الرغبة اللامتناهية في النمو
The Infinite Desire for Growth
الملخّص
عنوان الكتاب: الرغبة اللامتناهية في النمو . عنوان الكتاب في لغته: Le monde est clos et le désir infini . المؤلف: دانييل كوهين Daniel Cohen. المترجم: جين ماري تود Jane Marie Todd. الناشر: Princeton University Press. سنة النشر: 2018. عدد الصفحات: 184 صفحة.
Abstract
. Le monde est clos et le désir infini: عنوان الكتاب في لغته
- النمو الاقتصادي
- الصين
- Economic Growth
عنوان الكتاب:
الرغبة اللامتناهية في النمو.
المؤلف:
دانييل كوهين Cohen.Daniel المترجم: الناشر:
.Princeton University Press سنة النشر: عدد الصفحات:
184 صفحة.
جين ماري تود Todd Marie.Jane
Lecturer, Department of Economics, Faculty of Economic, Business and Management Sciences, Larbi Tbessi University in Algeria.
«النمو الاقتصادي الضعيف
يخلق مجتمعًا غير سعيد» «النمو هو أيضًا علامة للتقدم
وتجسيد للأمل في الشؤون
الإنسانية» يحاول الاقتصاديّ الفرنسي دانييل كوهين، في هذا الكتاب، البحث في تاريخ الرغبة البشرية في النمو وسعيها حثيثًا عبر الزمن لتحقيقه، ويرى أن «النمو الاقتصادي هو دين العالم المعاصر، الإكسير الذي يخفف ألم الصراعات (النزاعات) الاجتماعية، والوعد بتقدمٍ لامُنتهٍ» (ص. 6). وفي هذا الإطار، يعكس فكرة التقدم التي سعى الإنسان للوصول إليها منذ القدم، من منظور تاريخي وفلسفي يعود إلى بدايات الإنسان نفسه. ويغطي كوهين تاريخ هذه الرغبة في سبعة عشر فصلً من خلال ثلاثة أجزاء هي: أولً، جذور النمو، وثانيًا، مستقبل النمو،
والجزء الثالث الذي يحاول فيه إعادة التفكير في الربط التاريخي بين النموّ والتقدم.
النمو الاقتصادي بين كينز وإيسترلين
يستعرض كوهين في مقدمة كتابه رأيين متضاربين لاقتصاديين شهيرين، الأول جون ماينارد كينز Keynes Meynard John (1946–1883) الذي كان متفائلً بعودة الانتعاش والنمو بعد أزمة الكساد
(1) Daniel Cohen, The Infinite Desire for Growth , Jane Marie Todd (trans.) (Princeton, NJ: Princeton University Press, 2018), p. 6. (2) Smil Vaclav, Growth: From Microorganisms to Megacities (Cambridge, MA: The MIT Press, 2019), p. 9.
(((دانيبل كوهين هو مدير قسم الاقتصاد بالمدرسة العادية العليا بباريس، وعضو مؤسس لمدرسة باريس ل قااتصاد، ومستشار سابق بالبنك الدولي.
العظيم، ولكنه بالغ في التفاؤل؛ إذ أعلن أن الناس سيعملون ثلاث ساعات في اليوم فقط بحلول عام 2030. وقد أخطأ كينز في فهم ما يمكن أن تؤدي إليه الرغبة الإنسانية؛ فملاحقة الثروة لا تزال هدفنا الأساسي، على الرغم من أن الغرب أغنى أربع مرات مقارنةً بما كان عليه في الثلاثينيات من القرن العشرين. كما فشل كينز، على الرغم من توقعه السليم للازدهار القادم، في فهم ما يمكن أن نفعله بهذا الازدهار؛ إذ إنه لم يفهم المرونة العجيبة للرغبة الإنسانية المحضّرة لاستهلاك ثروات غير محدودة لتجد مكانها في العالم. أما الرأي الثاني فيعود إلى عالم الاقتصاد ريتشارد إيسترلين (1926) الذي بيّن أنه في نقطةٍ ما من
الزمن حيث يكون هناك ارتباط موجب بين الدخل والسعادة، ثم مع الزمن، لا تصبح هناك علاقة بينهما، والسبب الرئيس لذلك هو تزايد تطلعات المجتمع المادية مع ارتفاع دخله؛ لذلك لا يؤدي الدخل الأعلى إلى سعادة أكبر. فقد تكون الولايات المتحدة الأميركية أغنى مرتين مما كانت عليه قبل 50 سنة، لكنّ مواطنيها ليسوا أسعد، وفوق ذلك كله، لم تقلّ مشاكلهم المالية، وهذا ما يعرف ب «لغز إيسترلين». والتفسير الأبسط لهذا اللغز، كما يحاجّ دانيال كانمان Daniel Kahneman وآيموس تفيرسكي Amos Tversky، متمثّل بأنّ الثروة دومًا نسبية، فهي تقاس بنقطة مرجعية تتحول عندما تصبح الثروة أكبر. ويستخلص كوهين من ذلك أن «السعي من أجل السعادة في المجتمعات الصناعية الحديثة يسير عكس عائق أساسي وبسيط مفاده أن الحاجات دومًا نسبية» (ص. 135)
(4) Richard A. Easterlin, Growth Triumphant: The Twenty–first Century in Historical Perspective (Michigan: University of Michigan Press, 1996).
ويعتقد المؤلف أن «النمو الاقتصادي بدلً من الثروة هو مفتاح عمل مجتمعنا؛ فهو يعطي كلًّ منا أملً في إمكان المضي قدمًا أكثر من وضعنا الحالي حتى إن كان هذا الحلم بعيد المنال» (ص. 59). وفكرة التقدم هذه تطورت من عصر التنوير إلى عصر الثورة الصناعية؛ إذ كانت قيمة أخلاقية ثم أصبحت تقدمًا ماديًّا. ففي القرن الثامن عشر وجد فلاسفة التنوير طريقة لتبني عقيدة جديدة متمثّلة بالتقدم الذي حلّ محلّ الأمل المسيحي المتعلق بالخلاص القادم؛ إذ قدم التنوير فكرة التقدم للأمام من أجل شيء مختلف، شيء ينطوي على تحدٍّ وليس على حلمٍ.
الصين والغرب
كيف ظهر النمو الاقتصادي كما نفهمه اليوم أول مرة؟ ولماذا ظهر؟ وما الذي يفسر ظهوره في الغرب أول مرة، بدلً من الصين أو مكان آخر مثلً؟ للإجابة عن هذه الأسئلة، حذا كوهين حذو جارد دايموند Diamond Jared (1937)؛ إذ اعتبر أن نفاذ الثقافات داخل منطقة أوراسيا يمكن تفسيره بجغرافيا المنطقة المميزة. ويعود الاختلاف والتباعد بين الغرب والشرق إلى أن الغربي كان حرًا وساعيًا للازدهار، بعكس ما هو موجود في
النظام الشرقي الذي يحوز فيه الحاكم كل شيء لنفسه، ويترك الناس في فقر مدقع. وكان يفترض أن الغرب وحده هو الذي كان يمتلك الموارد الفلسفية (اليونان)، والأخلاقية (المسيحية)، والعلمية (غاليليو غاليلي) والاقتصادية (تلك الخاصة ببنكَي جنوة وفلورنسا، وأمستردام ولندن)؛ أي تلك التي سمحت له باختراع الحداثة. باختصار، كان لأوروبا الفضل في خلق
مصطلح الفرد Individual بالمعنى الكامل الذي نستعمله اليوم. وبما أنه لم يكن هناك أي عائق فلسفي أو مادي يقف في مسار التحول الصيني للرأسمالية في القرن الرابع عشر، فقد كانت الفلاحة ناجعة، والأسواق أشد اندماجًا كما تشير كتابات كينيث
بوميرانز Pomeranz Kenneth (1958). ويعزو فرناند بروديل Braudel Fernand) 1985–1902(«المعجزة الغربية» إلى النهضة المدنية أساسًا،
ذلك أن المدن لم تعد تقتصر على الأغنياء، بل أصبحت نموذجًا لمدن حرة، مستقلة ونشطة. كما
أسهمت اختراعات عدة في صعود الغرب مرة أخرى، مثل البوصلة (للمساعدة على الإبحار)، وآلة الطباعة والورق (لنشر المعرفة)، وبودرة السلاح (لاستعمالها في الحروب)، وكانت هذه الاختراعات كلها صينية. لقد كانت الصين، في القرن الرابع عشر، مؤهلة لاحتضان ثورة صناعية مثل الثورة التي حدثت في أوروبا؛ فوفقًا ليان موريس Ian Morris (1960)، فاقت الصين روما في القرنين الحادي عشر والثاني عشر. لكن هذه النهضة ستنهار تحت تأثير عامل خارجي هو اجتياح المغول في القرن الثالث عشر ثم في القرن السادس عشر، فقد قام إيفان الرهيب terrible the Ivan بغلق السهب الروسي، وهو الطريق الرابطة بين الشرق والغرب، وكان هذا سببًا رئيسًا لانتعاش الغرب. ويعتقد كوهين أنه إذا كان هناك عامل وحيد مسؤول عن تحول الاقتصاد الأوروبي فهو «الموت الأسود» (الطاعون) في القرن الرابع عشر، وهو ما يكافئ – بالنسبة إلى نظام إقطاعي – أزمة السوق المالية سنة 1929 للرأسمالية الغربية. فقد أدى ذلك إلى زيادة أجور الفلاحين إلى
ضعفَي مستواها العادي. لكن بعد عودة عدد السكان إلى النمو، عادت الأجور إلى مستواها العادي إلا في إنكلترا وهولندا، ومردّ ذلك إلى أن البلدين استفادا من تدفق التجارة الذي حدث في مطلع الاستكشافات في القرنين السادس عشر والسابع عشر. ويذكر المؤرخ الاقتصادي روبرت آلن Allen Robert (1947) أن تلك الأجور المنخفضة لم تخلق حوافز للتنمية الاقتصادية؛ فما الذي يدعو إلى جعْل العمل آليًّا، عندما
تكون تكلفته مساوية لصفر؟ ولكن التذبذب الذي حدث بسبب الطاعون الأسود غيّر الاتجاه.
ففي منتصف القرن الثامن عشر، مع مطلع الثورة الصناعية، كانت الأجور في إنكلترا أعلى بنسبة 60 في المئة من الأجور التي في فرنسا، وهذه الوضعية رفعت من حافز أتمتة العمل (ص. 51)
صعود الرأسمالية
إن الحرب وما تتطلبه من تكاليف، ودفع أجور المرتزقة هو ما زاد حاجة الممالك إلى النقود، وهذا ما خلق رأسمالية مالية مصممة على امتصاص الدين العام المتزايد على نحو مستمر، وكان هذا الأمر إحدى المساهمات القليلة لأوروبا في تطوير الرأسمالية في ذلك الوقت. وعلى طريقة ماكس فيبر Weber Max (1864–1920)، وباستعارة عنوان كتابه الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية أيضًا، يذكر كوهين كيف أنّ جون كالفن Calvin John –1509(1564) (الذي تنسب إليه الكالفنية Calvinism) أسهم في تحرير التجار من «الحرام»، فقد رأى أن «الأغنياء ليسوا عمل الشيطان، بل دليل الاختيار الإلهي» (ص. 48). وبينت أعمال دوغلاس نورث North Douglas (2015–1920) وزملائه، مع
الأعمال الحديثة لدارون آيسموغلو Daron Acemoglu (1967) وجيمس روبينسون James Robinson (1960)، على نحو مقنع، أن الثورة المجيدة في الفترة 1689–1688 كانت لحظة حاسمة في صعود الرأسمالية الحديثة، والاتفاق بين الرأسمالية والدين، وهو ما وصفه فيبر بروح الرأسمالية.
ثلاثة انفجارات عظيمة
هناك انفجاران عظيمان غيّرا مسار وجودنا خلال
فترة قصيرة. فالانفجار الأول ناتج من اختراع الزراعة التي سببت انفجارًا سكانيًا لا يزال مستمرًا
إلى اليوم؛ فقد ارتفع عدد السكان من 5 ملايين قبل 10 آلاف سنة مضت إلى 200 مليون بعد الميلاد في زمن المسيح، ويتوقع أن يصل إلى 10 مليارات بحلول عام 2050. أما الانفجار الثاني فيتعلق بالثورة العلمية للقرن السابع عشر التي جعلت نمو المعرفة أسيًا، وهي التي منحت
الغرب الأسبقية، وقلبت فهم العالم رأسًا على عقب، وأصبحت، بسرعة، القوة القائدة للحياة الاقتصادية. ويشير كوهين إلى أننا نعيش عصر الانفجار العظيم الثالث، الذي لا وصف له أفضل ممّا وصفه به بول كروتزن Crutzen Paul (1933)، الحائز على جائزة نوبل في الكيمياء، وذلك حينما وصفه ب «أنثروبوسين» Anthropocene، ويتميز هذا العصر بالانتقال من العالم الذي تسيطر عليه الطبيعة إلى عالم يسيطر عليه الإنسان. وتوضح إحدى الإحصائيات التي تشير إلى معنى هذا المصطلح أنه «في الزمن الذي تم فيه تطوير الفلاحة، مثّل الإنسان وقطعانه وباقي الحيوانات الأليفة أقل من 0.1 في المئة من كل الثدييات في
الأرض، أما الآن فأصبحت نسبة الإنسان مع تلك الكائنات تمثّل أكثر من 90 في المئة» (ص. 62)
الانتقال الديموغرافي
يبدو أن التاريخ الاقتصادي، كما يرى كوهين، يراوح بين فترات نمو وأزمة، وهذا مردّه إلى وفرة الموارد أو عدمها. لكن الأفكار الجديدة التي يخلقها الإنسان تدفع حدود الممكن إلى الوراء؛ فقدرة الناس على الاختراع تميل إلى حل المشكلات التي تسببها الزيادة السكانية، كما بينت ذلك عالمة الاقتصاد الدنماركية إيستر بوزراب Boserup Easter).1999–1910(يذكر المؤلف أن إحدى الدراسات قدمت استقراءً
للنمو السكاني على أساس المشاهدات التي تمت خلال آخر عشرة آلاف سنة، وأنها توصلت إلى أن سكان الأرض سيصلون إلى نقطة اللانهاية في 13 تشرين الثاني/ نوفمبر 2026 (ص. 29)، وأنه لا يمكننا تجاوز ذلك في المستقبل إلا من خلال انتقال ديموغرافي. وفيما يشبه المعجزة، حدث تحول كبير في العالم بسبب تراجع معدلات الخصوبة، ولا شك في أننا سنصل إلى الانتقال الديموغرافي قريبًا. وبحسب الأمم المتحدة، سيتم الوصول إلى الانتقال الديموغرافي لكل الكوكب في عام 2050 على أقصى تقدير؛ إذ ستشهد معدلات الخصوبة انخفاضًا آنذاك. ويفسر الاقتصاديون ذلك بأنه نتيجة لتحسن آفاق النمو؛ فعندما يكون للنساء أجور عالية، يخترن أن يكون لهن عدد قليل من الأولاد، والتفسير الأساسي الذي قدمته الأمم المتحدة في هذا السياق هو تفسير ثقافي. فالنساء عبر العالم شاهدن على التلفاز حياة مثالية أغرتهن؛ حياة النساء الغربيات أو اليابانيات اللاتي
صرن مثالً للتحرر. ويستخلص كوهين من كل ذلك أن «الإنسانية تجاوزت الأسوأ (الذي كان متوقعًا سلفًا) بفضل التغيير الراديكالي الذي لم يتوقعه أحد من قبل: الانتقال الديموغرافي» (ص 151،.)152
مستقبل النمو
يعتقد كوهين أن النمو هو في صلب الأزمة السياسية والأخلاقية التي تواجهها المجتمعات الغربية؛ إذ تعتمد على النمو أكثر مما نحن محضّرون لقبوله. فاعتمادًا على ما إذا كان النمو قويًّا أو ضعيفًا، تتم مكافأة الأفراد أو معاقبتهم، تبعًا لمجهوداتهم، ليصبحوا من ثمّ أعضاءً
محترمين في المجتمع، سواء بإيجاد عمل أو بقياس أنفسهم مقابل أندادهم. بقي نمو دخل الفرد غير موجود تقريبًا حتى
عام 1750، ثم أخذ معدل النمو الاقتصادي في الارتفاع ليبلغ 0.5 في المئة في القرن الثامن عشر، و 1 في المئة في القرن التاسع عشر، و 2 في المئة في القرن العشرين. ويتساءل كوهين: هل يمكن لمعدل النمو أن يتضاعف من جديد في القرن الحادي والعشرين ليصل إلى 4 في المئة؟ يرى عالم المستقبليات راي كورزفايل Ray Kurzweil (1948) أن أي مرحلة من التاريخ الإنساني تأتي أسرع ب 10 مرات مما كانت عليه من قبل (مثلً؛ الزراعة قبل 10000 سنة، وآلة الطباعة قبل 1000 سنة، والكهرباء قبل 100 سنة، والإنترنت قبل 10 سنوات)، وعلى الرغم من أن أكبر مراحل التقدم الإنساني احتاجت إلى آلاف السنوات لتتطور، فقد احتاجت الطباعة، مثلً، إلى نحو 100 سنة، في حين اجتاحت الهواتف الذكية الكوكب في عقد من الزمن. ووفق رأي
كورزفايل، ستبدأ المرحلة القادمة في عام 2020، عندما تتجاوز الحواسيب اختبار تيورينغ Turing؛ أي إن الإنسان لن يصبح قادرًا على التمييز بين إن كان يخاطب حاسوبًا أو إنسانًا آخر. لكن روبرت غوردون Gordon Robert) 1940(يجادل بقوة بأن النمو المندفع للقرن العشرين لن يتكرر في القرن الحادي والعشرين، ذاكرًا مثال
النقل؛ إذ لاحظ أنه منذ عام 1958 تجمدت سرعة السفر، بل تراجعت. ومع أنها خفضت من تلويث البيئة، فإنها لم تشبع حاجة جديدة. وقد توصل إلى نتيجة «استفزازية» مفادها أن فكرة النمو في القرن العشرين المرتكزة على الاستهلاك بالكتلة، تختفي أمام أعيننا، لكننا لا نقبل ذلك إلى الآن. ويرى كوهين أن العالم يصبح رقميًا، واللغز
المركزي لزمننا هو أن وعد الثورة الرقمية لا ينعكس في إحصائيات حول النمو الاقتصادي، مع استمرار انخفاض نمو الدخل الفردي في الدول المتقدمة. وفي الحصيلة، يفيدنا بإشارة إيجابية حول النمو؛ ف «الرغبة الإنسانية مرنة جدًا، وهي تتأثر بالظروف الاجتماعية التي تعبّر عنها؛
ما يجعلها غير مشبعة ولانهائية» (ص 151، 152).
مناقشة
لقد قدم كوهين دراسة ضاربة في الزمن لفكرة النمو والتقدم، والسعي الإنساني للوصول إليهما عبر التاريخ، ولا سيما من عصر التنوير إلى يومنا هذا. لكن الكتاب لم يخلُ من المبالغة، فقد عاد إلى بدايات الإنسان الأولى من دون أي رابط يذكر بالتقدم، كما أن الأفكار جاءت متناثرة وغير مترابطة على نحو أظهر أنّ الكتاب بمنزلة مجموعة مقالات، وأنه ليس قالبًا واحدًا.
لقد انتقل المؤلف من موضوع إلى آخر كأنه يقدم لمحات عن كل منها، من دون أن يتناول بعمقٍ أيًّا منها. كما أنه لم يقدم أي إجابات عن الأسئلة التي طرحها؛ وبناءً عليه فإنّ كتابه متمثل بكثير من
الأسئلة وقليل من الإجابات، ولم يوضح، بأي شكل من الأشكال، ما الذي يجب فعله لتحقيق النمو الذي يشبع رغباتنا. كما أن الكتاب، شأنه شأن كثير من الكتابات الحديثة، شديد التركيز على الغرب centric – Occident، على الرغم من التطور الذي تشهده كثير من الاقتصادات الأخرى في عدّة دول، مثل الصين التي تنافس الولايات المتحدة اليوم بشدة، ولا سيما في التكنولوجيات العالية وتطويرات الذكاء الاصطناعي، والتي يتوقع أن تقود نمو الاقتصاد العالمي في المستقبل. وعلى الرغم من أن كوهين تطرق إلى عمل توماس بيكيتي Piketty Thomas)1971(الضخم حول التفاوت بعنوان: رأس المال في القرن الحادي والعشرين، فإنه لم يوضح كيف أن النمو الذي يتحدث عنه قد لا يفيد الجميع. لقد جاء الاقتصاديان كريستوف لكنر Lakner Cristoph وبرانكو ميلانوفيتش Milanovic Branko، في عام 2015، بمنحنى اصطلح الاقتصاديون على تسميته ب «منحنى الفيل» Elephant The Curve، وهو منحنى يربط بين النمو والتفاوت في الاستفادة منه، وعند تمثيله بيانيًا ينتج في منحنى
يشبه الفيل، وقد بيّن بيكيتي من خلاله العلاقة
(5) Thomas Piketty, Capital in the Twenty–First Century (trans.) (Cambridge, Ma/ London: Harvard University Press, 2014). (6) Cristoph Lakner & Branko Milanovic, «Global Income Distribution: From the Fall of the Berlin Wall to the Great Recession,» The World Bank Economic Review , vol. 30, no. 2 (2016), pp. 203–232, accessed on 25/2/2020, at: https://bit.ly/37YNtUn
بين النمو الاقتصادي والتفاوت؛ إذ إن أصحاب المئويات (90–60) من التوزيع العالمي (أي غير المنتمين إلى ال 60 في المئة الأقل دخلً، ولا إلى ال 10 في المئة الأعلى دخلً)، الذين يمثّلون المجال المتعلق بالطبقات المتوسطة والشعبية للدول الغنية، لم يستفيدوا من النمو العالمي في الفترة 2018–1980؛ فهذا النمو استفادت منه المجموعات الأخرى الموجودة في الأعلى وفي الأسفل، أي الأسر في الدول الفقيرة والناشئة (ظَهْر الفيل خاصة بين 40–20 في المئة)، وأيضًا الأسر الأغنى في الدول الغنية وكل العالم (أعلى الخرطوم، أعلى من المئوية 99، أي 1 في المئة من الدخول الأعلى في العالم، وخاصة 0.1 في المئة و 0.01 في المئة الأعلى). ومع أن كوهين كان قد ذكر الثورة الرقمية التي نعيشها اليوم، وأشار إلى عدم تأثيرها في إحصائيات النمو الحالية، فإنه لم يبيّن كيف يمكن للتطويرات الحديثة في مجالات الذكاء الاصطناعي، و«البلوكتشين»، وإنترنت الأشياء، وغيرها، أن تكون رافعة للنمو خلال العقود
(7) Thomas Piketty, Capital et idéologie , Series: Les livres du nouveau monde (Paris: Seuil, 2019), p. 41.
المراجع
القادمة؛ إذ تقدر شركة الاستشارة PwC أن هذه التكنولوجيا ستساهم بنحو 16 تريليون دولار أميركي في الناتج المحلي الخام العالمي بحلول عام 2030. وهي قيمة لا يمكن إغفالها إن كنّا نتحدث عن النمو. وفيما يخص الصين وأوروبا، يبدو أن كوهين لم يتطرف في الرأي، كما فعل لوسيان بويا، المؤرخ الروماني، الذي رأى أن الغرب تقدم على الصين لأنه كان أعلى منها أصلً، بل أرجع ذلك أساسًا إلى غلق السهب الروسي من طرف المغول، لكنه أهمل تأثير ما يسميه جويل موكير ب «الثقافة» في هذا الشأن؛ إذ بيّن موكير أن نوعًا من الثقافة هو السبب في أن الحافز للنمو حدث في أوروبا وليس في الصين، فحركتا التنوير والثورة الصناعية لم تكونا تطورات خارجية، ولكنهما كانتا تسلسلً في السلوكيات في أوروبا الغربية.
(8) Kai–Fu Lee, «The Four Waves of AI,» Fortune , vol. 178, no. 5 (2018), p. 94. (9) Lucian Boia, La fin de l’occident: Vers le monde de demain? ADARL (trad.) (Paris: Manitoba; Les Belles Lettres, 2018). (10) Joel Mokyr, A Culture of Growth: The Origins of the Modern Economy (Princeton, NJ: Princeton University Press, 2017).
References
Boia, Lucian. La fin de l’occident: Vers le monde de demain? ADARL (trad.). Paris: Manitoba; Les Belles Lettres, 2018. Cohen, Daniel. The Infinite Desire for Growth. Jane Marie Todd (trans.). Princeton: Princeton University Press, 2018. Easterlin, Richard A. Growth Triumphant: The Twenty–first Century in Historical Perspective. Michigan: University of Michigan Press, 1996.
Lakner, Cristoph & Branko Milanovic. «Global Income Distribution: From the Fall of the Berlin Wall to the Great Recession.» The World Bank Economic Review. vol. 30,
Mokyr, Joel. A Culture of Growth: the Origins of the Modern Economy. Princeton, NJ:
Piketty, Thomas. Capital et idéologie. Series: Les livres du nouveau monde. Paris:
________. Capital in the Twenty–First Century. Arthur Goldhammer (trad.). Cambridge,
Vaclav, Smil. Growth: From microorganisms to Megacities. Cambridge, MA: The MIT
no. 2 (2016). at: https://bit.ly/37YNtUn Lee, Kai–Fu. «The Four Waves of AI.» Fortune. vol. 178, no. 5 (2018).
Princeton University Press, 2017.
Seuil, 2019.
MA/ London: Harvard University Press, 2014.
Press, 2019.