تدمير وجه الآخرين. وفي الوقت ذاته، غالبًا ما تكون العلاقة الاجتماعية

للشخص بالآخرين هي ما تدفعه إلى المشاركة في بعض اللقاءات معهم، حيث يعتمد عليهم عرَضًا

في دعم وجهه. وعلاوة على ذلك، فإنّ الأعضاء، في كثير من العلاقات، يتشاركون وجهًا، بحيث

يغدو فعلٌ غير لائق يصدر عن عضو في حضرة أطراف أخرى مصدر حرج شديد للأعضاء الآخرين. هكذا، يمكن النظر إلى العلاقة الاجتماعية على أنها طريقة تضطر الشخص إلى أن يثق بصورته الذاتية ووجهه حيال لباقة الآخرين وحسن تصرفهم.

طبيعة النظام الشعائري

يبدو النظام الشعائري منظَّمًا في الأساس وفق خطوط تكيفيّة ملائمة، بحيث لا تلائمه تمامًا التصورات

المستخدمة للتفكير في أنماط أخرى من النظام الاجتماعي. ويبدو أنَّ نوعًا من نموذج تلميذ المدرسة المجتهد هو المستخدم بالنسبة إلى أنماط النظام الاجتماعي الأخرى: حين يرغب شخص في تعزيز صورة معينة عن نفسه ويثق بمشاعره تجاهها، عليه أن يكدّ من أجل المزايا التي تعود عليه بذلك؛ لأنه إذا ما حاول الحصول على غاياته بوسائل غير ملائمة، بالغش أو السرقة، فسوف يُعاقب أو يُستبعَد من

السباق أو يُجبر، في الأقل، على البدء من جديد. وهذه صورة لعبة قاسية ورتيبة. والحال، إنَّ المجتمع والفرد يلتقيان في لعبة تكون أسهل عليهما كليهما، لكنها لعبة تنطوي على مخاطر خاصة بها.

(((3 تعمل التحيات، بالطبع، على توضيح الأدوار التي سيضطلع بها المشاركون أثناء الحديث وتحديدها وإلزام المشاركين بها، في حين توفر الوداعات طريقة لإنهاء المواجهة على نحو لا لبس فيه.كما يمكن استخدام التحيات والوداعات لتبيان الظروف المخففة والاعتذار عنها:في حالة التحيات عن الظروف التي أبعدت المشارك عن التفاعل إلى الآن، وفي حالة الوداعات عن الظروف التي تمنع المشاركين من مواصلة إظهارهم للتضامن.هذه الاعتذارات ترسخ انطباعًا بأنّ المشاركين تربطهم علاقة اجتماعية

أدفأ مما قد يكون عليه الحال.ويضمن هذا التشديد الإيجابي، بدوره، أنَّ استعدادهم للعمل على الدخول في ضروب من التماس هو أكبر مما قد يشعرون بالميل إلى فعله في الحقيقة، ما يضمن إبقاء القنوات المنتشرة للتواصل المحتمل مفتوحة في المجتمع.

أيًا يكن موقع الشخص في المجتمع، فإنّه يعزل نفسه عن طريق التعامي وأنصاف الحقائق والأوهام

والتبريرات. وهو «يتأقلم» عن طريق إقناع نفسه، بدعم لبق من دائرته الحميمة، بأنّه ما يريد أن يكون وأنه لن يفعل لتحقيق غاياته ما فعله الآخرون لتحقيق غاياتهم. وفي ما يتعلق بالمجتمع، إذا كان الشخص مستعدًا للخضوع لضبط اجتماعي غير رسمي – إذا كان مستعدًا لمعرفة مكانته من تلميحات ونظرات وإشارات لبقة، ومستعدًا للمحافظة على تلك المكانة – فلن يكون هناك أي اعتراض على تأثيثه هذه المكانة بحسب تقديره، بكل اليسر والأناقة والنبالة التي يمكن أن تجلبها له فطنته. وليس عليه، كي يحمي هذا الملاذ، أن يكدّ بالعمل، أو أن ينضم إلى مجموعة، أو أن يتنافس مع أي أحد، بل عليه، فحسب، أن يتوخّى الحذر في شأن الأحكام المُفصَح عنها التي يضعها هو نفسه موضع

الشاهد. ويجب تجنب بعض الأوضاع والأفعال والأشخاص، ويجب ألا يُضغط على الآخرين، الأقلّ

تهديدًا. والحياة الاجتماعية هي شيء مرتب ومنظم، لأنَّ الشخص يبقى طوعًا بعيدًا عن الأماكن

والمواضيع والأوقات التي لا يكون مطلوبًا فيها، والتي قد يُستخَفّ به إذا ما مضى إليها. وهو يتعاون

لحفظ وجهه، ويجد أنَّ ثمّة الكثير مما يكسبه إذا لم يغامر بشيء. تنتمي الوقائع إلى عالم التلمذة: يمكن تغييرها بالجهد الدؤوب ولكن لا يمكن تجنبها. أمّا ما يقيه

الشخص ويدافع عنه ويبذل مشاعره تجاهه فهو فكرة عن نفسه، والأفكار ليست عرضة للوقائع والأشياء بل للاتصالات. وتنتمي الاتصالات إلى ترسيمة أقل عقابية من التي تنتمي إليها الوقائع، لأنّ الاتصالات يمكن تجاوزها والانسحاب منها وإنكارها وإساءة فهمها ببساطة ونقلها بمهارة. وحتى لو أساء الشخص التصرف وخرق الهدنة التي أبرمها مع المجتمع، ليس ضروريًا أن تكون العقوبة هي النتيجة.

فإذا ما كانت الإساءة من النوع الذي يمكن الأشخاص المساء إليهم تمريره من دون أن يفقدوا كثيرًا

من وجههم، قد يتصرفون بتساهل وأناة، ويقولون لأنفسهم إنهم سينالون من المسيء بطريقة أخرى في وقت آخر، مع أنَّ مثل هذه المناسبة قد لا تتاح البتة وقد لا يتم استغلالها إذا ما أتيحت. وإذا ما كانت الإساءة كبيرة، قد ينسحب الأشخاص المساء إليهم من اللقاء، أو من اللقاءات المماثلة المقبلة، متيحين لانسحابهم أن يتعزز بالرهبة التي قد يشعرون بها تجاه شخص يخرق السنّة الشعائرية. أو

لعلّهم يدفعون المسيء إلى الانسحاب، بحيث لا يمكن أن يقوم مزيد من الاتصال. ولكن بما أنّه يمكن المسيءَ إنقاذ قدر كبير من الوجه من مثل هذه العمليات، غالبًا لا يكون الانسحاب عقابًا غير

رسمي على إساءة، بقدر ما هو مجرد وسيلة لإنهائها. ولعلّ المبدأ الرئيس للنظام الشعائري ليس العدالة بل الوجه، وما يتلقاه أي مسيء ليس ما يستحقه بل ما يدعم في هذه اللحظة الخط الذي التزمه، وما يدعم، من خلال ذلك، الخط الذي ألزم به التفاعل. لقد انطوت هذه الورقة على أنَّ البشر هم أنفسهم في كلّ مكان، على الرغم من اختلافاتهم في الثقافة. وإذا ما كان للأشخاص طبيعة إنسانية كونية، فلا يجب النظر إليهم هم أنفسهم بحثًا عن تفسير لها. والأحرى أنه يجب النظر إلى حقيقة أن المجتمعات في كل مكان، إذا ما أرادت أن تكون مجتمعات، يجب أن تعبّئ أفرادها بوصفهم مشاركين في اللقاءات الاجتماعية منظمين ذاتيًا. وتتمثّل إحدى طرائق

تعبئة الفرد لهذا الغرض في الشعيرة؛ حيث يُعلَّم أن يكون ألمعيًا، وأن تكون لديه مشاعر مرتبطة بذاته

ويعبر عنها من خلال وجهه، وأن يكون لديه شرف وكبرياء وكرامة ومراعاة، وأن تكون لديه لباقة وقدر من الاتزان. هذه هي بعض عناصر السلوك التي يجب أن تكون من صميم الشخص إذا ما أريد استخدامه عمليًا كمتفاعل، وهذه العناصر هي ما يُشار إليه جزئيًا عندما يتحدث المرء عن الطبيعة

الإنسانية الكونية. ليست الطبيعة الإنسانية الكونية بالشيء الإنساني كثيرًا. وإذ يكتسبها الشخص، يصبح نوعًا من

البناء، ليس مبنيًّا من ميول نفسية داخلية بل من قواعد أخلاقية غُرست فيه من الخارج. وتحدد هذه

القواعد، حين تُتَّبَع، تقويم الشخص لنفسه ولشركائه في اللقاء، وتوزّع مشاعره، وأنواع الممارسات

التي سيستخدمها للحفاظ على نوع معين وإلزامي من التوازن الشعائري. ولعلّ القدرة العامة على الالتزام بقواعد أخلاقية تعود إلى الفرد، لكن مجموعة القواعد المحددة التي تحوله إلى إنسان تنبع من متطلبات قائمة في التنظيم الشعائري للقاءات الاجتماعية. وإذا ما بدا أنَّ لشخصٍ أو جماعة أو مجتمع معين شخصية فريدة خاصة به، فذلك لأنّ مجموعته المعيارية من عناصر الطبيعة الإنسانية

قد جُمعت وضُفرت بطريقة معينة. وبدلً من الكبرياء الزائدة، قد يكون ثمة القليل من الكبرياء.

وبدلً من الالتزام بالقواعد، قد يكون ثمة جهد كبير لخرقها بأمان. ولكن إذا كان من الضروري أن يستمر لقاء أو مسعى كنظام للتفاعل قابل للحياة ومنظَّم وفقًا لمبادئ شعائرية، فلا بدّ من استيعاب هذه الاختلافات ضمن حدود معينة وموازنتها موازنة دقيقة بتعديلات مقابلة في بعض القواعد والتفاهمات الأخرى. وبالمثل، فإن الطبيعة الإنسانية لمجموعة معينة من الأشخاص قد تكون مصممة خصيصًا لذلك النوع الخاص من المسعى الذي تشارك فيه، ولكن يبقى على كلّ واحد من

هؤلاء الأشخاص أن يحوز في داخله شيئًا من توازن الخصائص المطلوب من مشارك صالح في أي

نظام للنشاط الاجتماعي منظَّم شعائريًا. مختبر الدراسات الاجتماعية البيئية المعهد الوطني للصحة النفسية بيثيسدا 14، ماريلاند

References

المراجع

Burns, Tom. «Friends, Enemies, and the Polite Fiction.» American Sociological Review. vol. 18, no. 6 (1953). Chapple, Eliot D. & C.M. Arensberg. «Measuring Human Relations: An Introduction to the Study of the Interaction of Individuals.» Genetic Psychology Monographs. vol. 22 (1940). Dale, H.E. The Higher Civil Service of Great Britain. Oxford: Oxford University Press,

Goffman, E. «Communication Conduct in an Island Community.» Unpublished PhD. Dissertation. Department of Sociology. University of Chicago, 1953.

Holcombe, Chester. The Real Chinaman. New York: Dodd Mead, 1895. Horsfall, A.B. & C.A. Arensberg. «Teamwork and Productivity in a Shoe Factory.» Human Organization. vol. 8, no. 1 (1949). Hu, Hsien Chin «The Chinese Concept of ‘Face’.» American Anthropologist. vol. 46, no. 1 (1944). Jeffreys, M.D.W. «Samsonic Suicide, or Suicide of Revenge Among Africans.» African Studies. vol. 11, no. 3 (1952). Johnson, Charles. Patterns of Negro Segregation. New York: Harper, 1943. Latourette, K.S. The Chinese: Their History and Culture. New York: Macmillan, 1942. MacGowan, J. Men and Manners of Modern China. London: Unwin, 1912. Mauss, Marcel. The Gift. Ian Cunnison (trans.). London: Cohen & West, 1954. Mead, Margaret. Kinship in the Admiralty Islands. vol. 34. New York: The American Museum of Natural History, 1934. Smith, Arthur H. Chinese Characteristics. New York: Fleming H. Revell Co., 1894. The Sociology of Georg Simmel. Kurt H. Wolff. (trans. & ed.). Glencoe, IL: Free Press,

Toby, Jackson. «Some Variables in Role Conflict Analysis.» Social Forces , vol. 30, no. 6 (1952). Yang, Martin C. A Chinese Village. New York: Columbia University Press, 1945.