العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الحركات الاحتجاجية في المغرب ودينامية التغيير ضمن الاستمرارية

الحركات الاحتجاجية في المغرب ودينامية التغيير ضمن الاستمرارية

The Protest Movements in Morocco and the Dynamic of Continuous Change

محمد بنطلحة | Mohammed Bentalha *

الملخّص

عنوان الكتاب: الحركات الاحتجاجية في المغرب ودينامية التغيير ضمن الاستمرارية. المؤلف: الحبيب استاتي زين الدين. الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. مدينة النشر : الدوحة/ بيروت. سنة النشر : 2019. عدد الصفحات: 524 صفحة.

Abstract

Author: Habib Astati Zeineddine. Title: The Protest Movements in Morocco and the Dynamic of Continuous Change. Publisher: Doha/Beirut: Arab Center for Research and Policy Studies. Date of Publication: 2019. Pages: 524.

الكلمات المفتاحية:
  • المغرب
  • الحركات الاحتجاجية
Keywords:
  • Morocco
  • Social Movement

عنوان الكتاب: المؤلف: الحبيب استاتي زين الدين. الناشر: مدينة النشر: الدوحة/ بيروت. سنة النشر: عدد الصفحات: 524 صفحة.

الحركات الاحتجاجية في المغرب ودينامية التغيير ضمن الاستمرارية.

المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

ينتمي كتاب الحركات الاحتجاجية في المغرب ودينامية التغيير ضمن الاستمرارية، لأستاذ القانون الدستوري وعلم السياسة بجامعة عبد المالك السعدي في المغرب، الحبيب استاتي زين الدين، إلى عيّنة الكتب الأكاديمية والإصدارات العلمية التي يلمس فيها القارئ جهدًا بحثيًا وتَمكُّنًا معرفيًا واضحًا؛ ليس فقط لأنها أفلتت من التحليل والكتابة من داخل المألوف في المجال، بل لمقاربتها المُوفَّقة والشاملة لموضوع يتطلب تحليله الأخذ بناصية التقدير الحذر في المسببات والسياقات والتداعيات. فهو يندرج، عمومًا، ضمن مبحث السوسيولوجيا السياسية، في حين أن اختياراته الإجرائية ترتكز على محاصرة الفكرة الواحدة، وعرض خصائصها ومميزاتها، وتحليل تجلياتها، وحث القارئ على الاقتناع بامتداداتها ومخرجاتها المركبة المؤثرة في الحاضر والمستقبل. انتبه المؤلف نفسه إلى هذا التأثير عندما دفع في اتجاه العناية بموضوع ما زال يشكو من خصاص كمي كبير على مستوى البحث العلمي، على الرغم من الحضور المكثف للفعل الاحتجاجي في الفضاء العام، وتنامي إيقاعه، وتنوع أشكاله ومجالاته ومضامينه، وارتباطه ب «متغيّرات جديدة»، سواء تعلّق الأمر بالسياق الإقليمي المتحوِّل، أو نضج الوعي الشبابي، أو الأسلوب الاحتجاجي الحضاري، أو المضمون الدستوري بروح العصر بعد موجة الحراك العربي، أو كثافة الطلب على البعد الإنساني لدولة القرن الحادي والعشرين، أو الدور الجديد الذي أصبحت تضطلع به وسائط الاتصال الحديثة أيضًا. لن أضيف جديدًا إذا قلت إنّ ضعف التأليف في هذا الموضوع لا يُعزى إلى أسباب موضوعية متعلقة بندرة المراجع فحسب، بل ذات صلة، كذلك، بالتحفظات المترسِّبة في الوعي الجمعي للمجتمع حيال النتائج المدمِّرة للاحتجاج السياسي السّلبي الذي طبع جزءًا مهمًا من تاريخ المملكة المغربية في القرن الماضي (ص 17 وما بعدها). كان لهذه التحفظات، في نظر المؤلف، انعكاسات سلبية على القراءة العلمية للاحتجاج على امتداد عدّة عقود، وخير دليل على ذلك أن التعامل مع الموضوع ظل موسومًا بالتعميم، وأحيانًا بالتجزيء الفجّ بين الوقائع، وخصوصًا في حال ربطه بالنظام السياسي، وحتى الخلط بين مصطلح الحركات الاحتجاجية وباقي المصطلحات والمفاهيم المجاورة، والاعتماد في مقاربة الفعل الاحتجاجي على نموذج تفسيري واحد من دون الانفتاح على باقي النماذج الحديثة التي راكمها علم الاجتماع السياسي، وكذلك الخلط القانوني بين الوقفة الاحتجاجية والمظاهرة والتجمهر، وهو ما ينظمه الظهير الشريف رقم 1.58.377 بشأن التجمعات العمومية كما وقع تتميمه وتعديله. ومن ثمّ، حينما نشرع في تحويل عبارة «الحركة الاحتجاجية»، كما يرى المؤلف، إلى مصطلح فضفاض يصف ظواهر مختلفة أو متشابهة من دون دقة علمية، ونطمئن إلى المقتربات النظرية الكلاسيكية لتفسير مسبِّبات الاحتجاج، بمعزل عن التطورات العلمية التي لحقت هذه التفسيرات، إضافة إلى تغليب المنطق الأمني أو السياسي لفلسفة المواثيق الدولية وروح الدستور، يصبح الاشتغال بموضوع الحركات الاحتجاجية مُطالَبًا باستحضار هذه المستويات الإشكالية مجتمعة (ص 17 وما بعدها). من خلال استحضار هذه المعطيات، يلُاحظ أن الكتاب سعى إلى بلوغ مجموعة من الأهداف، على رأسها الكشف عن خصائص الفعل

الاحتجاجي في المغرب فكرًا وسلوكًا، وذلك عَبْر تتبع مساره التطوري، وتحديد العوامل الرئيسة المتحكّمة فيه، مع التركيز على واقع الحركات الاحتجاجية التي عاشها المغاربة منذ الاستقلال إلى حدود عام 2017. يضاف إلى ذلك إبراز خصائص التجدد والاستمرارية التي تميز هذه الحركات، ومعرفة طبيعة العلاقة بين تعذُّر انتقالها إلى حركة اجتماعية، وهشاشة السياسات العمومية والتنمية المحلية والديمقراطية التشاركية، فضلً عن فهم حيثيات، وخلفيات انخراط شباب حركة 20 فبراير في موجة الحراك المغربي عام 2011، وتحديد مكونات هذه الحركة، والمطالب والشعارات السياسية التي حملتها، والنتائج المتشعبة التي آلت إليها، والآفاق التي فتحتها، إلى جانب فحص الجانب القانوني الذي ينظِّم الحق في حرية الاحتجاج السلمي بالمغرب، بالوقوف عند الضمانات القانونية التي تتيحها المواثيق الدولية والتشريعات الوطنية، وبعض النماذج من الاجتهادات القضائية، من دون إغفال كيفية التدبير الميداني للممارسة الاحتجاجية من طرف الأجهزة الأمنية، وأخيرًا، وضع الفعل الاحتجاجي تحت مجهر النظريات التفسيرية الخمس التي أنتجها علم الاجتماع السياسي (ص. 19) في إطار سعيه لتحديد دلالات تجذّر الممارسة الاحتجاجية في الثقافة المجتمعية المغربية وأبعاده، وعلاقتها بضعف التنمية والديمقراطية وهشاشة منظومة الوساطة، نجح المؤلف في بلوغ نتائج مهمة، وهي كما يلي:

أولا: بشأن المصطلح الرئيس

بعد استحضار المؤلف لمجمل التعريفات التي صيغت بخصوص مصطلح الحركات الاحتجاجية، يسجل في مقدمة كتابه أن كثافة حضور الحركة الاحتجاجية في الاجتماع الإنساني تجعل هذه الحركة ظاهرةً مجتمعية حاضنة لكل فعل وسلوك تمردي وانتفاضي أو ثوري. غير أن هذا الاحتضان لا يجعل منها تمردًا ينحصر بين العفوية والعنف والتلاشي السريع، ولا ثورةً متصاعدة، أو فتنة، أو خروجًا ينتهي بتقويض نظام قديم لدولة قائمة وتعويضه بآخر حديث. كما أنها ليست انتفاضة موجَّهة لثني قوة داخلية أو خارجية عن التمادي في تسلّطها على جماعة تجاهد بصمودها وصبرها بغية التحرر، وليست عصيانًا مدنيًا تقوده نخبة تجيد قواعد اللعبة السياسية وتجنح لخيارات ومصالح براغماتية مؤقتة. ويخلص المؤلف من مختلف الدلالات التي قدّمها، وعناصر التمييز التي توصل إليها إلى أن الحركات الاحتجاجية ليست كذلك بسبب التسمية طبعًا، بل بالنظر إلى خصائصها، وتعبيراتها اللغوية والجسدية التي يوجِّهها المحتجون نحو جهة ما، يفترض توتر العلاقة بينهما بخصوص سوء توزيع منافع الحقل الذي ينتمون إليه جميعًا ومصالحه. قد يكون هذا التوتر حاضرًا في الأشكال السابقة، لكن التسمية، بحسبه، تظل رهينةً بالمسار والمآل اللذين يمكن أن تسلكهما. فهي مجموعة من الأفعال الجماعية التي تتمايز من الأنشطة التنظيمية والمؤسسية. إنها عملية استعمال الجماهير للفضاء العام واحتلاله، بهدف التعبير عن المطالب ذات الطبيعة الاجتماعية أو السياسية، خارج المؤسسات والتنظيمات التقليدية، أي بالشارع العام، عن طريق الوقفة، أو الاعتصام، أو المسيرة، أو المظاهرة، أو الإضراب عن العمل أو عن الطعام، أو التهديد بالانتحار، أو التجمع الخطابي العلني، أو المقاطعة، وغيرها من أشكال الاحتجاج الجماعي (ص. 34)–23

ثانيًا: فعل احتجاجي في تطور مستمر

في هذا المستوى، استنتج المؤلف، بعد حفرٍ مطول في مختلف الاحتجاجات الجماعية في المملكة، أن الاحتجاج، مغربيًا، تنقَّل طوال العقود الستة الماضية، بين ثلاثة أجيال، لكل منها خصائص ينفرد بها. الجيل الأول منها ارتبط، وفق نظره، بزمن الاستئناس الممنوع للاحتجاج، في ظل القمع العسكري الدموي، والعنف المتبادل الذي يترجم حجم التسييس الذي تعرضت له الممارسة الاحتجاجية، في فترة ما قبل التسعينيات، من طرف الدولة والأحزاب السياسية المعارضة والتنظيمات النقابية التابعة. أما في زمن التسعينيات، فقد بدأت تطفو على السطح، مع تشكيل الجمعية الوطنية لحملة الشهادات المعطلين عن العمل في المغرب، الإرهاصات الأولى لاستراتيجية احتلال الشارع العام، في الجيل الثاني، بوصفها مؤشرًا على انتقال السياسة من الفضاء التقليدي المحتكَر من طرف الفاعلين السياسيين إلى فضاء الاحتجاج غير التعاقدي، تزامنًا مع ظهور أنماط جديدة من الاحتجاج (الحركة النسائية، والحركة الإسلامية، والحركة الأمازيغية، وحركة المعطلين عن العمل... إلخ)، سرعان ما تزايد إيقاعها، وتنوعت أشكالها ومطالبها، خلال السنوات الأربع لحكومة التناوب، لتحل الوقفة والمظاهرة والمسيرة السلمية المنظمة المطالبة بالحق في الوجود في الفضاء العام محل التمرد والإضراب على غير المتحكم فيه، ويبدأ القمع الأمني في التعود على هذه الأشكال الاحتجاجية الجديدة، وتخفيف حدة تدخله العنيف تجاه المحتجين. وفي الجيل الثالث، حدث تحوّل كمي ونوعي في الاحتجاج؛ إذ تضاعف عدد الحركات الاحتجاجية في الوسطين القروي والحضري، وانضمت إليها مختلف شرائح المجتمع، بما فيها بعض الفئات التي كانت ممنوعة من النزول إلى الشارع (بعض رجال الجيش، والأمن، والأئمة، والقضاة... إلخ)، كما بدأ يتجه الاحتجاج تدريجيًا نحو الحكومة، بوصفها مسؤولة مباشرة عن إعداد السياسات العمومية وتنفيذها وتقييمها، بعد أن ظل الاحتجاج السياسي، في السنوات السابقة، يحمّل الملكية فشل العمل الحكومي في تحقيق البرامج والمخططات التنموية التي وضعها. وبفعل هذا التحول المزدوج، شهدت وظيفة الشارع انزياحًا، من ناحية، نحو التظلم العلني عن محدودية السياسات العمومية في تحقيق التنمية بمختلف مناطق المغرب، بما فيها المدن الكبرى التي تمتص نسبة كبيرة من استثمارات الدولة في مجال الضبط الأمني والتهيئة العمرانية، منذ ظهور بوادر الانفراج السياسي الذي انطلق في المغرب بعد التوافق الذي حصل بين المؤسسة الملكية والمعارضة اليسارية في نهاية الثمانينيات، كما شهدت، من ناحية أخرى، انزياحًا نحو استقلالية الحركات الاحتجاجية عن الأحزاب السياسية والنقابات، مع ما صاحب ذلك من بداية تعميق الهوّة بين الاحتجاجات الشعبية وهذه التنظيمات.

ثالثًا: التدبير الأمني للممارسة الاحتجاجية

مستوى التدبير الأمني للممارسة الاحتجاجية، يشير الكتاب في الفصل الرابع، تحديدًا في النقطة الثالثة، إلى تضافر متغيرات متعددة فرضت على سلطة الضبط (وزارة الداخلية

ومختلف مصالحها الداخلية والخارجية) التوفيق بين الحق في التظاهر والتجمع السلمي، واحترام النظام العام؛ وهو ما يُفسر، إلى حد ما، تحولها من طرف دائم إلى «وسيط بين طرفين»، يفاوض ويحاور ويتوسط بين المحتجين والجهة موضوع الاحتجاج. غير أن ما تجدر الإشارة إليه في هذا التحول، الذي يعبّر عن تمثل وزارة الداخلية للمفهوم الجديد للسلطة، أن قوّات الأمن ما زال يحرّكها الهاجس الأمني المتمثل بتحرير الفضاء العام، لأن جواب قوات الأمن عن أيّ رسالة احتجاجية لا يحمل استجابة تامة أو حلًّ نهائيًا لها، بالقدر الذي يتوخى ربح مزيد من الوقت، وإرجاء قرار التدخل العنيف إلى حين التأكد من صعوبة الاستجابة للوعود التي أسفر عنها الحوار (ص 255 وما بعدها).

رابعًا: انقسام الاجتهادات القضائية

في نظر المؤلف، يعزى التدخل الأمني في كثير من جوانبه إلى الخلط القانوني الموجود بين الوقفة الاحتجاجية التي يفضّلها المحتجون وباقي أشكال التجمعات العمومية (الاجتماعات العمومية، والمظاهرات، والتجمهر)، والشاهد على ذلك الوقوف عند انقسام الاجتهاد القضائي بخصوص قضايا الوقفات الاحتجاجية إلى فريقين؛ أحدهما يُخرج هذا الشكل الاحتجاجي من دائرة أشكال التجمعات العمومية التي تحدّث عنها القانون 76.00، وهو بذلك لا يعدّ المشاركين في وقفة احتجاجية حافظت على سلميتها، وظلت ثابتة في مكان معيّن في الفضاء العام، وغير متحركة في الطريق العام، متظاهرين أو متجمهرين؛ ومن ثمّ، ذهب اجتهاد الفريق الأول من القضاة، في هذه الحالات، إلى عدم تجريم هذا الفعل الاحتجاجي في ظل الشروط السابقة، بيد أن الفريق الثاني – من داخل هذه الشروط نفسها – سار في اتجاه التكييف القانوني للوقفة الاحتجاجية على أنها مظاهرة، وهي بذلك، شكل من أشكال التجمعات العمومية، وجب التصريح المسبق بها لدى السلطات المحلية، لتجنب قرار المنع. هذا الاختلاف بين الفريقين، لا يترتب عليه استمرار أوجه الغموض وعدم الحسم في الطبيعة القانونية للوقفة الاحتجاجية فحسب، بل يترك الباب مفتوحًا أمام الإدارة الأمنية لتأويله دائمًا لصالحها، على نحو لا يخدم الحق في حرية الاحتجاج السلمي. وبناءً عليه، تبرز الحاجة الماسة إلى ضرورة التفكير في مراجعة شاملة لقانون التجمعات العمومية في المغرب، بهدف تجويد النص من جهة، لأنه يبقى مدخلً أساسيًا لتعزيز الشرعية، وترشيد الحكامة الأمنية، سواء في الظروف العادية أو عند حدوث أزمات من جهة أخرى (ص 255 وما بعدها).

خامسًا: حركة 20 فبراير ورهان التغيير من داخل الاستمرارية

بعد تتبع مراحل تطور حركة 20 فبراير، ودراسة أرضياتها التأسيسية المختلفة، وتحليل أهم الشعارات التي رفعتها في مسيراتها، نقرأ في الفصل الخامس من الكتاب أن الحركة تُعرِّف نفسها بوصفها حركة احتجاجية سياسية، تفاعلت مع موجة التحولات الإقليمية التي أحدثها الحراك العربي في مطلع عام 2011، وتأثرت بخصوصية الدولة والمجتمع، وأثّرت فيهما في الوقت ذاته، للتنديد بثنائية الفساد والاستبداد في الشارع العام. وأخذًا بناصية الحذر الإبستيمولوجي الذي يقتضيه التعامل مع مسار حركةٍ ومآلها ما زالت تتفاعل ديناميتها مع مجريات الأحداث،

للتخفيف من بعض الالتباسات والأحكام المتسرعة التي سقطت فيها العديد من الدراسات بخصوص نتائج الحراك الاجتماعي والسياسي بالمغرب، يرى المؤلف أنه على الرغم من أن الحركة لم تفلح في التحول إلى حركة جماهيرية لها امتداد شعبي فإن احتجاجاتها مثّلت، مقارنة بالتحركات الحزبية، المحك الحقيقي لمدى جدية الإصلاحات التي باشرها المغرب في السنوات الأخيرة، ومدى فاعليتها وأهميتها، بل لعلها، في بعض جوانبها، مساءلة لما اصطلح عليه ب «الانتقال الديمقراطي»، والفاعل الأساسي فيما عرفه المغرب من تحوّل دستوري وسياسي. لذلك، فإنّ تفسير تراجع الحركة وفهمه مرتهنان باستحضار مجموعة من العوامل، جزء منها خارجي مرتبط بتطور الحراك الإقليمي على المستوى العربي والمغاربي، وجزء آخر محلي صرف، يتوزع – هو الآخر – على قسمين؛ بحكم أحدهما داخلي يتعلّق بطبيعة تركيبة الحركة نفسها، والآخر خارجي يتصل بخصوصية النظام السياسي المغربي. فمقابل خبرة النظام السياسي المغربي وذكائه وتدبيره، وما نجم عنه من قدرة على الأخذ بزمام المبادرة، كانت الحركة أسيرة هشاشتها التنظيمية والسياسية التي تجلّت في عدم قدرتها على تدبير الخلافات الأيديولوجية بين مكوناتها، وفي الصراع على الزعامة أيضًا، ما شلّ قدرتها على إنضاج مبادرة سياسية تدفع بها نحو الأمام. بمعنى آخر، لم تُنهَك قوى الحركة «من الخارج» بفعل الاستراتيجية التي اتبعتها المؤسسة الملكية فحسب، بل وجدت نفسها، مع مرور الوقت، تحت نوع آخر من التأثير، يسمّيه ابن خلدون، إذا جاز لنا استعارة ذلك، «الهزيمة من الداخل». ومن ثمَّ، فإن أيّ قراءة للوضع الذي أصبحت عليه الحركة ينبغي أن تستحضر مختلف التحولات في المواقف المميزة للجهات التي شاركت، في وقت من الأوقات، بحماس في اتجاه دعم تجربة مغربية بامتياز، أكدت أن في إمكان الحركات الاحتجاجية المغربية انتزاع مجموعة من المكاسب، سبق للقنوات التقليدية النقابية والسياسية أن فشلت في بلوغها (ص. 398)–281

سادسًا: تفسير الاحتجاج في ضوء مقتربات السوسيولوجيا السياسية

لقد بذل المؤلف جهدًا كبيرًا في هذا الفصل، بل إن القول إنه أصاب في إخضاع الممارسة الاحتجاجية، على اختلاف أبعادها وثيماتها والمشاركين فيها في السياق المغربي، للأطروحات التي أنتجها علم الاجتماع السياسي لا يُعد من المبالغة إطلاقًا. إن الاحتجاج المحلي، الحمولات التاريخية والمجتمعية والسياسية والقانونية المختلفة التي يعبّر عنها، إلى جانب طابعه المركب، الذي يقرأ من حيث تنوع دوافعه ومطالبه ورهاناته، يسمح باستخلاص صعوبة إخضاعه لتفسير واحد من طرف هذه النظرية، أو تلك التي أنتجتها السوسيولوجيا السياسية (نظرية الحرمان النسبي، وأطروحة الصراع الطبقي، ونظرية تعبئة الموارد، والفرص السياسية، والتأطير). وإذا تفحصنا مجموع الوقائع التي تشهد تطور هذه الحركات بالمغرب، منذ مرحلة ما بعد الاستقلال إلى اليوم، فإننا نجد أن الدوافع متداخلة، بحيث تتفاعل، مثلً، فكرة التهميش والكرامة، أو صيغتها السلبية «الحُكْرَة»، في الخطاب المطلبي لسكان المدن الصغيرة، وفي فضاءات ضواحي المدن المتوسطة والكبيرة، وفي

المناطق القروية، مع قدرة الفاعلين على تأطير الاحتجاجات الاجتماعية وتنظيمها، حول مصالح اقتصادية، وترابية، وإثنية، أو رمزية، وذلك عندما تسمح الشروط السياسية بذلك. وتؤكد حركة 20 فبراير، بدورها، هذا الغنى التفسيري، وهي التي استثمرت الحرمان الذي تعانيه فئات عريضة من الشعب المغربي، واستمرار الفروق الاجتماعية القائمة داخله، لتعبئة مواردها، وإضفاء المعاني على الفرص السياسية التي أتيحت لها، من دون أن ننسى أنها استطاعت، على خلاف كل الحركات السابقة، أن تخلق توافقًا، وإن كانهشًّا، بين أيديولوجيّتين متناقضتين أجمعتا، في وقت من الأوقات، على الاستفادة من أخطاء الماضي لبناء الحاضر والمستقبل (ص 448–399). في إشارة مهمة، يثير المؤلف الانتباه إلى أن هذا النوع من التئام الأيديولوجيات، أو تثاقف الأجيال الذي عبّرت عنه الحركة، يعزّز ضرورة تعميق البحث في هذه النظريات التفسيرية في أفق فهم أفضل للحركات الاحتجاجية في المستقبل، وخصوصًا أن معالم فعل احتجاجي جديد ومؤشراته، بدأت تلوح في الأفق، من خلال تزايد الفئات المحتجة، واتساع الرقعة الجغرافية للاحتجاجات، على نحوٍ يفيد أن التراجعات والانكماشات الكامنة داخل المجتمع الاحتجاجي سرعان ما قد تعود بقوة. من هنا، لم يفت المؤلف، وهو الباحث في القانون الدستوري وعلم السياسة، أن التأخير في إصلاح أعطاب المجتمع الاقتصادية والاجتماعية، قد يهدّد، في أي وقت، السلم الاجتماعي والاستقرار السياسي ببلادنا، بالنظر، أساسًا، إلى وجود خلل بنيوي في وساطة اجتماعية وسياسية تعدّ في الظاهر أحد مظاهر ضعف الرابط الاجتماعي، وتكشف في العمق عن هشاشة مستوى الثقة الذي يتجلى من الناحية السياسية في أزمة العلاقات القديمة التي محورها الأعيان، وأطر الوساطة التقليديين، إضافة إلى تشتت الحقل السياسي، واشتغاله بمنطق «شخصنة» البراغماتية، فضلً عن تنامي معدلات البطالة في صفوف شباب حضري متعلم، مشحون بحمولات سيكولوجية وقيمية وثقافية، على نحو جعله لا ينظر نظرةً سلبيةً إلى السياسة فحسب، بل أدى إلى نموّ فردانيته أيضًا، وهي فكرة تتقاطع مع دراسة لاحقة متعلقة بتاريخ تحرير الكتاب على نحوٍ يبرز جديته وبُعد نظره ودقته. أجريت الدراسة، كما يبين المؤلف، في عمل علمي لاحق، حول قيم الشباب المغربي بالدار البيضاء، والنتيجة المتوصَّل إليها أن النسق القيمي لهذه الفئة يشكو من عدة تناقضات (1233 شابًا، في الفئة العمرية 24–15 سنة، يمثلون مختلف أحياء المدينة). وبقدر ما يمثّل الدين البؤرة المركزية لنسق المستجيبين، حيث يعده ما نسبته 86 في المئة من عيّنة البحث الأمر الأهم في الحياة، يرى أكثر من 76 في المئة من العيّنة أن المصلحة الشخصية والفردية تعلو على مصلحة جماعة الانتماء. وتتمثل المفارقة في أن الحضور المكثف للدين في نسق المستجيبين لم يمنع من تعبيرهم عن مستوى عالٍ من الفردانية وسيادة قيم استهلاكية مرتبطة بالتحولات الاقتصادية، فضلً عن عدم منعهم من التوجه نحو علاقات اجتماعية أشد عقلانية ومصلحية. ويفسر جورج سيمل Simmel Georg هذا التوجه الفرداني بإحساس الفرد بأنه معنيٌّ وحده بمواجهة مصيره، وبأن مسؤولية النجاح من عدمه تعنيه هو لا غيره.

يتابع المؤلف تحليل هذا الإحساس بتأكيد أنه ما عاد في إمكان الفرد في الحياة الجديدة نيل الاعتراف به بوصفه ذاتًا مفكرة ومستقلة تحظى بقيمة وكرامة من خلال أشكال التضامن التقليدية فحسب، بل على أساس ما يتمتع به من كفاءات وإمكانات بالدرجة الأولى أيضًا. إن ربط هذه الوضعية بالتحولات المجتمعية التي سبق أن أشرنا إليها أدى إلى وجود اختلالات حادة، وظواهر اجتماعية وسياسية مقلقة، أصبحت تهدد التماسك الاجتماعي؛ إذ نقرأ أهم مظاهرها في خلاصات الدراسة التي أعدها المعهد الملكي للدراسات الاستراتيجية في مجال قياس مستوى التماسك الاجتماعي في المغرب؛ ففي الوقت الذي تستمر فيه الروابط الأسرية في تصدّر مصادر إحساس المغربي بالأمان والثقة، أدت التحولات التي شهدها المجتمع المغربي إلى إضعاف العلاقات داخل الأسر، ومن ثمَّ إلى إضعاف الرابط الاجتماعي والعيش المشترك. في حين تتسم الثقة بالضعف، سواء بين الأشخاص أو تجاه المؤسسات. يتدرج المؤلف في شرح التحولات، كما هي حال هيكلية الكتاب ومساره العام إلى استنتاجات تبني، بمنطق واضح وتسلسل منظم، جسر العبور لفهم العلاقة ذات الأقطاب المتسلسلة في التاريخ الاجتماعي والسياسي لأي بلد؛ الفرد والمجتمع، والمجتمع والدولة، والدولة والتنمية، والتنمية والحرية إذا جاز لنا استعارة عبارة أمارتيا سن Sen Amartya. وقد مكّن هذا الأمر مبنى الكتاب من أن يبلغ هذه النتيجة التي مفادها أن ضعف الرابط الاجتماعي يرتبط بانعدام الحس المدني في الفضاءات العمومية والطرق، والفضاءات الجماعية، نحو الملكيات المشتركة، وازدياد مظاهر عدم احترام القانون، والممتلكات العمومية، وممتلكات الغير، والمساس بحقوق الأشخاص، وسلامتهم المدنية والمعنوية، وهو ما يوضح أن المغاربة، بحسب المؤلف، يعيشون أزمة وساطة اجتماعية وسياسية تمثِّل أحد مظاهر هشاشة الرابط الاجتماعي. ويتابع المؤلف تفسير هذه الأزمة بالقول إنها تفاقمت بسبب تدنّي مستوى الثقة الذي من تجلياته، من الناحية السياسية، أزمة العلاقات القديمة التي محورها الأعيان، وأطر الوساطة التقليديين، فضلً عن تشتت الحقل السياسي، وبطالة شباب حضري يكاد يدير ظهره للسياسة. وهي الوضعية التي أنتجت، بحسب المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، مشاعر ظلم وحالات قلق؛ بسبب سوء التفاهم المتعدد الاتجاهات بين الشباب والأسر، وخصوصًا في الأوساط الاجتماعية التي تعاني الفقر والأمية وانعدام السكن اللائق، كما أنتجت مظاهر تمرد على الشرخ الاجتماعي والاقتصادي، وواقع الفساد والزبونية، والإحساس المتنامي بحرية محجوزة من جراء الصعوبات الاقتصادية؛ وهو ما يؤدي، بأعداد كثيرة، إلى الضياع، والهشاشة والصراعات العائلية وانهيار القيم، ومشاعر اللاجدوى والاحتقار الذاتي، واستبطان الإحساس بكونهم ضحايا مجتمع غير قادر على الإنصات إليهم، أو الاعتراف بذكائهم وكرامتهم، الأمر الذي يُنتج أشكالً متنوعة من الاحتجاجات، تستثمر التراكمات السابقة، وتتجدد، وتتفاعل مع الأحداث الطارئة.

سابعًا: انتظارات بحثية

أثبت المؤلِّف، على مدار فصول هذا الكتاب، قدرة مهمة على قراءة الأدبيات واستثمارها للكتابة عن ظاهرة متأصلة في التاريخ المغربي، والوصول إلى نتائج عن تطورها ومآلها. وحيث إنّ العمل البشري، أيّ عمل بشري، نسبيّ بطبيعته، فحبذا لو تنكبّ الطبعة الثانية على إغناء الجانب التفسيري ومتابعة التنقيب فيه من خلال التركيز على الدراسات المستجدة والوقائع المعيشة في سياق التحولات الجارية محليًا ودوليًا، بالنظر إلى قلة الأعمال ذات الطبيعة الكيفية حولها. وضمن هذا الأفق البحثي المستقبلي، تجدر الإشارة إلى أن المؤلِّف استعان بالانتقال إلى الاحتجاج السلمي في المغرب للاستدلال على أن أطروحة الحرمان النسبي، مثلً، لا تكفي وحدها لتفسير الممارسة الاحتجاجية لاعتبارات عديدة ربطها، أساسًا، بطبيعة هذه الممارسة والفاعلين فيها حاضرًا، انطلاقًا من مؤشرات مقنعة في نظره، بيد أنه يُؤمل أن يتم توسيع البحث في الأطر النظرية البديلة، التي تتعلق، في رأيي، بعلم اجتماع الفعل، وهو علم في إمكانه تفسير الجانب اللاعقلاني للأفعال الجماعية والطريقة التي يختلط بها بالجانب العقلاني الأدواتي، كما أنه يبين الصلة بين المصالح الأدواتية ومشاعر العاملين في تشكُّل الأفعال الجماعية ونموها. والمقصود هو تلك الرابطة الموجودة داخل الفعل بين الجانبين الأدواتي والذاتي؛ رابطة يرجو أعضاء الحركة والمشاركون فيها ترسيخها، من خلال فعلهم لمقاومة الهيمنة التي تطغى على الحياة الاجتماعية، ولكي يعرفهم الآخرون بوصفهم عاملين، وحاملين مشروعًا بديلً، يريدون تغيير الوسط الذي يتحركون داخله. ويكمن الرهان الموازي في أن تُكتشف الدوافع التي تؤدي بحركات حقوقية إلى الانضمام إلى دينامية 20 فبراير المغربية وغيرها من الحركات الاحتجاجية والاجتماعية التي لحقتها متأثرةً بها أو مستفيدة من تراكماتها، وهي أسباب يمكن تفكيكها وتحليلها بالاستعانة بعلم اجتماع الفعل. وبما أن الكتاب يعترف بتعقّد ظاهرة الاحتجاج في المغرب، وخصوصًا حركة 20 فبراير التي يتخذها أنموذجًا للتفسير، ولمّا كانت قد انضمت إليها جمعيات حقوقية ومدنية، وأحزاب سياسية، فإن كلًّ منها تكون له أهداف خاصة مختلفة عن أهداف الآخر. لن أدعي أن الكتاب لم يتوقف عند هذه المسألة، بل إنه اجتهد، كما أشرت من قبل، في التنبيه إليها وتسجيل السبق بخصوصها في دراسة الحراك المغربي، لكن الأمر سيكون مفيدًا وممتعًا جدًّا لو يتم الانفتاح، من زاوية، على البحث الإثنوغرافي لضمان الفهم الأمثل بشأن الأسباب الموجبة للمشاركة فيها، وكذلك تحفيز الباحثين على دراسة النظريات البديلة وتجريب أطروحاتها من زاوية ثانية، وخصوصًا بعد ظهور محاولات بحثية تستفيد من التراكمات الحاصلة وتتوخى، على سبيل المثال لا الحصر، اختبار مدى قدرة التذويت والموضعة على الاشتغال داخل مسار تفاعلي منتج للفعل/ الظاهرة، وهو تفاعل يتضمن التعالق الاجتماعي التاريخي بين الفردي – الجماعي، والذاتي – الموضوعي، والشخصي – العمومي، والضيّق – الواسع، والخصوصي – العام، والمحلي – الكوني... إلخ، ضمن ما يسمى معضلة «الألفة المفارقة».

في ظل هذه الدعوة التي آمل أن تمثّل حافزًا للمهتمين والباحثين في الموضوع، وأخذًا في الحسبان المعطيات الغنية التي يوفرها هذا الكتاب لهم، يبدو أن القارئ سينتبه إلى أن المؤلف خاض مغامرةَ دراسةٍ لموضوع شائك بذكاء علمي يستحق الإشارة إليه، جعلته يستشفّ أن الحركات الاحتجاجية لا تَحدثُ لأن الناس لا يستطيعون الصبر على ما يتعرضون له من عدم توافر العدالة، أو نتيجة لصور المعاناة التي يعيشونها فقط، بل من الضروري أيضًا أخذ باقي العوامل البنائية

المراجع

زين الدين، الحبيب استاتي. الحركات الاحتجاجية في المغرب ودينامية التغيير ضمن الاستمرارية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2019

________. «مجتمع الحركة الاحتجاجية: الأبعاد والدلالات». مجلة رهانات. العدد).2018(47 السعيداني، منير. «التذويت والموضعة: الداخلي والخارجي في التحليل العلمي الاجتماعي». عمران. مج 8، العدد 31 (كانون الثاني/ يناير 2020).

في الحسبان؛ أي تلك العلاقات الطويلة المدى بين الجماعات والتنظيمات والمؤسسات في الدولة والمجتمع. إنّ هذه الضرورة تنقل إلينا أن الاحتجاج، إضافة إلى ما يعكسه من صراعات مجتمعية، واقعيةً كانت أو افتراضيةً، سيظلان لازمة للفضاء العام، ومادة حاضرة في النقاش العمومي والبحث الأكاديمي، بالنظر إلى ما يسميه المؤلف ضعف السياسة وهشاشة التنمية كميًا وكيفيًا.

References