Return to Article Details Capital and Ideology

رأس المال والأيديولوجيا

Capital and Ideology

عبد الحميد عبيدي | Abdelhamid Abidi *

الملخّص

عنوان الكتاب: رأس المال والأيديولوجيا. عنوان الكتاب في لغته الأصلية: Capital et Idéologie. المؤلف: توماس بيكيتي Thomas Piketty. الناشر: Seuil. مكان النشر: باريس/ فرنسا. تاريخ النشر: 2019. عدد الصفحات: 1198 صفحة.

Abstract

French political economist Thomas Piketty’s book examines the issue of inequality and how, across history, human societies seek to justify it through the construction of ideological systems.

الكلمات المفتاحية:
  • رأس المال
  • الأيديولوجيا
  • الملكية
  • التفاوت الاجتماعي
Keywords:
  • Capital
  • Ideology
  • Ownership
  • Social Disparity

عنوان الكتاب: عنوان الكتاب في لغته الأصلية: المؤلف: الناشر: مكان النشر: تاريخ النشر: عدد الصفحات:

رأس المال والأيديولوجيا.

توماس بيكيتي Thomas Piketty.

باريس/ فرنسا.

1198 صفحة.

مقدمة

بعد صدور كتابه رأس المال في القرن الحادي والعشرينسنة 2013 والذي تُرجم إلى أكثر من 40 لغة وبيعت منه أكثر من 2.5 مليون نسخة، صدر للباحث الفرنسي في الاقتصاد السياسي توماس بيكيتي Piketty Thomas كتاب جديد بعنوان رأس المال والأيديولوجيا نشرته دار Seuil بباريس في أواسط أيلول/ سبتمبر.2019 يبحث الكاتب، في 1198 صفحة، مسألة اللامساواة وكيف تسعى المجتمعات البشرية إلى تبريرها عبر التاريخ، ببناء منظومات أيديولوجية؛ لأنه في غياب ذلك التبرير يصبح كل النظام الاجتماعي والسياسي مهدّدًا بالانهيار (ص. 13) واتّضح للباحث بعد دراسة الأيديولوجيات الماضية أنها لا تختلف عن أيديولوجيات العصر الحاضر في بنيتها ومنطق اشتغالها. ولئن اختلفت المسارات والتجارب التاريخية في هذا السياق، فإن المجتمعات البشرية تلتقي جميعًا في حاجتها إلى وضع التبريرات المناسبة لجملة التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي لم يخل تقريبًا مجتمع إنساني منها. انطلاقًا من مقاربة مقارنة لقواعد بيانات عريضة تغطّي مناطق عديدة من العالم تتعلق بمعطيات كمية وكيفية للمداخيل والتركات والضرائب والترسانات القانونية والمؤسّساتية ومواقف الهيئات السياسية والمؤسّسات الدّينية وخطاباتها تمتدّ على ثلاثة قرون منذ سنة 1700 وحتى اليوم، انكبّ الباحث على دراسة البناء الأيديولوجي المتعدّد الأبعاد والهادف إلى إضفاء صبغة شرعية و«طبيعية» Naturalisation على جملة التفاوتات التي تخترق أغلب المجتمعات في مختلف الحضارات والأزمنة، معتمدًا على مفهوم «النظام التفاوتي» أو «اللامساواتي » Régime Ideology » ومفهوم «الأيديولوجيا Inégalitaire في معناه الواسع، ليشمل إضافة إلى الأفكار والنظريات البنى المؤسّساتية في المجالات السياسية والثقافية والاقتصادية. ينتهي الباحث إلى خلاصة مركزية، مفادها أن التفاوتات ما هي إلا بناء اجتماعي تاريخي يختلف باختلاف التجارب والأزمنة والحضارات، وأن إمكانية وجود أنظمة اجتماعية وسياسية أكثر عدلً كانت ولا تزال أمرًا قابلً للتّحقيق، إذا ما اتّحدت القوى الاجتماعية المتضرّرة من الأنظمة التّفاوتية على عكس ما تدّعيه القوى المحافظة من أن اللامساواة حتمية ولا مفرّ منها.

هيكلية الكتاب

في مقدمة طويلة (70 صفحة) تطرّق بيكيتي إلى تعريف «النظام التفاوتي» و«الأيديولوجيا» بصفتهما مفهومين رئيسين يتبنّاهما في بحثه، مبيّنًا العلاقة بين كتابه السابق رأس المال في القرن 21، وكتابه الحالي رأس المال والأيديولوجيا، وكيف سيقارب مسألة اللامساواة منهجيًا ونظريًا، كما قدّم السياقين العلمي والعالمي اللذَين يتنزل فيهما هذا البحث. يتكون الكتاب من أربعة أقسام غير متوازنة في الحجم مبوّبة تراتبيًا في تناسق مع مواضيع كل قسم، وتتضمن هذه الأقسام 17 فصل. يعالج القسم الأول الأنظمة التفاوتية في التاريخ داخل المجتمعات ثلاثية الوظيفة Sociétés Trifonctionnelles والمجتمعات الملكويّة أوروبا وعلاقة السلطة بالمِلكيّة. أما القسم الثاني، فيتعرض للمجتمعات العبودية والاستعمارية

المتميزة بالتفاوتات القصوى والهيمنة، انطلاقًا من دراسة حالة الهند ثم من خلال المسارات الأوروبية والآسيوية. ينتقل الكاتب في القسم الثالث إلى ما سمّاه التّغير الكبير في القرن العشرين، والذي تعرّض فيه لأزمة مجتمع المُلّك في مجتمعات الديمقراطية الاجتماعية ثم في المجتمعات الشيوعية وما بعد الشيوعية، منتهيًا إلى مرحلة الرأسمالية المفرطة السائدة اليوم. أما القسم الرابع والأخير، فقد خصّصه لإعادة التفكير في الأبعاد السياسية للصراع الأيديولوجي حول العدالة الاجتماعية من خلال البنى الحزبية والأيديولوجية في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية، ثم تعرّض بالنقد لما أسماه الخدعة الهوياتية ما بعد الاستعمارية، قبل أن يستعرض عناصر النمط الاجتماعي التشاركي في القرن الحادي والعشرين. في خاتمة كتابه المقتضبة، مقارنة بحجمه، خلُص الكاتب إلى أن التاريخ هو تاريخ صراع الأيديولوجيات من أجل العدالة، معترفًا بحدود الرؤية المركزية الأوروبية التي سيطرت على الكتاب مثمّنًا الدور المدني والسياسي للعلوم الاجتماعية.

أولا: أسس سردية اللامساواة

لكل مجتمع إنساني سرديّته الأيديولوجية التي تبرّر نظامه التفاوتي. ويعني التبرير وإضفاء الشرعية على اللامساواة إيجاده أسبابًا مقنعة ومناسبة لها، وإلا سيصبح نظامه السياسي والاجتماعي مهدّدًا بالتقوّض. ومن ثمّ فإنّ كل زمن ينتج جملة من الخطابات والأيديولوجيات المتناقضة سعيًا إلى تبرير اللامساواة الحاضرة والآتية وذلك بتحديد وضبط القواعد الاقتصادية والاجتماعية التي تُهيكل كلّ ذلك البناء التفاوتي. انطلاقًا من هذه التناقضات، التي هي في الوقت نفسه فكرية ومؤسساتية وسياسية، تنتَج سرديّات مهيمنة تستند إليها الأنظمة التفاوتية السائدة (ص. 14) فنحن مثلً في المجتمعات المعاصرة أمام سرديّة الملكية (ص. 128) والمبادرة الفردية والجدارة، لذلك تبدو اللامساواة الحديثة عادلة؛ لأنها نابعة من مسار حرّ يعطي الحظوظ نفسها لكل فرد في الحق في الولوج إلى السوق وإلى الملكية والاستفادة من مراكمة الثروة، ومن ثمّ اعتبار الأكثر غنىً من الأفراد هو الأكثر مبادرة وجدارة ونجاعة. يختلف ذلك تمامًا مع المجتمعات القديمة، حيث تستند اللامساواة فيها عادة إلى الاختلاف في المكانة الاجتماعية وصلابة هرميتها على نحو اعتباطي ومستبد. لكن هذه السردية الكبرى للملكية والجدارة، التي اشتهرت أكثر في القرن التاسع عشر بعد انهيار الأنظمة القديمة، قد عرفت نوعًا من المراجعة الجذرية واتخذت منحى عالميًا في نهاية القرن العشرين على إثر انهيار المنظومة الشيوعية الروسية وانتصار الرأسمالية المفرطة؛ ما جعل هذه السّردية أكثر هشاشة. فهي سرديّة تأخذ أشكالً مختلفة وأحيانًا متناقضة بين أوروبا والولايات المتحدة والهند والبرازيل والصين وأفريقيا الجنوبية والشرق الأوسط وفنزويلا. ولئن ارتبطت هذه الأشكال المختلفة للسردية الملكوية في هذه المناطق بخصوصية المسارات التاريخية لكل منها والمتقاطعة جزئيًا، فإنها أصبحت منذ بداية القرن الحادي والعشرين مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بعضها ببعض. فمن الملاحظ أن التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية قد أصبحت عميقة وظاهرة في كل

مناطق العالم وبنسب ضخمة؛ بحيث أصبح من الصعب تبريرها باسم المصلحة العامة. ومن الملاحظ أيضًا أن الهُوّة أصبحت كبيرة جدًّا بين الخطاب الرسمي حول الجدارة من جهة وواقع الطبقات المظلومة وحقها في التعليم والصحة والثروة من جهة أخرى. لذلك يجد المستفيدون من هذا النظام، في سرديّة المبادرة الفردية والجدارة، طريقة مناسبة لتبرير أي مستوى من التفاوت، من دون مراجعته والتحقيق فيه، بل أكثر من ذلك هم يحتقرون الطبقات الأضعف لأنها ليست جديرة ولا مجتهدة وغير دؤوبة. وولّد ذلك لدى الطبقات الفقيرة والأكثر فقرًا إحساسًا بالذنب، لم يكن موجودًا في المجتمعات القديمة؛ لكونها قائمة على تكامل وظيفي بين المجموعات البشرية. كما تتّسم اللامساواة الحديثة أيضًا بجملة من الممارسات العنصرية والتفاوتات في المكانة وفي الانتماء العرقي والديني، حيث يوجد عنف لا تتحدّث عنه السردية المهيمنة التي تمدح الجدارة؛ وهو عنف وحشي يذكرنا بما كان سائدًا في المجتمعات القديمة التي نتبجّح اليوم بأننا ابتعدنا عنها وتميّزنا بالتقدّم الإيجابي. ولدراسة مسار تشكّل هذه السرديات نحن نحتاج إلى التاريخ (ص. 61)؛ لأنّ كلّ مجتمع في حاجة إلى تبرير منظومته التفاوتية، وتحتوي هذه التبريرات دائمًا على قدرٍ من الحقيقة والمبالغة وعلى قدر من الخيال و«النذالة»، وعلى قدر من المثالية والأنانية. ومن هنا، لم يعد في الإمكان أن تتواصل الأنظمة غير العادلة، إلّ بالعمل الدؤوب على البحث عن التبريرات المناسبة واللازمة لهيكلة هذه التفاوتات الاقتصادية والاجتماعية (ص. 154) أفضى هذا التحليل التاريخي إلى خلاصة مهمة؛ مفادها أن التنمية الاقتصادية والتقدّم الإنساني كانا بفضل العدالة والتعليم، ولم يكونا بفضل تقديس الملكية. فهذا التفاوت المُفرط الذي تعمّق واتسع بسرعة في العشريتين الأخيرتين من القرن العشرين ما هو في حقيقة الأمر إلا نتاج للكارثة الشيوعية، وهو أيضًا نتيجة للجهل وتفتيت المعارف؛ الأمر الذي ساهم في تغذية العبثية والانزلاقات الهوياتية التي تغزو العالم اليوم. ولذلك يرى الكاتب أن مراجعة التاريخ عن طريق مقاربة متعدّدة الاختصاصات يمكن أن تُنتج في القرن الحادي والعشرين سردية أكثر توازنًا، وذات طابع اجتماعي تشاركي؛ أي إنتاج أيديولوجيا جديدة حول المساواة والملكية الاجتماعية والتعليم وتبادل المعارف وتقاسم السلطة بمعنى أن تكون أيديولوجيا أكثر دقة وحاملة لتفاؤل إنساني أكثر إقناعًا من السرديات السابقة، لأنها تنطلق من دروس التاريخ الكلي.

ثانيًا: الأيديولوجيا وآليات التبرير

يستعمل الكاتب في هذا السياق مقولة مركزية في كتابه؛ وهي مقولة الأيديولوجيا التي يستخدمها بالمعنى الإيجابي والبنائي. ويعرّفها بأنها جملة الأفكار والخطابات المسبقة التي تبرّر كيفية بناء المجتمع من الناحية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. فهي إلى حد ما محاولة متناسقة في الإجابة عن جملة الأسئلة الكبرى المتعلقة بالتنظيم الاجتماعي الأمثل، ولذلك ليس هناك أيديولوجيا تستقطب الجميع وتقنعهم، بل إن الصراع والاختلاف سمة ملازمة للأيديولوجيا نفسها. ويسعى كل مجتمع إلى الإجابة عن تلك الأسئلة، من خلال تجاربه الخاصة أو من

خلال تجارب الآخرين. يعدّد الكاتب هذه الأسئلة، ويذكر منها مثلًالسؤال المتعلّق بالنظام السياسي؛ أي جملة القواعد المحدّدة للقومية أو الأمّة ولمجالها الجغرافي، وكذلك للميكانيزمات اللازمة لأخذ القرارات الجماعية، إضافة إلى الحقوق الأساسية للأفراد في المجتمع. كما تشمل الأجوبة أشكال المشاركة السياسية، والتمييز بين دور المواطنين ودور الأجانب في هذا المجال. أضف إلى ذلك سؤالً آخر يتعلّق بنظام الملكية، أي جملة القواعد المنظّمة لمختلف الأشكال الممكنة للملكية والإجراءات القانونية المؤطّرة لعلاقات الملكية بين المجموعات البشرية المعنية. كما تحدّد المجتمعات أيضًا دور الملكية العامة والملكية الخاصّة، العقارية منها والمالية، الأرضية والمائية، والنّخاسة والعبودية، والفكرية واللامادية، وتنظيم العلاقات بين المُلّك والمستأجرين والنبلاء والفلاحين، والأسياد والعبيد وكذلك الشركاء والأجراء. فلكل نظام اجتماعي تفاوتي الأجوبة المناسبة له التي تتّسم بالتناسق إلى حدّ ما، حتى تكون هذه الأجوبة السياسية والملكوية المرتبطة عادة بعضها ببعض، قابلة للاستمرارية. فالعلاقة المتداخلة بين البناء السياسي وطبيعة نظام الملكية أمر بديهي؛ لأنهما ينحدران معًا من نظرية التفاوت الاجتماعي بين مختلف المجموعات البشرية. ففي المجتمعات ثلاثية الوظائف مثلً والتي تنقسم إلى ثلاث طبقات (ص. 71) بحسب وظيفة كل منها كالآتي: الطبقة الكهنوتية والدينية؛ وطبقة النبلاء والمحاربين؛ ثم الطبقة العاملة والعامة، نجد داخل هذه التشكيلة التاريخية التي ميزت المجتمعات ما قبل الحديثة أنّ الطبقات المتحالفة والمهيمنة هي الطبقات التي بيدها القضاء والقوات المحاربة ثم طبقة المُلّك. كان المالك للأرض، عقودًا طويلة، هو سيّد الأفراد الذين يعيشون ويعملون في تلك الأرض (ص. 74). لذلك فالنظام التفاوتي يشمل النظام السياسي ونظام الملكية، ويشمل أيضًا النظام الجبائي والنظام التربوي اللذَين يعتبران الآلية الكفيلة بضمان ديمومة النظام وشرعيته. من أجل فهم بنية الأنظمة التفاوتية تاريخيًا، يؤكد بيكيتي أن الأيديولوجيا ليست فقط الرؤية المتناسقة حول الدولة والمجتمع، بل هي أيضًا جملة المؤسسات الاجتماعية والثقافية والسياسية كالعائلة والمدرسة التي قامت وما زالت، من خلال التجارب التاريخية، بالدور التبريري أي إعطاء صفة «الطبيعية » Naturalisation للعلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وخصوصًا علاقات السلطة والملكية (ص. 287) فالأيديولوجيا، إذًا، تُشرّع للأنظمة التفاوتية عبر منظومات تشريعية وجبائية وتربوية (ص. 421) معينة؛ ولذلك يرى الكاتب أن العلوم الاجتماعية مدعوّة اليوم إلى مقاربة هذه التجارب التاريخية للمجتمعات والمقارنة بين الوقائع والأحداث والمؤسسات والتجارب الاجتماعية والسياسية لثقافات وحضارات متعاقبة ومتعايشة زمنيًا. تكون المقارنة عبر منهج مواجهة التجارب بعضها ببعض عبر استغلال المواد والمعطيات المتوافرة حول أنظمة التفاوت الاجتماعي من أجل فهم أفضل لبنياتها وهيكلية تطورها، ثم أخيرًا فهم التغيّرات التي عرفتها هذه التنظيمات السياسية والاقتصادية ومعرفة على أي قاعدة يمكن اعتبار تنظيم اجتماعي واقتصادي وسياسي ما أفضل من غيره (ص. 491) يبرهن بيكيتي على العلاقات الهيكلية بين المنظومات المكونة للأيديولوجيا التبريرية

والتطبيعية في مجتمعات اليوم، بحجّة غياب وسيلة ديمقراطية تمكّن أغلبية المواطنين، ويأخذ الأوروبيين مثلً، من إمكانية تبنّي نظام جباية أو مشروع توزيع جماعي وتنموي مشترك؛ وذلك بسبب وجود قانون حق النقض الجبائي أو المالي الذي تتمتع به الوحدة الأوروبية تجاه كل بلد عضو مهما كان عدد سكانه قليلً ومهما كان حجم العائدات التي يجنيها من اندماجه التجاري والمالي في المجموعة الأوروبية (ص  745،

بصفة أوضح، يعتبر الكاتب أن الظاهرة المركزية اليوم هي أن التفاوت المعاصر مهيكل بقوة، عن طريق نظام الحدود والجنسيات والحقوق الاجتماعية والسياسية المرتبطة به. ولذلك يرى أنه من البديهي أن نعيش اليوم، ومنذ بداية القرن الحادي والعشرين، صراعات أيديولوجية شرسة ومتعددة الأبعاد حول قضايا التفاوت الاجتماعي والهجرة والهويات؛ ما يعوق تَشكّل تحالفات ذات أغلبية، تمكّن من مواجهة ظاهرة تزايد التفاوت في كل المجالات (ص  898 فالصراعات). الدينية والهوياتية مثلً لا تمكن الطبقات الشعبية من التنظُّم داخل أُطر سياسية، في غياب مِنبر له برنامج مقنع لهذه الطبقات بأنّ ما يوحّدها أكبر بكثير ممّا يفرّقها.

ثالثًا: أبعاد التفاوت في المجتمعات الحديثة

ليس التّفاوت بحسب بيكيتي اقتصاديًا أو تكنولوجيًا فحسب، بل هو أيضًا تفاوت أيديولوجي وسياسي؛ وهو جوهر العلاقة بين رأس المال والأيديولوجيا، كما يشير عنوان الكتاب، وهي دون أدنى شك أهم خلاصة لهذه الدراسة الميدانية التاريخية. ويعني ذلك عمليًا أن السوق والمنافسة، والرّبح والأجر، ورأس المال والدَّين، والعمّال المختصّين وغير المختصّين، والمواطنين والأجانب، والملاذات الضريبية والتنافسية (ص 792، 795)، هي ظواهر لا توجد في ذاتها بهذه الصفة، بل هي جميعًا اجتماعيًا وتاريخيًا مركّبة ومرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالنظام القانوني والجبائي والتربوي والسياسي الذي وقع اختياره وتبنّيه، كما ترتبط أيضًا بدرجة أعمق بالنماذج الفكرية التي نستعملها. تحيلنا إذًا تلك الخيارات إلى التصورات والتمثلات الاجتماعية التي يصنعها كلّ مجتمع حول المفاهيم الكبرى، مثل العدالة الاجتماعية والاقتصاد العادل وعلاقات القوة السياسية والأيديولوجية بين مختلف المجموعات التي تكونه. فموازين القوى تلك ليست فقط مادية، بل هي فكرية أيضًا وأيديولوجية. بمعنى أن الأفكار والأيديولوجيات تُعتبر قوة في التاريخ؛ لأنها تمكن من صياغة وهيكلة عوالم جديدة ومجتمعات مختلفة. لذلك فإن مسارات مجتمعية متعددة ومختلفة تبقى ممكنة الوجود، خلافًا لهيمنة فكرة الاتجاه الأوحد والمسار الأمثل. ما يميز مقاربة بيكيتي أنها تختلف جوهريًا عن تلك الخطابات المحافظة التي تسعى إلى تفسير أسس «طبيعية» للتفاوت الاجتماعي. من الغريب أنه في جميع المجتمعات تقريبًا، قديمها وحديثها، تسعى النخب إلى «تطبيع» Naturalisation اللامساواة؛ أي إعطاء وجودها صبغة حتمية واعتبارها في صالح الفقراء والأكثر فقرًا، وأن بنية هذه اللامساواة هي الشكل الممكن والوحيد، ولا يمكن تغييره من دون إلحاق ضرر كبير بالمجتمع. في مقابل هذا الخطاب المحافظ، تبين قراءة التجارب التاريخية أن العكس تمامًا هو الصحيح. فالتفاوت يتغير من

زمن إلى آخر ومن مكان إلى آخر، ويختلف في أهميته وعمقه واتّساعه وكذلك في بنيته وظروفه وسرعته؛ ما يجعل التنبّؤ به قبل بروزه أمرًا صعبًا. لكن الأمر الإيجابي أنه في العموم هناك في التاريخ دومًا قطائع ومسارات ثورية وسياسية، مكّنت من تحجيم وتنقيص حدّة هذا التفاوت ودرجته، وتغييره في الماضي، كما مكّنت من وجود نجاحات كبرى تتمثل في إيجاد مؤسسات ثمينة جعلت من فكرة التطور الإنساني حقيقة وواقعًا معيشًا مثل حق الانتخاب وإجبارية التعليم ومجانية المدرسة، إضافة إلى الضمان الصّحي، والتغطية الاجتماعية، والضريبة التصاعدية؛ وقد تحقق البشرية مستقبل نجاحات أخرى من هذا القبيل. ومن ثم، فالتفاوت الحالي والمؤسسات التي تسنده ليست الوحيدة والنهائية، كما تسوّقُ لذلك القوى المحافظة، بل هو سائر إلى التغير والتجدّد دائمًا. يتفق بيكيتي، بمقاربته التي تركز على الأيديولوجيا ومؤسساتها واختلاف المسارات التاريخية، مع العديد من نقّاد الماركسية الأرثوذكسية التي تعتبر أن البنى الاقتصادية وعلاقات الإنتاج تحدّد تقريبًا وعلى نحو شبه آلي البنى الفوقية الأيديولوجية لمجتمع ما. ويرى، على العكس من ذلك، أن المجال الأيديولوجي هو مجال مستقل تمامًا بذاته. ففي الحالة التاريخية للنموّ الاقتصادي نفسها وقوى الإنتاج، نجد جملة من المنظومات الأيديولوجية والسياسية والتفاوتية الممكنة (ص. 677). فمثلً، لا تمكننا نظرية المرور الآلي من نمط الإنتاج الإقطاعي إلى نمط الإنتاج الرأسمالي، بعد ظهور الثورة الصناعية، من الوعي بتعقّد المسارات التاريخية والسياسية والأيديولوجية في مختلف مناطق العالم؛ وأهم الاختلافات هي تلك الموجودة بين المناطق المستعمِرة والمناطق المستعمَرة (ص. 307) كما لا تمكّن هذه النظرية من استخلاص العبر الأكثر نجاعة للحقب اللاحقة. ولذلك، فقد لاحظنا أنه قد وُجد دائمًا في الماضي وسيوجد في المستقبل بدائل. ففي كل مرحلة من مراحل النمو الاقتصادي تاريخيًا، هناك طرق متعدّدة لهيكلة النسق الاجتماعي والاقتصادي والسياسي على نحو معين لعلاقات الملكية وللنظام الضريبي والتعليمي وللعلاقات بين مختلف المجموعات البشرية. ولذلك يرى بيكيتي أن خير ردّ على خطاب النخب المحافظة، وأصحاب الانتظار الثوري، هو دراسة مختلف المسارات التاريخية والتّغيرات غير المكتملة في الماضي. فالانتظار الثوري يحول دون التفكير العلمي الجدّي في شكل النظام المؤسّساتي والسياسي، الذي يجب تبنّيه، إذا ما حدثت تلك ثورة. ولذلك فعادة ما تفضي تلك اللحظة الثورية، إذا ما حصلت، إلى تركيز سلطة دولة متكلّسة وغير واضحة المعالم؛ وهو أمر خطير كخطورة القدسية الملكوية فمثلً يعتبر بيكيتي أن التجربة الشيوعية في شكليها الروسي والصيني ما زالت آثارها السلبية متواصلة حتى اليوم، ونحن ندفع الثمن الباهظ لتلك التجربة (ص 674، 684). ومن ثمّ يجب إعطاء البنى الأيديولوجية الماضية والحاضرة الأهمية اللازمة، وتخصيص كل منها بالدراسة مثل ثلاثية الوظائف والعبودية والاستعمارية والملكوية والشيوعية والاجتماعية – الديمقراطية. والمقصود بذلك إعادة تلك الأنظمة الأيديولوجية إلى التناسق الخاص بها. ينطلق الباحث من مبدأ مفاده أن كل أيديولوجيا مهما كانت درجة مغالاتها في الدفاع عن تفاوتٍ أو عدالة ما، فهي تعبّر بطريقتها عن رؤية معينة للعدالة الاجتماعية. فكل أيديولوجيا هي رؤية حاملة

لإمكانية التحقّق، وهي على درجة من الصدقية والتناسق، بشرط أن تُدرس مساراتها الأيديولوجية والسياسية في سياقها التاريخي المناسب.

رابعًا: المنهج ومصادر البيانات

يقدّم الكاتب في هذا البحث عديد التطوّرات التاريخية لبنية اللامساواة وتغيراتها في مختلف المجتمعات، انطلاقًا من جملة من المصادر والمعطيات التاريخية، والتي يصنفها كالآتي (ص:)26 • مصادر تمكن من قياس تطوّر التفاوت في أفق تاريخي مقارناتي متعدد الجوانب (تفاوت في الدّخل، في الرّاتب، في التّركة، في التعليم، في الجندر، العمر، المهنة، الأصل الاجتماعي، الدّين، العرق والمكانة، وغير ذلك.) • مصادر تمكن من دراسة التغيرات التي تطرأ على الأيديولوجيات والمعتقدات السياسية والتّصورات حول المساواة والمؤسسات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تهيكلها. أما في ما يتعلق بالمصادر الأولى، فهي تشمل المعطيات الكمية التي جُمِّعت في إطار مشروع قاعدة البيانات للتفاوت في العالم: WID. World من مئة باحث يمثلون أكثر من ثمانين دولة موزعة على القارات الخمس. وهو أكبر مشروع قاعدة بيانات في العالم اليوم، حول التّطور التاريخي لتفاوت المداخيل والتّركات بين الدول وداخل كل منها. ويعتبر المشروع مواصلة للأبحاث التاريخية التي أسّس لها كل من إيمانويل سايز Anthony، منذ سنة.2000 منهجيًا، تعتمد هذه الأبحاث على مقارعة المصادر المختلفة والمتوافرة حول الاقتصاديات القومية للدول بالمعطيات التي توفرها الدراسات الميدانية، وكذلك البيانات الضريبية، والتّركات التي تُمكّننا من الرجوع إلى نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. وتوافق هذه الفترة ظهور نظام الضريبة التصاعدي على المداخيل والتّركات في عديد الدول؛ ما مكّننا من معاينة بيانات أخرى حول الثروات. أما المعطيات حول التفاوت داخل الدول، فقد بقيت مع الأسف، بحسب الباحث، غير مكتملة؛ وذلك بسبب ضعف الشفافية الاقتصادية والمالية والصعوبات المتعلقة بالوصول إلى مصادر البيانات الضريبية والإدارية والمصرفية في عديد الدول. لكن بالرّغم من وجود هذه الصعوبات، فقد استطاع، بحسب قوله، بمساعدة عديد المواطنين والباحثين والصحافيين في السنوات الأخيرة، من الوصول إلى مصادر جديدة كانت بعض الحكومات سابقًا لا تسمح بالدخول إليها واستعمالها كما في البرازيل وتونس ولبنان وساحل العاج وأفريقيا الجنوبية وكوريا وبولونيا وكذلك الصين وروسيا. لقد تمكن الباحث، بفضل اعتماد بيانات عن اقتصاديات ونظم جبائية في هذه الدول، من تجاوز الحدود الجغرافية لأوروبا والولايات المتحدة واليابان. قد تجاوز بذلك النظرة المركزية الغربية التي طبعت كتابه السابق، رأس المال في القرن الحادي والعشرين. وقد علّل بيكيتي هذا الضعف بعدم توافر المعطيات المناسبة في البلدان الأخرى. أما المصادر المتعلقة بالأيديولوجيا، فإنها متنوعة المواد، كالنقاشات البرلمانية، والخطابات السياسية، والبرامج الانتخابية للأحزاب. استعمل

كذلك الباحث نصوصًا لكبار المنظرين، مثل تلك التي كتبها فاعلون سياسيون اعتبارًا لدورهم المهم في التاريخ وللتبريرات التي أعطوها للتفاوت الاجتماعي. كما استعمل نصوصًا لرجال الدين، مثل تلك التي ظهرت في بداية القرن الحادي عشر، والتي تبرّر النظام الثلاثي الوظيفي أو الاتفاق الذي كتب عنه فريدريش فون هايك Friedrich Hayek Von (1992–1889) في بداية 1980 في كتابه (ص. 821). إضافة إلى كتابات عضو مجلس الشيوخ الأميركي عن حزب الديمقراطيين جون كالهون Calhoun John في سنوات 1830، والتي تهدف إلى إضفاء الشرعية على نظام الرّق عندما قال أن «الرّق منفعة عامة» positive a as Slavery good، وصولً إلى تغريدات دونالد ترامب ومقالاته والتي تلخّص جميعها الرؤية الرأسمالية الطاغية Hypercapitalism الأميركية والأنكلوسكسونية. لا يغفل الكاتب اطلاعه أيضًا النصوص الأدبية، والتي يعتبرها من أهم المصادر التي تعكس التغيرات التي تطرأ على التمثلات الاجتماعية حول التفاوتات الاجتماعية وغيرها، مثل نصوص أونوريه دي بالزاك de Honoré Balzac (1799–1850)، وجين أوستن Jane Austen (1817–1787)، التي تعبّر عن انتعاش مجتمع المُلّك في فرنسا وبريطانيا في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر.

خامسًا: تلازم التطوّر واللامساواة

ينطلق الباحث من قناعة مفادها أن هناك ولا شك تطورًا إنسانيًا، ولكنه تطور هش قد يتحطم في كل لحظة أمام الانزلاقات التفاوتية والهوياتية في العالم اليوم (ص. 31). ويعدّد الكاتب مجموعة من المؤشرات على هذا التطور مثل ارتفاع معدّل أمل الحياة عند الولادة، والذي كان لا يتجاوز 26 سنة في 1820 وأصبح اليوم يتجاوز 72 سنة، كذلك الحال في مجال التعليم والقدرة على القراءة والكتابة لدى الأفراد فوق 15 سنة في العالم إذ كانت نسبتهم لا تتجاوز 10 في المئة في بداية القرن 19 إلى أكثر من 85 في المئة اليوم. تثبت عديد المؤشرات الأخرى ذلك التطور الهائل مثل معدل سنوات التمدرس أو معدّل الدخل الفردي الذي تضاعف عشر مرات منذ القرن الثامن عشر، إذ تطور من 80 دولارًا سنة 1700 إلى 1000 دولار سنة 2020. أما عدد السكان في العالم فقد تزايد من 600 مليون نسمة سنة 1700 إلى أكثر من 7.5 مليارات سنة.2020 لكن جميع هذه المؤشرات الإيجابية، والتي تُقاس بالمعدلّات السنوية لكل سكان العالم وتمتدّ على فترة زمنية طويلة، تُخفي في حقيقة على الأمر تفاوتًا كبيرًا وهشاشة أكبر. فإذا كان معدل نسبة وفيات الأطفال الذين أعمارهم أقل من سنة مثلً في البلدان الغنية سنة 2018 لا يتجاوز 0.1 في المئة فهو يتجاوز 10 في المئة في أفريقيا. كذلك فيما يتعلق بالفروق بين الدخول الفردية في البلدان الأكثر غنى وتلك الأكثر فقرًا فهي فروق كبيرة تصل إلى عشرات الأضعاف (من 3000 أو 4000 يورو إلى 100 أو 200 يورو في الشهر.) كما لم يغفل الباحث اعتبار هذه المعدلّات للتّطور الإنساني على مدى أحقاب زمنية طويلة قد صاحبها أيضًا انتكاس حضاري، على غرار فترة الأنوار الأوروبية والأميركية، وكذلك الثورة الصناعية التي تأسست على منظومات عنيفة مثل أشكال الهيمنة في الملكية والعبودية والاستعمار

في القرون الثامن عشر والتاسع عشر والعشرين وبحجم غير مسبوق في تاريخ البشرية، قبل أن تغوص القوى الأوروبية بدورها في حقبة التدمير الذاتي خلال الحربين الأولى والثانية. يمكن أن نستخلص من التاريخ العالمي في القرون الثلاثة الأخيرة أن التطوّر الإنساني ليس خطّيًّا، وأننا أخطأنا كثيرًا عندما كنا نفترض سابقًا أن كل شيء يسير إلى الأحسن، وأن المنافسة الحرّة للقوى الدولية والفاعلين الاقتصاديين كفيلة بأن توصلنا إلى التجانس الاجتماعي والكوني. فالتطوّر موجود، ولكنه معركة دائمة، وعلينا مسبقًا الاستناد إلى تحليل موضوعي للتطورات التاريخية الماضية بما تحمله من إيجابيات وسلبيات (ص. 1194) يعتبر بيكيتي أن اللامساواة الاقتصادية والاجتماعية التي نلاحظها داخل العديد من بلدان العالم ومناطقه قد تسارعت وتيرتها، خاصة وبصفة مهيكلة ومخيفة منذ سنوات 1980 و 1990. والمؤشر الأكثر تعبيرًا عن ذلك هو مقارنة نسبة 10 في المئة من السكان ذات الدخل الأعلى وما تملكه من الدخل القومي الخام في دولة ما. في حالة العدالة المطلقة فهي تساوي نسبة 10 في المئة، أما في حالة التفاوت القصوى فهي 100 في المئة. بين هذين الطرفين تراوح وتتغير تلك النسبة بين الدول والمناطق والأحقاب التاريخية. ففي بلدان مثل الولايات المتحدة الأميركية وروسيا والصين والهند وأوروبا تراوح تلك النسبة بين 25 و 35 في المئة سنة 1918، وأصبحت سنة 1980 تراوح بين 35 و 55 في المئة، وقد تصل إلى 75 في المئة في العشريات المقبلة.

سادسًا: الدروس المستخلصة

حاول بيكيتي في بحثه أن يزاوج في التحليل بين التاريخ الاقتصادي والتاريخ الاجتماعي وكذلك التاريخ الفكري والسياسي للأنظمة التفاوتية؛ قصد فهم طبيعة التبريرات وهيكلة اللامساواة، منذ المجتمعات الثلاثية الوظيفة والمجتمعات العبودية القديمة إلى المجتمعات ما بعد الاستعمارية والمجتمعات المغالية في الرأسمالية اليوم. وقد اعتبر تبعًا لذلك أن مشروعًا مثل هذا يبقى متواصلً وقيد البحث؛ لأنه لا يوجد كتاب واحد يمكن أن يستنفد موضوعًا أو مادة تاريخية بهذا الحجم. ولذلك فإن كل خلاصة هي بطبيعتها مؤقتة؛ لأنها قائمة على بحوث غير مكتملة، وقابلة للنقد والتعديل في المستقبل (ص. 1191) ويعود بنا إلى البيان الشيوعي لسنة 1848 والذي جاء فيه على لسان فريدريك إنجلز Friedrich Engels (1895–1820): «إنّ تاريخ كل مجتمع حتى اليوم ليس إلا تاريخ نضال الطبقات». فيعتبر أن هذا التأكيد مناسب جدًّا، ولكنه في نهاية بحثه أعاد صياغة تلك المقولة على النحو التالي: «إن تاريخ كل مجتمع حتى اليوم لم يكن إلا تاريخ نضال الأيديولوجيات والبحث عن العدالة » (ص. 1192). بمعنى أن الأفكار والأيديولوجيات لها أهميتها في التاريخ، وأنه مهما كانت أهمية الوضع الاجتماعي فذلك لا يكفي لصياغة نظرية للمجتمع العادل أو للملكية وللحدود والجباية والتعليم والديمقراطية. تلك النظريات هي بناء أيديولوجي معقّد، تصوغه النظم، كل بحسب سياقه التاريخي والاجتماعي والسياسي. فتاريخ القرن العشرين الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، على غرار التجربة الشيوعية، يجبرنا اليوم على دراسة الأنظمة التفاوتية وتبريراتها أي

كيفية بناء النظام المؤسساتي وطرائق التنظيم الاجتماعي والاقتصادي، وذلك بمنهج ومقاربة دقيقة من أجل تحقيق التحرّر الإنساني من تلك الهيمنة الأيديولوجية. فتاريخ اللامساواة لا يقتصر البتّة على بعده الصراعي المادي بين من يظلم الشعوب ومن يدافع عنها، بل يستند في كلا المعسكرين إلى أبنية فكرية ومؤسساتية معقّدة لا تخلو من نفاقٍ وإرادة ضمان ديمومتها من جانب المجموعات المهيمنة. على خلاف صراع الطبقات، فإن صراع الأيديولوجيات يستند إلى تبادل المعارف والتجارب واحترام الآخر والحوار والديمقراطية. لا أحد يملك كل الحقيقة حول ماهية المجتمع العادل، والملكية العادلة أو الحدود العادلة، والديمقراطية العادلة، والجباية العادلة أو التعليم العادل. إنه تاريخ بحث دائم عن العدالة المنشودة، ووحده الحوار ومقارعة التجارب البشرية والتاريخية بعضها ببعض في تنوعها وثرائها هما الكفيلان بتحقيق تطوّر حقيقي في هذا الاتجاه. ينهي بيكيتي كتابه الضخم بنوع من الراديكالية في استنتاجاته؛ إذ يعتبر أن حركة رفض الرأسمالية الموغلة والمعولمة قد زادت أمام تفاقم الفوارق بين الشعوب، على نحوٍ غذّى ظهور أشكال جديدة من التقوقع على الذات مع هيمنة منطق السوق الذي لم يعد من شك في غياب ضوابطه التنظيمية Market of Deregulation، وخاصة منذ الأزمة المالية في 2008. ولذلك يرى الباحث أن التفكير في صياغة منوال اقتصادي جديد، أكثر إنصافًا وأكثر ديمومة، قد عاد على السطح بأكثر جدّية. وبناء عليه، تتنزل الخلاصة المركزية في سياق حركة عالمية متّجهة نحو النموذج الاجتماعي الديمقراطي التشاركي أو الاجتماعية الفدرالية؛ وهي حركة تختزل تجارب عديد المناطق من العالم وتطوراتها. في الأخير، يوجّه بيكيتي إلى نفسه نقدًا شجاعًا واعترافًا بعدم قدرته على التخلّص من النظرة المركزية الأوروبية؛ لأنّه يحملها وينتمي إليها ومتجذّر فيها، إضافة إلى معرفته المحدودة مهما بدت شاسعة مع الضعف اللغوي، وجملة إكراهات أخرى تبقيه سجين نظارات الثقافة الأورو – أميركية في رؤيته إلى تجارب الآخرين.