العودة إلى تفاصيل المؤلَّف قضايا في تطوّر العلوم الاجتماعية في العالم العربي

قضايا في تطوّر العلوم الاجتماعية في العالم العربي

The Development of Social Sciences in the Arab World

إيليا زريق | Elia Zureik *

الملخّص

تهدف هذه الدراسة إلى تقييم البحث المعاصر في العلوم الاجتماعية العربية، مع التركيز على القضايا المنهجية في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا. تبيّن الدراسة أنَّ العلوم الاجتماعية العربية تعاني اعتمادية مفرطة على المفاهيم المستمدة من تجربة المجتمعات الغربية، كما أنّ الأبحاث المنشورة تعتمد اعتمادًا كبيرًا على المناهج الكيفية في البحث وعلى دراسات الحالة. تُرجع الدراسة القصور الذي يعانيه الإنتاج العربي في العلوم الاجتماعية والإنسانية، أساسًا، إلى التسلطيّة وغياب الديمقراطية في أنظمة الحكم العربية، وهو العامل الذي يجبر الباحثين العرب على تجنب بحث القضايا المهمّة والإشكاليّة مثل قضايا التنوع الثقافي والإثني. وعلى الرغم من ذلك، تشير الدراسة أيضًا إلى جهود عربيّة بحثيّة مهمّة درست اتجاهات الرأي العام العربي، والتحولات الديموغرافية، والاستعمار والرقابة وغيرها. تختم الدراسة بالكشف عن كيفية استفادة الحكومات الغربية من الباحثين الغربيين للتدخل في شؤون العالم الثالث، وهو ما يعتبر خرقًا للمعايير الأخلاقية للبحث العلمي.

Abstract

Professor Emeritus in Sociology at Queen’s University, Kingston, Ontario, Canada.

الكلمات المفتاحية:
  • العلوم الاجتماعية
  • المنهج الكمي
  • البحث الإثنوغرافي
  • أخلاقيات البحث
Keywords:
  • Social Sciences
  • Quantitative and Qualitative Methods
  • Ethnographic
  • research
  • Research Ethics

ملخص: تهدف هذه الدراسة إلى تقييم البحث المعاصر في العلوم الاجتماعية العربية، مع التركيز على القضايا المنهجية في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا. تبيّن الدراسة أنَّ العلوم

الاجتماعية العربية تعاني اعتمادية مفرطة على المفاهيم المستمدة من تجربة المجتمعات الغربية، كما أنّ الأبحاث المنشورة تعتمد اعتمادًا كبيرًا على المناهج الكيفية في البحث وعلى

دراسات الحالة. تُرجع الدراسة القصور الذي يعانيه الإنتاج العربي في العلوم الاجتماعية والإنسانية، أساسًا، إلى التسلطيّة وغياب الديمقراطية في أنظمة الحكم العربية، وهو العامل

الذي يجبر الباحثين العرب على تجنب بحث القضايا المهمّة والإشكاليّة مثل قضايا التنوع

الثقافي والإثني. وعلى الرغم من ذلك، تشير الدراسة أيضًا إلى جهود عربيّة بحثيّة مهمّة

درست اتجاهات الرأي العام العربي، والتحولات الديموغرافية، والاستعمار والرقابة وغيرها. تختم الدراسة بالكشف عن كيفية استفادة الحكومات الغربية من الباحثين الغربيين للتدخل في

شؤون العالم الثالث، وهو ما يعتبر خرقًا للمعايير الأخلاقية للبحث العلمي.

Abstract: This study evaluates contemporary research in Arab social sciences, with an emphasis on methodological issues in sociology and anthropology. It shows that Arab social science continues to suffer from dependence on the experience of Western societies and the concepts that are generated from such experience. The paper discovered that published Arab social science research relies heavily on qualitative studies and the case study approach. The limitations on the development of Arab social science have their origins in the authoritarian and non– democratic nature of Arab governance. This fact compels Arab social scientists to avoid researching important and controversial topics such as divorce, multiethnic relations and the role of race in Arab society. Having said this, the study pointed out the presence of important research that deals with public opinion, demography, colonialism and surveillance. The study concludes by demonstrating that Western governments utilize their social scientists to intervene in the affairs of third world regions in violations of basic ethical norms of research.

شتاء   Winter 2020

مقدمة

تقول عالمتا الاجتماع الجزائريتان سهى حمزاوي وسامية كواشي: «تعود الأزمة الحالية لعلم الاجتماع إلى تباين الاتجاهات النظرية والمنهجية في هذا العلم، حيث يؤكد المفكرون بهذا الصدد على أنّ البحوث والدراسات الاجتماعية تعاني غياب الطرح السوسيولوجي الدقيق، مما أدى إلى ظهور أزمة انفصال الفكر والنظرية عن واقع وخصوصيات مجتمعات العالم العربي». يتناول هذا الاقتباس مشكلة علم الاجتماع في العالم العربي، بالاعتماد على نحو كبير، كما سنشير لاحقًا، على العلوم الاجتماعية الغربية. ووفقًا للدراسة المقتبس منها، يعاني تطور علم الاجتماع العربي ما لا يقلّ عن ثماني مشكلات رئيسة، معظمها مألوف للباحثين في هذا المجال. يكمن الانتقاد الرئيس لعلم الاجتماع العربي في انفصال العلوم الاجتماعية العربية عمومًا عن السياقات

التي تعكس التجارب التاريخية والحاضرة للشعوب العربية. ويؤكد معظم المعلّقين أن علم الاجتماع العربي يقترض مفاهيمه من الغرب وينسخها عنه، وغالبًا ما يتجاهل حقيقة أنّ علم الاجتماع الغربي

يعكس في المقام الأول، التطورات الأوروبية في المجالات السياسية والثقافية والاقتصادية. كما أن المجتمعات الغربية في القرنين التاسع عشر والعشرين، التي عاش خلالها الآباء المؤسسون لعلم الاجتماع الغربي، من أوغست كونت وكارل ماركس إلى إميل دوركهايم وماكس فيبر، كانت متأثرة بالخلفية الصناعية والفلسفية للتجربة الأوروبية. تنتظم الدراسة، من خلال نقاش موجز، في عشرة محاور، أول: العلاقة بين العلوم الاجتماعية والإنسانية؛ ثانيًا: النقاش بشأن المعرفة التاريخية؛ ثالثًا: نبذة عن جذور علم الاجتماع والأنثروبولوجيا في الغرب؛

رابعًا: مقارنة المنهج الكمي والنوعي في الدراسات الاجتماعية للعالم العربي؛ خامسًا: استطلاعات

الرأي العام: دراسات كميّة؛ سادسًا: البحث الإثنوغرافي؛ سابعًا: إنتاج المعرفة في العلوم الاجتماعية

في العالم العربي؛ ثامنًا: إنتاج المعرفة في ظل الاستعمار وأنظمة المراقبة والعامل الديموغرافي: صوغ المفاهيم؛ تاسعًا: دور اللغة في التوثيق وجمع المعلومات عبر الفضاء الإلكتروني؛ عاشرًا: أخلاقيات

البحث الاجتماعي.

أولا: العلاقة بين العلوم الاجتماعية والإنسانية

للعلوم الإنسانية تاريخ عريق يستمد إيحاءَه من الفلسفة اليونانية القديمة، ومن بعدها الفلسفة الإسلامية،

ثم عصر التنوير. تهدف العلوم الإنسانية إلى التوصل إلى تقويم يتّسم بالحكمة، ويقصد بالحكمة هنا

أن على الباحث أن يكون على مستوى فهم عميق، وذا تفكير تأملي وانعكاسي thought Reflexive، ما يؤهّله للمساهمة في بناء مجتمعه المدني ومعالجة ما يُسمى «الأسئلة الكبرى» questions Big التي

(((يشكر المؤلف الدكتورة إنعام شرف على ترجمتها القسم الأكبر من هذه الدراسة. والشكر لمنى حسن لتجميع بعض الإحصاءات الواردة فيها، وللزميل عبد الحفيظ حسين لإشرافه على الإنتاج الفني للدراسة. (((سهى حمزاوي وسامية كواشي، «إشكالات علم الاجتماع في العالم العربي: قراءة تحليلية لاعترافات بعض علماء الاجتماع

العرب»، مجلة العلوم الإنسانية والاجتماعية، العدد 28 (آذار/ مارس 2017)، ص.91

قضايا في تطوّر العلوم الاتج ماعية فيالعالم العرب

تواجهها الإنسانية. بيد أنه ابتداءً من القرن التاسع عشر، سجّل بروز المنهجية الوضعية وسطوة العلوم

الطبيعية تأثيرًا بالغًا في تطور العلوم الاجتماعية واستخدام تحليلات كمية تقوم على تقنية الإحصاء

والتنبؤ. Correlation coefficients وعوامل الارتباط أدّى تطور العلوم الاجتماعية في علم الاجتماع والاقتصاد والسياسة خلال النصف الثاني من القرن

العشرين دورًا مهمًا في توجه صانعي القرارات والسياسات نحو الاستعانة بالعلوم الاجتماعية. أما

العلوم الإنسانية، فتعتمد على موضوعات الفلسفة واللغات والتاريخ والآداب في تتبع منهجية تفسيرية نقدية وإثنوغرافية وسيمائية Semiotics، آخذةً في الحسبان ما يُسمى السلوك العادي واليومي للفرد

experience Everyday، لكن، كما نشير في تعليقٍ لاحق، بقي تأثير العلوم الإنسانية في المجال السياسي والنقاش العام هامشيًا. أدى هذا التمييز المنهجي إلى هيمنة العلوم الاجتماعية على الإنسانية، وهذا أمر ليس حتميًا، إنما

يمكن معالجته، كما يظهر ذلك في الأدبيات الحديثة من خلال منطلقٍ تحليلي شامل يوفق إلى حدٍ ما بين الاثنين. ولعلّ أهم التطورات في هذا المجال هو انتشار ما يسمى منهجية ما بعد الحداثة

. Postmodernism

يتجسّد الفصل ما بين الإنسانيات والعلوم الاجتماعية في تباين السبل بينهما للوصول إلى المعرفة

وفهم الوضع الإنساني. فتركز الجهود في العلوم الاجتماعية على فهم العلاقات السببية بين الظواهر الاجتماعية واستكشافها، وذلك من خلال تبنّي منهج وضعي – تفسيري، وهو منهج تجريبي مستنبط من العلوم الطبيعية. ويمكن التمييز في العلوم الاجتماعية بين ثلاثة تصوّرات للفرد: الإنسان الاجتماعي

Homo والإنسان السياسي Homo economicus والإنسان الاقتصادي Homo Sociologicus Politicus. وتُوِّج البحث في التصوّرات الثلاثة بولادة الاختصاصات الرئيسة في العلوم الاجتماعية:

علم الاجتماع وعلم الاقتصاد والعلوم السياسية. في المقابل تتميز الإنسانيات، وهي تشمل التاريخ والآداب وتحليل الخطاب analysis Discourse والأنثروبولوجيا الثقافية والفلسفة واللسانيات والفنون الجميلة، بمقاربات نظرية مبنيّة على التأويل والنظرية النقدية ودراسة النصوص وفحصها ونقدها. لا تسعى هذه الدراسة للتركيز على المساهمة الأوروبية في المعرفة الإنسانية والاجتماعية فحسب، بل

تأخذ في الحسبان مساهماتٍ أخرى، بما فيها المساهمة العربية في أفق تمكين الباحثين من الوقوف على المساهمة الشمولية وتنسيب الهيمنة الغربية في مجال الدراسات الإنسانية والاجتماعية. يعود التوتر القائم بين الإنسانيات والعلوم الاجتماعية خلال فترة تشكيل العلوم الاجتماعية والإنسانيات في أوروبا إبان القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، إلى أنّ العلوم الطبيعية كانت قدوة الدراسات الإنسانية والاجتماعية، حيث اعتمدت هذه الأخيرة المقاربات المنهجية نفسها. ولعل ذلك هو ما يفسّر الإلحاح

على المناهج الكمية في التوصل إلى المعرفة، وهو ما أدى تدريجيًا إلى تبنّي العلوم الاجتماعية مقاربة

طبيعية – «علموية» وكونية لإنسان. ووُصف هذا التحوّل من أحد الدارسين بأنه تم على حساب

الإنسانيات. ويثير أنطوان نصري مسرّة هذه الإشكالية في فهم جدوى الإنسانيات وقدرتها على مواكبة

شتاء   Winter 2020

التحول نحو المنهج الطبيعي – التجريبي في العالم الأكاديمي عمومًا، وذلك حين يسأل: «هل العلوم

التي يُطلق عليها علومًا إنسانية، والتي تُلقّنها كبريات الجامعات في العالم، هي فعل إنسانية؟ ثمة

مجموعة عوامل تؤثر سلبيًا في إنسانية العلوم الإنسانية: المنحى الأكاديمي السائد، والثقة العارمة بدقّة

علوم الطبيعة وفاعليتها، والتوجّه نحو حصر العلوم الإنسانية في منهجيات كمّية، وبيروقراطية البحث،

وتراجع تدريس الإنسانيات في التعليم ما قبل الجامعي مع طغيان الفروع العلمية». في النصف الثاني من القرن العشرين، استعادت العلوم الاجتماعية إلى حدٍّ ما الاهتمام بالمركزية

الإنسانية التي لا تنضبط مع النموذج المنهجي للعلوم الطبيعية، فأ عيد الاعتبار إلى المعنى – القيمة والتفكير النقدي الفاعل والإصرار البشري باعتبارها عوامل مؤثرة في صيرورة المجتمعات الإنسانية وتطوّرها، وكان أثر إعادة الاعتبار هذا واضحًا في علم الاجتماع والعلوم السياسية والأنثروبولوجيا،

وإلى حدٍّ ما الاقتصاد.

ثانيًا: النقاش بشأن المعرفة التاريخية

يُصنَّف علم التاريخ ضمن الإنسانيات، وهو التخصص الذي يُناط به حفظ الذاكرة، والذاكرة الجماعية

تحديدًا. ويرى أحمد سعدي وليلى أبو لغد أن «الذاكرة هي من الأسلحة القليلة المتبقية لمن سار موج التاريخ ضدّه». هذا لأن التاريخ في الغالب هو «تاريخ المنتصرين»، كما يتباهى تشرشل، وهو

ما يدفعنا إلى التساؤل عن «من يكتب التاريخ فعل.»ً؟ حين انتشرت أدوات التواصل الاجتماعي media Social والأرشفة العلمية، استطاع كثيرون أن يكتبوا التاريخ من «الأسفل»، أي إن كتابة التاريخ بدأت تأخذ في الحسبان تصوّرات «المنهزم» أو «المحكوم»،

مثل ما كتبه الحاكمون والمنتصرون سابقًا، وعندئذ، بات من الممكن أن يكتب المغلوبُ على أمرِه

التاريخَ. وخلافًا للنظرة السائدة إلى التاريخ، التي تقتضي قراءة سطحية فوقية لتسلسل الأحداث عبر الأزمنة والأماكن، ركّز مفكرون من أمثال ميشيل فوكو Foucault Michel على الانقطاع التاريخيّ،

وشددوا على التغييرات المفصلية الدقيقة التي ميّزت القرن الثامن عشر مع إدخال الإصلاحات التنظيمية

إلى السلك التعليمي والمستشفيات والنظام الضريبي. أبرز فوكو أن الإصلاحات هذه كلها هدفت إلى أن «تهذّب» Discipline المجتمعات الخاضعة من خلال إجبار أفراد المجتمع على التصرف بسلوك يسمح بالتسلّط عليها. وعلى الرغم من أن فوكو لم يتناول في دراساته المجتمعات الخاضعة للاستعمار، فإن هناك الكثير من الأمثلة عن باحثين استطاعوا

(((أنطوان نصري مسرّة، «كيف تكون العلوم الاجتماعية …إنسانية؟ مفاعيل البعد الإنساني في الاندماج الاجتماعي وفاعلية

البحث الاجتماعي»، في: جدليات الاندماج الاجتماعي وبناء الدولة والأمة في العالم العربي (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2014)، ص.48–39

(4) Ahmad H. Sa’di & Lila Abu–Lughod, «Introduction: The Claims of Memory», in: Ahmad H. Sa’di & Lila Abu– Lughod (eds.), Nakba: Palestine, 1948, and the Claims of Memory , Series Cultures of History (New York: Columbia University Press, 2007), p. 6.

قضايا في تطوّر العلوم الاتج ماعية فيالعالم العرب

أن يُطبّقوا منهجياته في بلدان خضعت للاستعمار، ولعل أشهر هؤلاء تموثي ميتشل الذي نشر كتابًا

صغيرًا بعنوان استعمار مصر، ساهم في رفع مستوى فهم العالم لطريقة سيطرة الإمبراطورية

البريطانية على أجزاء واسعة من العالم، وأظهر كيف تمك نت من التحكم في المجالات الخاضعة

لها. واستفاد التأريخ المتأخر من الروايات والسرديات المعاكسة، أي التي نُس جَت من المُهمّشين في

التاريخ، ويقدم تأريخ القضية الفلسطينية مثال واضحًا على ذلك: التاريخ الفلسطيني حافل بالمصادر

الشفوية والروايات المأخوذة من الذاكرة الجماعية التي قد تساهم في دحض الفهم الغربي والإسرائيلي السائد بشأن ما حصل في فلسطين.

ثالثًا: نبذة عن جذور علم الاجتماع والأنثروبولوجيا في الغرب

نعرض هنا إيجازًا عامًّا لتطوّر العلوم الاجتماعية، خصوصًا علم الاجتماع والأنثروبولوجيا في العالمين

الغربي والعربي، ونُوض ح أن هناك جذورًا اجتماعية تحكم تطور الإنتاج المعرفي في هذه الحالات

وما قبلها، تمتد إلى الثورة الفرنسية. وكان لهذا الحراك الاجتماعي أثرٌ في بروز شخصيات شبه

تكنوقراطية، نذكر منها سان سيمون، وأوغست كونت الذي أطلق على علم الاجتماع لقب «ملك العلوم»، والمرجعية لهذا اللقب هو أن علم الاجتماع دراسةٌ شاملة للمجتمع تمسّ الجانب الاقتصادي

والسياسي والعلاقات بين الأفراد والجماعات. تبنّى القرن التاسع عشر، إلى حدٍّ بعيد، في أوروبا نموذج الدراسات الطبيعية، بما فيها استخدام

الرياضيات والأدوات الكمّية، مثل الإحصاء، في فهم الميدان الاجتماعي. ومن الأسماء التي لمعت في

تلك الفترة نذكر الإنكليزيين كارل بيرسون Pearson Karl (1936–1857) وفرانسيس غالتون Frances

Galton (1822–1911)، وكان كلاهما ناشط ا في تأسيس ما يسمى حملة تحسين النسل Eugenics. أدّت هذه التطورات إلى تأسيس المنهجية الوضعية باعتبارها ركنًا للعلوم الاجتماعية كلها، كما أوضح

مسرّة، حيث لا يزال هناك حتى الآن تنافسٌ بين ما يسمى العلوم الاجتماعية والعلوم الإنسانية، لكن

حدّة هذا التنافس تقلّصت، خصوصًا مع انتشار مدرسة «ما بعد الحداثة.» أمّا الأنثروبولوجيا التي تُعتبَر من أقدم العلوم الإنسانية التطبيقية، فأدّت دورًا مهمًا في تقديم دراسات

وتحليلات متعلقة بالمناطق النائية والمجتمعات البدائية، وركّزت في عقودها الأولى على تثبيت هرم

بشري تسلسلي بالنسبة إلى المقدرة والذكاء والموهبة. واحتلّ الرجل الأبيض المكان الأعلى في

هذا الهرم، ووُض ع في أسفله الرجل الأسود والسكان الأصليون people Indigenous الذين وُصموا

بالنقصان الشخصيّ والذهنيّ. وفي أواخر القرن التاسع عشر، برزت مجموعةٌ من الأنثروبولوجيين

اعترضت على وجود هرم كهذا، وبغض النظر عن الفوارق البيولوجية بين البشر، أكدت هذه المجموعة أن البشر انحدروا من المصدر البيولوجي نفسه، وأخذ النقاش طابعًا سياسيًا عندما تدخّلت لجنة الأمم

(5) Timothy Mitchell, Colonizing Egypt (Cairo: American University of Cairo Press, 1988). (6) Elia Zureik, «Constructing Palestine through Surveillance Practices,» British Journal of Middle Eastern Studies , vol. 28, no. 2 (2001), pp. 205–227.

شتاء   Winter 2020

المتحدة لحقوق الإنسان ودعت لجنة خبراء كي يبحثوا في الموضوع، وقرروا أن البشرية نبعت من مصدر واحد، وأن أيّ ادّعاء آخر يُعتبَر سندًا للعنصرية. يتمثل أحد الفوارق بين الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع في دور الأنثروبولوجيا في دراسة المجتمعات البدائية وغير المتطوّرة في القرن السابع عشر وما بعده. وكانت الفرضية الأساسية التي تبنّاها

الأنثروبولوجيون قد قامت على وجود توازن Equilibrium بين المؤسسات الاجتماعية يضمن التناسق بينها وبين الاستقرار في المجتمع كله، هذا ما يسمى «الهيكلية الوظيفية» Functionalism Structural التي نراها أيضًا في علم الاجتماع. أمّا المشكلة الرئيسة في هذا السياق، فهي أن التعديلات الجديدة

التي أُجريت في بنية المؤسسات الاجتماعية اعتُبرت خرقًا وشذوذًا عن النمط الاعتيادي؛ لذلك وُصف

أيّ تغيير في توزيع أدوار أفراد العائلة، أو في النظام التعليمي والسياسي السائد، بأنّه شذوذٌ اجتماعي. ساهمت الأنثروبولوجيا بصورة خاصة في إبراز العرق باعتباره مؤشرًا أساسيًا لتعريف البشر من ناحية

كفاءاتهم وعلى مستوى حضاري. ومع أن هذا الجدل لم يحتل المكان الرئيس في العلوم الإنسانية، بقي له تأثير ملحوظ في المستويين السياسي والفكري العام. أمّا الظاهرة المهمة التي ميّزت الأنثروبولوجيا،

فهي أنها ترعرعت في ظل الاستعمار، واعتبارًا من القرن الثامن عشر وما بعده، ساهمت في خدمتها

الكولونيالية والاستعمار في فترة التوسع الأوروبي في العالم الثالث. حرص أبرز علماء الأنثروبولوجيا على خدمة سياسات دولهم المستعمِرة، مثل إيطاليا وفرنسا وألمانيا وبريطانيا وغيرها، بغرض تأمين الوجود الأوروبي في المجتمعات البدائية. واستثناء أميركا الشمالية من هذه التطورات لم يكن قطعيًا، حيث ساهم علماء الأنثروبولوجيا الأميركيون مباشرة في السيطرة

الفدرالية على الهنود الحمر والسود، وفي توسّعهم الاستعماري ابتداءً من القرن التاسع عشر.

رابعًا: مقارنة المنهج الكمي والنوعي في الدراسات الاجتماعية للعالم العربي

على الرغم من الشعبية الأخيرة التي نالتها الدراسات النوعية في العلوم الاجتماعية في الغرب، فإنها كثيرًا ما احتلّت مكانةً في علم الاجتماع، بما في ذلك علم الاجتماع العربي. ويُذكّرنا عالم الاجتماع

الأميركي هوارد بيكر بأن الدراسات النوعية ظهرت أول مرة في الولايات المتحدة منذ أكثر من ستة عقود. وفي إمكان علم الاجتماع العربي أن يفخر بتقاليد غنية في العلوم الاجتماعية النوعية، مثل عمل عالم الاجتماع العراقي علي الوردي على سبيل المثال، حيث سار الوردي على خُطى المفكر

(7) Talal Asad, Anthropology and the Colonial Encounter (London: Ithaca Press, 1973). (8) H. S. Becker, «The Epistemology of Qualitative Research,» in: R. Jessor, A. Colby & R.A. Schweder (eds.), Ethnography and Human Development: Context and Meaning in Social Inquiry (Chicago/ London: University of Chicago Press, 1996), pp. 53–72.

(((علي الوردي، دراسة في طبيعة المجتمع العراقي: محاولة تمهيدية لدراسة المجتمع العربي الأكبر في ضوء علم الاجتماع

الحديث (بغداد: دار الوراق للنشر، 1965)؛ حميد الهاشمي، «على الوردي والتأصيل الخلدوني لعلم الاجتماع في الوطن العربي»،

إضافات، العدد 19 (صيف 2012)، ص.48–39

قضايا في تطوّر العلوم الاتج ماعية فيالعالم العرب

العربي ابن خلدون في القرن الرابع عشر، واستكشف التفاعل بين الحضر والرُّحل، وتأثيرهما في تنمية

الشخصية الفردية والحياة المجتمعية في العراق. وكما يشير محمد بامية، ركّز الوردي على استخدام

«منهجية الحوار التي هي أقرب إلى تقاليد المجتمع العربي التقليدي، بدل من الاعتماد على منهجية المقابلات والمسوحات الميدانية». في المثل، هناك دراسات قيّمة بشأن الحياة الريفية من عالم الأنثروبولوجيا المصري حامد عمّار

)2014–1921( الذي حلّل القيم والشخصية في الريف المصري. وإلى وقت ليس ببعيد، كانت الدراسات المجتمعية النوعية في الهلال الخصيب ومصر وشمال أفريقيا تمثّل الجزء الأكبر مما ورد في العلوم الاجتماعية العربية. في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، أ دخلت العلوم الاجتماعية التطبيقية التي تشمل جمع الإحصاءات الاجتماعية، إلى العالم العربي باعتبارها جزءًا من المتطلّبات الإدارية للاستعمار الغربي

الذي كان يحتل المنطقة. وبعد الاستقلال السياسي في النصف الأول من القرن الماضي، توسع علماء الشعوب المحلية والنخبة الحاكمة في استخدام تقنيات البحوث التطبيقية لتلبية الحاجات البيروقراطية والتعليمية في الدول الوليدة. لكن هذا لم يحدث حتى عام 1960 عندما بدأ علماء الاجتماع العرب الدارسون في الغرب في تجربة المنهجيات الوضعية بطريقة مستدامة وإجراء بحوث المسح للكشف عن المواقف العامة والتوجهات المتعلقة بالشؤون الراهنة ومسائل السياسة العامة. على الرغم من أن ذلك تزامن مع فترة كانت فيها المدرسة الوضعية Positivism تتعرض للهجوم في الدراسات الغربية، فإن إجراء بحوث المسح الكمي في العالم العربي استمر إلى حدٍّ بعيد من دون إيلاء المشكلات التي أثارها هذا المنهج اهتمامًا كافيًا. وهنا برزت مجموعتان مختلفتان من المشكلات،

تتعلق الأولى بمناطق العالم الثالث، بينما تأخذ الثانية طابعًا نظريًا مركّزةً على الجدل الإبستيمولوجي

المتعلق بالادّعاءات الموضوعية والمعرفية. أمّا بخصوص المجموعة الأولى، فهناك ثلاث مشكلات أساسيّة: تتمثّل الأولى في النظر في معنى

«الجمهور» في سياق العالم النامي، أو حتى العالم المتقدم إلى حد ما؛ فالفكرة القائلة إن هناك جمهورًا

قابلً لإجراء البحوث المسحية عليه، يمثّل في حدِّ ذاته إشكالية في المجتمع العربي. إن الإجابة عن أسئلة أي مقابلة، تفترض أن يكون هناك قدرٌ من الثقة والسريّة بين السائل والمسؤول، وأن تكون

آراء الفرد الذي يُسأل، تتعلق قدر الإمكان بالحياة العامة. وفي المجتمعات التي لم، ولا، يشعر فيها

(10) Mohammed Bamyeh, Social Sciences in the Arab World: Forms of Presence (Beirut: The Arab Council for Social Sciences, 2015), p. 10. (11) Hamed Ammar, Growing Up in an Egyptian Village (London: Routledge; Kegan Paul, 1954). (12) A. Lutfiyya & C. Churchill (eds.), Readings in Arab Middle Eastern Societies and Cultures (The Hague: Mouton and Co., 1970). (13) M. Suleiman, «Challenges and Rewards of Survey Research in the Arab World: Problems of Sensitivity in a Study of Political Socialization,» in: M. Tessler et al. (eds.), The Evaluation and Application of Survey Research in the Arab World (Boulder, CO: Westview Press, 1987), pp. 57–65.

شتاء   Winter 2020

الجمهور، إلى حدٍّ بعيد، بأن ليس له أي تأثير في مجريات الأحداث، فإن المواطنين، للأسف، لا يرون أي فائدة من استكشاف آرائهم. إضافة إلى ذلك، وبسبب الافتقار إلى الثقة بين المسؤولين والجمهور بوجه عام، هناك اتجاه سائد بين هذا الأخير يدعو إلى التشكيك في الذين يسعون على نحو فردي للحصول على معلومات أوليّة،

وذلك خوفًا من أن هذه المعلومات قد تُعرّضهم للخطر. وعلى حد سواء، يشك ك المسؤولون في

البيانات التي تُجمع على نطاق واسع خشية أن تكشف هذه البيانات عن معلومات حسّاسة تشكل

تهديدًا لشرعية النظام. ثانيًا، تتعلق مشكلة البحث الاستقصائي الواسع في مناطق العالم الثالث، عمومًا، بنزاهة العالم

الإحصائي وتمثيله، الذي يتم منه اختيار ما يسمى «الجمهور». وفي غياب البيانات العددية الموثوقة وعدم الوصول الحر إلى هذه المعلومات من أجل التحقق من العيّنات الموثوق بها ومن وضعها، فإنه

يصعب الشعور بالثقة بالنتائج التي تستند إلى البحوث الكمية وحدها. أمّا المشكلة الثالثة، فتكمن في أنّ من يقوم بجمع بيانات الرأي العام والبحوث الاستقصائية هو

في الأساس مؤسسة فردية، ومنهجيتها راسخةٌ أيضًا في الفرديّة، حيث يُطلب من الناس التعبير عن

آرائهم على نحو فردي. وفي مجتمع تكون فيه القيم الجماعية متجذّرة بعمق ويكون الكل فيه، إذا أردنا توظيف استعارة مفهوم غستالت Gestalt في النظرية الغشتالية، يفوق أجزاءه الفردية، فإنّ من الصعب استخدام الاستجابات الفردية المجمعة إحصائيًا لرسم صورة جماعية. هذا جزء مما اعتبره

سي. رايت ميلز في دراسته النقدية بشأن المدرسة التجريدية التطبيقية empiricism Abstracted في العلوم الاجتماعية الغربية، التي كان يعني من خلالها إجراء البحوث الكمية من دون إيلاء السياق التاريخي والطبيعة الاجتماعية التي يمتاز بها الإنسان الاهتمام الكافي. إحدى الطرائق لتصحيح هذه المشكلات هي إضفاء طابع السياق على مشكلة البحث المعنية، واستكمال البحوث الاستقصائية بالمقابلات المتعمقة، وجمع، في حال كان ذلك ممكنًا، البيانات الكمية مع

البيانات النوعية والإثنوغرافية من خلال دمج الأدلّة الرمزية والثقافية في البيانات التي جُمعت.

وبعبارة عالم الاجتماع المصري سعد الدين إبراهيم: «ومن بدائل [المنهج القائم على الغرب] أن تأخذ المجموعة بوصفها وحدة التحليل في البحوث الاستقصائية، لأن الفرد في المجتمعات التقليدية أو الحديثة قد لا يشكّل وحدة صنع القرار. وربما لا يجوز للفرد أن يبادر في العمل. ولا يجوز له أو لها

(14) S. Tamari, «Problems of Social Science Research in Palestine: An Overview,» Current Sociology , vol. 42, no. 2 (1994), pp. 67–86. (15) Suleiman. (16) S. Ibrahim, «The Agony and Ecstasy of Survey Research in the Arab World,» in: Tessler et al. (eds.), pp. 27–34. (17) C. Wright Mills, The Sociological Imagination (Oxford: Oxford University Press, 1999). (18) Tamari; Anthony Giddens, The Constitution of Society: Outline of the Theory of Structuration (Berkeley/ Los Angeles: University of California Press, 1984).

قضايا في تطوّر العلوم الاتج ماعية فيالعالم العرب

أن يكونا أحرارًا. وفي هذا الصدد، فإن الفرق بين المجتمعات الغربية والعربية هو متساوٍ في الدرجة

أكثر منه في النوع، ولكن من الرائع بما فيه الكفاية، التشكيك في الافتراض القائم على أن الفرد يشكل دائمًا الوحدة الأنسب للتحليل. ويجب النظر في البدائل، مثل استخدام شبكة اجتماعية أو نوع آخر

من المجموعات».

خامسًا: استطلاعات الرأي العام: دراسات كميّة

كانت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 الحافز الرئيس لإجراء دراسات استقصائية واسعة للرأي العام في الشرق الأوسط، حيث برز فيها الشرق الأوسط والعالم العربي على وجه الخصوص إعلاميًا

على نحو جليّ. هذا لا يعني أن الاهتمام بالشرق الأوسط كان غائبًا تمامًا عن مثل هذه الدراسات،

فعلى سبيل المثال، نشط مركز غالوب Gallup في إعداد تقارير عن دراسات عرضية تتناول الرأي العام في الشرق الأأوسط. كذلك جامعة ميتشيغان من خلال استطلاعاتها بشأن القيم العالمية Values World Survey، وجامعة ميريلاند، ومركز بيو للأبحاث Center Research Pew وجهات أخرى كثيرة. كانت المفاوضات التي رعتها الحكومة النرويجية في أوسلو بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية،

والتي بدأت في عام 1991، قد دفعت إلى إجراء مسوحات داخل المنطقة وخارجها، وشهدت الضفة الغربية على سبيل المثال، إنشاء المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية. كما يوجد في أوروبا وأستراليا مراكز أبحاث مماثلة. ومثّل اندلاع الثورات العربية منذ عام 2011 عاملً آخر وراء الاهتمام بالمسح الإقليمي، ليشهد قياس الرأي العام العربي تطوّرًا كبيرًا من خلال اتحاد Consortium

الجامعات ومراكز الأبحاث الأميركية. كما يُعدّ المؤشر العربي الذي أسسه المركز العربي للأبحاث

ودراسة السياسات في الدوحة، واحدًا من أكثر الجهود المنهجية في قياس الرأي العام العربي، وذلك من خلال مقابلات شخصية مع عيّنات تمثيلية إحصائية في سبع دول عربية، مع العلم أن المسح

يجرى سنويًا منذ عام 2011 ويغطي دولً عربية عدة تصل إلى 11 دولة. ويركز المؤشر على قضايا

مهمة اليوم، مثل الربيع العربي، وصعود تنظيم الدولة الإسلامية، والدعم العربي للديمقراطية، ووصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، ومحاولات تطبيع العلاقات بين الدول العربية وإسرائيل، وتأثير الدين في المواقف العربية، والمواقف تجاه الدول الإقليمية بما فيها إيران وتركيا، والحرب في سورية وغيرها من الموضوعات. تزيد أحجام عيّنات هذه الاستطلاعات على 4000 حالة، إن لم يكن أكثر. وفي حالات معيّنة، بلغ على

سبيل المثال، مجموع العيّنة التي تمثل اللاجئين السوريين 5267 شخصًا، موزعين بين تركيا ولبنان

والأردن والمنطقة المجاورة لتركيا في سورية. واشتمل ذلك على إجراءات معقّدة لأخذ عيّنات من

الممثلين، وعيّنات طبقية عشوائية مأخوذة من 377 تجمعًا للاجئين، كما أجرى هذه المقابلات أكثر من

400 عامل ميداني مدرب.

(19) Sa’di & Abu–Lughod, p. 11.

شتاء   Winter 2020

ينضمّ المركز العربي في بعض المناسبات إلى جهود أكاديمية أخرى لاستطلاعات الرأي في الشرق

الأوسط، مثل جمعية دراسات الشرق الأوسط Association Studies East Middle التي بادرت إلى تنظيم مؤتمر في تشرين الثاني/ نوفمبر 2017، حيث نظ م المركز من خلال فرعه في واشنطن جلسة نقاش بشأن الرأي العام في الشرق الأوسط. وفي السياق ذاته، ردّ جيمس زغبي من المعهد العربي

الأميركي على منتقدي استطلاعات الرأي التي تشير إلى أن نسبة كبرى من العرب تميل إلى تفضيل الديمقراطية. في المثل، شهدت مصر جهودًا مكثفة من المركز المصري لأبحاث الرأي العام في القاهرة الذي أ سّس

في عام 2012 لقياس مواقف المصريين السياسية والاجتماعية. ويوجد في الوقت الحالي ما لا يقل عن اثني عشر مركزًا للأبحاث ومنظمات لاستطلاع الرأي تعمل في الشرق الأوسط في مجال تقييم الرأي العام العربي، بما فيها المنظمات العربية المحلية والمنظمات الغربية. هناك مشكلة مقلقة في البحث العابر للثقافات، وهي كيفية ضمان صحة وموثوقية الدراسات الاستقصائية في الشرق الأوسط التي كانت عادةً غير ملائمة لمثل هذا النوع من الأبحاث. في دراسة نُشرت حديثًا بشأن أبحاث الرأي العام في قطر، لاحظت مجموعة من الباحثين أن التحفظات الجادة من الباحثين بشأن أبحاث الرأي العام في الشرق الأوسط، يجري تحدّيها من خلال ابتكارات منهجية جديدة. والملاحظة الأساسية التي طرحها هؤلاء المؤلفون هي أن المستجيبين من الشرق الأوسط أصبحوا أكثر ملاءمةً لأبحاث المسح و«المواقف الأكثر إيجابية تجاه أبحاث المسح، مرتبطة بسلوك أكثر ملاءمةً بين المستجيبين، وهذا التعاون الأكبر يحسّن بدوره صلاحية البيانات». وبناء عليه، يؤثر قبول الأبحاث المسحية بوجه عام في النيات في المشاركة، ويُهدّئ المخاوف بشأن

انتهاكات الخصوصية Privacy في مثل هذه الأبحاث. في الواقع، أبدى المستجيبون العرب في استطلاع قطر مواقف أكثر إيجابية تجاه المسح من المستجيبين من غير العرب الذين يعيشون في قطر. ومع ذلك، تبقى الحقيقة، أن تصوّرات العيّنة بشأن المسح، باعتباره ذا توجه سياسي، تقلل من الميل

إلى المشاركة فيه. والنتيجة المثيرة هي أن المستجيبين العرب يميلون إلى أن يكونوا أكثر ثقة بالحكومة من الاستطلاعات التي تقوم بها مؤسسات خاصة.

سادسًا: البحث الإثنوغرافي

يشهد الاهتمام بالبحث الإثنوغرافي ظاهرة إعادة الإحياء، ويحتل مكانةً مركزية في المنهجيات المنوّعة

التي واجهها في مرحلة ما بعد الوضعية. ويتمثل فحوى البحث الإثنوغرافي بوجه عام، على حد تعبير بول ويليس، وهو من أشهر ممارسي المنهج الإثنوغرافي، في فهم العلاقة بين ثلاثة عناصر: «صنع

(20) James Zogby, «Critics of Polls Disrespect Arab Public Opinion,» Huffpost, 6/10/2011. (21) Justin Gengler et al., «The Determinants and Impacts of Survey Attitudes in non–Western Contexts: Evidence from a Survey and Conjoint Experiment in an Arab Country,» Unpublished paper, (2017), p. 7. (22) Paul Willis, The Ethnographic Imagination (Cambridge: Polity Press, 2000), p. 109.

قضايا في تطوّر العلوم الاتج ماعية فيالعالم العرب

المعنى الإبداعي في الممارسات الحسيّة؛ الأشكال، أي الموارد الرمزية المستخدمة في صنع المعنى

وكيفية تنفيذها؛ وتشكيل العلاقة الاجتماعية مع العلاقات الهيكلية الرئيسة والضروريات وصراعات المجتمع. وهكذا، فإن علم الإثنوغرافيا هو تحليل لصنع المعنى making – Meaning باعتباره نتاجًا

ثقافيًا للممارسات اليومية، ولذلك يركز على التوظيف الإبداعي له (على نحو ضمني وصريح)، من

القيّمين على المجموعات الرمزية والمادية لفهم شيفرة العالم من حولهم وفكّها، وعلى التعامل معه

وفهمه على أنه مسعى إبداعيّ. ومن وجهة نظر معيارية وضعية، فإن المشكلة مع الإثنوغرافيا ومع

الأبحاث النوعية كلها ذات الصلة، هي القياس وصحة البيانات التي جُمعت، وتعميم النتائج التي

جرى التوصل إليها. هناك انتقاد مختلف نوعًا ما بشأن الإثنوغرافيا، يأتي من معسكر ما بعد الحداثة، ويركز على إشكالية

تأليف النص. وهذا مُبط ن بملاحظة أدلى بها ويليس، حيث ذكر «نقد ما بعد الحداثة وما بعد البنيوية

للمنهج الإثنوغرافي باعتباره يشكل بديلً أكثر منه انعكاسًا لموضوع دراسته ». يطرح نقد ما بعد

الحداثة لإثنوغرافيا التساؤل بشأن الطبيعة النهائية والرسمية للنص والاستقرار في المعنى. التركيز على الاختلاف والازدواجية في كتابات ما بعد الحداثة يؤخذان بمعنى أن الخط الذي يفصل العالمية عن المحلية، أصبح غير واضح في دراسة الثقافة. ليست العالمية بعيدةً، لكنها تُصبح وعلى نحو متزايد، جزءًا من المحلية. تجدر الإشارة إلى أن علماء الاجتماع يتبنّون أيضًا منهجيات كمية ونوعية مختلطة، كما يعتمد المؤرخون في أبحاثهم على مواد مؤرشفة. على سبيل المثال، اعتمد المؤرخ المعروف حنا بطاطو (2000–1926) في الدراسة التي أعدّها بشأن ولادة الحركات الاجتماعية في العراق، والتي أنجزها من خلال فحص دقيق للتكوينات الاجتماعية والسياسية في العراق، على مواد أرشيفية ومقابلات مع مسؤولي الأحزاب السياسية. وبعد عقدين، وباستخدام المنهجية ذاتها، درس بطاطو الحركات الاجتماعية في سورية.

سابعًا: إنتاج المعرفة في العلوم الاجتماعية في العالم العربي

1. تحليل مؤسسي

صدرت في الآونة الأخيرة ثلاث دراسات عالجت موضوع «الإنتاج المعرفي» production Knowledge في العالم العربي، مع التركيز على العلوم الاجتماعية. سنستعين بهذه المصادر وغيرها في تقديم صورة شاملة، كمية كانت أم نوعية عن الإنتاج المعرفي في العلوم الاجتماعية في العالم العربي. ويمكن

(23) Ibid., p. 113. (24) E. Marcus, «What Comes (Just) After ‘Post’? The Case of Ethnography,» in: Norman Denzin & Y. Lincoln (eds.), Handbook of Qualitative Research (Thousand Oaks, CA: Sage Publication, 1995), p. 566. (25) Hanna Batatu, Syria’s Peasantry: The Descendants of its Lesser Rural Notables (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1999).

شتاء   Winter 2020

تقسيم تطور العلوم الاجتماعية في العالم العربي إلى ثلاث مراحل: المرحلة الأولى خضعت للفترة

الكولونيالية ما قبل الاستقلال، اتسمت بانتشار وجهة نظر الاستشراق Orientalism المبنية إلى حدٍ بعيد على مفاهيم عرقية وإثنية. أما المرحلة الثانية، فركّزت على ضرورة التخلّص من سيطرة الاستعمار على الإنتاج المعرفي، وتبنّي وجهات نظر نقدية هدفت إلى تغيير المفاهيم الكلاسيكية المنبثقة من الاستشراق، وتفهّم وجهات النظر وخبرة المجتمعات المحلية. في حين اتسمت المرحلة الثالثة،

المسماة «ما بعد الكولونيالية» Postcolonialism، باستخدام منهجية وضعية مُتّبعة في المؤسسات

التعليمية والبحثية في المجتمعات الغربية، وتبنّي أطرٍ نظرية تابعة للمنهج الماركسي ونظريات التبعية

. Dependency theories

ومع ذلك، شهد العالم العربي نشاطات بحثية ملحوظة برزت خلال عام 2012 بحسب إحدى الإحصائيات الأخيرة، حيث كان هنالك في مصر ولبنان وقطر وتونس والمغرب والأردن نصف المؤسسات البحثية في العالم العربي. وتصدرت مصر الدرجة الأولى ب 55 مركزًا بحثيًا، ثم الأردن ب 40

مركزًا، فتونس ب 39 مركزًا، ثم المغرب ب 30 مركزًا، ولبنان ب 27 مركزًا، ثم قطر ب 10 مراكز. تمهيدًا لتلخيص الإحصاءات المتوافرة، استنتجت هذه الدراسات إجمال أن المشكلة الرئيسة التي تواجه المؤسسات البحثية في العالم العربي هي شلل الديمقراطية، ما يجعل عملية البحث المستقل غير موجودة في جوٍ فكري حر. ويمكن وصف بعض المراكز البحثية، بحسب الاصطلاح العامي، بأنها «دكاكين» تخدم مصالح محلية وأجنبية، مثل المؤسسات غير الحكومية s ’ NGO. ونتيجة هذا الواقع، بقيت غالبية القوى البحثية في العالم العربي هامشية في تأثيرها في صنع القرارات والسياسات فيه، وهاجر عدد لا بأس به من علماء الاجتماع العرب خارجه. وفي دراسة موسّعة بشأن إنتاج المعرفة في العلوم الاجتماعية المعاصرة في العالم العربي، التي اقتبسنا

منها إحصاءات المؤسسات البحثية في العالم العربي، وذكرناها أعلاه، لاحظ ساري حنفي وريغاس أرفانيتس أن الموضوعات البحثية في العلوم الاجتماعية العربية ركّزت على التخلص من الاستعمار والهوية الوطنية والتحديث، وافتقرت إلى منظور «التمثيل الثقافي» representation Cultural. ووفقًا لهما، جاءت المخاوف المتعلقة بالهوية الوطنية على حساب دراسة الأقليات والعلاقات العرقية. في الواقع، نادرة هي الدراسات العلمية التي تتعامل مع الهوية العرقية والصراع في المجتمعات العربية. كما أن وتيرة الإنتاج البحثي ونطاقه وتمويله ليست موحّدة في أنحاء العالم العربي كلها. والمغرب

العربي متخلف عن المشرق في تأمين التمويل الأجنبي وإنشاء مراكز البحوث، ولا حتى على شكل منظمات غير حكومية. ومع ذلك، يقدم المغرب العربي مخرجات فكرية تفوق بعددها مخرجات المشرق.

(26) Sari Hanafi & Rigas Arvanitis, Knowledge Production in the Arab World: The Impossible Promise (London/ New York: Routledge, 2015), p. 213. (27) Ibid., pp. 210–211.

قضايا في تطوّر العلوم الاتج ماعية فيالعالم العرب

من خلال تبنّي تصنيف مايكل بوراوي Burawoy Michael ذي التصنيفات الأربعة (أبحاث اجتماعية مهنية Professional، وأبحاث اجتماعية نقدية، وأبحاث اجتماعية للعموم research Public، وأبحاث اجتماعية للسياسات research Policy)، يتفرّد حنفي وأرفانيتس بمعالجة موضوع غياب الدراسات

السياسية وتأثيرها في الحكومة، ويصلان إلى نتيجة مفادها أن حل المشكلات الاجتماعية لا يمثّل هدفًا من أهداف علم الاجتماع في الدول العربية. كما يعود سبب غياب علم الاجتماع النقدي إلى قلة مشاركة علماء الاجتماع في قضايا البحث الأخلاقية والمعيارية؛ إذ يبدو أن القضايا ذات الطبيعة العالمية غطّت على تلك التي لها طبيعة محلية وإقليمية، وكما يُبيّن تحليل محتوى المواد المنشورة،

يبدو أن هناك تفضيلً للبحث النظري. أما المقالات التي تشتمل على عمل ميداني وجمع بيانات، فتشغل مكانًا ثانويًا. تؤدي اللغة دورًا مهمًا جدًا بصفتها لغة النشر في الإنتاج المعرفي في العلوم الاجتماعية. ومع التحول

إلى العولمة، تمك نت الإنكليزية من تعزيز مكانتها البارزة بصفتها لغة النشر الرئيسة. ومن هنا اقتبس حنفي وأرفانيتس الأرقام التي تشير إلى أنه خلال الفترة 2007–1998، صدرت نسبة 94 في المئة من المنشورات الأكاديمية باللغة الإنكليزية. وتغيب اللغة العربية عن 10 لغات تستخدم على نحو متكرر في قاعدة بيانات Science of Web، و 85 في المئة من الملخصات الاجتماعية بالإنكليزية أيضًا. وبيّن مشروع طموح مسَح 4360 باحثًا من أوروبا ومن 11 دولة متوسطيّة، أنّ الباحثين العرب

توزعوا بحسب لغة نشرهم كما يلي: 60 في المئة منهم نشروا بالإنكليزية، وبالفرنسية 33.2 في المئة، وبالعربيّة 7.9 في المئة، حيث غطت المنشورات المصنفة العلوم التطبيقية والطب والعلوم الاجتماعية

والإنسانية. يحدّ الاستخدام المحدود للغة العربية في المنشورات العلمية من النقاش العام خارج إطار المجتمع الأكاديمي. ويؤكد المؤلفان غياب علم الاجتماع العام sociology Public. ومن خلال القيام بدراسة حالة لافتتاحيات ثلاث صحف لبنانية (اثنتان بالعربية وواحدة بالإنكليزية)، يخلص حنفي وأرفانيتس إلى أن الأكاديميين يترددون في المساهمة في الافتتاحيات بسبب عدم ثقتهم بوسائل الإعلام، وأن ليس لكتابة مقالات في صفحات الرأي أي وزن في موضوع الترقية والملكية العلمية. وتُظهر محتويات المقالات الافتتاحية التي أخذ عيّنات منها، أن الغالبية (70 في المئة) كانت تتعلق بالسياسة، و 18 في

المئة بالقضايا الاجتماعية، وتتناول 6 في المئة المشكلات الاقتصادية، تليها القضايا الثقافية بنسبة 5 في المئة.

(28) Ibid., pp. 294–295, 305. (29) Ibid., pp. 235. (30) Ibid., pp. 287, 295.

شتاء   Winter 2020

تؤكد دراسة رئيسة ثانية صدرت في عام 2015 الصورة الموضحة والتقرير الذي أعدّه عالم الاجتماع محمد بامية ونُشر بوصفه تقريرًا أوّليًا للمرصد العربي التابع للمجلس العربي للعلوم الاجتماعية الذي

أنشئ مؤخرًا ويتخذ من بيروت مقرًا له، يتوسّع أكثر في تعريفه ما المقصود بالعلوم الاجتماعية؛ إذ

يشمل العلوم السياسية والاقتصاد وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا والتاريخ وعلم النفس، إضافة إلى مجالات متعددة التخصصات، مثل الدراسات الجندرية والدراسات الحضرية والدراسات الثقافية. ويشير التقرير في مقدمته، إلى وجود «ذاكرة أكاديمية ضعيفة» في الجامعات العربية، ناجمة إلى حدٍّ بعيد عن استمرار الصراع في المنطقة الذي ساهم في «ضعف القدرة على التواصل الاجتماعي العربي». إضافة إلى ذلك، يستخف التقرير بتأثير الثقافة التي تقود المستهلك خلف الليبرالية الجديدة التي تشكّل بدورها هيكلً لما يظهر على نحو متزايد على شكل جامعات/ شركات استشارية، ولناتجها الفكري في الغرب والشرق الأوسط. ويدافع التقرير عن المعرفة بوصفها قيمة في حد ذاتها على أمل أن تؤدي إلى التنوير الاجتماعي وتحسين مهمات الجامعة. تنعكس عدم الاستمرارية في الذاكرة الجماعية للجامعات العربية على تجارب الأجيال المتباينة، حيث يُظهر الأساتذة الشباب موقفًا تعليميًا أضعف، مقارنةً بالجيل السابق. ونقل عن تقرير المعرفة العربي

الصادر في عام 2014، تظهر «الجامعات العربية بوجه عام سياسات أبحاث سيئة جدًا، ومناهج قديمة في صنع القرار، وكذلك فشلً في مواكبة متطلبات مجتمع المعرفة المعاصر ». من بين 614 جامعة في العالم العربي، 48 في المئة منها لديها كليات للعلوم الاجتماعية، وتُعدّ جامعة

القاهرة الأقدم في العالم العربي. كما أن 90 في المئة من الجامعات العربية أُسّست بعد عام 1950، و 70

في المئة بعد عام 1991. وظهرت تيارات مختلفة في العلوم الاجتماعية الأكاديمية العربية، من التيارات التكنوقراطية والليبرالية والشعبية التي ظهرت أيضًا في الجامعات الغربية، إلى تيار الأسلمة الذي ظهر في المملكة العربية السعودية والمغرب والجزائر في ثمانينيات القرن الماضي، وفي بعض الحالات بلغت هذه التيارات ذروتها في الدعوة إلى علم الاجتماع الإسلامي. عند دراسة موضوعات البحث العلمي في الجامعات العربية، نسجل ملاحظتين رئيستين: الأولى تتعلق بندرة البحوث بشأن موضوعات مثل العمالة الوافدة، حيث يشكل العمال الأجانب في المملكة العربية السعودية ودول الخليج الأخرى، على سبيل المثال، غالبية القوى العاملة. ويشير التقرير إلى نوع من الشذوذ يتعلق بالمملكة العربية السعودية التي تركز على الجريمة كتيار بحثي ناشط ووحيد، في وقت تشهد المملكة مستوى منخفضًا جدًا في معدلات الجريمة. ما السبب؟ يقدم التقرير التفسير التالي:

(31) Bamyeh;

ينظر أيضًا الأوراق الخلفية للتقرير النهائي: المختار الهراس، «دوريات العلوم الاجتماعية العربية: مناهج، مداخل ومقاربات»، ورقة

خلفية، المرصد العربي للعلوم الاجتماعية (بيروت: 2015)، شوهد في 2019/11/24، في: http://bit.ly/2pQo7Z6؛

Rima Majid, «The Presence of Social Science in Arab Civil Society Organizations,» The Arab Council for the Social Sciences, Background Paper (Beirut: 2015), accessed on 24/11/2019, at: http://bit.ly/33gzib9 (32) Bamyeh, p. 22.

قضايا في تطوّر العلوم الاتج ماعية فيالعالم العرب

تُفسّر الجريمة باعتبارها انتهاكًا للمعايير التي لا تُقرّها السلطات الحاكمة. بعبارة أخرى، الجريمة في

حد ذاتها لا تؤخذ باعتبارها واحدًا من انتهاكات حقوق المواطنة العالمية، إنما هي مُعرّفة بصفتها تشكل

تهديدًا للنظام الحاكم. على حد تعبير التقرير «من الواضح أن موضوعات البحث [في المملكة العربية السعودية] تتوافق مع الاتجاهات العامة التي تتبعها السياسات والأيديولوجيات الحاكمة، إضافة إلى القيود المفروضة على حرية البحث». أما الملاحظة الثانية، فتتعلق بإضافة أبحاث علمانية أخرى، موضوعات مغيبة مثل حقوق الإنسان والعنف الأسري ودور المرأة في المجتمع والمشاركة السياسية وفساد موظفي الحكومة والرقابة الحكومية والخصوصية. تثير هذه القضايا مجموعة المشكلات المتعلقة بتكوين المفاهيم في العلوم الاجتماعية العربية. وكما يشير التقرير، تتطلّب مفاهيم مثل المجتمع المدني والمشاركة السياسية، وربما نضيف الجريمة والاغتراب والخصوصية وغيرها من القضايا، فحصًا دقيقًا لمفاهيم العلوم الاجتماعية العابرة للثقافات. على مستوى آخر، لا يتناول التقرير أبحاثًا مبتكرة في فلسطين، في الضفة الغربية وغزة على وجه التحديد، ولا تلك التي أنتجها الفلسطينيون في إسرائيل. بخلاف الإشارة إلى فلسطين في الأرقام الإجمالية المقدمة في هذه التقارير، لا توجد إشارة إلى المبادرات البحثية الفعلية في فروع العلوم الاجتماعية المختلفة. يكفي باختصار، أن نشير إلى أبحاث العلوم الاجتماعية الجوهرية التي يقوم بها الفلسطينيون بشأن العنف الأسري والتمييز بين الجنسين وحقوق الإنسان واللاجئين والصحة العامة والفضاء السيبراني والمراقبة

Surveillance. وأُدرِجت هذه المصادر بشيء من التفصيل في مكان آخر.

2. تحليل مهني

أصدر المجلس العربي للعلوم الاجتماعية في بيروت في عام 2018، تقريره الثاني بشأن أوضاع العلوم الاجتماعية العربية. وفي حين كان عالم الاجتماع محمد بامية هو من أعدّ التقرير الأوّل، فإنّ عالم

الأنثروبولوجيا عبد الله حمودي، هو من أعدّ التقرير الثاني الذي يناقش تطور العلوم الاجتماعية العربية ابتداءً من الألفية الثانية، وعلى مدى ثلاث مراحل زمنية مختلفة: 2005–2000، 2010–2006، –2011

2016. وفي حين أن التقرير الأول كان قد تناول البنية التحتية لإنتاج المعرفة في العالم العربي، وركّز بوجه خاصّ على التوسع والتنوع في مؤسسات التعليم العالي، تناول التقرير الثاني موضوع

إضفاء الطابع المهني على العلوم الاجتماعية في مجالات علم الاجتماع والأنثروبولوجيا وعلم النفس الاجتماعي، كما تناول أيضًا الكتب والدوريات، وقد جرى توسيعه ليشمل التاريخ والاقتصاد والعلوم الاجتماعية، واستُبعدت منه التقارير التي أعدّها استشاريون، وأطروحات طلاب الدراسات العليا أيضًا.

(33) Ibid., p. 27. (34) Elia Zureik, Israel’s Colonial Project in Palestine: Brutal Pursuit (London/ New York: Routledge, 2016).

(((3 محمد بامية، العلوم الاجتماعية في العالم العربي: أشكال الحضور، التقرير الأوّل (بيروت: المجلس العربي للعلوم

الاجتماعية،.)2015 (((3 عبد الله حمودي، العلوم الاجتماعية في العالم العربي: مقاربة الإنتاجات الصادرة باللغة العربية (2016–2000)، التقرير الثاني (بيروت: المجلس العربي للعلوم الاجتماعية،.)2018

شتاء   Winter 2020

إضافة إلى معالجة التأويل الهرمنيوطيقي للنصوص وتحديد الأبعاد النوعية للبحث موضوع الدراسة وتعداد متغيراته، أخذ التقرير في الحسبان البيانات الكمّية، واهتم بتطوّر المفاهيم وإشكاليات البحث

والموضوعات والمنهجيات واستخدامها. تناول الفصل الأول علم الاجتماع في المغرب العربي الكبير (المغرب وتونس والجزائر)، ثم المشرق (لبنان وفلسطين وسورية والأردن والعراق)؛ أما علم الاجتماع في مصر، فعولج في فصل مستقل؛ في حين تناول الفصل الثاني الأنثروبولوجيا في المغرب العربي، يليه المشرق. وتناول الفصل الثالث علم النفس الاجتماعي، بينما ركّز الفصل الرابع اهتمامه على محتويات الدوريات العلمية الاجتماعية. اختار المؤلف بالإجمال 650 كتابًا للقائمة المختصرة: 366 منها غطت المغرب، 147 الجزائر و 137

تونس. وشملت هذه القائمة المصادر النوعية والكمية. من ناحية التغطية الموضوعية، احتلت الثقافة، بما في ذلك الهوية والقيم، المركز الأول في المنطقة المغاربية، يليها علم الاجتماع السياسي، والنظرية والأساليب المنهجية، والتنمية، وعلم اجتماع الأسرة، والتدين، والإعلام الجماهيري والتباين وعدم المساواة. ومن العيّنة المختارة، خمسة كتب فقط تناولت علم الاجتماع الريفي، وبالمثل، كان

الاهتمام البحثي في علم اجتماع القبيلة محدودًا جدًا. ولوحظ أن العمل الميداني وجمع البيانات

لا يمثلان سمات مهيمنة على النشاط البحثي، ويُعزى ذلك إلى تردد الباحثين في الانخراط في جمع

البيانات خشية أن يثير هذا شكوكًا من السلطات. كانت هذه هي الحال بوجه خاص في الجزائر، حيث استُخدمت البيانات الوثائقية بديلً من البحث الميداني. كما لوحظ أن الدراسات تفتقر إلى التنظير.

وبناء عليه، لم يتردد المؤلفون في وصف النظريات، لكن ليس التنظير. فيما يتعلق بالمنهجية، ومقارنة بالمناهج الكمية، فإن المناهج النوعية هي التي تُهيمن. وهذا على ما يبدو، بحسب رأيي، أصبح سمة عالمية عابرة للبلدان وتخصصات علم الاجتماع والأنثروبولوجيا، ليس في الشرق الأوسط فحسب، لكن أيضًا في الدول الغربية الأخرى. شهدت المرحلة الزمنية الأولى 2005–2000، إذ كانت الدراسات التنموية مألوفة، استخدام المفاهيم

بوصفها متغيرات مستقلة ومتغيرات تابعة على حدٍ سواء، فعلى سبيل المثال، أثرت التنمية الاجتماعية والاقتصادية بوصفهما متغيرين مستقلين في متغيرات أخرى، مثل الهجرة والتغيير الاجتماعي والمشاركة السياسية للشباب وغيرها. أما المتغير التابع، فيستخدم، على سبيل المثال، في وصف كيفية تأثير صورة الجسد الأنثوي في أنماط التنمية ومشاركة المرأة. ركّزت المرحلة الزمنية الثانية 2010–2006، على المرأة والحركة النسوية، ولا سيما في تونس. كذلك الانشغال الفكري بالثقافة، أي اللغة والدين والتاريخ والرموز التي ساهمت في المعرفة الاجتماعية. وشهدت المرحلة الزمنية الثالثة 2016–2010، ظهور مجموعات من المفاهيم وبروز عنقود مفاهيمي «روحي» «الموروث الإسلامي». ظهرت أيضًا مفاهيم أخرى مثل «النخب» نخبة، التحرير «تحرر» والتقدم «تقدم». وخلص حمودي إلى أن الجزائر تقدم نموذجًا عن كيفية تأسيس العنف لمجموعة

(((3 المرجع نفسه، ص.19

قضايا في تطوّر العلوم الاتج ماعية فيالعالم العرب

(عنقود Cluster) تطوّرت منها مفاهيم أخرى مثل العنف الاجتماعي والعنف النفسي والعنف القانوني

وغير ذلك. في الفصل المتعلق بالمشرق، اختزل حمودي قائمته المؤلفة من 540 كتابًا في 240 كتابًا، قسّمها

إلى المراحل الزمنية الثلاث التي ذُكرت آنفًا. واختار عشوائيًا 60 كتابًا للتحليل، وحذف خمسة كتب

تُعالج الجغرافيا والقانون. وكانت الهيمنة لعلم الاجتماع السياسي، يليه علم اجتماع الثقافة، وتلا ذلك النوع الاجتماعي والمرأة والنسوية. ولوحظ غياب كتب تعالج علم اجتماع التحديث والتطوير والعمالة والتصنيع. وشملت المرحلة الأولى موضوعات العنف، وأزمة علم الاجتماع، والذكورة، والإنترنت، والعولمة، والهوية، والمجتمع المدني والتواصل. وركّزت المرحلة الثانية على موضوعات السلطة، وعلم اجتماع الدولة، والدين، والمرأة، والهيمنة الغربية، وعلم اجتماع العنف. وأخيرًا في المرحلة

2016–2011، يشير حمودي إلى وجود موضوعات الجندر والنسوية والإرهاب والدين والعلمنة ومجتمع المعرفة. ضُبطت على وجه التحديد ستة موضوعات جرى تغطيتها في كتب العلوم الاجتماعية بشأن المشرق: (1) الأزمة الاجتماعية وارتباطها بظهور الإنترنت والتغيرات التي رافقتها في وسائل التواصل، والعولمة، ومسائل تتعلق بالإمبريالية الثقافية؛ (2) العنف الذي تأثر على نحو بعيد بقضية فلسطين والاستعمار الاستيطاني؛ (3) قضايا المرأة والنوع الاجتماعي والتغيير الاجتماعي؛ (4) التقسيم الطبقي والطبقات الاجتماعية ومناظرات ماركس وفيبر؛ (5) هيمنة الأنظمة الاستبدادية؛ (6) مساءلات بشأن الحاجة إلى علوم اجتماعية «ملائمة» تعكس تجربة المنطقة. شملت العيّنة المصرية 285 كتابًا، ستة منها مترجمة عن الإنكليزية، وكالعادة، استُبعدت التقارير من

التحليل. تضمّنت المرحلة الزمنية الأولى 2005–2000 مجموعة من الكتب، 55 في المئة منها من

كتب علم الاجتماع الثقافي، و 58 في المئة من كتب ﺍﻷﻧﺛﺭﻭﺑﻭﻟﻭﺟﻳﺎ. وفي المرحلة الثانية 2010–2006، برزت موضوعات التنمية الاجتماعية والاقتصادية وعلم الجريمة، بينما هيمن علم الاجتماع السياسي على المرحلة الزمنية الثالثة 2016–2011. ويُشار هنا أيضًا إلى تراجع الدراسات الاجتماعية الكمّية

التي تعالج موضوعات السكان والديموغرافيا. توضح حالة مصر أهمية دور القطاع الخاص في الدعم المادي للعلوم الاجتماعية، ويعود ذلك إلى انخفاض التمويل العام. إلا أن المؤلف يذكرنا بالدور الأساسي الذي قام به المركز القومي للبحوث الاجتماعية في القاهرة. وفي حديثه عن مدرسة الفكر، يستخدم المؤلف تعبير «خطاب» لتصنيف مدارس الفكر التي ظهرت في العلوم الاجتماعية المصرية بين عامي 2000 و 2016.

(((3 المرجع نفسه، ص.25 (((3 المرجع نفسه، ص.74–66 (((4 المرجع نفسه. (((4 المرجع نفسه، ص.43

شتاء   Winter 2020

شهد التغيير الاجتماعي تراجعًا ملحوظًا خلال الفترة 2016–2000، إذ انخفضت نسبة المصادر من 43

في المئة إلى 21 في المئة. وانخفضت أيضًا نسبة المصادر التي تعالج موضوعات الثقافة باعتبارها مدرسة للفكر خلال الفترة نفسها، من 51 في المئة إلى 23 في المئة. وعلى الرغم من تصدّر المنهجية النوعية، فإن الفجوة بينها وبين علم الاجتماع الكمي تضيق (من 49 في المئة إلى 46 في المئة)، ما يقوده إلى النقطة التالية: «تواجه دراسات علم الاجتماع المعاصر في مصر تحديات جمّة، يتجلّى

أولها في النقص الصريح في التفاعل مع الجدل النظري الحديث في علم الاجتماع على المستوى الدولي [...] تطغى الطروح الوظيفية الكلاسيكية على الكثير من البحوث في علم الاجتماع. بالنسبة للتطورات النظرية الحديثة يعجز قسم كبير منها عن طرح نماذج دقيقة لقراءة التطورات الحديثة في النظرية الاجتماعية». بالعودة إلى الأنثروبولوجيا، اعتمد التقرير على 167 كتابًا من المغرب العربي: 47 في المئة من المغرب،

و 29 في المئة من الجزائر، و 24 في المئة من تونس. وتُظهر الموضوعات التي جرى تحليلها في هذه الكتب أن الأنثروبولوجيا الثقافية احتلت مكانةً مهيمنة في المغرب وتونس، بنسبة 42 في المئة و 40 في المئة على التوالي، بينما جاءت في الجزائر بنسبة 58 في المئة من خلال استخدام الفولكلور المدوّن

والشفوي. وبسبب الرقابة، غاب موضوع الأنثروبولوجيا السياسية تمامًا في الجزائر، وضعفت نسبته

في تونس والمغرب. ويشير المؤلف هنا أيضًا إلى أنه عندما يتعلق الأمر بالتنظير والمنهجية، فإن إنتاج البلدان الثلاثة كان دون المستوى الدولي. واعتمد البحث الأنثروبولوجي في كلٍ من المشرق والمغرب العربيَّين على المدارس الفكرية الأوروبية والأنكلوسكسونية. وعلى الرغم من الاستشهاد بالكثير من

الدراسات الأنثروبولوجية باللغة العربية، فإن غياب الأنثروبولوجيا العربية التي تعتمد على نظريات ومنهجيات السكان الأصليين، كان واضحًا. يُدرِج التقرير توصيات عدة، معظمها مضمّنٌ في النقاش، إن لم يكن عُبّر عنها على نحو صريح حتى

الآن. ومع ذلك، فمن المستحسن في خاتمة هذا الملخص، تسليط الضوء على بعض منها. أول، هناك مجموعة محدودة من علماء الاجتماع قدمت إضافة إلى معرفتنا في مجال (الطبقات)، والجندر، والهوية، والعولمة والعنف. كما أشار المؤلف إلى أن الأعمال التاريخية والوثائقية تتناقص في العلوم الاجتماعية العربية، وتُعالج ببطء في البحوث التجريبية التي تعتمد العمل الميداني، لكن الخطوات التي تُتخذ تبقى محدودة ولا علاقة لها بالنقاش الأوسع الذي يدور في العلوم الاجتماعية الأكثر شمولية. ثانيًا، يأسف

المؤلف لغياب النظريات والمنهجيات الاجتماعية الأصيلة في تجربة العالم العربي، كما أن محاولات الاستلهام على نحو جدي مما هو مفيد من العلوم الاجتماعية الغربية، لا تزال شكلية، ولا تعتمد التحليل العميق لهذه النظريات. ثالثًا، تشكل المصالح التجارية المحرّك الرئيس للنشر في مجال العلوم الاجتماعية

في العالم العربي، ويفتقر بدوره إلى الآليات المؤسساتية في حصر المخطوطات، وهذا يشمل الدور المهم الذي تقوم به الجامعات باعتبارها أحد عوامل التمكين في مجال معايير التميز.

(((4 المرجع نفسه، ص.51 (((4 المرجع نفسه، ص.74–73

قضايا في تطوّر العلوم الاتج ماعية فيالعالم العرب

ملاحظة مهمة جدًا تلخص تحفظات حمودي على النحو التالي: «كما ﻻ يهتم ﺍﻟﺒﺎحثون ﺇﻻ بصورة استثنائية بالإحاطة بما كتبه ﺍﻵﺧﺮﻭﻥ ﻓﻲ الموﺿﻮﻉ ﺍﻟﻤﺘﻨﺎﻭﻝ ﻭﺍﻟﺒﻨﺎء ﻋﻠﻴﻪ، مع زيادات ﻧﻮﻋﻴﺔ. ﻭﺇﻥ حصل ذلك ﺍﻟﺒﻨﺎء، ﻓﻴﻜﻮﻥ ﻋﺎﺩﺓ ﻋﻠﻰ شكل تلخيصات قلّما تتبنّى النقد ﺍﻟﻬﺎﺩﻑ، ﻭتوضيح مفاهيم ﺃﻭ فرضياﺕ. وﻓﻲ معظم ﺍﻟﺤﻻﺎﺕ، تبقى هذه ﺍﻷﺧيرة ﻏﻴﺮ محيّنة، ﻭالعربية هي ﻟﻐﺘﻬﺎ ﻓﻲ الدرجة الأولى – ﻭهذا

ﻁﺒﻴﻌﻲ – ﻟﻜﻨﻨﺎ نلاﺣﻆ الضعف ﺍﻟﻨﺴﺒﻲ ﻟﻠﻤﺰﺝ المرغوب ﻓﻴﻪ بين العربية ﻭﻟﻐﺎﺕ ﺍﻟﻌﻠﻮﻡ ﺍﻻجتماعية ﺍﻷجنبية».

ثامنًا: إنتاج المعرفة في ظل الاستعمار وأنظمة المراقبة والعامل الديموغرافي: صوغ المفاهيم

استنادًا إلى المساهمات التي ظهرت في مجلة عمران للعلوم الاجتماعية والإنسانية التي تصدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (صدر عددها الأول في تموز/ يوليو 2012)، نعتزم مناقشة ثلاثة أمثلة في هذا المحور المفاهيمي من دراستنا، مختارة من 15 دراسة حالة تتناول إنتاج المعرفة

الاجتماعية ذات الصلة بالمجتمع العربي: سنبحث أول في موضوع العلاقة بين الاستعمار وإنتاج المعرفة؛ ثانيًا، تطبيق إطار المراقبة من أجل فهم مستوى الأداء في الدولة العربية في ظل المرحلة

الاستعمارية وما بعدها؛ ثالثًا، العلاقة بين الديموغرافيا والديمقراطية.

1. الاستعمار وإنتاج المعرفة

يرتبط الاستعمار في المقام الأول باستخدام العنف بهدف إخضاع الشعوب المغلوبة على أمرها وضم الأراضي. والأمر الذي لا يقل أهمية هو كيف ينخرط الاستعمار في إنتاج المعرفة الاستعمارية من أجل تعزيز مشروع سيادته على نحو يحول دون إظهار تورّطه في أعمال العنف. عبّر عالم الاجتماع المغربي

محمد فاوبار عن هذه القضية بإيجاز عندما قال: «وإذا كان الاستعمار يمثل هيمنة على مجتمع آخر بالقوة العسكرية قصد استغلال ثروات هذا المجتمع وطاقاته البشرية والمادية، وإذا كان الاستعمار وإذلال الإنسان بدعوى ‘عدم تحضره’ وحاجته إلى تجاوز الفوضى والتأخر، فلا غرابة إن وجدنا أنه لا يعتمد فقط على القوة المادية والعسكرية لفرض سيطرته على الإنسان والمجال، بل يتوسل أيضًا بالسلطة الرمزية لممارسة تأثيره في أفراد المجتمع المستعمر وتكريس المثاقفة المفروضة، وقولبة الذهنيات بغية خلق القابلية للاستعمار لدى هذا المجتمع؛ ولعل من أبرز أدوات هذه السلطة المعلم والطبيب». غني عن القول إن إدوارد سعيد (2003–1935) كان شخصية فكرية معروفة، وقدّم إلينا في كتابه

الاستشراق (1978)، دراسة بشأن إنتاج المعرفة الاستعمارية بوصفها منهجًا وظ فه الغرب والمجموعات

(((4 المرجع نفسه، ص.116 (((4 محمد فاوبار، «سوسيولوجيا الإنتاج المعرفي الكولونيالي بشأن التربية والتعليم في المغرب»، مجلة عمران، العدد 17 (صيف 2016)، ص.70

شتاء   Winter 2020

التابعة له، لتمثيل الشرق وتخيّله؛ ثقافته وفنّه وعلمه وديانته، لتصبح المعرفة والخطاب أداةً من أدوات

القوة الاستعمارية. ركزت مساهمات مجلة عمران، بشأن المعرفة الاستعمارية، على المغرب وعلى توثيق مراحل مختلفة من الوجود الفرنسي فيه. ويشرح فاوبار في إحدى المقالات، كيف قام الفرنسيون في المغرب بمناقشة استخدام القمع العنيف للسكان، بدل من استخدام الوسائل «السلمية»، وكيف تطوّرت أماكن العبادة

لتصبح ملجأً ضد التوغل الفرنسي. وترافق الحضور الفرنسي مع دعوة إلى بناء معرفة إثنوغرافية محلية من أجل تعويض ما قضى عليه الفرنسيون. وتعرض دراسة ثانية عملية التمدن، حيث يلُاحظ أنها

تختلف عن أشكال التمدّن الغربية. في حالة المغرب، لا يعني التمدّن تبنّي القيم الحضرية كما هي. كما ترافقَ الحراك المجتمعي مع الاحتفاظ بالقيم الريفية وقيم الإسلام، وصاحَب ذلك إنشاء جيوب ريفية في المدينة، عُرِفت بما يُطلق

عليه اسم «المجتمع القبلي الحضري». وبدلً من البروليتاريا العلمانية التي كان يتوقّعها الفرنسيون، جذبت المعارضة السياسية الراسية في الحركات الدينية أتباع القادمين الجدد إلى المدن. وفي المادتين الباقيتين، يؤكد المؤلفان استخدام الفرنسيين القوة الناعمة والهندسة الاجتماعية لإحداث التغيير، وفي حالة واحدة يؤكد المؤلف أن الفرنسيين استخدموا تقارير مفصلة أعدّها البيروقراطيون وعلماء الاجتماع وغيرهم ليتيحوا للمحتل الفرنسي تفصيلات بشأن الحياة في المغرب. واستُخدمت هذه الدراسات نفسها من الفرنسيين لحكم المغرب.

2. المراقبة في ظل الدولة العربية المعاصرة

كانت الرقابة تحدث في سياق الحياة اليومية للأشخاص الذين كانوا يُراقبون الناس. كما كانت تمثّل

جانبًا رسميًا من السياسات الاستعمارية التي وظفت الرقابة في الإجراءات البيروقراطية والتعدادية

(الإحصائية) والقانونية التي تهدف إلى السيطرة على الأراضي وعلى تصنيف السكان، وهو نمط يصفه بعض الباحثين ب «المراقبة الجماعية» Panopticism. وعبّر إدوارد سعيد عن ذلك بإيجاز عندما وصف

القياس الكمي والتصنيف الشخصي بوصفهما شكلً من أشكال المراقبة الاستقصائية. ل «تقسيم، نشر، تخطيط، جدولة، فهرسة وتسجيل كل ما يلوح في الأفق (وخارج البصر – في الأصل)»، كما قال، «هي واحدة من ملامح التوقعات الاستشراقية». وإضافة إلى ذلك، تشير عالمة الأنثروبولوجيا آن ستولر إلى أن «قوة الفئات تكمن في قدرتها على فرض الحقائق التي تصفها ظاهريًا فحسب. ولا يُعد

التصنيف هنا عملً ثقافيًا حميدًا، إنما عملٌ سياسي قوي ».

(((4 المرجع نفسه. (((4 يزيد بن هونات، «القبيلة كأفق سياسي في الجزائر»، مجلة عمران، العدد 15 (كانون الثانى/ يناير 2016)، ص.50–41

(48) Edward Said, Orientalism (New York: Pantheon, 1978), p. 86. (49) Ann Laura Stoler, Carnal Knowledge and Imprial Power (Berkeley: University of California Press, 2010), p. 8.

قضايا في تطوّر العلوم الاتج ماعية فيالعالم العرب

يمكن المرء أن يجادل بأمان أن الاستعمار والإمبريالية وراء الدافع إلى تطوير الدولة تكنولوجيات حديثة للمراقبة والضبط، وقد برزت المراقبة باعتبارها ضرورةً لإدارة السكان والأراضي، كما ساهمت في إدخال ابتكارات في استخدام التعدادات والإحصاءات والبصمات وتفصيلات الملامح، بما في ذلك القزحية والتعرف إلى الوجه، والممارسات الإلكترونية في السجون. تكرّس الأوراق الخمس في ملف مجلة عمران (يُنظر محورا العدد السادس والسابع) المخصص

لموضوع المراقبة في مصر، والإمبراطورية العثمانية، والولاية البريطانية على فلسطين، ومراقبة إسرائيل للأقلية الفلسطينية واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي خلال الربيع العربي في تونس. شهدت فترة ما بعد الاستقلال تطوير الدولة العربية أجهزة استخباراتها إلى درجة أن الدولة سُمّيت «دولة

الاستخبارات». كان للدراسة التي تناولت مصر عنوان ملائم: «من البصاصة إلى الصراع والعنف»، يشرح فيها الباحث أن نطاق المراقبة توسع بتوسع بيروقراطية الدولة المصرية، «لقد تحوّلت عمليات المراقبة

المباشرة إلى مؤسسات تتعدد وتتنوع في وظائفها كلما تعقّد بناء الدولة وتزايدت حدّة المعارضة للنظم السياسية، كما تحوّلت إلى مزيد من الاعتماد على القوة الرمزية للدولة وأجهزتها الرقابية، وإلى تحويل

العنف إلى الدوائر الاجتماعية الأوسع ليصبح العنف أداة غير مباشرة لإخضاع الأفراد وضبطهم». يستخدم المؤلف مفهوم فوكو بشأن الحوكمية حجرَ زاوية في تحليله، لأن هذا المفهوم يُجسّد الطرائق

المباشرة وغير المباشرة للمراقبة والتحكم، واستخدام التكنولوجيا والتحليل الوثائقي أيضًا، كما يؤكد مفهوم فوكو بشأن التأديب والانضباط الذاتي. و«يشير مفهوم المراقبة إلى ما هو أبعد من مراقبة الأفراد أو الأشياء أو المجموعات أو حتى النظم، وإلى ما هو أبعد من استخدام الأساليب غير المباشرة في المراقبة كاستخدام التكنولوجيا وجمع البيانات وتحليلها؛ أنه يستخدم بمعنى أقرب إلى مفهوم الحوكمية بالمعنى الذي استخدمه ميشيل فوكو، وهو أنه فن الحكم الذي يهدف إلى تنظيم السكان وضبط سلوكهم عبر المعرفة والخطاب السياسي وتقنيات القوة التي توفّر لأجهزة الدولة سيطرة على الأفراد من ناحية، وتجعل الذوات الفردية قادرة على الانضباط الذاتي، ومن ثم الخضوع من ناحية أخرى. فالحوكمية بهذا المعنى تجمع بين تقنيات الضبط والنظام من جهة وتكنولوجيا الانضباط الذاتي للأفراد من جهة أخرى». على عكس المثال أعلاه، جاء استخدام المراقبة من البريطانيين في فلسطين بين عامي 1919 و 1948، في وقت كانوا يستخدمون وسائل عنيفة لمحاربة المقاومة الفلسطينية. تركز الباحثة على النظام القانوني وكيفية استخدامه لتقويض المقاومة الفلسطينية، وكل ذلك باسم القانون والنظام. وهكذا أصبح النظام التشريعي أداةً يجري توظيفها لتمويه النيات الحقيقية للبريطانيين، وُضع، كما

تُبيّن الباحثة، لتدمير المقاومة الفلسطينية وتيسير الاستعمار الصهيوني لفلسطين. كما أن هذا النظام

التشريعي نفسه الذي احتفظ به الصهيونيون لاستخدامه بعد عام 1948 لقمع المقاومة الفلسطينية.

(((5 أحمد زايد، «من البصاصة إلى الصراع والعنف: آليات المراقبة في الدولة المصرية الحديثة»، مجلة عمران، العدد 6 (خريف 2013)، ص.13 (((5 المرجع نفسه.

شتاء   Winter 2020

إضافة إلى ذلك، أصبح النظام التشريعي أداةً لتجريم الأفعال السياسية، مثل النشاطات النقابية على سبيل المثال. وفي دراسة أخرى، جرى تناول تداعيات الاحتلال الصهيوني لفلسطين، حيث نُشرت أدوات للمراقبة على نطاق واسع في القطاع العربي، سواء في إسرائيل نفسها أم في الأراضي المحتلة. أخيرًا، شمل موضوع المراقبة دراسة عن الإمبراطورية العثمانية، حيث أصبح استخدام الفضاء

العام الهبرماسي والرأي العام في نهاية المطاف، من السمات البارزة للحياة العامة للمواطن في القرنين التاسع عشر والعشرين. جوهر الفضاء العام هو أنه يسمح بالمشاركة الديمقراطية من خلال ما وصفه هبرماس بالعمل الاتصالي الذي يخلو من الإجبار والإكراه. وكان الهدف من المراقبة في الإمبراطورية العثمانية في القرن التاسع عشر السماح للحكومة باستغلال الرأي العام والفضاء العام كعنصرين توأمين في جمع المعلومات لأغراض إدارية. بدايةً من أربعينيات القرن التاسع عشر، يشرح الباحث كيف بدأت الحكومة بمراقبة رعاياها على نحو منهجي وجمع المعلومات عن هويتهم والتنصّت عليهم في الأماكن الخاصة والعامة، مثل المقاهي والمساجد. تُمرّر مثل

هذه المعلومات عادةً في تقارير المراقبة التي ترفع إلى السلطات، بما في ذلك الشرطة المحلية والمسؤول الأعلى حتى يجري تقديمها إلى السلطان ذاته. وهكذا، حدث تحوّل حاسم في مفهوم أن

يكون الفرد مواطنًا. «هنا، يمكن أن يقدم إلينا مفهوم المراقبة فرصة لالتقاط هذه التأثيرات؛ فبوصفها ممارسة حكم في يد الإمبراطورية العثمانية في منتصف القرن التاسع عشر، كانت المراقبة أداة لجعل العامة ‘مفهومة’. ولكنها كانت في الوقت نفسه ممارسة تأسيسية للواقع الاجتماعي بتعريف جديد للسياسة والحيّز العام. ولا بد من الإشارة إلى أن المراقبة لم تكن ميزة خاصة تُميّز الحكم العثماني،

أو الأنظمة الاستبدادية الأخرى المزعومة؛ إذ كانت المراقبة على النحو المُبيّن هنا ممارسة شائعة

انتهجها العديد من حكومات دول القرنين التاسع عشر والعشرين، أكان في أوروبا الغربية أم في آسيا أم في الشرق الأوسط، وأكانت أنظمة تلك الدول ليبرالية أم استبدادية أم شمولية. لقد كانت باختصار، سمة مشتركة للحداثة».

3. العلاقة بين الديموغرافيا والديمقراطية في العالم العربي

ظاهريًا، لا يبدو موضوع الديموغرافيا سياسيًا بطبيعته، فبعد كل شيء، تنطوي الديموغرافيا على

إحصاء الناس وتصنيفهم. ومع ذلك، وكما أظهر فوكو وآخرون، يفتقد الإحصاء الحيادية عندما

تشارك الحكومات فيه. وتؤدي عوامل الع رق والجنس والعمر واللغة وحتى المنطقة الجغرافية، دورًا

في إعطاء الديموغرافيا منحى سياسيًا، ولا سيما في مناطق متنازع عليها. في الواقع، أدخل فوكو

مفهوم السياسات الحيوية لإبراز العلاقة بين علم الأحياء الاجتماعي Sociobiology والسياسة تحت

(((5 رنا بركات، «مجرمون أم شهداء؟ فلندع المحكمة تقرر! الإرث الاستعماري البريطاني في فلسطين وتجريم المقاومة»، مجلة

عمران، العدد 6 (تشرين الثاني/ نوفمبر 2013)، ص.72–55 (((5 إيليا زريق، «تشكيل فلسطين عبر ممارسة المراقبة»، مجلة عمران، العدد 6 (تشرين الثاني/ نوفمبر 2013)، ص.98–73 (((5 جنكيز كيرلي، «المراقبة وتشكيل الحيز العام في الإمبراطورية العثمانية»، مجلة عمران، العدد 6 (خريف 2013)، ص.50

قضايا في تطوّر العلوم الاتج ماعية فيالعالم العرب

رعاية الحكومات. ولم يجد يوسف كرباج حرجًا، وهو ديموغرافي معروف في الشرق الأوسط، من إدراج الديموغرافيا في العالم الإسلامي في سياق «حوار الحضارات» بين الشرق والغرب. ويتساءل كرباج، في عنوان بحثه الذي نشرته مجلة عمرانفي عام 2013، «هل تؤدي الثورة الديموغرافية إلى ثورة ديمقراطية؟». في بداية البحث، يستند كرباج إلى حجة صامويل هنتنغتون وآخرين في رفضه التفسير الأساسي explanation Essentialized لصراع الحضارات بين الغرب والشرق. وفي عنوان كتابه اللاحق لقاء الحضارات: تحولات المجتمعات المسلمية حول العالم، يُجيب

كرباج عن تساؤله السابق من خلال اختياره مفهوم «التقارب» Convergence بدلً من الاختلاف في التحول الديموغرافي للمجتمعات المسلمة وغير المسلمة. كيف توصل إلى هذا الاستنتاج؟ وهو يعتمد على توقعات الديموغرافيين الآخرين الذين يزعمون أنه عندما تتجاوز نسبة الشباب المتعلمين في المجتمع 50 في المئة من السكان، ينبغي للمرء أن يتوقع تغيرًا اجتماعيًا جذريًا.

بالاستناد إلى فكرة وجود تشابه ديموغرافي تاريخي بين أوروبا والشرق الأوسط المتمثل بنسب انتشار التعليم، أولً بين الذكور، ومن ثم بين الإناث، فإنه وهكذا، في عام 2010، وصلت نسبة معرفة القراءة والكتابة في العالم العربي بين الذكور في الفئة العمرية 19–15 عامًا بين 80 و 90 في المئة. وتصل بين النساء إلى النسبة نفسها، باستثناء السودان واليمن وموريتانيا والمغرب. وترتاد النساء مؤسسات التعليم العالي بنسبة أكبر من الرجال. وارتفع متوسط العمر المتوقع expectancy Life من 40 عامًا في الخمسينيات، إلى 75 عامًا في عام 2010. وانخفض معدل الخصوبة من 7.5 إلى أقل من 3 خلال الفترة الانتقالية، ليصل إلى المعدل الوسطي الأوروبي في دول مثل إيران (1.8)، لبنان (1.6)، ونحو 2 في المغرب وتركيا وتونس. وانخفضت معدلّات الزواج انخفاضًا ملحوظ، ا ومعدلات زواج الأقارب أيضًا (الزواج بين الأقارب) Endogamy. تعكس هذه المؤشرات كلها، وفقًا لكرباج، التقارب بين الغرب والشرق. وفي المؤتمر السنوي الذي نظّمه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في آذار/ مارس 2017 بشأن موضوع «الهجرة والشباب العربي: الهجرة والمستقبل»، أظهر تقرير موجز نشرته مجلة عمران النقاط الرئيسة التالية: • أعرب 25 في المئة من المستجيبين عن رغبتهم في الهجرة بصفة دائمة من أوطانهم، وإذا ما نظرنا إلى تعريف عمر الشباب بين 25 و 35 عامًا، فسنجد أن نسبة الذين يرغبون في اختيار الهجرة الدائمة ترتفع إلى 35 في المئة. • باستثناء اللاجئين، تشير التقديرات إلى أن بين عامي 2000 و 2014، هاجر خمسة ملايين عربي.

(((5 يوسف كرباج، «هل تؤدي الثورة الديموغرافية إلى ثورة ديمقراطية؟ نموذجا الشرق الأوسط وشمال أفريقيا»، مجلة عمران، العدد 3 (شتاء 2013)، ص.22–7 (((5 هيئة التحرير، «الهجرة والشباب العربي: الهجرة والمستقبل»، مجلة عمران، العدد 22 (خريف 2017)، ص.227–213

شتاء   Winter 2020

• من المتوقع أن يصل عدد الشباب العربي في عام 2040 إلى 88 مليون شخص، أي بزيادة كبرى قدرها 20 مليون منذ عام.2005 • يحدث التحول الديموغرافي عندما ينخفض عدد الذين تقل أعمارهم عن 15 عامًا، والذين يقل

عمرهم عن 65 عامًا، في حين يزداد عدد الشباب. وتتميز هذه الفترة بزيادة عدد الباحثين عن فرص

عمل، بما يتجاوز قدرة سوق العمل على استيعابهم، ما لم يكن هناك تخطيط اقتصادي سليم. • يجب أن يشمل التخطيط التنموي أيضًا ضمان الحقوق الاجتماعية والاقتصادية وحقوق المواطنة في مواجهة السياسات التنموية التي يُهيمن عليها القادة السلطويون. ويحذّر تقرير ملخص من ذلك:

«ما لم يترافق الانتقال الديموغرافي مع انتقال ديمقراطي مؤسسي قائم على فهم التنمية بصفتها خيارات وفرصًا؛ أي حرية يمتلك فيها الشباب العربي نفسه، ويكون صوته مسموعًا. فالشروط التي

حكمت اندلاع حركات الاحتجاج والثورات، والتي كانت في معظمها نتاج إخفاق الانتقال المؤسسي الإصلاحي، لا تزال مستمرة. وتُعدّ الهجرة الفعلية والهجرة الاحتمالية في آن من أبرز نتائج هذا التوتر». • عند النظر في هجرة المرأة العربية، تشير التقديرات إلى أن 57 في المئة من المهاجرين هم من الذكور و 43 في المئة من الإناث. ويشير التقرير إلى أن هناك حاجة إلى مزيد من البحوث لدراسة الجوانب الاجتماعية لهجرة النساء العربيات، ولا سيما الحالة الاجتماعية والاقتصادية للنساء المهاجرات. وتبلغ معدلات الهجرة بين النساء اللبنانيات 11 في المئة مقارنة ب 8 في المئة للرجال، وفي الأردن بلغ معدل الهجرة نحو 20 في المئة من الرجال والنساء. • تصل نسبة الهجرة بين الأشخاص المؤهلين تأهيلً علميًا عاليًا (رأس المال البشري) Human

capital إلى النصف، مقارنة بالنسبة الإجمالية للذين يرغبون في الهجرة. وتُسجّل اﻟﺠﺰاﺋﺮ أﻋﻠﻰ معدّل

هجرة للعاملين من ذوي الكفاءات العليا ﻟﺘﺼﻞ إﻟﻰ 22.3 في المئة ﻓﻲ عام 2010. وﻣﻦ بين جميع اﻟﻤﻬﺎﺟﺮﻳﻦ ذوي اﻟﻤﺴﺘﻮى التعليمي العالي هناك 52 في المئة ﻣﻦ اﻟﻤﻐﺮب، وتستوعب أوروبا 86 في المئة ﻣﻦ اﻟﻘﻮى العاملة المغربية ذات المستوى التعليمي الرفيع، وقد أعرب نحو الثلث من أولئك الذين يرغبون في الهجرة إلى أوروبا عن استعدادهم للقيام بذلك بوجه غير قانوني. • من الواضح أنه بينما يُعالج الاتحاد الأوروبي موضوع الهجرة من خلال النظر في الوضع الأمني

للدول الأعضاء، فإن الوضع الاقتصادي هو الذي يدفع العرب للهجرة. • تُمثّل فلسطين معضلة في التخطيط السكاني؛ إذ يُهيمن الشباب على الهرم السكاني، حيث يشكل

هؤلاء الذين تراوح أعمارهم بين 0 و 14 عامًا 39 في المئة من نسبة السكان، في حين يمثّل أولئك

الذين تزيد أعمارهم على ستين عامًا 5 في المئة. أكثر من ثلث أولئك الذين يهاجرون حاصلون على

درجة البكالوريوس. ويمثّل اللاجئون الفلسطينيون في لبنان حالة خاصة، ارتفاع نسبة البطالة والفقر

(((5 المرجع نفسه، ص.218

قضايا في تطوّر العلوم الاتج ماعية فيالعالم العرب

(28 في المئة)، ويمثل انعدام الحقوق الاقتصادية والسياسية والمدنية الدافع وراء الهجرة الخارجية على نطاق واسع لدى هذه النسبة. • يدعو التقرير إلى إنشاء هيئة تحت رعاية جامعة الدول العربية لتنظيم الهجرة العربية إلى أوروبا والدول الأخرى. كما يدعو إلى التنسيق مع مؤسسات التعليم العالي التي تستقبل الطلاب العرب المحتملين والباحثين عن مزيد من فرص التعليم.

تاسعًا: دور اللغة في التوثيق وجمع المعلومات عبر الفضاء الإلكتروني

جرى استكشاف قضية اللغة مع مجموعة من الباحثين الدوليين الذين ركّزوا على انفتاح وتحرير ويكيبيديا Wikipedia في منطقة الشرق الأوسط. في ملخصهم للتقرير، يشير الباحثون الأساسيون إلى «استمرارية عدم التماثل في المعلومات بين منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والكثير من العالم المتقدم»، ويُهيمن على تأليف الموسوعة الحرة تحرير «الشمال العالمي الذي يعاني الكثير من العوائق

التي تمنعه من الحصول على المعلومات» إلى جانب «ندرة الوصول الحر إلى الوثائق الحكومية [العربية] التي تقف حائلً أمام المزيد من النمو في هذا المجال ». وعلى الرغم من زيادة استخدام الإنترنت، فإن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا محدودة الوجود على مواقع الإنترنت. وعلى الرغم من الازدياد الملحوظ في شعبية ويكيبيديا العربية منذ تأسيسها في عام 2004، فإن حجم التناقض في استخدام ويكيبيديا الإنكليزية والعربية لا يزال ضخمًا: بمعدل 18 مليار صفحة باللغة الإنكليزية تُشاهد

في الشهر، مقارنةً ب 135 مليون مشاهدة في الشهر لصفحات اللغة العربية. إضافة إلى ذلك، فإن عدد المقالات الصادرة باللغة العربية بشأن الدول الغربية يفوق عدد المقالات الصادرة باللغة العربية بشأن الدول العربية من أربع إلى ست مرات.

عاشرًا: أخلاقيات البحث الاجتماعي

لاحظنا في حالة العالم العربي التدخل الحكومي الضمني والصريح في أبحاث العلوم الاجتماعية. لكن في مراقبة أخلاقيات البحث بوجه عام، هناك بُعد آخر أكثر حداثة في ممارسة العلوم الاجتماعية

في الدول الغربية. أشير هنا إلى توظيف حكومات ديمقراطية في الغرب علماء الاجتماع والنفس للقيام ببحوث تطبيقية، معظمها في بلدان أجنبية، تخدم مصالح الحكومات الغربية وتنتهك معايير أخلاقيات البحث. بعض الحلقات المشهورة التي تنتهك القواعد الأساسية لأخلاقيات البحوث تعود إلى عام 1964، عندما خُط ط لاسم مشروع كاميلوت Camelot لمكافحة المقاومة المحلّية ضد الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية، وقد تم التخلّي عن المشروع قبل أن يصبح حقيقة واقعة بعد توجيه انتقادات قاسية تتعلق بمنهجيته وأخلاقياته أيضًا.

(58) Graham Mark & Bernie Hogan, Uneven Openness: Barriers to MENA Representation on Wikipedia, A Technical Report (Oxford: Oxford University, 2013), p. 1.

شتاء   Winter 2020

اعتمد المشروع الثاني على توظيف علماء الأنثروبولوجيا وغيرهم من علماء الاجتماع لتطوير نماذج لمحاكاة الكمبيوتر بهدف تعزيز حرب الولايات المتحدة ضد التمرد في فيتنام. وكما هو معروف، لم ينجح هذا المشروع في تمكين الولايات المتحدة من إنجاز مهمتها في فيتنام. وفي عام 2006،

أُطلق نظام التضاريس البشرية، وهو مشروع مشترك بين العلوم الاجتماعية والعسكرية، جرى التخلّي عنه في عام 2014 بعد أن فشل في الوفاء بوعوده لرسم مخطط ناجح لمكافحة التمرد في أفغانستان والعراق. ويوصف هذا المشروع بأنه من أكثر المشروعات البحثية العسكرية مدفوعة التكلفة يشارك فيه علماء اجتماع، وقد زادت تكلفته على ثلاثة أرباع مليار دولار. صُمّمت هذه المشروعات وغيرها

من المشروعات المشابهة لمكافحة التمرد وفك شيفرة المصفوفة الثقافية للمجتمعات المعنية، وهو ما يفسر سبب قيام علماء الأنثروبولوجيا وعلم النفس بدور رئيس في تنفيذها. ومن الأهمية أن الاستشراق، باعتباره من أهم التيارات المثالية الفكرية والرئيسة الغربية، استند إلى «فك رموز عقول المسلمين» mind Arab and Moslem the Decode والشرق الأوسط في محاولة لكسب تعاطفهم. وقد أصبح كتاب العقل العربيلرافاييل باتاي Patai Raphael (1996–1910) بمنزلة الكتاب المقدس بالنسبة إلى الجنود الأميركيين الذين يقاتلون المسلمين والعرب في الشرق الأوسط. وتؤدي إسرائيل دورًا قياديًا في المطالبة بالتسلّط الأيديولوجي واحتواء الصراع القائم على أساس عرقي بحسب تعريفها.

واستخدمت احتلالها الأراضي الفلسطينية مثالً «ناجحًا» عن كيفية تهدئة المسلمين والعرب في مناطق

أخرى، العراق على سبيل المثال، حيث عملت إسرائيل مستشارًا للقوات الأميركية.

خاتمة

لا شك في أن أبحاث العلوم الاجتماعية في العالم العربي نمت نموًا كبيرًا منذ حصول الدول العربية

على استقلالها وتحرّرها من نير الاستعمار، وشرعت في إنشاء مؤسسات للتعليم العالي. ومع ذلك،

لا يزال وضع العلوم الاجتماعية والإنسانية العربية، مقارنةً بالعلوم الطبيعية، متراجعًا من حيث عدد

الجامعات العربية التي أنشأت كليات للعلوم الإنسانية والعلوم الاجتماعية. وهذا يعود إلى سبب ذي

شقين: أولً، تُبدي الأنظمة العربية الاستبدادية حذرًا من المعرفة التي ليس لها استخدام نفعي مباشر

مثل الهندسة والطب والفيزياء والرياضيات وعلوم الكمبيوتر على سبيل المثال لا الحصر، أضف إلى ذلك حقيقة أن العلوم الإنسانية والعلوم الاجتماعية تميل إلى النظر في الحكومات العربية، وحكومات أخرى في الواقع، من خلال عدسة نقدية. ثانيًا، أعطت العولمة شرعية أكبر للغة الإنكليزية بصفتها

اللغة المهيمنة في المنشورات العلمية. إن عامل اللغة أضرّ بالعلماء العرب الذين لم يحصل معظمهم

على التعليم بالإنكليزية، وزاد من تهميش الباحثين العرب وحرمانهم من التواصل مع علماء آخرين عبر العالم. حاولتُ أن أناقش في هذه الدراسة، أنه مثل النشاطات العلمية كلها، يجب رعاية علم الاجتماع العربي والحفاظ عليه في مؤسسات مرنة قادرة على دعم البحث عن الحقيقة بطريقة تحمي الفهم الموضوعي للواقع الاجتماعي، ومن خلال توظيف الوسائل الكافية، المنهجيات وأدوات التحري اللازمة.

قضايا في تطوّر العلوم الاتج ماعية فيالعالم العرب

لخصت الدراسة بعض المحاور التي عالجتها دورية عمران للعلوم الاجتماعية والإنسانية بهدف إلقاء الضوء على عملية اقتباس بعض المفاهيم المتداولة في أدب العلوم الاجتماعية المعاصرة، مثل العلاقة بين الديموغرافيا والديمقراطية، واستخدام أنماط مراقبة المواطن من الدول العربية، وعملية إنتاج المعرفة في ظل الاستعمار الذي تعرّضت له هذه الدول. حاولتُ أيضًا إبراز جهود المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في تبني مسوحات الرأي العام

بالعالم العربي بانتظام، باستخدام طرائق إحصائية في مثل هذه الدراسات لغاية قياس وتفهّم تطلّعات

عيّنات ممثِّلة تجاه قضايا تشغل الرأي العام في المنطقة العربية. في نهاية الدراسة قدّمنا أمثلة تشير بوضوح إلى خرق مبدأ ممارسة أخلاقيات منهجية ومعيارية من شأنها الدفاع عن نزاهة بحوث العلوم الاجتماعية وموضوعيتها. وإذا كانت الحكومات العربية تنتهك هذه المبادئ بصورة مستمرة، فإن الدول الغربية، بما فيها إسرائيل، استخدمت على نطاق واسع العلوم الاجتماعية والإنسانية باعتبارها أداة لشنّ حروب كولونيالية وإخضاع الدول المستعمَرة لضغط سياسي.

References

المراجع

العربية

بامية، محمد. العلوم الاجتماعية في العالم العربي: أشكال الحضور. التقرير الأوّل. بيروت: المجلس

العربي للعلوم الاجتماعية،.2015 بركات، رنا. «مجرمون أم شهداء؟ فلندع المحكمة تقرر! الإرث الاستعماري البريطاني في فلسطين وتجريم المقاومة.» مجلة عمران. العدد 6 (تشرين الثاني/ نوفمبر.)2013 بن هونات، يزيد. «القبيلة كأفق سياسي في الجزائر.» مجلة عمران. العدد 15 (كانون الثانى/ يناير

جدليات الاندماج الاجتماعي وبناء الدولة والأمة في العالم العربي. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2014 حمزاوي، سهى وسامية كواشي. «إشكالات علم الاجتماع في العالم العربي: قراءة تحليلية لاعترافات بعض علماء الاجتماع العرب.» مجلة العلوم الإنسانية والاجتماعية. العدد 28 (آذار/ مارس.)2017 حمودي، عبد الله. العلوم الاجتماعية في العالم العربي: مقاربة الإنتاجات الصادرة باللغة العربية)2016–2000(. التقرير الثاني. بيروت: المجلس العربي للعلوم الاجتماعية،.2018 زايد، أحمد. «من البصاصة إلى الصراع والعنف: آليات المراقبة في الدولة المصرية الحديثة.» مجلة عمران. العدد 6 (خريف.)2013

شتاء   Winter 2020

زريق، إيليا. «تشكيل فلسطين عبر ممارسة المراقبة.» مجلة عمران. العدد 6 (تشرين الثاني/ نوفمبر

فاوبار، محمد. «سوسيولوجيا الإنتاج المعرفي الكولونيالي بشأن التربية والتعليم في المغرب.» مجلة عمران. العدد 17 (صيف.)2016 كرباج، يوسف. «هل تؤدي الثورة الديموغرافية إلى ثورة ديمقراطية؟ نموذجا الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.» مجلة عمران. العدد 3 (شتاء.)2013 كيرلي، جنكيز. «المراقبة وتشكيل الحيز العام في الإمبراطورية العثمانية.» مجلة عمران. العدد 6 (خريف.)2013 الهاشمي، حميد. «علي الوردي والتأصيل الخلدوني لعلم الاجتماع في الوطن العربي.» إضافات. العدد 19 (صيف.)2012 الهراس، المختار. «دوريات العلوم الاجتماعية العربية: مناهج، مداخل ومقاربات.» ورقة خلفية. المرصد العربي للعلوم الاجتماعية (بيروت: 2015:). في 6 Z 7 pQo /2 ly. bit:// http «الهجرة والشباب العربي: الهجرة والمستقبل.» مجلة عمران. العدد 22 (خريف.)2017 الوردي، علي. دراسة في طبيعة المجتمع العراقي: محاولة تمهيدية لدراسة المجتمع العربي الأكبر في ضوء علم الاجتماع الحديث. بغداد: دار الوراق للنشر،.1965

الأجنبية

Ammar, Hamed. Growing Up in an Egyptian Village. London: Routledge; Kegan Paul,

Asad, Talal. Anthropology and the Colonial Encounter. London: Ithaca Press, 1973. Bamyeh, Mohammed. Social Sciences in the Arab World: Forms of Presence. Beirut: The Arab Council for Social Sciences, 2015. Batatu, Hanna. Syria’s Peasantry: The Descendants of its Lesser Rural Notables. Princeton, NJ: Princeton University Press, 1999. Denzin, Norman & Y. Lincoln (eds.). Handbook of Qualitative Research. Thousand Oaks, CA: Sage Publication, 1995. Gengler, Justinet al. «The Determinants and Impacts of Survey Attitudes in non– Western Contexts: Evidence from a Survey and Conjoint Experiment in an Arab Country.» Unpublished paper (2017). Giddens, Anthony. The Constitution of Society: Outline of the Theory of Structuration. Berkeley and Los Angeles: University of California Press, 1984.

قضايا في تطوّر العلوم الاتج ماعية فيالعالم العرب

Hanafi, Sari & Rigas Arvanitis. Knowledge Production in the Arab World. London: Routledge, 2015. Jessor, Richard, Anne Colby & Richard A. Schweder (eds.). Ethnography and Human Development: Context and Meaning in Social Inquiry. Chicago/ London: University of Chicago Press, 1996. Lutfiyya Abdulla & Charles Churchill (eds.). Readings in Arab Middle Eastern Societies and Cultures. The Hague: Mouton and Co., 1970. Majid, Rima. «The Presence of Social Science in Arab Civil Society Organizations.» The Arab Council for the Social Sciences. Background Paper (Beirut: 2015). at: http://bit.ly/33gzib9 Mark, Graham & Bernie Hogan. Uneven Openness: Barriers to MENA Representation on Wikipedia, A Technical Report. Oxford: Oxford University, 2013. Mills, C. Wright. The Sociological Imagination. Oxford: Oxford University Press,

Mitchell, Timothy. Colonizing Egypt. Cairo: American University of Cairo Press, 1988. Sa’di, Ahmad H. & Lila Abu–Lughod (eds.). Nakba: Palestine, 1948, and the Claims of Memory. Series Cultures of History. New York: Columbia University Press, 2007. Said, Edward. Orientalism. New York: Pantheon, 1978. Stoler, Ann Laura. Carnal Knowledge and Imprial Power. Berkeley: University of California Press, 2010. Tamari, Salim. «Problems of Social Science Research in Palestine: An Overview.» Current Sociology. vol. 42, no. 2 (1994). Tessler, Mark et al. (eds.). The Evaluation and Application of Survey Research in the Arab World. Boulder, CO: Westview Press, 1987. Willis, Paul. The Ethnographic Imagination. Cambridge: Polity Press, 2000. Zureik, Elia. «Constructing Palestine through Surveillance Practices.» British Journal of Middle Eastern Studies. vol. 28, no. 2 (2001). ________. Israel’s Colonial Project in Palestine: Brutal Pursuit. London/ New York: Routledge, 2016.