العودة إلى تفاصيل المؤلَّف المقاولات العائلية السوسية بالمغرب: نمط القيادة ورهان الاستمرارية

المقاولات العائلية السوسية بالمغرب: نمط القيادة ورهان الاستمرارية

Soussi Family Entrepreneurship in Morocco Leadership Style and Challenge of Continuity

* Fatima Zahra Bouzlou | فاطمة الزهراء بوزلو

الملخّص

توجد في منطقة سوس، وسط المغرب، مجموعة من المقاولات الاقتصادية العائلية، قادها مؤسسوها بمزيج من المعايير الذاتية والثقافية والعقلانية الرأسمالية، لتبلغ درجةً من التأسيسِ والتنظيم، مكَّنتها من أن تبني لنفسها مكانةً مرموقةً داخل نسيج الاقتصاد الوطني المغربي. غير أن هذه المقاولات تواجه دومًا مشكلة حادة؛ هي احتمال التفكك والفشل في الانتقال من المقاولة العائلية الخالصة إلى المؤسسة الإنتاجية المنظمة بيروقراطيًا. السؤال الأساس الذي قادنا في هذه الدراسة، وتطلّب منا استدعاء نظرية القيادة ومفاهيمها وأسئلتها، هو الخصائص السوسيولوجية للقيادة في هذه المقاولات والتحديات التي تواجهها في الانتقال من القيادة العائلية إلى القيادة المؤسساتية؛ أي من رئيس العائلة المؤسس إلى القائد مدير المؤسسة، وانعكاسات ذلك على ثقافة القيادة في المجال الاقتصادي المغربي وممارساتها وآفاقها.

Abstract

Abstract: In the Sous region of central Morocco, a group of family–led businesses have established a prominent position within the fabric of the national economy. However, these enterprises suffer from the acute problem of possible disintegration and failure as they transition from purely family–led into a bureaucratically organized productive enterprise. The main question that guided this research, and leaned on leadership theory, involves the sociological characteristics of leadership in these enterprises and the challenges they face in moving from family to institutional leadership, that is, from the founding family leader to the director of the institution, and the implications for leadership culture, practices and prospects in the Moroccan economic sphere.

الكلمات المفتاحية:
  • القيادة
  • سوس
  • المغرب
  • المقاولات العائلية
  • البيروقراطية
Keywords:
  • Leadership
  • Sous
  • Morocco
  • Family Businesses
  • Bureaucracy

ملخص: توجد في منطقة سوس، وسط المغرب، مجموعة من المقاولات الاقتصادية العائلية،

قادها مؤسسوها بمزيج من المعايير الذاتية والثقافية والعقلانية الرأسمالية، لتبلغ درجةً من التأسيسِ

والتنظيم، مكَّنتها من أن تبني لنفسها مكانةً مرموقةً داخل نسيج الاقتصاد الوطني المغربي. غير أن هذه المقاولات تواجه دومًا مشكلة حادة؛ هي احتمال التفكك والفشل في الانتقال من المقاولة

العائلية الخالصة إلى المؤسسة الإنتاجية المنظمة بيروقراطيًا. السؤال الأساس الذي قادنا في هذه

الدراسة، وتطلّب منا استدعاء نظرية القيادة ومفاهيمها وأسئلتها، هو الخصائص السوسيولوجية للقيادة في هذه المقاولات والتحديات التي تواجهها في الانتقال من القيادة العائلية إلى القيادة المؤسساتية؛ أي من رئيس العائلة المؤسس إلى القائد مدير المؤسسة، وانعكاسات ذلك على ثقافة القيادة في المجال الاقتصادي المغربي وممارساتها وآفاقها.

Abstract: In the Sous region of central Morocco, a group of family–led businesses have established a prominent position within the fabric of the national economy. However, these enterprises suffer from the acute problem of possible disintegration and failure as they transition from purely family–led into a bureaucratically organized productive enterprise. The main question that guided this research, and leaned on leadership theory, involves the sociological characteristics of leadership in these enterprises and the challenges they face in moving from family to institutional leadership, that is, from the founding family leader to the director of the institution, and the implications for leadership culture, practices and prospects in the Moroccan economic sphere.

الإنسانية، ابن طفيل– القنيطرة المغرب.

PhD Researcher at the Philosophy, Humanities and Social Sciences Laboratory, specialised in sociology, Faculty of Arts and Humanities, Ibn Tufail – Kenitra, Morocco.

والأنثروبولوجيا.

This research is adapted from the graduate thesis submitted by the researcher at the Doha Institute for Graduate Studies for a master’s degree in sociology and anthropology.

تمهيد

هل أنتِ متأكدة من أنكِ سوسية؟ كان يُطرح عليّ هذا السؤال دائمًا منذ صغري، فعدم إتقاني

الحسابات والمعاملات المالية البسيطة، وعدم حُسن تدبيري في صرف المصروف الشهري، كانا يَضعانني موضع شك في أصالة انتمائي إلى منطقة سوس؛ ذلك أن السوسيين في المتخيل الشعبي المغربي هم «أصحاب تجارة وتكديس أموال». وفي الواقع، يكتسي هذا التنميط مرجعيته من كون قسمٍ كبيرٍ من المراكز التجارية والمحلات الاقتصادية في مختلف مناطق المغرب يمتلكها أشخاص ينحدرون من منطقة سوس. يقول جون واتربوري في هذا الصدد: «لا تنتمي جماعة التجار الذين ينحدر أصلهم من وادي سوس إلى الفئات المحظوظة، ولا تتميز بثروتها أو بسُمعتها الثقافية أو بمكانتها داخل الإدارة، غير أنها استطاعت على الرغم من ذلك أن تقتحم الطبقة القيادية على المستوى الاقتصادي. من جبال الأطلس إذن انطلقوا وبإمكانات تجارية بسيطة بدأوا، حتى أصبحوا في ما بعد متحكمين في الحركة الاقتصادية الوطنية». على هذا الأساس اخترتُ في هذه الدراسة الاشتغالَ بموضوع المقاولات العائلية السوسية، ليس لتفنيد الصورة النمطية التي يحملها المغاربة عن أهل سوس، أو لتأكيدها، وإنما من أجل دراسة ما يميز القيادة وتحدياتها داخل المقاولات الاقتصادية العائلية في سوس. والمدخل الذي اعتمدته في هذه الدراسة هو مفهوم «القيادة»، على اعتبار أن الهيكل التنظيمي للمقاولات العائلية هو في الحقيقة انعكاسٌ لقيم القيادة، سواء في إدارة العلاقات الشخصية والحفاظ عليها، أو في تنظيم المؤسسة. ويمكن تشبيه شكل هذا التنظيم ببيت «العنكبوت» Araignée من حيث تشعب وتداخل المستويات المهنية داخل المقاولة، وشبكة الاتصالات الداخلية؛ ما يسمح للقائد، باعتباره المركز، بالحفاظ على علاقات مباشرة مع جميع الأعضاء مهما كان مستواهم الهرمي، وكأنه يمثل سلطة الأب داخل الأسرة. وبناء عليه، فالتنظيم الهيكلي للمقاولة العائلية يتقاطع فيه نظامان رئيسان هما «المقاولة» و«العائلة». وهذا يعني تداخل «القيم العائلية» مع «البيروقراطية» و«السلطة الأبوية» مع «السلطة الكاريزمية»، وهو ما يحيل على مسألة شرعية القيادة؛ أي فرض اتباع القائد. تنطلق هذه الدراسة، إذًا، من قناعةٍ أساسية مفادها أن المقاولة قبل أن تكون وحدةً اقتصادية، هي كيانٌ اجتماعي تحكمه مجموعة من المتغيرات المتداخلة والمركبة. بهذا المعنى تكون المقاولة العائلية بنية

(((يزخر المتخيل الشعبي المغربي بالعديد من النكت الساخرة والصور النمطية حول الرجل السوسي، الذي عادة ما تلخصه في

كونه رجلً ذا إمكانيات مادية محدودة، يسعى وراء تكديس الأموال والتقشف. من بين هذه النكت نكتةٌ كلاسيكية تطرق إليها جون واتربوري، تحكي أنّ «أخوين من سوس يشتغلان في دكان واحد ويستعملان نفس الحذاء بالتناوب، وكذلك في ما يتعلق بالصحن

والفِراش، وذلك كله من أجل توفير المصاريف». يُنظر: جون واتربوري، أمير المؤمنين: الملكية والنخبة السياسية المغربية، ترجمة

عبد الغني أبو العزم وعبد الأحد السبتي وعبد اللطيف الفلق (الرباط: مؤسسة الغني للنشر، 2004)، ص 122. هذا الطرح يزكيه كذلك إدوارد وسترمارك في قوله: «يسعى الفاسيون والسوسيون إلى ربح المال من دون انقطاع، إنهم لا ينامون بسبب ذلك»، يُنظر:

Edward Westermarck, Wit and Wisdom in Morocco: A Study in Native Proverb (London: George Routledge and Sons, 1930), p. 176.

(((واتربوري، ص.190

مشكلة من مسلمات ابتكرتها وصاغتها مجموعة من الأفراد لتحقيق الاندماج الداخلي والتكيف مع المشاكل الخارجية. ومن ثم، فإننا نروم التركيز على الشخصية القيادية، باعتبارها الشخصية المؤسِّسة والمسيرة للمقاولات العائلية، وفهم الكيفية التي يتم من خلالها تدبير الأزمات والمشاكل بين أفراد أغلبهم من عائلة واحدة، وكيفية تمرير القيادة عبر الأجيال. بمعنى آخر، لن نركز هنا على تصنيف العائلات والأسر السوسية (ممتدة – نووية)، ولن نتعامل معها بمنطق تطوري أو وظيفي، وإنما سنركز على ذلك التداخل القائم بين العائلة والمقاولة والقيادة، أي بين «القيادة الأبوية» و«القيادة البيروقراطية».

أولا: أدبيات القيادة ونظرياتها وأسئلتها

يُعد موضوع القيادة عمومًا، والقيادة في المقاولات العائلية خصوصًا، موضوعًا جديدًا في الدراسات السوسيولوجية المغربية. فعلى الرغم من البيبليوغرافيا الطويلة التي اهتمت بموضوع الأسرة في المغرب، فإن أغلب هذه المساهمات البحثية ركزت بالأساس على الجانب الوظيفي للأسرة، المتمثل في اعتبار الأسرة (خاصة القروية) من أهم الوحدات الأساسية في البناء المجتمعي الذي يُكسب الفرد القيمَ والمعاييرَ الثقافية السائدة في المجتمع. أما الجمع بين الأسرة والاقتصاد، فإنّ هذا الموضوع اشتغل به الاقتصاديون خصوصًا من زاوية اقتصادية، معتبرين المقاولة العائلية مؤسسةً برجوازية اقتصادية صغيرة ومتوسطة، تعمل على إعادة إنتاج قوة العمل. أما الدراسات التي تناولت القيادة داخل هذه المقاولة، حيث يتم الجمع بين مفهوم القيادة والعائلة والمقاولة في آن واحد، فهي قليلة جدًا، بل يمكن أن نقول إنها منعدمة تمامًا في السياق المغربي. غيرَ أنه على مستوى الأدبيات العالمية في هذا المجال احتل موضوع القيادة داخل حقل النظرية السوسيولوجية مكانةً لا بأس بها، إذ يمكن القول إن هناك اتجاهات متباينة تناولت الظاهرة؛ فمنها ما ربط بين القيادة والتغير الاجتماعي، ومنها ما ربطها بالحراك الاجتماعي، وفريقٌ آخر تناولها من زاوية الضبط الاجتماعي في المجتمعات المحلية. وقد ظهرت نتيجةً لهذه الاهتمامات المتفرقة مجموعة لا حصر لها من المصطلحات والمفاهيم مثل: الأتباع، القيادة، الثقة، السلطة، الكاريزما، القوة، السيطرة، الهيبة، الضبط، الإدارة، وغيرها من المفاهيم التي ترتبط بظاهرة القيادة. ويمكن أن نُجمل ذلك في أربعة اتجاهات أساسية، هي: اتجاه السمات، والمدخل السلوكي في القيادة، والمدخل الموقفي في القيادة، والمدخل التفاعلي المفسر للقيادة. وتتضمن هذه الاتجاهات النظرية في مجال القيادة العديدَ من النظريات التي سنحاول التطرق إلى بعضٍ منها باقتضاب.

(((أغلب المساهمات العلمية التي تناولت الأسرة المغربية ركزت على الأسرة القروية في علاقتها بالتحولات المجتمعية. ينظر: المختار الهراس، «بروز الفرد داخل العائلة في أنجرة: الهوية الاقتصادية وصراعات الجنس والأجيال»، دكتوراه الدولة في علم

الاجتماع، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الخامس، الرباط، 2000–1999؛ محمد سبي، اا في تحولات المجتمع

المغربي (الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 2007)؛ عبد  الرحيم عنبي، الأسرة القروية بالمغرب: من الوحدة الإنتاجية... إلى

الاستهاك: دراسة ميدانية لاتجاهات التغير الأسري بالوسط القروي المغربي (أكادير: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية– جامعة ابن زهر،.)2014

1. اتجاهات نظرية في القيادة

الاتجاه الأول هو «اتجاه السمات» الذي ظهر في مجال علم النفس الاجتماعي، ويُرجع هذا الاتجاه نشأةَ القيادة وظهورها إلى شخصية القائد وسماته وخصائصه الجسمية والعقلية والنفسية. ويَميل أنصار هذا الاتجاه إلى اعتبار القيادة سمة تميز القادة على اختلاف مواقفهم وثقافاتهم. فالقادة بحسب هذا الاتجاه يتميزون غالبًا بالنشاط والاستبصار والذكاء وقوة الإقناع. ومن أهم نظريات «اتجاه السمات»

نجد «نظرية الرجل العظيم»، وتقوم هذه النظرية على اعتبار القيادة موروثة، وأن القادة يولدون وهم وُهِبوا القيادة. وكذلك نظرية «سمات القائد» التي ظهرت نتيجة الجدل حول نظرية «الرجل العظيم» وتأثير المدرسة السلوكية لعلم النفس، والتي أكدت أهمية التجربة والتعلم، ومن ثمّ ظهرت نظرية «سمات القائد» ونادت بإمكانية اكتساب السمات القيادية عن طريق التعلم والتجربة. ويعدّ رالف ستوجدل Stogdill Ralph من أهم رواد هذا الاتجاه، إذ سعى للتعرف إلى مميزات القادة وسماتهم في المدارس والسجون والكنائس، فتوصّل إلى أن سمات القيادة التي شاعت دراستها تنحصر في السمات الجسمانية كالطول والمظهر وبنية الجسم، وفي السمات الاجتماعية كالمبادرة والسيطرة وقوة التأثير. وتعرّض هذا الاتجاه لمجموعة من الانتقادات، على اعتبار أن القدرات والسمات الشخصية قد

تختلف من قائدٍ إلى آخر بحسب اختلاف الثقافة، بل داخل الثقافة الواحدة بحسب اختلاف المواقف والقدرات، ومن ثم الفشل في إيجاد نمط دائم للسمات التي تميز القائد. وظهر «المدخل السلوكي في القيادة» الذي يركز على دراسة سلوك القائد وتحليل آثاره في فاعلية الجماعة، كرد فعلٍ على فشل اتجاه السمات، فالمهم في هذا الاتجاه ليس هو السمات التي يتمتع بها القائد، وإنما نوع السلوك الذي يتبناه. ويعني ذلك التركيز على الطريقة التي يمارس فيها القائد تأثيره. ويؤكد أصحاب هذا التوجه أن الأمر الذي يجعل من القائد قائدًا فعالً هو قدرته على تحقيق التوازن بين أهداف المؤسسة، وإشباع احتياجات الفريق ورغباته. ومن بين النظريات التي يحتويها هذا الاتجاه نجد نظرية «أنماط البعد الواحد» لرالف ليبيت Lipitt Ralph، ورونالد وايت White Ronald، ونظرية «البعدين» التي ركزت على البحث عن المحددات الرئيسة لسلوك القائد، والتأثير الذي يخلفه الأسلوب القيادي في أداء الجماعة ورضاها عن العمل. وعلى غرار سائر الاتجاهات النظرية السابقة لم يَسلم اتجاه «المدخل السلوكي في القيادة» من الانتقادات، على اعتبار أن سلوك القائد يختلف باختلاف الموقف على نحو لا يسمح بتعميمها. على هذا الأساس ظهر «المدخل الموقفي للقيادة» الذي يعتبر أن فاعلية القيادة تتحدد بناءً على متغيرات

الموقف، بمعنى أن تغير الموقف يتطلب أدوارًا قياديةً وأنماطًا مختلفة للقيادة. ومن أبرز رواد هذا

(((ماهر محمد صالح حسن، القيادة: أساسيات ونظريات ومفاهيم (عمّان: دار الكندي للنشر والتوزيع، 2004)، ص.29 (((هشام محمود الإقداحي، سيكولوجية النخبة العليا والزعامة (الإسكندرية: مؤسسة شباب الجامعة، 2009)، ص.134–133 (((بشأن تفاصيل أكثر حول النظرية، ينظر:

Samir Trigui, Management et leadership: Le savoir–Faire et la gestion moderne (Tunis: Centre de Publication Universitaire, 2004), p. 195.

الاتجاه فريد فيدلر Fieldler Fred من خلال «نموذج الظروف لفاعلية القيادة» الذي يعتبر أن نمط القيادة انعكاسٌ لشخصية القائد. ولتحقيق الفاعلية يجب أن يغير القائد الموقف ليتناسب مع نمطه

القيادي. أما الاتجاه الرابع فهو «المدخل التفاعلي المفسر للقيادة الإدارية»، ويقوم على الجمع بين نظريتين؛ هما «نظرية السمات»، و«نظرية الموقف»، وذلك من خلال اعتبار القيادة تفاعلًاجتماعيًا. ولتحقيق النجاح

القيادي يلزم تحقيق التفاعل بين شخصية القائد وجميع المتغيرات المحيطة بالموقف القيادي الكلي. ويضم هذا الاتجاه نظرية «التبادل الاجتماعي»، والنظرية «السببية»، ونظرية «القيادة التحويلية». ويؤخذ على هذا الاتجاه عدم إدراجه نسقًا متكاملً لجوهر العملية القيادية، حيث ركز على الإدراك المعرفي لمفهوم القيادة وأغفل الجانب السلوكي الموقفي. تحيلنا هذه الاتجاهات الأربعة إلى عدم وجود نظرية موحدة وشاملة لتفسير القيادة، وذلك ربما راجعٌ لتشعّب عناصر الظاهرة في حد ذاتها، لكن أهم ملاحظة يمكن إبداؤها في هذا الشأن هي أنه في الوقت الذي تقدم لنا هذه النظريات مجموعة من المفاهيم التي يمكن استخدامها في توصيف بعض مستويات وأصناف القيادة، مثل الخصائص السلوكية للقائد وعلاقة ذلك بالثقافة السائدة، أو نمط القيادة التحويلية التي تعمل على التغيير الكيفي لمنظومة العمل وأهدافه أكثر من تعزيزها للهرمية وسلطة القيادة داخل المؤسسة، أو مفهومي الكاريزما والأتباع، فإن هذه النظريات صُممت لدراسة «ظاهرة القيادة» السياسية أو تلك التي تنشط في المؤسسات الاقتصادية والبيروقراطية داخل المجتمعات الصناعية الكبرى، بينما يتعلق بحثنا بمقاولات عائلية صغيرة نسبيًا، ليس فيها انفصالٌ بين

مؤسسة العائلة والمؤسسة الإنتاجية البيروقراطية، وهو مجال لا يستدعي البحثَ في القيادة بحمولتها السياسية، على سبيل المثال، ذلك أن قائد المقاولة العائلية في الحالة السوسية يكتسب مكانته وشرعيته من ثقافة بطريركية تكاد تقدس «الأب»، ومن فعل التأسيس واحتكار الموارد، أي من خصائص قيادية شخصية تجعل منه قائدًا لعائلة–أتباع ورئيسًا لموظفين في مؤسسة بيروقراطية، وقائدًا مؤثرًا في هؤلاء

جميعًا كما لو أنهم أتباعه بالمفهوم الأنثروبولوجي للقيادة.

2. النماذج المثالية لماكس فيبر

رغم هذه الخصوصية التي يتميز بها موضوع دراستنا، من حيث أنه يقارب مؤسسات صغرى داخل مجتمع «أمازيغي» «تقليدي» يحكمه نظام اقتصادي هجين يجمع بين الاستجابة لحاجات العائلة والإنتاج التجاري، فإنّ نظرية القيادة في مفهومها العام تساعدنا على الاقتراب خطوة أولى من موضوعنا. وفي هذا المستوى من البحث يمكن لنظرية القيادة عند ماكس فيبر Max Weber أن توجه اهتمامنا، دون فقدان المسافة النقدية حيالها؛ إذ إنها صممت في الأصل لدراسة الظاهرة السياسية،

(((علي أحمد عبد  الرحمن عياصرة ومحمد محمود العودة الفاضل، الاتصال القيادي في المؤسسات التربوية (عمّان: دار الحامد

للنشر والتوزيع، 2006)، ص.143 (((صلاح الدين محمد عبد  الباقي، السلوك الفعال في المنظمات (الإسكندرية: دار الجامعة الجديدة للنشر، 2002)، ص.239

إلى أبعاد اجتماعية في القيادة تؤدي دورًا مهمًا في تشكل الظاهرة، وفي فاعلية تجسداتها التي مركزها القائد والأتباع. يُعدّ فيبر من أبرز مؤسسي علم الإدارة الحديثة، وقد نحت من أجل ذلك مجموعة من المفاهيم الإدارية منها: البيروقراطية والسلطة والهرمية الإدارية والشرعية، وقدّم تصورات مهمة حول التنظيم والمنظمات، ذلك أن المنظمات تتميز بالنسبة إليه بنظام تراتبي ومراتبي، مع تركز السلطة في مستوياتها العليا. وفي النظرية الفيبرية هناك ثلاثة أسباب داخلية تبرر الخضوع للسلطة والسيطرة، تقابلها ثلاثة أسس للشرعية، هي: السلطة التقليدية، أو ما يسمى بنفوذ «الأمس الأزلي»، ويقصد به الاحتكام إلى الماضي، والاحتكام إلى التقاليد المقدسة، وسيطرة العادات والطقوس. هذه السلطة هي التي يمارسها «الشيخ» أو «السيد في المجتمع الإقطاعي» أو «السلطة الأبوية في المجتمعات البطريركية». ثم السلطة الكاريزمية، وهي تقوم على السحر الشخصي والإلهام الخارق لفرد ما، مما يجعله يحظى بالاحترام نظرًا إلى ما يتفرد به

من صفات خارقة تجعل منه قائدًا ملهمًا. ونجد هذه السلطة في شخصية النبي، أو الزعيم الكاريزمي في المجال السياسي. وأخيرًا السلطة الشرعية العقلانية، وهي تفرض نفسها لأنها مبنية على مجموعة من

المقومات؛ كالاستحقاق، والكفاءة، والعقلانية، والتراتب الهرمي، واحترام الوظائف والأدوار. ينتصر فيبر للعقلانية والهيمنة القانونية الشرعية، حيث يرتبط الفعل العقلاني بالشرعية القانونية والنظام البيروقراطي. هذا الأخير يعدّه فيبر أساس التقدم والازدهار الرأسمالي الحديث، لأنه يقوم على الكفاءة المهنية والحرفية والعلمية واحترام القوانين، وهذا ما يشكل الأسس التي تقوم عليها الليبرالية الرأسمالية الحديثة. وعلى الرغم من أهمية الطرح الفيبري في عالم الإدارة والأعمال، فإنه تعرّض لمجموعة من

الانتقادات خاصةً في ما يتعلق بالنظام البيروقراطي؛ ذلك أن التطبيق الصارم لهذا النظام قد يعرقل العملية الإبداعية والتواصلية داخل المؤسسة، ويجعل الأفراد روبوتات آلية تتحكم فيهم علاقات ميكانيكية من الأعلى نحو الأسفل. وفي هذا الصدد يقول أنتوني غيدنز Giddens Anthony: «إن فيبر في تحليله البيروقراطية قد أولى اهتمامه الرئيسي للعلاقات الرسمية التي تحددها القواعد والأنظمة الداخلية في المؤسسة، غير أنه لم يتحدث عن الروابط الشخصية والعلاقات التي تدور في نطاق ضيق بين الجماعات في جميع المنظمات»، وهذا يعني أن الطرح الفيبري يجرد المؤسسة من بعدها الإنساني الاجتماعي الثقافي الذي يمثل روح المؤسسة وهويتها. وفي الحقيقة يصب النقد الذي يوجهه غيدنز لفيبر في صلب موضوعنا، إذ إن مركز مشاهدتنا هو التركيبة المعقدة للمقاولة العائلية، حيث تتمازج بشكل كثيف الشرعية الثقافية التي تجمع بين البيولوجي والسيكولوجي والاجتماعي والاقتصادي (احتكار الأب في النظام الأبوي حق التصرف في موارد العائلة)، والشرعية البيروقراطية المتولدة من التراتبية والهرمية في تقسيم العمل وتنظيمه داخل المؤسسة.

(((جميل حمداوي، جهود ماكس فيبر في مجال السوسيولوجيا ([د. م.]: شبكة الألوكة، 2015)، ص.37–35 (((1 المرجع نفسه، ص.46–45

وبما أن هذه الدراسة تهدف إلى أن تكون متحررةً من مقولة العقلانية بوصفها أيديولوجيا وغاية تاريخية إيجابية يسير في اتجاهها التنظيم الأمثل للعالم، كما يبدو ذلك في التفكير الفيبري، فإن ما سنركز عليه في الظاهرة التي ندرسها هو التفاعل المعقد داخل المؤسسة الاقتصادية بين القيادة الأبوية بكثافتها الثقافية، والقيادة البيروقراطية بشروطها العقلانية، وما يحدث من فشل ونجاح في التوليف بينهما يؤثر بشكل كبير، وأحيانًا حاسم، في استمرارية المقاولات العائلية وتطورها في المغرب.

3. دراسات مغربية

مع تقدم النموذج الاقتصادي العالمي للقرن الحادي والعشرين، الذي بدأ يحل محل النموذج الصناعي القديم، وما تطرحه العولمة من تحديات وتحولات، بدأ المغرب منذ تسعينيات القرن الماضي يرفع شعار تحديث المقاولة، وذلك من خلال توقيع مجموعة من الاتفاقيات للتبادل الحر مع الاتحاد الأوروبي، والانخراط في منظمة التجارة العالمية، وتأهيل القطاع الخاص عبر سياسة التقويم الهيكلي. في هذه الفترة بالتحديد برز في المغرب اتجاه يولي سوسيولوجيا المقاولة اهتمامًا، على اعتبار أن هذه البرامج الاقتصادية لها انعكاس مباشر على المجتمع، ما دامت المقاولة ليست مؤسسة اقتصادية فقط، بل هي تركيبة من التفاعلات والعلاقات الاجتماعية أيضًا، خصوصًا إذا كانوا من أفراد العائلة الواحدة. وفي هذا الإطار نجد دراسة سعيد الطنجاوي بعنوان «المقاولون المغاربة–السلطة، المجتمع والحداثة»، التي قدم لها ريمي لوفو Leveau Remy، وهي تركز على دراسة المقاولة في علاقتها بالمجتمع، وتناقش مشاكل المقاولة المغربية، كضعف التأطير، والطابع العائلي في علاقته بالإدارة، وقد ربطَ الباحث ذلك بالطابع الانتقالي لمجتمع في طور التحديث. لهذا ركزت الإشكالية المحورية للدراسة على فهم الاتجاهات التي يتخذها الصراع القائم بين التقليد والحداثة، وما لذلك من انعكاسات سياسية واجتماعية واقتصادية، وعلاقة التركيبة البشرية للمقاولين بنوعية المشاكل التي يواجهونها. فسواء كان المقاول من أصل فاسي أو سوسي، أو جاء من عالم المقاولة والأعمال، أو كان منحدرًا من أسرة برجوازية، نجد «الإدارة» دائمًا هي العنصر المهم الذي يحدد قواعد العمل وسيره. وفي تحديده عوامل نجاح المقاولين المغاربة نجده يؤكد أهمية الانتماء إلى أسرة معينة، ودور العلاقات الشخصية أو ما يسميه الطنجاوي بشبكات التضامن. وتأتي العوامل الأخرى في مستوى ثانٍ؛ مثل رأس المال، والمهارات، والتجارب. فتوصل من خلال دراسته إلى كون المجتمع المغربي المعاصر ليس مجتمعًا تقليديًا بالمعنى الكلاسيكي، وفي الوقت نفسه لا يمكن القول إنه دخل في نظام اجتماعي

(((1 بدأ المغرب في تطبيقه عام 1983، باتفاق مع صندوق النقد الدولي، بعد أن دخل حالة من العجز المالي وارتفاع المديونية. ولقد استهدف برنامج التقويم الهيكلي الضغط على الحكومة لاتخاذ مجموعة من الإصلاحات المالية والاقتصادية كإصلاح النظام الضريبي، ورفع الحماية الجمركية، وتخفيض قيمة العملة، وغيرها من الإصلاحات التي تهدف إلى إعادة التوازنات المالية والماكرو اقتصادية في المغرب. للمزيد من التفاصيل، ينظر: محمد الشرقي، «تطور السياسة الاقتصادية في المغرب من عهد ‘المغربة’ إلى

التخصيص»، جريدة الحياة، 1998/10/22، شوهد في 2020/12/23، في: https://bit.ly/34Mxg67

(12) Said Tangeaoui, Les entrepreneurs marocains: Pouvoir, Société et modernité (Paris: Editions Karthala, 1993), p. 157.

واقتصادي جديد. وتكمن أهمية الدراسة في محاولتها رصد طبيعة التحولات التي شهدتها التركيبة الاجتماعية لطبقة المقاولين المغاربة، وتصور هؤلاء للمشاكل التي يواجهونها، أي إن الدراسة حاولت التعامل مع مشاكل المقاولين ليس بوصفها مشاكل خاصة، وإنما بوصفها معضلة اجتماعية واقتصادية في آن واحد. وإذا كانت دراسة الطنجاوي انكبّت على تصنيف المقاولين وأهم المشاكل التي تعانيها المقاولة

على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي، فإن البحث الاجتماعي الذي قام به نور الدين العوفي وزملاؤه حول «المقاولة من الداخل: الأشكال الاجتماعية للمقاولة المغربية» حاول تصنيف المقاولات المغربية ثلاث مجموعات كبرى، هي: المقاولة المركبة، والمقاولة من دون مقاول، والمقاولة العائلية، ويعرّف

هذه الأخيرة بأنها ذلك النوع من المقاولات الذي ينبني على المرتكزات التالية: أولها أنها نسق من علاقات الشغل القائمة على الأبوية والتبعية والزبونية، ثانيها أنها تميل نحو الربح على المدى القريب والمردودية السريعة، ثالثها أنها تسعى إلى فرض مجهود كبير على العمال، مع التأكيد على العلاقات الأبوية بوصفها قيمة أساسية داخل المقاولة العائلية. هذه المحاولات التصنيفية لدراستَي نور الدين العوفي وسعيد الطنجاوي، يعتبرها لحبيب امعمري في كتابه المقاولة والثقافة: دراسة في عملية التحديث بالمغرببمنزلة ثمار لتجربة ميدانية ومهنية، سمحت بإظهار بعض الملامح المهمة لواقع المقاولة المغربية، وعلى الرغم من أهميتها فإنها لم تجعل موضوع الثقافة والتغير إشكالية مركزية، ولم تسعَ إلى بلورة تفكير سوسيولوجي حول واقع المقاولة المغربية. ويركز امعمري على البعد الاجتماعي داخل الظاهرة التنظيمية، إذ يرى أنه لا يمكن التطرق إلى واقع التنظيمات الاقتصادية داخل المجتمع، والتغيرات التي طرأت عليها، بمعزل عن العنصر البشري الذي يتشكل منه. كما أنه لا يثق بمفهوم «التأهيل» الذي تبناه المغرب سيرورة اقتصادية للتطور. هذا النوع من التحديث، بحسب رأيه، غير وارد وبعيد المنال بالنسبة إلى أغلب المقاولات المغربية، لأن التحدي لا يكمن في تحديث التقنيات والوسائل وحجم الأرباح فقط، وإنما في مستوى العلاقات الاجتماعية وطبيعتها داخل التنظيم نفسه، أي حول البعد الإنسانيالذي لا  يمكن قياسه بالاتفاقيات ونوع القوانين، بل بالممارسة الفعلية لهذا التحديث، والذي يكمن في الجانب الثقافي. لهذا نجد أن

(13) Ibid., p. 307.

(((1 وضع الطنجاوي 4 أنماط رئيسة للمقاولين، هي: المقاولون الصناع والعمال السابقون entrepreneurs Artisans والمقاولون التجار والباعة négociants et entrepreneurs Marchands، والمقاولون الذين يجمعون بين الزراعة والصناعة Agro–industriels، ثم المقاولون ذوو التكوين المدرسي Lettrés. يُنظر:

Tangeaoui, p. 158. (15) Noureddine El Aoufi, L`entreprise cote usine: Les configurations sociales de l`entreprise marocaine, Groupe d`études et de Recherches sur les Ressources Humaines et l`entreprise (Rabat: GERRHE/ El Maarif El Jadida, 2000), pp. 35–74.

((1(لحبيب امعمري، المقاولة والثقافة: دراسة في عملية التحديث بالمغرب: التغير الاجتماعي ورهانات العولمة، ج 1 (فاس: منشورات دار ما بعد الحداثة، 2010)، ص.8–6

الدراسة تركز على العلاقة القائمة بين الفعل التنظيمي وثقافة المجتمع، باعتبارها مرآة تعكس مستوى التطور الاجتماعي، وهنا تنبع أهمية هذه الدراسة، إذ هي محاولة فهم ما يميز عالم المقاولة في المغرب بشكل عام، مع ربط الجانب الاجتماعي الثقافي بالتنظيمات المؤسساتية خاصة. ولعل الربط بين المقاولة والعلاقات الاجتماعية الذي ركزت عليه دراسة امعمري راجعٌ إلى كون المقاولة في الأصل ليست مجرد وحدة للإنتاج المادي أو الخدماتي، وإنما هي كيان اجتماعي وثقافي، والأكثر من ذلك هي وحدة اجتماعية منتجة لكيانات اجتماعية تتحكم فيها روابط اجتماعية. على هذا الأساس يجب ألا تتم مقاربة الظاهرة المقاولاتية من منطق اقتصادي صرف، بل تحتاج أيضًا إلى أنثروبولوجيا وسوسيولوجيا المقاولة. وفي هذا الصدد نستحضر مؤلَّف بيير نويل دانييل التي خص بها مجتمعًا مغاربيًا لا  يختلف كثيرًا عن المغرب، وهو بعنوان: رواد التنمية: التصنيع العرقي في تونس:

ديناميات صفاقس، حيث سعى الكاتب إلى فهم التطابق بين نوع المجتمع ونوع الاقتصاد في المجتمع الصفاقسي التونسي، وذلك بالاعتماد على الأنثروبولوجيا الاجتماعية بوصفها موقفًا تحليليًا أكثر من

كونها منهجية بحث، معتمدًا كذلك على المنهجية الكيفية وإجراء مقابلات مع رؤساء الشركات في صفاقس بتونس. وتكمن أهم الإشكالات التي عالجها دانييل في العلاقة بين الإسلام والاقتصاد، حيث يرى أن هذه العلاقة تتجلى في حث الدين الإسلامي على تجنب الإقراض بموجب الشريعة الإسلامية (تجنب الربا)، وعدم تكديس الأموال، مما فتح المجال للاستثمار، وابتعاد رواد الأعمال عن البنوك لصالح المساعدة المجتمعية المتبادلة. ووفقًا لدانييل فإن مثل هذه الممارسات هي التي أسست ل «سيادة النظام الاجتماعي والسياسي والاقتصادي». وهذا ما أدى إلى تماهي النشاط الاقتصادي، في فئة رواد الأعمال، في المجتمع الصفاقسي مع الجانب الديني، ففي البلدان النامية غالبًا ما يُنظر إلى

الاقتصاد المجتمعي المندمج في القطاع غير الرسمي باعتباره جزءًا من تقليد يتلاشى ببطء، على نحوٍ

يعزز الانتقال إلى الحداثة. ويؤكد الكاتب أن مثل هذا التصنيف يَنشأ من رؤية حيث التقدم الخطي الذي يضع الصناعة الكبرى أفقًا. وقد حاول الباحث في هذا الصدد ربط الهويات المحلية بالديناميكية الصناعية، حيث يؤدي البعد المجتمعي دورًا أساسيًا في تحقيق التكامل المهني والاجتماعي، ومن ثم

تأكيد ضرورة تعبئة الموارد المحلية، باعتبارها عاملً مساهمًا في تحقيق التنمية الاقتصادية المحلية. تأسيسًا على ما سبق، يمكن القول إن المقاولة تنظيمٌ اجتماعي، وفاعلٌ اقتصادي، وموضوعٌ لاستقراء

الواقع التنظيمي المؤسساتي في المغرب. إنها تلك الظاهرة التي يتجلى عبرها دور الثقافة في المجتمع. فيكون للثقافة هنا دورٌ كبير سواء في مقاومة التغيير، أو في تدعيمه، ذلك أن التحولات المتسارعة والمركبة لا تربك فقط المجتمعات المعاصرة، ولا المقاولين، بل تربك الباحث كذلك؛ لأن الأمر

(((1 المرجع نفسه، ص.9

(18) Pierre Noel Denieuil, Les entrepreneurs du développement: L`ethno–industrialisation en Tunisie: La dynamique de Sfax (Paris: L’Harmattan, 1992), p.158. (19) Ibid., p. 480.

يتعلق بدينامية الظاهرة التنظيمية، وبظاهرة الثقافة في علاقتها بالفعل التنظيمي. هذه التحديات وغيرها تستوجب تعزيز الجانب القيادي الفعال لمواجهة العراقيل، وأقصد هنا ب «الفعال» فكرًا قياديًا يدعم

فكرة المشاركة والإبداع والتجديد، وليس المراقبة والتنفيذ والمساءلة فقط. وهذا لا يمكن أن يتحقق إلا بإعادة النظر في المنظومة الإدارية في شموليتها، وتمكين المرأة في المناصب القيادية للمقاولات المغربية. ليس من باب الصدفة، إذًا، أن تحظى المقاولة المغربية بعنايةٍ خاصة في إطار العلوم الاجتماعية، على الرغم من أن علم الاقتصاد يستحوذ على القسم الأوفر من المساهمات التي برزت في السنوات الأخيرة حول الموضوع ذاته. والملاحظ أن المساهمات المعرفية في المجال تبقى مجهودات فردية مهمة وأساسية، وهي تصطدم بعراقيل متعددة، كقلة المعطيات المتعلقة بعالم المقاولات، وموقف المنتمين إلى هذا العالم من البحث الميداني السوسيولوجي بصفة عامة، لكن المؤكد أن الوقت حان، في هذا السياق، للانتقال المحلي والعالمي الدقيق الذي تمر به المقاولة الاقتصادية المغربية بشتى أنواعها، لوضع الظاهرة تحت مجهر العلوم الإنسانية، وتحديدًا الأنثروبولوجيا الاقتصادية، كي تحظى بالبحث والنقاش اللذين تستحقهما هذه المقاولة التي يتكثف فيها التاريخ الثقافي–الاقتصادي المغربي والعربي عمومًا.

ثانيًا: منهجية البحث

نقصد بمفهوم «المقاولات العائلية» الشركات أو المؤسسات التي تؤسسها وتقودها العائلة ممثلة في من يرأسها. فالمقاولة العائلية هي إجرائيًا كل مقاولة تؤسسها وتديرها وحدةٌ عائلية في أي مجال

اقتصادي كان (فلاحيًا، صناعيًا، خدماتيًا أو آخر)، وهي عادة مؤسسة يشترك في ملكية رأسمالها أغلبية

أفراد العائلة الواحدة. وتتميز المبادرة العائلية في هذا المجال بمرونة كبيرة وبعلاقات حميمية وبعد إنساني، لكن هذا لا يعني أنها لا تواجه تحديات ومشاكل بسبب النزاعات التي تنشأ بين أفرادها، أو طغيان البعد العاطفي الانفعالي في مراحل محددة من تطورها، وتحديدًا خلال الأزمات الاقتصادية أو فترة انتقال القيادة من جيل إلى جيل. وفي المغرب تمثل الشركات المملوكة من طرف العائلة أكثر من 90 في المئة من النسيج الاقتصادي للمقاولات. وبحسب مقياس BDO–ANPME سنة 2009، فإن 40 في المئة من الشركات العائلية المغربية تستعد للانتقال إلى الجيل الثاني، ويُشكل هؤلاء 95 في المئة من النسيج الاقتصادي الوطني، وهم يساهمون كثيرًا في النمو الاقتصادي من خلال خلق 50 في المئة من العمالة، و 20 في المئة من القيمة

المضافة، و 40 في المئة من الإنتاج، و 50 في المئة من الاستثمار. ويقود هذه المقاولات أفراد مؤسسة أو

أفراد استلموا القيادة من مؤسسين سابقين، وهي تنشط في أطر يتمازج فيها الذاتي والعائلي مع المُؤسسي

البيروقراطي المرتَكز على إكراهات وحسابات مستقلة مبدئيًا عن تلك التي تولدها القرابة والحميمية.

(20) Kaoutar Khennach, «40% des entreprises familiales marocaines sont investies dans une transmission à la seconde génération,» ALBAYANE , 8/6/2017, accessed on 12/1/2021, at: https://bit.ly/3nvPOy0

وخلال هذا النشاط تواجه هذه القيادة تحديات، منبتها ذلك التداخل والترابط في ترسيخ القيادة كسلطة معنوية ومادية على الأتباع (الذين هم في أغلبهم من العائلة الموسعة والأقرباء)، وكرئاسة وظيفية لمنظومة إدارية تخضع لقوانين واعتبارات مهنية موضوعية تفصل بين القرابي والمهني. وبطبيعة الحال، لا تأتي التحديات من مجال القيادة وحده؛ إذ إن مصير كل مقاولة يرتبط بعديد العوامل الخارجة عن سيطرتها، لكنه من المهم أيضًا ملاحظة أن القيادة في هذه المقاولات العائلية لا تنجح كلها في تجاوز تحديات القيادة في حد ذاتها، إذ يواصل بعض هذه المقاولات التطور والانسلاخ بسلاسة من الإطار العائلي إلى الإطار البيروقراطي، فتتفرع نشاطات المقاولة وتلتحم بمنطق السوق والإدارة، بينما يفشل بعضها الآخر في الحفاظ على وحدة المقاولة، فتتفكك أوصالها لتتوالد منها نوى جديدة صغيرة تعيد التجربة الأولى على نطاق ضيق ونسبي. إن الحديث عن المقاولات العائلية في منطقة سوس هو في الحقيقة حديثٌ عن عالمٍ مليء بالأسرار،

وعن أناس «عصاميين» بدؤوا بإمكانات اقتصادية وبشرية بسيطة (على الأقل في سرديات أصحابها)، ليصبحوا في ما بعد رجال أعمال مهمين. إنه حديثٌ عن بناء عائلي ممثل في السلطة الأبوية التي تُكسب صاحبها كاريزما من نوع خاص، تختلط فيها الرئاسة البطريركية بالمواصفات الفردية للقائد، في مقابل «المقاولة» كمؤسسة اقتصادية تقوم على التنظيم البيروقراطي وعلى الإدارة المهنية الخالصة. هذه الظاهرة المتعددة المداخل هي التي ستكون موضوع اشتغالنا في هذه الدراسة. وعليه سنحاول الكشف عن أسرار نجاح هذه المقاولات أو فشلها، من خلال تسليط الضوء على أنماط «القيادة» ومميزاتها وتجلياتها داخل المقاولات العائلية السوسية، في علاقتها بالمحيط الاجتماعي والتاريخي للمنطقة، وذلك من خلال محاولة الإجابة عن السؤال الرئيس التالي: كيف تقوم الشخصية القيادية للمقاولات العائلية بجهة سوس بالمزج والتوفيق بين البناء العائلي وضرورات البيروقراطية بكيفية تضمن إعادة الإنتاج وتمرير القيادة من جيل إلى آخر؟ وإلى أي حد يكون تكييف الروابط العائلية مع عقلنة المقاولة عاملً في نجاح هذا النمط من المقاولات؟ ولأن اختيار المنهج المناسب في أي بحثٍ تحدده مجموعة من العوامل أبرزها طبيعة الظاهرة المدروسة، والمنظور النظري الذي يوجه تفكير الباحث وأداءه، فإنني اعتمدتُ في مقاربة هذا الموضوع على منهج كيفي يمكننا من النفاذ إلى داخل المؤسسات والتفاعل مع قادتها من أجل فهم نسق ومنطق اشتغالها، والتأويلات التي يعطيها هؤلاء لأفعالهم. وقد وظفتُ في ذلك أسلوب المقابلات غير المقيدة (غير المبنية) لما يتميز به هذا النوع من المقابلات من مرونة في تعديل الأسئلة وترتيبها وفقًا لرغبة الباحث، فتكون أسئلة المقابلة هنا بمنزلة إرشادات ومحاور عامة تؤطر الموضوع وليست قواعد ثابتة. وقد اعتمدت في هذه الدراسة على منهج المقارنة بين المقاولات العائلية السوسية الناجحة والفاشلة لفحص عوامل الفشل والنجاح في إطار إشكالية القيادة. أما بخصوص جمع المعلومات فقد اعتمدت على العينة الهادفة – القصدية، التي تخول لي اختيار الأفراد الملائمين للبحث والذين يستطيعون تقديم المعلومات المفيدة، حيث كان معيار الاختيار

((2(معن خليل عمر، مناهج البحث في علم الاجتماع (عمّان: دار الشروق للنشر والتوزيع، 2004)، ص.11

في البحث هو معرفة المستجيبين وخبرتهم. ونظرًا إلى صعوبة الوصول إلى هؤلاء والنفاذ إلى داخل

المقاولة، فقد قمت بإجراء مقابلات مع ست مقاولات عائلية ممثلةً في شخصية القائد المؤسس والوارث، وبناءً على معيار الفشل والنجاح، مع مراعاة التنوع في عمر المقاولة لمعرفة خصوصية

كل جيل ومميزاته. إضافة إلى ذلك، أجريت نقاشات جانبية كلما سنحت لي الفرصة مع باقي أفراد المقاولة من العائلة، ومع الموظفين الذين لا ينتمون إلى العائلة، وقد ساعدني ذلك على تكوين فكرة دقيقة حول الموضوع، خاصة أن هؤلاء يشكلون عناصر مهمة في معادلة المقاولات العائلية بسوس. فضلً عن ذلك، استطعت من خلال المحادثات التي قمت بها مع هؤلاء القادة تكوين فكرة عن باقي المقاولات السوسية الأخرى، إذ لم يتوانَ هؤلاء المستجيبون في الحديث عن خصوصيات باقي منافسيهم في المنطقة، وهذا ساعدني كثيرًا في فهم الظاهرة فهمًا شاملً.

ثالثًا: القيادة والتأسيس في المقاولات العائلية السوسية

1. شروط إنتاج القيادة الاقتصادية في المقاولات العائلية السوسية

يقول عبد  الله كيكر في كتابه من رجالات سوس: «جاء أغلب هؤلاء الرجال السوسيين من وراء الغنم، عمِلوا في مناطق قاحلة، دون أن يتسلحوا بسلاح المعرفة، ولم تكن لهم سابق معرفة بالمدينة وأهلها ولغتها [...] واستطاعوا أن يزاحموا أبناء البورجوازية المغربية، الذين ورثوها أبًا عن جد، مدعومين من طرف

المخزن، الذي كان منهم وإليهم »[...]. يتقاطع اقتباس كيكر بشكل كبير مع مضمون المقابلات التي أجريناها مع أغلب المستجيبين في دراستنا هذه، ونلمس ذلك من خلال حديثهم عن أعمالهم السابقة التي كانت في مجالات متشابهة تبدأ في الغالب برعاية الأغنام، ثم العمل في الفلاحة والبناء والسياقة. فبحسب رأيهم، يمر بهذه المجالات، بالضرورة، كل رجل أعمال في سوس. وعلى هذا الأساس تأخذ البدايات أهمية كبيرة عندهم، لأنه من خلالها يكون المقاول السوسي قد اكتسب تكوينًا عصاميًا، وتمكن

من آليات ومهارات دراسة السوق وتأسيس المشاريع الاقتصادية وتسييرها، وتحمل المسؤولية وتجاوز المخاطر، وذلك بفضل احتكاكه بأرباب عمل متعددين في قطاعات مختلفة. في هذا الصدد يطرح علينا هنا متغير رأس المال الثقافي (نحصره في الحالة التي نحن بصددها في مستوى التعليم والدبلوم) أسئلةً مهمةً تتعلق بتشكل القيادة، فإذا أخذنا مثلًالمجال الاقتصادي والمجال السياسي، وجدنا أن التاريخ السياسي الحديث للمغرب تنشأ فيه الزعامات في «بيوت» تجتمع فيها متغيرات المجد العائلي والثروة والعلم الكلاسيكي أو الحديث (في مغرب القرن 19 كان هناك زعماء بدو أميون)، وهذا سارٍ حتى في منطقة سوس التي تهمنا. وفي المقابل، يمكننا أن نلاحظ أن هذا المتغير ليس مهمًا في تأسيس القيادة في المقاولة الاقتصادية، على الأقل في المرحلة التي

نشأت فيها المؤسسات العائلية موضوع المشاهدة.

(((2 عبد  الله كيكر، من رجالات سوس أحمد أولحاج أخنوش: المجاهد والمناضل والزعيم والرمز (الرباط: مطبعة الربط نت، 2012)، ص.7–6 (((2 يصبغ المقاولون الذين أجريت معهم البحث مهمة «رعاية الأغنام» صبغةً دينيةً، تكتسي دلالتها من النبي محمد، الذي كان في البداية أميًّا وراعي أغنام، ومن ثم فإنّ الابتداء بهذه «المهنة» يُعدّ «فأل خير» من وجهة نظرهم.

على هذا الأساس يمكن القول إن الوضع الذي يصاحب عملية تأسيس القيادة داخل المقاولة الاقتصادية بسوس، وفق تعبير المستجيبين، يتميز بالفقر وعدم استكمال الدراسة، الأمر الذي يُنمي في الشخص حوافزَ ذاتية، تتمثل بالأساس في بذل الجهد، والنفس الطويل، والسعي نحو مراكمة التجربة. وهذا يعني أن متطلبات القيادة في المقاولة العائلية لها خصائصها المميزة، ومنها الخبرة العملية في التصرف في الموارد، وهي خبرة تعتمد كثيرًا على اكتساب التجربة الخاصة، ولا تفترض

بالضرورة «المجد العائلي» أو الثروة. وربما لهذا السبب يؤكد القادة المقاولون المستجيبون كثيرًا

على هذه النقطة التي تقلل من قيمة الموارد الاعتبارية التي كانوا يفتقدونها. وسنرى لاحقًا كيف أن التطورات الجديدة التي فرضها توسع نشاطهم ومتطلباته البيروقراطية أربكت لديهم هذه التمثلات لسبل النجاح في الوقت الحاضر، ويظهر ذلك عبر الحرص على إرسال أبنائهم لكسب معارف في الجامعات الوطنية والأجنبية.

2. التأسيس والوعي بقيمة العمل

في غياب رأس المال المادي الموروث، يركز القادة المؤسسون للمقاولات الاقتصادية في سوس على كدهم وصبرهم وحبهم للعمل، خاصة أنهم لم يتَلقوا تكوينًا في مجال الاقتصاد والإدارة. إنهم، كما

يقولون، نموذج «أُنتج في سوس » Made in Sous؛ ففي سردياتهم يصرحون بأنهم طوروا شركاتهم بعرق جبينهم، حيث لا مجال للتكاسل. وبالنسبة إليهم، تصْدق مقولة جيم كولينز: «إن أفضل القادة

لا يَتُوقون ليوضعوا فوق منصات خاصة، أو يصبحوا رموزًا لا يمكن الوصول إليها. إنهم يظهرون

كأشخاص عاديين، يحققون نتائج خارقة للعادة بكل هدوء وبالاعتماد على إمكاناتهم الذاتية». وبما أن المعتقدات الدينية متجذرة بقوة في العقلية الاقتصادية السوسية، فإن العمل يصبح عبادة. وقد أشار العديد من المستجيبين إلى قوة هذه العلاقة التي تجمع بين النجاح الاقتصادي والجانب الديني، فهذا الأخير يشكّل مرجعًا يزكي ويدعم الوعي بقيمة العمل وإتقانه من أجل نيل البركة التي هي مفتاح

النجاح. ويتخذ ذلك ملامح متعددة للطريق المستقيم كنيل رضا الله ورضا الوالدين، والعمل بتفانٍ، وهو ما عبّر عنه أحد المستجيبين في ثلاث كلمات بالأمازيغية «الصفاء»، «النية»، «المعقول». هذا المزج والتوفيق بين البعد الديني والبعد العملي الاقتصادي يترتب عليه، بحسب المستجيبين، تحقيق الرضا الإلهي والنجاح المهني في الوقت نفسه. وهذا ما توضحه القصة التي حكاها لي أحد المقاولين السوسيين، ومفادها أنه «حينما يقرر ثلاثة أشخاص تأسيس مقاولة أو شركة معينة، فإن كل واحد منهم يدخل بمبلغ معين، وما دام كل واحد منهم يضمر الصفاء والمسؤولية، فإن الله يبارك لهم عملهم من خلال مساهمته بنفس المبلغ، لكن بمجرد أن يبدأ أحدهم بالغش والمراوغة، فإن الله ينزع مبلغه وبالتالي نزع ‘البركة’ و‘السر’. في هذه الحالة تصير النتيجة هي الفشل».

(24) Jim Collins, Good to Great: Why Some Companies Make the Leap... and Others Don’t (New York: Harper business, 2001), p. 28.

(((2 ح. ل.، مقاول سوسي صاحب مقاولة عائلية، مقابلة شخصية، أكادير،.2018/2/8

يحيلنا هذا إلى تحليل جون واتربوري الذي فسر الوعي بضرورة الكفاح والجدية في العمل لدى التجار السوسيين بدوافع نفسية تجعلهم يثابرون من أجل تطوير العمل وتحقيق النجاح، خصوصًا إذا كان المقاول في حد ذاته واعيًا بالعراقيل والتحديات التي يفرضها العمل في مجال

معين كالمجال الاقتصادي وتأسيس المقاولة، ومتقمصًا دور المؤسس والقائد في الوقت نفسه للمقاولة وللعائلة كذلك. وهذا ما ينمي لدى هذه الفئة وعيًا بكونها توجد ضمن قطاعٍ لا يأتي بثماره

إلا على المدى البعيد، ومن خلال براعة وصبر غير عاديين. وإذا ما حاولنا التأمل في العقلية الاقتصادية السائدة، لدى هؤلاء المقاولين السوسيين، التي تربط بين التفاني في العمل والصدق في الشراكة وبركة الله، فإننا نجدها تتقاطع بشكل كبير مع النموذج الفيبري الذي ربط بين روح الحياة الاقتصادية الحديثة، والأخلاق العقلانية لدى البروتستانتية النسكية، ذلك أن تطور النظام الرأسمالي في أوروبا خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر راجع إلى الذهنية البروتستانتية التي وفرت مجالً يشجع على الادخار والعمل الحر وتراكم الثروة، مما أدى إلى تطور النظام الاقتصادي الحر ونمو الرأسمالية. وبناء عليه، فإنّ تأسيس المقاولة الاقتصادية العائلية في سوس، هو في الوقت نفسه بناءٌ لنموذج

«قيادة» عائلية–اقتصادية مؤس سة، تمر عبر محطات عدة (مسيرة التكوين العصامي)، وفي ظروف ثقافية

واجتماعية واقتصادية محددة (الفقر، وتدني المستوى التعليمي...). فتُشكل قيمة العمل، في هذه الحالة، عنصرًا مهمًا في تفسير المقاولات، على اعتبار أن فهم السياق السوسيو تاريخي والثقافي

للسوسيين يدفعهم أكثر إلى الانغماس في العمل بعزم وإصرار شديدين، لأنه الحل للتفوق وإثبات الذات السوسية في الساحة الاقتصادية الوطنية. بيد أن هذا النموذج القيادي التقليدي المؤَس س

والمتشبث بالهوية المحلية الثقافية والدينية لسوس يطرح اليوم سؤال الاستمرار والصمود عبر الأجيال، خاصة في ظل التحديث الاجتماعي والاقتصادي للإدارات وللمؤسسات الاقتصادية المغربية.

رابعًا: المقاولة العائلية بين القيادة الأبوية المؤسِّسة والقيادة البيروقراطية

1. في حضرة «القيادة الأبوية»: الثقة، الطاعة، التضامن

تُعد القيادة الأبوية نقطة الارتكاز والمحور الذي تتأسس عليه المقاولات العائلية السوسية. بل إن هذه الخاصية هي ما يميز المقاولات العائلية من باقي الشركات العامة. وسعيًا لتحليل هذا النمط

من القيادة، ولمعرفة أسسها والروابط الاجتماعية التي تقوم عليها، وموقفها من القيم والأخلاق، وكيف تتجسد علائقيًا وتنظيميًا، ارتأينا الوقوف على ثلاثة عناصر، هي: الثقة، والطاعة، والتضامن

بوصفه تجليًا من تجليات القيادة الأبوية، وكثوابت تقوم عليها السلطة الأبوية من أجل هيكلة المقاولة

(26) John Waterbury, Nord for the Trade: The Life and Times of a Berber Merchant (Berkeley: University of California Press, 1972), p. 91.

((2(ماكس فيبر، الأخاق البروتستانتية وروح الرأسمالية، ترجمة محمد علي مقلد (بيروت: مركز الإنماء القومي،.)1990

وتأطيرها. وإذا ما حاولنا تحليل هذا النمط من القيادة، فإننا نجد أنه يركز على النفوذ الأبوي القائم على مبدأ السلطة الهرمية في تسيير العلاقة بين القائد والأتباع، فالقائد الأب يحترم العادات والتقاليد العائلية، ويضع مصلحة أفراد العائلة ضمن الأولويات، فتصير هنا علاقات الإدارة والمسؤولية امتدادًا واستمرارًا لعلاقات الأبوة التي تكون بين الوالد وأبنائه. وقد أكد لنا أحد القادة، وهو يشرح لنا استراتيجيته المتبعة في تسيير الشغل داخل المقاولة، كيف شكلت القواعد السلوكية الشخصية أساسًا للثقافة المؤطرة للمقاولة، مؤكدًا بذلك، في الآن نفسه، أن المقاولة وُجدت لتلبية احتياجات العائلة. ولعل أبرز مثال يجسد الأولوية للشؤون العائلية لدى هذا القائد–المدير يتمثل في تأكيده على السكرتيرة الخاصة بأن تحول له كل المكالمات الصادرة من أفراد العائلة على نحو فوري، حتى إنْ كان في اجتماع إداري مهم. وتأكيدًا على أن العلاقات العائلية أساس «الثقة» في هذه المقاولات، نشير إلى دراسة عمر أمرير «العصاميون السوسيون في الدار البيضاء»، حيث اعتبر أن الحضور السوسي جسّد العديد من القيم الأمازيغية في عُمق العاصمة الاقتصادية للمغرب (الدار البيضاء) وباقي المدن المغربية، وأبرزها قيمة «الثقة»، والتي بمقتضاها يسلم التاجر السوسي لشريكه محلً تجاريًا يساوي الملايين، ومعه دفتر يحتوي على أسماء البضائع والسلع الموجودة في المحل، وذلك بحضور شاهدين يتأكدان من أن ما هو في الدفتر موجود في المحل، من دون الحاجة إلى أي التزام قانوني أو ضمانات. وفي علاقة السوسي صاحب المحل بزبائنه يقول: «إن التاجر السوسي مشهور بالثقة لدى سكان الحي لذلك يستأمنونه على نقودهم ومفاتيح منزلهم [...] وهو كذلك يثق في كل زبائنه، ويزودهم بكل ما يحتاجونه من متجره ب (الطلق) (أي بالدين) ولا يخاف الإفلاس». إن الثقة لا تقتصر فقط على أفراد العائلة داخل المقاولة العائلية الواحدة، وإنما هي خاصية مشتركة بين أفراد الجماعة كلها. وهذا يعبر عن طبيعة المجتمع الذي تنشأ منه المقاولات العائلية. أقصد هنا المجتمع القبلي الذي تسود فيه قيمة التضامن العائلي بخلفية النعرة للدم بالمفهوم الخلدوني، فهذه القيمة أدت دورًا مهمًا ليس في تشكل المقاولات العائلية وبروزها فقط، وإنما في اكتساح هذه الفئة المجال الاقتصادي المغربي. وهذا ما ذهب إلى تأكيده محمد شقير في دراسته حول «تشكل النخبة السوسية»، حيث لجأت هذه الفئة لدعم اقتصادها في فترة ما بعد الاستقلال إلى ترسيخ قيم التضامن القبلي التي تجسدت في تجنب الخوض في أي منافسة تجارية يمكن أن تؤدي بهم إلى الإفلاس، وعوضًا عن ذلك اعتمدوا تقسيمًا ضمنيًا للقطاعات التجارية بينهم بشكل يشبه «التخصص القبَلي» حول قطاع معين، بمعنى أن نجاح

أعضاء قبيلة ما في سوس في قطاع اقتصادي معين يدفع بباقي أفراد القبيلة إلى مزاولة القطاع نفسه؛ إما عبر التناوب العائلي، وإمّا عبر فتح مشاريع مشابهة في أماكن أخرى.

(((2 م. أ.، مقاول سوسي صاحب مقاولة عائلية، مقابلة شخصية، أيت ملول،.2018/2/5 ((2(عمر أمرير، العصاميون السوسيون في الدار البيضاء: السلسلة الذهبية الأولى (الرباط: دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع، 2014)، ص.573–572 ((3(محمد شقير، «مراحل تشكل النخبة السوسية بالمغرب»، المجلة المغربية لعلم الاجتماع السياسي، العدد 10–9 (1989)، ص.137

وفي تحليلنا سرديات المستجيبين، لاحظنا أن قيمة «التضامن» تتخذ أشكالً متعددة وتمظهرات مختلفة بين أفراد المقاولة، كالمسؤولية الاجتماعية للمقاولة تجاه أبناء منطقتها، من خلال بناء المستوصفات الخاصة وتوفير العلاج المجاني، والمساهمة في بناء المساجد والمؤسسات الداخلية لإيواء الطلاب والتلاميذ، بدعوى أن سكان المنطقة أحق بالاستفادة. أما بالنسبة إلى أفراد العائلة المقاولة فنجد التضامن بينهم يتخذ شكل لقاءات أسبوعية في منزل الوالدين، وتناول وجبة الطعام بشكل جماعي، كعلامة على تجديد الوعد على الولاء والثقة والتضامن، ذلك أن مشاركة الأكل في التصور الشعبي المغربي واقتسام الملح بين الناس يوحيان بأن هناك شيئًا مشتركًا بينهم، ومن ثم ائتمان الأفراد على بعضهم، فيصير أي غدر وأي معارضة يمكن أن يحدثا بينهم مستقبلً بمنزلة مس وطعن في رابطة الدم أولً، وفي قدسية الملح المشتركة بينهم ثانيًا.

2. القيادة البيروقراطية في المقاولة العائلية السوسية

تعد البيروقراطية الوجهَ الثاني المشكّل للقيادة داخل المقاولة العائلية السوسية إلى جانب البعد العائلي، وتؤدي دورًا مركزيًا في تسيير المقاولة واستمرارها، إذ تشترك المقاولة العائلية في هذا الجانب مع باقي المؤسسات الاقتصادية والإدارية. ويُعد التنظيم البيروقراطي من مميزات الإدارات الحديثة، ويرى ماكس فيبر أنه يمكن الاختيار بين أمرين فقط؛ فإما اعتماد البيروقراطية في التسيير، وإما الفوضى الإدارية. ويفرض اعتماد المقاولة على التنظيم البيروقراطي العقلاني الالتزام بالمبادئ الأساسية له، والتي تَخدم في نهاية المطاف مصلحة المقاولة، وتضمن لها مستوى عاليًا من الكفاءة والفاعلية،

ويتجلى ذلك في الاعتماد على الأساليب القانونية في التوظيف، وتوثيق المعاملات الرسمية، فضلً عن الاعتماد على نظام محدد وواضح للأجور والترقية، أي وجود نسق يستند إلى قواعد رشيدة تحدد أبعاد البناء التنظيمي كلّه. وعلى الرغم من الطابع التقليدي العائلي الذي يطغى على المقاولة العائلية بسوس، فإن ذلك لا يقصي الجانب البيروقراطي. والملاحظ من خلال المحادثات التي أجريناها مع هؤلاء المستجيبين أنهم لا يمتنعون عن تتبع الإجراءات القانونية والمعاملات الرسمية ما دامت تكفل لهم النجاح والربح. ولدراسة البعد البيروقراطي الإداري للمقاولة السوسية ارتأينا التركيز على ثلاثة مؤشرات أساسية، هي: معايير التوظيف، وتوزيع المهمات والأدوار داخل المقاولة، وكيفية تسيير مجلس إدارة المؤسسة.

(((3 في هذا الإطار، ينظر: عبد  الرحيم العطري، قرابة الملح: الهندسة الاجتماعية للطعام (الدار البيضاء: شركة النشر والتوزيع المدارس،.)2016 ((3(لوران فلوري، ماكس فيبر، ترجمة محمد علي مقلد، سلسلة نصوص  (بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2008)، ص.91 (((3 إن تطبيق القائد المقاول السوسي القواعد التنظيمية البيروقراطية رهينٌ بما تضمن له هذه الأخيرة من نجاح؛ فهو يبحث فيها

عن القيمة المضافة التي يمكن أن تقدمها للمقاولة، ولا يجد أدنى حرج في عدم التقيد بها إذا لم يتلمس فيها أي منفعة. وكمثال على ذلك، نذكر حالة أحد المستجيبين الذي صرح لنا بأنه يفضل الاحتفاظ بأمواله في بيته بسبب أنه لا يثق بالإجراءات البنكية والتسهيلات التي تقدمها، ولأن اعتماد البنوك، سواء في الإيداع أو في القروض، يُذهب البركة بحسب رأيه. ولعلنا نجد في كتاب واتربوري

ما يدعم هذا الطرح. ينظر:

Waterbury, p. 115.

يتحكم في المؤشر الأول (معايير التوظيف) داخل المقاولات العائلية السوسية، بشكل عام، مجموعة من الاعتبارات أولها رابطة الدم والقرابة، ذلك أن تطور المقاولة وتوسعها يستوجبان توظيفَ أفراد أكفاء يتجاوزون نطاق العائلة، وهذا شكّل عائقًا لدى بعض المقاولات العائلية موضوع البحث، خاصةً في مسألة توزيع المسؤوليات وممارسة السلطة، أما الاعتبار الثاني فيتجلى في الانتماء إلى الهوية الثقافية المحلية الأمازيغية السوسية، ذلك أن كل المقاولين الذين تحدثنا معهم أكدوا لي تفضيلهم تشغيل الأمازيغ على العرب، لأن ذلك يعزز الشعور بالانتماء والوحدة. وهذا ما تؤكده عبارة أحد المقاولين السوسيين «العْروبات ما عندي مانْدير بيهم» أي لا يوجد لدي ما أفعله بالعرب، ولعل ما يزكي هذا الرأي قبول أحد المستجيبين إجراء مقابلة معي كان بسبب كوني أمازيغية وأجيد الحديث بالأمازيغية، ومن المنطقة نفسها. نجد هذا الطرح كذلك في دراسة إبراهيم لاباري المعنونة ب «المقاولات العائلية وإشكالية التنقل بين الأجيال»، حيث إن أحد المقاولين يُشغل العمال بناءً على معيار الانتماء الأمازيغي؛ إذ يجب على المترشح خلال مقابلات التوظيف الإجابة عن بعض الأسئلة باللغة الأمازيغية. وفي نهاية المقابلة يقدم له نوعًا من الخضر، ويجب عليه أن يقول اسمه باللغة الأمازيغية، وهكذا يَلزمه أن يجيب بأن البصل يسمى «تَزاليمت» وليس «البصلة». أما في ما يتعلق بتطبيق قواعد التوظيف بشكل مهني وبيروقراطي، المتمثلة في توافر الشهادة العلمية، والكفاءة، فإنها تُطبق، أحيانًا بصرامة، على «الأجانب». والمقصود هنا بالأجانب من هم خارج العائلة والانتماء الأمازيغي المحلي. ينطبق الأمر ذاته على توزيع الأدوار الذي يحتكم إلى العلاقات القرابية إضافة إلى شرط الكفاءة، بمعنى أن قائد المقاولة العائلية السوسية يمكن أن يتساهل في نقص الخبرة والكفاءة اللازمتين، ولكنه لا يمكن أن يتنازل عن معيار القرابة العائلية، لهذا فإن أغلب المهمات والوظائف الرئيسة تكون من نصيب أفراد العائلة، على نحو يجعل أغلبهم في هرم التنظيم الهيكلي الوظيفي، وهذا ما يميز المقاولات الاقتصادية العائلية، أي إن المؤسسة لا تكون عائليةً إلا إذا كانت الملكية والمناصب الإدارية الحساسة خاضعةً لسلطة العائلة، وتسييرها لأفراد العائلة المالكة. وأثناء البحث الميداني الذي قمنا به، تمكنّا – بصعوبةٍ بالغة – من حضور أحد اجتماعات مجلس الإدارة، خلال وقت قصير، قبل أن يُطلب منّا الانسحاب بدعوى احترام خصوصية الاجتماع. تبين من خلال نقاشنا الجانبي مع أحد أعضائه أن مجلس الإدارة، على الرغم من أنه يتم بالانتخاب، تكون العضوية فيه تلقائية لكل فرد مقرب من القائد (أبناؤه، إخوته، أعمامه، أبناء عمه، وغيرهم) ويَشغل

(((3 ع. ب.، مقاول سوسي صاحب مقاولة عائلية، مقابلة شخصية، تزنيت،.2018/2/7 (((3 إبراهيم لاباري، «المقاولات العائلية وإشكالية التنقل بين الأجيال: دراسة سوسيولوجية في جهة سوس في المغرب»،

إضافات، العدد 28 (خريف 2014)، ص.115

(36) Louis B. Barnes & Simon A. Hershon, "Transferring Power in the Family Business," Harvard Business Review , vol. 54, no. 4 (July–August 1985), p. 105.

منصب «مسؤول» داخل المقاولة. وقد أظهر القائد، باعتباره الرئيس والمدير خلال فترة الاجتماع، جوانبَ قيادية كاريزمية سلطوية في شخصيته، من خلال استحواذه على الكلام (باللغة الأمازيغية مع

استعمال كلمات باللغة الفرنسية في بعض الأحيان)، وقد كان الاجتماع في مجمله عبارة عن إملاءات وأوامر وقرارات بخصوص إمكانية توقيع اتفاقية جديدة مع إحدى الشركات الروسية المستوردة للحوامض والخضر. وفي المقابل، لم يكن هناك أي اعتراض من الأعضاء، ما عدا بعض الاستفسارات والتوضيحات. على هذا الأساس يمكن القول إن الجهاز البيروقراطي للمقاولة العائلية موضوع الدراسة يتسم إلى حد ما بالمرونة، وإنه قابل للتجاوز، في مقابل قوة امتداد القيادة العائلية الأبوية التي نعتبرها المحرك الأساسي الذي يحرك المقاولة، بمعنى أنه على الرغم من بعض مظاهر البيروقراطية التي يمكن أن نتلمسها في المعاملات داخل المقاولة، فإن حضورها يبقى محدودًا وبسيطًا، ويكتسي مجالً ضيقًا في ثقافة المقاولة، بل رهينًا بعدم تعارضه مع الجانب العائلي، لهذا نجد القيادة الأبوية تمتد حتى إلى

الجانب البيروقراطي وتتحكم فيه، وهذا من أهم المآزق التي تجد المقاولات العائلية نفسها واقعةً فيه، حيث تكون بذلك عرضةً لازدواجية السلطة وما يترتب عليها من تضارب المصالح. في هذا الإطار، حكى لنا أحد المقاولين أن سيطرة النزعة الأبوية عنده دفعته إلى جعل المقاولة وعاءً لتوظيف

أفراد العائلة، بحيث أدت كثرة التوظيفات العائلية إلى اضطراب عوائد باقي التنفيذيين والموظفين الذين لا ينتمون إلى العائلة، الأمر الذي دفع بعضهم إلى الاستقالة، والبحث عن فرص أخرى تجعلهم يحسون بالأمان الوظيفي.

خامسًا: رهان الاستمرارية ونقل القيادة عبر الأجيال

1. معضلة القائد المؤسس

تواجه المقاولات العائلية بصفةٍ عامة، والسوسية بصفة خاصة، مجموعة من التحديات والمشاكل التي تهدد وجودها، كالعولمة وما يرافقها من تغيرات تحديثية إدارية واقتصادية، ثم مسألة المنافسة ومتطلبات السوق الخارجية، من دون أن ننسى الصراعات الداخلية التي تحدث بين الموظفين والمديرين، وغياب رؤية واضحة للمقاولة تحدد الأهداف المطلوبة، فضلً عما يترتب على الاعتماد المزدوج للجانبين العائلي والبيروقراطي من ازدواجية السلطة، وغياب قنوات واضحة للتواصل والتسيير. ويُعد تمرير

القيادة من جيل إلى آخر من أهم التحديات التي تعترض مسار المقاولة العائلية وتهدد وجودها. وبلغة الأرقام، نجد أن 30 في المئة من الشركات العائلية الأميركية تستمر حتى الجيل الثاني، في حين أن

(((3 هنا مجلس العائلة هو مجلس الإدارة في الوقت نفسه، ما دام جل أعضائه ينتمون إلى العائلة الواحدة، وهذا يتنافى مع مبادئ ومعايير الحوكمة السليمة للشركات التي تفترض استقلالية مجلس الإدارة عن مجلس العائلة، وعدم تدخل أعضاء مجلس العائلة في قراراته، مع التأكيد على عدم جواز الجمع بين منصب رئيس أو نائب رئيس مجلس الإدارة، والمنصب التنفيذي الأول للشركة.

للمزيد، ينظر: وزارة التجارة والصناعة السعودية، دليل حوكمة الشركات العائلية وميثاقها الاسترشادي (الرياض: وزارة التجارة والصناعة، 2013)، ص.33–29 (((3 ع. ب.

أقل من 10 في المئة فقط يستمر إلى الجيل الثالث، ولعل هذا ما يفسر اعتبار أغلب الباحثين في مجال المقاولات العائلية أنّ الخلافة وتوريث المقاولة يشكلان قضيةً مركزيةً في وجود الشركة، بل إن بعض التعريفات تصنف المقاولات العائلية بناءً على قدرتها على الانتقال من جيل إلى آخر، كما يبين

التعريف التالي: «نحن نُعرف الشركة العائلية بوصفها واحدة من الشركات التي سيتم فيها تمرير القيادة والإدارة إلى الجيل القادم داخل العائلة نفسها». في السياق السوسي، مجال الدراسة، يُعتبر الجيل الأول جيلَ المقاولين الفعليين الذين ساهموا، من خلال الجرأة الاقتصادية التي تميزوا بها، في إعادة بناء الاقتصاد الوطني منذ فترة الحماية الفرنسية وما بعد الاستقلال. لقد أسس هذا الجيل تكتلات عائلية–اقتصادية موازاةً مع تشكل قيادة مؤس سة، بمعنى أنه لم يكن هناك نموذجٌ قيادي مطروح مسبقًا، بل إنّ الفرد هو الذي يؤسس شركته، ويبني في الوقت نفسه نموذجًا قياديًا كاريزميًا تقليديًا يعبر بالضرورة، عن الانتماء القبلي والتاريخي والثقافي

لمنطقة سوس. ولقد استند هؤلاء المقاولون في تشكيل سلطتهم القيادية وشرعنتها في محيطهم الاجتماعي إلى الجانب الديني، إضافة إلى «مكانة الأب» وسلطته، حيث إن أغلب المستجيبين الذين حاورناهم، المنتمين إلى الجيل المؤسس، كانوا يحملون لقب «الحاج»، نظرًا إلى ما يترتب على هذه

الصفة من هيبةٍ ووقارٍ وفرضٍ للاحترام، وهو ما يُكسبهم رأسمال اجتماعيًا يعوض لهم الجانبَ المعرفي

الذي ينقصهم. ويمتد كذلك الجانب الديني المشكّل للقيادة المؤسسية الاقتصادية للمقاولة العائلية إلى الارتباط القوي بالزوايا والأولياء الصالحين، من أجل كسب البركة وضمان النجاح الاقتصادي، وهو ما توضحه العبارة التالية: «سيدي الحاج الحبيب، عالم العلماء، كان حامينا، ويعرف أن عملنا صالح نافع لفائدة أكبر عدد من الناس. وقد كان أبي رحمة الله عليه يزوره مرات عديدة في السنة ليطلب منه النصح أو الصلاة، حتى تشملنا السماوات العليا بالرعاية، وكل زيارة تحمل بركة». وعلى خلاف الطرح الذي ذهب إليه إبراهيم لاباري في اعتبار وارثي المقاولات غير خاضعين لمنطق آبائهم بالضرورة، توصلنا – من خلال المحادثات التي أجريناها مع رواد الجيل الثاني – إلى أنه على الرغم من تكوينهم المختلف وتأثرهم بالتغيرات المجتمعية والقيمية، فإنهم يحاولون قدر الإمكان أن يتبعوا نهج الآباء المؤسسين، خصوصًا في ما يتعلق بإعادة إنتاج السلطة التقليدية. ونحن في هذا الصدد لا ندعي أن القائد الوارث هو نسخة مطابقة للأصل عن القائد المؤسس، وإنما هو مختلف عنه، وفي الوقت نفسه يحاول اقتفاء أثره، فهو ميّال إلى زيارة الأولياء (الأضرحة) المحليين، ويتابع ما كان

يقوم به أبوه من أعمال الخير والإحسان التي يصنفونها ضمن عادات العائلة وتقاليدها. وينبغي أن نفهم من هذا أن القائد الجديد، إلى جانب حرصه على احترام نهج أبيه المؤسس، يسعى في الوقت نفسه

((3(سامي تيسير سلمان، التخطيط الإستراتيجي لشركات العائات (بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، 2011)، ص.25

(40) John L. Ward, Keeping the Family Business Healthy: How to Plan for Continuing Growth, Profitability, and Family Leadership (San Francisco: Jossey–Bass, 1987), p. 252.

(((4 لاباري، ص.113 (((4 المرجع نفسه، ص.114

إلى إدخال تعديلات وتغييرات في تسيير المقاولة، وذلك لسببين؛ أولهما مواكبة السوق والتحولات الاقتصادية، وثانيهما التخلص من صفة «الابن الوارث»، وهذا ما يوضحه الجدول. جدول بمميزات وخصوصيات القائد المؤسس (الأب) والقائد الوريث (الابن) وما يشتركان فيه اهتمامات الجيل الأول

اهتمامات الجيل الثاني

اهتمامات الجيل الأول
(القائد المؤسس)
ما يشتركان فيه في حالة النجاحاهتمامات الجيل الثاني
(االقائد الوارث)
التأسيس– الحرص على استمرارية المقاولة
– احترام عادات العائلة وتقاليدها
– العمل على تكثيف العلاقة بالوسط
الاجتماعي الأصلي بوسائل الاستثمار
في الجماعي (مثل بناء مسجد)
وتقديم بعض الخدمات للأقرباء
والجيران
الازدهار
االمستوى التعليمي بسيطدراسات عليا وشهادات
عاليا في جامعات غربية
تقشف، عصامية، تضحيةتحقيق طموحات وأحلام
ماجلس عائليماجلس إداري
الاهتمام والتركيز على
شركة العائلة
الرغبة في الانفتاح وتجربة
أعمال ومهن أخرى
سيطرة أفراد العائلة على
األشركة
دخول مساهمين من خارج
العائلة
عدم الثقة بالأسواق
المفتوحة والحذر منها
الحصول على سيولة من
مصادر خارجية
رفض قاطع للديونقبول مبدأ الديون للتطوير
الحفاظ على الثروة من
أجل توريثها
التوسع خارج حدود
الوطن

المصدر: من إعداد الباحثة.

2. تحديات انتقال القيادة

في تحليلنا مضمون خطابات المستجيبين، توصلنا إلى أن عملية تمرير القيادة من القائد المؤسس إلى القائد الجديد تطرح، خاصة في البداية، مجموعة من التحديات والصعوبات، اختزلناها في ثلاثة تحديات أساسية، هي: البقاء على المسار الصحيح، وارتياب السلطة، وخيار التركيز على العائلة أو المقاولة. بالنسبة إلى البقاء على المسار الصحيح، يكمن العائق الرئيس الذي يحول دون ذلك في أن توريث المقاولة يحدث أحيانًا بشكل مفاجئ، كحالتَي المرض أو الموت المفاجئ، فتجد المقاولة العائلية نفسها أمام مصير مجهول يتطلب التصرف الفوري والآني. هنا يصبح التدريب المسبق على تسلم

القيادة أهم عامل في استمرارية هذا النمط من الشركات، فإذا لم يكن المسؤول قد فكر وخطط لنقل المسؤولية في وقت مبكر، فلا يمكن أن يتم الانتقال بنجاح إلا بضربة حظ أعمى. وهذا يؤدي مباشرة إلى ارتيابٍ في سلطة القائد/ المدير، خاصة إذا أخذنا في الاعتبار أن القائد المؤسس يركز في بسط سلطته بدرجةٍ كبيرة على دور الأب الذي كان يقوم به داخل الأسرة، وكان في كثير من اللحظات التي تحدث فيها مشاكل، سواء داخل العائلة أو في المقاولة، يلتجئ إلى دور الأب لحل الخلاف. أما في حالة القائد الجديد، الذي هو الابن، فيكون عُرضةً لنشوء خلافات بينه وبين أفراد العائلة، ومن ثم يتراجع دور أفراد الأسرة في المشاركة في ممارسة السلطة؛ ما يفرض على القائد التحكم في الجانب العائلي العاطفي داخل المقاولة والحسم فيه منذ استلامه السلطة. إن الشائع في الدراسات المتعلقة بالمقاولات العائلية، بصفة عامة، أنها لا تستمر طويلً، إذ أجمعت كل القراءات التي تناولت هذا الموضوع، بنسب إحصائية مختلفة، على قِصر عمر المقاولات، حيث لا يتجاوز متوسط عمرها في كثير من الأحيان 24 سنة، أي إن 30 في المئة من الشركات العائلية تنجح في الاستمرار إلى الجيل الثاني، في حين تستمر 12 في المئة إلى الجيل الثالث، وتستمر 3 في المئة منها فقط إلى الجيل الرابع. وتوصلت دراسة كندية أجرتها مؤسسة Touche Deloitte، حول مدى استعداد الشركات العائلية لإيجاد القيادات الجديدة، إلى أن الاقتصاد الوطني سيرث في المستقبل القريب مجموعة من المقاولات العائلية الفاشلة، حيث وُجد أن عددًا كبيرًا من هذه الشركات غير مستعدة للتغيير الكبير الذي سوف

تواجهه نتيجة تغيير قيادتها. وفي الولايات المتحدة الأميركية بينت الإحصائيات أن 600 ألف من المقاولات العائلية تعرضت للإفلاس والانهيار خلال السنوات العشر الأخيرة، حيث لم يتمكن سوى عدد قليل منها من تخطّي الصعوبات والأزمات الاقتصادية ومواصلة التقدم والازدهار أكثر من قرن. أما في السياق المغربي، فإن الإحصائيات تنذر بالخطر، حيث فشلت ثلاثة أرباع الشركات العائلية في الانتقال إلى الجيل الثاني، ولم يتم نقل سوى 10 في المئة من هذه الشركات إلى الجيل الثالث، واستمر 4 في المئة منها إلى الجيل الرابع. وهكذا تبين هذه الإحصائيات أن المقاولات العائلية تواجه العديد من التحديات الخطِرة المرتبطة أساسًا بمسألة توريث المقاولة وتمرير القيادة. زد على ذلك المشاكل الاقتصادية والمؤسسية التي

تواجه الشركات كافةً، والعلاقات المعقدة التي تنبثق من كيان العائلة. لهذه الأسباب، تتعرض معظم المقاولات العائلية للفشل والزوال، لكن ثمّة في الوقت نفسه عدد قليل من المقاولات استطاع الصمود والنجاح في الحفاظ على الوحدة في الأوقات الضرورية، على نحو يضمن التوازن بين التفوق

(((4 سلمان، ص.36

(44) Richard Beckhard & W. Gibb Dyer Jr., "SMR Forum: Managing Change in the Family Firm: Issues and Strategies," Sloan Management Review , vol. 24, no. 3 (1983), pp. 59–65. (45) Houda Sikaoui, "Entreprise familiales: Un modèle gagnant …mais fragile," les cahiers des éco–PME, 18/2/2016, accessed on 12/1/2021, at: https://bit.ly/39oWmJJ

الاقتصادي وزيادة حجم الأسرة، وتدبير خطة الخلافة من جيل إلى آخر. وبما أننا راعينا، في دراستنا هذه، متغير النجاح والفشل في مقاربة الظاهرة القيادية بالمقاولات العائلية السوسية، فإننا سنفحص في هذا المحور تجربة مقاولات نجحت في نقل القيادة من جيل إلى آخر وأخرى فشلت في هذا التحدي.

سادسًا: مقاولات نجحت وأخرى انهارت

1. الثقة والوحدة والمرونة العائلية

يعد عنصر «الثقة» أول عامل يطرحه قائد المقاولات العائلية السوسية لتفسير نجاحه المقاولاتي، بل هو سر نجاح هذه المقاولات واستمراريتها. لذا فنجاح أي مقاولة يفترض بالضرورة توافر الثقة بين أفرادها، وهذا ما يؤكده قول أحد المقاولين السوسيين: «حينما تكون الثقة بين أفراد العائلة، وأقصد هنا الثقة الكاملة، فإن النتيجة الحتمية ستكون النجاح»، وفي سياق آخر يقول: «بدون مزايدات في الكلام الثقة هي كل شيء». نفهم من خلال هذا أن الثقة، بحسب المستجيبين، تكرس التماسك العائلي وتحافظ على قوة الروابط العائلية، من خلال فرض الاحترام المتبادل بين أفرادها، على اعتبار أنها تمثل ذلك الجانب الثقافي القيمي الرمزي للأسرة الذي يتحكم في طبيعة العلاقات داخل العائلة والمقاولة. إلى جانب عنصر الثقة، نجد «المرونة العائلية» بوصفها أحد أهم العوامل المفسرة لنجاح المقاولة السوسية. وتُعنى المرونة بدرجة حفاظ العائلة على استقرارها في مواجهة التغيرات التي تفرضها المؤثرات الداخلية والخارجية. ولقد عبر أحد المقاولين عن ذلك بوضوح حينما قال: «لكي تضمن المقاولة التماسك والاستمرار يجب أن لا تركز على الثبات لأنه لا يعبر عن أي شيء، ولكن يجب أن تمتلك المقدرة على مواجهة التغيرات المفاجئة والتقلبات، وهذا لا يكون بتبني أسلوب متصلب، لأن هذا سيقف عائقًا أمام التغيرات التي أعتبرها مسألة صحية في حياة المقاولات العائلية». فالعائلة المرنة تستطيع التفاوض بشأن إحداث التغيرات والتنقلات في نظامها بشكل لا يؤثر في مسار المقاولة، فيؤدي ذلك إلى أداء العائلة وظائفها بشكل جيد، وتكيفها مع تغيرات العمل وظروف السوق. إن كل المقاولات العائلية السوسية التي نجحت في الاستمرارية وضمنت التفوق الاقتصادي، هي مقاولات حافظت على نمط الأسرة الممتدة؛ ما نتج منه تكريس للسلطة داخل العائلة وداخل المقاولة في يد كبير العائلة – قائدها، فالعائلة هنا تؤدي دورًا محوريًا في الحفاظ على المقاولة، ذلك أن سعيها للحفاظ على استمراريتها ولحمتها لا ينفصل عن النزوع إلى الحفاظ على ممتلكاتها المادية، ولعل هذا ما يميز أغلب العائلات السوسية في كونها عائلات تتسم بالحضور القوي لمنظومة القيم التقليدية، كالتعاون والتضامن والاحترام وتقسيم العمل، وذلك ما ينعكس على سيرورة تكوين وبناء الشخصية الاجتماعية والثقافية والاقتصادية بالنسبة إلى الإنسان السوسي، خاصة حينما نتحدث عن جيل الأجداد والآباء المؤسسين.

(((4 م. ب.، مقاول سوسي صاحب مقاولة عائلية، مقابلة شخصية، أكادير،.2018/2/5 (((4 أ. أ.، مقاول سوسي صاحب مقاولة عائلية، مقابلة شخصية، انزكان،.2018/2/9

2. جمود القيادة وضعف التنظيم البيروقراطي وهشاشة الوحدة العائلية

كل عوامل النجاح التي طرحناها في المستوى الأول يؤدي عكْسها إلى انهيار المقاولة العائلية؛ فإذا ما بدأنا بالتنظيم البيروقراطي داخل هذه المقاولات العائلية التي فشلت، فإننا نجده يتصف بالجمود وغياب الحوكمة، وفي مثل هذه المقاولات غالبًا ما تستمر قيادة الأب المؤسس حتى عجزه أو

وفاته، وهنا يجري استلام الأبناء القيادة بشكل ملتبس لم يمهد له بإسناد الرئاسة بطريقة واضحة ومقبولة إلى أحد الأبناء. وفي أغلب الأحيان، تبقى المقاولة مستقرةً فترة قصيرة، لتدخل بعد ذلك مرحلة الانتكاسات والأزمات والعجز المالي، وإذا اعتبرنا العائلة في الشق الأول عنصرًا فاعلً في نجاح

المقاولة، فإن عدم التوازن بين الإكراهات العائلية وإكراهات التنظيم البيروقراطي قد يجعل العائلة عاملً يُسرع وتيرة انهيار المقاولة. وفي هذه الحالة، بدلً من أن يُسخَّر البعد الشخصي ويُطَوع على نحو يحقق الاندماج بين المكون العائلي العاطفي للمقاولة والقوانين الاقتصادية العقلانية والتنظيم البيروقراطي للعمل وللمسؤولية، فإن ما يحدث هو السعي لاحتواء المقاولة والسيطرة عليها وفق علاقات وتحالفات لا يمكن التحكم فيها بيروقراطيًا، الأمر الذي يترتب عليه ظهور نزاعات وصدامات

نتيجة تضارب الأهداف والمصالح بين ما يطرحه كل نظام معياري ومفاهيمي من آليات ومن ازدواجية في السلوك. يفسر هذا أنّ العمليات التنظيمية المتمثلة في الترقية وتفويض السلطة وإسناد المهمات تحددها العلاقات القرابية والشخصية، أكثر مما يحددها البناء البيروقراطي الذي يعتمد على الكفاءة المهنية، وهو ما يؤدي إلى عدم وضوح في موارد القيادة وشرعيتها، أو سيطرة نمطَي السلطة الأبوية المدمجة للعواطف والمصالح على أغلب العمليات التنظيمية. وهنا يمكن تأكيد أن هذه العوامل نسبية تختلف من مقاولة إلى أخرى، ويمكن أن تكون هناك عوامل أخرى مؤثرة، لكننا في هذا المستوى – من خلال المقارنة التي قمنا بها بين المقاولات الناجحة والفاشلة – ركزنا بالأساس على العناصر التي تبين لنا أنها شكلت عوامل حاسمة ومباشرة في نجاح المقاولات أو فشلها.

خاتمة

شرحنا في بداية البحث أن مجال اهتمامنا هو المقاولة السوسية، وقد رأينا كيف أن مفاهيم الثقة والمرونة العائلية والتنظيم البيروقراطي، والسلطة الأبوية الكاريزمية تؤدي كلّها دورًا مهمًا في عملية

التأسيس، وفي بناء خصائص السلطة القيادية للأب المؤسس داخل هذه المقاولات، وهو أمرٌ مُختلف

عن المقاولات التي تنشأ برأس مال عالٍ وجهاز بيروقراطي منظم مبني أساسًا على روابط عمل وضعية

صارمة. لقد بينت الدراسة أن المقاولة العائلية السوسية مركبة من نظامين معياريين مختلفين لهما

(((4 يحتل مفهوم حوكمة الشركات العائلية أهمية خاصة في مجال المال والأعمال في الفترة الراهنة، نظرًا إلى ما يقوم به من دور

إيجابي في ضمان تطوير أداء الشركات، وقد ظهر هذا المفهوم في الآونة الأخيرة بسبب الأزمة الاقتصادية العالمية التي أطاحت اقتصاديات عدد مهم من الشركات الكبرى. للمزيد من المعلومات حول الموضوع، ينظر: مولاي لخضر عبد الرزاق، «حوكمة الشركات العائلية»، ورقة مقدمة في الملتقى العلمي الدولي حول آليات حوكمة المؤسسات ومتطلبات تحقيق التنمية المستدامة، ورقلة، 2013/11/26–25، ص.189

وظائف وأهداف مختلفة؛ فنظريًا يكون هدف العائلة هو العناية بأفرادها، في حين تهدف المقاولة

إلى تحقيق النجاح الاقتصادي والربح، وبذلك تشكل المقاولة السوسية مؤسسة هجينة تجمع في الوقت ذاته بين ما هو أنثروبولوجي–عائلي وما هو حداثي–عقلاني، مع غلبة الجانب التقليدي الرمزي. ولا ينبغي لنا أن نعتبر أن هذه الخاصية تتضمن بالضرورة تناقضًا، وإنما هي أحيانًا استراتيجية تعتمدها هذه المؤسسات لتحقيق النجاح الاقتصادي والرضا العائلي والديني في الوقت ذاته، غير أنها استراتيجية تشتمل على عناصر توتر لا يمكن التغلب على نتائجها بسهولة وفق أحد نظامَي المعايير

والأهداف التي تقوم عليها، ولذلك فهي باستمرار عرضة للانقسام والتمزق. ويشهد هذا التداخل بين موارد وتمثلات مختلفة في النظامين المعياريين وفي الشخصية القيادية المتولدة منهما تحديات جمة؛ بسبب أن تطور المقاولة العائلية نحو الاتساع والمراكمة والتحديث التكنولوجي مشروط سوسيولوجيًا بتحول في القيادة ذاتها، ويهدد هذا التداخل والترابط وما يرتبط

به من قيم ومعايير وعلاقات. ويمكن أن تتأقلم القيادة مع الشروط الجديدة، لكن التأقلم يعني أيضًا التخلي عن بعض الأسس التي قامت عليها، ومن أهمها الارتباط الوثيق لخيارات الاستثمار والتجديد والمجازفة بمقام الأب المؤسس في العائلة واستحقاقاته المعيارية والرهانات الخاصة للأبناء – الأتباع في أفق غياب القائد. أخيرًا، بيّنت الدراسة أن التحديات التي تواجهها المقاولة السوسية اجتماعية ثقافية أكثر منها اقتصادية،

وهذا يسمح لنا بتوسيع أفق نتائج بحثنا ليشمل جميع حالات المقاولات المغربية والمغاربية، وربما أبعد من ذلك. فلقد وضحنا في بداية الدراسة أن هدفنا ليس تمجيد المقاولة السوسية، ولا السقوط في مخاطر التصنيف الأيديولوجي، أو حتى الإثني، الذي يعبر في الحقيقة عن الصراعات الاجتماعية داخل النسيج الاجتماعي المغربي المتحول، بأبعاده الثقافية والهوياتية المتخيلة، ذلك أنه في كل زاوية من زوايا المغرب هناك مقاولات عائلية في طور النشوء أو التوسع أو التأزم والانقسام، وفي كل حالة يدفع التوتر والتناغم بين المكونات الأنثروبولوجية للقيادة وتحديات التنظيم البيروقراطي وإكراهات السوق وسياق العولمة المقاولة العائلية في هذا الاتجاه أو ذاك بحسب قدرة القيادة على التأقلم. إن هذا هو أفق المقاولة المغربية إن أرادت تحقيق قفزة نوعية؛ ما يخلق حاجة ملحّة إلى ثورة اقتصادية ثقافية

في الممارسة والتعليم والتدريب، إذا ما رامت هذه المؤسسة الرد على تحديات ما يسمى «العولمة».

References

المراجع

العربية

الإقداحي، هشام محمود. سيكولوجية النخبة العليا والزعامة. الإسكندرية: مؤسسة شباب الجامعة،

أمرير، عمر. العصاميون السوسيون في الدار البيضاء: السلسلة الذهبية الأولى. الرباط: دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع،.2014

امعمري، لحبيب. المقاولة والثقافة: دراسة في عملية التحديث بالمغرب: التغير الاجتماعي ورهانات العولمة. فاس: منشورات دار ما  بعد الحداثة،.2010 حسن، ماهر محمد صالح. القيادة: أساسيات ونظريات ومفاهيم. عمّان: دار الكندي للنشر والتوزيع،

حمداوي، جميل. جهود ماكس فيبر في مجال السوسيولوجيا. [د. م.]: شبكة الألوكة،.2015 سبيلا، محمد. في تحولات المجتمع المغربي. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر،.2007 سلمان، سامي تيسير. التخطيط الإستراتيجي لشركات العائات. بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون،

شقير، محمد. «مراحل تشكل النخبة السوسية بالمغرب». المجلة المغربية لعلم الاجتماع السياسي. العدد 10–9.)1989(عبد  الباقي، صلاح الدين محمد. السلوك الفعال في المنظمات. الإسكندرية: دار الجامعة الجديدة للنشر،.2002 عبد الرزاق، مولاي لخضر. «حوكمة الشركات العائلية». ورقة مقدمة في الملتقى العلمي الدولي حول آليات حوكمة المؤسسات ومتطلبات تحقيق التنمية المستدامة. ورقلة،.2013/11/26–25 العطري، عبد  الرحيم العطري. قرابة الملح: الهندسة الاجتماعية للطعام. الدار البيضاء: شركة النشر

والتوزيع المدارس،.2016 عمر، معن خليل. مناهج البحث في علم الاجتماع. عمّان: دار الشروق للنشر والتوزيع،.2004 عنبي، عبد  الرحيم. الأسرة القروية بالمغرب: من الوحدة الإنتاجية... إلى الاستهاك: دراسة ميدانية لاتجاهات التغير الأسري بالوسط القروي المغربي. أكادير: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية– جامعة ابن زهر،.2014 عياصرة، علي أحمد عبد  الرحمن ومحمد محمود العودة الفاضل. الاتصال القيادي في المؤسسات التربوية. عمّان: دار الحامد للنشر والتوزيع،.2006 فلوري، لوران. ماكس فيبر. ترجمة محمد علي مقلد. سلسلة نصوص. بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة،.2008 فيبر، ماكس. الأخاق البروتستانتية وروح الرأسمالية. ترجمة محمد علي مقلد. بيروت: مركز الإنماء القومي،.1990 كيكر، عبد  الله. من رجالات سوس أحمد أولحاج أخنوش: المجاهد والمناضل والزعيم والرمز. الرباط: مطبعة الربط نت،.2012

لاباري، إبراهيم. «المقاولات العائلية وإشكالية التنقل بين الأجيال: دراسة سوسيولوجية في جهة سوس في المغرب». إضافات. العدد 28 (خريف.)2014 الهراس، المختار. «بروز الفرد داخل العائلة في أنجرة: الهوية الاقتصادية وصراعات الجنس والأجيال». دكتوراه الدولة في علم الاجتماع. كلية الآداب والعلوم الإنسانية. جامعة محمد الخامس. الرباط،

واتربوري، جون. أمير المؤمنين: الملكية والنخبة السياسية المغربية. ترجمة عبد  الغني أبو العزم وعبد الأحد السبتي وعبد اللطيف الفلق. الرباط: مؤسسة الغني للنشر،.2004 وزارة التجارة والصناعة السعودية. دليل حوكمة الشركات العائلية وميثاقها الاسترشادي. الرياض: وزارة التجارة والصناعة،.2013

الأجنبية

Barnes, Louis B. & Simon A. Hershon. "Transferring Power in the Family Business." Harvard Business Review. vol. 54, no. 4 (July–August 1985). Beckhard, Richard & W. Gibb Dyer Jr. "SMR Forum: Managing Change in the Family Firm: Issues and Strategies." Sloan Management Review. vol. 24, no. 3 (1983). Collins, Jim. Good to Great: Why Some Companies Make the Leap... and Others Don’t. New York: Harper business, 2001. Denieuil, Pierre Noel. Les entrepreneurs du développement: L`ethno–industrialisation en Tunisie: La dynamique de Sfax. Paris: L’Harmattan, 1992. El Aoufi, Noureddine. L`entreprise cote usine: Les configurations sociales de l`entreprise marocaine. Groupe d`études et de Recherches sur les Ressources Humaines et l`entreprise. Rabat: GERRHE/ El Maarif El Jadida, 2000. Tangeaoui, Said. Les entrepreneurs marocains: Pouvoir, Société et modernité. Paris: Editions Karthala, 1993. Trigui, Samir. Management et leadership: Le savoir–Faire et la gestion moderne. Tunis: Centre de Publication Universitaire, 2004. Ward, John L. Keeping the Family Business Healthy: How to Plan for Continuing Growth, Profitability, and Family Leadership.  San Francisco: Jossey–Bass, 1987. Waterbury, John. Nord for the Trade: The life and Times of a Berber Merchant. Berkeley: University of California Press, 1972. Westermarck, Edward. Wit and Wisdom in Morocco: A Study in Native Proverb. London: George Routledge and Sons, 1930.