العودة إلى تفاصيل المؤلَّف مدخل إلى علم اجتماع المخيال: نحو فهم الحياة اليومية

مدخل إلى علم اجتماع المخيال: نحو فهم الحياة اليومية

Introduction à la sociologie de l’imaginaire

ياسين عتنا | Yassine Atana *

الملخّص

عنوان الكتاب الأصلي: Introduction à la sociologie de l’imaginaire الكاتب: فالنتينا غراسي. ترجمة: محمد عبد النور وسعود المولى. الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (سلسلة ترجمان)، الدوحة/ بيروت. سنة النشر: (2018). عدد الصفحات: 144 صفحة. مقدمة يعتبر مدخل المخيال في الدرس الاجتماعي من أهم المدخلات العلمية الراهنة، في فتح آفاق ومساحات فكرية تحليلية داخل الحقل السوسيولوجي، من أجل فهم أوسع للظاهرة الاجتماعية في بعدها الرمزي. في هذا السياق، عمل المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (سلسلة ترجمان)، على مَدِّ الباحث في العلوم الاجتماعية بمادة معرفية، من خلال كتاب للباحثة فالنتينا غراسي، بعنوان مدخل إلى علم اجتماع المخيال: نحو فهم الحياة اليومية ، ترجمة الدكتور محمد عبد النور والدكتور سعود المولى. تتمثل الأهمية المعرفية لهذا العمل في التعرض للمدخل المخيالي الذي يقترحه جيلبير دوران في دراسة الحياة اليومية للمجتمعات (المعتقدات، والعادات، والتمثلات الاجتماعية، والممارسة اليومية … إلخ)، ونقد النظريات العلموية الوضعية التي نسجتها الحداثة؛ وذلك من خلال رد الاعتبار العلمي إلى التوجه الفهمي، والظاهراتية الاجتماعية، وتوجيه البحث في علم الاجتماع الذي قدمه ميشيل مافيزولي Michel Maffesoli، كأيقونة نظرية في علم الاجتماع اليومي.

Abstract

Introduction à la sociologie de l'imaginaire

الكلمات المفتاحية:
  • المخيال
  • الاجتماعي
  • الحياة اليومية

عنوان الكتاب: العنوان الأصلي للكتاب: الكاتب: ترجمة: الناشر:

سنة النشر: عدد الصفحات: 144 صفحة.

مدخل إلى علم اجتماع المخيال: نحو فهم الحياة اليومية.

فالنتينا غراسي. محمد عبد النور وسعود المولى. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (سلسلة ترجمان)، الدوحة/ بيروت.

مقدمة

يعتبر مدخل المخيال في الدرس الاجتماعي من أهم المدخلات العلمية الراهنة، في فتح آفاق ومساحات فكرية تحليلية داخل الحقل السوسيولوجي، من أجل فهم أوسع للظاهرة الاجتماعية في بعدها الرمزي. في هذا السياق، عمل المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (سلسلة ترجمان)، على مَدِّ الباحث في العلوم الاجتماعية بمادة معرفية، من خلال كتاب للباحثة فالنتينا غراسي، بعنوان مدخل إلى علم اجتماع المخيال: نحو فهم الحياة اليومية، ترجمة الدكتور محمد عبد النوروالدكتور سعود المولى. تتمثل الأهمية المعرفية لهذا العمل في التعرض للمدخل المخيالي الذي يقترحه جيلبير دوران في دراسة الحياة اليومية للمجتمعات (المعتقدات، والعادات، والتمثلات الاجتماعية، والممارسة اليومية … إلخ)، ونقد النظريات العلموية الوضعية التي نسجتها الحداثة؛ وذلك من خلال رد الاعتبار العلمي إلى التوجه الفهمي، والظاهراتية الاجتماعية، وتوجيه البحث في علم الاجتماع الذي قدمه ميشيل مافيزولي Maffesoli Michel، كأيقونة نظرية في علم الاجتماع اليومي.

أولا: في رحاب علم اجتماع المخيال

1. المخيال

جاء الفصل الأول من الكتاب بعنوان «المخيال»، وفيه حاولت الباحثة أن ترسم المسار الفلسفي والأنثروبولوجي الذي أبدعه جيلبير دوران Durand Gilbert في مفهوم المخيال، مُوضحةً التاريخ الذي خاضه المفهوم منذ البدايات الأولى في التاريخ البشري، من الأسطورة إلى حدود المجتمعات المعاصرة التي غزتها التقنية والصناعة الرقمية، مركزةً على أنّ المخيال يحتوي دينامية داخلية، يمكن النظر إليها من زاويتين: الأولى، المجاز المرسل Metonymie الذي يفيد أن كل صورة هي جزء من بنية عميقة كلّية، والثانية، الإرداف الخلفي Oxymora الذي يضم مبدأ وحدة الأضداد. كما حاولت الباحثة تبيان الفروق الدلالية بين ثلاثة مفاهيم مركزية في هذا الحقل، هي: الصورة التي تحيل على الوحدة الصغرى للمخيال، والمؤسسة للمعنى الرابط بين الإنسان ومحيطه ثُمّ التخيُّل، باعتباره العملية التي من خلالها يتم هذا التمثل أو التمظهر الرمزي، والمخيال الذي يشير إلى ملَكة أو قوة تسمح بتحويل المتمثل إلى تمثل. هكذا يكون المخيال هو النسق العام الذي يحتوي العنصرين السالفين. كما يُضيف دوران مُعطى رابعًا لهذه التحديدات، وسمه ب «الترسيمة»، وهو يُعنى بالخطة الوظيفية للتخيل التي تكون حلقة ربط بين عملية التفكير الواعية والتمثلات التخيلية. هذا كله في المرحلة الراهنة، أمّا تاريخيًا، فقد تعرّض المخيال للتهميش والتحقير والإقصاء في الممارسة الفكرية (من خلال التيارات الفكرية

والفلسفية) أو الدينية (تحريم الصور)؛ إذ عُدّ المخيال مجالً للاعقلانية واللاواقعية، ثانويًا في ترسيمات العقل على حد تعبير إيمانويل كانط Kant Immanuel. ويمكن ملامسة هذا الصراع ضد المخيال في دراسة تاريخ الصورة على وجه التحديد؛ حيث اعتبرت خارج الفكر ومن المحرّمات الدينية. إثر الغزو التكنولوجي للصورة، وإحداث نظريات فيزيائية جديدة (النظرية النسبية، ونظرية الكوانتم … إلخ)، وظهور حقول علمية جديدة في نطاق العلوم الاجتماعية (الإثنولوجيا، والأنثروبولوجيا، والنقد الأدبي … إلخ)، بدأت الصور تأخذ موقعًا اجتماعيًا، ونفسيًا، وعلميًا فكريًا، داخل النسق الثقافي والمعرفي على حد سواء. وبناء عليه، بدأ المخيال يتمثّل مادةً زاخرة للفهم والتحليل، ومدخلً أساسيًا لفهم الحياة الاجتماعية اليومية. وتجسدت هذه النقلة في الفكر السوسيولوجي الذي قدمه مافيزولي الذي يُقر بأن الحياة الاجتماعية مليئة بجملة من المعتقدات والصور المشتركة، أي وجود ذكاء تخيّلي مجتمعي، يجب عدم الاستهانة به. في هذا المستوى، يرى دوران أن الطّرح العلمي للمخيال في القرن العشرين لم يكن مُركّزًا على نحو نسقي، منهجي؛ الأمر الذي فرض عليه أن يقلب منحى التاريخ وبراديغماته، سواء في العلوم الحقّة أو الإنسانية؛ حيث أصبحت الصورة تؤدي دورًا منهجيًا كبيرًا. وفي هذا الصدد، قدم دوران نظرية ومنهجية في المخيال داخل حقل الآداب والأنثروبولوجيا؛ إذ أوضح كيف أنّ الأسطورة تعيد إعادة تشكيل نفسها وفق حوض دلالي خاص بها، بناءً على ستة مستويات أساسية: أولً، تنشأ تيارات ضمن المحيط الثقافي. ثانيًا، يأخذ كلّ تيار مجرى خاصًّا به. ثالثًا، حيازة الاعتراف من السلطات المؤسسية. رابعًا، شخصية خيالية أو حقيقية تعطي التيار اسمها. خامسًا، نظريات تُعطي الحوض الدلالي الإطار النظري الخاص به. سادسًا، يأخذ التيار ثلاثة تفرعات: إمّا أن يُعيد إنتاج نفسه في سياقات جديدة، وإمّا أن يُضخّم أحد عناصره، وإمّا أن يلحقه النّسيان. يتضح المستوى الاجتماعي والثقافي لهذا التحليل الأنثروبولوجي في الإضافة النوعية التي قدمها دوران من خلال نحته لمفهوم «الموضعة السوسيو – ثقافية». ويُقصد بهذا المفهوم الأماكن التي يتمفصل فيها المخيال الجمعي بصفته ذاكرةً، ويقسّم وفق ثلاثة مستويات متجهة نحو أولً، الأعلى: المستوى المؤسس (الهو الاجتماعي). ثانيًا، المستوى الفعلي (الأنا الاجتماعي). ثالثًا، المستوى العقلاني (الأنا الأعلى الاجتماعي). كما بيَنّا، تُؤكد الباحثة أن دوران وإدغار موران Morin Edgar من أهم المؤسسين في السوسيولوجيا الحديثة لحقل المخيال، لكنْ لم تتبلور بعدُ في علم الاجتماع المعاصر منهجيةٌ صريحة وصارمة في هذا الصدد، وإنما وُجدت نظريات وتطبيقات في سياقات متعددة. وعليه، يُمكن القول إن علم اجتماع المخيال ليس تخصّصًا محدد المعالم، وقائمًا بذاته، بقدر ما هو وجهة نظر جديدة للبحث عن دلالات لفهم الواقع الاجتماعي. لكن في الفترة الأخيرة، بدأت تظهر معالم خط عريض له، بصفته تخصصًا، على يد السوسيولوجي مافيزولي حول تنظيم الحياة اليومية والاعتراف بالدور الذي تؤديه الصورة في الحياة الاجتماعية.

2. علم الاجتماع الفهمي والظاهراتية

وهذا

الاجتماعية

يُعتبر التيار الفهمي من بين التيارات السوسيولوجية في دراسة الحياة الاجتماعية، وخاصة مع كل من جورج زيمل Simmel Georg وماكس فيبر Max Weber. ويستقي هذا التيار جذوره الفكرية من الطرح الفلسفي الذي قدمه فيلهام دلتاي Dilthey Wilhelm في صناعته لمفهوم «تجربة المعيش»، التي تظهر داخل مجرى الحياة بوصفها حقيقة كلّية؛ إذ يمكن عزلها بفضل وحدتها الوظيفية والغائية، كما أنها وحدة حيوية ضمن معنى موضوعي وذاتي في آن واحد. وهذا التيار أعطى الدرسَ السوسيولوجي نفسًا جديدًا، بعد قتل الحدث والحركة الاجتماعيين من جانب الوضعية/ أو البنيوية، مع كل من أوغست كونت وإيميل دوركايم وكارل ماركس. وفق هذه المقاربة التحليلية الفهمية، يرى زيمل أن المجتمع يوجد بفعل حقيقة دخول الأفراد في علاقة تبادلية تحقق الإدماج الاجتماعي، بفضل مصالح حسية أو فكرية، مؤقتة أو دائمة، واعية أو غير واعية، فاعلة سببيًّا أو محفزة غائيًّا، في مشهد يحتوي/ أو يشهد مصالح يجب أن تتحقق. هكذا تصبح مهمَّةُ عالم الاجتماع استطلاعَ الممارسات السوسيولوجية لهذه الأشكال والمضامين الاجتماعية المختلفة، أو بصيغة أخرى، البحث في الأفعال المتبادلة التي تنتج الحياة والوحدة الاجتماعيتين. وعلى توجه موازٍ، يُقرّ فيبر بأن الفهم هو الواقع الإجرائي القاعدي للعلوم الاجتماعية، وإضافة إلى هذا فإنّ كلّ معرفة للواقع الثقافي هي دائمًا، محمولة بمنطلقات فردية (بمعنى أنها وجهات نظر)، على الخصوص فردية شخصية. بناءً على هذا التحديد، يتقاطع فيبر وزيمل في فكرة استحالة معرفة الواقع في شموله، لكن من وجهات نظر خصوصية فقط، ما يفيد الخلاف السوسيولوجي والميثودولوجي مع التصورات والأفكار البنيوية. وفي ما يخص الظاهراتية الاجتماعية، فإنها تصرح بأن الحقيقة الاجتماعية تتشكل من العلاقات البينية للأفراد، بين الفاعلين الاجتماعيين الذين يمنحون سلوكاتهم المعنى. كما يشدد هذا التيار على الاهتمام بمعرفة الحس المشترك؛ إذ يُعتبر اللوحةَ الخلفية للحياة الاجتماعية التي يجب مساءلتها. كما أن الفينومنولوجيا تهتم بدورها بالشيء في ذاته، لكنْ وفق معناه؛ أي المعنى الذي يتشكل وفق النشاط الواعي، وهكذا يكون إدراكُ تجربة الآخر في الحياة الاجتماعية على نحو عفوي أساسَ المعرفة الإنسانية والعلمية في آن واحد، انطلاقًا من التركيز على مناطق المعنى المحدد. إن علم الاجتماع الفهمي هو الوسيط التحليلي الوحيد، والقادر على سبر التجربة اليومية وفهم مخيالها؛ لكونه المقاربة الوحيدة القادرة على تقديم إجابات متعددة للظاهرة الاجتماعية، متجاوزًا التفسير الأحادي للحياة الاجتماعية، وهذا ما يسمح له بأخذ أكثر من وضعية للإصغاء للظواهر.

3. سوسيولوجيا الحياة اليومية

تُرى سوسيولوجيا الحياة اليومية أنها لحظة مفصلية في الدرس السوسيولوجي، وتجاوز نظري ومنهجي للتفسيرات الأحادية المغلقة، أو بصيغة أخرى التحليلات الوضعانية التي تحاول أن تجعل من المجتمع جملة من القوانين الاجتماعية الحتمية؛ إذ ينطلق هذا الحقل العلمي المُحدث من فرضية مؤداها أن القيم نسبية والسلوكات الاجتماعية متعددة، كما أنها تحتوي بعدًا رمزيًا وليس ماديًا فقط. إنه حقل يسعى لفهم

الحياة الاجتماعية فهمًا أعمق، بالنسبة إلى الفاعلين الاجتماعيين، بتبني موقف المشاركة والفهم في العملية التحليلية، مع الإشارة إلى أن المعرفة متعددة وحركية ومتناقضة؛ الأمر الذي يحيل به الواقع الاجتماعي كما هو، وهذا ما يفيد أن الحقيقة المطلقة الواحدة غير موجودة، وإنما حقيقة ما؛ من دون صفة الإطلاقية. إضافة إلى هذا، تقترح سوسيولوجيا الحياة اليومية الاهتمام المُكثف بالحس المُشترك؛ لأنه المنتج الأول للواقع الاجتماعي ونظرتنا إلى العالم. هذا الحس المشترك الذي يحمل في طياته مجموعًا من الصور الاجتماعية وذاكرة مخيالية غنية، وخطابًا أسطوريًا، يؤثث الحياة الاجتماعية. ولا يقتصر هذا الطرح على العلوم الروحية/ أو الاجتماعية، وإنما تجاوزها إلى العلوم الطبيعية؛ إذ لا يَنظر إلى العلاقة بين الإنسان والطبيعة على أساس سيطرة الأول على الثانية، بل من زاوية الصداقة والتعايش المشترك. نلاحظ أن هذا الفرع الاجتماعي الجديد انتصر إلى مجموعة من المواضيع التي كانت في خانة اللامفكر فيه في الدرس الكلاسيكي (الحداثي)، من قبيل قيمة الجسد والجانب الحسي في المشهد الاجتماعي، وكذا طقوس الحياة اليومية، إضافةً إلى رد الاعتبار للفاعلية الاجتماعية التي تنطوي عليها الجماعات الصغرى، من روابط جماعية عاطفية، وقوة خيالية رمزية. وعلى هذا الأساس تحاول سوسيولوجيا الحياة اليومية، التي تنتمي إلى نسق ما بعد الحداثة، الإمساكَ بالطريقة التي تقدم بها الظواهر نفسها، مع تسليط الضوء على المظاهر غير الواقعية للمخيال الاجتماعي فيها، وهدم أشياء من قبيل وجود قوانين اجتماعية ثابتة وحقيقة سوسيولوجية مطلقة.

ثانيًا: على أضواء أفكار المؤَ لَف

إن المقاربة التي يقدمها هذا المرجع، تعبر عن التفكير الذي نسجه الفكر ما بعد الحداثي، الذي يناقض مبدأ الثنائيات والفكر الحداثي المتأسس على الوجود المتناغم والمنسجم، المتمثل في شكل الصورة واللغة كتمثلات ذهنية قاعدية، من دون الوقوف عند الواقع بتعدديته، إضافةً إلى أن الزمان والمكان أصبحا عنصرين ثابتين ولا يمكن التفكير فيهما. فالحداثة في تصويرها لذاتها معرفيًا وممارسة، وأنها خارج المرجعيات التاريخية التقليدية، وكون المعرفة العلمية فيها وجودًا واعيًا متسقًا ومتناغمًا، تُكسِبُ الإنسان الألوهية العقلانية الوضعية، فضلً عن بُعده كل البعد عن الحس العاطفي والخيال. كما أن هذا المتن يقدم أطروحة بديلة في المنهج، داخل الدرس السوسيولوجي الذي هيمنت عليه الوضعية؛ فالمنهج في الفكر الحداثي يقوم على تغريب الحدث إثر سلبه حداثيته؛ بصيغة أخرى، قد يقوم بخلق حدث جديد، ربما لا يمتُّ بصلة إلى ما يجري في الواقع بصفته حدثًا مكونًا للظاهرة البحثية. أما النظرية، فهي مجموع القوانين العامة التي تحكم حركة التمثل في مسطّحه التي تحيل على الحدث ولا تحايثها بالضرورة. بمعنى أن الصورة هي نسخة إرشادية/ أو نسخة موضوعية/ أو امتداد موضوعي للواقع الحسّي المعيش. في هذا المقام المنهجي والنظري، نلمس تغييب عنصر الزمان والمكان في المعرفة الحداثية، في حين أنهما مقومان أساسيان للفهم والتفسير والنقد والتفكيك. وعليه، فإن الموقع المعرفي، الذي تنطلق منه الحداثة، هو كونها وحدة موحدة مع الرأسمالية، ترتكز على الكونية والشمولية من جهة، والذات

والموضوع في المقام الفوقي والوعي والمادة في المقام التحتي من جهة أخرى. وهذا ما يجعلها قائمة على التشكيل البرجوازي وأطواره اللاحقة للعالم، بهدف السيطرة عليه وتشكيله وفق شكل اجتماعي واقتصادي مُحدد، متخذًا فيه الحدث المعرفي زمنًا خطيًا تصاعديًا، كما أن الانتساب إليه يفرض على الذات أن تحتوي ذائقة حسية رأسمالية رمزية قابلة للتداول السلعي التبادلي. تولّد هذا الصنف من النظرية من بنية عميقة للتفكير الحداثي، المتمثل في المقولات الكونية للفكر الإنساني، التي استثمرها التصور البرجوازي لشرعنة هيمنته على أقطاب المعمورة كافةً، بزعم يؤكد فيه أن العالم وحدة موحدة، وأن العلم هو نتاج تجربة حضارية واحدة، تتجسد في الرجل الأوروبي الأبيض، مقابل إقصاء التعددية الحضارية والتاريخية والمنهجية، والتأكيد على أن العلم نسق مغلق، بعيد عن الآليات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وعليه، يُقرّ التفكير النظري التقليدي بأن الظواهر المعقدة التي تجسد وضعية ما، والمفاهيم النسقية التي تدمج فيها، خارجة عن نطاقه؛ لكونه فكرًا يفكر لذاته، مبدؤه الفردية المعزولة عن الصيرورة الواقعية.

الواقع.

المراجع

غراسي، فالنتينا. مدخل إلى علم اجتماع المخيال: نحو فهم الحياة اليومية. ترجمة محمد عبد النور وسعود المولى. سلسلة ترجمان. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 018.2 ناشف، إسماعيل. العتبة في فتح الإبستيم. ط.2 بيروت: دار الفارابي،.2014

هوركايمر، ماكس. النظرية التقليدية والنظرية النقدية. ترجمة مصطفى الناوي. مراجعة مصطفى خياطي. الدار البيضاء: عيون المقالات،.1999

استنادًا إلى الانتقادات التي شكلت المتن السالف، وتبيان أن الحداثة أزمة معرفية، استأنف العقل الإنساني التفكير في التفكير نحو مداخل جديدة تتداخل فيها أربعة أقطاب فاعلة، هي: موضوع البحث، والباحث، والواقع الاجتماعي كتراكم تاريخي، والكل الاجتماعي الآني. وهذا ما جعل الذات تصب اهتمامها حول الانعتاق من عِقال الموضوعي ونسق الثنائيات، والعمل على فتح مداخل إبستيمية كآفاق مُحدِثة للتفكير وإنتاج المعرفة تعيد تعريف وصياغة العلاقة بين الذات والموضوع.

ختامًا، يوقفنا الربط التركيبي للمعاينة الواقعية (الإدراك) بالبنية المفاهيمية النظرية عند الإشكال المحوري للنظرية المعرفية؛ من جهة أنها ترتكز في مسلماتها ودعامتها على المنطق النظري على نحو محض، من دون الرجوع إلى العمليات والديناميات الاجتماعية، وأنها قاصرة عن تقديم وجهة نظرٍ أو فهمٍ سوسيولوجي للواقع الملموس واليومي، وفتح آفاق لوضع فرضيات احتياطية تسمح بالتجاوب مع المجتمع ومخياله، وتجاوز التعديل الجذري للنسق النظري. وبذلك، وجب على النظرية، باعتبارها نسقًا مفاهيميًا مجردًا، أن تتماشى والبراكسيس الاجتماعي؛ الأمر الذي يترتب عليه مفارقة بين الانسجام العقلي ومقاصد

References