في أصول القومية بالبلاد المغاربية: إرنست غلنر ومفهوم الثقافة العُليا
On the Origins of Nationalism in the Societies of the Maghreb Ernest Gellner and the High Culture Concept
الملخّص
تسعى الدراسة لعرض رؤية الأنثروبولوجي إرنست غلنر للأمة والقومية، والوقوف عند مفهوم الثقافة العليا في دراسة هذا الباحث للإسلام، الذي يعتبر أن ظهور القومية وانتصار الحركة الإصلاحية السلفية يشكّلان صيرورة واحدة. وتُبيّن الدراسة حدود المفهوم الذي وظّفه في تناوله "المجتمع المسلم"، بما يحمله من نظرة جوهرانية للإسلام، وكذا إسقاطه لنموذجٍ جاهز. إن مقاربة غلنر الكليانية جعلت تحليله للقومية بالبلاد المغاربية تكتنفه تناقضات قد لا تصمد أمام محك التجربة التاريخية لهذه البلاد، وبخاصة حالة المغرب التي انطلقنا منها.
Abstract
Abstract: This study outlines Ernest Gellner’s (1925–1995) anthropological conceptualisation of the Nation and Nationalism. It focuses on the notion of high culture pertaining to the study of Islam, contending that the emergence of nationalism and the Salafi reformist movement are the outcome of the same process. The study demonstrates the limits of this notion in studying the "Muslim society" as an essentialist conception of Islam as well as a transposition of a ready–made model. In his analysis of nationalism in Maghrebi societies, Gellner’s holistic approach results in some fundamental contradictions and may not stand the test of the historical experiences of these countries, especially in the case of Morocco.
- أنثروبولوجيا الإسلام
- الأمة
- القومية
- الحركة السلفية الإصلاحية
- الحركة الوطنية
- الثقافة العليا
- Anthropology of Islam
- Nation
- Nationalism
- Salafi Reformist Movement
- High Culture
ملخص: تسعى الدراسة لعرض رؤية الأنثروبولوجي إرنست غلنر ل مأأة والقومية، والوقوف عند مفهوم الثقافة العليا في دراسة هذا الباحث للإسلام، الذي يعتبر أن ظهور القومية وانتصار
الحركة الإصلاحية السلفية يشكّلان صيرورة واحدة. وتُبيّن الدراسة حدود المفهوم الذي وظّفه في
تناوله «المجتمع المسلم»، بما يحمله من نظرة جوهرانية للإسلام، وكذا إسقاطه لنموذج فكري جاهز عليها. إن مقاربة غلنر الكليانية جعلت تحليله للقومية بالبلاد المغاربية تكتنفه تناقضات قد لا تصمد أمام محك التجربة التاريخية لهذه البلاد، وبخاصة حالة المغرب التي انطلقنا منها.
Abstract: This study outlines Ernest Gellner’s (1925–1995) anthropological conceptualisation of the Nation and Nationalism. It focuses on the notion of high culture pertaining to the study of Islam, contending that the emergence of nationalism and the Salafi reformist movement are the outcome of the same process. The study demonstrates the limits of this notion in studying the "Muslim society" as an essentialist conception of Islam as well as a transposition of a ready–made model. In his analysis of nationalism in Maghrebi societies, Gellner’s holistic approach results in some fundamental contradictions and may not stand the test of the historical experiences of these countries, especially in the case of Morocco.
Researcher at the African Studies Institute, Mohammed–V University in Rabat.
مقدمة
يُعدّ إرنست غلنر (1995–1925)، الأنثروبولوجي والفيلسوف البريطاني التشيكي الأصل، من أبرز مفكري القرن العشرين، الذي خُصّصت له عشرات الكتب وندوات ومقالات في مختلف أرجاء العالم، وتُرجمت كتبه إلى عدة لغات. لكن لم تترجم أعماله إلى اللغة العربية، على الرغم من أن المجتمع المسلم والإسلام من بين ميادين دراسته. فما عدا كتاب مجتمع مسلم، ما زالت كتبه الأخرى لم تترجم، بما فيها كتابه المعروف عن المغرب صلحاء الأطلس، أو كتبه الأخرى التي عُرف بها في العالم مثل الأمم والقومية؛ وما بعد الحداثة: العقل والدين؛ وشروط الحرية: المجتمع المدني ومنافسوه؛ والكتاب الذي نشر بعد وفاته القومية، عدا بقية أعماله التي تميّزت كلها بقيمتها العلمية في حقل العلوم الاجتماعية والفلسفة، وأثارت نقاشًا بين المتخصصين.
كان خصبَ الإنتاج، وألّف واحدًا وعشرين كتابًا وعددًا كبيرًا من المقالات. وكان المغرب، بصفته نموذجًا للمجتمع المسلم، ميدان بحثه الأنثروبولوجي الأول في أواخر خمسينيات القرن الماضي، وظل حاضرًا في كل كتبه حتى وفاته، كلما كتب عن الإسلام. كما لم يغب الإسلام بدوره عن نقاش غلنر الأنثروبولوجي والفلسفي في موضوع الأمة والقومية والحداثة والدولة والعلمانية والأصولية والمجتمع المدني. نسعى في هذه الدراسة لعرض رؤية غلنر للأمة والقومية، والأهم من ذلك الوقوف عند مفهومَي الثقافة العليا والثقافة السفلى في براديغم غلنر في دراسته الإسلام؛ فهذان المفهومان هيمنا على فكره في تناوله الإسلام في مواضيع مختلفة: الحداثة، والقومية، والدولة، والأمة، والعلمانية؛ أي ما يشكّل معالم
(1) Ernest Gellner, Muslim Society (Cambridge: Cambridge University Press, 1981);
إرنست غلنر، مجتمع مسلم، ترجمة أبو بكر أحمد باقادر (بيروت: دار المدار الإسلامي،.)2005
(2) Ernest Gellner, Saints of the Atlas (London: Weidenfeld & Nicolson, 1969). (3) Ernest Gellner, Nations et nationalisme , Benedicte Pineau (trad.) (Paris: Payot, 1989). (4) Ernest Gellner, Postmodernism: Reason and Religion (London: Routledge, 1992). (5) Ernest Gellner, Conditions of Liberty: Civil Society and its Rivals (London: Penguin Press, 1994). (6) Ernest Gellner, Nationalism (London: Weidenfeld & Nicholson, 1997).
(((كانت في المغرب بداية تجربة أنثروبولوجية بالنسبة إلى غلنر، انطلقت من جبال الأطلس المتوسط الكبير، وشملت كل مناطق
العالم الإس مااي. وعلى الرغم من غزارة فكره وغناه وتعدده، فإنه كان ضحية كتابه صلحاء الأطلسالذي طبق عليه النظرية الانقسامية، بل ضحية سياق علمي في الأنثروبولوجيا تجاوز الوظيفية الانقسامية التي عرفت أوجها في أربعينيات القرن الماضي.
كانت الستينيات عصر النظريات البنيوية والماركسية والدينامية والتأويلية. ظل اسمه مرادفًا لدى الباحثين المغاربيين لكتاب صلحاء
الأطلسوالانقسامية وقزّموا مساهماته الفكرية في حقول شتى تتمحور حول العلوم الاجتماعية والفلسفة والفكر السياسي، وهي
كلها اجتهادات فكرية كتبها بعد صلحاء الأطلس. (((حتى لا نُقحم القارئ في تعريفات إبستيمولوجية وفلسفية، فإننا نستعمل مفهوم براديغم بمعنى النموذج Modèle المتكامل والمنسجم الذي يوظفه الباحث في تأويل المعطيات بحسب جهاز نظري ومفاهيمي معيّن. انتشر استعمال براديغم منذ بداية
السبعينيات بعد صدور كتاب توماس صامويل كوهن Kuhn Samuel Thomas بنية الثورات العلمية، ونحيل على عمله هذا لمن يريد أن يتوسع في مختلف التعاريف التي أعطيت لمفهوم البراديغم:
Thomas Kuhn, La structure des révolutions scientifiques (Paris: Flammarion, 1972).
المجتمع المسلم الحديث والإسلام عمومًا، فلا يمكن فهم مفهوم الثقافة لدى غلنر وربطه بالقومية والأمة إلّ من خلال «الثقافة العليا» المتمثلة في الكتابة والثقافة العالمة. نؤمن أن البحث في العلوم الإنسانية هو قبل كل شيء حوار مع أفكار وطروحات ونظريات الآخر. وفي هذه الدراسة نعرض طروحات غلنر ونناقشها من خلال أسئلة رئيسة: إلى أي حد يمكن اعتبار السلفية الإصلاحية مؤسسة للقومية في العالم الإسلامي؟ ما جوهر «الثقافة العليا» ودورها في تكوين القومية والأمة؟ هل البراديغم الذي تبنّاه غلنر في رؤيته للإسلام والمجتمع المسلم من منطلق المقارنة بالمجتمع الغربي إجرائي؟ هذه أسئلة من بين أخرى تروم فتح نقاش فكري مع غلنر، من دون ادّعاء الإحاطة بكل طروحاته في هذه الدراسة. إن القومية، موضوع الدراسة، هي كما تناولها غلنر، باعتبارها براديغمًا أنثربولوجيًا، حلّل من خلاله المجتمع المسلم، ولن نخوض في نقاش الأطروحات التي تناولت مسألة «القومية العربية» منذ ما يزيد على قرن ونصف. وكان يُعمّم دراساته حول ما يسميه «المجتمع المسلم» Society Muslim، أو الإسلام أو العالم الإسلامي، لقد اخترنا حصر مجال الدراسة في بلدان المغارب والمغرب تحديدًا؛ لأن غلنر، حتى وهو يُعمّم طروحاته، كانت نماذجه من الدول المغاربية التي أجرى فيها دراساته الميدانية ونشر حولها دراساته. أما معرفته ببقية الدول الإسلامية، فعامة.
أولا: الثقافة العليا والثقافة السفلى
تناولت عدة دراسات مفهوم الأمة والقومية في الفكر الغربي، وكانت دائمًا تثير جدلً في الوسط الأكاديمي، لكن تبقى مساهمة غلنر، في كتابه المعروف الأمم والقومية، مرجعًا لجميع دارسي الموضوع. ومن أهم خصوصيات طرحه أنه جعل من الثقافة (بحسب توظيف غلنر نفسه لهذا المفهوم) أهم عوامل بروز القومية في أوروبا، وربط ذلك بما يُسمّيه الثقافة العليا وتطبيقه على حالة القومية والأمة والدولة في المجتمعات المسلمة. ويرتبط تعريف مفهوم الأمة بسياق تاريخي واجتماعي ومحلي، ولا يمكن تعريفه فلسفيًا على نحوٍ مجرد، بعيدًا عن هذا السياق. عمومًا، يوجد توجّهان يهيمنان على تعريف مفهوم الأمة: نموذج ثقافي إثني، ونموذج سياسي مبني على الإرادة. في كتابه الأمم والقومية، يتجاوز غلنر هذه التعريفات الكلاسيكية التي هيمنت، وما زالت تهيمن، على النقاش حول تعريف الأمة، بين تعريف ثقافي وتعريف إرادوي. وقد اعتبر هذين التعريفين أوّليين ومؤقتين، ويلخصهما كالتالي:
(9) Gellner, Nations et nationalisme.
(((1 لأسباب إجرائية ترجمنا مفهوم Nationalisme بالقومية، بدل من الوطنية، لأن المقابل الدقيق للوطنية بالفرنسية هو عبارة Patriotisme، وهي مشتقة من كلمة Patrie التي تعني الوطن. نعلم أن من الشائع في منطقة المغارب هو مفهوم الوطنية، وهو
المعادل للقومية في الوسط العلمي المشرقي، لكن وجدنا من الأنسب استخدام مفهوم القومية بدلً من الوطنية في سياقات معيّنة،
وسنستخدم مفهوم الوطنية أحيانًا حين الحديث عن «الحركة الوطنية» في المغرب، لأن تلك الحركة تسمي نفسها هكذا.
• رجلان ينتميان إلى الأمة نفسها، شرط أن يتقاسما الثقافة نفسها، وتعني الثقافة هنا نظامًا من الأفكار
والرموز وأنماط من السلوك المشتركة. • رجلان ينتميان إلى الأمة نفسها، شرط أن يعترفا فحسب بأنهما ينتميان إلى الأمة نفسها؛ بمعنى أن الناس هم الذين يخلقون الأمة nations les font qui hommes les sont Ce. الأمم هي كيانات مصطنعة، تنتجها القناعات وولاءات الناس. فمجموعات تشترك في اللغة نفسها، وتعيش على المجال الترابي نفسه، يمكنها أن تشكل أمة، شرط اعتراف متبادل بين مكوّنات هذه المجموعة بحقوق
وواجبات تحدد عيشهم المشترك. بعد إشارته إلى هذين التعريفين، يلاحظ غلنر أن كل واحد منهما، الثقافي والإرادوي، يركز على عنصر ويعزله لتعريف الأمة. لكن لا أحد منهما مناسب. ويقترح مقاربة تركز على الثقافة؛ بمعنى نظام من الأفكار والعلامات وأنماط السلوك والتواصل. وحين يتحدث عن الثقافة، فهو يحصرها في الثقافة العالمة المكتوبة؛ لأنها وحدها القادرة على إنتاج معرفة قابلة لتحقيق التواصل وتوحّد المجتمع حول
الأمة. ويرى غلنر أن ظهور الكتابة، في المجتمعات الإنسانية، كان إيذانًا بمنعطف تاريخي يعادل ظهور الدولة، إن لم يكن أهم منها. أسفر ظهور الكتابة في المجتمع الزراعي عن بروز فئة تمتهن الكتابة وتحتكرها، وتمثّل هذه المرحلة من تطور المجتمعات الإنسانية منعطفًا حاسمًا. كان المجتمع يضم
أقلية توظف الكتابة لتوثيق الضريبة، وكانت للكتابة وظيفة قانونية وإدارية وتعاقدية، وفي الأخير التجأ الله – بحسب تعبير غلنر – بدوره إلى الكتابة في تحالفه مع الإنسان، لرسم قواعد السلوك المفروضة على الأخير. طوال هذه المراحل، برزت فئة من المتخصصين في الكتابة، تتميز من عموم الجاهلين بالكتابة. وبدأ حينها فصل بين ثقافة عالمة، تعتمد على اللغة، وثقافة شعبية. الأولى يمثلها رجال دين يحتكرون الكتابة كلغة للمقدس (الكتاب)؛ والثانية عامة يكتفون بممارسة الطقوس. لم تكن غاية الفئة التي تحتكر الكتابة في المجتمع الزراعي – المتعلم lettrés agro Société نشر الكتابة وثقافتها، بل تسهر على المحافظة عليها بصفتها امتيازًا وتعمل على جعلها أكثر تعقيدًا ونخبوية لإيجاد حواجز بين رجال الدين والآخرين وصنع حدود بينهما. وحتى إن هم أرادوا تعميم الكتابة لإدماج عموم الساكنة في ثقافة عليا، فإنهم لم يكونوا يملكون الوسائل لذلك. ما يصبو محتكرو الكتابة إليه هو أن يجعلوا نموذجهم المثالي معترفًا به ولو أنه لا يمكن العامة ممارسته. لا أحد في المجتمع الزراعي يبحث عن الانسجام، حتى الدولة نفسها لا تريد انسجامًا ثقافيًا ومجتمعًا منسجمًا بلغة وثقافة
موحدة للتواصل. كان هناك تمايز بين الفئة التي تحتل القمة والفئات الأخرى، وسهرت الدولة
(11) Gellner, Nations et nationalisme , p. 19. (12) Ibid. (13) Ibid., p. 21. (14) Ibid., p. 25. (15) Ibid., p. 24.
على الحفاظ على هذا التمايز بين مختلف مكوّنات المجتمع. ظلّ رجال الدين يحتقرون الممارسات
الدينية الطقوسية التقليدية لمنافسيهم وغيرهم، ويحرصون على بناء علاقة مع مؤسسة سياسية ممثلة في الدولة. تعايش رجال الدين مع الدولة، لكن تعايشهم هذا لم يكن تحالفًا دائمًا، بل كانت هناك منافسة جسّدها
الصراع بين الكنيسة والدولة، بين الله وقيصر بعبارة أخرى. كان هناك تنافس أحيانًا حادٌّ بين الأحمر (عنف السلطة) والأسود (الكتابة)؛ بين المتخصصين في العنف والمتخصصين في الإيمان. وعرف المجتمع الزراعي تراتبية صارمة، يتبوأ قمتها رجال الدين وأصحاب السلطة السياسة، في إطار تقسيم الوظائف بين السلطة السياسية وممتهني الثقافة في المجتمع. يتجلّى دور الثقافة في المجتمع الزراعي في ضمان مكانة الفرد والتعبير عنها في بنية قارة داخل مجتمع ذي هرمية تراتبية، وترتبط هوية الفرد بمكانته في المجتمع. إن الثقافة بهذا المعنى، لدى غلنر، هي الضامن لاندماج الفرد في مجتمعه التقليدي وقبول قيَمِه ومعاييره ومكانته داخله، حيث تُمكّن من
استمرارية توازنه واستقراره. حدث تحول سريع، انتقل معه هذا المجتمع المستقر والتراتبي إلى مجتمع آخر بفعل تأثيرات التصنيع وتطور التقنيات ووسائل الحداثة، ليصبح مجتمعًا دائم التحول، وانتفت فيه التراتبية التقليدية، وطغت عليه الفردانية، وما عاد العمل مقتصرًا على المجهود العضلي. في
المجتمعات المتقدمة تختفي ثنائية الثقافة العليا والثقافة السفلى، لتصبح الثقافة العليا هي المهيمنة. يستدرك غلنر بأنه لا يحمل أي حكم قيمي حين يتحدث عن ثقافة عليا، في مقابل ثقافة سفلى، للدلالة، فحسب، على أن الثقافة العليا مرتبطة بالكتابة، وهي ثقافة تُلقَّن وتنقل بوساطة التعليم النظامي، متشابهة وموحَّدة بين الجميع. وأول مرة في التاريخ، يقول غلنر، عُمّم التعليمُ النظامي على
المجتمع بأكلمه، بعدما كان امتيازًا لفئة قليلة من رجال الدين وثلة من البيروقراطيين فحسب. وأضحى الاندماج في المواطنة والمشاركة الاجتماعية والانخراط في النشاطات الاقتصادية مشروطة بالتمكن من الثقافة العليا. وكانت هذه التغيرات ممهّدةً للقومية؛ لأن الثقافة العليا كي تعمم يجب أن تسهر عليها الدولة. ويُعرّف الثقافة العليا المشتركة Culture High Shared بأنها ثقافة جرى تحصيلها بوساطة نظام
تعليمي، وأصبحت تعبيرًا مشتركًا بين أفراد المجتمع الواحد. ولم تعد الثقافة امتيازًا لطبقة دينية؛ إنها
مشترك اجتماعي وأساس للمواطنة الأخلاقية Moral Citizenship. في بلورة غلنر لطرحه في العلاقة بين الثقافة العليا والثقافة السفلى ودور الأولى في صعود القومية في أوروبا، كان العالم الإسلامي حاضرًا. وتتبع التحولّات التي عرفها الإسلام في القرن العشرين، مقارنًا بين
تاريخ المسيحية في أوروبا والإسلام في علاقتهما بالمجتمع وتحولّاته من مجتمع ما قبل زراعي إلى
مجتمع الحداثة. وفي هذا الصدد، يُعرّف غلنر الحداثة بهيمنة نمط معرفي علمي ونمط إنتاج صناعي
وتراجع الإيمان الديني أمام العلم. لذلك، فإن المجتمع الصناعي العلمي Society Scientific–industrial
(16) Ibid., p. 22. (17) Ernest Gellner, Encounters with Nationalism (London: Blackwell, 1994), p. VII.
هو الذي يوفر شروط المجتمع الحداثي الذي تمثل العلمنة أحد مظاهره. إنه مجتمع يختفي فيه الإيمان الديني وتفقد فيه الطقوس مكانتها أمام العلم الوضعي. فمبادئ الدين مناقضة للعلم، وهذا الأخير يتمتع بمكانة مهمة، ويشكل قاعدة التقنية الحديثة والاقتصاد المعاصر. إن المجتمع الحديث هو مجتمع الثقافة العالمة التي أزاحت الثقافة الشعبية وحلّت محلها في أماكن وجودها في البوادي والقرى، وإذا كان النمطان يتعايشان في المجتمع ما قبل الحداثي، فإن هذه الثنائية تنتفي في المجتمع الحديث، لتصبح الثقافة العليا هي الثقافة المعيارية والمهيمنة. فهو مجتمع يتميز بانسجام الثقافة وكونيتها، وبإنتاج ما يُسميه غلنر الثقافة العليا ‘ Culture ’ High، في مقابل المجتمع الزراعي والرعوي الذي توجد فيه الثقافة الفلكلورية أو الشعبية ‘ Cultures ’ Folk. ويستعمل مصطلحات مختلفة للتعبير عن هذه الثنائية: ثقافة عليا = إسلام أعلى = تقليد أكبر = ثقافة عالمة/ ثقافة سفلى = إسلام أدنى= تقليد أصغر = ثقافة شعبية. قسّم غلنر الحضارة الإسلامية نمطين: الثقافة العليا، والثقافة السفلى أو الفلكلورية أو الشعبية. الثقافة
العليا هي التي يمثلها الفقهاء، وهي ثقافة عالمة حضرية، تحملها فئة العلماء والتجار ونخب المدينة؛ بينما الثقافة الفلكلورية (بمعنى الشعبية) منتشرة بين الأميين والعامة، ويمثلها الصلحاء ورجال الطرق الصوفية في البادية. في كتابه ما بعد الحداثة، استعمل غلنر مفهوم الإسلام العالي، بمعنى إسلام العلماء High Islam of Scholars، وفي مقابله مفهوم الإسلام الأدنى، إسلام العامة Low Islam of People وهو ما يسميه أيضًا الإسلام الشعبي Folk Islam. وتغيّر مضمون مفهوم الثقافة العليا في كتابات غلنر:
ففي المجتمع المسلم الكلاسيكي، تعني الثقافة العالمة والمكتوبة التي تحتكرها فئة الفقهاء والنخبة الحضرية؛ بينما في المجتمع المسلم الحديث، تعني الثقافة العالمة التقليدية والثقافة المكتوبة العصرية أيضًا، فهي تشمل ثقافة دينية أصولية (الإسلام العالي) وثقافة العلم والتقنية والإدارة. وإذا انتقلنا إلى المجتمع الصناعي الغربي، فإن مدلول الثقافة العليا ينحصر فحسب في الثقافة العلمانية، المتخلّصة من كل ما هو ديني، التي تعكس بنية مجتمع صناعي عقلاني.
ثانيًا: الإسلام الإصلاحي السلفي
نظريًا، إذا انطلقنا من رؤية غلنر، يمثّل الإسلامَ العالي، أي إسلام الفقهاء الطهوري التقليدي، في صيغته
المعاصرة، الإسلامُ الإصلاحيُ السلفي. وهذا النمط التديني هو الأقرب إلى الحداثة، مقارنةً بأنماط
التديّن الشعبي. إنه يملك تيولوجيا وتنظيمًا عاليين Organization and Theology High، وقريب
من مبادئ الحداثة وشروطها. وتتجلّى هذه المبادئ في نزوعه إلى التوحيد Unitarianism على نحوٍ صارم وغياب رجال كهنوت والوفاء التام والنصي للكتاب المنزّل والتأكيد على تطبيق القانون
(18) Gellner, Postmodernism , p. 4 (19) Ibid., p. 4. (20) Ibid., p. 9. (21) Ibid., p. 11.
الشرعي، ورصانة واتزان في التدين والانضباط في ممارسة الطقوس الدينية. هذه العناصرُ جميعًا تجعل
الإسلامَ السلفي الإصلاحي يتناسب مع التنظيم الاجتماعي الحديث، من منظور غلنر. وهو يعتقد أن
الإسلام، مقارنةً بالثقافات التقليدية غير الغربية الأخرى، في وضع جيد للتحديث من دون «التغريب» Westernising. فمثلًالتقليدي الفقهي، ولو في صيغته الإصلاحية، هو استمرار للتقليد السابق عليه؛ إذ لا توجد قطيعة كبرى بين الفقيه في القرون السابقة والفقيه في عصر الحداثة. وهو أمر غير وارد في العديد من الثقافات الأخرى التي بنيت على القطيعة مع الماضي. ومن المفارقات، بحسب غلنر أيضًا، أن الحداثة عزّزت مكانة الإسلام «العالي» بقوّة في المجتمعات الإسلامية على حساب الإسلام
«الشعبي»، ويعزو غلنر هذه الظاهرة جزئيًا إلى أن الهياكل الاجتماعية التي كانت تجعل من الإسلام
«الشعبي» نمطًا مناسبًا لأفراد القبائل الريفية شهدت تغيرات كبرى. إن الثقافة العالمة في صيغتها السلفية رجعت إلى إسلام مرحلة التأسيس، إسلام النبي والخلفاء الأربعة من أجل إعادة إحيائه في العصر الحاضر. وما عاد خلاف الفقهاء مع الإسلام الطرقي يكمن في شجب ممارسته والرجوع إلى السلف الصالح، لكن أيضًا في مواجهة تأثيرات الغرب. كان جوهر القومية في الغرب أن الثقافة العليا أصبحت ثقافة هوية المجتمع، والصيرورة نفسها حدثت في الإسلام، لكن جرى التعبير عنها من خلال أصولية سلفية دينية، أكثر منها من خلال ولادة شعور قومي علماني على الطريقة الغربية. كان هناك تحالف بين الحركة الإصلاحية السلفية والحركة الوطنية، تجلّى إبان استقلال الدول الإسلامية (التي كانت تحت الاستعمار في القرن العشرين)، بتبني إسلام سلفي في إطار الدولة الحديثة. وينطلق غلنر في هذا الصدد من التجربة الجزائرية. فحداثة الدولة الجزائرية تمت في إطار الإسلام الإصلاحي السلفي، كما تبلور إبان القرن العشرين مع عبد الحميد بن باديس، وليس في إطار علماني. والثورة الجزائرية التي بشّرت بالمبادئ الاشتراكية لم تخرج في الأخير عن الإسلام. يقول غلنر إن الحالمين الثوريين الاشتراكيين الذين يفدون إلى «وطن الثوار»، الذي كانت تمثله الجزائر إبان ستينيات القرن الماضي، سيُفاجؤون بهيمنة الإسلام، وإن الجزائريين يعرفون ابن باديس ولا يعرفون
فرانز فانون، المثقف الاشتراكي الثوري الذي كتب عن بلادهم وكفاحهم. أثّرت الحركة الإصلاحية السلفية المشرقية في الجزائر إبان عهد الاستعمار، وكانت زيارة أحد أقطاب هذا التيار، محمد عبده في عام 1903، من بين أول مؤشرات بداية تغلغل الفكر السلفي الإصلاحي في الجزائر. كان ابن باديس والطيب العقبي من مؤسسي هذا التيار في الجزائر (جمعية العلماء المسلمين)، الذي انتشر بسرعة مذهلة فيها منذ ثلاثينيات القرن الماضي، كي يصبح بعد عقود النموذجَ الديني المهيمن في المدن،
(22) Gellner, Muslim Society , p. 170. (23) Michael Lessnoff, "Islam, Modernity and Science," in: Sinisa Malesevic & Mark Haugaard (eds.), Gellner and Contemporary Social Thought (Cambridge: Cambridge University Press, 2007), p. 190. (24) Gellner, Postmodernism , p. 19. (25) Ernest Gellner, "The Unknown Apollo of Biskra: The Social Base of Algerian Puritanism," in: Gellner, Muslim Society , pp. 149–173. (26) Ibid., p. 150.
قبل أن يُعمّم على جميع المناطق مع الدولة الوطنية بعد الاستقلال، وأصبح الإسلام النموذجي على حساب التديّن الطرقي الذي كان مهيمنًا في فترة سابقة. يميز غلنر بين الإصلاحية في تونس والجزائر والمغرب؛ فتجربة تونس كانت أقرب إلى التجربة التركية بنزوعها أكثر نحو العلمانية، أما في المغرب فتأثرت بالحركة الوطنية، وفي الجزائر كانت جوهر القومية والدولة المعاصرة. وأمام الفراغ الذي كانت تعرفه الجزائر قبل الاستعمار الفرنسي من غياب دولة مركزية مستقلة، وحتى فئة عالمة قوية ومنظمة، فإن الإصلاحية السلفية مع استقلال الجزائر هي التي صاغت الإسلام بطريقتها، بحسب غلنر. عانت الجزائر الاحتلال العثماني، وبعده الفرنسي الذي فكك البنى التقليدية التي كانت موجودة. وحافظت فئة قليلة، ممثلة بالبرجوازية في بعض المراكز الحضرية، مثل تلمسان وقسطنطينة ومدينة الجزائر، على القليل من هياكلها. وستفرز هذه الفئة البرجوازية الحركة الإصلاحية الإسلامية بقيادة ابن باديس، وتشارك في بناء هوية الأمة الجزائرية التي لم تكن موجودة من قبل، بحسب غلنر أيضًا. ولم تصل الحركة الإصلاحية إلى سدّة الحكم بعد انتصار الثورة الجزائرية، لكن نموذجها الإسلامي (الإسلام الأعلى) أصبح دين الدولة Religion State. يلُاحَظ أن غلنر في دراسته عن الإصلاحية السلفية في علاقتها بالحداثة والقومية والحركة الوطنية، اعتمد كثيرًا على النموذج الجزائري، فإذا كان في موضوع الأولياء ميدانه ونموذجه هو المغرب، فإنه
في موضوع الإصلاحية والوطنية كانت التجربة الجزائرية حاضرةً بقوة. وكان غلنر متتبعًا، عن كثب، أحداث الجزائر، وأقام في البلد عدة مرات (من دون إجراء بحث ميداني إثنوغرافي) وكتب عن نخبتها الجديدة ما بعد الاستقلال، كما كتب عن التجربة التونسية المعاصرة. في حين ظل المغرب يُقدّم كنموذج للمجتمع الكلاسيكي ما قبل الحداثة، كانت الجزائر وتونس وحتى تركيا نماذج أبحاثه عن المجتمع المسلم والحداثة. أصبحت الثقافة العليا أيديولوجية الدولة المستقلة في المجتمعات المسلمة، وهي المكانة التي احتلّتها إبان النضال ضد الاستعمار. قاد الحركة الإصلاحية السلفية متعلّمون ذوو تكوين ديني فقهي – نصي، وهم أنفسهم الذين ساهموا في تزعّم الحركة الوطنية أو تحالفوا معها، ومع الاستقلال أصبح نمطهم الديني
(27) Ernest Gellner, "Studies on North Africa: Introduction to a New Series," Government and Opposition , vol. 26, no. 3 (1991), p. 329.
((2(نشر مثلً مقالتين: «القداسة والتطهرية والعلمانية والوطنية في شمال أفريقيا: دراسة حالة» في عام 1963، وأعاد نشرها في كتابه
مجتمع مسلم، الفصل الخامس؛
Ernest Gellner, "Sanctity, Puritanism, Secularisation and Nationalism in North Africa: A Case Study," Archives de Sociologie des Religions , no. 15 (1963), pp. 71–86.
ومقالة «أبولو بسكرة المجهول: الأساس الاجتماعي للسلفية الجزائرية» في عام 1974؛
Gellner, "The Unknown Apollo of Biskra," pp. 277–310.
قبل أن يعيد نشرها في مجتمع مسلم، الفصل السادس. (((2 مقالة «البنطلون في تونس» التي نشرها في عام 1979، وأعاد نشرها في مجتمع مسلم، الفصل السابع.
Ernest Gellner, "Trousers in Tunisia," Middle Eastern Studies , vol. 14, no. 1 (1979), pp. 127–130.
بمنزلة النمط الرسمي للدولة الحديثة على حساب النمط التقليدي الطرقي الصوفي. فإسلام الفقهاء النصي الطهوري هو الأكثر انسجامًا مع مفهوم الدولة الحديثة، مقارنةً بإسلام الأولياء الطرقي. وبعد أن قدم عدة عوامل ساهمت في تراجع إسلام الأولياء في الدولة الوطنية الحديثة، خلص إلى تفسير يراه المفتاح الحقيقي لفهم الظاهرة: يوافق إسلام الطرق والأولياء التنظيم الانقسامي القبلي وخصوصياته. وكانت الطرق، بحسب تعبيره «قبائل روحية وليست أممًا روحية» not Spiritual Nations , Spiritual Tribes. تجاوز الإسلام الطهوري في تحالفه مع القومية نظامَ القبائل المنقسمة والقبائل الروحية من أجل بناء الأمة، بينما مقابله في أوروبا (المذهب البروتستانتي)، فكك وحدة «دولة روحية كبرى» Spiritual Super–State. ويُفسر غلنر تراجع الأولياء الكبير، بانعدام التربة الجاهزة والمستقبلة لهم؛ لأن تربة الدولة الوطنية جاهزة ومستقبلة رسالة جديدة هي السلفية الإصلاحية فحسب. وتحدث غلنر عن أنه زار في عام 1974 زاوية قرب مدينة تيزي أوزو بالجزائر، ولاحظ كيف تقلّصت نشاطاتها وقلّ عدد الزوار، ليقتصر على بعض الباحثين عن خدمات علاجية. إن تراجع مكانة الأولياء في المجتمع الحديث هو نتيجة لتراجع وظيفتهم داخل المجتمع والطلب عليهم. فهم كانوا يقدمون خدمة في مجتمع قبلي هامشي، يتجلّى في التوسط في النزاعات وتوفير أماكن للأسواق والمواسم التجارية والسهر على تطبيق العرف وربط الساكنة بالدين عن طريق طقوس جماعية، وهي كلها وظائف ما عاد المجتمع القروي في حاجة ملحة إليها، لأن مؤسسات جديدة أصبحت تضطلع بها في المجتمع الحديث. فما عدا معتقدات التبرك والعلاج والعلاقة بالمقدس والبحث عن إشباع رغبات روحية دفينة، لم يعد لزيارة الأولياء من جدوى عملية. وشكّل الإسلام الإصلاحي السلفي أيديولوجية الدولة الحديثة في الجزائر: «بحلول الاستقلال (الجزائر)، كان الإسلام الإصلاحي عمليًا الأيديولوجيا الوحيدة
الصالحة للاستعمال والمتجذّرة بعمق داخل البلد». من الصعب، كما يقول غلنر، أن نفصل تاريخ الحركة الإصلاحية عن تاريخ القومية العربية المعاصرة. يُبيّن التاريخ الثقافي للعالم العربي وانتصار الحركة الإصلاحية، التي هي نوع من البروتستانتية في
الإسلام تركز على الإسلام النصي الطهوري وتصب انتقادها الشديد وإدانتها للإسلام الطرقي الصوفي وإسلام الوساطة بين الله والبشر، إسلامَ المساومة الروحية Marchandage Sprituel. وكان هذا النموذج الأخير سائدًا في المجتمعات ما قبل الحداثة. يملك الإسلام دائمًا قدرةً على هذا النوع من التحوّل في الإيمان. أضحت الثقافات العليا أساس القوميات الجديدة، ووجدت قوميات ناشئة في الإسلام ذلك المشترك الذي أسست عليه مفهوم الأمة الجديدة. في هذا الصدد، ينطلق غلنر من حالة الجزائر في كتابه الأمم والقومية: «لم يكن في الماضي وجود لأمة جزائرية سابقة لصحوة قومية هذا القرن
(30) Gellner, Mu s lim Society , p. 148. (31) Ibid., p. 159. (32) Ibid., p. 167. (33) Ibid., p. 66.
(يعني القرن العشرين)، كما لاحظ فرحات عباس أحد أهم زعماء القوميين الأوائل». مع الاستقلال،
أسّست أمة محددة بالانتماء إلى عقيدة معيّنة على أرض محددة ذات حدود واضحة. كان الإسلام في
الجزائر في القرن التاسع عشر يغلب عليه تقديس الأولياء والسلالات المُبجّلة، وفي القرن العشرين تم انتقاد هذا النمط لمصلحة إسلام نصي إصلاحي رافض كل وساطة بين الله والإنسان. مكّن الإسلام النصي من توحيد الساكنة على حساب إسلام الصلحاء الذي حورب وهُمّش. ويتوافق إسلام الصلحاء مع القبيلة، أما الإسلام النصي فهو دين الأمة، «الأماكن المقدسة حددت القبائل وتخومها، والإسلام النصي يمكن أن يحدد الأمة ويصنعها». بمعنى أن إسلام الصلحاء في حاجة إلى كهنوت على شكل الكنيسة في أوروبا، الذي مثّله في هذه الحالة الأولياء بصفتهم وسطاء بين الله ورجال القبيلة، بينما الثقافة العليا، ثقافة الإسلام الفقهي، في حاجة إلى الأمة والدولة. وحدها الثقافة العليا، من منظور غلنر، قادرة على إنتاج القومية حتى وإن كان بعض الشعوب، في مراحل معيّنة، في حاجة إلى الثقافة السفلى لتوظفها في مطالبها السياسية بصفتها خصوصية هوياتية.
فالثورات، مثلً في أوروبا الوسطى، نهضت على الثقافة الشعبية ومجّدت فلكلورها، في مقابل الثقافة
المهيمنة، لكن هذه المرحلة ما هي إلّ الخطوة الأولى كي تحقق انفصالها واستقلالها. إن بناء الأمة يحتاج في بداياته، ليس فحسب، إلى إحياء الثقافة الشعبية والعودة إلى الأصول، وفي رسم حدودها الترابية تحتاج القومية أيضًا إلى العودة إلى معايير سابقة لمرحلة بناء القومية: «تنتمي القومية إلى زمن يصنع فيه الرجال السيارات ويعملون في المكاتب، ولم يعودوا يزرعون البطاطا. من الغريب، مع ذلك، أن تنفيذ المبادئ القومية يولي اهتمامًا أكبر للتقطيعات (الترابية) التي ترتبط بالأقاليم التي كانت تزرع فيها البطاطا في الماضي، وليس لتلك التي حددتها اليوم نشاطات المكاتب». بعبارة أخرى، يُبيّن
غلنر، انطلاقًا من نموذج الاتحاد السوفياتي بعد تفككه، كيف أن الهويات الإثنية التي صعدت إلى الواجهة، كانت بخطاب قومي معاصر، لكن بإحياء ثقافة الماضي التي تنتمي إلى «عالم البطاطا» Le monde de la pomme de terre، كما يُسمّيه. بعد نجاح القومية في بناء الدولة، تم التخلّي عن الثقافة السفلى لتبني ثقافة عليا تحتكرها نخبة محددة. وقد يتم تحويل الثقافة السفلى إلى ثقافة عُليا في حالة غياب الثانية، واعتماد ثقافة المستعمر نفسه بتبني لغته رسميًا، لغةً توحّد مختلف اللغات واللهجات
المحلية. وهو ما حدث مع مختلف الدول في أفريقيا التي اعتمدت الفرنسية أو الإنكليزية لغةً وطنيةً رسميةً. قبل الأمة – في حاجة إلى استعمال الثقافة من أجل تحديد لم تكن المجتمعات الزراعية – ما الوحدات السياسية؛ لأن المنتمين إليها لم يكن هدفهم أن يصبحوا قوميين Nationalistes. وهذه حالة المجتمعات المسلمة ما قبل الحداثة، كانت مجتمعات زراعية ورعوية. وجدير بالتنبيه أن في أطروحة
(34) Ibid., p. 110. (35) Ibid. (36) Ernest Gellner, "Le nationalisme en apesanteur," Terrain , vol. 17 (1991), pp. 7–16. (37) Gellner, Nations et nationalisme , p. 113.
غلنر عن المجتمعات الزراعية، وظّف نموذج الحضارة الإسلامية. كانت فئة العلماء في المجتمعات الإسلامية خليطًا من النبغاء والقضاة والفقهاء، أرادت الهيمنة الأخلاقية على العالم الإسلامي التقليدي بتموقعها في مقام ما فوق سياسي Transpolitique، وما فوق إثني Transethnique. ولم تكن مرتبطة لا بالدولة ولا بالأمة، بينما كان الإسلام الشعبي للصلحاء والسلالات الدينية المبجلة في مستوى دون إثني Sub–ethnique ودون سياسي Sub–politique. وهكذا كان العالم الإسلامي مقسّمًا بنيويًا إلى ثقافة سفلى وثقافة عليا، تتداخلان وتجمعهما روابط قوية. لكن في لحظات معيّنة، تدخلان في صراع حين يأخذ أصحاب الثقافة السفلى «الحماس البدائي للثقافة العليا ويوحدون أفراد القبائل بهدف إرساء طهرانية، وفي الآن نفسه يهدفون إلى التقدم السياسي والثراء». وعلى الرغم من هذه الحركات، لم يطرأ تحوّل بنيوي. لم يكن ما تحقق سوى دوران النخب القبلية، لكن ليس تغييرًا عميقًا في المجتمع. ويستحضر غلنر، في كتابه الأمم والقومية، نظرية عبد الرحمن بن خلدون في الزمن الدائري التي تطرق إليها بإسهاب في كتابه مجتمع مسلم. في الفصل الرئيس من كتاب مجتمع مسلم، Flux and Reflux in the Faith of Men، دليل على تأثره بابن خلدون. ففي مقدمة هذا الكتاب، يعترف غلنر أنّه مدين لابن خلدون، ولا يتردد في استعمال عبارة، على سبيل المجاز، أن الأفكار الرئيسة للكتاب «مسروقة» Stolen من أربعة مفكرين كبار، واضعًا ابن خلدون (1406–1332) في مقدمتهم، يليه ديفيد هيوم Hume David، وروبرت مونتان Montagne Robert، وفي الأخير إفنس بريتشارد E.E. Evans–Pritchard. فالكتاب يضم فصلين يحضر فيهما ابن خلدون بقوة: الفصل الأول المذكور أعلاه، والفصل الثاني الذي هو في الأصل أيضًا مقال نُشر في عام 1975 بعنوان «التماسك والهوية: المغارب من ابن خلدون حتى إميل دوركهايم».
ثالثًا: الثقافة العليا باعتبارها محدّدًا للقوميات
مع الحداثة، تغيرت الأشياء بتبوُّء الثقافة العليا مكانةً محوريةً في المجتمع وحلولها محل الثقافات السفلى لدى أطياف المجتمع كافة. وأصبحت الثقافة العليا الثقافةَ المعياريةَ للمجتمع والثقافةَ الرسمية للدولة. ويجب الاعتراف، كما يقول غلنر، أن الثقافة العليا كانت مؤهلةً لتبوُّء هذه المكانة والقيام بدور الثقافة الرسمية. وكان المجتمع الإسلامي المثالي مستعدًا لهذا التحول والتطور؛ لأنه يحمل في جوهره ثقافة عليا وثقافة سفلى، وكانا في علاقة وطيدة وتداخل، ولم تكن بينهما حدود فاصلة
(38) Ibid. (39) Ibid. (40) Ibid., p. 114. (41) Ernest Gellner, "Flux and Reflux in the Faith of Men," in: Gellner, Muslim Society , pp. 1–85. (42) Ernest Gellner, "Cohesion and Identity: The Maghreb from Ibn Khaldun to Emile Durkheim," Government and Opposition , vol. 10, no. 2 (1975), pp. 203–218.
وصارمة. وفسّر غلنر من خلال نظرية التأرجح Oscillation Theory كيف أن رجال القبائل، على
الرغم من انتسابهم إلى الثقافة السفلى، فإنهم في لحظات معينة يتبنّون خطاب الثقافة العليا بقيادة أحد ممثلي هذه الثقافة (مصلح ديني وعالم) لغزو المدينة وإرساء سلالة جديدة في الحكم. كما كان المنتسبون إلى الثقافة السفلى يقبلون الثقافة العليا، وكانت الثقافة السفلى مقبولةً عمومًا من الثقافة العليا، حتى إن لم يكن ذلك بصفة رسمية. هناك تعايش بين الاثنين في المجتمع التقليدي، ولم يكن هناك ما يدعو إلى الاستغراب في المجتمع ما قبل الحداثي. أما مع الحداثة، فالوضع تغيّر. ولا تقبل
الحداثةُ الثقافات السفلى وتنويعاتها الشعبية، فهي مُدانة ومُحاربة وتُعبّر عن بدعة يجب محاربتها،
بل صنّفت في الفترة الاستعمارية بعضَ معالم الثقافة السفلى ضمن دسائس العدو الأجنبي التي يجب محاربتها، في حين أن الثقافة العليا هي التي تصهر القومية الجديدة وترمز إلى وحدة البلد وتماسكه. إن القومية في سعيها لتحقيق الانسجام والوحدة الضرورية لأجل نجاح مشروعها، ناصبت كل الثقافات المحلية والشعبية العداء. كان مشروعها إرساء ثقافة واحدة وموحّدة لتصهر الهوية القومية
المنسجمة. إنه «الثمن الرهيب» لبناء الأمة، كما قال غلنر، والانتقال من نمط ابن خلدون إلى التماسك الاجتماعي الدروكهايمي: «الانتقال من مجتمع لامركزي متمفصل محليًّا، مثل منطقة الشرق الأوسط
والمغرب العربي تقليديًا، إلى مجتمع مركزي ومتجانس ثقافيًا – إلى دولة ‘وطنية’، مهما كانت حدودها
– يمكن أن يستلزم في بعض الأحيان ثمنًا رهيبًا الدقيقة Price Terrible A ». يتجلّى هذا الثمن
في نفي التعددية الثقافية والدينية بوسائل الإكراه والاضطهاد والعنف الذي تمارسه الدولة القومية في سبيل إرساء سلطتها المركزية. يصبو المجتمع الصناعي إلى تشكيل مجتمع متجانس، بوساطة الدولة المركزية وتعميم التعليم وتوحيده ونشر ثقافة عليا عالمة مُمَعيَرة Standardisée، لتصبح بوتقةً
تصهر هوية الفرد «المواطن» بولائه للدولة وليس للقبيلة. لم تجد الثقافة العليا صعوبة في فرض نفسها في السياق الجديد داخل المجتمعات المسلمة؛ لأنها كانت تمثل لغة القرآن في مجتمع مسلم تقبّلها من دون مقاومة، بل انخرط فيها لأنها كانت بالنسبة إليه
النموذج المثالي الديني، حتى الذين لم يكونوا يتحدثون العربية قبلوها باعتبارها لغة للدين، وليست لغة إثنية وقومية أجنبية. انصهر الجميع داخل القومية من منطلق خلفيات إسلامية. ويستنتج غلنر أن القومية، وهي تصنع الأمة، وجدت في الإسلام النصي والفقهي قاعدتها التي بنت عليه مشروعها. وأصبحت الثقافة العليا التي كانت محصورة في نخبة الفقهاء والعلماء، شعار «أمة». مكّن انتشار التعليم والكتابة من انتشار لغة موحّدة (العربية الفصحى) بين شرائح واسعة من المجتمع، ومن ثمّ
(((4 سبق لغلنر أن تناول عناصر هذه النظرية في مقال نُشر في عام 1969، قبل أن يعود إليها في كتابه مجتمع مسلم، ينظر:
Ernest Gellner, "Swing Pendulum Theory of Islam," in: Roland Robertson (ed.), Sociology of Religion: Selected Readings (London: Penguin, 1969). (44) Gellner, Nations et nationalisme , p. 114 (45) Ibid., p. 115 (46) Gellner, Muslim Society , p. 96. (47) Gellner, Nations et nationalisme , p. 115.
أصبح إمكان التواصل مع النص الديني متاحًا للجميع ومباشرًا، ولم تعد محصورة في فئة الفقهاء
كمحتكر وحيد للمعرفة الدينية والعلم الشرعي. ستصبح الثقافة العليا، التي كانت ما فوق سياسية وما فوق إثنية في المجتمع الزراعي مع الأمة، تُعبّر عن هوية سياسية محددة. وعُمّمت على مختلف
شرائح المجتمع على حساب الثقافة السفلى التي فقدت وظيفتها ودخلت في قطيعة مع الثقافة العليا التي أصبحت تنظر إليها بازدراء وتُقصيها، واصفة إيّاها بشتى النعوت القدحية. لا يتردد غلنر، في العديد من كتبه ومقالاته عن الإسلام، في تبني أطروحته بأن الإسلام هو أكثر قربًا
من بين الديانات التوحيدية إلى البروتستانتية، واعتبر أن الفقهاء في الإسلام هم المعادل للبروتستانتيين في المسيحية، في مقابل إسلام الأولياء والزوايا الطرقية الذي يعادل الكنيسة الكاثوليكية. فالأخلاق البروتستانتية يعادلها تديّن الفقهاء في الحواضر، بينما في أوروبا المسيحية، مثّلت النموذج البروتستانتي
فئاتٌ نشأت خارج المدينة. وكما عارضت الجماعات البروتستانتية الكنيسة الكاثوليكية، فإن الفقهاء حاربوا الطرق والوساطة مع الله. الإسلام مثل البروتستانتية، له قدرة دائمة على التحوّل والإصلاح،
«في الحقيقة يمكن تعريف الإسلام بأنه في إصلاح دائم permanente Réforme ». ومن بين آخر إصلاحاته ولادة القومية العربية المعاصرة؛ إذ يبدو لغلنر أن ظهور الأمة وانتصار الحركة الإصلاحية يشكلان صيرورة واحدة. هناك مواصفات أتاحت للإسلام أن يتأقلم مع العالم الحديث بنجاح أكثر من الديانات الأخرى. ومن أهم هذه المواصفات الإيمان القوي بالوحدانية Unitarisme في ظل اختلاف في تأويل التعاليم. الوحدانية ونبذ الوساطة الروحية هما سر نجاح الإسلام، «دين كان في ما سبق يتناول قواعد توزيع الجمال بين الورثة، أصبح دينًا يُحلّل أو يُحرّم، بحسب الحالات، تأميم الثروات النفطية». قدرة
الإسلام على الاحتواء والتأقلم مع حالات مختلفة، إلى حد التناقض، هي التي جعلته يواكب القومية وبناء الدولة الحديثة. ولا ينحصر التأقلم في ميدان العبادات والمعاملات فحسب، لأنه يمس أيضًا الجانب السياسي الأيديولوجي في تبرير أنظمة سياسية متناقضة في مرجعياتها وخلفياتها الأيديولوجية، «دين واحد وفريد، يستطيع أن يشرعن أنظمة تقليدية، كالعربية السعودية أو شمال النيجر، وأنظمة راديكالية من وجهة نظر اجتماعية، كليبيا واليمن الجنوبي والجزائر». إن الإسلام منتشر في بلدان ومجتمعات متنوّعة الثقافات، لكنّ هناك تجانسًا في أسس العقيدة،
على الرغم من غياب سلطة دينية وروحية (كالكنيسة) تسهر على انسجام العقيدة وتوحيدها. ويعيب غلنر على المستشرقين كونهم ذوي رؤية فوقية للإسلام؛ لأنهم ينطلقون من النص ويفترضون أن المجتمع المسلم هو تطبيق للكتاب وتعاليمه، وأن الحضارة الإسلامية متجانسة، غافلين عن تنوّع
هذه المجتمعات، لأنهم يدرسون الإسلام من خلال النصوص، أي إنهم ينظرون إليه من فوق، بينما
(48) Ibid., p. 118. (49) Ibid. (50) Ibid., p. 120. (51) Ibid.
الأنثروبولوجيون يرونه من الأسفل، من واقع المجتمع. لذلك بقي المستشرقون عاجزين عن إدراك التنوع والتأويلات المتعددة للقرآن في أنحاء العالم الإسلامي. وعلى الرغم من التنوّع، فإن ما لفت انتباه غلنر، واعتبره لغزًا مُحيّرًا، هو تشابه المجتمعات المسلمة؛
فعلى الرغم من عدم وجود كنيسة وسلطة دينية مركزية، مثلما هو الحال في المسيحية، تفرض هذا التجانس، فإن أنظمتها التقليدية، من وسط آسيا إلى شواطئ المحيط الأطلسي وأفريقيا، متشابهة. وهناك شعور أن علبة لعبة الورق واحدة، قد يتغير اللاعبون، لكن اللعبة هي نفسها. الإسلام دين يتخطّى التنوّعات الإثنية والفوارق الاجتماعية، محافظ على تجانسه في غياب سلطة دينية مركزية تسهر على الإيمان والأخلاق وتفرض هذا التجانس؛ ما يجعل الأمر مُحيّرًا، كما يقول غلنر. من خلال الصفحات السابقة، نلاحظ تركيز غلنر على الثقافة والكتابة في تأسيس القومية واهتمامه بالإسلام، هو اهتمام بثقافة مكتوبة، في مقابل ثقافة شعبية شفوية. ففي كتابه الأمم والقومية لم يهتم غلنر كما فعل آخرون بالإرادة أو العرق، بل ركّز على مسألة الثقافة بمعنى الثقافة العالمة المكتوبة. وكان يُمثّل هذه الثقافة العالمة، أو العليا، الإسلام، من وجهة نظر غلنر، وبما أن نمط الإسلام الذي بدأ يهيمن مع القرن العشرين كان الإسلام الإصلاحي السلفي مع العلماء والفقهاء، فإن الأمة والقومية في المجتمع المسلم صهرتهما الحركة السلفية. بعد مقارنة الإسلام الفقهي النصي الطهوري بالبروتستانتية، يطرح غلنر مسألة أخرى، مفادها أن الحركة الإصلاحية السلفية في الإسلام أدّت الدور نفسه الذي قامت به القوميات Nationalismes في أوروبا، بل يصعب التفريق في البلدان الإسلامية بين الحركتين: الإصلاحية، والقومية. ومردّ هذا التداخل هو السياق التاريخي التي ظهرت فيه الحركتان، والذي كان مرتهنًا بالحقبة الاستعمارية في القرن العشرين. ففي ظل الاستعمار الأجنبي للبلدان الإسلامية في النصف الأول من القرن العشرين، حضر الإسلام بقوة على الساحة السياسية، ليس من حيث هو دين فحسب، بل بصفته هوية وطنية Identity National في مواجهة المستعمر، كما اعتبر ذلك غلنر. في علاقته بالغرب، كان انطواء المجتمع المسلم على ماضيه ردة فعل، وذلك عبر التمسك بتقاليده والعودة إلى ماضيه. وأضفى على هذا الماضي هالةً من القُدسية والمثالية. كان الوضع القديم قائمًا على توازن القوى العسكرية والسياسية بين السلطة (الدولة) والقبائل، حيث افتقرت السلطة المركزية ببساطة إلى الوسائل اللازمة لفرض سلطتها في الصحراء وفي الجبال، وفي جزء كبير من البادية. وتُركت مهمة الحفاظ على النظام للقبائل والأولياء، لكن كل هذا تغيّر مع القرن
العشرين. وحسمت الوسائل العسكرية المُتاحة للدولة الاستعمارية وما بعد الاستعمار الأمر إلى توحيد فعّال والانتقال إلى مركزية سياسية ناجعة، ومن ثمّ تفككت الجماعات المحلية السابقة وضعف دور
(52) Gellner, Muslim Society , p. 99. (53) Ibid. (54) Ibid. (55) Ibid., p. 15.
الصلحاء، على الرغم من أنهم بقوا يتمتعون بامتيازات. ويُشبّههم غلنر بوضع الأرستقراطية الفرنسية
خلال المراحل الأخيرة من النظام القديم، «يتمتعون بامتيازاتهم، ولكن لم تعد لهم وظائف». لم يعد المجتمع في حاجة إلى وساطة الأولياء الدينية والسياسية. واكتسح دين الفقهاء والمصلحين (الإسلام العالي) المجتمع، حيث فقد الصلحاء وظيفتهم الدينية، وحتى من أراد أن يعود إلى النمط الشعبي، فإن ممارسته معرضة للانتقاد باعتبارها ممارسة شاذّة وغير مطابقة للدين الصحيح. ويلاحظ غلنر أن عمليات الإصلاح الدوري الديني التي عرفها الإسلام كانت دومًا تعرف رجوعًا إلى ما قبلها، وأصبحت
اليوم نهائية ولا رجعة فيها. ولم تعد هناك إمكانية للعودة إلى دين الصلحاء والوساطة وغيرها من التقاليد الدينية الشعبية، «كان هناك تحول هائل في كفة الميزان من الإسلام الشعبي إلى الإسلام العالي. وتأكلت القواعد الاجتماعية للإسلام الشعبي إلى حدٍ بعيد، في حين جرى تعزيز أسس الإسلام العالي إلى حد بعيد أيضًا. إن التحضر والمركزية السياسية والإدماج في سوق أوسع وهجرة اليد العاملة عوامل دفعت الأغلبية الساحقة من السكان إلى الإسلام «الصحيح» (الفقهي) و«الرسمي». حدثت صيرورة الانتقال من مجتمعات مغلقة ومستقرة ومنوّعة ثقافيًا إلى مجتمعات جماهيرية
معيارية Standardised ومتحركة، ويعيش فيها الفرد بهوية فردية وبصفة مجهولة (وليس جماعية) بين المسلمين، كما حدث في الغرب. لكن في الغرب، عبّرت المعيَرة الثقافية Standardisation Cultural
وأولوية الثقافة العليا عن نفسيهما قبل كل شيء كقومية، والتي تحظى فيها الثقافة العليا الجديدة بالتبجيل لذاتها، وليس باسم الإيمان أو الوحي الموثوق، المتسامي. إنها الفكرة نفسها التي تبنّاها غلنر في مقارنته بين المجتمع المسلم والمجتمع الروسي، بلورها من جديد في آخر كتبه عن نزوع المصلحين في الإسلام إلى أصولية مبالغة في التشبث بالنص القرآني على حساب ثقافة المجتمع، «إن الثقافة العليا الجديدة المعممة لا تسود باسم أصولها الشعبية، بل باسم صلاتها بإيمان يؤخذ بأقصى درجات الجدية، بل وحرفية. الأصول التي تهم تكمن في المتعالي وليس في الأسفل». بمعنى أن الثقافة العليا يمثلها الكتاب المقدس المجسّد لكلمة الله، وليس التقاليد الشعبية. ليس من الواضح، بالنسبة إلى غلنر، لماذا اتّخذت القومية في المجتمع المسلم شكل أصولية إسلامية، على خلاف مجتمعات تعتنق ديانات أخرى، «الإسلام فريد من نوعه بين الديانات العالمية». فريدٌ لأنه يتعارض، في نظر غلنر، بوضوح مع أطروحة العلمانية الواسعة الانتشار، التي تؤكد أن الهيمنة الاجتماعية والنفسية للدين تتناقص مع شروط المجتمع الصناعي. ظل غلنر منشغلً إلى آخر نص كتبه عن الإسلام ونُشر بعد وفاته، أي كتاب القومية Nationalism الذي يقر فيه بما يعتبره «انتصار الأصولية» في المجتمعات الإسلامية.
(56) Ibid., p. 14. (57) Ibid., p. 15. (58) Gellner, Nationalism , pp. 83–84. (59) Ibid., p. 84. (60) Ibid. (61) Ibid.
رابعًا: السلفية في ضوء التجربة المغربية
بعد عرض أفكار غلنر بشأن السلفية الإصلاحية إبان فترة الاستعمار وعلاقتها بظهور القومية بالمعنى المعاصر في العالم الإسلامي، أو ما يسميه «المجتمع المسلم»، نتناول الآن هذه الأفكار في ضوء التجربة المغاربية، وخصوصًا المغربية التي انطلق منها غلنر ميدانًا تجريبيًا في بلورة هذه الأفكار. لم
يبرز غلنر بأسلوب مقنع التحالف بين السلفية والحركة الوطنية في المغارب، وخصوصًا المغرب. ولعل مردّ عدم اهتمامه بهذا التحالف، وعدم رغبته في الحديث عن حركة وطنية قومية منفصلة عن الحركة السلفية، إلى أن الفصل بينهما يعني وجود حركة وطنية قومية، وهذا ما يتجنّبه غلنر؛ لأن الحركة السلفية الإصلاحية بالنسبة إليه هي نفسها البديل والمعادل للحركة القومية. وللرد على غلنر في هذا الموضوع، نحتاج إلى أن نُفصّل أكثر؛ لأن الحركة السلفية الإصلاحية كانت، ظاهريًا، هي محرك النضال السياسي ضد المستعمر، إذا انطلقنا من حالة المغرب مثلً، وفي الأدبيات السياسية، هناك فصل بين ما يسمى «الحركة الوطنية» وعمل الحركة السلفية ونشاطاتها. صحيح أن قادة التيار السلفي الإصلاحي كانوا في معظمهم نشيطين في الحركة الوطنية، وبعضهم من قادتها، مثل علال الفاسي، لكن الحركة الوطنية في المغرب، كمثيلاتها في الدول المغاربية، لم تكن مُشكّلة من تيار الفقهاء والمثقفين السلفيين فحسب، بل كان من بين زعمائها وناشطيها شخصيات لها ثقافة فرنسية وفكر وطني؛ إذ على الرغم من ثقافتهم الغربية، فإنهم انخرطوا ضدّ المستعمر الفرنسي في المغرب. كان قادة الاحتجاجات ضدّ ما سُمّي «الظهير البربري» في عام 1930، شخصيات من
مختلف الاتجاهات الفكرية والمرجعيات؛ ومن هؤلاء عبد اللطيف الصبيحي، وهو من بين الشبان الذين تلقوا تعليمهم في المدارس الفرنسية العصرية في المغرب والتحق بمدرسة اللغات الشرقية في باريس، وعاد ليعمل موظفًا في قسم الأبحاث والتشريعات والمستندات بإدارة الأمور الشريفة التابعة للحماية الفرنسية. وبحكم عمله هذا كان على علم بالتحضيرات الجارية لصدور الظهير البربري. وجمع الصبيحي حوله الشبان، مُحرّضًا إيّاهم على معارضة المشروع الفرنسي، وهي المعارضة التي
انطلقت من المسجد الأعظم في سلا، بقراءة اللطيف: «اللهم يا لطيف نسألك اللطف في ماجرت به المقادير، لا تفرق بيننا وبين إخواننا البربر»، في 20 حزيران/ يونيو 1930، قبل أن تمتد بعد ذلك إلى الرباط، ومن بعده مدينة فاس، وخرجت تدريجًا من المساجد كي تعمّ المظاهرات الشوارع، رافعة
شعارات تجاوزت قراءة اللطيف. ونذكر أيضًا محمد بن الحسن الوزان الذي تابع دراسته العليا في مدرسة اللغات الشرقية ومدرسة العلوم السياسية في باريس، وشغل منصب الكاتب العام لجمعية طلاب شمال أفريقيا، وكان مُقرّبًا من شكيب أرسلان الذي اشتغل معه في جنيف، وأحمد بلافريج
أيضًا الذي درس في مدرسة الأعيان في الرباط وثانوية كوور الفرنسية، وبعدها درس في جامعة السوربون، بباريس، وكان من مؤسسي جمعية طلاب شمال أفريقيا المسلمين. وكان هؤلاء الشبان
((6(نتبنى هنا «الحركة الوطنية» بدلً من «القومية»، لأن هذه الحركة كانت تسمي نفسها هكذا في أدبياتها. (((6 ما يعرف بالظهير البربري هو قانون أصدرته إدارة الاستعمار الفرنسي من أجل محافظة القبائل الأمازيغية على تطبيق أعرافها
القبلية، بدل من القانون المستمد من التشريع الإس مااي. اعتُبر مشروعًا تقسيميًا إثنيًا، يهدف إلى عزل جزء من ساكنة المغرب
المتمثلة في القبائل الأمازيغية عن بقية مكوّنات الشعب المغربي وتفريق العرب عن البربر، واستهداف الإسلام.
جميعهم من قادة المظاهرات التي كانت الشرارة الأولى لانطلاق الفعل الوطني ضد المستعمر. وتواصل نضالهم مع زملائهم من خريجي التعليم التقليدي ذوي التوجه السلفي. ففي عام 1934،
أسّست «لجنة العمل المغربي»، وأعدّت برنامج الإصلاحات الذي سُلّم إلى السلطات الفرنسية، ومن
بين موقّعيه شخصيات ذات تكوين عصري وثقافة فرنسية، فإضافة إلى محمد بن الحسن الوزان، وقّعه عمر بن عبد الجليل وهو مهندس زراعي، اعتنق أخوه المسيحية (جان بن عبد الجليل)، ومحمد الديوري الذي له ثقافة فرنسية، ومن ضمن هؤلاء أيضًا شخصيات ذات ثقافة عربية وتوجّه سلفي،
مثل علال الفاسي ومحمد المكي الناصر ومحمد غازي. وعلّق أحد رجال الإدارة الفرنسية على برنامج الإصلاحات المقدم منهم، «أنه عبارة عن مزيج بين اتجاهات ديمقراطية وأخرى دينية مستوحاة من السلفية والوهابية الجديدة ومن الإصلاحية الدينية والاجتماعية». وتكفي قراءة وثيقة برنامج الإصلاحات التي قدّمتها لجنة العمل الوطني، كي نلمس توجّهًا يصبو إلى بناء دولة حديثة، تحاكي
نموذج الدولة الفرنسية، وتتجاوز في مرجعيتها التديّن السلفي. وعلى الرغم من هيمنة التيار الديني السلفي التقليدي، فإنه لا يمكن أن نلغي الحضور الوازن لشخصيات ذات تكوين عصري إبان بروز الحركة الوطنية في المغرب وتواصل انخراط الشبان الذين كانوا يتابعون تكوينهم في المؤسسات التعليمية الفرنسية: ثانويتا مولاي إدريس في فاس ومولاي يوسف في الرباط. كان الشباب الحضريون، الذين قادوا الحركة الوطنية والمنحدرون من عائلات ميسورة من فاس والرباط وسلا، ينتمون إلى مرجعيات متعددة؛ وبعبارة المؤرخ دانييل ريفي، كانوا ممزقين بين السوربون والأزهر، وكانت صوت صفارات المعامل تعلو على أذان المساجد. في أربعينيات القرن العشرين وخمسينياته، تنوعت الروافد الأيديولوجية للحركة الوطنية بتأسيس الحزب الشيوعي وظهور تيار يساري من داخل حزب الاستقلال المحافظ، وبروز تنظيمات سرية ذات توجّهات مختلفة، مع التأكيد في حالة المغرب على فاعل رئيس كان يمثله السلطان محمد الخامس؛
إذ لا يمكن اختزال الحركة الوطنية باعتبارها حركة قومية في السلفية الإصلاحية. في هذا الموضوع، يقول عبد الله العروي: «إنه في الحقيقة إذا أخذنا المجتمع المغربي تحت الحماية في مجمله والحركة الوطنية على المدى البعيد، نلاحظ أنه يوجد على كل المستويات (الأيديولوجيا والتنظيم والتكتيك) حركتان وطنيتان: واحدة متّجهة نحو الماضي وداخل البلد؛ وأخرى منفتحة أو توفيقية، تلعب لعبة العقلانية الاستعمارية. الأولى كانت قوية في أوقات الأزمة، وكانت المحرك الحقيقي للاستقلال، والثانية كانت مهيمنة في مراحل الحوار، وكانت في آخر المطاف هي المستفيدة الحقيقية من الاستقلال». في لحظات قمع السلطات الاستعمارية وانسداد الأفق السياسي، اتجهت القومية نحو الماضي والمجتمع لتقوية التضامن والتماسك الاجتماعي ووحدة الشعب، ووظفت الخطاب
((6(جورج سبيلمان، المغرب: من الحماية إلى الاستقال (1912–1956)، ترجمة محمد المؤيد (الدار البيضاء: أمل، 2014)، ص.74
(65) Daniel Rivet, Histoire du Maroc: De Moulay Idrîs à Mohammed VI (Paris: Fayard, 2012), p. 315. (66) Abdallah Laroui, La crise des intellectuels arabes: Traditionalisme ou historicisme? (Paris: François Maspero, 1974), p. 51.
التقليدي والهوياتي، لكن ما إن بدأت المفاوضات واتضحت معالم أفق المستقبل، حتى برزت القومية ذات الخطاب الليبرالي. ويُلخّص هذا التحليل طبيعة الحركة القومية في المغرب التي ظلت تتأرجح بين تيار سلفي وتيار ليبرالي، وفي الأخير نجح التيار الليبرالي ذو التوجه الحداثي في قطف ثمار الاستقلال، من دون أن يتولّى زمام الأمور أو يدفع في اتجاه التحديث العميق للدولة المغربية التي ظلت تقليدية ومحافظة سياسيًا، وكانت في حاجة إلى هذا التيار التقليدي الممثل في الفقهاء من أجل
تبرير طابعها التقليداني، وتوظّفه كلما احتاجت إليه في تأكيد شرعيتها، أو من أجل كبح جماح التيار الحداثي في المجتمع إلى وقتنا الراهن. صمت غلنر عن ذكر الحركة الوطنية باعتبارها حركة قومية مستقلة عن الحركة السلفية. وهنا تُطرح أسئلة على صاحب كتاب الأمم والقومية: هل ظل غلنر رهين النموذج الأوروبي للقومية وسياق ولادتها وشروطها المختلفة عن حالة المجتمعات المسلمة، وحتى إذا سلّمنا بأن الحركة السلفية في المغرب كانت ممثلة للحركة القومية في توجّهها القومي الإسلامي (نموذج الأفغاني ومحمد عبده)،
فكيف نُفسّر صمته عن القومية العربية في بلاد الشام مثلً، التي لم تكن ذات توجّه سلفي، ولا حتى
إسلامي، لأن بعض منظريها وقادتها مسيحيون أولً، وثانيًا لأنها ظهرت في ردة فعل ضد المستعمر
الغربي والحكم العثماني المسلم في البلدان العربية أيضًا. إن موضوع غلنر الرئيس ظل هو الإسلام، منذ أطروحته عن الصلحاء حتى دراسته العلماء، كان الفاعل الديني (فقيه ولي أو مصلح سلفي) هو محور النظام الاجتماعي والسياسي. إذا كان اهتمامه قد انصبّ على الصلحاء ودورهم ووظيفتهم
في المجتمع المغربي قبل الاستعمار، فإن اهتمامه تحوّل مع دولة الاستقلال صوب العالِم والفقيه
والسلفي والأصولي (الإسلام العالي كما يُسمّيه) ودورهم ووظيفتهم في المجتمع المعاصر. ويُنصّب
غلنر دائمًا رجلَ الدين في قلب الأحداث، إذا كان الولي فقدَ المبادرة من حيث هو رجل دين في
مجتمع ما قبل الاستعمار، فإن الفقيه العالِم والسلفي أخذ المشعل كي يواصل التأثير الديني في باقي المجالات ويضفي على وظيفته وثقافته أهمية كبرى في المجتمع. وكأن المجتمع لا يمكنه أن ينتج مؤسسات خارج المرجعية الدينية الخالصة، وأن قدر المجتمعات «المسلمة» أن تبقى رهينة الخطاب الديني باعتباره محركًا وفاعلً، إن لم يكن الوحيد فهو الرئيس وما بقي يكون ثانويًا.
خامسًا: في نقد مفهوم الثقافة العليا
بالغ غلنر في نموذجه الذي أسسه على توافق الثقافة العليا، كما عرفتها المجتمعات المسلمة، مع الحداثة، وباعتبار أن الثقافة العليا التي كان يمثلها الفقهاء هي التي كانت وراء ظهور القومية، وبعدها الأمة، كي تصبح الثقافة الرسمية والموحدة لمختلف مكوّنات هذه الأمة. ومن وجهة نظرنا، الثقافة
العليا التي ستظهر منذ منتصف القرن العشرين في إطار الحركات الوطنية ليست، تحديدًا، هي الثقافة العليا التي كانت سائدة في الوسط الحضري وحملها الفقهاء، بل مزيج من الثقافة التقليدية الفقهية العالمة واجتهادات تراعي تطور المجتمع من مثقفين ينتمون في مرجعيتهم إلى الحقل الديني، لكن في
(67) Ibid., p. 52.
صيغة تطمح إلى الإصلاح ومواكبة العصر والتأسيس للنهضة المنشودة، وانتعش هذا التيار منذ أواخر القرن التاسع عشر، وامتد إلى المغرب ابتداء من الثلاثينيات. وحتى في صياغتها التقليدية المحافظة، تعود الثقافة العالمة إلى مرحلة البدايات في الجزيرة العربية، بحثًا عن نموذج في دولة المدينة والخلافة الإسلامية، بما يعرف بالرجوع إلى السلف الصالح، لتظهر في شكل سلفي لم يكن منتشرًا قبل ذلك في
المجتمع التقليدي، قبل الاستعمار. لقد عرفت الثقافة الشعبية والثقافة الفقهية تراجعًا منذ الاستعمار. ويعود سبب تراجع الثقافة الشعبية، بحسب العروي إلى «سببين: من جهة توظيفها من طرف الاستعمار، ومن جهة أخرى بسبب نبذها من طرف الوطنيين». ولم يكن حال ثقافة العلماء بأحسن منها؛ إذ يواصل العروي القول: «أما ثقافة الفقهاء، فبهتت وتهلهلت إثر تدفّق الإنتاج المشرقي». وكانت الثقافة العصرية مزيجًا من ثقافات مشرقية وغربية، أي ثقافة في الكثير من جوانبها مستعارة من الغير، كما يقول العروي، وهو ما يسميه «البؤس الثقافي». ولا يفوته الربط بين الثقافة والحركة الوطنية، لكن يعني ثقافة جديدة مختزلة في النشاط السياسي، «بين الفولكلور الممقوت والمؤلفات الفقهية المملّة، اختزلت الممارسة الثقافية في النشاط السياسي. وأصبحت الوطنية تمثل مظاهر الثقافة، شعورًا وسلوكًا وتعبيرًا. واستمر هذا الوضع إلى يومنا هذا». وجرى إعادة بناء الثقافة العليا وفق السياق السياسي
والاجتماعي والأيديولوجي للمرحلة الاستعمارية، وبعدها الدولة الوطنية التي بدورها ستؤدي نخبتها الحداثية، ذات التعليم العصري الغربي، دورًا مهمًا في صياغة ثقافة عليا، تكون أحيانًا في تعارض مع الثقافة العليا الكلاسيكية التي صاغتها نخبة الفقهاءالدينية، والتي انحصر دورها في مجالات جدّ محددة، مرتبطة عمومًا بالحقل الديني من فقه وتصوف أو مصنفات أدبية تنهل من معاجم القرون الوسطى. لم يكن من الممكن استلهام لغة الثقافة العليا بمعاييرها التقليدية التي أصبحت متجاوزة أمام التطورات التي عرفها المجتمع، وتحديدًا مع دخول التعليم العصري في المدارس. والثقافة العربية التي أضحت سائدة، هي ثقافة ذات لغة عربية مدرسية عصرية، وليست عربية فقهية، لم تعد تواكب العصر وانحسر تداولها كثيرًا، وأصبحت تُصنّف في باب التراث والتقليد، مثلها مثل حامليها الذين
أصبحوا حراس التقليد الديني وأخلاق السلف وقيمه، وانحدرت من ثقافة النخبة إلى ثقافة، حتى إن لم تكن شعبية، مُصنّفة في إطار التقليد. وينسى غلنر فكرة مهمة أوردها في كتابه مجتمع مسلم، حين قسّم الإسلام إلى تقليد كبير وتقليد شعبي، كيف أصبح التقليد الكبير تقليدًا شعبيًا في ظل
الحداثة. إن ما حدث هو بالضبط ما ورد في مقولة غلنر هذه، وهو أن الثقافة العالمة حتى وإن لم تكن مُصنّفةً في خانة «الثقافة الشعبية»، تتشارك معها في خانة «التراث»، يعني الماضي. وأضحت المصنفات الفقهية تراثًا ماضويًا أكثر منها معارف حديثة. فالمعارف الحديثة تنتجها المدارس العليا والجامعات والمعاهد العصرية.
(((6 عبد الله العروي، استبانة (الدار البيضاء: المركز الثقافي للكتاب، 2016)، ص.67 (((6 المرجع نفسه، ص.68
(70) Gellner, Muslim Society , p. 5.
تأرجحت أطروحة غلنر القائمة على التمييز بين تقليد كبير وتقليد صغير، بحسب توظيفها في كل سياق. من الواضح أنه أسقط مرجعية الدولة القومية في أوروبا على الدولة القومية في المجتمع المسلم. لكن حين نُتابع فكره حين يتعلق الأمر بالدولة القومية في المجتمع الصناعي، نرى أن هناك فرقًا في محتوى الثقافة العليا أو التقليد الكبير Tradition Great. ففي المجتمع الصناعي الغربي، أصبحت الثقافة العليا هي ما ينتجه النظام التعليمي النظامي بوساطة الكتابة وتعلّم التخصصات المهنية والتقنية المتمايزة، فهي أداة التواصل الإجرائية بالنسبة إلى كل المجتمع. ويحصل المواطنون على ثقافة عليا وتعليم ومعارف تقنية، ويتواصلون بسهولة لأنهم ينتمون إلى الثقافة نفسها، حتى وهم غرباء بعضهم عن بعض ولا يتعارفون. كل فرد ملزم بالتمكن من اللغة الرسمية وإلّ أصبح في درجة ثانية ويُحرَم
من حقوقه المشروعة من البيروقراطيين. ويتواصل الأخيرون مع الساكنة بوساطة ثقافة عالمة لُقّنت لعموم المواطنين عبر التعليم، قصد صهر جماعة متجانسة ذات ثقافة معيارية ودولة مركزية. وتدريجًا
يحرص الفرد على التعلم والدفاع عن ثقافته في مواجهة ثقافة جيرانه، ويصبح قوميًا. والثقافة العليا
التي يتحدث عنها غلنر في هذا الصدد هي ثقافة رسمية وبيروقراطية ومدرسية وعلمية وتقنية، وليست دينية فقهية سلفية. ويصرّ غلنر على حصر الثقافة العليا في زمن الدولة القومية في العالم الإسلامي في
الثقافة السلفية الإصلاحية، ويتغاضى عن الجانب المعاصر في الثقافة، كما تطرقنا إلى ذلك سابقًا. ويتداخل مفهوم الثقافة العليا مع مفعوم الأصولية لدى غلنر، حين يتناول ظهور القومية في المجتمعات الإسلامية؛ فجوهر القومية في الغرب يكمن في أن «الثقافة العليا المرتبطة بالقراءة والكتابة تُصبح الثقافة المنتشرة التي تحدّد العضوية في المجتمع كلّه». أما في الإسلام، فعلى النقيض من ذلك، تصبح الأصولية جوهر المجتمع الكلي، حيث يتم الحكم في الأنظمة من خلال «القواعد الدينية للقانون المقدس، بدلً من المبادئ العلمانية للمجتمع المدني». ظل غلنر ينظر إلى الثقافة العليا في المجتمع المسلم في وضع ستاتيكي وربطها بالفئة التي تحملها، أكثر من مضمون تلك الثقافة العليا في ظل التحولات السريعة التي عرفتها المجتمعات الإسلامية. فشخصية الفقيه والعالِم، في ثلاثينيات القرن الماضي بالمغرب، ليست هي شخصيته في ما قبل الحماية، وليست هي كذلك في عهد الاستقلال في مرجعياته الدينية الفرعية وتأويله وعلاقته بالسلطة القائمة وتفاعله مع مستجدات العصر. إن ما وصفه غلنر قد يتطابق مع مرحلة انتقالية من مجتمع زراعي إلى مجتمع الدولة المركزية المعاصر. كما أنه أحيانًا ينطلق من مُسلّمة، وكأن المجتمع الإسلامي مجتمع انتقل من مجتمع زراعي إلى مجتمع صناعي أصبحت تنطبق عليه معايير الحداثة، مثل المجتمع الغربي، بينما نحن في مجتمعات ما زالت في مراحل انتقالية، على الرغم مما قد يظهر من انخراطها في مسار الحداثة، وعلى الرغم مما قد يعتري هذا المسار من ردّات فعل نكوصية على مستوى العلاقة بالدين والحداثة والعلمنة.
(71) Gellner, "Le nationalisme en apesanteur". (72) Dale F. Eickelman, "From Here to Modernity: Ernest Gellner on Nationalism and Islamic Fundamentalism," in: John A. Hall (ed.), The State of the Nation: Ernest Gellner and the Theory of Nationalism (Cambridge: Cambridge University Press, 1998), p. 258.
ينطلق تحليل غلنر من مُسلّمة مفادها أن معظم الثقافات العليا التي انخرطت في عملية الانتقال إلى
القومية تخلّت عن دعم أنصار العقيدة القديمة، بينما كان للإسلام وجهان: وجه يتّجه إلى الفئات المتعلمة والفقهاء والحضريين؛ ووجه يتّجه إلى الجماعات القروية الزراعية والرعوية. ومع بناء القومية والأمة، لم تكن هناك قطيعة وفرق كبير ما دام الإسلام مرجعية الجميع. ولم يجد أيضًا الفقهاء أي تناقض في أن ينخرطوا في صيرورة القومية ما دامت تتبنى ثقافتهم ولا تتنكر للماضي، بل إن القومية وجدت غايتها في الثقافة العليا الفقهية الصارمة والوحدانية. على الرغم من تأكيد غلنر دور الثقافة العالمة في تكوين القومية في العالم، فإنه يمنحها في حالة المجتمع المسلم دورًا حاسمًا، لأنها لغة القرآن، فليست الثقافة في حد ذاتها هي التي حدّدت القومية، بل تكمن قيمتها باعتبارها وعاءً حاملً قيم الإسلام. قوّت الحركة القومية في أوروبا مبادئ العلمانية
على حساب الكنيسة، وبوّأت الثقافة الإثنية مكانة مهمة في قلب فكرة الأمة، عكس ماَ وقع في الإسلام؛
إذ أصبح الدين في قلب الأمة، وجرت محاربة الهويات المحلية والإثنية والفلكلور المحلي والثقافة الشعبية. ومنح غلنر الدين الإسلامي قوة كبرى وحاسمة في صنع القومية والأمة في البلدان الإسلامية. ويبدو هذا التعميم مبالغًا فيه؛ أولً لا يمكن الحسم أن المسيحية البروتستانتية والكاثوليكية، أو الأديان الأخرى، لم تؤدِّ دورًا كبيرًا في صنع الأمة والقوميات في بلدانها. فداخل أوروبا لم تكن كل القوميات
تعتنق الفكر العلماني، أو همّشت العامل الديني في تكوين هويتها. لأنه حتى عند الحديث عن الهوية الإثنية، فإن الكثير من خصوصيات الهويات الإثنية في أوروبا بُني على خصائص دينية (بولونيا، وأيرلندا، والبوسنة). لم تكن القوميات، وهي تناضل في سبيل الأمة، تهدف إلى تحييد المسيحية أو القفز عليها، بل كانت محددًا في هويتها. فأغلبية الدول الأوروبية في حوض البحر الأبيض المتوسط تدمج المكوّنَ المسيحي الكاثوليكي في هويتها القومية، على الرغم من الخطاب السياسي العلماني
وشعار فصل الدين عن الدولة. إن مصدر إيمان غلنر بحتمية العلمانية نابع من تحليله المجتمع الصناعي، فالمجتمع الذي ظهرت لً عميقًا من مجتمع زراعي إلى مجتمع صناعي فيه الأمة والقومية في أوروبا كان مجتمعًا يعيش تحو
مبني على مبادئ علمية عقلانية متحررة من الفكر الديني الكنسي الغيبي. وهو يدخل عصر الأمة والقومية، كان المجتمع الأوروبي يعيش تحولّات على مختلف الصعد نحو ترجيح كفّة العلم والعقل
على الدين، وفي حاجة إلى معرفة علمية عقلانية لتطوّره التقني والاقتصادي. لذلك كانت المعرفة التي
بدأت تُلقَّن وتُعمَّم معرفة عقلانية علمانية، وهو شرط من شروط المجتمع الصناعي وفكرة التقدم. وستصبح الثقافة العليا بالضرورة ثقافة علمية وعلمانية. إذا أخذنا نموذج المجتمع المسلم، فالسياق مختلف تمامًا. وظهرت الأمة والقومية في سياق الاستعمار، ولم تكن المجتمعات تعرف ثورة صناعية أو تحو لً عميقًا يجعلها تنتقل من مجتمع زراعي إلى مجتمع صناعي. كانت أممًا سائرة «في طريق
النمو»، تبنّى قادتها ونخبتها النموذج الغربي في التقدم، لكن لم تكن لهم الوسائل لتحقيق مجتمع صناعي بشروط معرفية عقلانية متحرّرة من الدين. فلا غرابة إذًا أن يتكيّف الدين مع السياق الجديد، أو
يتعايش معه في حالة مد وجزر.
لا يمكن الحسم بأن الشعور القومي المبني على الإسلام في البلدان الإسلامية نفى الهويات الثقافية والمشترك الإثني في المجتمعات الإسلامية. لو كان ذلك صحيحًا، لما كنّا وجدنا هذا العدد من الدول التي تتبنّى الإسلام ولم تستطع أن تحقق الوحدة. فحتى الدول التي تشترك في الإسلام والثقافة واللسان العربي لم تحقق وحدة، وحرصت كل واحدة منها على رسم حدودها والدخول في حروب من أجل هذه الحدود. وعلى الرغم من شعار «الأمة العربية» باعتبارها قومية إثنية أو «الأمة الإسلامية» باعتبارها أمة ثيولوجية، فإن الواقع يعكس انقسامات إلى «أمم»، على الرغم من المشترك الإثني–اللغوي والديني. يُعبّر مفهوما الثقافة العليا والإسلام الأعلى عن أنماط مختلفة في كتابات غلنر. فهو لا يُحدّد بدقة
ما يعنيه بهذين المفهومين. ويجري توظيفهما حين يتحدث عن العلماء والفقهاء والإسلام الطهراني والمثقفين الإصلاحيين والسلفيين والأصوليين والإسلاميين، فضلً عن أنه يُعمّمه أيضًا على الثقافة المعاصرة التي تُلقّن في المؤسسات المعاصرة. ولا نجد أي تحديد وتعريف إجرائي لتوظيف هذه المفاهيم بحسب السياقات؛ إذ لا يمكن أن نضع في الفئة نفسها جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وابن باديس وعلال الفاسي مثلً، وفي موقع واحد، مع فقهاء محافظين متزمّتين. ولا يمكن أيضًا الحديث عن سلفية ابن باديس وعلال الفاسي والسلفية الوهابية أو السلفية الجهادية التكفيرية من دون الفصل بينهم. ففكرة العودة إلى السلف الذي تشتق منه كلمة «السلفية»، تشمل أطيافًا من التيارات المتناقضة أحيانًا في توجهاتها الفكرية والسياسية.
سادسًا: أصولية أم أصوليات؟
تنطبق الملاحظة نفسها على مفهوم الأصولية، ويدافع غلنر عن فكرة مفادها أن خصوصيات المجتمع المسلم هي أن الأصولية مثّلت الخلفية والمرجعية الفكرية للقومية. ويضفي غلنر على الثقافة العليا التي تجددها الأصولية دورًا رئيسًا في مسار المجتمعات المسلمة المعاصرة؛ إذ لم تصنع القومية فحسب، بل والحداثة أيضًا. لكن عن أي أصولية يتحدث غلنر بالضبط؟ وفي أي بلد؟ وفي أي حقبة زمنية؟ الحركات الأصولية عبر العالم الإسلامي في إندونيسيا وباكستان وأفغانستان والسعودية ومصر والمغرب متمايزة، من دون الحديث عن الفرق بين السُنّة والشيعة في ما يتعلق بدور كل الفئات السابقة الذكر ومكانتها، فلكل مذهب أصوليته: هل هي أصولية المودودي أو محمد عبد الوهاب أو حركة طالبان مثلً؟ من دون الحديث عن الأصوليات السياسية العنيفة، مثل القاعدة وداعش والحركات المتطرفة التي بدأت تكتسح دول الساحل الأفريقي، التي يتداخل فيها الإثني مع الديني. حين أنجز غلنر دراساته، لم تكن كل هذه الحركات الأخيرة موجودة، ومنها ما ظهر في القرن الحادي والعشرين، لكن التنوّع في الاختلاف بين حركات تحمل شعار «السلفية» أو «الأصولية» أو «الحركات الإسلامية» كان موجودًا. وفي آخر كتاب نُشر له بعد وفاته القومية، حصر غلنر الثقافة والإسلام الأعلى والإسلام عمومًا في الأصولية في
(73) Gellner, Nationalism.
فصل من الكتاب عنوانه «الأصولية في الإسلام». ولم يتحدث عن الإسلام المعاصر كما تُمارسه فئات عريضة من المجتمع، الإسلام اليومي وتعابيره المعاصرة التي لا تُحدِث ضجيجًا، لكنها ممارسة من الأغلبية التي تأقلمت مع الحداثة وتعيش تديّنها بعيدًا عن المغالاة أو الأصولية، وعلى نحوٍ يتداخل في تأويل براغماتي وعملي وتوليفي بين شروط الحداثة اليومية والطقوس التعبّدية للدين. ويخال
قارئ غلنر من غير المطلعين على المجتمعات الإسلامية أن الشريعة مُطبّقة فيها، وأن الإسلام الأعلى
دين دولة يُطبّق بحذافيره بطريقة أصولية وحَرفِية وآلية. لا تتوافق تعميمات غلنر وواقع حال الإسلام
في أغلبية الدول على المستوى الرسمي والعام. ولا يمكن اختزال السياسات العمومية والمعاملات والسلوك في المجتمعات المسلمة في مرجعية إسلامية أو ثقافة عليا إسلامية. ولا يخضع المسلم في حياته اليومية لتقنين صارم تبعًا لتعاليم الكتاب والسنّة، ولا حتى بالضرورة مرجعيات دينية، وبالأحرى أصولية. تكوّنت قناعة لدى غلنر بهيمنة الأصولية في المجتمعات الإسلامية منذ ثورة الخميني (1979) وصعود الحركات الأصولية في معظم البلدان الإسلامية، وتزامنت فترة كتابته نصوصه الأخيرة مع نجاح حركات الإسلام السياسي في استقطاب فئات واسعة وشرائح مختلفة من المجتمع العربي. وفي البلدان التي سمح لهم بالترشّح للانتخابات، اكتسحوا صناديق الاقتراع، مثل الجزائر مع الجبهة الإسلامية للإنقاذ (حين كان غلنر حيًّا). وجعل المد الأصولي، من إندونيسيا إلى المغرب، غلنر يقتنع بأن الحداثة
بالمفهوم الغربي والعلمانية مستحيلة في هذه المجتمعات، ووحدها الأصولية الدينية ستبقى مهيمنة. في حين نجحت القومية في أوروبا في القطع مع الدين، لم يكن الأمر سهلً، بحسب غلنر، في حالة المجتمعات المسلمة، وخصوصًا الفصل بين الأصولية والقومية العربية في بداية شيوع الفكر القومي. والآن، أصبح من الواضح أن الأصولية الإسلامية أقوى بكثير من القومية. ويُقرّ غلنر بأنه لا يعرف لماذا
الارتباط بين ثقافة عليا، كونية وفردانية، والعقيدة التي ألهمتها، صمدت في العالم الإسلامي واختفت في أوروبا. الجواب الوحيد الذي وجده أنه «ربما يتعلق الأمر بحادثة تاريخية Historique Accident. إن تشخيصي للحركتين متشابه، ولكن لن أستطيع تفسير لماذا اتخذت شكلين مختلفين في مجتمعاتهما». وفي كتابه ما بعد الحداثة والعقل والدين، يُعيد غلنر التأكيد على أن الأصولية الدينية قوية في المجتمعات المسلمة؛ لأن العلاقة بين الثقافة العليا التي كانت ثقافة أقلية أصبحت ثقافة مُهيمنة وثقافة المجتمع بأجمعه، ليستخلص في الأخير أن الأصولية الدينية تؤدي دور القومية في مناطق أخرى، وهي الفكرة التي كان قد طرحها في كتاباته السابقة، كما رأينا، وظل يتبنّاها في كل كتبه. عاد غلنر إلى طرح السؤال نفسه في محاضرة ألقاها (تشرين الأول/ أكتوبر 1995)، أي شهرين قبل وفاته، وكان موضوعها الإسلام، «الدين كثقافة وضد الثقافة» التي نُشرت ترجمتها الفرنسية بعنوان «الدين والمُدنّس: الإسلام والقومية والماركسية في القرن العشرين». ويبدي الأنثروبولوجي الذي اشتغل
(74) Ernest Gellner, "La religion et le profane: Islam, nationalisme et marxisme au XXe siècle," Commentaire , vol. 22, no. 85 (1999), p. 111. (75) Gellner, Postmodernism. (76) Gellner, "La religion et le profane," pp. 106–112
على موضوع الإسلام أزيَد من أربعين عامًا دهشتَه أمام نجاح الإسلام في الحفاظ على مكانته وتقويتها.
ويتّفق معظم المتخصصين في العلوم الاجتماعية، بحسب غلنر، على أن العلمنة في المجتمعات
الحديثة والصناعية تُضعِف هيمنة الدين على المجتمع، وعلى القلوب، وتُقدّمه بصفته نظامًا في طريقه
إلى التفكك. هذه الملاحظة صحيحة، لكن ليس بالنسبة إلى الإسلام؛ لأنه في القرن الأخير لم يحافظ الإسلام على هيمنته على المجتمع والإنسان، ولم يتراجع تأثيره، بل العكس ازدادت هذه الهيمنة. ومصدر هذه الهيمنة أن الإسلام يملك رؤية عامة تَعِد بعدالة على الأرض. ويعزو غلنر هذا النجاح المحير للإسلام ومقاومته إلى العلمنة؛ كونه يضم ثقافة عليا وثقافة دنيا، إسلامًا عاليًا وإسلامًا شعبيًا،
ويتعايش الاثنان بطريقة مضطربة؛ إذ يكون أحيانًا تعايشًا سلميًا، ويدخلان أحيانًا أخرى في مواجهة.
خاتمة
انطلق غلنر في مفهوم الأمة والقومية من تجربة أوروبا وجعلها مرجعية في تشكّل الأمم والقومية والدولة، ونمطًا مثاليًا. وتعتبر كل الصيرورات الأخرى لتشكل الأمم شاذةً عن النموذج الذي ينظر إليها
بصفتها حالة استثنائية. وحتى إن لم نُصنّف غلنر في عداد التطورية، فإن مقاربته في كتاب الأمموالقومية تتبنى فكرة تطورية بتصنيفه تطور المجتمعات الإنسانية: ما قبل الزراعية والزراعية والصناعية. والفكرة نفسها تبنّاها في كتاب المحراث والسيف والكتاب، وهو دراسة يتبنى فيها مقاربة سوسيولوجية– تاريخية لتطور الإنسانية، أو ما يسميه بنية تاريخ الإنسانية، قسّم فيه أيضًا تطور الإنسانية إلى ثلاث
مراحل: مجتمع القنص، والمجتمع الزراعي، والمجتمع الصناعي. ولا يوجد أي قانون، كما يقول غلنر، يفرض أن يمر كل مجتمع عبر المراحل الثلاث، ولا توجد خطاطة إجبارية للتطور كما وضعه التطوريون في القرن التاسع عشر. ويمكن بعض المجتمعات أن يبقى متوقفًا في مرحلة من المراحل، ولا يمر إلى المرحلة التالية. وعلى الرغم من ابتعاده مسافة عن النظرية التطورية التي ازدهرت في القرن التاسع عشر، وعلى الرغم من حذره من تعميم مسار أحادي للتاريخ، فإننا لا نلمس في هذا التقسيم قراءة مادية تربط التطور بأدوات الإنتاج. وحتى وهو يحذّر من تناول المجتمعات الإنسانية من منطلق هذه المراحل الثلاث، فإنه في كتابه الأمم والقومية، يطبق نظريته على جلّ المجتمعات، بما فيها المجتمعات المسلمة التي يُحلّلها وفق المنظور نفسه الذي حلّل به المجتمع الغربي في الانتقال من
المجتمع الزراعي إلى المجتمع الصناعي، ومفهومي الثقافة العليا والثقافة السفلى. تميزت المجتمعات الإنسانية بتنوع كبير ومسارات مختلفة جعل من هكذا تعميمات إسقاطًا لتاريخ أوروبا على العالم. ونتساءل: كيف لمفكر مثل غلنر بقي في مستوى هذا التبسيط في نظرته إلى المجتمعات الإنسانية، حتى لا نقول إنه انطلق من مركزية غربية واعية تريد إسقاط تاريخ أوروبا على باقي المجتمعات الإنسانية، ولكنه طبق براديغمًا واحدًا، انطلق منه لتعميمه على باقي المجتمعات؟
(77) Ibid., p. 107. (78) Ernest Gellner, Plough, Sword and Book: The Structure of Human History (Chicago: University of Chicago Press,
(79) Ibid., p. 16.
لا يمكن إسقاط نموذج أوروبا على الأمة في الصين أو اليابان أو الهند أو المكسيك، وبطبيعة الحال على المجتمعات المسلمة. وحاليًا مع اكتساح العولمة، قد يبدو الأمر بدهيًا أن نفكر من داخل منظومة
فكرية واحدة، لكن السياقات التاريخية للمجتمعات تختلف عن سياقات بناء الثقافة والعلاقة بالدين وبناء الدولة والأمة، ولا يمكن فصلها عن هذه السياقات. فتاريخ الأنثروبولوجيا هو تاريخ نماذج وبراديغمات وأنماط مثالية استنبطت من دراسة مجهرية. لكن حتى في هذه الحالة، فإن النموذج كان يجب أن يحترم شروطًا كي يُعمّم، لا يوجد نموذج صافٍ في المطلق. ولا يُخفي غلنر انجذابه إلى النماذج الصافية، فهي التي تُمكّنه من الشعور بالرضا، كما يقول: «في الحقيقية، إنني أحب النماذج الأنيقة والصافية Models Crisp , Neat إلى حد كبير، وأحاول اتّباعها، وسأكون غير مرتاح جدًا إذا لم يكن لدي نموذج. أشعر بالرضا إذا كانت هناك بنية أنيقة وجميلة، وإذا لم تكن هناك بنية، فأنا أشعر بالذنب»، و«أي نموذج واضح أفضل من لا شيء». نقول إن الحاجة المنهجية إلى النموذج النظري وتعميمه، لا تحصن صاحبها ضدّ النقد. الشروط التي وضعها غلنر لم تكن تتوافر في كل المجتمعات التي عمّم عليها بعد ذلك نموذجه التحليلي. تعدّد ثقافة المجتمعات وسياقاتها التاريخية وخصوصيتها يجعل من الصعب الحديث عن الإسلام في صيغة المفرد. ولا يمكن الحديث عن «إسلام» أو «مجتمع مسلم» واحد من المحيط الأطلسي إلى شرق آسيا، حتى لا نسقط في نظرة «جوهرانية» للإسلام. وهذا بالفعل ما سقط فيه غلنر. ويحمل استعمال مفهوم «مجتمع مسلم» نظرةً جوهرانية إلى الإسلام؛ إذ من النادر مثلً أن نجد أنثروبولوجيًا يضع عنوانًا
من قبيل «المجتمع المسيحي»، لأن الباحث درس مجتمعًا محليًا يعتنق أفراده الدين المسيحي. وتزداد
المفارقة حين يتم تعميم تلك الدراسة على كل المجتمعات التي تعتنق المسيحية من أوروبا وآسيا وأميركا وأفريقيا. ونتفق مع الانتقادات التي وجّهها طلال الأسد إلى غلنر في مقالته «فكرة أنثروبولوجيا
الإسلام»، التي تناول فيها الخطاب الأنثروبولوجي المعاصر بشأن الإسلام، حيث طرح الأسد سؤالً حول معنى أنثروبولوجيا الإسلام الذي تزايد في منشورات الأنثربولوجيين الغربيين، ومدلولات كلمة إسلام ومسلم في تلك المنشورات، وما المقصود بأنثروبولوجيا الإسلام وما موضوعها، موضحًا أنه من
الصعب أن نجعل من الإسلام مفهوميًا موضوعًا لدراسة. لا نستغرب كثيرًا هذه المقاربة الجوهرانية من غلنر لأنه ينتمي إلى المدرسة الدوركهايمية الكليانية
Holiste التي تنحو إلى جوهرانية الثقافة في المجتمع. إسقاط غلنر مفهوم الثقافة العليا ودورها في بروز القومية والأمة في أوروبا على المجتمع المسلم من جهة، واختزاله الثقافة العليا في الثقافة العالمة التي تمثلها فئة الفقهاء والمثقفين الأصوليين السلفيين في القرن العشرين من جهة أخرى، جعلا تحليله للقومية والأمة والدولة في دول المغارب تكتنفه تناقضات، ولا يصمد أمام محك التجربة التاريخية لهذه البلدان وواقعها.
(80) John Davis, "An Interview with Ernest Gellner," Current Anthropology , vol. 32, no. 1 (1991), p. 83. (81) Talal Asad, "The Idea of an Anthropology of Islam," Qui Parle , vol. 17, no. 2 (2009), pp. 1–30. (82) Ibid., pp. 1–2.
في الأخير، لا يمكننا إلّ أن نشيد بالمجهود الفكري لهذا المفكر الذي يبقى عمله، على الرغم من كل الانتقادات، مساهمةً تحتاج إلى مزيد من القراءة والتعريف في الوسط العلمي في المجتمعات الإسلامية.
References
المراجع
العربية
سبيلمان، جورج. المغرب: من الحماية إلى الاستقال (1912–1956). ترجمة محمد المؤيد. الدار البيضاء: أمل،.2014 العروي، عبد الله. استبانة. الدار البيضاء: المركز الثقافي للكتاب،.2016 غلنر، إرنست. مجتمع مسلم. ترجمة أبو بكر أحمد باقادر. بيروت: دار المدار الإسلامي،.2005
الأجنبية
Asad, Talal. "The Idea of an Anthropology of Islam." Qui Parle. vol. 17, no. 2 (2009). Davis, John. "An Interview with Ernest Gellner." Current Anthropology. vol. 32, no. 1
Gellner, Ernest. "Sanctity, Puritanism, Secularisation and Nationalism in North Africa: A Case Study." Archives de Sociologie des Religions. no. 15 (1963). ________. Saints of the Atlas. London: Weidenfeld & Nicolson, 1969. ________. "The Unknown Apollo of Biskra: The Social Base of Algerian Puritanism." Government and Opposition. vol. 9, no. 3 (1974). ________. "Cohesion and Identity: The Maghreb from Ibn Khaldun to Emile Durkheim." Government and Opposition. vol. 10, no. 2 (1975). ________. "Trousers in Tunisia." Middle Eastern Studies. vol. 14, no. 1 (1979). ________. Muslim Society. Cambridge: Cambridge University Press, 1981. ________. Plough, Sword and Book: The Structure of Human History. Chicago: University of Chicago Press, 1989. ________. Nations et nationalisme. Benedicte Pineau (trad.). Paris: Payot, 1989. ________. "Le nationalisme en apesanteur." Terrain. vol. 17 (1991). ________. "Studies on North Africa: Introduction to a New Series." Government and Opposition. vol. 26, no. 3 (1991). ________. Postmodernism: Reason and Religion. London: Routledge, 1992. ________. Encounters with Nationalism. London: Blackwell, 1994. ________. Conditions of Liberty: Civil Society and its Rivals. London: Penguin Press,
________. Nationalism. London: Weidenfeld & Nicholson, 1997. ________. "La religion et le profane: Islam, nationalisme et marxisme au XXe siècle." Commentaire. vol. 22, no. 85 (1999). Hall, John A. (ed.). The State of the Nation: Ernest Gellner and the Theory of Nationalism. Cambridge: Cambridge University Press, 1998. Kuhn, Thomas. La structure des révolutions scientifiques. Paris: Flammarion, 1972. Laroui, Abdallah. La crise des intellectuels arabes: Traditionalisme ou historicisme? Paris: François Maspero, 1974. Malesevic, Sinisa & Mark Haugaard (eds.). Gellner and Contemporary Social Thought. Cambridge: Cambridge University Press, 2007. Rivet, Daniel. Histoire du Maroc: De Moulay Idrîs à Mohammed VI. Paris: Fayard,
Robertson, Roland (ed.). Sociology of Religion: Selected Readings. London: Penguin,