العودة إلى تفاصيل المؤلَّف مسار الفردنة في تونس بين الديناميات الاجتماعية ومشروع النخبة الحداثوية

مسار الفردنة في تونس بين الديناميات الاجتماعية ومشروع النخبة الحداثوية

Individualisation in Tunisia: Between Social Dynamics and the Modernist Elitist Project

Abdellatif Hermassi | عبد اللطيف الهرماسي

الملخّص

تفحص هذه الدراسة المستويات التي بلغتها ممارسة الفردانية الاجتماعية في تونس، ومدى ما تُعبّر عنه الحركات الاجتماعية والمبادرات الفردية المساندة لتوسيع مجال الحقوق والحريات في وجود مطلب أو تيار مجتمعي راسخ يدفع في هذا الاتجاه. وتدرس استنادًا إلى المعطيات السوسيولوجية المتوافرة، الكمية والكيفية، مدى الارتباط بين المؤشرات الدالّة على توسع مجال الفردانية الاجتماعية في المرحلة الحديثة والمعاصرة من تاريخ تونس من جهة، والصراعات والتفاعلات الأيديولوجية والفكرية التي تبلورت بشأن هذه التحوّلات من جهة أخرى. وسيسمح لنا هذا التمشّي بمناقشة رهانات ومقترحات الحركات والجمعيات المطالبة اليوم بالتوسيع في الحقوق والحريات الفردية المُتاحة للتونسيين والتونسيات، وطبيعة المبررات التي تُساق للمناداة بهذه المطالب والدفاع عنها بالموروث الثقافي - الديني الإسلامي في المجال والمرجعيات الغربية.

Abstract

Abstract: This study examines levels of social individualisation in Tunisia, the extent to which it is expressed by social movements and individualist initiatives supporting the expansion of rights and freedoms in the presence of a firm societal demand or trend pushing in this direction. Based on the available quantitative and qualitative sociological data, it studies the extent of the relationship between indications of an expansion of the scope of social individuality in modern and contemporary Tunisian history on the one hand, and the ideological and intellectual conflicts and interactions that have developed because of these transformations on the other. This will allow a discussion about the stakes and proposals of the movements and associations demanding an expansion of the individual rights and freedoms available to Tunisians, and the nature of justifications presented to advocate for these demands in line with Islamic cultural–religious heritage and Western references.

الكلمات المفتاحية:
  • الفردانية الاجتماعية
  • فردنة
  • تفريد
  • تونس
  • الحريات الفردية
  • جماعوي
  • الإسلام الزيتوني
Keywords:
  • Individualism
  • Individualisation
  • Tunisia
  • Individual Freedoms
  • Collectivism
  • Zaytuna

ملخص: تفحص هذه الدراسة المستويات التي بلغتها ممارسة الفردانية الاجتماعية في تونس،

ومدى ما تُعبّر عنه الحركات الاجتماعية والمبادرات الفردية المساندة لتوسيع مجال الحقوق

والحريات في وجود مطلب أو تيار مجتمعي راسخ يدفع في هذا الاتجاه. وتدرس استنادًا إلى

المعطيات السوسيولوجية المتوافرة، الكمية والكيفية، مدى الارتباط بين المؤشرات الدالّة على

توسع مجال الفردانية الاجتماعية في المرحلة الحديثة والمعاصرة من تاريخ تونس من جهة،

والصراعات والتفاعلات الأيديولوجية والفكرية التي تبلورت بشأن هذه التحولّات من جهة

أخرى. وسيسمح لنا هذا التمشّي بمناقشة رهانات ومقترحات الحركات والجمعيات المطالبة

اليوم بالتوسيع في الحقوق والحريات الفردية المُتاحة للتونسيين والتونسيات، وطبيعة المبررات

التي تُساق للمناداة بهذه المطالب والدفاع عنها بالموروث الثقافي – الديني الإس مااي في

المجال والمرجعيات الغربية.

Abstract: This study examines levels of social individualisation in Tunisia, the extent to which it is expressed by social movements and individualist initiatives supporting the expansion of rights and freedoms in the presence of a firm societal demand or trend pushing in this direction. Based on the available quantitative and qualitative sociological data, it studies the extent of the relationship between indications of an expansion of the scope of social individuality in modern and contemporary Tunisian history on the one hand, and the ideological and intellectual conflicts and interactions that have developed because of these transformations on the other. This will allow a discussion about the stakes and proposals of the movements and associations demanding an expansion of the individual rights and freedoms available to Tunisians, and the nature of justifications presented to advocate for these demands in line with Islamic cultural–religious heritage and Western references.

Professor of Sociology and researcher at the Faculty of Humanities and Social Sciences in Tunisia.

مقدمة

يتعلق موضوع هذه الدراسة بالمستويات التي بلغتها ممارسة الفردانية الاجتماعية في المجتمع التونسي، والمجالات التي تمارس فيها، ودور العوامل الموضوعية المحددة أو المؤثرة في تطور التركيبة الاجتماعية والقوى الاجتماعية الفاعلة من دولة وأحزاب وجمعيات وشخصيات في ترسيخ هذه الظاهرة أو كبحها، وخصوصًا مدى تعبير الحركات والمبادرات المكافحة من أجل توسيع مجال الحقوق والحريات الفردية في تونس عن مطلب أو تيار مجتمعي ذي وزن. تتفرع من هذا التساؤل المحوري المركب أسئلة أخرى غرضها تدقيق أو تنسيب فرضية توسّع مجال ممارسة الفردانية الاجتماعية، هي: أولً: بماذا تفيدُنا المعطيات المتوافرة من مؤشرات كيفية ومعطيات كمية آتية، سواء من البحوث السوسيولوجية الميدانية أم من الإحصاءات الرسمية، عن الاتجاهات الراهنة للتونسيين والتونسيات على هذا الصعيد؟ نتحدث هنا عن مجالين رئيسين: المعطيات التي تخص العلاقة بين الجنسين، من تمثلات وممارسات تتعلق بالاختلاط في الفضاء العام والروابط داخل المؤسسة الزوجية وخارجها؛ والمعطيات المتصلة بالزيجات والعزوبية والطلاق. والمعطيات التي تهتم بالانتماء الديني واستتباعاته، سواء في مجال حرية الضمير والمعتقد والعلاقة بالجماعات الدينية الأخرى، أم في مستويات التديّن

والممارسة الطقوسية. ثانيًا: ما العلاقات الرابطة بين الاتجاهات والممارسات الحالية وما شهده المجتمع في المرحلة الحديثة

من تحولّات اقتصادية واجتماعية وثقافية، ومن صراعات وتفاعلات أيديولوجية وفكرية (الاتجاهات

الحداثية بما فيها أيديولوجية نخبة السلطة إضافة إلى التيارين اليساري والنسوي والتيارات الدينية والاجتماعية المحافظة بما فيها التونسية المنشأ والوافدة على الثقافة الزيتونية)؟ ثالثًا: ما رهانات ومقترحات الحركات والجمعيات المطالبة بالتوسع اليوم في الحقوق والحريات الفردية المتاحة للتونسيين والتونسيات؟ وما طبيعة علاقتها بالموروث الثقافي/ الديني والمرجعيات الغربية (من فكر التنوير إلى المعاهدات والمواثيق التي موضوعها حقوق الإنسان)؟ وأي مبرّرات

تقدّم للدفع بمطالبها؟ ليس في وسع مساهمتنا هذه تقديم إجابات مكتملة عن هذه الإشكالية والأسئلة كلها، لكننا سنُحاول فيها الإيفاء بالحد الأدنى من تلك الإجابات، مُدركين المصاعب الحافّة بهذا العمل، سواء من جهة الهوّة ما بين الزاد النظري للإنتاج بشأن الفردانية في الغرب، في مقابل الفقر والكسل الغالب على

الحالة العربية، أم من جهة المزالق الأيديولوجية التي تتربّص بكل من يتناول هذا الموضوع، ولا

نستثني في ذلك شرقًا أو غربًا.

أولا: مفاهيم البحث وإشكالاته النظرية

ليس بخَافٍ أن المفاهيم باعتبارها أدوات لتعقّل الواقع، فهمًا وتأويلً وتفسيرًا، لا تصدر في المجالات

الإنسانية والاجتماعية عن موضوعية مجردة، ولا عن معرفة مطابقة للواقع، إنما هي محاولات لمقاربة العوامل والاتجاهات المجتمعية، تنطلق ضرورةً من رؤية إلى الكون والإنسان والمجتمع والفرد، ومن ثمّ من مسلّمات وقيم تتّخذ منها زاوية للنظر وسجلً للقراءة. وأكثر ما تنطبق هذه الملاحظة

على موضوعات ومسائل هي محل رهانات متعددة وتجاذبات في الحقل العلمي. تجلّى بعضُها في المزدوجات (الثنائيات) المفاهيمية المتعارفة، على غرار الجمعوي – الفردي، والكلّي – الفرداني، والمقدّس – الدنيوي، والتقليدي – الحديث. وعلى الرغم من صعوبة إيجاد توافق بشأن استخدامات ومدلولات مفاهيم مثل تفريد Individuation، وفردنة Individualisation، وفردانية Individualisme، سواء بسبب تعدّد المنطلقات والنماذج النظرية الموجِّهة للباحثين، أم بسبب المشكلات الخاصة بتعريب المصطلح في العلوم الاجتماعية، فإننا سنبدأ بتعريف أوّلي نحاول من خلاله العبور نحو

معالجة إشكاليتنا واستقصاء واقعنا. نتحدث عن الفردانية للإشارة إلى أوضاع وسيرورات يمتلك فيها الفرد قيمة بذاته، ويتصرّف باعتباره شخصًا له استقلال نسبي لا محالة، في أحاسيسه وتفكيره وسلوكه

وانتمائه إلى جماعة ما، سواء كانت سلالة (عائلية، قبلية... إلخ) أم جماعة محلّية (جيران، قرية، مدينة صغيرة... إلخ) أم جماعة دينية (أمة عقائدية، طائفة، طريقة صوفية... إلخ) أم جماعة قومية. وبخصوص الإرث النظري والمفاهيمي، قرأ إميل دوركايم هذه الظاهرة باعتبارها حصيلة لسيرورة من تقلّص مساهمة الوعي الجمعي وكثافته لفائدة الضمير الفردي، بفعل تقدم تقسيم العمل وتمايز الوظائف الاجتماعية وكثافة الاتصالات. فبالتوازي مع هذا التطور، يكتسب الأفراد وعيًا بشخصياتهم

ومسؤولياتهم، وتشهد المجتمعات تقلّصًا في دائرة الأفعال التي يفرض فيها الضمير الجمعي أوامره ونواهيه، وتراجعًا في قوة ردات الفعل الجمعية على خرق المُحرّمات والمسّ بالمقدّسات الاجتماعية.

وللعلم، فإن هذه المساهمة على أهميتها، لم تحُل دون وجود نقطة ضعف في تحليل دوركايم بسبب

عدم التمييز الكافي بين النزعة الفردانية والأنانية، خلافًا لألكسيس دي توكفيل، السابق عليه زمنيًا،

الذي يحتلّ موقعًا هامشيًا بالنسبة إلى التيار السائد في فرنسا والمهووس بأولوية الكل على الفرد. اعتبر دي توكفيل الأنانية، أي الحب المفرط للذات المؤدي إلى تقديم المصلحة الذاتية والشخصية على ما عداها، ظاهرةً قديمة، بينما الفردانية ظاهرة حديثة، وعرّف الفردانية بأنها سلوك متبصّر ومسالم،

يدفع المواطن إلى العزلة والانطواء على عائلته وأصدقائه، ومن ثمّ الاكتفاء بحيّز ضيق من العلاقات

يجد فيه راحته واستقلاليته، تاركًا المجتمع الكبير لذاته. وربط دي توكفيل أيضًا الفردانية بصعود الديمقراطية، بمعنى الاتجاه نحو المساواة الاجتماعية والقانونية في الحظوظ؛ فخلافًا للمجتمع التقليدي أو القديم، حيث تتكامل المراتبية الاجتماعية مع التبعية المتبادلة بين الطبقات، ويوجد

(1) Emile Durkheim, De la division du travail social , 8 éme éd. (Paris: PUF, 2013).

تضامن بين الأجيال، تتميّز المجتمعات الديمقراطية بانحسار دائرة العاطفة لتقتصر على أقرب

الأقربين، ويصبح أفراد المجتمع كأنهم غرباء بعضهم عن بعض، لا ينتظرون شيئًا من أحد. لسنا في حاجة، بعد التذكير بهاتين المساهمتين التأسيسيتين، إلى الإفاضة في ما أضافته مقاربات أخرى ثرية كالتي اقترحها جورج زيمل وفرديناند تونيز، ولاحقًا نوربير إلياس بالنسبة إلى علم الاجتماع ما بعد الكلاسيكي، إضافة إلى كثير من المساهمات الجديدة التي باتت معروفة ومثيرة للجدل على غرار العمل الكبير الذي قدّمه لويس ديموند، وسنقتصر في ما يلي على إثارة بعض الإشكالات النظرية والمنهجية التي يصعب تفاديها. يتمثل الإشكال الأول في الأساس المعرفي والفلسفي للحديث عن الفردانية، وفي مسألة المرجعية هذه، وإن كانت تتمثل في فلسفة التنوير الأوروبية وامتداداتها في فكر الثورة الفرنسية. وهنا نجد زاويتي نظر متعارضتين: • ثمة مقاربة أولى تؤصّل المفهوم في فكر النهضة الأوروبية والأنوار وتجد تعبيرها لدى باحث مثل لوك فيري الذي ربط بين الاستقلالية والنزعة الإنسيّة. وتشير فكرة الاستقلالية هنا إلى طموح

الأفراد الثوريين، ورثة فلسفة الأنوار، إلى أن يكونوا مصدر القانون، وأن يُصنَع هذا الأخير من البشر ولأجلهم وفي إطار هيئة من نواب الشعب؛ الأمر الذي يعني نهاية الاتحاد بين الديني والسياسي. وبناء عليه، لحظة القطع مع الدين باعتباره مصدرًا للتشريع هي لحظة مأسسة الذاتية، وهذا هو

معنى الاستقلالية التي تتطابق مع الحرية، وإلى هذا تُضاف ملاحظتان: الأولى، تتشكّل الفردانية بفعل قدرة الفرد على التحرر من الموروث التاريخي للجماعة التي ينتمي إليها في الأصل والتماس قيمة مستقلة عن التقليد الثقافي. والثانية، تمثّل الفكرة الأخيرة المضمون الأعمق والأصلي لإعلان حقوق الإنسان، وفحواه أن الإنسان الفرد يكتسب قيمة لا من كونه منتميًا إلى جماعة، إنما لأنه قادر

على الانسلاخ عن جماعته. • أما المقاربة الثانية التي تقدم نفسها بديلً من الأولى، فهي عبارة عن نقد مسلّماتها، ولنقُل من الآن، إن الأوهام التي تزرعها تلك المسلّمات في أذهان شريحة من النخبة الحداثية التونسية، سنصطلح

(2) Alexis de Tocqueville, De la démocratie en Amérique: Souvenirs, l’ancien régime et la révolution (Paris: Éditions Robert Laffont, 1986), deuxième partie, chapitre II, pp. 496–497. (3) Georg Simmel, Sociologie et épistémologie (Paris: Payot, 1989). (4) Ferdinand Tönnies, Communauté et société (Paris: PUF, 2010 [1887]). (5) Norbert Elias, La société des Individus (Paris: Fayard, 1997). (6) Louis Dumont, Essai sur l’individualisme (Paris: Seuil, 1983). (7) Luc Ferry, «Le concept d’individualisme,» in: H. Dhaoui, H. Redissi & M. Kerrou (dir.), L’individu au Maghreb: Actes du Colloque International de Beit al–Hikma (Carthage 31 oct–2 nov 1991) , Préface de Mohamed Arkoun (Tunis: Editions TS, 1993), pp. 8–10.

عليها باسم النخبة الحداثوية، هي أول خطوة للمقاربة البديلة، وتتمثل في إرجاع الأفكار إلى السياق التاريخي الذي أنتجها، والتذكير بأن فكرة الفرد بصفتها تحررًا من الانتماء الجماعوي والقطع معه

رفَضها تيّار فكري وصمه التنويريون بالمضادّ للثورة. وفي هذا الإطار، يمكن الإشارة إلى دراسة جون

نويل فيري التي ربطت الاستقلالية النسبية بفكرة أن الإنسان يرتب تصرفاته بالعودة إلى ذاته. وبناء عليه، فإن حرية الإنسان ليست مدنية، ولا تتقرر بمقتضى القانون، كما لا تصدر عن العقل، كما يرى التنويريون، إنما تنتمي إلى مجال التنازع، ومن ثمّ لا يمكن تأسيس الفردنة/ الاستقلالية على الاعتراف

بالحرية الفردية من طرف نسق حقوقي يدّعي التطابق مع التطور العقلي، علمًا أن خبرة علم الاجتماع

تُبيّن كيف يمكن لمجتمعات أن تترك هامشًا واسعًا من الحرية لأعضائها بصياغتها من دون الاهتمام

بصياغة ذلك في قوانين. أمّا الإشكال النظري الثاني، وهو أيضًا إشكال في المنهج، فيتعلق بمدى قدرة التصور الذي ساد

عن الفردانية على تقديم تفسيرات مُرضِيَة للسيرورات الاجتماعية، سواء في المجتمعات الغربية أم

في عوالم أخرى، ومنها العالم العربي الإسلامي. يُسلّم براديغم التحديث بوجود تعارض مطلق بين

طرفي الثنائية فردانية – جماعوية، حيث إن نموَّ الأولى وانتشارها يتم على حساب الثانية، ويُفضي إلى

اندثارها، بل يذهب البعض في إطار مقاربة تطورية ومركزية غربية إلى القول بوجود تلازم بين الحداثة والفردانية، وإن الأمر استقرَّ نهائيًا لفائدة هذه الأخيرة، ولم يبقَ إلا القول إن الجماعات كلها مهما كان

نوعها، اندثرت بفعل تذرّر المجتمع. بيد أن تضارب القراءات بشأن تحولّات مؤسسة، مثل العائلة في الغرب، يدعو إلى التساؤل مجددًا عن

مدلول مفهوم الفردانية واستخداماته. لنُذكّر هنا بنزاع التأويلات المستمر منذ منتصف القرن العشرين. فثمة تيّار نظري دشّنه تالكوت بارسونز، قرر وجود اتجاه كوني لسيادة العائلة الزوجية وانعزالها عن

محيط القرابة، بما في ذلك انعزال الزوجين الشابين عن الأسرة الصغيرة التي ينشأ فيها كل منهما. والفكرة نفسها، نظرًا إلى أهميتها، أحياها فرنسوا دي سينغلي في كتاباته عن الانطواء الزوجي وفقدان

القرابة. لكن في مواجهة هذه القراءة نجد تيّارًا يؤكد استمرار روابط التضامن بين الأقارب، أو عودة

الطابع المرئي إلى روابط القرابة بعد مرحلة من التراجع.

(((نقترح مفهوم «الحداثوية» و«الحداثوي» لتسمية ظاهرة وسلوك خاصين بالسياق الثقافي/ الحضاري العام الذي تعيشه مجتمعات

العالم الثالث، ومن ضمنها المجتمعات العربية الإسلامية في علاقتها بالحداثة باعتبارها منجزًا ثقافيًا وفكريًا وقيميًا، أصبح ملك ا

وتراثًا للبشرية جمعاء، حيث نجد في المجتمعات المشار إليها، وخصوصًا لدى نخبها اتجاهين كبيرين: الأول هو التفاعل مع

مكتسبات الحداثة باعتبارها ضرورة تفرضها معايشة العصر ومتطلّبات الإفادة من هذا المنجز لمعالجة مشكلة التأخر التاريخي والتخلف الاقتصادي والتكنولوجي وحتى السياسي، لكن من زاوية رؤية جدلية وتفاعلية لعلاقة الحداثة بالتقليد، ومن ثم الإفادة من الموروث وإعادة تأويله لدمجه في الحديث، وهو الموقف الحداثي. وفي القطب المقابل، نجد شقًّا من النخبة يصاغر على تناقض مطلق مع التقليد والحداثة، ويرى أن لا حل له إلا بتصفية الأول والتحرر من الموروث برمّته، واعتبار ما أنتجه الغرب من فكر وقيم

وتشريعات ونماذج سلوكية بمنزلة المرجعية الوحيدة الجديرة بالاقتداء، بل بالاتّباع. فهذا الموقف القصووي نرى إفراده بتسمية

«حداثوي» لتمييزه ضمن التيار الحداثي العام.

(9) Jean–Noël Ferrié, «Evidence de l’individu,» in: Dhaoui, Redissi & Kerrou (dir.), pp. 206–208. (10) Talcott Persons, Eléments pour une sociologie de l’action , François Bourricaud (trad.) (Paris: Plon, 1955); François de Singly, Sociologie de la famille contemporaine , 3 éme éd. (Paris: Armand Colin, 2007).

يقودنا ما تقدم إلى التساؤل عمّا لم يفكّر فيه روّاد السوسيولوجيا الكلاسيكية عمومًا، ثم أصبح محلَّ

تنظير واعٍ من آخرين، أي مقارنة مسار ظهور الفرد والفردانية، فرسوخها في المجتمعات الغربية وفي غيرها من المجتمعات الأخرى، وخصوصًا المجتمعات المسلمة. هل علينا التسليم بوجود خط سير

يتشكل من مراحل ضرورية تمر بها البشرية كلها، وتتعرف فيه المجتمعات، التي ما زالت مرتبطة بالتقاليد، إلى مستقبلها في حال العائلة الغربية ومآلها اليوم؟ ما مدى جدّية التسليم بوجود قانون عام يحكم مسار ظهور الفرد عبر التاريخ وتطوّره؟ وما الشروط التي يقتضيها بروز الفرد؟ أهو وجود

مستوى كافٍ من حضور الملكية الخاصة أو الفردية، أم وجود نمط إنتاج رأسمالي من النوع الحديث، أم يكفي لذلك وجود عمران حضري، أو حالة حضارة بالمعنى الخلدوني؟ هل ثمة ترابط بين بروز الفرد وشيوع ثقافة وفكر يؤكدان أولوية الفرد على الجماعة، كما حصل مع الحداثة الغربية؟ تجشم قليل من الباحثين عناء طرح السؤال، وأقلّ منهم من اقترح عناصر إجابة، ومن بينهم الباحث التونسي في التاريخ عبد الحميد هنية الذي اصطدم، في بحثه عن إطار معرفي ونظري لدراسة سيرورة نشوء الفرد في المجتمع التونسي، بمسلّمة التعارض الجذري بين المجتمعات الشرقية والغربية، باعتبار أن الأولى منتمية إلى نموذج كلياني، لا يترك هامشًا لبروز الفرد، ولا يعترف إلا بالجماعات والمراتبيات، وأن الثانية مؤسَّسة على قُدسية الملكية الفردية وقيم الحرية والمساواة في

الإنسانية. فالجدل بشأن سيرورة الفردنة يتغذّى من قوالب فكرية جاهزة، تعود إلى المرحلة الاستعمارية وما قبلها؛ ما جعله يتخذ مسافة تفصله عن هذه المزاعم المركزية الغربية وهو يدرس ظهور الفرد في تونس في ظلّ حكم البايات.

ثانيًا: السياق الاجتماعي - التاريخي لبروز الفردانية في تونس وتناميها

تتمثل مقترحات هذه الدراسة في ما يلي: • وجد المجتمع التونسي نفسَه منذ أواسط القرن التاسع عشر عُرضةً لاختراق اقتصادي – اجتماعي،

تجسّد، خصوصًا، في الاقتحام الذي قامت به الرأسمالية والحداثة الاستعمارية المُبشّرة بالتمدين

(من المدنية)، وما أحدثه من تصدّعات في أطر الحياة الجماعوية، وخصوصًا منها القبلية في البداية،

وإلحاق سيرورة تطور المجتمع التونسي بمتطلّبات الهيمنة الإمبريالية، الاقتصادية منها والسياسية والثقافية والفكرية. • تواصلت التحولّات والاختلالات الناتجة من ذلك الاقتحام وتعمّقت في ظل الدولة المستقلة عبر

استراتيجية التحديث الإرادي والشامل التي وضعتها نخبة السلطة، ونفّذها بقوة جهاز الدولة الملتحم بالحزب الدستوري الحاكم.

(11) Abdelhamid Hénia, Le frère, le sujet et le citoyen: Dynamique du statut politique de l’individu en Tunisie (Tunis: L’or du Temps, 2015), pp. 12–16.

• تمخّضت هذه التطورات عن سيرورة مزدوجة وتناقضية لتمظهرات الفردانية الاجتماعية: من جهة

تعميق حالة التفكك التي أصابت أُطر العيش وإنتاج الثقافة الجماعوية، العائلية والجوارية والقروية والمدنية والدينية، من دون أن تؤدي إلى اندثارها، وبروز الفرد وكذلك الفردانية التي أصبحت تُبرّر

نفسها بقيم الحرية والمساواة الوافدة من الغرب، ومن المركز الفرنسي على وجه التحديد. ومن جهة أخرى، فرض وصاية الدولة بصورة مستمرة أو متقطعة على طرائق الممارسات الفردانية وأشكالها، كما هي الحال مثلً بالنسبة إلى الروابط الزوجية والسلوك ذي الصلة بالتديّن. • قد تكون هذه الازدواجية على صلة بعدد من الصور اللانمطية والمفارقات في تعبيرات الفردانية الاجتماعية، حيث تسجل سلوك اجتماعي يذهب الظن إلى أنه نتيجة لتنامي الفردانية والتشبّع بقيمها،

مع أنها ليست كذلك بالضرورة، وفي المقابل نجد الفردانية حيث لا ننتظرها، ونكتشف صيغًا منها رافضةً، بل معادية للحداثة.

1. الجماعة والفرد قبل المرحلة الاستعمارية وخلالها

لما وجد الاختراق الغربي طريقه إلى الجسم الاجتماعي التونسي، كان هذا الأخير في معظمه مُشكّل في جماعات، أوسعها الجماعة الدينية السُنّية، الأشعرية عقيدةً والمالكية مذهبًا، المتعايشة منذ قرون

مع التصوف الطرقي، كما تُشكّل فيه الوحدات القبلية (العروش) الأطر الكبرى الجماعية خارج المدينة، التي تنتظم بدورها ضمن جماعات قرابة ومراتبيات. وفي قاعدة الهرم، نجد العائلات الموسّعة، جامعةً مكوّناتها النووية تحت سلطة الجدّ أو الأكبر سنًّا من أبنائه. وفي هذا المجتمع أيضًا كانت تسود، من حيث الانتشار الجغرافي، ملكية الأرض المشاعية (أو المشتركة)، تحت مُسمّيات مختلفة، وكانت الملكية الخاصة، حول المدن والقرى، في الغالب عائلية لا فردية. كان يُحافظ على هذه الملكيات باللجوء إلى عادة الزواج من القريبة مثل بنت العمّ، وفي حالات

غير قليلة حرمان المرأة من حقها الشرعي في الميراث. وأخيرًا كانت تسود المجتمع التونسي الثقافة

الذكورية الأبوية، وتمثل فيها المرأة في الأساس وسيلةَ إنجابٍ وعملٍ غير معترف بها اجتماعيًا،

وضامنةً نظافة العِرض وسلامة النسب بالحفاظ على عِفّتها وعدم التوغل خارج الحي من دون مرافقة رجالية. هذه هي الصورة العامة والنمطية التي تحتاج إلى تنسيب؛ فخلافًا لبعض التعميمات، لا نرى أن الأُطر الجماعوية التقليدية كانت تحول، في المطلق، دون ظهور الفرد واكتسابه ذاتيةً وشخصيةً خاصة به يمكن تثمينها، لكنها بالأحرى أطرٌ عامةٌ تُتيحُ إمكان التعبير عن تلك الذاتية، وفي الوقت نفسه تحول

(12) Paul Sebag, La Tunisie: Essai de monographie (Paris: Editions Sociales, 1951), pp. 120–129. (13) Abdelwahab Bouhdiba, «Point de vue sur la famille tunisienne actuelle,» Revue Tunisienne de Sciences Sociales , no. 11 (Octobre 1967), pp. 11–14;

ينظر أيضًا: ص حاا الدين بن فرج، «العائلة والتحولات الاجتماعية في تونس»، رسالة ماجستير في علم الاجتماع، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس، 1993–1992، ص 75–74، 113، 139.

دون مصادمتها لمُحرّمات الجماعة ومُقدّساتها، ولا شك في أن المشهد يتنوّع تبعًا لاختلاف الوسط

الاجتماعي والانتماء الفئوي والمستوى الفكري ونسق التنشئة، كما هي الحال بين القادة والأتباع، والرؤساء والمرؤوسين، والخاصة والعامة، والعلماء والأميين، وكذلك الأمر بين الوسطين البدوي والريفي والوسط الحضري، وخصوصًا المرئي منه، حيث تزدهر تعبيرات الفردية معه. ومن المفيد الإشارة إلى أن عملية التنسيب هذه لمفاعيل التنشئة الجماعوية، وإكراهات الرقابة التي يمارسها المجتمع على الأفراد، ذهبت في ما يخص تونس إلى اقتراح القراءة النظرية للباحث عبد الحميد هنية المشار إليها سابقًا. ففي تعارضٍ مع مُسلّمات المركزية الأوروبية، ومع الأطروحة

الانقسامية التي روّجت لها لوسات فلنزي Valensi Lucette، اعتبر هنية أن تونس شهدت ظهورًا،

وإن كان محتشمًا، للفرد من خلال دينامية مُركّبة، قوامها محوران: الأول ما حصل في القرن التاسع

عشر من تساوٍ بين أفراد الرعية أمام الضريبة، ما شكّل خروجًا على قاعدة اللّمساواة بين المراتب

والمكانات الاجتماعية؛ والثاني ما جاء في إعلان «عهد الأمان» في عام 1857 من مساواة في الحقوق بين المسلمين وغيرهم، وبين أصيلي الحواضر والبدو؛ ما يعني الاحتكام إلى قيم عامة أو كونية. وطبقًا لهذه القراءة، حوّلت دولة البايات التونسيين إلى رعايا يدفعون الجباية بصفتها علامة على خضوع،

كما جعلت تلك الإصلاحات الهويات الخصوصية للجماعات تتراجع، وحوّلت ولاءها إلى الدولة،

وذلك قبل أن يحوّلهم الاستعمار الفرنسي إلى شعب، وتجعل منهم دولةُ الاستقلال مواطنين. في هذا الإطار، من المهم التذكير بأن استعمار تونس لم يكن عسكريًا وإداريًا فحسب، بل كان

استعمارًا اقتصاديًا وثقافيًا وفكريًا أيضًا، وهو استعمار رأسمالي استولى على أفضل الأراضي القبلية

والوقفية ليحوّلها إلى ضيعات عصرية تُلبّي حاجاته من المواد الزراعية، كما زرع عناصر اقتصاد

منجمي وصناعي، ومدّ سككًا حديدية وطرقًا تُسهّل عملياته، ونشر علاقات أجرية، واستخدم آلاف

التونسيين موظفين في إداراته وجنودًا لحروبه في مختلف أرجاء العالم. وهكذا أدّى الاستعمار إلى

تصدّع أُطر القبيلة والعائلة الممتدة والاقتصاد المعيشي والمنزلي، وتراجع مردودُها، ومارس نوعًا من

العملية القيصرية، استعجالً لميلاد الفرد المُحدَّث أو المتحرر من جماعته، إضافة إلى ما بذله من

جهد لإخراج المرأة إلى الفضاء العام وتشجيعها على الثورة على تقاليدها في مجال الهيئة واللباس. يُحيلنا هذا كله إلى قنوات غرس الثقافة والقيم الفرنسية وعواملها المختلفة، بدءًا بالإدارة والمدرسة

الفرنكوفونية الموجودة حتى في القرى الصغيرة، وانتهاءً بالدراسة في الجامعات الفرنسية وظاهرة

(14) Hénia, pp. 34–36, 54–56, 97. (15) Ibid., 1 ére partie et conclusion, pp. 59–117.

(1((عبد اللطيف الهرماسي، المجتمع والإس ماا والنخب الإص حااية في تونس والجزائر: دراسة مقارنة من منظور علم الاجتماع

التاريخي (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018)، ينظر خصوصًا الفصل الرابع المتعلق باستراتيجيات

المواجهة الرمزية للحداثة الاستعمارية. للعلم، كان الزعيم الحبيب بورقيبة قد تصدّى في 9 كانون الثاني/ يناير 1929 في تظاهرة جمعياتية لسفور التونسية حبيبة المنشاري،

مؤكدًا وجوب الحفاظ على خصائص الشخصية التونسية من الذوبان في ثقافة المستعمر؛ وكان حدثًا وجد صداه في صحيفة تونس

الاشتراكية الصادرة بالفرنسية في.1929/1/10

الزواج المختلط، مع شبكة واسعة من أدوات التأثير الأخرى التي أفرزت عملية مثاقفة واسعة، فيها ما هو مفروض، وما هو من باب تشبّه المغلوب بالغالب، وكذلك الأسر التي تمارس ثقافة وافدة مغرية.

وفي الحصيلة، تشبّع القطاع الحديث من النخب التونسية، وتأثرت قطاعات وشرائح اجتماعية أخرى،

بمكوّنات الثقافة الفرنسية، زادها تأثيرًا حضور الجالية الإيطالية، وتأثرت أيضًا بالنزعات العقلانية

والوضعية والعلمانية فيها، وهي تحولّات لم يكن لها مثيل في العالمين العربي والإسلامي، باستثناء

الحالة الجزائرية، وبدرجة أقل الحالتان المغربية واللبنانية.

2. الدولة الوطنية: تحديث شامل ومواطنة من دون مشاركة سياسية

انخرطت نخبة السلطة في تونس غداة الاستقلال في سياسة إراديّة، غايتها إنجاز تحديث يشمل قطاعات الحياة الاجتماعية كلها. وجعلت هذه النخبة الحداثية من سلطة الدولة التي احتكرتها وطوّعتها لأهدافها، وعمّرتها بكوادر الحزب الدستوري الموالية للزعيم الحبيب بورقيبة (–1957 1987)، دولة مُبشّرة بالحداثة على حد تعبير الباحث ميشيل كامو، حاملة ومُنفّذة في الآن ذاته مشروع مجتمع عبّرت عنه وثيقة الآفاق العشرية للتنمية في صيغة «تحديث الهياكل الاقتصادية والاجتماعية

الذهنية». ولتجسيم ذلك المشروع الطموح، رُكّزت المدرسة العمومية، بديلً من فروع المنظومة

التعليمية الزيتونية، وأسّست على ازدواجية اللغة والاختلاط بين الجنسين في فضاء القسم الواحد من إجلاس الفتى والفتاة جنبًا إلى جنب في مقعد واحد، وهو أمر استثنائي في العالم الإسلامي واستنساخٌ

للنموذج الفرنسي. كذلك أصدرت، بصورة مبكرة، تشريعات جريئة، أوّلها التشريع الثوري ل مجلة

الأحوال الشخصية، وتبعته مراسيم حلّ الأوقاف وتصفية الأراضي الجماعية، والتشجيع على التحوّل إلى الملكية الخاصة والفردية. تستحق السياسة العائلية والنسائية للنظام البورقيبي إشارة خاصة؛ إذ كان أول إصلاح أقدم عليه هو إدخال تغيير جذري إلى التشريع يجعل الرابطة الزوجية تؤسّس على الاختيار الحر لشريكين راشدين،

دونما ولاية أو وصاية من أي كان، بدءًا بالوالدين. وهكذا حقق قانون 13 آب/ أغسطس 1956

أحلام المصلحين التونسيين، وخصوصًا الطاهر الحداد (1935–1899) في تحرير المرأة بإلغاء تعدّد

الزوجات والتطليق من جانب الزوج، وتعميم التعليم ليشمل الإناث والذكور من دون أي تمييز، مع فتح باب العمل خارج المنزل، وفتح الفضاء العام أمام المرأة، بل تشجيعها على الانعتاق من التقاليد

(17) Michel Camau, «L’Etat tunisien: De la tutelle au désengagement,» Maghreb–Machrek , no. 103 (Janvier–Mars 1984), p. 12. (18) République Tunisienne, Ministère du Plan, Secrétariat d’Etat au plan et à l’économie nationale, Perspectives décennales du développement: 1962–1971 (Tunis: Impr. officielle, 1961);

عبد اللطيف الهرماسي، الدولة والتنمية في المغرب العربي: تونس أنموذجًا (تونس: دار سراس للنشر، 1993)، ص.56–55 ((1(ينظر: منوّر المليتي، «السلطة السياسية والدين في تونس: دراسة تاريخية اجتماعية، 1986–1956»، أطروحة دكتوراه في علم

الاجتماع، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس، 1993–1992، ج 1، بشأن حلّ الأحباس وتفتيت القاعدة الاقتصادية للهياكل

التقليدية، ص 390–338. وفيها يدرس انعكاسات الأمر العلّي بحلّ الأحباس العامة في 31 أيار/ مايو 1956، والأمر العلّي بحلّ الأحباس الخاصة والمشتركة في 18 جويلية (تموز/ يوليو).1957

والعادات في مجال الهيئة واللباس، ومن ذلك حثَّ الرئيس بورقيبة مناضلات الحزب الدستوري والاتحاد النسائي على نزع الحجاب التقليدي المُسمّى «السفساري». عمومًا، شكلت هذه السياسة التحديثية وأدواتها التشريعية والتنفيذية، والخطاب البورقيبي الناقد

والموجّه، ركائزَ لتحول عميق، من أبرز أبعاده غرس فكرتي المساواة والحرية في ذهن المرأة التونسية،

وتشجيعها على الأخذ بزمام مصيرها، والسير نحو مشاركة الزوج في إدارة شؤون العائلة خصوصًا، وأصبح جزءٌ متزايد من النساء يساهم في الإنفاق، ويُطالب بالحق في الاحترام وتحمّل المسؤولية.

وبدأت تربية الأطفال في ذلك الوقت تقوم على قيَمٍ اعتُبرَت ثوريةً لما تلقّتها الأجيال الأولى. ثمة بعد آخر من سيادة النظام الدستوري، هو تحديث المجال الديني وعلمنته، وتم ذلك عبر آليتين رئيستين: • إضعاف المؤسسات الدينية التقليدية، بما في ذلك إلغاء التعليم الزيتوني باستثناء المرحلة العليا، وإلغاء المحاكم الشرعية وإضعاف دور الزوايا والطرائق الصوفية. • اقتراح، بل فرض، قراءة عصرية للقرآن والسُنّة من أجل إسباغ الشرعية الدينية على الإصلاحات

الجذرية التي اقتضاها خوض «معركة الخروج من التخلف»، كما سمّاها بورقيبة، وكان من أواخرها

مقترحه في بداية الستينيات بالترخيص في إفطار رمضان. ثمة مجالات أخرى للتحديث لا تتّسع الدراسة للتبسط فيها على أهمية نتائجها، منها السياسات الاقتصادية التي اكتست في الستينيات طابعًا إراديًا وسلطويًا في محاولة تغيير البنى والعلاقات

الاقتصادية والاجتماعية تحت راية ما سُمّي الاشتراكية، وما أفرزته من تفقير سريع ونزوح مكثف من

المناطق البدوية والريفية نحو المدن، وكذلك سياسة تعميم التعليم وتركيز الإدارات الجهوية والمحلية وإقامة الهياكل الصحية وغيرها من التطورات المتسارعة التي أنتجت حراكًا واسعًا جغرافيًا واجتماعيًا،

ووفّرت مصعدًا للناجحين من أبناء الطبقات الشعبية. وبالتوازي مع ذلك، كانت أُطر الحياة التقليدية تتفكك، والمشهد العائلي يتحوّل من سيادة العائلة الممتدة بأيديولوجيتها الأبوية والذكورية إلى غلبة

((2(وشاح أبيض اللون تلتف به المرأة التونسية الحضرية عند الخروج من المنزل، يمكن أن يكون من النوع القماشي البسيط، أو حريريًا فاخرًا. أما في القرى والأرياف، فتختلف مكوّناته وألوانه وشكله بحسب المناطق.

(21) Bouhdiba, pp. 14–20; Abdelwahab Bouhdiba, Culture et Société (tunis: Université de Tunis, 1978), pp.177–200;

يُنظر أيضًا: بن فرج، ص 335–299؛ خطاب الرئيس الحبيب بورقيبة: «تقدم المرأة رهين القضاء على التقاليد البالية»، كتابة الدولة

للأخبار (تونس)، 1965/8/13. ((2(عبد اللطيف الهرماسي، «السياسات الدينية في تونس بين حرية الضمير ودولنة الدين»، في: عبد اللطيف الهرماسي (تنسيق)،

تقرير الحالة الدينية وحرية الضمير في تونس 2015، مراجعة محمد جويلي (تونس: منتدى العلوم الاجتماعية التطبيقية؛ الصندوق العربي لحقوق الإنسان؛ المرصد الوطني للشباب، 2015)، ص 3؛ المليتي، ج 1، محور إزاحة التعليم الديني، ص.434–417 ((2(الهرماسي، «السياسات الدينية»، ص 31، 34–33. ومن الوثائق المعتمدة في هذا العمل خطاب الرئيس الحبيب بورقيبة في

إطارات الأمة، المنشور في صحيفة العمل، في 10 فيفري (شباط/ فبراير) 1961؛ وخطابه في ذكرى المولد النبوي الشريف المنشور في الصحيفة نفسها، 4 أيلول/ سبتمبر 1960.

الأسرة النواتية والزوجية، وما تحمله من قيم حديثة، أو هكذا بدا الأمر قبل أن تدفع معطيات المعيش اليومي الملاحظين إلى تنسيب استنتاجاتهم أو توقعاتهم والإقرار، ولو باحتشام، بمظاهر استمرار، أو معاودة الإنتاج المعدّلة لثقافة التضامنات العائلية وحتى القبلية في سياقات جديدة ولخدمة حاجات مستجدة. كذلك كان لسياسة تشجيع الشباب على التحرر من سلطة التقليد، والدعوات إلى فهمٍ حديثٍ لرسالة الإسلام، متحررة من الموروث الفقهي، و«الشكلانية الدينية»، كما سمّاها علماء الاجتماع من مفكري

السلطة، دورُها في شرعنة التحرر من ضغوط الجماعة ورقابتها على الفرد. ومن المعلوم أن هذه

الجماعة التقليدية لم تكن تُمارس في حالات كثيرة تعسفًا بيّنًا ومباشرًا على الأفراد، بل كانت تترك لهم

هوامش من المرونة والحرية، لكنها بالتأكيد كانت تُدين التعبيرات العلنية التي تتحدّى الثقافة الشرعية والقيَم المبجّلة. بيد أن السياسات والإجراءات التحديثية التي تعرّضنا لأبرزها، أُدرِجت ضمن توجّهٍوصائي، ليس لأنها

شكّلت ثورة فوقية على المجتمع التقليدي فحسب، إنما لما رافقها أيضًا من احتكار للحياة السياسية. وتجلّى هذا الاحتكار في فرض مراقبة الدولة والحزب الدستوري الحاكم على المنظمات الاجتماعية المهنية والنقابات والصحافة وإخضاعها كلها، وفي منع نشاطات المعارضة وتسييج الساحة السياسية بالكامل. وفي حين حاولت قيادة الدولة والحزب الذي أصبح واحدًا بعد «إلغاء التعددية» إقناع

التونسي بأنه مواطن لا رعية، فإن هذا المواطن مُنع من المشاركة الفعلية في صنع القرار، ومن ممارسة حريته الفردية لما كان الأمر يتعلق بالشأن السياسي، بل حتى بالشأن العام.

3. التحديث والحريات الفردية: من أزمة القيم إلى قبضة الدولة الحديدية

لئن استمرت الاتجاهات المذكورة سابقًا، وخصوصًا الظروف الملائمة لبروز الفرد والممارسة الفردانية في الفعل بعد انقضاء اللحظة العلمانية التحديثية المكافحة التي خاضها بورقيبة، فإن تلك اللحظة نفسها أنتجت آثارًا منحرِفة وردات فعل محافظة في مناخ من توسع الحريات الدينية، عقبته مرحلة ثالثة

من قمع الحريات جميعًا: فردية وعامة، دينية وسياسية.

(24) Ridha Ben Amor, Les formes élémentaires du lien social en Tunisie. De l’entraide à la reconnaissance (Paris: L’harmattan, 2011).

يتمحور موضوع هذا الكتاب حول التضامن والشبكات التضامنية، سواء ضمن إطار القرابة أم الجيرة أم الصداقة أم العمل. وغرضه معرفة مدى تأثير التغيرات الاجتماعية، مثل ارتفاع نسبة العائلات النووية والنمو الحضري، وحراك السكان والتحرّر الاقتصادي على

شبكات القرابة والصداقة، والجواب الذي توصل إليه هو أن التضامن لم يندثر، ويتمظهر في مجالات جديدة، مثل حراسة الأطفال

في أثناء عمل الأبوين والمساعدة المنزلية وتكفّل الأبناء بالأولياء المسنّين وفي السكن الجماعي أيضًا أو إلى جانب الأقارب. كما

ينظر في ذلك: الحافظ بن حمد، «التحضر، الهجرة وتحولات العائلة القروية: مثال منطقة نفزاوة»، أطروحة دكتوراه في علم الاجتماع، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس،.2011 (2((عبد اللطيف الهرماسي، «في ضوء كتابه ‘الإس ماا انفتاح وتجاوز’: الإس ماا في فكر عالم الاجتماع التونسي عبد الوهاب

بوحديبة»، عمران، مج 8، العدد 29 (صيف 2019)، ص.146–145

كان الرئيس بورقيبة نفسه قد بادر بالإعراب عن تحفّظه على بعض سلوك الشباب في هيئاتهم وزيّهم

المتحرر، ولعله بذلك كان يجني ثمار ما روّج له مع مناصريه من ثقافة فيها تحقير من شأن التقاليد

وممثليها، بما في ذلك مشايخ الزيتونة وطلابها، ووصم العادات والعقليات المرتبطة بالماضي ب «البالية». ويمكن الافتراض أن السلوك والخطابات التي كانت تحطّ من شأن القديم وتتهكّم عليه بوصفه ب «أنتيكة»، أفرزت ثقافةً فيها خلط بين الحداثة الفكرية وحداثة الظاهر، أو الواجهة، ومناخًا مواتيًا للتحرر الأخلاقي والبرود الديني، وهو ما كان له أثره في تراجع موانع الممارسات الجنسية

الحرة، وانقطاع ظاهرة التحجب في صفوف الموظفات والتلميذات، وانتشار موضة «الميني جوب» التي تُظهر جزءًا من مفاتن المرأة، وتقليعات خاصة بالمراهقين والشبان، مثل إطالة الشعر. واعتبر

بورقيبة في مرحلة أولى هذه المظاهر نتيجةً عادية للثورة الاجتماعية التي قادها على التقاليد (خطابه في قرطاج، 2 تشرين الأول/ أكتوبر 1967)، ثم ما لبث أن عبّر عن انزعاجه ممّا سمّاه محاكاة عمياء

لموجات غربية وحالة من الفوضى، مناديًا النساء والفتيات إلى التحفظ في لباسهن (خطابه في قرطاج،

23 كانون الثاني/ يناير.)1973 لئن كانت ملاحظة بورقيبة المنزعجة من الآثار غير المقصودة لثورته على التقاليد لم تقده إلى التراجع عن مشروعه التحديثي، فإن الأوساط المحافظة عبّرت عن فزعها مما رأت فيه تنكّرًا للإسلام وتحدّيًا

لقيمه، مُحمّلة إياه المسؤولية الكاملة في ذلك. وكنّا قد تطرّقنا في كتابات سابقة إلى أهمية البعد

الأخلاقوي في الخطاب المحافظ الذي بلورته العناصر المنشطة للمعارضة الدينية الزيتونية وللجماعة الإسلامية التي تحوّلت لاحقًا إلى حركة الاتجاه الإسلامي. وفي ظلّ انهيار التجربة الاشتراكية وأزمة

خيارات قيادة الدولة، تراجع الخطاب العلماني المكافح، ليَحُلّ محله خطاب يروم التصالح مع

مقوّمات الهوية الإسلامية للبلاد، ويُقدّم عربونًا لذلك تسهيلاتٍ كبرى لنشاط الدُّعاة عبّر عنه بصورة

رمزية مشهد الأستاذة هند شلبي من كلية الشريعة وأصول الدين وهي تعتلي المنصّة بحجابها

الشرعي، وتُلقي محاضرتها بحضور الرئيس بورقيبة. يبدو أن مناخ الحريات الدينية آنذاك لم يرافقه أي اعتراف بالحريات السياسية، فالحركة اليسارية تعرّضت للقمع الشديد، واضطرت المعارضة داخل الحزب الدستوري إلى المغادرة والتعبير عن خطها

الليبرالي بإصدار صحيفة الرأيفي نهاية عام 1977 وإنشاء نواة الرابطة التونسية لحقوق الإنسان. كما أن التسامح الذي أبدته السلطة إزاء النشاطات الدعوية للإسلاميين لم يلبث أن تحوّل إلى محاصرة،

ثم قُمع مع تحوّل هؤلاء إلى النشاط السياسي، وبذلك انخرطت تونس في مسلسل من التضييقات

والانتهاكات التي لم تنحصر في غياب الحريات العامة المتصلة بالتعبير والصحافة والتنظيم، بل شملت الحريات الفردية، وفي مقدمها الحريات الدينية. ومثّل صدور المنشور المتعلق بالحجاب

((2(حصلت على الإجازة في أصول الدين في عام 1968، وحصلت على شهادة الدكتوراه في عام 1981، درّست أصول الدين في

كلية الشريعة في تونس حتى سن التقاعد. (2((ينظر: عبد اللطيف الهرماسي، الحركة الإسلامية في تونس: اليسار الاشتراكي، الإس ماا والحركة الإسلامية (تونس: دار بيرم للنشر،.)1985

في عام 1981 أداةً لممارسة تضييقات تحوّلت إلى حملات على المحجّبات، وخصوصًا منذ الصدام

بين النظام والإسلاميين في منعطف التسعينيات، صدام انعكس أيضًا سلبيًا على حرية النشاطات

المسجدية، مؤدّيًا إلى فرض مراقبة أمنية شديدة على هذه الفضاءات. على الرغم من ذلك، فإنه كان على الدولة إثبات أن مشكلاتها ليست مع التديّن والهوية الإسلامية

للبلاد، وأنها مستعدة لرسم حدود للنزعة الحداثوية وطموحات الاتجاهات الفردانية والنّسوية الباحثة عن مظلة دولية. وهذا ما جسّده الموقف من اتفاقية القضاء على كل أنواع التمييز ضد المرأة

المعروفة ب «سيداو» التي دخلت حيّز التنفيذ في عام 1981 بعد إقرارها في الأمم المتحدة في عام

1979؛ إذ صدقتها تونس في عام 1995، لكنها أردفت تصديقها باحترازات على ما ورد في البنود المتعلقة بالمساواة في الإرث وبحق المرأة في إسناد لقبها العائلي أو جنسيتها إلى أبنائها، وحقّها في اختيار مقر الإقامة، مع الحصول على حقوق الرجل نفسها في ما يتعلق بالولاية والقوامة. كما أعلنت الحكومة آنذاك أنها لن تتخذ أي قرار تنظيمي أو تشريعي يخالف أحكام الفصل الأول من الدستور، واستمر نظام بن علي على هذا الموقف قبل إقدام رئيس الحكومة المؤقتة، بعد ثورة /2010 2011، الباجي قايد السبسي على رفع التحفظات التونسية، لتجمّد حكومة الترويكا التي

ضمّت أحزاب حركة النهضة والمؤتمر من أجل الجمهورية والتكتل الديمقراطي من أجل العمل

والحريات قراره، ثم تعمدت حكومة المهدي جمعة المؤقتة (14 كانون الأول/ ديسمبر –2013 6 شباط/ فبراير 2015) إلى رفع التحفّظات مجددًا، بما يشير إلى دور التجاذبات السياسية والتأثيرات الخارجية في معالجة هذه المسألة. تناولت بعض الدراسات مسألة الفرد والفردانية في تونس من زاوية المساحة المتاحة للتعبير الحر عن اتجاهات الأفراد والهيئات وآرائهم، التي لا يختلف اثنان في أنها ضاقت إلى أبعد الحدود في عهد بن علي، لتُفتح بالكامل منذ الثورة. وعلى الرغم من أن هذا المبحث لا يخص إشكالية تنامي الفردانية الاجتماعية إلا بصفة جزئية وجانبية، فإننا سنعرض له بغاية الاختصار حتى يمكننا توجيه جهدنا إلى أبعاد أخرى نعتبرها أساسية، تتعلّق بمواقف وممارسات ليس لها نتائج سياسية مباشرة على الأقل، ولم تكن دكتاتورية بن علي ترى فيها خطرًا. فتحت الانتفاضة/ الثورة الباب على مصراعيه للتعبير الحر عمّا كانت تتطلّع إلى تحقيقه الفئات

الاجتماعية المُهمّشة، والتيّارات الدينية والأيديولوجية المقموعة، وهيئات المجتمع الموضوعة تحت

المراقبة. انفجر المكبوت في أشكال تعبيرية منوعة وكثيرة، سواء على مستوى الخطاب الذي تحرّر من

الخوف، أم على صعيد حرية التصرف في الجسد، كما تجلّى ذلك في تجرُّؤ أمينة السبوعي، المعروفة

بأمينة «فيمن» في آذار/ مارس 2013 على تعرية نهديها في تحدٍ صارخ لثقافة الحشمة والسترة، أو في

((2(وهي إضافة إلى دراسة عبد الحميد هنية المذكورة سابقًا:

Imed Melliti, «Les avatars de l’individualisation dans la société tunisienne: Le cas des adolescents,» in: Laroussi Lamri (dir.), Les changements sociaux en Tunisie: 1950–2000 , Collection Logiques sociales (Paris: L’Harmattan, 2007), pp. 111–130; Mohamed Kerrou, L’autre révolution (Tunis: Cérès Editions, 2018).

مظاهرات المثليين المطالبين بالاعتراف بهم بصفتهم نوعًا اجتماعيًا مميّزًا وكاملَ الحقوق، وحصولهم

تاليًا على حق الانتظام في جمعية «شمس» المعنية بحقوق المثليين، أو على صعيد اللباس والهيئة

في كل الاتجاهات: اكتساح النقاب الذي كان ممنوعًا في الفضاءات العمومية مباشرة بعد الثورة،

قبل أن يقود تطرّف السلفية الجهادية والإدانة التي لقيتها إلى انحسار الظاهرة، وازدهار لبس الحجاب

في أشكال عدة، تراوح بين ما يُسمّى الحجاب الشرعي الذي يرمز إلى الطهرية الصارمة، والحجاب

المزركش الذي يتحوّل إلى أداة تجمّل وإغراء. وإلى جانب ذلك اكتساح نوع جديد من الممارسات

اللباسية عند تتابع الموضة التي تنتجها الشركات العالمية لفئات محددة من الشباب. كرّس هذا كله وغيره من الظواهر المشابهة عملية افتكاك واسعة للتعبير الحر عما كان يعتمل في

الذات، وتأكيد الأنا الفردي، والتحرك أيضًا كفاعل مجتمعي، حتى إن كانت الخلفية الثقافية والفكرية الدافعة إلى هذا السلوك المتنافر غير واضحة في الحالات المذكورة كلها، ومن الصعب التمييز في ما بينها، ونقصد تحديدًا وضع النقاب، بين ما هو من باب الخضوع للضغوط النفسية والشحن الأيديولوجي، وما هو قرار حر مستقل، ومن ثم تجسيد لسلوك فرداني. قلنا سابقًا إنّ اهتمامنا ينصبّ على معرفة آثار التحولات البنيوية التي عرفتها تونس، وخصوصًا

بعد الاستقلال، ونتائجها، وكذلك السياسات والقوانين التي سنّتها الدولة على الحركية الاجتماعية

والثقافية، وعلى الممارسات والتمثلات وما تُنبِئُنا به عن جدلية الجماعي والفردي. وارتأينا اعتماد تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة الذي كان الرئيس السبسي الدافع إليه، وأقرّه أمام الشعب في

13 آب/ أغسطس 2018، وقرر تقديمه إلى مجلس النواب في شكل مشروع قانون. وما يهمنا، تحديدًا، هو التشخيص الذي اقترحه من أجل تحولّات المجتمع التونسي، ومستوى تطور الفردانية الاجتماعية

والمعوّقات التي تعترضه، وهو ما اتّخذ منه مبرّرًا رئيسًا لمقترحاته التشريعية في توسيع نطاق الحريات

الفردية والمساواة.

ثالثًا: الفردانية في مؤسسة الزواج في تونس: الإشكاليات التي يحجبها التيار الحداثوي

من وجهة نظرنا، يُعتبر تقرير لجنة الحريات الفردية تجسيدًا لمجمل الأفكار التي يُدافع عنها التيار

الحداثوي. ولأسباب تتعلق بالإطار الأكاديمي الذي نكتب فيه، فنحن لا نريد التعرّض هنا بالتفصيل

لما جاء في هذا التقرير الذي أُعلن عن أن أفكاره وأحكامه أُسّستا اعتمادًا على دراسات بشأن مؤشرات

توسّع الفردانية الاجتماعية في تونس. وللاختصار أقول إن تقرير هذه اللجنة، وكذلك الوسط السياسي

والمثقف الذي يتحيّز له، لم يقدم حججًا مُقنعةً يمكن التأسيس عليها في تغليب مقدّس الحرية

الشخصية للأقلية على مقدّسات الغالبية، وهو يطرح قضايا وآراء تشي برفضه التسويات المجتمعية

(بالمعنى السوسيولوجي للعبارة)، مُبرّرًا ذلك مرة بكون التونسيين يتطلّعون إلى وضع حدٍ لوصاية

(2((الجمهورية التونسية، رئاسة الجمهورية، تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة (تونس: 1 حزيران/ يونيو 2018)، شوهد في 2020/3/2، في: TrXAfi /2 ly. bit:// https

المجموعة على الفرد، ومرة أخرى بضرورة الانحياز إلى نموذج القوانين الديمقراطية الأكثر احترامًا للفرد وتوجّهاتها. وحتى يمكننا وضع هذه الأسس البحثية والدعوات على محك المعطيات الميدانية، الوحيدة التي في وسعها أن تحكم في الأمر، نقترح في ما يلي محاولتين للاقتراب من المستوى الذي بلغته الفردانية الاجتماعية في تونس والكيفية التي تُعاش بها، وما إذا كان التونسيون يُعيّنون حدودًا للحريات الفردية،

تعبيرًا وممارسةً. ونستخدم كلمة «اقتراب» بدلً من «اختبار»، باعتبار هذه العملية غير مقدور عليها من

جانبنا، وتتطلّب على فرض إمكانها عملً جبّارًا لفريق متخصص. وبناء عليه نقترح اختيارًا محدودًا،

ومن ثمّ قراءة جزئية في بعض المعطيات الإحصائية الرسمية عن الزواج والطلاق لاستقراء دلالتها،

ثم نتوقف عند جانب من المعطيات التي حصلنا عليها من مسح للحالة الدينية ومتعلّقاتها، لإجراء التمرين نفسه، مع وعينا بالفرق الشاسع ما بين تعقيدات الإشكالية المطروحة وصعوباتها وقدرتنا في هذا الحيّز الضيق على تذليل بعضها. في الحقيقة من الصعب تفادي المقارنة في هذه المسألة، والمهم أن يكون الفعل المقارني مستندًا إلى معرفة بالظواهر العامة والاتجاهات المشتركة والسياقات أو المسارات الخصوصية. إذا انطلقنا من النموذج المرجعي الغربي، فإن ما يستوقفنا هو الصعود الكاسح خلال القرن العشرين لظاهرة مزدوجة، تتمثل أولً في استقلالية العائلة الزوجية وانطوائها العاطفي، ولا نقول انعزالها للاعتبارات التي أوردناها عند عرض المقاربات المتعلقة بحالة العائلة في المجتمعات الغربية، وتتجسّم ثانيًا في ظاهرة العزوف عن الزواج، وارتفاع معدل الطلاق والإقبال المتزايد على المعاشرة

الحرّة. فحتى منتصف القرن العشرين، كان الزواج القائم على الحب والاتحاد القانوني هو نموذج

العلاقة السائدة، كما كان شرطًا للمساكنة وإنجاب الأطفال. لكن منذ تلك الفترة، أصبح هشًّا أكثر فأكثر بحكم ارتفاع نسب الطلاق التي تجاوزت 30 في المئة في بعض البلدان، وفي الوقت نفسه أصبح أقلّ حدوثًا وأكثر تأخيرًا. خلال العقود الأخيرة، أصبح نصف الرجال والنساء، وحتى أكثر من ذلك، يعيش خارج مؤسسة الزواج، في حين تنامت ظاهرة الاتحاد أو المعاشرة الحرّة، مع ما رافق ذلك من تزايد لاحتمال

غياب الأب البيولوجي والنسب إلى عائلات ذات الولي الواحد، وكلها مؤشرات لا تخطئ على بلوغ مستوى الفردانية درجةً عاليةً في هذه المجتمعات.

((3(بلغ معدل الزواج في مجموع دول الاتحاد الأوروبي 41 في المئة في عام 2013. وتنخفض النسبة في البلدان الإسكندنافية وفرنسا، لتراوح بين 32 و 39 في المئة، ينظر:

«Mariage and Divorce Statistics,» Eurostat Statistics Explained, 27/6/2018, accessed on 28/2/2020, at: http://bit. ly/2I6KS06 (31) Catherine Villeneuve–Gokalp, «Du mariage aux unions sans papiers: Histoire récente des transformations conjugales,»  Population , vol. 45, no. 2 (1990), pp. 265–297.

بيّنت الدراسات التي تناولت هذه الظواهر أن ما يجري يعكس تيّارًا مجتمعيًا يرفض إخضاع علاقة

الشريكين لاعتبارات غير العاطفة وحقوق الأنا، ويرفض تدخّل الدولة فيها عن طريق مؤسسة الزواج. كما اعتُبرت هذه التغيرات نتاجًا مركّبًا لاكتساح قيم الفردانية المُتحرّرة من المحظورات الاجتماعية

المحافظة، ولتقدم وسائل الوقاية من الحمل، ولاستطالة مدّة الدراسة وآجال التخرّج والحصول على

عمل. وفي هذا الصدد، قالت عالمة الاجتماع الفرنسية مارتين سيغالان، وعاضدها في قولها باحثون آخرون، أصبح الزواج يتناقض مع طموح النساء للحفاظ على استقلالهن الشخصي، ما يجعلهنّ

الطرف الرّافض له، والقابل بإنجاب طفل خارج إطاره. عندما ينتقل الملاحظ من هذا السياق المجتمعي إلى تونس في نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، قد يتهيأ له أن ثمة تشابهًا قويًا بين المؤشرات، فيسارع إلى الاستنتاج أننا إزاء

اتجاهات ونتائج متشابهة، مع فوارق غير جوهرية وقابلة للتفسير بالتأخر الزمني لانخراط تونس في الحداثة والتصنيع وما إليهما. وحتى يمكن التحرّي في الأمر، ننطلق من ظاهرة الزواج داخل المحيط

القرابي أو خارجه، قبل الانتقال إلى مؤشرات أكثر دلالة. فالزواج بين الأقارب يتقلّص بمرور الزمن، إذ قارب نصف الزيجات قبل السبعينيات على المستوى الوطني (مع تفاوت واضح بين مناطق الشمال والساحل التي تشتمل على المدن الكبرى ومناطق الجنوب والوسط)، وما عاد يتجاوز الثلث في بداية الألفية الثالثة. ومع الإشارة إلى أن الزواج من القريب يمكن أن يكون نتيجة اختيار شخصي وحر من الشريك، وليس من باب العادة أو الضغط العائلي أو الحسابات المصلحية، كما لا يقود الزواج من خارج محيط القرابة، بالضرورة، إلى قطع صلة الرحم. وعلى الرغم من هذه التحفّظات، فإننا نرى أن من الجائز قراءة التحوّل من غلبة الزواج بين الأقارب إلى غلبة الزيجات التي تتم خارج محيط القرابة

باعتباره مؤشرًا على بروز الفرد وتنامي الفردانية الاجتماعية. إذا انتقلنا إلى متغير آخر، مثل سن الزواج، فسنعاين أهمية التحولّات التي تحققت منذ الخمسينيات

تجاه تأخير سن الزواج لكلا الجنسين، كما يطرح علينا أسئلة تتعلق بالأسباب والدوافع الدقيقة للظاهرة. وفي ظل غياب مسوح شاملة تسمح بالحسم، فإننا سنقترح بعض الفرضيات في هذا الاتجاه؛ إذ شهدت المرحلة التي تلت استقلال البلاد ارتفاعًا ملحوظًا، وفي النتيجة تأخّرًا، في سن الزواج،

وخصوصًا عند الإناث، نجم عنه ارتفاع مماثل في معدلات العزوبية. فبين تعدادي 1961 و 2014

ارتفعت نسبة غير المتزوجين من الجنسين من 26.3 في المئة إلى 42.6 في المئة، على التوالي.

وكانت وتيرة الارتفاع أكبر في صفوف الإناث اللاتي كنّ يتزوجن مُبكِرًا، وهو ما يتضح من ارتفاع

نسبة العازبات في الفترة نفسها: من 18.6 في المئة إلى 38 في المئة، أي ما يزيد على 100 في المئة. وإذا ما أردنا مزيدًا من التدقيق واستهداف الفئات العمرية التي كان يكثر فيها الزواج، فسنجد أن

((3(ينظر مثلً:

Irène Théry, Le démariage: Justice et vie privée (Paris: Odèle Jacob, 1993). (33) Martine Segalen,  Sociologie de la famille (Paris: Armand Colin, 1981); Françoise Battagliola,  La fin du mariage? Jeunes couples des années 80  (Paris: Syros alternatives, 1988).

العزوبية ارتقت عند الفتيات في الفئة العمرية 24–20 عامًا، من 20.4 في المئة في عام 1956، إلى 88.4 في المئة في عام 2006، كما ارتفعت لدى الفئة العمرية 29–25 عامًا، من 6.5 في المئة إلى

56.2 في المئة. إذًا، حصل انقلاب حقيقي خلال نصف قرن، بينما تطلّب مثيله في أوروبا قرونًا، ويطرح هذا، تاليًا أكثر من سؤال: هل يتعلق الأمر بظاهرة مماثلة، أو حتى قريبة، مما حصل في الغرب

من حيث أسبابها الاقتصادية الاجتماعية ودوافعها الثقافية – القيمية؟ أين يكمن الشبه؟ وفيمَ تتمثل

الفوارق؟ وهل تعرف تونس تيّارًا مماثلً لما يعرفه الغرب حاليًا من رفض واسع لمؤسسة الزواج؟ إذا أردنا إجابة تتمتع بالصدقية والتمثيلية، فعلينا البحث عنها في الأرقام المتعلقة بوتيرة إبرام عقود الزواج. بشأن هذه النقطة، لا تُفيد المُعطيات الرسمية بعدم حصول تراجع في عدد عقود الزواج

فحسب، إنما ارتفاعها المتواصل أيضًا. ولا يتعلق الأمر بعدد العقود الذي قد يكون مُضلّلً إذا أخذناه بمعزل عن حجم السكان فحسب، إنما على وجه التدقيق بنسب «الزواجية» (عدد العقود على عدد السكان)، التي ارتفعت من نحو 12 في المئة في عام 1994 إلى نحو 14 في المئة في عام 2004، ما يفيد بصورة يقينية استمرار إقبال الشباب على الزواج وإن تأخّر موعده. والواقع أن ارتفاع معدل العزوبية في تونس ليس رفضًا لمبدأ الزواج، ولا هو مؤشر تراجع مشروعيته الاجتماعية، كما حصل في الغرب، بل هو في الأساس فعل اضطراري يمكن أن يجد تفسيره في ارتفاع نسبة البطالة، وخصوصًا في صفوف أصحاب الشهادات، حيث تبلغ نسبته، أو تتجاوز، 30 في المئة في غالبية المناطق، وهي نسبة لا مثيل لها في الغرب. على أن ذلك لا يمنع من افتراض حضور أسباب أخرى ذات طابع ثقافي، منها نظرة جديدة إلى الزواج، وخصوصًا في صفوف الذكور، تعود إلى البحث عن المُتعة الجنسية من دون التزامات، أو لقاء وعود، وذلك في انتظار توافر ظروف الزواج، أو اتّخاذ قرار بعقده، وليس بالضرورة مع الشريك نفسه. نقول إن هذا الاتجاه يخص الذكور في الأساس لتقديرنا أن الإناث أشدّ رغبة في الارتباط من خلال مؤسسة الزواج، ويرين فيه أدنى الضمانات إزاء تقلبات الطرف المقابل. هنا أيضًا نلاحظ الاختلاف الجزئي عما يجري في المجتمعات الغربية التي رأينا فيها إصرار المرأة بعد أن حصلت على دخل مستقل من عملها، على الاستقلال العاطفي والجنسي، وفي مجال الإنجاب مع تأخير سن الزواج، إن حصل.

(3((صلاح الدين بن فرج، مسارات تحديث الأسرة في تونس (تونس: [د. ن]، 2009)، ص.119–118 (3((في أثناء مناقشة ورقات الندوة التي نظّمتها مجلة عمرانفي تونس، في آذار/ مارس 2019 بشأن موضوع الفردانية الاجتماعية

والحريات الفردية، وتعليقًا على بعض ما ورد في ورقتنا هذه، لاحظ الباحث في علم الاجتماع عماد مليتي أن تحقيقًا ميدانيًا أ جري

في منطقة دوّار هيشر – حي التضامن من تونس العاصمة – أظهر أن الشبان أشدّ تحمّسًا للزواج والإسراع به من الفتيات اللواتي لا

يرين فيه هدفًا ذا أولوية مطلقة. ربما يشير هذا إلى بداية تحوّل في ترتيب الأولويات ضمن هواجس كل شخص وكل طرف وأهدافه.

لكن المعطيات الواردة في البحث المشار إليه لا تنقض فرضيتنا، وليس فيها ما يدل على أن مؤسسة الزواج في حدّ ذاتها بصدد فقدان

قيمتها وصفتها باعتبارها ضمانة وأساسًا لإقامة علاقات مستقرة وبناء أسرة، وشتان ما بين الاستعداد لتأخير سن الزواج أو اعتباره يأتي

في مرتبة ثانية بعد تحصيل مورد العيش المستقل، ووجود استعداد للارتباط والإنجاب خارج مؤسسة الزواج، وهو طريق لا تبدو أن الغالبية الساحقة من الفتيات قابلة به.

بناء على ما تقدم، سيكون تأويل الاتجاهات السائدة إزاء الزواج في تونس، اعتمادًا على فكرة نمو

الفردانية وحدها، في باب المبالغة والتعسّف. نحن بالأحرى إزاء وضع أشد تعقيدًا في بعض جوانبه

من الحالة الغربية، تتعدّد فيه العوامل الموضوعية والدوافع الذاتية لترسم ملامح الموقف من الزواج وتوقيته، إضافة إلى تعيين الوسط الاجتماعي والثقافي والمدني الذي يجري فيه اختيار الشريك، وطريقة الزواج واختيار سكن قريب أو بعيد من الأنسباء من أي جهة (من جهة الزوج أو الزوجة). وفي هذا كله يتدخّل الموروث الثقافي ومكتسبات الفرد، وتتدخّل الاعتبارات المادية والحالة الاقتصادية والاجتماعية، كما تؤثر درجة حضور قيم الفردانية في استقلالية الفرد وحريته، وقد تتداخل بدرجة أو بأخرى مع الاعتبارات الأنانية. إلى جانب العلاقة بمؤسسة الزواج، تشير المعطيات عن الطلاق، على الرغم من عدم كفايتها للخروج بنتائج مدققة، إلى نزعة نحو خروج قرار الطلاق وصيغته (بالتراضي أو للضرر أو إنشاء) من دائرة تأثير العائلة الموسعة ومصالحها المادية والرمزية، ليصبح أكثر فأكثر قرارًا فرديًا. ففي السابق كان يتدخّل

الأقارب أحيانًا لإحداثه، وفي الغالب للحيلولة دون حصوله، وعند التعذّر، جعْله بالتراضي صونًا

للمرأة وعائلتها من ألسنة الناس. أما في الأعوام الأخيرة، فنسبة الطلاق بالتوافق في تراجع كبير أمام الطلاق للضرر، وخصوصًا الطلاق المُتّخذ بحرية نسبية، الذي يبلغ نصف مجموع حالات الطلاق.

من جهة ثانية ثمة ارتفاع واضح في نسبة النساء طالبات الطلاق، ينبئ بصعود قيم جديدة وبثبات مسار الاستقلالية الفردية الذي قطعته المرأة التونسية؛ حيث أصبح في وسعها، عند الاقتضاء، إعلان رغبتها في التخلّص من زوج عنيف أو لا ترضى به، في مقابل تحمّل النظرة السلبية إزاء المطلقات،

الأمر الذي تخفف من حدوثه أو من وقعه عقلية العلاقات الاجتماعية عندما يكون السكن في المدن الكبيرة، وليس في القرى والأرياف. كما أن ذلك لا يُلغي استمرار تأثير محيط القرابة والجيرة وتدخّله، بصورة أو بأخرى، في مجرى العلاقات الزوجية ومآلها. وعلى كل حال، تبقى تونس بعيدة عن وضعية المجتمعات الغربية التي يصل فيها مؤشر الطلاق إلى درجة 50 في المئة من عدد الزيجات، كما هو الشأن في فرنسا.

رابعًا: الفردانية والجمعوية في اتجاهات التونسيين ذات العلاقة بالتديّن

مواصلة لمناقشة مبررات تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة في ما ذهب إليه من أن التونسيين يتطلّعون إلى وضع حدّ لوصاية المجموعة على الفرد، ننتقل في هذا المحور إلى مجال ثانٍيمكن أن نختبر فيه مدى حضور هذه النزعة التحررية، وهو مجال المواقف والسلوك الديني.

(3((منصف المحواشي، «تطور ظاهرة الط قاا في المجتمع التونسي: قراءة في المؤشرات الإحصائية ودلالاتها»، إنسانيات، العدد 37 (2007)، ص.31–11

نعتمد هنا على معطيات البحث الميداني الذي شاركنا فيه، تصوّرًا وإنجازًا، ضمن نشاطات منتدى

العلوم الاجتماعية التطبيقية، الذي تمثّل في مسح آراء واتجاهات عيّنة ممثلة للمجتمع التونسي، أُجري

في بداية عام 2015، ونُشر التقرير المتضمن تحليلات مختلف محاوره بعنوان تقرير الحالة الدينية وحرية الضمير بتونس 2015. واخترنا بعض جوانب البحث للنظر في إمكان الخروج باستنتاجات أولية بشأن حجم وصيغ حضور أشكال الثقافة الجماعوية الموروثة، وتلك الفردانية الوافدة، وخصوصًا ما افترضناه من إنتاج التونسيين لصيغ مركبة يفرضها الواقع المتغير ويُنتجها المعيش المنوّع.

1. تصوّرات حرية الضمير

طلبنا من التونسيين المستجوبين أن يرتبوا القيمة التي يولونها لمكوّنات أو أبعاد حرية الضمير، فأسندوا

المرتبة الأولى إلى احترام عقائد الآخرين (39 في المئة)، والثانية إلى حرية الاعتقاد (33 في المئة)، والأخيرة إلى حرية تغيير العقيدة (28 في المئة)؛ ما يُفهم منه وجود استعداد للتعايش والتسامح مع أصحاب العقائد الأخرى، أكثر من التسامح مع تبديل العقيدة. وهي إجابة تشي بتوجّس من إمكان إقدام أفراد من الجماعة التي ينتمون إليها، وهي الجماعة المسلمة السُنيّة في الغالب، على تغيير

عقيدتهم أو دينهم، وهو تأويل دعمته الإجابات عن أسئلة أخرى ذات صلة.

2. قياس الفردانية الدينية: بداية التحولات في مجال الانتماء

أشرنا سابقًا إلى إمكان اختبار مدى استمرار الثقافة الجماعوية وظهور الفردانية، أو نموّها من خلال

مُعطيات الحالة الدينية، وهو ما نقترح إجراءه في قراءة المؤشرات التي أتاحها البحث الميداني عن موقف التونسي من الانسلاخ عن الطائفة المسلمة السائدة، أي السُنّة، واختيار المذهب الشيعي، وهو

قرار فردي بامتياز، وفيه خروج على الانتماء الذي كرّسه التقليد، أو الانسلاخ عن الجماعة المسلمة

إجمالً، الذي يمثل بدوره فعلً فرديًا تُنكره الثقافة الموروثة. عن سؤال: كيف تُصنّف نفسك دينيًا؟ قدّمت غالبية (60 في المئة) نفسها مسلمة بعموم الصفة،

وطالب 31 في المئة بصفته المسلم السنّي، وعرّفت أقليات نفسها مسلمة بالثقافة فحسب، أو مسلمًا

سلفيًا أو شيعيًا (علمًا أن مجموع 99 في المئة من العيّنة يتمثل نفسه مسلمًا بصورة أو بأخرى). ولهذه

التصريحات أكثر من معنى؛ فاكتفاء الغالبية البسيطة بصفة «مسلم»، يشير إلى محدودية الانحياز الطائفي وضعف الحاجة إليه. إلا أن إعلان أكثر من ربع المستجوبين عن سُنّيتهم قد يمثّل حدثًا

جديدًا، مقارنةً بزمن نفترض أن التونسيين لم يكونوا يُميّزون فيه، في غالبيتهم، بين الانتماءين، وأنّ

التطورات التي بدأت بغزو العراق الثاني وصعود السلفية، أيقظت الانتماء الطائفي والنفور القديم من الشيعة.

((3(ينظر خصوصًا في هذا التقرير: عبد الوهاب حفيظ: «الدين وحرية الضمير: منعرج التحولّات الكبرى»، في: الهرماسي

(تنسيق)، تقرير الحالة الدينية وحرية الضمير في تونس 2015، ص.27–13

بشأن النقطة الأخيرة، من المهم تسجيل أمرين: من ناحية صرّحت فئة قليلة، تمثل دون 1 في المئة،

عن تشيّعها، وهو أمر جديد، ولم يكن يصدر قبل الثورة الإيرانية واكتساب حزب الله اللبناني تقديرًا

خاصًا، إلّ عن بضعة أفراد. ومن ناحية أخرى، وعند السؤال عن الموقف من اعتناق التونسي العقيدة

الشيعية، عبّر 54 في المئة عن رفضهم ذلك، وتوزّع الباقون بين من يرون فيه أمرًا عاديًا، ومن يعتبرونه

من باب الحرية الشخصية. ويؤكد هذا التوزع النسبي للرأي ما لاحظناه من محدودية التعصّب الطائفي

ودرجة القبول بحرية الضمير، لكنه لا يمس استمرار التمثل الموروث للهوية الدينية باعتبارها هوية سنيّة عند الغالبية الساحقة. هذا عن الانتماء في صلب الجماعة المسلمة، فماذا عن القبول بالنشاطات التبشيرية أو التحوّل إلى

أديان أخرى؟ لئن كان 91 في المئة يعتبرون الدعوة إلى الإسلام في البلدان غير المسلمة أمرًا عاديًا، فإن

نسبة مماثلة ترفض قيام مبشرين بالدعوة إلى المسيحية في مجتمعنا، وهو تعبير عن الرؤية التقليدية بشأن الإسلام بوصفه الدين الحق، والصرامة إزاء أيّ نشاطات غايتها سلخ مسلمين عن دينهم. إلّ

أنّ ما هو جدير بالاهتمام، وما هو غير منتظر، هو وجود 9 في المئة يحملون موقفًا مخالفًا ويقبلون نظريًا بالنشاط التبشيري. وعلى الرغم من ارتفاع نسبة رافضي تحول التونسي المسلم إلى المسيحية

أو البهائية، فإن موافقة 7 في المئة و 5 في المئة، على التوالي، على ذلك مثيرة للانتباه. علمًا أن ثمة من

الشباب من اعتنق المسيحية، لكن وزارة الداخلية لا تُفصح عن معطياتها في هذا الخصوص. على كل حال، يُكرّس هذا الموقف غير المألوف عند التونسي، الذي يبرز أكثر في صفوف الشباب، ولا نعرف

إلا القليل عن أسبابه ودوافعه، اختراقًا فعليًا تُحقّقه الفردانية الدينية، وذلك على الرغم من محدودية

هذه الظاهرة، بقطع النظر عن إدانته من الموقف الفقهي، والترحيب به من دعاة كونية حقوق الإنسان.

3. تجلّيات الفردنة وحدودها من خلال الهيئة ودوافع السلوك

سننظر دائمًا، في سياق مناقشة مسلمات لجنة الحريات الفردية والمساواة حول درجة تحرر الفرد

التونسي، إلى ما تقوله معطيات البحث الميداني عن مدى حضور هذه النزعة من خلال الطريقة التي يعيش بها التونسي دينه، في هيئته ودوافع سلوكه. طُرح السؤال بشأن ما إذا كان الدين يفرض مظهرًا خارجيًا على الرجل والمرأة، وطبيعة هذا المظهر

بالنسبة إلى الرجل، فرأى أكثر من ثلاثة أرباع المستجوبين أن الدين لا يفرض مظهرًا خارجيًا، في

مقابل 22 في المئة يرون العكس، وتحدّد غالبيتهم الهيئة المطلوبة في إرخاء اللحية، وبعضهم (3 في

المئة) في لبس القميص، ما يُستشفّ منه أن الرجال لا يميلون في ما يخصهم إلى التعامل الشكلي أو

المظهري مع التديّن، وحتى إن فعلوا فهم يقتصرون على الحدّ الأدنى منه. أما بالنسبة إلى المرأة فيختلف اتجاه الرأي، لكن من دون انقلاب جذري، حيث ترى نسبة 83 في المئة أن الدين يفرض مظهرًا خارجيًا على المرأة، لكن النصف فقط يربطه بالحجاب (49.3 في المئة)،

وأقل من ذلك بقليل (45.3 في المئة) يرى الاكتفاء بلباس محتشم، كما نلاحظ ضعف نسبة من يربطون الهيئة والزي بالحجاب النسائي التقليدي أو النقاب، ويتجلّى من مجموع الإجابات وجود

ميل إلى الاعتدال في تمثل المطلوب من المرأة دينيًا، ومن ثمّ في تمثّل الدين المطلوب اجتماعيًا، ولا

غرابة في ذلك؛ فالحجاب عند جزء من النساء، وخصوصًا الشابات، لا يخضع للمواصفات الفقهية

الصارمة، بل ما عاد مرتبطًا بالالتزام الديني. وينتبه التونسيون إلى هذه التطورات، لذلك يرى ثلاثة أرباعهم أن الحجاب ليس دليلً على التديّن، كما يرى 51 في المئة منهم أن المرأة يمكن أن تكون متديّنة من دون حجاب، وتفيد هذه المؤشرات، مجتمعة، بالسير نحو تمثّل وممارسة فردانية وعصرية للتدين ولعلاقة الدين بالزيّ والجسد والمظهر. في وسعنا أن نعاين الظاهرة نفسها حتى في المجالات التي يصعب فيها أن يعترف الفرد بطبيعة دوافعه في ما يصدر عنه من أفعال ومواقف. فبسؤال أفراد العيّنة عن المقياس الذي يحكم سلوكهم اليومي،

أجاب الثلثان بأنه موجّه بشاغل اجتناب فعل العيب، أو بمعيار الحلال والحرام، أي ما نُسمّيه في لغة

علم الاجتماع «الضمير الجمعي»، وفي خصوص الباقين، فسلوكهم تحكمه، بحسب تصريحاتهم، اعتبارات البحث عن المنفعة الفردية (19.8 في المئة)، أو ما يُقرّه «الضمير الفردي» (14.7 في المئة). بالطبع، نحن لا نأخذ هذه التصريحات على عواهنها، ونرى من الصعب، في ضوء الخبرة، القبول بالنسبة المعلنة عن تدخل اعتبارات المصلحة، ونفترض أن جانبًا مهمًا من القرارات والمواقف هو

نتاج التقاء الاعتبارات الأخلاقية الناتجة من العادات والدين والأخلاق مع الدوافع الفردية والأنانيات.

4. الزواج المختلط في تونس: لأجل المرأة أو بسبب منها يستبعد «الحلال» ويُحلّل «المحظور»

من المؤشرات التي تسمح بقياس مدى انغراس قيم حرية الفرد واستقلاله في تحديد مصيره ما يتعلّق بموقفه ومسلكه إزاء موروث الشريعة، وما قنّنه الفقهاء في مضمار زواج المسلم من غير المسلمة، وخصوصًا زواج المسلمة من غير المسلم. وكشفت معطيات المسح عن الحالة الدينية عن مفاجآت ومفارقات على كلا المستويين.

((3(ينظر بشأن هذا الموضوع:

Mohamed Kerrou, Hijab: Nouveaux voiles et espaces publics (Tunis: Cérès éditions, 2010).

((3(في علم اجتماع الأديان، وبسبب أصالة العوالم الدينية وتنوّع المعتقدات، ما يجعل من الصعوبة التعبير عنها بمفاهيم عامة

وكونية، جرت العادة معاملة الكثير من المفاهيم الدينية من حيث الأصل باعتبارها مفاهيم سوسيولوجية ذات دلالة مرتبطة بالسياقات

الاجتماعية التاريخية التي أنتجتها، وتنتمي إذًا إلى ما سمّ اه ماكس فيبر «المفاهيم التاريخية»، ومنها على سبيل الذكر:

المقدّس – مقدس، الدنيا – الدنيوي، الآخرة – الأخروي، الطهارة – الرجس، المانا – البركة، الح لاا – الحرام، الولي... إلخ.

وأصبحت هذه المفاهيم الدينية المنشأ، جزءًا من معجم علم الاجتماع، تمامًا مثل المفاهيم العامة. ينظر كمثال تطبيقي عن ديانات

العرب كتاب يوسف شلحت عن بنى المقدس عند العرب:

Joseph Chelhod, Les structures du sacré chez les Arabes (Paris: Maisonneuve et Larose, 1964);

وعن الإس ماا: عبد اللطيف الهرماسي، «المقدس بين دعوى الكونية وخصوصية الأنساق الدينية نقد المفهوم الدوركايمي»، في:

عبد اللطيف الهرماسي، في الموروث الديني الإسلامي: قراءة سوسيولوجية تاريخية (تونس/ بيروت/ القاهرة: دار التنوير، 2012)، ص.50–37

من المعروف أن الشريعة تُبيح زواج المسلم من غير المسلمة، ويدقق الفقهاء بقولهم «الكتابية» لتمييزها من «المشركة»، لكن من المعروف أيضًا أن هذا التمييز ما عاد واقعيًا، وما عاد له معنى في

ظلّ تحولّات الساحة الدينية في الغرب. وعلى كل حال، فالزواج المختلط من هذا النوع معروف منذ

عشرينيات القرن الماضي عند التونسيين، إلا أننا نجد 40 في المئة من التونسيين يرفضونه اليوم، ولا يقبلون به إلّ في حالات استثنائية. وليس لدينا من فرضيات تفسيرية سوى اثنتين: أولها، التخوّف من المشكلات التي تحدث بين الزوجين نتيجة عدم الانسجام الثقافي والديني، لكن

هذه الظاهرة غير جديدة. أما الفرضية الثانية فهي أزمة الزواج وتأخّر السن التي يحصل فيها. والفرضية

هنا هي أن ضعف حماسة الشباب للزواج، وارتفاع نسبة العزوبية في صفوفه، يُولّدان في صفوف

المجتمع ردات أفعال عديدة، منها معارضة الزواج من الأجنبيات وإعطاء الأولوية للفتاة التونسية. لكننا لا نستبعد، في غياب دراسات إحصائية مدقّقة، أن يكون الوضع ذاته الدافع إلى هذا السلوك سببًا

في مفاجأة أخرى أكبر حجمًا. فلما سألنا عن الموقف من زواج التونسية المسلمة من غير المسلم،

وهو ما تُحرّمه الشريعة، أجاب 37 في المئة بأنهم يقبلونه أو يعتبرونه من مجال الحريات الشخصية،

يُضاف إليهم 7.5 في المئة يقبلونه في ظروف استثنائية، ما يجعلنا أمام حالات رفض لا تتجاوز 55 في

المئة. ومن الصعب في الحقيقة، في غياب دراسات إضافية مركّزة ودقيقة، فصل ما يعود إلى القناعة بالحرية الشخصية فحسب، عما يعود إلى إكراهات أو حسابات أخرى. فربما نحن إزاء موقف في جزء كبير منه واقعي أو ذرائعي، وإن بدا فرديًا خالصًا أول وهلة، لكن الجماعة العائلية حاضرة فيه

ابتداءً وانتهاءً: من جهة بموافقتها على تمكين ابنتها من فرصة زواج، ومن جهة أخرى بالحرص على

الإخراج الديني للعملية واستبدال مصادمة الشرع بالتحايل أو المرونة التي يبديها الفرد وجماعته العائلية والدينية معًا.

خامسًا: مقترحات تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة: مطلب مجتمعي أم محاكاة للنموذج الغربي؟

لنذكر أن التقرير جاء بطلب من الرئيس الراحل السبسي وبتوجيه منه، وأن اعتراضات حزب حركة النهضة حالت دون تقديمه إلى المناقشة في مجلس النواب. وليس من المعروف ما إذا كان ثمة طرف سياسي سيتحمّل مسؤولية الدفاع عنه وتقديمه مجددًا إلى البرلمان المقبل بعد انتخابات نهاية عام

2019. لكن التقرير ليس مشروعًا فرديًا للرئيس الراحل، ينتهي برحيله، بل يمثل في الأساس، وقبل

ذلك، رؤيةَ قسم وازن من النخبة الحداثية، وسيبقى بالتأكيد الكثير من الأطراف المكونة لهذه النخبة متعلقًا به وعاملً على تجسيده في المستقبل، ومن هنا أهمية مناقشة وجهة النظر التي يمثلها. في ضوء ما قدمنا من معطيات وعناصر تأويل وتحليل عن واقع تونس اليوم في صلب عالمين كانا، وما زالا في تقديرنا، يرمزان إلى الجماعة العائلية والدينية، وعن طبيعة ومستويات التحولات

التي لحقتهما، يمكننا العودة إلى تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة الذي بُني على تشخيص

«سوسيولوجي»، جرى وضع تبرير مقاصدي له، وأريد منه أن يكون أرضية لمقترحات تشريعية مدارها توسيع حقوق الفرد وحرياته في تونس إلى أبعد حدٍّ، وهدفها الخلاص نهائيًا من مخلّفات المجتمع

الجماعوي، وإخلاء الساحة كليًا لمجتمع الأفراد. والأسئلة التي تتبادر إلى الذهن: هل المشروع

الذي يُبشّر به التقرير هو مجرد حلقة جديدة من مساعي التحديث الفوقي التي عرفتها تونس؟ وما

موقعه؟ وما الجديد الذي يحمله عندما يستهدف ترسيخ ممارسة الفردانية الاجتماعية عبر توسيع مجال الحريات الفردية؟ لنلاحظ على الفور أن ثمة أمرًا جديدًا واختلافًا أساسيًا، وخصوصًا بالقياس على التجربة البورقيبية

التأسيسية؛ إذ أظهر لنا تحليل السيرورة التاريخية، أن بروز الفرد ونموّ الفردانية لم يكونا هدفًا مباشرًا

ومركزيًا لسياسة التحديث الفوقي، بل إنهما، بالأحرى، نتاج جانبي وغير مقصود لها، وهو تحديث

استهدف بنى وعقليات اعتُبرت عائقًا أمام التطور واللحاق بركب البلدان المُصنِّعة، وأمام بناء دولة

قومية وتحقيق التقدم الاجتماعي. وفي ذلك السياق، انخرطت النخبة القيادية في مسار دولنة المجتمع وإخضاع مكوّناته الأهلية أو المدنية، أي تصفية أو تهميش ما كان منها قديمًا، مثل مؤسسة الزيتونة

وشبكة الزوايا والطرائق والجمعيات الخيرية، وإخضاع صوت ما كان منها جديدًا أو إسكاته، مثل النقابات والأحزاب والصحافة المعارضة أو المستقلة. لا شك في أن ذلك كله مهّد أو ساعد على بروز الفرد والمواقف والسلوك الفردانية، لكن بوصفه

أثرًا تركيبيًا للتحولات المذكورة، وليس نتيجةً مقصودة. وعلى الرغم من الاسترخاء الذي سجّلته هذه

السياسة الإرادوية طوال سبعينيات القرن الماضي وثمانينياته، فإن التنافس الحاد على الحكم وقيادة المجتمع مع حركة الاتجاه الإسلامي (النهضة)، واتخاذ القرار بتصفيتها وتجفيف منابعها، جعلا النظام ينخرط في سياسة تحديث اصطناعية تحركها عقلية المواجهة لينتج حداثة واجهة؛ حداثة مغشوشة تمّت تحت لافتة التصدي للظلامية، وجعلت سلاحها محاصرة، بل إلغاء الحريات كلها: أي السياسية

منها والمدنية والدينية، وفي هذا المضمار مطاردة المحجبات وإلغاء الحق في الحجاب مهما كان نوعه، وفرض مشهد متجانس ذي طابع حداثي في الفضاء العام. بيد أن هذه السياسات القمعية، وإن كبحت حرية التعبير بتجلياتها المختلفة، كانت تفعل على سطح المجتمع، وكانت ضعيفة الأثر في ما يعتمل في أعماقه من تيّارات وتحولّات، وما يجدّ في صلبه

من ديناميات وتفاعلات قليلة التأثر بالنزاعات السياسية والمعارك الأيديولوجية المفتعلة. وبناء عليه، يتعلق الأمر باستخلاص النتائج مما عرضناه من مُعطيات بشأن اتجاهات التونسيين في مجال الزواج

والطلاق، وعلى صعيد التمثلات والممارسات ذات الصلة بالدين، وما قدّمناه من عناصر تأويل وتفسير، ومقارنتها بما ذهب إليه تقرير لجنة الحريات. عاينّا مظاهر عدة من علمنة السلوك الاجتماعي وتحديثه، الذي ما عاد محكومًا دائمًا، أو في كل الحالات

بمعايير وقيم جماعوية، سواء كانت قبلية أم عائلية أم دينية أم غيرها، بل تُوجّهه أو تُحدّده أو تصوغه

أيضًا الاتجاهات والمصالح الخاصة بالفرد أو الزوجين أو العائلة النووية، وكذلك الاعتبارات المتعلقة

بالحرية الشخصية أو حرية الضمير التي أصبحت تنافس المقدّسات التقليدية. كذلك لاحظنا اتساع نطاق ممارسة الحق الشخصي في التعامل مع عوائد المجتمع، وفي فهم تعاليم الدين وتطبيقاتها. ووفقًا للاستعداد الذاتي، وفي النتيجة تحرَّر قطاعٌ مهم من المجتمع من أسر الموروثات المتعلقة بما

يجوز وما لا يجوز، وبالحلال والحرام وما بينهما. ومن بين مؤشرات الاتجاه نحو مزيد من فردنة العلاقات البينية وتذويتها الحريات التي يتّخذها قطاع

واسع من المجتمع، وخصوصًا الشباب في العلاقة بالجنس الآخر، والصيغ المتعددة التي يتم إخراجها

بها، سواء كانت شرعية أم عرفية أم مدنية. وكذلك الحريات الواسعة في اللباس والهيئة والتزين، ومظاهر البرود واللّمبالاة الدينية، وما يقابلها من انخراط الفرد في جماعات وتيّارات دينية ومذاهب،

مثل السلفية والتبليغ أو المذهب الشيعي، من دون اعتبار الحالات المحدودة، لكن النموذجية للتحول إلى عقائد وجماعات خارج الدائرة الإسلامية على غرار البهائية والمسيحية. على الرغم من ذلك، وفي الوقت نفسه، نرى تمسّكًا لدى قطاعات مهمة من المجتمع بالأطر الدينية

التقليدية، وإنكار الخروج عليها، سواء في ذلك الإسلام أم الجماعة السُنّية، ومن ذلك إحياء العقيدة

الأشعرية والإسلام المالكي الذي يتم إشهاره في وجه السلفية. كما نرى حضورًا لافتًا لقيمة الحشمة

في ما يخص هيئة المرأة وأشكال ظهورها، والبحث عن صيغ وأشكال معتدلة لضبط العلاقات بين الجنسين، ونرى إصرارًا واسعًا على مقولة: «إن عصيتم فاستتروا» في مجالات مثل تناول المشروبات

الكحولية أو إفطار شهر رمضان. وكذلك عاينّا معارضة كثير من السكان لما اقترحه تقرير لجنة

الحريات الفردية والمساواة من مساواة في الإرث، وذلك حتى في صفوف نساء مشتغلات وصاحبات شهادات علمية ومشارِكات في الإنفاق على العائلة. وكنا قد أوردنا في دراسات سابقة عناصر تفسير لهذه الظاهرة، ولأسباب انقسام المجتمع التونسي، بما فيه المجتمع النسائي، إزاء هذه المسألة، وذهبنا فيها إلى أن تركيبة المجتمع التونسي الثقافية متأثرة لا محالة، وعلى نطاق واسع، بالتنشئة العصرية التي وضعت أساسها قيادة الدولة الوطنية، وعلى رأسها بورقيبة، لكنها ليست مطابقة لما أرادته وخطّطت له، كما أن المرأة التونسية تحررت على أكثر من صعيد، واكتسبت ثقة بنفسها وقدرتها، لكنها بدورها ليست نسخة مطابقة لما أرادته لها السياسات النّسوية الحداثوية. وخلافًا لما ورد في تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة، لم نلحظ في ما أوردناه من معطيات جزئية لا محالة، لكنها دالّة، وجود اتجاه جارف وغلّب نحو اندثار التضامنات الجماعوية وقيمها لفائدة مجتمع من الأفراد قائم على العزلة والاستقلال. ولم نلحظ وجود تيّار مجتمعي واسع يطالب

«بوضع حدّ لوصاية الجماعة على الفرد»، كما جاء في نص التقرير، ليس لأن سيطرة الجماعة تنتمي إلى الماضي البعيد، ولأن الإكراهات الجمعية ضعُفت بدرجة كبرى فحسب، لكن لأنّ الأفراد ما زالوا

يحسّون بالانتماء إلى الجماعة أيضًا. نعم يحصل أن يواجه الفرد عائلته أو جماعة الجيران أو جماعته

الدينية لفرض حقّه في تقرير مصيره، واختيار ما يصلح أو يروق له، لكنه لا يقطع معها في الغالب قطعًا كليًا، بل كثيرًا ما يحنّ إليها ويعود إلى أحضانها، ليس في اللحظات الصعبة، ولا في المناسبات

فحسب، بل حتى في سائر الأيام.

وقع تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة في تقديره دور الموروث الديني وكيفية التعامل معه في الاضطراب. من ذلك نفيه أن تكون مسألة الإرث ذات علاقة بالدين والمعتقد، وتأكيد طابعها الاقتصادي الاجتماعي المحض من جهة، ثم سعيه وراء تبرير مقاصدي لدعوته إلى التسوية في الإرث، وذلك بوضع قيمتي المساواة والحرية في صدارة غايات الدين الإسلامي إلى جانب العدل. هنا يقع التقرير في مطبّات لا مخرج له منها. وهذا الأمر واضح في تلاعبه بفكرة الحرية ودلالتها

ومكانتها في الإسلام، حيث ورد فيه أن الحرية هي المقصد الأول والأسمى في الإسلام، وأن الإيمان في الأصل هو إيمان فردي لا يقبل بالوراثة أو التقليد، لكننا نعتبر ذلك مصادرة يمكن أن يتنازع بشأنها الأصوليون، غير أنه لا أساس لها في الواقع الاجتماعي التاريخي؛ إذ باستثناء الجيل الأول الذي قبِل بتعاليم الرسالة المحمدية طائعًا مختارًا، فإنّ الأجيال اللاحقة، وإلى يومنا هذا، تتلقّى دينها عن طريق

التنشئة، ولم يكن في إمكانها اختياره، باستثناء فئة قليلة جدًّا تخضع عند رشدها الديني الموروث للاستدلال العقلي، أو تتحوّل إلى عقيدة أخرى. وللمناسبة، ولهذا السبب تحديدًا، لا معنى، في رأينا،

لاستخدام عبارة الرّدة منذ أن انتهت حروب الرّدة. لكن المشكل الأكبر ليس في التوظيف الذرائعي لمقولة المقاصد، ولا في حصر مقاصد الإسلام في ثلاث قيم مؤوّلة تأويلً عصريًا إلى درجة فسخ الفوارق ما بين الدين والأيديولوجيات والأخلاق

الوضعية. المشكل الأكبر هو أنه لا يبقى شيء من الفكر المقاصدي عندما يمر تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة إلى المقترحات التشريعية. فالمتفحص الموضوعي لمقترحات التقرير لا يسعه إلّ

أن يُعايِن تحوّلها من الرؤية المقاصدية المجدّدة المُعلَن عنها، إلى رؤية حداثوية مُسطّحة ومفقرة لا

مكان فيها للدين، ولا للتقاليد والموروث الثقافي الذي يتم نبذه بكلّيته، ولا حتى لاتجاهات التركيبة الثقافية الحالية للمجتمع التونسي الذي يعمل بسبل وأشكال شتى، ولقاء توترات ونزاعات على المزج أو التركيب بين عناصر الوافد والموروث، وإخراجها كما لاحظنا في صيغ منوّعة مع الحفاظ على

اللون العربي والإسلامي وعلامات الانتساب إليه وتحديد الهويّة ذاتيًا من خلاله. ومثلما تجاهل ذلك

التحليل السوسيولوجي الوارد في التقرير، فقد تناسته أيضًا المقترحات التشريعية التي تطرح المساواة الكاملة في الإرث باعتبارها قاعدة قانونية تُلغي الإرث البورقيبي، كما تطرح إلغاء مؤسسة رئيس العائلة وتؤسّس للحرية الكاملة وغير المشروطة للفرد في ما يقول ويفعل، ما دام لم يصدر منه فعل مادي

مُضرّ بالغير.

خاتمة: عودة إلى المفاهيم والنماذج النظرية

إذا تجاوزنا الرهانات المتقابلة والمشروعات المتنافسة، سواء للتيارات والأطراف الضاغطة من أجل التوسع في الحقوق والحريات الفردية أم للجماعات المحافظة والداعية إلى التمسك بالموروث، وعدنا إلى المشهد العام أو السائد، وإلى حصيلة عشرات الأعوام من التحولّات والتوترات والتسويات، فماذا

(4((ينظر: عبد اللطيف الهرماسي، ظاهرة التكفير في المجتمع الإس مااي: من منظور العلوم الاجتماعية ل دأأيان (بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون؛ الدوحة: مركز الجزيرة للدراسات، 2010)، ص.67–64

نقول؟ هل سجّلت الفردانية نقاطًا على حساب الجماعوية والمعايير التقليدية من دون أن نُحقّق نصرًا ساحقًا؟ أو هل أن الثقافة الجماعوية والتضامنات التقليدية ما زالت مؤثرة وفاعلة، بل مطلوبة لمجابهة المصاعب والأزمات؟ أم هل أن هذا المجتمع يميل في قطاع عريض منه إلى تجنّب المواجهات وأشكال الاستقطاب أو الاغتراب الثقافي والأيديولوجي، والسعي بدلً منها لاختراع حلول وسطى، أو حيل تُجنّب المآزق وتسمح له بأن يعيش بأقل توترات ممكنة؟ ثم تحديدًا، ما نمط الفردانية التي نتحدث عنها؟ وهل نقصد الشيء نفسه عندما نتكلم عن تقدّم تُسجّله النزعة الفردانية؟ ألا يكون من المفيد إدراج التمييز الذي اقترحه بعض علماء الاجتماع الجدد بين مستويين من بروز الفرد يُعبر عنهما المفهومان التاليان: Individuation الذي نترجمه إلى التفريد، و Individualisation الفردنة، ومنه Individualisme أي النزعة الفردانية؟ إذا عدنا إلى الباحث كرستيان لوبارت، فإن ما يمكن أداؤه في اللغة العربية تحت اسم التفريد، شك ل تاريخيًا حالة سابقة لنمو الفردانية، حالة تؤدي إلى إضعاف المكانة المحورية للاجتماعي الجماعوي، لكن من دون أن تبلغ حدَّ نفيه لفائدة مركزية الفرد. وهذا يعني أن الفرد في الحالة الأولى يبقى مشدودًا إلى الجسم الاجتماعي بمعتقدات ومعايير حول الأدوار والمكانات، وبرقابة اجتماعية، حيث تحتفظ الجماعة بتأثيرها، بينما يتحرّر الأفراد في الحالة الثانية ويتجاوزون كل ما يشدّه إلى أطر وثوابت خارجة

عن إرادتهم. فهل إن هذا الطرح وهذا التمييز يمكنهما أن يكونا مفيدين ومثمرين في دراسة مصاعب التحديث وتناقضاته في مجتمعنا، ومن ثمّ مساعدين على فهم مفارقات في المواقف والسلوك تثير حيرتنا واستغرابنا إذا بقينا ضمن أطر التفكير الكلاسيكية، لكنها ربما تصبح مفهومة بعض الشيء إذا فعّلنا مثلًالتمييز المفاهيمي والنظري؟ لكن هذا سيتطلّب أيضًا الحذر إزاء أي مقاربة تطوّرية للمسألة،

من شأنها جعل ظاهرة التفريد مرتبطة بالمخلّفات التقليدية، أو الأقل حداثة، والفردانية ظاهرة مميزة للمجتمعات الحديثة. أخيرًا، وفي المسألة نفسها، وفي ضوء ظواهر التركيب والترميق والتلفيق بين المتطلبات والمعايير والنماذج مما يلجأ إليه أفراد وتلجأ إليه جماعات معاصرة وجديدة، وفي ظل المفارقات المحيّرة على غرار القرار الحرّ للفتاة بأن ترتدي النقاب، على الرغم من معارضة الوالدين والأقارب، بمن فيهم المتدينون، أو قرار شاب أو فتاة بمغادرة الأهل للانضمام إلى شبكات وتنظيمات جهادية، يلحّ علينا السؤال: كيف نفهم ونفسر تصرّفات مثل هذه، تجمع بين الفردانية القصوى ومعادية لقيم الحداثة الليبرالية؟ أيوجد تلازم بين الفردانية والحداثة والديمقراطية أم أن العلاقات بين هذه الظواهر أشد تعقيدًا مما تسارع إليه النظريات الاختزالية والتحليلات المؤيدة؟

(41) Christian Le Bart,  L’individualisations (Paris: Les presses des sciences Po, 2009).

References

المراجع

العربية

ابن حمد، الحافظ. «التحضر، الهجرة وتحولات العائلة القروية: مثال منطقة نفزاوة». أطروحة دكتوراه في علم الاجتماع. كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس،.2011 ابن فرج، صلاح الدين. «العائلة والتحولات الاجتماعية في تونس». رسالة ماجستير في علم الاجتماع. كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس، 1993–1992. ________. مسارات تحديث الأسرة في تونس. تونس: [د. ن].،.2009 الجمهورية التونسية، رئاسة الجمهورية. تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة (تونس: 1 حزيران/ يونيو 2018:). في https://bit.ly/2TrXAfi المحواشي، منصف. «تطور ظاهرة الطلاق في المجتمع التونسي: قراءة في المؤشرات الإحصائية ودلالالتها». إنسانيات. العدد).2007(137 المليتي، منوّر. «السلطة السياسية والدين في تونس: دراسة تاريخية اجتماعية، 1986–1956». أطروحة

دكتوراه في علم الاجتماع. كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس، 1993–1992. الهرماسي، عبد اللطيف. الحركة الإسلامية في تونس: اليسار الاشتراكي، الإسلام والحركة الإسلامية. تونس: دار بيرم للنشر،.1985 _______. الدولة والتنمية في المغرب العربي: تونس أنموذجًا. تونس: دار سراس للنشر،.1993 _______. ظاهرة التكفير في المجتمع الإسلامي. بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون؛ الدوحة: مركز الجزيرة للدراسات،.2010 _______. في الموروث الديني الإسلامي: قراءة سوسيولوجية تاريخية. القاهرة/ بيروت/ تونس: دار التنوير،.2013 _______. (تنسيق). تقرير الحالة الدينية وحرية الضمير في تونس 2015. مراجعة محمد جويلي. تونس: منتدى العلوم الاجتماعية التطبيقية؛ الصندوق العربي لحقوق الإنسان؛ المرصد الوطني للشباب،.2015 _______. المجتمع والإسلام والنخب الإصلاحية في تونس والجزائر: دراسة مقارنة من منظور علم الاجتماع التاريخي. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2018 _______. «في ضوء كتابه ‘الإسلام انفتاح وتجاوز’: الإسلام في فكر عالم الاجتماع التونسي عبد الوهاب بوحديبة». عمران. مج 8، العدد 29 (صيف.)2019

الأجنبية

Aron, Raymond. les étapes de la pensée sociologique. Paris: Gallimard, 1967. Battagliola, Françoise.  La fin du mariage? Jeunes couples des années 80. Paris: Syros Alternatives, 1988. Ben Amor, Ridha. Les formes élémentaires du lien social en Tunisie. De l’entraide à la reconnaissance. Paris: L’harmattan, 2011. Bouhdiba, Abdelwahab. «Point de vue sur la famille tunisienne actuelle.» Revue Tunisienne de Sciences Sociales. no. 11 (Octobre 1967). ________. Culture et Société. Tunis: Université de Tunis, 1978. Camau, Michel. «L’Etat tunisien: De la tutelle au désengagement.» Maghreb–Machrek. no. 103 (Janvier–Mars 1984). Chelhod, Joseph. Les structures du sacré chez les Arabes. Paris: Maisonneuve et Larose, 1964. De Singly, François.  Sociologie de la famille contemporaine. Paris: Armand Colin,

De Singly, François & Danilo Martucelli.  Les sociologies de l’individu. Paris: Armand Colin, 2009. Dhaoui, H., H. Redissi & M. Kerrou (dir.). L’individu au Maghreb: Actes du Colloque International de Beit al–Hikma (Carthage 31 oct–2 nov 1991). Préface de Mohamed Arkoun. Tunis: Editions TS, 1993. Durkheim, Emile. De la division du travail social. 8 éme éd. Paris: PUF, 2013. ________. Le suicide. Paris: PUF, 2007 (1897). De Tocqueville, Alexis. De la démocratie en Amérique. Paris: Gallimard, 1986

Dumont, Louis. Essai sur l’individualisme. Paris: Seuil, 1983. El Guedri, Raoudha. Corps, individu et quête identitaire dans la Tunisie contemporaine. Casablanca: Fondation du Roi Abdul-Aziz al Saoud, 2018. Elias, Norbert.  La société des Individus. Paris: Fayard, 1997. Hénia, Abdelhamid.  Le frère, le sujet et le citoyen. Tunis: L’Or du Temps, 2015. Kerrou, Mohamed.  Hijab: Nouveaux voiles et espaces publics. Tunis: Cérès Editions,

________. L’autre révolution. Tunis: Cérès Editions, 2018. Martucelli, Danilo.  Grammaires de l’individu. Paris: Gallimard, 2002.

Lamri, Laroussi (dir.). Les changements sociaux en Tunisie: 1950–2000. Collection Logiques sociales. Paris: L’Harmattan, 2007. Le Bart, Christion.  L’individualisation. Paris: les presses de science Po, 2009. Parsons, Talcott. Eléments pour une sociologie de l’action. François Bourricaud (trad.). Paris: Plon, 1955. Sebag, Paul. La Tunisie: Essai de monographie. Paris: Editions Sociales, 1951. Segalen, Martine. Sociologie de la famille. Paris: Armand Colin, 1981. Simmel, Georg. Sociologie et épistémologie. Paris: Payot, 1989. République Tunisienne, Ministère du Plan, Secrétariat d’Etat au plan et à l’économie nationale. Perspectives décennales du développement: 1962–1971. Tunis: Impr. officielle, 1961. Théry, Irène.  Le démariage: Justice et vie privée. Paris: Odèle Jacob, 1993. Tönnies, Ferdinand. Communauté et société. Paris: PUF, 2010 [1887]. Villeneuve–Gokalp, Catherine. «Du mariage aux unions sans papiers: Histoire récente des transformations conjugales.»  Population. vol. 45, no. 2 (1990).