Return to Article Details Individual Freedoms and Equality in Tunisia between the Pacte Fondamental De 1857 and Human Rights Texts

الحريات الفردية والمساواة في تونس بين عهد الآمان وإعلان حقوق الانسان

Individual Freedoms and Equality in Tunisia between the Pacte Fondamental de 1857 and Human Rights Texts

سلوى الحمروني | Salwa Hamrouni *

الملخّص

انطلاقًا من المشروع الذي أعدّته لجنة الحريات الفردية والمساواة في الفترة 2017-2018، بطلب من رئيس الجمهورية السابق محمد الباجي قائد السبسي، لعرضه على مجلس نواب الشعب، تحاول هذه الدراسة تتبع المسار التشريعي الذي عرفته تونس في هذا المجال منذ منتصف القرن التاسع عشر، والعمل على إبراز الأسس التاريخية السياسية والفقهية المقاصدية التي بُني عليها المشروع المذكور. وتتعلق المحطات التشريعية التي تعتمدها الدراسة بتحرير العبيد في تونس في عام 1846، وقانون عهد الأمان الصادر في عام 1857، ونص الدستور الصادر في عام 1861، ثم مجلة الأحوال الشخصية التي تزامن صدورها مع استقلال البلاد في عام 1956، ودستور 1959، وصولًا إلى الدستور الذي صدر بعد الثورة في عام 2014. أما الهدف من ذلك، فهو وضع النقاش الحالي الجاري في تونس حول هذا المشروع في سياقه التاريخي الإصلاحي والقانوني، بطريقة تُمكّن من فهم أبعاد تطوّر الحريات الفردية في تونس – بشقيها الداخلي والخارجي - كونها كانت سياسة ومطلبًا على الرغم من تعثّر إقامة الديمقراطية.

Abstract

Abstract: Based on the 2017–18 project by the Individual Freedoms and Equality Committee in Tunisia, this paper traces the subsequent legislative trajectory followed by Tunisia since the mid–nineteenth century. It highlights the historical political and jurisprudential foundations on which the project is based, framing the ongoing debate in Tunisia on this project in the context of historical legal reform. The study thus seeks to understand the dimensions of the development of individual freedoms in Tunisia – both internally and externally – as a policy and a demand despite the faltering establishment of democracy.

الكلمات المفتاحية:
  • تونس
  • لجنة الحريات الفردية والمساواة
  • عهد الأمان
  • دستور 2014
  • مجلة الأحوال الشخصية
Keywords:
  • Tunisia
  • Pacte fondamental de 1857
  • Code of Personal Status
  • Tunisian Revolution
  • Individual Freedoms

ملخص: انطلاقًا من المشروع الذي أعدّته لجنة الحريات الفردية والمساواة في الفترة –2017

2018، بطلب من رئيس الجمهورية السابق محمد الباجي قائد السبسي، لعرضه على مجلس نواب الشعب، تحاول هذه الدراسة تتبع المسار التشريعي الذي عرفته تونس في هذا المجال منذ منتصف القرن التاسع عشر، والعمل على إبراز الأسس التاريخية السياسية والفقهية المقاصدية التي بُني عليها المشروع المذكور. وتتعلق المحطات التشريعية التي تعتمدها الدراسة بتحرير

العبيد في تونس في عام 1846، وقانون عهد الأمان الصادر في عام 1857، ونص الدستور الصادر في عام 1861، ثم مجلة الأحوال الشخصية التي تزامن صدورها مع استقلال البلاد في عام 1956،

ودستور 1959، وصولً إلى الدستور الذي صدر بعد الثورة في عام 2014. أما الهدف من ذلك، فهو وضع النقاش الحالي الجاري في تونس حول هذا المشروع في سياقه التاريخي الإصلاحي

والقانوني، بطريقة تُمكّن من فهم أبعاد تطوّر الحريات الفردية في تونس – بشقيها الداخلي

والخارجي – كونها كانت سياسة ومطلبًا على الرغم من تعثّر إقامة الديمقراطية.

Abstract: Based on the 2017–18 project by the Individual Freedoms and Equality Committee in Tunisia, this paper traces the subsequent legislative trajectory followed by Tunisia since the mid–nineteenth century. It highlights the historical political and jurisprudential foundations on which the project is based, framing the ongoing debate in Tunisia on this project in the context of historical legal reform. The study thus seeks to understand the dimensions of the development of individual freedoms in Tunisia – both internally and externally – as a policy and a demand despite the faltering establishment of democracy.

Professor of public law at the University of Carthage, member of the Individual Freedoms and Equality Committee in Tunisia.

مقدمة

يتحدّد موضوع هذه الدراسة الأساس بتتبع المسار التشريعي والقانوني الذي سارت فيه تونس منذ منتصف القرن التاسع عشر حتى عام 2014، المتعلق بالتأسيس للحقوق والحريات الفردية، وفقًا للتحولّات التي عرفها المجتمع التونسي وعلاقات نُخبه بما جرى، وبما يجري، في هذا الموضوع على المستوى العالمي. وسننطلق في دراستنا هذه من الأرضية التي انطلق منها عمل لجنة الحريات الفردية والمساواة التي أُعلن عنها، وتكوّنت في 13 آب/ أغسطس 2017؛ إذ كنتُ عضوًا فيها. وسنفحص في الدراسة، عمليًّا، ثلاثة مجالات يبرز فيها أكثر من غيرها ارتباط الإصلاحات

الحالية بموروثنا الثقافي النيّر، هي: مسألة الرق والاسترقاق، ومسألة الأمان بوصفها شرطًا للحرية،

ومسألة الحرية الدينية.

لجنة الحريات الفردية والمساواة وسياق تأسيسها

كي نُسهّل متابعة تفاصيل بحثنا التاريخي التشريعي وأبعاده وارتباطه بقضايا الحاضر، سنضع القارئ في ما يلي في السياق التونسي لمجمل هذا المسار، موضحين العلاقة بينه وبين قضية الحريات الفردية والمساواة كما طرحتها ثورة 14« جانفي 2011» وبلورتها المبادرة التشريعية لرئيس الدولة في عام

في تاريخ تونس المستقلة، لم تكن الحريات الفردية موضوع نضال يضاهي ذاك الذي ميّز فترتَي

حكم الرئيسين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي؛ إذ ركّزت المعارضة السياسية والطبقة الحقوقية جهودها على غياب الحريات العامة، خصوصًا منها حرية التنظّم في الجمعيات والأحزاب، أو حرية التظاهر والعمل النقابي. لعل ما حدث بعد عام 2011، من محاولات مصادرة بعض الحريات الفردية (التهجّم على بعض دور السينما والعروض الفنية والمقاهي المفتوحة في شهر رمضان)، أدّى إلى الوعي بهشاشة هذه الحريات، وإلى ضرورة ضمانها دستوريًّا، وهو ما حصل فعلً؛ إذ نصّ دستور 27 كانون الثاني/ يناير 2014 على أن «تضمن الدولة للمواطنين والمواطنات الحقوق والحريات الفردية والعامّة». وعلى الرغم من صراحة النص الدستوري، فإن الحريات الفردية بقيت موضوع تجاذبات سياسية كبرى، ارتبطت بتصوّر النمط المجتمعي المطلوب في تونس الجديدة. كما أصبحت الحريات الفردية،

(((في 13 آب/ أغسطس 2017 (يُوافق يوم المرأة في تونس)، أل ف الرئيس الراحل محمد الباجي قائد السبسي لجنة سُمّيت «لجنة

الحريات الفردية والمساواة»، وأوكل إليها مهمة تقديم توصيف وتحليل عام لحالة الحقوق والحريات والمساواة في تونس، مع مقترحات قانونية إصلاحية تتعلق بتوسيع هذه الحريات والحقوق وتكريس المساواة بين جميع المواطنين، ومن جملتها المساواة في الإرث، بقطع النظر عن معتقداتهم وجنسهم ولونهم. وقدمت اللجنة تقريرها إلى رئيس الدولة بعد قرابة ثمانية أشهر، وكان الرئيس ينوي تقديم مشروع في هذا الأمر إلى مجلس النواب، لكن المنيّة وافته قبل ذلك. وسال حبر كثير حول هذا التقرير، فاتهمه الإسلاميون بأنه يُعارض صريح

القرآن في ما يخص الإرث، واتهمه سياسيون آخرون بأنه لا يعدو أن يكون أداة لخوض المعارك الانتخابية، وذهب بعض المحللين إلى أنه محاولة «إصلاح» مُسقطة من فوق على المجتمع التونسي. لكن المشروع لم يُقدّم حتى الآن.

أكثر من قبل، عُرضة للاعتداء؛ إذ هناك من يرى أن الفرد غير ممكن الوجود، بصفته كيانًا له حقوقه الخاصة وحريته الشخصية، خارج المجموعة، بمفهوم Community / Communauté. في هذا السياق، تحرك عدد من الجمعيات الحقوقية لدعم هذه الحريات والتنديد بالاعتداءات التي تمتدّ إليها، في حين فضّل العديد من السياسيين غض الطرف عن هذه المسألة، نظرًا إلى علاقتها

بالمنظومة الدينية، وتحديدًا التيارات السياسية الإسلامية. خلال الحملة الانتخابية في عام 2014، وعدت بعض الأحزاب بالالتزام باحترام الحريات الفردية وضمانها، وهو ما ذهب إليه حزب نداء تونس الذي كان يترأسه الباجي قائد السبسي آنذاك. وفعلً، بعد ثلاثة أعوام من انتخابه رئيسًا للجمهورية بالاقتراع العام والمباشر، قرّر السبسي التقدم بمبادرة تشريعية

تقوم على محورين أساسيين؛ هما الحريات الفردية، والمساواة. من هنا، جاءت لجنة الحريات الفردية والمساواة التي أعلن عنها وكُوّنت فيُ 13 آب/ أغسطس 2017،

وهو يوم يحتفل فيه التونسيون والتونسيات بصدور مجلة الأحوال الشخصية الصادرة في عام. 1956 وقد ورد في الأمر الرئاسي المحدث لهذه اللجنة ما يلي: «تُحدث لجنة لدى رئيس الجمهورية تتولّى إعداد تقرير حول الإصلاحات المرتبطة بالحريات الفردية والمساواة». أعلن رئيس الجمهورية أن اللجنة ستعمل على إعداد هذا التقرير خلال ستة أشهر. وفعلً، أعدّت النسخة الأولى منه خلال المُدّة المحددة. لكن، وبتزامن هذا التاريخ مع تاريخ الانتخابات البلدية،

ارتأت اللجنة أن تؤخّر تسليمه إلى الرئيس إلى ما بعد الانتخابات، حتى تنأى بنفسها وبنتيجة أعمالها عن التجاذبات والمزايدات السياسية، فقُدّم التقرير ونُشر للعموم في 12 حزيران/ يونيو

جاء التقرير في جزأين؛ جزء يتعلق بالحريات الفردية، وقد انتهى بمقترح مشروع تبنّي مجلة خاصة بها، وجزء يتعلق بالمساواة، وقد انتهى بمقترح مشروع قانون يخص المساواة. تأسيسًا على التجربة التاريخية التونسية في هذا المجال، نقرأ في بداية مشروع مجلة الحريات الفردية

مجموعة من الاطلاعات، نجد فيها الأحكام المتعلّقة بالحقوق والحريات في عهد الأمان الصادر في 10 أيلول/ سبتمبر 1857، ودستور 1861، ودستور أول حزيران/ يونيو 1959. كما نجد تحديدًا للنصوص المؤسِّسَة: دستور كانون الثاني/ يناير 2014، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان في 10 كانون الأول/ ديسمبر

1948، والمعاهدات الدولية الضامنة لحقوق الإنسان التي وافقت وصادقت عليها الجمهورية التونسية.

(((الجمهورية التونسية، الرائد الرسمي للجمهورية التونسية، 2017، العدد 65. وتتركب اللجنة من السيدات والسادة الآتي ذكرهم: بشرى بالحاج حميدة (رئيسة)، عبد المجيد الشرفي (عضو)، سليم اللغماني (عضو)، درة بوشوشة (عضو)، مالك غزواني (عضو)، إقبال الغربي (عضو)، كريم بوزويتة (عضو)، صلاح الدين الجورشي (عضو)، سلوى الحمروني (عضو). (((عمل جميع الأعضاء طوال هذه المدة المحددة تطوعيًّا، ومن دون التفرّغ للعمل في اللجنة.

(((الجمهورية التونسية، رئاسة الجمهورية، تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة (تونس: 2018)، شوهد في 2020/3/16، في:

https:// bit. ly /2 QivjXE

من المهم التذكير بأن الاطلاعات في النصوص القانونية مُلزمة بالنسبة إلى النصوص التي تُصدرها

السلطة التنفيذية فقط، حتى تُبيّن النصوص العليا التي اتخذتها أساسًا قانونيًّا، وغير معمول بها في

مطلع القوانين. وتُعدّ هذه القاعدة عامة؛ لأن النصوص التنفيذية تحتاج إلى إبراز النصوص الأعلى منها درجةً التي جاءت لتُطبّقها. أما النصوص التشريعية، فهي ملزمة باحترام إرادة السلطة التأسيسية فقط،

كما عُبّر عنها من خلال الدستور. نظريًّا، لا شيء يمنع النص التشريعي من إبراز الأسس الدستورية التي اعتمدها على الرغم من اهتمام

القاضي الدستوري بالمسألة نفسها عند مراقبته دستورية قانون ما. وفي الحالات كلها، رأت اللجنة ضرورة الإعلان الرمزي عن مسألتين مختلفتين؛ الأولى هي ما يُمثّله مشروع مجلة الحريات الفردية من

امتداد لكل المحاولات الإصلاحية التي شهدتها تونس منذ منتصف القرن التاسع عشر، بداية من عتق العبيد، ووصولً إلى دستور الجمهورية الأولى، مرورًا بعهد الأمان ودستور 1861. أما الرمزية الثانية، فتكمن في استعمال كلمة «تأسيسًا» قبل تحديد المرجعية القانونية التي بُني عليها المشروع. يأتي هذا التمشي في إطار النص المُحدث للجنة الحريات الفردية والمساواة الذي أشار إلى أن التقرير

يُعد «استنادًا إلى مقتضيات دستور 27 جانفي 2014 والمعايير الدولية لحقوق الإنسان والتوجّهات

المعاصرة في مجال الحريات والمساواة». بيّن النص، إذًا، المرجعيات التي وجب على اللجنة الاعتماد عليها لإعداد مقترحاتها، وهو ما قامت

به فعلً وما نجده في كامل التقرير، خصوصًا في الجداول التحليلية لمسألتَي الحرية والمساواة. وبعد صدور التقرير، قوبلت اللجنة بهجمة شرسة، بُنيت أساسًا على مسألة الهوية الثقافية، وتحديدًا على ما

اعتُبر تنكّرًا لأحكام الإسلام وقواعده. لعل ما ورد في التقرير كان فرصة للتداول في المسكوت عنه، أو في ما يُقدّم على أساس أنه من

البديهيات التي لا تستدعي النقاش، والحال أنّ التاريخ التونسي يزخر بمحاولات إصلاحية راوحت بين اتباع الأمم المتقدمة وما تفرضه الخصوصية التونسية، بل يمكن القول إن ثورة 2011–2010، بشكلها السلمي وامتدادها في كل مناطق البلاد، وشرائحها الاجتماعية المختلفة، تحمل الصدى التاريخي لحركة الإصلاح التونسية في مجال الحقوق والحريات. وقد عَرّف مشروع المجلة الحقوق

والحريّات الفردية بأنها «الحقوق والحريات التي تهدف إلى حماية الفرد بصفته تلك، أو التي لا يحتاج

في ممارستها إلى مشاركة غيره». قد لا نحتاج إلى التذكير بأن فلسفات الأنوار، وجلّ منظري العقد الاجتماعي، انطلقت كلّها من فكرة تحرير الفرد كشرط من شروط العقد الاجتماعي؛ إذ جاء ضمان حرية الفرد المدنية بإخراجه من حالة

(((تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة، ص.2 (((المولدي الأحمر، «الطابع المدني والعمق الشعبي للثورة التونسية»، في: ثورة تونس: الأسباب والسياقات والتحديات (الدوحة / بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012)، ص.140–117 (((مشروع مجلة الحريات الفردية، يُنظر: تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة، ص. 105

الطبيعة ودمجه داخل جسم اجتماعي تشكلت من خلاله الدولة. نجد أيضًا إقرارًا مباشرًا لهذه الفكرة من خلال الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان والمواطن. أما في

الفصل الأول من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، فنجد القول: «يولد جميع الناس أحرارًا». مثّلت حرية الفرد وعقلانيته جوهر الفكر الحداثي، وهو فكر قام على تفكيك الفكر ذي المرجعية الجماعوية ونقضه. أمّا اليوم، فيمكن القول إنّ ضمان الحرية الفردية، أصبح مقياسًا للطبيعة الديمقراطية

لدولة ما، ولمدى احترامها لحقوق الإنسان. نصّت توطئة دستور 2014 على أن التونسيين والتونسيات يسعون إلى الريادة، ويتطلّعون إلى الإضافة الحضارية، ونحن نعتقد أن هذه الإضافة الحضارية ممكنة بشرط التخلّص من عقدة الآخر، كما تخلّص منها العديد ممن قادوا الحركة الإصلاحية في تونس. هذا ما يُناقش في تونس منذ مدة، وهذا ما يجعلنا نقترح على القارئ إبراز ما في تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة من امتداد لإرث التحديث في تونس، وما فيه من انفتاح على حقوق الإنسان الكونية، وذلك من خلال مسألة الحريات الفردية. سنحاول من خلال هذه الدراسة الانطلاق مما اقترحته اللجنة في مجال الحريات الفردية وإبراز أنه لا يشكل استجابة لدستور 2014، والتزامات الدولية للجمهورية التونسية فحسب، بل امتدادًا لما بدأته الحركة الإصلاحية منذ ما يُناهز قرنين من الزمن أيضًا.

1. الفرد: من منع الرق إلى منع الاسترقاق

تعني الحرية في معناها الأوّلي عدم إمكان تملك بعض الناس بعضهم الآخر، وهذا ما يُحيلنا على

مسألة عِتق العبيد قديمًا، ومنع الاسترقاق حديثًا. نصّ الفصل 23 من مشروع مجلة الحريات الفردية على ما يلي: «لا يجوز استرقاق أحد أو استعباده، أو إخضاعه للخدمة قسرًا، أو وضعه في حالة إسار دَيْن أو قنانة، أو سجنه من أجل عدم الوفاء بدين

تعاقدي». يبدو من الغريب أن يشكل الاسترقاق موضوع منعٍ في القرن الحادي والعشرين، والحال أن تونس كانت سبّاقة في وضع حد للعبودية. يرى المُتأمّل في مسألتي الحرية والمساواة في تونس أنهما شكّلتا محور اهتمام النخب التونسية منذ ما قبل الاستعمار، وأن التمشّي كان دائمًا تدريجيًّا، وإن كان متعثّرًا. ولا يخفى على أحد أن الحركة

الإصلاحية في تونس تعود إلى منتصف القرن التاسع عشر، وهي حركة تداخلت فيها العوامل الداخلية

(((الأمم المتحدة، الجمعية العامة للأمم المتحدة، الإعلان العالمي لحقوق الإنسان،.1948 (((تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة، ص.61

بالخارجية، والعوامل الموضوعية بالذاتية. كما لا يخفى على أحد أنّ الزخم المعرفي الذي ميّز هذه

الفترة كان متزامنًا مع إرادة التدرّج في القيام بالإصلاحات الضرورية، قُدوَةً بدول تقدمت على تونس في هذه المجالات. احتفلت تونس في 23 كانون الثاني/ يناير 2019، أول مرّة، بالعيد الوطني لإلغاء العبودية. وجاء هذا

القرار في إثر تبنّي القانون الأساسي عدد 61 لعام 2016 (مؤرخ في 3 آب/ أغسطس 2016) الذي يتعلق بمنع الاتجار بالأشخاص ومكافحته. حدّثنا ابن أبي الضياف، في كتابه اتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان، أن أحمد باي الأول، بدأ مسار إلغاء الرق منذ 6 أيلول/ سبتمبر 1841، وأنه أمر بمنع الاتجار بالرقيق وبيعهم في أسواق المملكة، خصوصًا سوق البركة، ثم أصدر أمرًا، في كانون الأول/ ديسمبر 1842، يعتبر مَن يولد على

التراب التونسي حرًّا، لا يُباع ولا يُشرى. وأضاف ابن أبي الضياف، وقد عاصر تلك الفترة: «لهذا البايِ

في ظاهر حاله شيء من الميل بطبعه إلى الحضارة التي أساسها وملاك أمرها الحرية [...] ولم يأمر بذلك دفعة واحدة، بل تدرّج إلى الوصول إليه». من هنا، صدر الأمر العلي في 23 كانون الثاني/ يناير 1846، المتعلق بإلغاء الرق، وجاء في ديباجته ما يُبيّن أنّ الباي أراد إبراز عدم تعارض الإلغاء مع جوهر الدين: «إنّه ثبت عندنا ثبوتًا لا ريب فيه أن

غالب أهل إيالتنا في هذا العصر لا يحسن ملكية هؤلاء السودان [...] وأن من يملك أخاه على المنهج الشرعي الذي أوصى به سيد المرسلين آخر عهده بالدنيا وأول عهده بالآخرة، حتى أن من شريعته التي أتى بها رحمة العالمين عتق العبد على سيده بالإضرار وتشوف الشارع إلى الحرية، فاقتضى نظرنا،

والحالة هذه، رفقًا بأولئك المساكين في دنياهم وبمالكيهم في أخراهم، أن نمنع الناس من هذا المُباح

المختلف فيه». ذكر بعض المؤرخين أن هذا الأمر أثار انتقاد بعض الجهات التونسية وبعض القبائل. وبقيت مسألة العبودية مطروحة في تونس إلى حدود صدور الأمر العلي، في 29 أيار/ مايو 1890، الذي نصّ على

جمع الأحكام المتعلّقة بإبطال العبودية بالمملكة، وهذا نصه: «وبعد، فلا يخفى أنّ المقدّس المنعم ابن عمّنا سيدي أحمد باشا باي أصدر أمره المؤرّخ في 25 محرّم الحرام سنة 1262 23[كانون الثاني/ يناير

1846] بإبطال العبودية من المملكة مراعاة لما تهم مراعاته من المصالح الدينية والإنسانية والسياسية [...] ولمّا كانت المقاصد الجليلة التي بني عليها الأمر المؤرّخ [...] ممّا يهمّنا إدراكها وكان من المفيد

((1(للاطلاع على الظروف التي حفَّت بإصدار عهد الأمان في عام 1857، يُنظر: أحمد بن أبي الضياف، اتحاف أهل الزمان بأخبار

ملوك تونس وعهد الأمان، تحقيق لجنة من وزارة الشؤون الثقافية، ج 4، مج 2 (تونس: الدار العربية للكتاب، 1999)، ص.268–257 (1((يُنظر: الجمهورية التونسية، الرائد الرسمي للجمهورية التونسية، 12 آب/ أغسطس 2016، العدد 66. ((1(ابن أبي الضياف، ص.89 ((1(المرجع نفسه، ص.87 (1((الهادي التيمومي، تونس والتحديث: أول دستور في العالم الإس مااي (صفاقس: دار محمد علي الحامي للنشر، 2010)، ص 89 وما بعدها.

أيضًا أن نجمع في أمر واحد جميع الأحكام المتعلّقة بإبطال العبوديّة بمملكتنا ومعاقبة من يخالفه، أصدرنا أمرنا هذا بالفصول الآتية: ‘ الفصل  1– لا عبوديّة بمملكتنا ولا يجوز وقوعها فيها، فكلّ إنسان حرّ مهما كان جنسه أو لونه ومن

يقع عليه ما يمنع حريّته أو يخالفها، فله أن يرفع أمره للمحاكم»’. قد يبدو لنا اليوم أن إلغاء العبودية مسألة حتمية لأنها مخالفة لكرامة الذات البشرية. أما الإلغاء في تلك الفترة، فعبّر عن شجاعة سياسية لما في ذلك من تقويض للعادات المجتمعية، وحتى لأنماط اقتصادية

تقوم على امتلاك العبيد. كانت تونس، إذًا، سبّاقة في إلغاء العبودية، وقيل إن هذا الإلغاء لم يكن لأسباب إنسانية، بل جاء نتيجةً

لضغوطات خارجية، أهمها الضغوطات البريطانية والفرنسية، فهل يمنع هذا الأمر من اعتبار العبودية إنجازًا حضاريًّا وجبت المحافظة عليه؟ وهل يمكن أن نتحدّث اليوم عن الفرد والحال أنّ آخرين يملكونه؟ ذكّرت لجنة الحقوق الفردية والحريات بضرورة منع الرق والاسترقاق؛ لأن الاستعباد بقي وإن زالت العبودية، ويكفي، في هذا السياق، الاطلاع على التقارير الدولية التي تبرز كونية الظاهرة. وفي هذا الإطار يتنزل القانون التونسي عدد 61 لعام 2016 (مؤرخ في 3 آب/ أغسطس 2016)، الذي جاء في فصله الأول أن القانون يهدف إلى منع الاتجار بالبشر، وإلى دعم التنسيق الوطني والتعاون الدولي في هذا المجال. كما جاء القانون بآليات الوقاية والحماية من هذه الظاهرة إلى جانب معاقبة المسؤولين عنها.

2. مسألة الأمن بوصفها شرطًا للحرية

خلال عملها على المشروع المذكور، اعتمدت لجنة الحريات الفردية والمساواة على الزخم المعنوي لفكرة الإصلاح والتحديث التي دأبت عليها النخب التونسية منذ القرن التاسع عشر، كما بيّنا سابقًا،

وعلى نصوص مرجعية لإقرار حزمة من الحقوق القضائية، وهذه النصوص كما يلي: في 9 أيلول/ سبتمبر 1857، أصدر محمد باي (1859–1855) قانون عهد الأمان الذي هو من النصوص المؤسِّسة للحداثة في تونس حتى في حال سَبْق الحركة الإصلاحية التحديثية لهذا التاريخ. وجاء

عهد الأمان بما سُمي «التحديث السياسي»، أو «الصباح الجديد»، الذي ساهمت النخبة الحداثية

التونسية من خلاله، في تلك الفترة، متأثرةً بالتجارب الغربية وخاصة الفرنسية والإنكليزية، في نحت معالم تجربة سياسية جديدة تقوم على الحد من سلطة الباي، وإقرار بعض الحقوق للرعية.

(1((أحمد باشا باي، منع الاسترقاق في المملكة التونسية، الأمر العلي،.1890/5/29

(16) United Nations, United Nations Office on Drugs and Crime (UNODC), Global Report on Trafficking in persons 2016 (New York: 2016).

((1(يُرجع التيمومي بداية الحركة الإصلاحية إلى ما قبل الاستعمار، وتحديدًا إلى عام 1831، يُنظر: التيمومي، ص 13 وما بعدها. ((1(المرجع نفسه، ص.116

لعله من المهم الرجوع إلى الظروف التاريخية التي حفَّت بما منحه عهد الأمان للرعية في ذلك الوقت؛ من أجل تفادي إسقاطات تاريخية بحثيةً كانت أو أيديولوجيةً. يتحدث المؤرخون بشأن تلك الظروف عن عسكري مسلم قتل يهوديًّا، وأنه قدّم أهله شهودًا حول الواقعة، فحكم الباي بقتل العسكري من دون الاستماع إلى جوابه. وبعد مدة، علم الباي أن يهوديًّا اسمه «باطو» شتم أحد المسلمين وسبّ دينه، وكان في حالة سكرٍ، ففضّل الباي إحالة المسألة على المجلس الشرعي، ولم يحكم فيها بالتعزير، كما كان معمولً به في المذهب الحنفي، ثم أمر بنشر النازلة في المجلس الشرعي. وأتى خصمُ اليهوديّ

جماعةَ المالكية، ومذهبهم شديد في أمثال هذه النوازل، فرأوا أنّ هذه المسألة من المسائل التي توجب القتل بلا استتابة، وقُرئت الشهادة على اليهوديّ، فأنكر صدور ذلك منه وأصرّ على الإنكار، وفي

المذهب الحنفي يُعدّ الإنكار في مثل هذه النوازل توبة. لكن الحكم تمّ بمقتضى المذهب المالكي، وقُتل الرجل على الرغم من محاولة تدخل بعض أعيان الفرنسيين لدى المجلس الشرعي. وفي إثر هذه الواقعة، جاء القنصل الفرنسي ليون روش لدى الباي ولامه على الأحكام المتسرّعة، وعلى الجلوس

للحكم في جنايات بما يراه وحده، وفي ذلك مخالفة لما دأب عليه سلفه من البايات. يبدو أن فكرة عهد الأمان، بدأت من هنا؛ إذ اشتكى بعض اليهود في باريس مما يعانيه إخوانهم من ضيمٍ، ذلك أنّ اليهود لم يعودوا آمنين بسبب التمييز على أساس الديانة. لذلك، أتى أسطول فرنسي إلى تونس، وقال ممثل فرنسا: «أتيت بهذه القوة لإعانتك على من يخالف أمرك في إعطاء الحرية لرعيتك والأمن على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم وأديانهم، وحاشا مثلك أن يُغصَب على العدل، وهو من أصول ملّتكم». كما أقرّ المؤرخ ابن أبي الضياف أن القنصل البريطاني أتى إلى الباي حاملًالطلب نفسه في اليوم التالي. بناءً عليه، ورد في ديباجة عهد الأمان أنّ «غالب أهل القطر لم تحصل لهم الأمنية بإجراء ما عقدنا عليه

النيّة. وجرت عادة الله أن العمران لا يقع من نوع الإنسان إلا إذا علم أن براءته هي الأمن له والأمان،

وتحقق أن سياج العدل يدفع عنه خوف العدوان، وأن لا وصول لهتك ستر من حرماته إلّ بقوة الدليل ووضوح البرهان». كما عبّرت الديباجة عن حقوق الرعية المتعلقة بالأمان على النفس كأمر «يستحسنه العقل والطبع»،

وهو ما يُحيلنا على العقلانية ومدى ارتباطها بمنظومة حقوق الإنسان، وهو أيضًا ما أكّده الفصل الأول من عهد الأمان الذي يقول فيه الباي: «الأمان لسائر رعيتنا وسكان إيالتنا على اختلاف الأديان والألسنة والألوان في أبدانهم المُكرّمة وأموالهم المُحرّمة وأعراضهم المحترمة، إلّ بحق يوجبه نظر المجلس

بالمشورة ويرفعه إلينا، ولنا النظر في الإمضاء أو التخفيف ما أمكن أو الإذن بإعادة النظر». هذه هي، إذًا، أولى لَبِنات ما يُسمى اليوم «محاكمة عادلة»؛ إذ لا يمكن لجهة أن تُقرّ العقاب بمفردها، وهو ما منع

من التسلّط، خصوصًا من العشوائية arbitraire ’ l.

((1(ابن أبي الضياف، ص.235 ((2(المرجع نفسه، ص.241 ((2(المرجع نفسه، ص.242

فتح عهد الأمان المجال للمصلحين التونسيين اللاحقين، وفي مقدّمتهم خير الدين باشا، مجالً للإصلاحات أكثر فأكثر، ومن ثمّ جاء دستور 29 كانون الثاني/ يناير 1861 في زمن محمد الصادق باي

(1882–1859)، وقد شمل هذا الدستور – الذي أقسم الباي وحاشيته وأعوانه وضباط الجيش أمام الملأ على العمل به – ثلاثة عشر بابًا و 114 فصلً حدّدت حقوق الحكّام والمحكومين وواجباتهم، كما

ضبطت نظام السلطة، وتضمّنت الفصل بين السلطات الثلاث. كان هذا الدستور بمنزلة الثورة التحديثية في بلد ينتمي إلى العالم العربي الإسلامي، وهو دستور مكتوب منحه محمد الصادق باي للتونسيين، وثبّت من خلاله ما جاء في عهد الأمان؛ إذ نصّ دستور

1861 في فصله الخامس على أن «سائر رعايانا على اختلاف الأديان، لا يُحكم على أحد منهم في

جناية ثقيلة أو خفيفة شديدة أو ضعيفة إلّ في مجالس الحكم على مقتضى هذا القانون، ولا يكون الحكم إلّ بما في هذا القانون». تُمِّم دستور 1861 بمجلة الجنايات والأحكام العرفية التي كانت مزيجًا من أحكام الشريعة الإسلامية،

بمذهبَيها المالكي والحنفي، والقانون الفرنسي. ولعل أهم ما يستحق الذكر في هذا المجال هو

منعها العقوبات المؤلمة للأبدان، أو ما يُسمى اليوم «العقوبات الجسدية» (كقطع اليد، أو الجَلْد،

أو الرجم). في الدستور التونسي الحديث، تمّ التقدم بتفصيل ودقة أكبر في هذه المسائل، وفقًا لتطوّر المجتمع

وزيادة المطالبة بالحقوق الفردية واحترام الذات البشرية. ففي الفصل 27 من الدستور التونسي لعام 2014، نجد أن «المتهم بريء إلى أن تثبت إدانته في محاكمة عادلة تُكفل له فيها جميع ضمانات الدفاع في أطوار التتبع والمحاكمة». كما كرّس الدستور نفسُه مبدأ شخصية العقوبة وشرعيتها (الفصل

28). أما الفصل 29، فأضاف أنه «لا يمكن إيقاف شخص أو الاحتفاظ به إلا في حالة التلبّس أو

بقرار قضائي، ويعلم فورًا بحقوقه وبالتهمة المنسوبة إليه، وله أن يُنيب محاميًا. وتُحدّد مدة الإيقاف

والاحتفاظ بقانون». وتأتي هذه الفصول في إطار ما يُسمى «الحق في محاكمة عادلة» بوصفه حقًّا أقرّه

القانون الدولي، مثل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، أو العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، أو الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب. في عامَي 2019–2018، أخذت لجنة الحريات الفردية والمساواة في الحسبان كل هذه المرجعيات،

(2((يُنظر أيضًا: خير الدين التونسي، أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك (تونس: بيت الحكمة،.)1990 (2((«لكلِّفرد الحقُّ في الحياة والحرّية وفي الأمان على شخصه»، يُنظر: الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، المادة.3

((2(«لكل فرد حق في الحرية وفي الأمان على شخصه. ولا يجوز توقيف أحد أو اعتقاله تعسفًا. ولا يجوز حرمان أحد من حريته

إلا لأسباب ينص عليها القانون وطبقًا للإجراء المُقرّر فيه. 2. يتوجّب إبلاغ أي شخص يتم توقيفه بأسباب هذا التوقيف لدى وقوعه،

كما يتوجب إبلاغه سريعًا بأي تهمة توجّه إليه»، الأمم المتحدة، الجمعية العامة للأمم المتحدة، العهد الدولي الخاص بالحقوق

المدنية والسياسية، 1966، المادة:9 1. وأضافت الفقرة الثالثة من هذا الفصل الحق في أن «يقدم الموقوف أو المعتقل بتهمة جزائية، سريعًا، إلى أحد القضاة [...] ويكون من حقه أن يُحاكم خلال مهلة معقولة، أو أن يُفرج عنه. ولا يجوز أن يكون احتجاز الأشخاص

الذين ينتظرون المحاكمة هو القاعدة العامة»، يُنظر: المرجع نفسه. ((2(الفصلان 6 و 7 من هذا الميثاق، يُنظر: منظمة الوحدة الأفريقية، الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب،.1981/6/27

وكل ما توصّلت إليه اللجان الأممية لحماية حقوق الإنسان، لتقترح مجموعة من الحقوق القضائية الضامنة لمبدأ الحرية، وما تقتضيه من حق في الأمان القانوني. في الفصل 36 من مشروع المجلة، جاء القول: «لكلِّ إنسان الحقُّ في الأمان والحرِّية». وهنا اقترحت

اللجنة توضيح مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات لتحقيق الأمان القانوني، ذلك أن المنظومة القانونية الحالية تشتمل على بعض الجرائم التي تُعرف بشكل غير موضوعي، مثل الجرائم المتعلقة بالاعتداء على الأخلاق الحميدة، أو المجاهرة بما ينافي الحياء، وهي مفاهيم يمكن أن تُمثّل مدخلً للاعتداء على الحريات الفردية إذا لم تُدقق. فجاء مقترح الفصل 37 كما يلي: «لا يقع تتبّع أحد إلّ بمقتضى

قانون سابق الوضع يُعرّف الجريمة تعريفًا دقيقًا واضحًا»، مع دفع المشرّع إلى اعتماد معيارَي الضرورة

والتناسب عند تحديد العقوبات. ومن منطلق احترام أن الأصل في الإنسان هو الحرية، اقترحت اللجنة على السلطات القضائية والإدارية، وغيرها من السلطات العمومية، احترام قرينة البراءة وفرض احترامها من الجميع، وفي كل الحالات. تعتبر جملة هذه الحقوق من مقوّمات الأمان القانوني، وهي حقوق ارتبطت اليوم بمفهوم «المحاكمة

العادلة» التي أصبحت موضوع تثبّت من طرف الهياكل الدولية المعنيّة بحقوق الإنسان. ورأينا في

ديباجة عهد الأمان ما يُذكّرنا بجملة هذه الحقوق، على الرغم من اختلاف الزمان والمكان وارتباط الموضوع في تلك الفترة بمفهوم الرعية، وليس بمفهوم المواطنة بمعناها الحالي.

3. الفرد وحرية المعتقد والضمير

كان ما تقدّم ذكره متعلّقًا بحرمة الفرد، وبأمانه على جسده وعرضه وماله، فماذا عن المسألة الدينية؟ من فضائل الثورة التونسية أنها أعادت، بقوة، قضايا حرية المعتقد وعلاقة الدولة والسياسة بالدين إلى النقاش. وفي الحقيقة، ليس هذا أمرًا جديدًا في تونس – وهو ما نُحاول إثباته في هذه الدراسة –

على الرغم من التطوّر الذي حصل في هذا المجال، والذي عملت اللجنة على تعزيزه في مقترحاتها

الخاصة بهذا الباب، ذلك أنّ مسألة حرية الديانات وعدم التمييز بينها، كانت قد طُرِحَت في تونس منذ

منتصف القرن التاسع عشر. في الفصل الثالث من «عهد الأمان»، نجد تنصيصًا على «التسوية بين المسلم وغيره من سكان الإيالة في استحقاق الإنصاف، لأن استحقاقه لذلك بوصف الإنسانية لا بغيره من الأوصاف، والعدل في الأرض هو الميزان المستوي يؤخذ به للمحق من المبطل وللضعيف من القوي». في اعتقادي، يُعبّر هذا الفصل عما نسمّيه اليوم «كونية حقوق الإنسان»، وقد لُخّصت هذه المسألة

بعبارة هي: «بوصف الإنسانية لا بغيره من الأوصاف»، أي ليس لأنه مسلم أو يهودي أو غني أو فقير، بل لأنه إنسان، وهو جوهر عدم التمييز.

((2(يُنظر: الوثيقة، شوهد في 2020/3/21، في: https://bit.ly/3aaOA5v «الباب الأول: النصوص والوثائق الدستورية لفترة ما قبل

الحماية، نص عهد الأمان 1[]»، حبيب بورقيبة نت، شوهد في 2020/3/21، في: xibPfa /2 ly. bit:// https

أما دستور 1861، فقد أقرّ الفصل الأول من الباب الثاني عشر منه، وعنوانه «فيما لأهل المملكة التونسية

من الحقوق وما عليهم»، عدم التمييز على أساس الدين، وأن «كل واحد من أهل المملكة التونسية، سواء ولد بالحاضرة أو غيرها من البلدان والقرى ونواجع العربان على اختلاف الأديان، له من الحق أن يكون آمنًا على نفسه وعرضه وماله، كما هو المُفتتح به في عهد الأمان». كما ضَمِن هذا الدستور المساواة أمام القانون، ف «سائر أهل المملكة على اختلاف الأديان بين يدَي الحكم سواء، لا فضل لأحد على آخر بوجه من الوجوه. يجري حكم هذا القانون على أعلى الناس مع أدناهم، من غير نظر لمقام ولا لرياسة وقت الحكم» (الفصل 3). أما الباب الثالث عشر، وهو بعنوان «فيما لرعايا أحبابنا الدول القاطنين بالمملكة التونسية»، فنصّ فصله الأول على أنّ «لجميع رعايا الدول الأحباب الوافدين على المملكة التونسية والقاطنين بها الأمن والأمان التام في دينهم وعباداتهم». كما أكّد أن «جميع رعايا الدول الأحباب لا يقع لهم التعرض في أحوال دياناتهم وواجباتهم، ولا يُجبر أحد منهم على تبديل دينه، ولا يُمنع من الانتقال لغير دينه إن شاء، وانتقاله لغير دينه لا يُخرجه من جنسيته، ولا يمنعه من رعايتها». في عام 2014، ومدفوعًا بالتوجّه الإصلاحي العريق نفسه، نصّ الفصل السادس من الدستور الجديد

على ما يلي: «الدولة راعية للدين، كافلة لحريّة المعتقد والضمير وممارسة الشعائر الدينية، ضامنة لحياد المساجد ودور العبادة عن التوظيف الحزبيّ». و«تلتزم الدولة بنشر قيم الاعتدال والتسامح

وبحماية المقدسات ومنع النيل منها، كما تلتزم بمنع دعوات التكفير والتحريض على الكراهية والعنف وبالتصدي لها». لعل هذا الفصل، يلخص كل التجاذبات السياسية والأيديولوجية التي ميّزت فترة ما بعد عام 2011. والجدير

بالذكر أنّ الفصل الذي أقرّ حرية المعتقد والضمير لم يأتِ في باب حقوق الإنسان، بل في الباب الخاص

بالمبادئ العامة التي تقوم عليها الدولة. ولئن ترجم مبدأ حرية المعتقد والضمير ما أقرّته النصوص الكونية

المتعلقة بحقوق الإنسان، فإن كل ما خرج عن هذا المبدأ جاء نتيجة توافق أريد من خلاله إرضاء من يُريد الدفاع عمّا يعتبره مقدّسًا، ومن يريد تجنّب دعوات التكفير وما تُمثّله من تهديد لحياة الأفراد. ذلك، إذًا، ما جاءت به الحركة الإصلاحية التونسية التي تقدّمت بفضل إرادة سياسية داخلية، على الرغم من التأثيرات الأجنبية، خصوصًا الفرنسية منها. ولعلّ ما أورده المؤرخون بشأن هذه الحركة أفضل دليل على أن الدولة التونسية كانت سبّاقة في مجال التحديث. وبيّن الهادي التيمومي أنه

(2((مثً، يُنظر القول: «لكلِّشخص حقٌّ في حرِّية الفكر والوجدان والدِّين، ويشمل هذا الحقُّ حرِّيته في تغيير دينه أو معتقده،

وحرِّيته في إظهار دينه أو معتقده بالتعبُّد وإقامة الشعائر والممارسة والتعليم، بمفرده أو مع جماعة، وأمام الم أو على حدة »،

الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، المادة.18 ((2(أثبتت أحداث ما بعد عام 2011 أن بعض التونسيين، خصوصًا من التيارات السياسية الدينية، لم يفهم بعدُ أن الديمقراطية

وحقوق الإنسان واحدة لا تتجزأ، وأن احترام الحريات الفردية هي جوهر الأنظمة الديمقراطية، وأن حرية المعتقد والضمير هي من

جوهر حقوق الإنسان. وبين عامَي 2012 و 2013، جرَت أحداث خطِرة، ضد بعض دور السينما والفنون، بدعوى أنها تسيء إلى

الأخلاق العامة، وخرجت جماعات سلفية متشددة في بعض شوارع الأحياء الشعبية في المدن، وفي الأسواق الأسبوعية، تُحرّض

على اتّباع سلوك منافٍ للحريات الفردية، تقول إنه مفروض دينيًا.

على الرغم من مساهمة الأوروبيين في نحت معالم التحديث في تونس، فإنّ «الكلمة الفصل كانت للتونسيين». على الرغم من هذا الزخم التاريخي، ومن قِدم مبدأ الحرية الدينية في تونس أيضًا، فإننا اليوم نجد الكثير من التشريعات التي تتنكّر لحرية المعتقد، والتي لا تُميز بين التونسيين وغيرهم فحسب، بل حتى بين التونسيين أنفسهم أيضًا، وذلك لاعتبارات دينية لا تتماشى مع طبيعة الدولة المدنية التي نصّ عليها دستور 2014. أفضت نقاشات المجلس الوطني التأسيسي إلى الإبقاء على الفصل الأول منه في الصيغة التي جاء بها في دستور غرّة حزيران/ يونيو 1959. وجاء هذا الفصل بقاعدة وصفية لا بقاعدة حكمية، باعتبار أن أغلبية التونسيين من المسلمين. ولعل دستور 2014 أكّد هذا التأويل باعتبار قيام الدولة المدنية على مفهوم المواطنة بوصفه مفهومًا جامعًا لكل التونسيين والتونسيات على اختلافهم وتنوّعهم. لذلك، حرصت لجنة الحريات الفردية والمساواة على إعادة طرح المسألة الدينية من منظور دستوري وحقوقي، وأبرزت بصورة آلية النصوص المتنكّرة لحرية الفرد في ضميره ودينه، قبل أن تقترح إقرار مبدأ حرية الفرد في هذا المجال. كما حرصت اللجنة على وضع النقاط على الحروف، وذلك من خلال تعريفها حرية المعتقد والضمير بأنها «حرية الإنسان في أن يدين بدين ما، أو أنْ لا يدين، وحريته في اعتناق أي دين أو معتقد يختاره، وحريته في إظهار دينه أو معتقده بالتعبد وإقامة الشعائر والممارسة والتعليم، بمفرده أو مع جماعة، وأمام الملأ أو على حدة». كما أكد المشروع حرية الفرد بمنع «تعريض أحد لإكراه من شأنه أن يُخلَّ بحريته في أن يدين بدين ما، أو بحريته في اعتناق أي دين أو معتقد يختاره». واقترح مشروع المجلة الحماية الجزائية للمقدسات وحرية الضمير، حتى يقع تنزيل ما ورد في الفصل السادس من الدستور على مستوى الممارسة التشريعية، ومن ثمة الممارسة الاجتماعية.

((2(يضيف الكاتب أن الدليل على ذلك هو ما ورد في منشور توضيحي، صدر في 29 كانون الثاني/ يناير 1861، جاء فيه ما يلي: «إن المنح المُعطاة في القانون لرعايا أحبابنا الدول العظام مشروطة بدخولهم تحت أحكامهم في الجنايات، وذلك يستدعي زمنًا

للكلام مع دولهم الفخام ونحن بصدده الآن»، يُنظر: التيمومي، ص.125 (3((ينظر: الجمهورية التونسية، المجلس الوطني التأسيسي، دستور الجمهورية التونسية،.2014/1/27 الفصل 2: تونس دولة مدنية، تقوم على المواطنة وإرادة الشعب وعلوية القانون. لا يجوز تعديل هذا الفصل. ((3(مداولات المجلس القومي التأسيسي التونسي، جلسة 14 نيسان/ أبريل 1956، وتحديدًا مداخلات علي البلهوان، والباهي الأدغم،

وأحمد المستيري، يُنظر: الجمهورية التونسية، مجلس النواب، مداولات المجلس القومي التأسيسي، 8 نيسان/ أبريل 1956 – 1 حزيران/

يونيو 1959، مركز البحوث والدراسات البرلمانية (باردو: 1 حزيران/ يونيو 2009)، شوهد في 2020/3/21، في: jx 1 bel /3 ly. bit:// https (3((مشروع مجلة الحريات الفردية، ص.111 ((3(المرجع نفسه.

خاتمة

تعني هذه التقاطعات كلها أن المنظومة القانونية التونسية كانت دائمًا متقدمة على سائر البلدان العربية والإسلامية، بل لعلّها تمثّل استثناءً في هذا المجال. لكن لا بد من تنسيب هذا القول حتى لا نخال أن

الحقوق الفردية شكّلت قناعة راسخة لدى حكّامنا؛ إذ لا ننسى أن القرن التاسع عشر لم يأتِ بحقوق الفرد كما نراه اليوم، بل هي حقوق مُنحت لرعيّة الباي، حتى في حال وجود إرادة متقطعة لجعل هذه الرعية مواطنين. إن القول بحرية الفرد لا يعني حتمًا تلك الفردانية المقيتة التي تقوم على إلغاء الآخر، بل هو قول يقوم على الوعي باستحالة حقوق الإنسان منطقيًّا من دون اعتراف بخصوصية الفرد وحريته. وهذا ما سعت لجنة الحريات الفردية والمساواة إلى إبرازه، وهو ما سيكون على المحك في الأعوام المقبلة في تونس؛ لأن معركة الحقوق الفردية تُعدّ في آخر الأمر معركة الديمقراطية.

References

المراجع

العربية

ابن أبي الضياف، أحمد. اتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان. تحقيق لجنة من وزارة الشؤون الثقافية. تونس: الدار العربية للكتاب،.1999 الأمم المتحدة. الجمعية العامة للأمم المتحدة. الإعلان العالمي لحقوق الإنسان..1948. العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.1966. باي، أحمد باشا. منع الاسترقاق في المملكة التونسية. الأمر العلي.1890/5/29. التونسي، خير الدين. أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك. تونس: بيت الحكمة،.1990 التيمومي، الهادي. تونس والتحديث: أول دستور في العالم الإسلامي. صفاقس: دار محمد علي الحامي للنشر،.2010 ثورة تونس: الأسباب والسياقات والتحديات. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2012 الجمهورية التونسية. المجلس الوطني التأسيسي. دستور الجمهورية التونسية.2014/1/27. الجمهورية التونسية. الرائد الرسمي للجمهورية التونسية.2016.. الرائد الرسمي للجمهورية التونسية..2017

الجمهورية التونسية. مجلس النواب. مداولات المجلس القومي التأسيسي. 8 نيسان/ أبريل 1956 – 1 حزيران/ يونيو 1959. مركز البحوث والدراسات البرلمانية. باردو: 1 حزيران/ يونيو:2009. في

الجمهورية التونسية. رئاسة الجمهورية. تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة. تونس: 2018:. في

منظمة الوحدة الأفريقية. الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب.1981/6/27.

الأجنبية

United Nations. United Nations Office on Drugs and Crime (UNODC). Global Report

https://bit.ly/3bel1jx

https:// bit. ly /2 QivjXE

on Trafficking in Persons 2016. New York: 2016.