العودة إلى تفاصيل المؤلَّف النساء الضحايا والعدالة الانتقالية في تونس: شرخ الانتظارات والاعتراف المنقوص

النساء الضحايا والعدالة الانتقالية في تونس: شرخ الانتظارات والاعتراف المنقوص

Women Victims and Transitional Justice in Tunisia Shattered Expectations and Partial Recognition

عادل العياري | Adel Ayari *

الملخّص

مكّن الانتقال الديمقراطي في تونس من طرح مسألة العدالة الانتقالية باعتبارها إحدى أهم القضايا الاجتماعية والسياسية الراهنة. ولئن وقعت دسترتها، فإن مخرجاتها، خصوصًا في ما يهم النساء الضحايا، ظلت مبتورة، ولم تستطع تحقيق النتائج المأمولة. تبحث هذه الدراسة في ما أنجزته العدالة الانتقالية للنساء الضحايا، مقارنة بما كُنّ يتطلّعن إليه، وفي الكيفية التي يقيّمن بها مسارها. وظف البحث المقاربة الكيفية من خلال إجراء مقابلات مع عيّنة من النساء يمثّلن حالات مختلفة من الضحايا، أجمعت غالبيتهن على إخفاق العدالة الانتقالية في تحقيق مطالبهنّ وتحقيق العدالة لهنّ.

Abstract

Abstract: Democratic transition in Tunisia has highlighted transitional justice as one of the most important and current social and political issues. Despite having been mentioned in the constitution, its outcomes, especially those concerning women victims remain incomplete. Judicial procedure has not resulted in the promised outcomes as governed by the law and is an ongoing political and social process. This article examines what transitional justice has achieved for women victims against what they had hoped for and how the course of justice has been evaluated by these victims. Concrete cases were selected according to a qualitative approach by talking to a sample of women who represent different cases of victims. Most of these women agreed that transitional justice had failed to achieve any tangible outcomes for them.

الكلمات المفتاحية:
  • عدالة انتقالية
  • النساء الضحايا
  • السياق السياسي
  • الانتظارات
  • الاعتراف
Keywords:
  • Transitional Justice
  • Women Victims
  • Politics
  • Expectations
  • Recognition

ملخص: مكّن الانتقال الديمقراطي في تونس من طرح مسألة العدالة الانتقالية باعتبارها إحدى أهم القضايا الاجتماعية والسياسية الراهنة. ولئن وقعت دسترتها، فإن مخرجاتها، خصوصًا في

ما يهم النساء الضحايا، ظلت مبتورة، ولم تستطع تحقيق النتائج المأمولة. تبحث هذه الدراسة

في ما أنجزته العدالة الانتقالية للنساء الضحايا، مقارنة بما كُنّ يتطلّعن إليه، وفي الكيفية التي

يقيمن بها مسارها. وظف البحث المقاربة الكيفية من خلال إجراء مقابلات مع عيّنة من النساء

يمثّلن حالات مختلفة من الضحايا، أجمعت أغلبيتهن على إخفاق العدالة الانتقالية في تحقيق

مطالبهنّ وتحقيق العدالة لهنّ.

Abstract: Democratic transition in Tunisia has highlighted transitional justice as one of the most important and current social and political issues. Despite having been mentioned in the constitution, its outcomes, especially those concerning women victims remain incomplete. Judicial procedure has not resulted in the promised outcomes as governed by the law and is an ongoing political and social process. This article examines what transitional justice has achieved for women victims against what they had hoped for and how the course of justice has been evaluated by these victims. Concrete cases were selected according to a qualitative approach by talking to a sample of women who represent different cases of victims. Most of these women agreed that transitional justice had failed to achieve any tangible outcomes for them.

A Professor in Sociology at Tunis University, Specialized in Enterprise Sociology and Quality Systems in Higher Education.

أولا: الإشكالية

مثّلت العدالة الانتقالية في تونس أحد أبرز مخرجات التحولات السياسية الكبرى التي شهدتها البلاد وما زالت كذلك. ويمكن اعتبارها ركيزةً أساسيةً في محاولة البلد الوصول إلى تطلّعاته السياسية المستقبلية. نحاول في دراستنا هذه تحليل جانب مهم من العدالة الانتقالية، وهو متعلق بالنساء الضحايا. ويتمحور السؤال الأساسي حول ما أنجزته العدالة الانتقالية لهنّ، وأهم سياقات ذلك، وكيفية تقييمهن لذلك مقارنة بما كُنّ يتطلّعن إليه.

ثانيًا: المقاربة المنهجية

1. التمشي المنهجي

لا تطمح هذه الدراسة إلى الإجابة عن كل الأسئلة المتعلقة بالعدالة الانتقالية، بل إلى تحديد مخرجاتها المتعلقة بالنساء الضحايا وتحليلها، والوقوف على العقبات والمشكلات التي نشأت في الأثناء، وما عاق التنفيذ المناسب لأعمال هذه العدالة في الواقع، والتسلح بالرؤية النقدية لكيفيات حدوثه، والتعرّض بالتمحيص للرهانات المصاحبة لكل ذلك. وتمثّل خَطُّ سير الباحث في العمل في رصد

إنجازات الأهداف المعلنة للعدالة الانتقالية في جزئها النسوي وتقييمها، وتشخيص ذلك عبر تحليل أمثلة أمكنه التحقق منها. اعتمد الباحث على النص القانوني المنظم للعدالة الانتقالية بوصفه نقطة مرجعية، من دون أن يكون التحليل قراءة قانونية، بل توجّه إلى الخوض في السياقات المختلفة التي أفضت إلى الإنجازات

الحقيقية، لا المفترضة. ويمكن اعتبار الدراسة إضافةً متواضعة تساهم في جعل البحث العلمي، خصوصًا السوسيولوجي منه، يواكب أهم القضايا المجتمعية وينظر في رهاناتها وتداعياتها المختلفة. يفرض الخوض في مثل هذه المواضيع، علميًا، ألّ يتسلّح الباحث بالجرأة العلمية فحسب، بل أن يضع

أيضًا بينه وبين الضحايا اللاتي أدلين بآرائهن أكبر مسافة ممكنة، وأن «يفصل – عبر تجنّب التناقض والشبهة – [...] بين مهمتين؛ تلك المتعلقة به بوصفه مشاركًا، وبين مهمته بوصفه باحثًا»، وذلك لسببين على الأقل: الأول حتى لا يتحوّل البحث إلى سرد لتاريخ وقصص ومسارات أفراد، ويتعلق

الثاني بالتثبت في ما يتحصّل عليه من روايات ومعلومات، وأن يتمكّن، تبعًا لذلك، من تحليل الحالات

وقراءتها ووضعها في سياقها التاريخي. إنّ خطر التعاطف الكلي هنا هو أن يتحوّل البحث إلى خطاب

يُروى ولا يمحّص. لتجنب ذلك، ولتقليص احتمال الوقوع فيه، ارتأينا المزج والمراوحة بين ما هو

نظري – يهم العدالة الانتقالية ومفهوم الضحية – وما هو إمبيريقي ميداني، وأن نُخضِع ما نلاحظه ونكتشفه وما نتقصّاه وما نجمعه من معلومات ومعطيات لما اخترناه باعتباره «نظّارات سوسيولوجية

لرؤية أمثل للواقع الاجتماعي»، أو هكذا حاولنا في هذه الدراسة على الأقل.

(1) Norbert Elias, Engagement et distanciation: Contribution à la sociologie de connaissance , Michèle Hulin (trad.) (Paris: Fayard, 1993), p. 29. (2) François de Singly, "Choisir des lunettes sociologiques pour mieux voir la réalité sociale," in: François de Singly, Christophe Giraud & Olivier Martin (eds.), Apprendre la sociologie par l’exemple , 3 ème ed. (Paris: Armand Colin, 2016), p. 21.

2. عيّنة البحث

اخترنا العمل على حالات ملموسة باستعمال مقاربة كيفية عبر الحديث إلى مجموعة من النساء، عددهن تسع عشرة امرأة، يمثلن حالات مختلفة من الضحايا. لا ندّعي أن تكون لعيّنة بحثنا تمثيلية

فائقة أو كاملة ومطلقة، لكننا على قناعة علمية بأهمية ما توصّلنا إليه من نتائج علمية. فهذه العينة، على

صغر عددها، تحوي خصائص متماثلة، وأخرى منفردة، ومن أهم هذه الخصائص، ما يلي: • عشر نساء قدّمن ملفاتهن إلى هيئة الحقيقة والكرامة، والباقيات، أي تسع منهنّ لم يقمن بذلك. سنعرض لاحقًا معاني ذلك ودلالاته، خصوصًا في ما يتعلق بمفهوم الضحية وما يشمله. • الوضعية الاجتماعية لأفراد هذه العينة ومستوى الدخل المالي، حين التعرّض للانتهاك مختلفان.

وهذا التنوّع مكّننا من الوقوف على مستويات مختلفة من الانتظارات والتفاعل والتمثلات والتقييم.

كما أن تاريخ هؤلاء النسوة السياسي غير متشابه، ما أعطى وضعياتهن الفردية أبعادًا مختلفة، وصبغ تفاعلهن مع مجريات العدالة الانتقالية ومخرجاتها بطرائق متعددة. إضافة إلى هذا كله، ترك تعاطي بعضهن النشاط السياسي، والمواقع السياسية والحزبية والعلمية لبعضهن أيضًا، أثرًا واضحًا في نظرتهن

إلى حقيقة منجزات العدالة الانتقالية. • يراوح سنّ أفراد العيّنة بين ال 47 وال 61 عامًا، وثلثاها متزوجات. اثنتا عشرة امرأة من مجموع العينة

يعملن، ويراوح مستواهن التعليمي ما بين الصف السادس ثانوي (نظام تعليمي قديم) وأستاذية النظام الجامعي القديم، وبينهن مهندسة وطبيبة. • يشمل توجّهاتهن الأيديولوجية وتاريخهن السياسي، عمومًا، النشاط النقابي والطالبي والتوجهات

الاشتراكية الماركسية والقومية والإسلامية، وبينهن من لم يكن لهن، بحسب ما صرّحن به، نشاط

سياسي معلوم، ولا انخراط في حزب أو جمعية أو تنظيم نقابي حين تعرّضن للانتهاك. ولوضعياتهن

بوصفهن ضحايا مدلولات خاصة عميقة سنتطرق إليها لاحقًا. • ما تعرّضت له ضحايا العينة من انتهاكات مختلفُ الحجم والنوع؛ انتهاك جسدي وتحرش جنسي،

وأنواع عنف وتعذيب وهرسلة وملاحقة وإلزام بالتوقيع اليومي لدى مركز الأمن. منهنّ من حُرمت من

الشغل ومن الحقوق المدنية، وأخريات حُرمن من دخول أرض الوطن، وبعضهن طُردن من التعليم.

ومن بينهن خمس ضحايا قضين عقوبة سجنية – تراوح بين 4 أشهر وعام واحد. واخترنا أن نذكر في ما سيأتي من الدراسة، في الهامش، أهم ملامح الضحية، كلما استشهدنا تِباعًا بما صرّحت به إحداهن.

3. تقنيات البحث الميداني وبناء مؤشرات قياس

نلحظ من المعطيات الإحصائية والبيانية التي كشفتها هيئة الحقيقة والكرامة، وما نشرته على موقعها الإلكتروني في هذا الإطار، أن معطيات الهيئة، على ثرائها، لا تغطي كل المعطيات المتعلقة بما حدث فعلً على مدى عشرات الأعوام من انتهاكات للحريات وقمع واستبداد. عديدات هنّ النسوة اللاتي لم يتّصلن بمصالح هذه المؤسسة، وسنعود لاحقًا إلى تحليل دلالات ذلك وآثاره.

مكّننا الحديث إلى أفراد هذه العينة من «معطيات مهمة على علاقة مباشرة بموضوع البحث». واستعملنا خلال إنجاز هذا البحث تقنيتَي المقابلة وحلقة التركيز. والتقينا نساء العينة فرادى في خمس مناسبات، وتحدثنا إليهن في ثلاث حلقات تركيز، أو مجموعات بؤرية، جمعت الأولى والثانية في كل مرة خمس نساء، وحوت الثالثة الأخيرة أربع نساء. وانتقلنا إلى الجنوب التونسي (ولاية قفصة)، وإلى الشمال الشرقي (ولاية نابل) لإنجاز حلقتَي تركيز. أما الحلقة الثالثة، فكانت في ولاية تونس، وجمعت نساءً من ولايات منوبة وبن عروس وتونس. امتد إنجاز العمل الميداني إلى ثلاثة أشهر، بين

كانون الأول/ ديسمبر 2018 وأواخر شباط/ فبراير 2019. وكانت محاور الحديث، تدور أساسًا، حول

التجربة الشخصية والانتظارات من العدالة الانتقالية ومن أعمال هيئة الحقيقة والكرامة. ارتأينا أن نعتمد ثلاثة مؤشرات، هي: التعويض وجبر الضرر، وكشف الحقيقة، والمحاسبة. والغاية من هذا هو قياس قدرات العدالة الانتقالية، عمليًا، على تعويض الضحايا، وعلى المساهمة في إعادة

تأهيلهن اجتماعيًا ومهنيًا ونفسانيًا وأيضًا، أو خصوصًا، قدرتها على كشف الحقيقة التاريخية كاملة.

انتظارنا المنهجي من هذه المؤشرات لم يكن حصر النتائج كميًا، بل المساهمة في حصر خطورة

ما وقع لهؤلاء الضحايا، وفداحة ما تعرّضن له، والوقوف على الهوّة والتباعد بين يقين ما عشنه ورخاوة

ما يَتُقْن إليه. أصرّت بعضهن على الحديث المنفرد، وقبلت أخريات بالحديث ضمن الجماعة. لم تُخف بعضهن

رفضها الحديثَ أمام أخريات ذات توجه أيديولوجي مناقض، وفي هذا معنى ودلالة بشأن حدّة الانقسام الأيديولوجي حتى بين الضحايا أنفسهن. واتّسمت بعض المقابلات والأوقات من حلقات التركيز بشحنات عاطفية كبيرة، وبتجليات للألم العميق. خطاب الألم عند ضحايا العينة ليس خطابَ

شكوى، بل هو سردٌ لأوقات زمنية عصيبة من تاريخ تونس الاجتماعي والسياسي.

ثالثًا: السياقات العامة لظهور العدالة الانتقالية واشتغالها وإنهاء أعمال هيئة الحقيقة والكرامة

1. بداية المسار

حقق الانتقال الديمقراطي انتصارًا سياسيًا – أو هكذا تمثّلته القوى المناصرة للعدالة الانتقالية – حين

أنجز الإطار القانوني والتشريعي الخاص بالعدالة. وكثّف إيمان النخب الجديدة الصاعدة بنجاح الانتقال الديمقراطي شعور المناضلين بإمكان التغيير الحقيقي، وازداد هذا الشعور كثافة عند الضحايا، نظرًا إلى انتظاراتهن الكبيرة من المسار الانتقالي واعتقادهنّ الراسخ «أن اليوم سيرجع الحق لأصحابه

وسيتحقق حلم الجميع بدولة القانون والديمقراطية». استثمرت الحكومة الجديدة في مسألة العدالة الانتقالية، وصرحت بأنها جعلتها في مقدمة أهدافها

(3) Alain Blanchet, Dire et faire dire: L’entretien , 2 ème ed. (Paris: Armand Colin, 2003), p. 155.

(((ر. 54 عامًا، حُكم على زوجها بعشرين سنة سجنًا، حلقة تركيز، ولاية تونس،.2019/2/3

وعلى رأس أولوياتها. كما سمحت الدينامية السياسية الجديدة والأجواء النضالية المصاحبة لها للقوى السياسية الحاكمة بتعزيز شرعيتها السياسية. وسط هذه الأجواء «الثورية الحالمة بالتغيير»، نشأ عدد من الجمعيات المدنية المشتغلة بالعدالة الانتقالية، والسجناء السياسيين، وضحايا الحوض المنجمي، وشهداء الثورة وجرحاها، وانتفعت بتمويلات منظمات دولية مكّنتها من النشاط العملي والميداني، ومن تقديم مشاريع تصوّرات بشأن

العدالة الانتقالية وجوانبها القانونية، وقدّمت العديد من الاقتراحات في الغرض. أوجدت هذه الممارسات التشاركية إحساسًا لدى العديد من الضحايا بأن «الخوف انتهى بانتهاء الاستبداد، وأن

النساء الضحايا سيشاركن في إرساء العدالة التي حلمنا كلنا بها». في هذا السياق الدينامي الحامل لتغيّرات سياسية هيكلية وتشريعية، مثّلت الجمعيات المدنية، والقوى

السياسية المنتخبة حديثًا، والمنظمات الدولية، إلى جانب النخب الداعمة للمسار الانتقالي، أهم الفاعلين السياسيين والقوى الاجتماعية على الساحة الوطنية، الذين مهّدوا للإرساء السياسي والقانوني الشكلاني للعدالة الانتقالية، عبر انتخاب هيئة الحقيقة والكرامة؛ باعتبارها أحد أهم المخرجات الدستورية للانتقال الديمقراطي في تونس. تغذّت انتظارات النساء الضحايا من المنسوب الكبير للحريات العامة في الفترة التي تلت الثورة، كما تغذّت في ذلك الوقت من العفو التشريعي العام الصادر الذي مكّن المئات من العودة إلى العمل. وتغذّت هذه الانتظارات أيضًا بفعل حصول عشرات النساء الضحايا على تعويضات مالية مختلفة الكمية، وعلى بطاقة علاج اعتُبرت حينئذ «جزءًا مقدمًا لتعويضات مستقبلية أكبر وأهم وحجة مادية أن

الأمور سائرة في الاتجاه الصحيح»، اتجاه تجسيد ما تتوق إليه الضحايا. لم تكن هذه الانتظارات حصيلة تاريخ فردي فحسب، بل اكتملت وتوسّعت أيضًا في إطار التحولّات

السياسية التي كانت تونس مسرحًا لها، كما تأكدت في سياق ما حصل من تغيّرات سياسية مهمة بقدوم

نخب جديدة إلى الحكم ووعدها بإرساء الديمقراطية وصيانتها، وقد التزمت لدى ناخبيها والرأي العام بإنجاز التنمية والعدالة الاجتماعية. لم يكن لانتظارات النساء الضحايا إلّ أن تتناسق مع المشروع المجتمعي الجديد الموعود الذي أعلنته النخب السياسية القائدة الجديدة، وأن تتماهى فيه. وساهم الأفول الوقتي والمرحلي لنجوم القوى السياسية المحسوبة على النظام السابق في خلق انطباع عام لدى العديد من الضحايا مفاده أن المرحلة السياسية المقبلة ستمكّنهن من حقوقهن، كما نصّت عليه

المواثيق الدولية والصيغ القانونية العامة المنظمة للعدالة الانتقالية، خصوصًا تلك المتعلقة بكشف الحقيقة

وجبر الضرر والمحاسبة وتأمين عدم تكرار الانتهاك، وذلك تناغمًا مع الجهود الجديدة «التي يبذلها

المجتمع لتفهّم تركته من تجاوزات الماضي الواسعة النطاق بغية كفالة المساءلة وإقامة العدالة وتحقيق

(((أول خطاب لحمادي الجبالي رئيس الحكومة الأولى التي أفرزتها انتخابات عام 2011 أمام مجلس نواب الشعب. (((ش. 59 عامًا، مقابلة شخصية، ولاية تونس، 2019/2/4. تعرّضت ل يإإقاف في مراكز الأمن للاشتباه في انتمائها إلى تنظيم

يساري في نهاية السبعينيات. (((ل. 52 عامًا، مقابلة شخصية، قفصة،.2019/1/6

المصالحة». مثّل الانتقال السياسي في تونس في سنواته الثلاث الأولى تحولّلًاجتماعيًا عميقًا، جع

من العدالة الانتقالية شيئًا ممكن الحصول وقابلً للإنجاز. ولم يكن هذا لأنها قانون سُنّ فحسب، بل لأنها أيضًا تتنزّل في إطار أعمّ، هو أن «المنعرجات التشريعية المهمة في حياة المجتمعات ليست أداةً لتغيير هذه المجتمعات، بقدر ما هي انعكاس لما يعتمل داخلها من تحولات ناضجة تنتظر تكريسًا لها على المستوى القانوني والتشريعي». لكن كل تحوّل (أو تغيّر) ستصاحبه معارضة تقاومه وتوجد ضدّه جيوب ممانعة.

2. سنّ قانون العدالة الانتقالية وإدماج مقاربة النوع الاجتماعي

مثّل المجهود التشريعي المتعلق بالعدالة الانتقالية في تونس حدثًا قانونيًا مهمًا وتحواّلً سياسيًا، م زالت

تداعياته وآثاره جارية حتى اللحظة الراهنة. أبدى الفاعلون السياسيون المحليون والدوليون اهتمامًا بالغًا بهذا الحدث، كما كان أيضًا مناسبة للنخب السياسية المحلية، ومنظمات المجتمع المدني، والمنظمات الحقوقية المحلية والدولية، وجمعيات الضحايا الناشطة، أن تمارس أكبر قدر ممكن من الضغط لتوجيه المجهود التشريعي في اتجاه ما تعتبره هي مكسبًا ثوريًا ومجتمعيًا ومدنيًا وسياسيًا. ومثّل الحوار الوطني بشأن العدالة الانتقالية مرحلةً مهمةً في بناء نص قانوني يحمل في طياته نفسًا جندريًا، حيث طالبت جمعيات الضحايا، النسوية منها خصوصًا، بضرورة إدراج مقاربة النوع الاجتماعي في قانون العدالة الانتقالية، وذلك لخصوصية الانتهاكات التي تعرّضت لها المرأة في مختلف الفترات

الزمنية ودورها النضالي. وكان أحد ثمار هذا التدخل أنْ أفرَد القانون النساء الضحايا بفصل داخل

النص التشريعي يمكّنهن، نظريًا، من وضعية الضحية ذات الخصوصيات البيّنة والواضحة. لقد مثّل

النص القانوني للعدالة الانتقالية في بعده النسوي تتويجًا لمطالب سياسية اجتماعية وتناسقًا مع وضع تاريخي محلي للمرأة، بل ترجمانًا لتحوّل حداثي وسياسي يمسّ البنى الاجتماعية والسياسية المحلية

أيضًا، وما زالت نتائجه لم تنته.

3. سياق الاشتغال وتفعيل مقاربة النوع الاجتماعي

منذ اللحظات الأولى لتصويت النخب السياسية البرلمانية على أعضاء هيئة الحقيقة والكرامة، بان على نحو كافٍ مدى حجم الرهانات المصاحبة لهذا التصويت، وكيف أنه سيكون موضوع خصام وصراع سياسيَّين بين مختلف الأحزاب السياسية من جهة، وهذه الأحزاب نفسها والدولة وأجهزتها من

(((العدالة الانتقالية بتونس: أسس نظرية، تطبيقات عملية وتصورات مستقبلية، ط   2 (تونس: مركز الكواكبي للتحولات الديمقراطية، 2014)، ص.9 (((عماد المليتي، «التحولات الاجتماعية والحريات الفردية لدى الشباب في تونس: أي علاقة؟»، عمران، مج 8، العدد 32 (ربيع 2020)، ص.28 (((1 نص الفصل عدد 4 من قانون العدالة الانتقالية: «ويؤخذ بعين الاعتبار عند كشف الحقيقة خصوصية وقع الانتهاك على كبار السن والنساء والأطفال والمعوّقين وذوي الاحتياجات الخاصة والمرضى والفئات الهشة». يُنظر: «قانون أساسي عدد 53 لسنة 2013

مؤرخ في 24 ديسمبر 2013 يتعلق بإرساء العدالة الانتقالية وتنظيمها (1)»، الرائد الرسمي للجمهورية التونسية، العدد 105 (2013)، ص.4342–4335 (((1 في 30 أيار/ مايو.2014

جهة أخرى. فضلً عن ذلك، لم تنجُ المنظمات المدنية والحقوقية من هذا الصراع وتحوّلت إلى طرف

فيه يدفع كل منها في اتجاه تأصيل ما يعتقد أنه مسار أفضل للعدالة الانتقالية. لم يكن الجدل والصراع السياسيان بشأن هيئة الحقيقة والكرامة فحسب، بل تعدّاه إلى التشكيك في العدالة الانتقالية نفسها. وسيكون لهذه الصراعات ظلالٌ تلقيها على اشتغال العدالة الانتقالية، بل آثارٌ

كبيرة أيضًا بشأن طبيعة مسارها ونوعية نتائجها وحجم مخرجاتها، خصوصًا في الفئة النسائية. فقد

صاحب هذه التحولات عودة قوية وبروز جليّ لقوى اجتماعية وسياسية ستعترض بشدّة على العدالة

الانتقالية، وستحاول هذه القوى عرقلة هذا المسار عبر مقاومتها الشديدة للانتقال الديمقراطي. في إثر انطلاق أعمال هيئة الحقيقة والكرامة، جرى تكوين لجنة المرأة، وعُهِد إليها كل ملفات النساء الضحايا، وعملت على جمع الملفات والبحث عن الانتهاكات وكشفها والقيام بالدراسات المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان. كما خُصّص رقم أخضر فرعي مجاني لاستقبال تساؤلات النساء الضحايا

بشأن ملفاتهن، وأحدثت مكاتب استقبال خاصة بالنساء في المقرّ المركزي وفي المكاتب الجهوية،

ومكاتب استماع سري خاصة بالنساء، وإجراءات خاصة بالعناية الفورية، وإجراءات خاصة بحماية الشهود، وغيرها من الإجراءات. استقبلت الهيئة ملفات الضحايا، وبلغ عدد ملفات النساء 14057 ملفًا، أي ما يقارب 23 في المئة من إجمالي الملفات، وهو رقم قليل، مقارنة بطبيعة الانتهاكات التي مارستها أجهزة النظام السياسي ضدّ الضحايا وعائلاتهم وذويهم. وقد توزعت الملفات على جهات البلاد التونسية على نحو يبيّنه الشكل.)1(الشكل (1) تقسيم النساء الضحايا بحسب الولاية

المصدر: هيئة الحقيقة والكرامة، التقرير الختامي الشامل، ج 2: تفكيك منظومة الاستبداد (تونس: كانون الأول/ ديسمبر 2018)، ص.7 (((1 «قرار مجلس هيئة الحقيقة والكرامة عدد 8 لسنة 2016 مؤرخ في 27 ماي 2016 يتعلق بالمصادقة على دليل إجراءات لجنة

المرأة»، مجلس هيئة الحقيقة والكرامة، 2016/5/27، شوهد في 2020/11/1، في: https://bit.ly/2TWdQ9f ((1(هيئة الحقيقة والكرامة، التقرير الختامي الشامل، ج 2: تفكيك منظومة الاستبداد (تونس: كانون الأول/ ديسمبر 2018)، ص.6 (((1 المرجع نفسه، ص.4

غطّت الملفات مختلف الأحداث التي شهدها تاريخ تونس المعاصر، والتي سُجّلت فيها انتهاكات لحقوق الإنسان، كما يُبيّن الشكل.)2(الشكل (2) تقسيم السياقات التي تخص النساء

المصدر: المرجع نفسه، ص.8

على الرغم من كل هذه الإجراءات المتعلقة بالنساء وتنوّع ملفات الضحايا، عرفت الهيئة عدة عراقيل، بسبب ارتفاع ضغط الخلافات والانقسامات داخلها؛ ما حال دون الوصول إلى النتائج المرجوّة. فمنذ الأيام الأولى والأشهر الموالية لتشكيل الهيئة، تتالت الاستقالات، وكان هذا الأمر منبئًا بصعوبات

الفترة المقبلة التي ستواجهها هذه المؤسسة في إنجاز ما وكل إليها من مهمات. وواجهت الهيئة ثلاث أُ صعاب كبيرة أثّرت في أدائها وأنهكتها: • الأولى: ضعف – أو عدم – تجاوب أجهزة الدولة وممثليها الرسميين مع مطالب الهيئة، على عكس الخطاب الرسمي. فقد عانت الهيئة في الحصول على الوثائق والأرشيف، وماطلت المؤسسات الرسمية في هذا الشأن، وفي الرد على المراسلات الموجّهة إليها أيضًا. وقاد هذا الرفضَ فاعلون سياسيون وإعلاميون وبعض الفاعلين الاقتصاديين المتنفذين، وحتى نخب سياسية منتخبة

أيضًا. كان من نتائج ذلك مفارقة كبرى؛ إذ تحوّلت العدالة الانتقالية إلى مسؤولية مطلقة في عهدة هيئة الحقيقة والكرامة، بدلً من أن تكون مسؤولية سياسية للدولة. من هذه الزاوية كانت مناورة القوى المضادة تقضي بإفشال مسار العدالة عبر إفشال أعمال الهيئة بكل السبل الممكنة. وراج خطاب سياسي مضمونه أن محاسبة الأمنيين وإطارات السجون إرباكٌ للمؤسسة الأمنية في حين تواجه البلاد تحديات ومخاطر إرهابية، وأن محاسبة رجال المال والأعمال تُعدّ استنزافًا للقدرات الاقتصادية الوطنية في وقت يواجه فيه الانتقال الديمقراطي أزمات اقتصادية متتالية وعميقة، أما محاسبة النخب السياسية المحسوبة على النظام السابق فهي إضعاف للخبرة الإدارية والسياسية لمؤسسات الدولة، وهي خبرات لا يمكن تعويضها في وقت يستوجب الوضع الاستنجاد بكل القدرات الوطنية. لم تكن الثقافة السياسية للدولة، وطبائع ممارستها الحكم، واستحواذها التاريخي على السلطة والنفوذ، عواملَ تسمح لها بالانخراط في تأصيل مسار العدالة الانتقالية، ولا بتجذيره عمليًا. وكان هذا يتطلب القطع مع الاستحواذ والتملّك المفرط ورفض الدور الجاثم والقطع مع

الهيمنة المطلقة. كان الاعتراف الصريح بضرورة إرساء العدالة الانتقالية يعني أيضًا أن تقبل الدولة بإعادة كتابة تاريخها السياسي بكل ما يمكن أن يحيل هذا الأمر إلى اعترافها بتجاوزاتها واستبدادها والاعتذار عن ذلك، وإلى إقرار قبولها بأدوار جديدة تعيد صوغ علاقاتها بالمجتمع، في اتجاه خلق المناخ الاجتماعي والسياسي «الذي يمنح كل مواطن فرصةً للنجاح وبناء مساره الشخصي بكلّ استقلالية». • الثانية: نجاح تلك القوى الرافضة في تعبئة موارد مختلفة، وإدارتها بنجاح كبير معارك إعلامية منوعة وجّهتها ضدّ الهيئة وإطاراتها، وقد ركّزت خصوصًا على شخص رئيستها. وكان من آثار هذه المعركة –  اًّالسياسية والإعلامية أن استطاعت هذه القوى خلق رأي عام – يصعب قياسه بدقة ولكنه موجود حق يساندها؛ ما أربك السياسة الاتصالية لهيئة الحقيقة والكرامة. كما أنّ في فشل حصول الهيئة على الأرشيف المودع في مؤسسة رئاسة الجمهورية دلالةً رمزيةً مهمةً على ما بلغته هذه القوى الرافضة للعدالة الانتقالية من قوة تأثير في مجرى الأحداث، فقد تمكّنت من تعبئة قواها، وتجييش جماهيرها، والحضور إلى الميدان العام بقوة عددية لإعلان رفضها الصريح لأعمال الهيئة يوم إعلان هذه الهيئة عن ختم أعمالها. • الثالثة: اشتغال تلك الحملة الرافضة للعدالة الانتقالية برمزيات متعددة، حاولت عبرها تشويه الصورة العامة للهيئة. مثال ذلك التعرّض لقانونية شراءات الهيئة وصيغ مقتنياتها وإجراءاتها في التصرف في

الموازنات المالية، والدفع نحو خلق صورة الثراء غير المشروع واستغلال الصفة، بل الاتهام الصريح بالفساد واستعمال المال العام لغايات شخصية.

(((1 في أواخر آب/ أغسطس 2012، ويمكن من هذه الزاوية فهم استقبال الرئيس محمد المنصف المرزوقي بعض الضحايا، خصوصًا العسكريين منهم. (((1 المليتي، ص.32

كان للتاريخ النضالي لرئيسة الهيئة سهام بن سدرين قابلية كبيرة لأن يصبح أحد المتاريس الرمزية المؤمّنة لنجاح مسار العدالة الانتقالية – خصوصًا أن عددًا من النساء الضحايا اعتبرنها، بصفتها رئيسة، صمام أمان لهن – وكنّ يرونه «أفضل مكسب للنساء، ولم نكن نفهم كثيرًا التفصيلات القانونية للعدالة

الانتقالية. كان تواجدها على رأس الهيئة يعني ضمانًا عظيمًا لنا في أن لا تحيد الأمور عن أصلها». في مقابل تلاشي هذا الاستثمار الرمزي، فإن انغماس بعض الأيقونات، والرموز النسائية التاريخية الأخرى، في النشاط المهني القانوني للدفاع عن بعض الرموز الاقتصادية والمالية للنظام السابق، أفقد انخراطها في مساندة العدالة الانتقالية ومناصرتها كثيرًا من الفاعلية. تزامن هذا مع انغماس الأحزاب في صراعات سياسوية موغلة، وفي خصومات أيديولوجية ونزاع مناصب سلطة؛ ما استنزف قدراتها على تأمين أحزمة حماية كافية لهيئة الحقيقة والكرامة، وأضعف وظائفها في حُسن إدارة الانتقال الديمقراطي وتأصيل العدالة الانتقالية التي تأثرت بما لحقها من تداعيات تكتيكات الفاعلين السياسيين، ومناوراتهم، وتنازلاتهم، واستثماراتهم السياسية، وحسابات الربح والخسارة الموسومة بنهج التوافق الوطني. كان من أكبر نتائج هذه السياقات مجتمعةً أن تمكّنت القوى السياسية والاجتماعية الرافضة للعدالة الانتقالية من التشكيك في أصل هذه العدالة وفي مضمونها، وفي الأحقية الأخلاقية في الانتفاع بها. أمام ضعف الأداء الإعلامي لهيئة الحقيقة والكرامة، أضحى جزءٌ من معركة النساء الضحايا

موجّهًا إلى إثبات حقهن القانوني والشرعي في التعويض. أسرّت لنا بعض الضحايا أنه «بالفعل

كانت 2016 و 2017 [...] صعبتين. واجهت في الوسط العائلي وفي مكان العمل نظرات الآخرين المشكّكة، وحتى تردّد من ساندني وتعاطف معي بعد الثورة. سمعت التهامس والكلمات الجارحة. حتى سيارتي الجديدة التي اقترضت من البنك لشرائها تحوّلت إلى موضوع تهكم حول ثرائي

المزعوم واستفادتي من التعويض الذي لم أنله في واقع الأمر. كان الأمر موجعًا وما زال صعبًا عليّ

تحمّله ويوتّرني كثيرًا». نجحت القوى الرافضة للعدالة الانتقالية في تحويل الصراع نحو إفراغ العدالة الانتقالية من أهم مضامينها وأهدافها، ونعتها بالانتقامية والانتقائية، في إطار ممنهج؛ لتشويه مرتكزاتها وتشتيت توجّهاتها.

4. ختم أعمال الهيئة

شمل القانون الأساسي المنظم لأشغال هيئة الحقيقة والكرامة ومهماتها نقاطًا تحوي بذور خصومات سياسية مستقبلية ذات رهانات كبيرة تمس مستقبل العدالة الانتقالية وجودة أدائها. من أهم هذه النقاط، ذات الرهان، تلك المتعلقة بمدة الخمس سنوات فترة زمنية تُنهي فيها الهيئة

(((1 س. 53 عامًا، حلقة تركيز، نابل،.2018/12/9 (((1 ر. 55 عامًا، حالة تحرش جنسي، مقابلة شخصية، نابل،.2019/1/9

أعمالها، في حين اعتقد كثيرون أن هذه المدة غير كافية لمثل هذه المهمات، فهل كان هناك خلطٌ مقصود؟ هذا التساؤل يستمد معقوليته من حدّة الجدل السياسي الذي صاحب انتهاء آجال اشتغال هيئة الحقيقة والكرامة وطبيعة الرهانات المضمّنة في هذا الصراع. إن تأويل النص في

اتجاه الانتهاء الفوري يصبّ في اتجاه مصالح قوى سياسية واجتماعية تسعى بكل قواها لهذا

الإنهاء الفوري وما يصحب ذلك من وضع حد لملف العدالة الانتقالية، وخاصةً الغلق النهائي لملف المحاسبة.

رابعًا: انتفاع النساء الضحايا بمخرجات العدالة الانتقالية ومنجزات مسارها

بتقديم تقريرها الختامي، تكون الهيئة قد اشتغلت بما سمّته المقاربة التونسية للعدالة الانتقالية المعتمدة

على خمسة أركان، هي: كشف الحقيقة وحفظ الذاكرة، والمساءلة والمحاسبة، وجبر الضرر ورد الاعتبار، وإصلاح المؤسسات، والمصالحة الوطنية. ويحوي التقرير معطيات تاريخية وراهنة تمس التاريخ السياسي والاجتماعي لتونس، ويمكن أن يقف القارئ الممحّص والمتفحّص على جملة من

التحولّات والتغيّرات المرافقة لهذا التاريخ، خصوصًا أن الهيئة اشتغلت بأهم المحطات التاريخية

والأحداث السياسية الكبرى. وبدت الإرادة السياسية للهيئة جليّة في اتجاه أن تُمكّن أعمالها من خلقٍ

وتثبيت ل «جملة الآليات والميكانيزمات التي تمكّن من مواجهة الانتهاكات الكثيرة المقترفة ماضيًا،

بغية تحديد المسؤوليات وجعل المصالحة ممكنة».

1. ملاحظات حول عدد النساء الضحايا

بالرجوع إلى المعطيات التي نشرتها الهيئة في تقريرها الختامي، يتبيّن أن عدد الملفات التي

تخص النساء الضحايا هو 14057 ملفًا مودعًا في مكتب الضبط. يمثل هذا العدد تقريبًا 23 في المئة

من جملة الملفات التي استقبلتها الهيئة التي تقرّ صراحة بأن هذا الرقم لا يغطي كلّ النساء «الضحايا

في تونس إذ هناك عديد النساء من الضحايا قد امتنعن عن إيداع ملفات لاعتبارات عدّة». هذا من دون اعتبار الملفات التي لم تُقبل لورودها بعد انتهاء الآجال المحددة. ويمكن التخمين كثيرًا في

عدد النساء الضحايا اللاتي لم يبلغن عن أنفسهن لدى الهيئة، لكن يبقى التوصل إلى نتائج بيّنة أمرًا

مستعصيًا. ويمكن أيضًا افتراض ملامحهن العامة، لكن من دون حسم نهائي أو مؤكد. ومع ذلك، فإن

دلالات هذا الامتناع مهمة، ونورد منها ما استقيناه من حديثنا إلى أفراد العينة: • دلالة أولى تخص اعتقادًا «في قلة أهمية ما يمكن فعلً أن تعود به التجربة من إيجابيات». ترسّخ

(19)  Justice transitionnelle et droits économiques, sociaux et culturels (New York/ Genève: Publication des Nations Unies, 2014), p. 5.

((2(هيئة الحقيقة والكرامة، التقرير الختامي الشامل، ج 1: عهدة الهيئة (تونس: كانون الأول/ ديسمبر 2018)، ص.33 (((2 ج. 55 عامًا، حلقة تركيز في ولاية تونس،.2019/2/3

هذا الاعتقاد بمجريات حياة اجتماعية فردية، ظنت المعنيات بها أنها معرّضة للانقلاب ولتحوّل لن

يكون مريحًا، بل مربكًا لهن ولأفراد العائلة. دلالة ثانية تتمثّل في رفض العائلة أو الزوج لمثل هذا الإجراء الذي يرى فيه مصدر إزعاج ولا • فائدة مرجوّة منه. ويؤكد هذا الأمر خضوعًا اجتماعيًا من بعض النساء الضحايا لمصادر الضغط العائلي

وتنازلهن عن حق شخصي بارز؛ بوصف ذلك استراتيجية عملية لعدم المساس بما يعتقدن أنه «توازن العائلة والعلاقة الزوجية [...] رغم إلحاحي ورغم قناعتي ورغبتي في إيداع الملف». وفي بعض الحالات، قالت إحدى الضحايا: «وقوف الزوج إلى جانبي وتعاطفه معي في ما يخص محنتي قبل الزواج به »[...]، لكن هذا التعاطف لا يُفضي اليوم إلى القبول بمثل هذه العملية التي يمكن أن تعني بالنسبة إلى الزوج عودة إلى فترة ماضية: «رغبنا الاثنان في نسيانها». صنعت الذاكرة العائلية عبر آلية النسيان أو التناسي، وكأن إيداع ملف لدى الهيئة يعني في هذه الحالة صدامًا، أو وخزًا موجعًا، وخدشًا مؤلمًا، لهذه الذاكرة. • دلالة ثالثة تتعلق باستحضار الضحية تاريخها الشخصي، حيث صرّحت إحداهن قائلةً: «فعلً نسيت

التواريخ التفصيلية لما جابهته، ولن أقدر على تقديم حجج ثابتة لما واجهته». سيسبب هذا إزعاجًا مُربكًا لها؛ فقبلت بالسكوت والصمت، بدلً من أن تواجه وضعًا لن يكون مريحًا لها أبدًا. • دلالة رابعة تثير عدم قدرة الضحية على إعادة الخوض في تجربة المعاناة، حيث تظن أنها «غير قادرة بالمرّة على الخوض في الماضي المؤلم [...] كيف لي أن أتحدث وأعلم الناس بما تعرضت

له من اعتداء على حرمتي الجسدية، وأن أكشف كيف تم ذلك؟ قلة نادرة تعلم ما حصل لي. أعلمت صديقة وأعلمتك أنت فقط (متوجّهة إلى صاحب الدراسة). ماذا لو علم زوجي وإخوتي؟ أبدًا لن أقدر على ذلك». يحضر الجسد هنا كحامل للاعتداء وحجة مخفية وغير معلنة. تمنع قداستُه صاحبتَه من فضح ما تعرّض له وما نُحت عليه. يتم الإخفاء والتناسي في أعماق البنى النفسية للضحية وتمنع

الروابط الاجتماعية وقهرية النواميس الإفصاح بالحقيقة. لا يمكن لمثل هذا في أغلب الحالات إلّ أن يترك آثارًا من الصعب أن تمحى من ذاكرة الضحية. وأكد تقرير هيئة الحقيقة والكرامة أن الانتهاكات التي تعرّضت لها النساء تراوح بين الإيقاف التعسفي (7.86 في المئة)، والانتهاك الجنسي (0.22 في

المئة)، وانتهاك حق اللباس (13.02 في المئة)، والتعذيب (3.25 في المئة)، والمراقبة الإدارية (10.56 في المئة)، كما يبيّنه الشكل.)3(

(((2 المرجع نفسه. (((2 ش. 57 عامًا، قضت فترة سجن، حلقة تركيز، ولاية تونس،.2019/2/3 (((2 م. 51 عامًا، حلقة تركيز، قفصة،.2019/1/6 (((2 ر. 59 عامًا، حلقة تركيز، قفصة،.2019/1/6 (((2 المرجع نفسه. (((2 المرجع نفسه.

المصدر: هيئة الحقيقة والكرامة، تقرير تفكيك منظومة الاستبداد، ج 2 (تونس: كانون الأول/ ديسمبر 2018)، ص.8

من الأحوال تدنيسها أو جعلها متدنية.

(((2 ه. 56 عامًا، طبيبة (مهنة حرة)، مقابلة شخصية، سوسة،.2019/2/5 (((2 ب. 60 عامًا، موظفة على مقربة من التقاعد، حلقة تركيز، ولاية تونس،.2019/2/3

الشكل (3) الانتهاكات التي تعرّضت لها النساء

• دلالة خامسة تحيلنا إلى امتناع ممزوج بحياء وتعالٍ – من دون كبرياء – لدى بعضهن ممن رأين وشعرن ب «أن إيداع ملف شخصي يرادف المسّ بصورة راقية» بأنفسهن، وأنه لا يمكن في أي حال

• دلالة سادسة تثير رفض بعض الضحايا إيداع الملف «لعدم الاقتناع بجدّية ما سيحصل وبحقيقة أنه سيكون هناك محاسبة». هذا الرأي مدعوم ب «قراءة» ما للواقع السياسي في البلاد، وأهم ما فيه أن «الذين مارسوا القمع ما زالوا فاعلين بشدة في الحياة السياسية، ولن تقدر هيئة الحقيقة على إخضاعهم

للمساءلة ولا لأي شكل من المحاسبة»، ويتغذّى هذا الرأي أيضًا من ضعف عدد الإحالات على الدوائر القضائية المتخصصة، حيث إن ما تمّت إحالته من ملفات النساء إلى الدوائر القضائية لا يعكس

حجم الملفات المودعة في الهيئة؛ إذ بلغت الملفات الفردية المحالة 33 ملفًا، ويعود ذلك إلى اعتماد الهيئة على شروط اختيار هذه الملفات، رغم أن القانون كان واضحًا في هذه المسألة، ويجبرها

على إحالة كل الملفات التي أثبتت فيها الانتهاكات الجسيمةُ. تكشف أسباب عدم إيداع الملف لدى الهيئة عن تداخل عوامل مجتمعية وثقافية وأنثروبولوجية صنعت روابط مختلفة للمرأة الضحية مع تاريخها، وجهّزتها لقرار غير متجانس، بل متغيّر بحسب التاريخ

الشخصي والمسار الاجتماعي الفردي. وتمثّل هذه الأسباب، مصحوبة بنوع من الرهانات، معوّقات

ثقافية أمام البوح وأمام التحدث إلى الآخرين حتى إنْ كانوا في مهمة اجتماعية نبيلة تختص بالاستماع وكتابة الشهادات وتوثيق الانتهاكات.

2. تقييم النساء الضحايا حصيلة العدالة الانتقالية وإنجازاتها

أتت تقييمات ضحايا العينة لما قدمته إليهن العدالة الانتقالية متجانسة أحيانًا، وشديدة الاختلاف أحيانًا أخرى، وهي في ذلك تترجم مواقف مختلفة باختلاف تاريخهنّ الشخصي، وترتبط بنوع تفاعلهن مع تجربتهن الفردية. ويتدخل حجم الانتظارات ونوعها في بلورة المواقف والنظرة والتقييم. كما تعكس هذه التقييمات المختلفة تحولّات فردية في المواقع الاجتماعية والنجاح المهني لهؤلاء النساء

الضحايا، أثّرت في رؤيتهن لمجرى الأحداث، وتعكس أحيانًا أخرى تحولّات أيديولوجية لهن. إلى

جانب ذلك، يُعدّ تاريخ المسار السياسي، بالنسبة إلى بعضهن، والموقع القيادي الحزبي، ووضعية

النخبة، من العوامل التي تتدخل مباشرة في تشكيل التقييم وصوغه. وتعبّر هذه التقييمات أيضًا عن

رؤية الضحايا للواقع السياسي العامّ وأهم تحولّاته في السنوات الأخيرة. أمّا تقييمهنّ للتعويض وجبر

الضرر وكشف الحقيقة والمحاسبة، فقد تميّز عمومًا بما يلي:

أ. في التعويض وجبر الضرر

يُقصد بهذين الأمرين، كما حدّدتهما العدالة الانتقالية، الاعتذار وردّ الاعتبار معنويًا وماديًا واسترداد

الحقوق وإعادة التأهيل والإدماج. تُجمع أغلبية الضحايا على أن ما أنجزته العدالة الانتقالية ضعيف جدًا، ولا يمكن اعتباره مكسبًا لهن. ف «الدولة لم تعتذر ولا الجلاد أيضًا»، والمؤسسات الاجتماعية

والصحية «غير قادرة على مواكبة حاجيات الضحايا، وخاصة حاجياتنا نحن النساء». تحدثت نساء العينة عن صعوبات جمّة لاقينها خلال السنوات الأخيرة من أجل الحصول على الدواء وإثباتات

(((3 المرجع نفسه. ((3(هيئة الحقيقة والكرامة، التقرير الختامي الشامل، ج 1: عهدة الهيئة، ص.100–74 (((3 «قانون أساسي عدد 53 لسنة 2013 مؤرخ في 24 ديسمبر 2013 يتعلق بإرساء العدالة الانتقالية وتنظيمها.»)1((((3 ر. 54 عامًا، حُكم على زوجها عشرين سنة سجنًا، مقابلة شخصية، نابل،.2019/1/12 (((3 المرجع نفسه.

متعلقة بما تعرّضت له بعض العائلات من سرقة مالية واستيلاء على ملكية عقار أو تحويلها. وتحدثت

الضحايا عن تجاربهن الشخصية، وعن تجارب الأخريات، وحتى تجارب الآخرين. خلال الحديث في جلسات حلقات التركيز أو المقابلات الفردية، أثارت النساء الحاضرات بعض الأمثلة المتعلقة بضحايا اعتبرن أنّ ملفاتهن استثنائية في ما يخص الآثار النفسية الكبيرة. أثارت الضحايا أيضًا مسألة الترقيات المهنية وكيفية احتساب السنوات الماضية في إقرار راتب التقاعد، وكذلك عدم توافر بعض الأدوية لمن تعاني أمراضًا عصبية. كانت تجارب الفقر والفاقة، والمرض، والحرمان، والطرد، والملاحقة، وذكريات التعذيب، والتحرش الجنسي، وفقدان العمل، وهشاشة الوضعية الاجتماعية، والخوف المتواصل، والوحدة، وأشكال التضامن العائلي، أهم المحاور التي تطرقت إليها الضحايا في التقييم. أجمعت الضحايا أيضًا على أن «هناك أشياء لا يمكن تعويضها»، ولا جبرها، ولا نسيانها أيضًا. صرحت إحداهن قائلةً: «لن أنسى كيف أرتعب خوفًا كلما مررت أمام مقر وزارة الداخلية في طريقي إلى العمل. كنت أحاول أن لا أنظر إلى البناية، وكنت أحيانًا أخرى أسلك طريقًا أطول وأبعد حتى أتجنب المرور من هناك. دام هذا سنوات عدة». ضحية أخرى تساءلت: كيف يمكن أن يعوض لها سبع عشرة سنة من غياب زوجها ومعاناتها في تربية أبنائها وجحيم التنقل لزيارته «سنوات من الجحيم ردمت أحلامي في الحب وفي السعادة وفي السفر وفي كل ما عشقته من أشياء. عانيت الوحدة رغم تواجد عائلة زوجي إلى جانبي. كنت أبكي من شدّة شوقي لزوجي. كيف للعدالة أن تعوّض لي كل هذا». تحدثت أخرى عن ضياع حياة كاملة: «بعد طردي من التعليم. كنت تلميذة، وبعد أسابيع الإيقاف والتعذيب – وكانت تجربة مريرة – لم ألتحق بالمعهد مجددًا. ضاع حلمي، وأكثر ما يؤلمني أني فعلً لم أكن منتمية كما أتى في محضر البحث، والتهمة باطلة أصلً. ربما لو كنت عضوة [كذا] في هذا التنظيم الحزبي لخفف علي ذلك بعض الشيء. كم أمقت هذه الدولة، وكم أحزن لِما آلت إليه وضعية الضحايا». صرّحت ضحية أخرى بأنها أفنت سنوات عدة في العمل في سوق الخضار: «وسط الرجال كنت أنهض

من الفجر. تعبت وأنهك جسدي ومرضت كثيرًا. لن أسلم في حقي في التعويض المالي، ولاُ في أي

شيء آخر، فما عانيته لا يقدّر بمليمات، لست متأكدة أني سأستلمها». كان الحديث في هذه النقطة يجري في جو من التوتر الكبير، ومن الحماسة الغالبة على بعض الضحايا اللاتي استعملن للتعبير عددًا من الكلمات الكثيفة المعنى والعنيفة أيضًا. على الرغم من اتفاق أغلب الضحايا في هذا الرأي السلبي حول التعويض وجبر الضرر، فإن من بينهن (ثلاث نساء) اعتبرن أن العدالة الانتقالية في تونس أنجزت «أشياء إيجابية عدة خاصةً في الإحاطة

(((3 المرجع نفسه. (((3 ش. 57 عامًا. (((3 ر. 54 عامًا. (((3 ص. 45 عامًا، تعرضت للإيقاف في عام 1992، مقابلة شخصية، نابل،.2019/2/5 (((3 ح. 59 عامًا، قضت شهرين في السجن، وقضى زوجها عقوبة طويلة، حلقة تركيز، تونس،.2019/2/3

بالضحايا وتوجيه من يستحق منهن إلى العلاج المختص». وفي الوقت نفسه، تُجمع الضحايا في تصريحاتهن، من دون استثناء، على الحاجة الملحة إلى الحديث مع اختصاصيين وأطباء نفسانيين بشأن ما يخالجهن ومعاناتهن. يبدو بيّنًا أن التجارب الشخصية في العنف والتحرش والتعذيب، وما خلّفته من آثار نفسية وجسدية،

تحتاج إلى المعالجة والمرافقة الميدانية والعملية. فالأسرة ومؤسسة العمل والحزب والجمعية غير قادرة، بوصفها مؤسسات، وغير مؤهلة، بوصفها تنظيمات، على تمكين الضحايا من مثل هذه الخدمات. وعمومًا، تواجه النساء الضحايا في المستوى العائلي والمجتمعي ثقافة لا تشجعهن على الإفصاح عن مشاعرهن بوصفهنّ ضحايا، بل إنها تصدّ الحديث وتمنعه. كما تتكثف هذه الممانعة مع «عالم المركزية الذكورية ومنطقيته المنحازة والصارمة». ويحيلنا هذا إلى قدرات المؤسسة الاستشفائيةهي عليه من تراجع الخدمات وسوء نوعيتها وتلاشي الموارد المالية –   – وهي على ما والسياسات العمومية في قطاع الصحة، على الاستجابة لمثل هذه الانتظارات.

ب. في كشف الحقيقة

يُقصد بكشف الحقيقة بحسب العدالة الانتقالية تحديد كل الانتهاكات وضبطها ومعرفة أسبابها وظروفها ومصدرها والملابسات المحيطة بها والنتائج المترتبة عليها. وفي هذا الباب تُقرّ أغلب

الضحايا بأن هيئة الحقيقة والكرامة أنجزت عملً كبيرًا «للتعريف بقضية الضحايا النساء وكل

ما تعرّضن له من انتهاكات». كما أشارت أخريات إلى «أن الحصص التلفزية وجلسات الاستماع

للضحايا مكّنت الرأي العام من معرفة الحجم الحقيقي للجرائم التي ارتكبت في حق الكثيرات من نساء هذه البلاد». تعتبر الضحايا في تصريحاتهن أن العدالة الانتقالية نجحت كثيرًا في هذه النقطة، ولا سيما في التعريف

بالأحداث التاريخية، وأنهن استفدن أيضًا من التعرّف إلى حالات مماثلة، أو مشابهة لوضعياتهن،

وكسر عزلتهن، والتعرف إلى حقائق مهمة تهم تاريخ تونس واكتشاف بعض أسماء المسؤولين في الدولة. تقول إحدى الضحايا إنّ الاتصال بإدارة الهيئة ومصالحها الجهوية مثّل «أوّل فرصة للتعريف بقضيّتي دون خوف والحديث في التفاصيل، حتى إنني مع بعض الأصدقاء كنت حريصة على كتمان

بعض التفاصيل، لكن إيداع ملفي والاستماع إلى قصتي شيئان أعتز بهما».

(((4 ع. 56 عامًا، هاجر زوجها في بداية التسعينيات، وتعرضت للمساءلة البوليسية عدة مرات. طلبت الط قاا في سياق ذلك،

وحصلت عليه، مقابلة شخصية، منوبة،.2019/2/6 ((3(علي عبود المحمداوي (تحرير)، الفلسفة والنسوية (الرباط: منشورات ضفاف؛ منشورات الاختلاف؛ الرابطة العربية الأكاديمية للفلسفة، 2013)، ص.15 (((4 حوّلت هيئة الحقيقة والكرامة بعض الملفات إلى مؤسسة نبراس. (((4 ص. 45 عامًا. (((4 ح. 59 عامًا.

ج. المحاسبة للحيلولة دون الإفات من العقاب أو التملّص  من المسؤولية

اتفقت نساء العينة كلهنّ على أن العدالة الانتقالية فشلت في محاسبة المسؤولين، سواء أكانوا في الأمن أم في قطاع الاقتصاد والمال، أم مسؤولين سياسيين سابقين، وأنها فشلت في إجبارهم على الاعتراف بما اقترفوه في حق الضحايا، وخاصة في حق النساء الضحايا. تعتقد ضحايا كثيرات أن المسألة حُسمت وأنّ مرتكبي الانتهاكات لن يتعرّضوا لمحاسبة جدّية ومسؤولة.

وتذهب بعضهن إلى أن «الأمور حُسمت سياسيًا عبر تفاهمات معيّنة بين بعض الأحزاب». وبسؤالنا

عن مثل هذا الاستنتاج، لم نظفر عند صاحباته بحجج قطعية، بل كان الأمر مرتبطًا بتحليلهن وقراءتهن لمسار الأمور واستنتاجات لتحولّات سياسية. تذهب بعض الضحايا إلى حد اعتبار أن الهيئة تواطأت في هذا الشأن، وقدّمت تنازلات، ورضخت لضغوط معيّنة من أطراف حزبية ورسمية. ما يعنينا هنا ليس وجاهة التحليل أو عدمها، بل ما يرمز إليه

هذا الخطاب عند الضحايا من قطيعة يعشنها ذهنيًا ووجدانيًا مع مخرجات العدالة الانتقالية؛ إذ صرّحت

إحداهن قائلةً: « أعتبر نفسي كنت ساذجة مرتين: الأولى حين اعتقدت في 1987 بكل جوارحي أن البلاد ستتغير نحو الأفضل، ثم دفعت وعائلتي ثمنًا باهظًا في 1991. سذاجتي الثانية أني فرحت في 2013 إلى حد لا يوصف بمسألة العدالة الانتقالية، وها هي لا تتمخض على شيء ذي قيمة. إنهم يتجولون أحرارًا وكأن شيئًا لم يكن». لا تحرص الضحايا على الاعتراف القانوني الشّكلاني بهن فحسب، بل على الحصول على اعتراف يمكّنهن من استعادة الاعتبار الكامل أيضًا، إضافة إلى أن يعشن هذا الاعتراف كلّيًا في كل أركان الحياة

اليومية. وهو ليس اعترافًا من هيئة ما، ولا من جهاز ما، بل من الدولة، ومن المجتمع كلّه. فأهمية هذا الاعتراف «تكمن في قدراته على كشف ما تم من نزاعات اجتماعية وعلى حلّها». ويتطلّب تحقّق الاعتراف تحولّات اقتصادية واجتماعية، ومن ثمّ سياسية أيضًا، و«هذا ليس متعلّقًا بالنظرية، بل رهين الصراعات الاجتماعية المقبلة».

خامسًا: في ما  يعنيه عسر تحقق انتظارات النساء الضحايا

تستند العدالة الانتقالية إلى جملة الآليات المفعّلة في اتجاه إيجاد حلول قانونية وسياسية ونفسية وأخلاقية تهدف إلى إرساء مبادئ العدل والعفو والمصالحة وكشف الحقيقة، وكل ذلك من أجل إعادة بناء علاقات سياسية للأفراد مع الدولة وتفعيل دور مجتمعي جديد للدولة نفسها. ومن خلال هذه الزاوية، تبدو الآثار العلاجية المستهدفة والمنتظرة جليّة. ونعتقد في هذا الاتجاه أن الأهداف الرئيسة

(((4 ه. 56 عامًا. (((4 ر. 54 عامًا.

(47) Axel honneth, La lutte pour la reconnaissance , Pierre Rusch (trad.) (Paris: Éditions du Cerf, 2002), p. 194. (48) Ibid., p. 214.

للعدالة الانتقالية تقسم دائرتين؛ فالأولى تعنى بالمصالحة بين أطراف النزاع والأهالي أو الضحايا عبر الاعتراف والمحاسبة، أما الثانية فتتجه إلى إصلاح المؤسسات والقوانين؛ لضمان عدم تكرار الانتهاكات، وإحلال سلم اجتماعي دائم. يتّضح جليًا أن إحدى النتائج المرجوّة هي إحلال كرامة الضحايا وإرساء علاقة ثقة بين الأطراف

المتنازعة، من دون أن يعني هذا الأمر إفلاتًا من العقاب. ومن زاوية التحليل هذه، تتحوّل العدالة الانتقالية إلى أحد أهم الأسس النظرية المفترضة لدولة القانون، خصوصًا بالنسبة إلى الدول التي تمر بسياقات انتقالية، والتي هي بصدد إعادة بناء مؤسساتها السياسية. وهكذا، نفهم علاقة انتظارات الضحايا بالمنجزات المفترضة للعدالة الانتقالية وأحكامهن على ما نجز فعلً. لذلك نحن لا أُ نسائل الأركان القانونية لهذه العدالة، بل ننظر في ما أنجزته عمليًا للضحايا النساء، والوظائف الاجتماعية

المنتظرة لهذه الإنجازات، وتداعياتها الفردية على الواقع الحياتي لكل ضحية. نعتبر هذه الإنجازات العملية المفترضة جزءًا من إعادة بناء لممارسات الدولة تجاه مواطنيها وإعادة

تأسيس لروابط ووضعيات نسائية في المجتمع ولأدوارهن داخل البنى والمؤسسات الاجتماعية. لذلك، فإن الإخلال في تحقيق الانتظارات المشروعة لهن ليس فشلً في اشتغال العدالة فحسب، بل إنه فشلٌ أيضًا في تأدية كل هذه الأدوار خاصةً، وإعاقة إنجاز التحولّات المنتظرة منها. أحد المخاطر الكامنة في استكمال مسار العدالة الانتقالية يتمثل في حصر جبر الضرر ومرافقة النساء الضحايا في بُعده الطبي النفساني العلاجي، على الرغم من أهميته البالغة. فإلى جانب أن أغلب –  الضحايا لم يستفدن من مثل هذه المرافقة – بل منهن من توفّين ومنهن من كنَّ في حالة مرضية شديدة فإن هذا الجانب ما زال معطلً وبطيئًا جدًا. والاكتفاء بهذا الجزء سوف يعرقل خلق الديناميات السياسية والاجتماعية الدافعة إلى التحول «الإيجابي»، في حين نفترض أن آليات العدالة الانتقالية تُمكّن النخب النسائية من رأس مال رمزي من شأنه المساهمة في دعم تبوُّئها الممكن في قيادة مراحل انتقالية، ومن ثمّ الانتقال بالنساء الضحايا – أو بعضهن – من ضحية تنتظر التعويض إلى نخب قيادية. إن لجان التقصّي والمرأة والاستماع، وغيرها من لجان العمل المفعّلة في إطار اشتغال العدالة الانتقالية، ليست مجرد لجان فنية تشتغل وفق نظام داخلي وضوابط مرجعية فحسب، بل يجب تفعيلها باعتبارها فضاءات ودوائر اجتماعية وسياسية تمثّل محرّكات لديناميات نسوية جديدة مؤدية إلى وساطة قادحة،

وممارسات مجتمعية جندرية، وأدوار تجديدية جريئة ومنوعة تقطع مع منطق الاستبداد الذي عانته نساء كثيرات في المجتمع التونسي. وفي الوقت نفسه، لا تخلق هذه الأدوار والفضاءات مساحة نقدية كبيرة للدفاع عن حقوقهن فحسب، بل إنها تخلق أيضًا إمكانات ل «استنباط نظام الشراكة والمساواة ضمن الوسط المجتمعي والسياسي والثقافي، وإعادة تقويض نظام المعرفة والاهتمام بقضايا وأفكار فلسفية لم يُلقَ الضوء عليها مسبقًا أو تم التستر عليها».

(((4 رفقة رعد، «النقد الثقافي والنسوية: محاولة في تأسيسات فلسفية خارج النسق الذكوري»، في: المحمداوي، ص.167

لذلك اعتبرنا أن عُسر الانتقال الديمقراطي، والصعوبات التي واجهها مسار العدالة الانتقالية، حالَ دون التحقيق الكلي لانتظارات النساء الضحايا، ومنعَا أيضًا إنتاج مشروع قاطرة لتحول اجتماعي لوضعية النساء عمومًا. نقول هذا على الرغم من الأهمية الفائقة في ما يخص ما أنتجته اللجان من تقارير بشأن الانتهاكات التي وقعت للضحايا، وتحديد المسؤوليات، واقتراح إصلاحات هيكلية وإجرائية، إلى جانب الأهمية الفائقة لكتابة الذاكرة، و«دور هذا على المستوى البعيد في بناء مصالحة داخل مجتمع أدماه الاستبداد». لكن علينا أن ننتبه إلى أن هذا البناء يستند إلى عملية سياسية بامتياز، ذلك أن «العدالة الانتقالية لن تكتفي بإعادة تنظيم العلاقات البشرية، بل يفترض أنها ستخلق من جديد تحو لً

سياسيًا عميقًا يمس رهانات الذاكرة والهوية». إن كشف حقيقة ما تعرّضت له النساء الضحايا، من أجل الشفاء من انتهاكات منوّعة، لا يعني البتة

أنهن تماثلن إلى الشفاء، ولا يعني أيضًا تعافي المؤسسات السياسية – المعنية بالإصلاح. ويتطلّب هذا أن تتحول حقيقة الانتهاكات إلى «تاريخ عام» تمتلكه المجموعة الوطنية والرأي العام، وهذا يستلزم الإشهار وتكرار الإعلام به عبر إقامة ندوات، مثلً، وإدراجه في برامج التعليم، وجعله موضوع أعمال فنية، وغير ذلك من أشكال الوساطة الاجتماعية. لإنجاح هذه العملية، يتطلّب الأمر انخراطًا تامًّا من المؤسسات السياسية وخلق رأس مال ثقة دائمة

لدى النساء الضحايا في توجّهات مسار العدالة الانتقالية ومخرجاتها. ما تقصّيناه عمليًا هو أنّ شرطَي

الانخراط والثقة لا يتوافران بدرجة عالية أو كافية. ويعود هذا في رأينا إلى ما قلناه سابقًا من أن تعثر الانتقال الديمقراطي لم يُمكّن مسار العدالة الانتقالية من قدرات سياسية تلزم الدولة بالانسياق في مثل هذه العملية. وكان من تداعيات هذا الأمر أنّ عمليات كشف الحقيقة والمحاسبة والمصالحة وجبر الضرر ومرافقة الضحايا وإصلاح المؤسسات لم تحظَ بآليات لازمة كي تتأصل وتتمتع بشروط الديمومة. ففي حين نعلم من النساء الضحايا حقيقة الانتهاكات التي مورست في حقهن، لم تُكشَف هذه الحقائق كاملةً من زاوية من مارسها وأتاها. وفي الوقت نفسه الذي استمعنا فيه إلى ما تنتظره النساء الضحايا، لم يصاحب ذلك اعتذار واضح وصريح من المسؤولين عن الانتهاك الذين لم يحاسبوا إلى الآن، ورُحّلت ملفات بعضهم إلى دوائر قضائية مختصة سنكتشف لاحقًا مخرجات الأحكام ومنطوقها.

في هذه النقطة تحديدًا، ومن دون أحكام استباقية أو تساؤلات نافية قدرات القضاء الحقيقية، نتساءل عن الدلالات التي يعنيها غياب العديد من المسؤولين – المعنيين المدرجين في هذه القضايا – عن الحضور، خاصةً بحجة عدم استلامهم استدعاءً في هذا الشأن. نتوجس من أن تكون قد سُوّيت لهم

حلول سياسية تستند إلى حجة صحة الإجراءات، أو أن يستفيد بعضهم من الإخلاء.

(50) Kora Andrieu, "Confronter le passé de la dictature en Tunisie: La loi de ‘justice transitionnelle’ en question," Observatoire des mutations politiques dans le monde arabe (Paris: Institut de Relations Internationales et Stratégiques (IRIS), 2014), p. 2. (51) Ibid.

من زاوية التحليل هذه، يساهم الترابط المتين بين البعد السياسي والبعد الأخلاقي لمسار العدالة الانتقالية في كشف مسارات كاملة من التاريخ السياسي والاجتماعي للنساء والبلاد منذ الاستقلال. فهذان البعدان هما شرطَا نجاحٍ في تأمين عدم تكرار الانتهاكات، ويمثلّان عاملَي تغذية لتحوّل البنى

الاجتماعية في اتجاه القطع مع إمكان إعادة إنتاج الاستبداد المجتمعي والسياسي تجاه النساء، إضافة إلى عائداته الشفائية الفردية على المرأة الضحية.

سادسًا: في تداعيات تعثر الحصول على الاعتراف

نعتقد اعتقادًا جازمًا أن عدم كشف الحقيقة كاملة ستكون له مضاعفات فردية وجماعية وسياسية

بالنسبة إلى النساء الضحايا. فمن جهة أولى، لن تشفى الصدمات الفردية، ولن تتقلّص المعاناة، بل ستتأذى صاحبته مجددًا، ولن تكون أي مرافقة طبية ونفسانية موجّهة إلى الضحية ناجعة أو ناجحة.

ومن جهة ثانية، ستتكون مصادر جديدة للإحباط، تتغذى من سياق سياسي شرّع عدم العقاب

وأنتج السبل السياسية للإفلات منه. ومن جهة ثالثة، سيتحوّل الإفلات من المحاسبة لدى أصحابه

إلى نوع من البطولة التي تستقوي من القدرات على المواجهة والممانعة والصد والمقاومة، بل يمكن أن يتحوّل هذا الأمر إلى رصيد سياسي يسوّق لشرعية رمزية. لذلك، فإن إحدى الوظائف

الاجتماعية والسياسية للاعتذار والمصالحة، تكمن في خلق آليات عملية تمنع خطر هذا التحول الفعلي والرمزي، وتستنزف إمكانات تحققه. وفي الوقت نفسه، تمنع هذه الوظيفة أن يتحوّل مسار

العدالة الانتقالية إلى منتج لاستبدال الأدوار والاستبداد بين النساء الضحايا وجلّديهن وتغيير وضعيات الخضوع والهيمنة بينهما، ويستحيل الأمر إلى مواجهة بين فئتين وموقعين، إضافةً إلى خطر ما يصاحب ذلك من اصطفاف مجتمعي واجتماعي وسياسي في قطبَي النزاع وتأسيس شرخ

لا يمكن تجاوزه. لا شك مطلقًا في الأهمية العلاجية والطبية للكلمة والقول والإفصاح والسرد، لكن نعتقد أن على العدالة الانتقالية أن تُدرِج هذه المقاربة في إطار أشمل من كشف الحقائق، وأن تتسلح بمجهود استنباطي وبقوة الاقتراح في إيجاد أنماط تفاعل مع خصائص الواقع التونسي، وذلك من خلال مقاربة تؤكد «إيلاء المكانة المركزية لتحميل المسؤولية الفردية لمن انتهكوا حقوق الإنسان». إنّ لعدم كشف الحقيقة كاملة مضاعفات اجتماعية أيضًا بالنسبة إلى النساء الضحايا. فعدم الاعتراف الكامل بما عانينه سيبقي بعضهن في حالة فقر وخصاصة وسيضاعف هذه الحالة، على نحو خاص، بالنسبة إلى اللاتي يعشن هشاشة مهنية واجتماعية أصلً. لمسنا مثل هذه الأمثلة لدى بعض أفراد العينة التي اشتغلنا بها في دراستنا هذه. وإن خسارة الشغل، وفقدان مورد الرزق، وتراجع مصادر الدخل، عوامل يجب أن تخفت أو تزول بانتفاع الضحايا بالتعويض المالي، أو باسترجاع خسارة رأس مال أو عقار افتُك، أو بإعادة التأهيل المهني. ويفترض أن تتمكّن العدالة الانتقالية من جبر الضرر من

(52) Lætitia Bucaille, "Vérité et réconciliation en Afrique du sud: Une mutation politique et sociale," Politique Etrangère , no. 2 (2007), p. 314.

جراء ما وقع من جريمة اقتصادية تجاه الضحايا. ولكل تعثّر أو فشل في هذه المهمة آثار تُعمّق فشل

النساء الضحايا في استعادة حياتهن، وتعميق لما سيواجهنه من عقبات في ذلك. ويفسر بطء العدالة الانتقالية الشديد في إنجاز هذا التعويض عدم رضا الكثيرات عن منجزاتهن العملية. ونتساءل أيضًا عن الإمكانات الحقيقية للنساء الفقيرات في الانتفاع بمردود التعويض في سياق تتفاقم فيه الفوارق الاقتصادية بين الفئات الاجتماعية وكيف يمكن أن يتجذّر الاعتذار والمصالحة «في إطار من مثل هذه الفوارق الصارخة». لا نقصد رهن العدالة الانتقالية بخيارات تنموية وسياسية لم تسطّرها، فهذا سيكون مصادرة على المطلوب تجاهها. ما نعنيه هو الانتباه إلى أهمية النتائج الاقتصادية المحتملة بشأن وضعيات الضحايا الاجتماعية وإدراك مستوى العدالة الاجتماعية في مخرجات العدالة الانتقالية التي يمكن أن تقود «إلى وضع ذي توقعات أفضل بكثير بالنسبة إلى الأسوأ حالً» من بين النساء الضحايا. نتساءل مثلً عن المعنى الحقيقي في عدم حصر أجهزة الدولة الرسمية القائمةَ النهائية لشهداء الثورة وجرحاها، ونتساءل أيضًا عن دلالات تلكُّئِها في التعامل مع قائمة الطلاب المفروزين أمنيًا، وعن

التداعيات الاقتصادية والاجتماعية لكل هذا على المعنيين من الضحايا. ونتساءل إن كان يوجد من وراء هذا الإفراط في التأخير منطق ما لمقايضة مالية واقتصادية وتقليص التعويض أو حتى التملّص منه. أليس في هذا التأخير تعتيم ونقض لوضعية الضحية ونزع لشرعيتها؟ بل أليس في هذا التأخير تأسيس جديد لوضعية الإقصاء الاجتماعي وتأسيس لانشطارات وتشظٍّ داخل صفوف الضحايا.

سابعًا: ضحايا متوهّمات؟

– لم  أشرنا من قبل إلى أن النساء الضحايا – على الأقل غير الراضيات عن مخرجات العدالة الانتقالية يستطعن التكتل والتجمع من أجل خلق قوة ضغط تدفع في اتجاه تكريس مطالبهن. ظلت احتجاجاتهن ضعيفة من دون تأثير وصفوفهن مشتتة. تُصرّح إحداهن في شريط فيديو قائلة: «كان أملي بعد

خروجي من السجن وما تعرض له أبي من مضايقات أن تنصفه العدالة [...] أستهزئ بمقرر جلسة الاستماع [...] ونسترجع حرقة العائلة. أبي المتوفى وضعوا له ملف التأهيل النفسي والتغطية الصحية وهو متوفٍ [كذا]. هل سآخذ له هذا الملف إلى القبر [...] حتى الاعتذار لن يحصل له [...] حرقتي أيضًا على السجينة التي دخلت السجن وتركت رضيعها، وزوجها موقوف [...] مجرد ورقة اعتذار [...] ماذا سيعيد لها الاعتذار [...] تجاوزات واقعة في الهيئة [...] أنا أتيت إلى الجلسة لأنه كانت لي ثقة فيك [...] حسبي الله في كل زوجة، وفي كل أم أتت لتأخذ مقررها ووجدت خيبة أمل [...]

(53) Ibid.

((5(صموئيل فريمان، اتجاهات معاصرة في فلسفة العدالة: جون رولز نموذجًا، ترجمة فاضل جتكر (الدوحة/ بيروت: المركز

العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015)، ص.289 (((5 ب. ب. ضحية كانت من ضمن الذين تدخلوا وأدلوا بشهادتهم خلال جلسات الاستماع العلنية المفتوحة التي نظمتها هيئة الحقيقة والكرامة.

حسبنا الله في كل زوجة وقع التحرش بها [...] وفي كل تلميذة انقطعت عن دراستها [...] أناس يتباهون أنهم تحصلوا على 87 نقطة، وهم لم يتعرضوا ليوم واحد من الإيقاف [...] وآخرون لم تعطهم أنت حقهم [...] يا للعار [...] أستهزئ بهذه العدالة الانتقالية [...] لم ينفعني مقرري، ولن ينفعني، إنه في الخزانة». تصريح يحمل دلالات كبيرة في ما يخص تقييم الضحايا لما حصلن عليه، مقارنة بما كُنّ ينتظرنه. تكمن أهميته في صراحة التعبير، وفي تعرض صاحبته لنوعية مخرجات عمل الهيئة. نتفاعل معه بكل احتراز وتحفظ علمي، على الرغم من انعدام ما يمكن أن يكون عنصرَ تشكيك، أو نفيًا لمحتوى التصريح. إلى

جانب ذلك، نحن لسنا نتعرض بالتحليل في هذا الموضع لكيفية احتساب عدد نقاط ملف كل ضحية، ولا إلى طريقة الاحتساب أو معاييره أو المؤشرات المعتمدة في ذلك. اهتمامنا منصبٌّ على مدلولات عدم رضا ضحايا كثيرات عن الإنجازات العملية للعدالة الانتقالية. فتصريح كهذا ينسف عمليًا كل النتائج الإيجابية المحمولة في جلسات الاستماع الأولى الراوية

لقصص الضحايا، والكاشفة لما تعرضن له من انتهاكات، وذلك اعتبارًا لما فيه من وجع وخيبة أمل تجاه ما حصلت عليه الضحايا، بل رفض قاطع له أيضًا. يُصبح التصريح بالحقيقة من درجتين، وكلتاهما مؤلمة للضحية: الأولى حين تروي مأساة وانتهاكًا، والثانية حقيقة الخيبة من مسار العدالة ومن إنجازاتها. نحن أمام انقلاب أثر الحديث والإفصاح؛ فبعد توقع تمكين الضحية من تضميد جراحها وإعانتها على بداية تجاوز معاناتها، نجد أننا أمام عودة ألم جديد من مصدرٍ ثانٍ. إن ما يعنينا هنا ليس التحليل النفساني، بل أهمية الآليات المعتمدة للاستماع للضحايا في رهاناتها المتعلقة بتوظيفها في كشف الحقيقة وإعادة الاعتبار إلى النساء الضحايا. فالاعتراف بما تعرّضن له يمكن أن يحقق عندهن بعض الرضا في مرحلة أولى. لكن إن لم يصاحب ذلك تعويض حقيقي لمصابهن وجبر في مستوى ما وعد به النص القانوني، فسيتحول ذلك إلى مصدرٍ ثانٍ من الألم والإحباط والغضب، مع تداعيات مهمة في مستوى كل مسار المصالحة. يتكثف هذا الإحباط، خصوصًا لدى الضحايا اللاتي كُنّ قبل انطلاق مسار العدالة الانتقالية في وضعية فقر أو خصاصة أو هشاشة اجتماعية، ولا يتمتعن حين بداية عمل المسار بإمكانات الولوج إلى الشبكات السياسية، وإلى مراكز القرار السياسي ومنافذ السلطة بأنواعها؛ ما يمنعهن من أدوات الدفاع أكثر عن مصالحهن بصفتهن ضحايا، ويُعمّق سلبيًّا وضعياتهن، ويزيد من حظوظ تعرّضهن للإقصاء

الاجتماعي مرة أخرى، ويتلاشى إمكان تمتّعهن بحقوقهن الاقتصادية والاجتماعية المفترضة. ولا يخلو مسار العدالة الانتقالية من خطر أن يُنسج لهن سُلّم تراتبي، تتحوّل بموجبه مطالبهن إلى ذات أولوية وأهمية، وأخرى دون ذلك.

(((5 تصريح متوافر على حساب الفيسبوك للضحية المعنية. يُنظر:

Besma Balai, Facebook , 24/5/2019, accessed on 13/12/2020, at: https://bit.ly/2EOvGUv

يحيلنا هذا أيضًا إلى التساؤل عن مدى ملاءمة الآليات المعتمدة في مسار العدالة الانتقالية في تونس لمتطلّبات وضع خصوصي، وكيفية تجاوز نقاط ضعف التجارب الدولية السابقة في هذا المضمار. كما نتساءل عن نوع ارتكازات مشروع العدالة والقواعد التي بُني عليها في مواجهة أنواع عدة من الأخطار المحدقة به منذ لحظة انطلاقه، ونتساءل خاصةً عن نوع الموارد التي عُبّئت لمثل هذا المشروع والتصورات

السياسية التي صيغت له منذ بداياته، والقدرات الحقيقية للفاعلين المسؤولين عن إدارته وتنفيذه.

ثامنًا: خبايا صراع الاعتراف

تشير كل النصوص المؤسسة للعدالة الانتقالية ومواثيقها وإجراءاتها التنفيذية إلى تحقيق كشف الحقيقة والمساءلة والمحاسبة والمصالحة وإصلاح المؤسسات السياسية. لكن هذه الأهداف، على أهميتها، تصب في اتجاه القطع مع تجربة الاستبداد السابقة، وضمان عدم تكرارها عبر تأصيل انتقال مجتمعي ومؤسساتي إلى نموذج مجتمع ديمقراطي وعادل. ومن السذاجة ظن أن هذا الانتقال سيكون في اتجاه متسلسل غير متقطع، ومن دون عقبات أو صراعات اجتماعية. وكانت إحدى المهمات المفترضة للانتقال الديمقراطي في تونس المساهمة في التأسيس لتحقيق أهداف العدالة الانتقالية المعلنة، وكان من المفترض أيضًا أن تستفيد النساء من نتائجه. لقد كان الأمل معقودًا بقدرات الانتقال على تأمين حُسن سير مسار العدالة الانتقالية، وبقدرات النخب السياسية القائدة له في تأمين غلبة المشروع الديمقراطي وضمان تحقيق الأهداف الاجتماعية والسياسية المعلنة لهذه العدالة. يبدو أنّ هناك اكتفاءً ما ب «تثمين الجلسات العلنية وشهادات الضحايا التاريخية وأهمية طقوس التعاطف

تجاههم». وفي الوقت نفسه، وأمام غياب شبه تام لاعتراف من قام بالانتهاك وغياب اعتذار علني منه، يصبح عسيرًا على العدالة الانتقالية أن تتمكّن من رأسملة هذه الشهادات في اتجاه إعادة كتابة

تاريخ الضحايا والتاريخ السياسي والاجتماعي للبلاد. وربما ما زال مبكرًا جدًّا صوغ حكم تقريري

كهذا، لكن لا نرى إرهاصات عكس ذلك. وعلى الرغم من بعض المحاولات في خلق رمزيات جديدة للانتقال الديمقراطي في محاولته إصلاح المؤسسات (إعادة دهن دهليز وزارة الداخلية، أو فتح سجن الرومي إلى ما يشبه المزار)، فإن مسار العدالة الانتقالية يواجه عدم انخراط أجهزة الدولة في عملية الإصلاح. وما زال التاريخ الرسمي والمكتوب يتعامل مع ما تعرّضت له النساء الضحايا كأنه حادث

عرضي، وما زالت الدولة تماطل وترفض الانخراط في إعادة كتابة تاريخها السياسي. وتحوّلت إعادة كتابة التاريخ السياسي للدولة الوطنية إلى جدل سياسي واسع بين النخب السياسية والجامعية التي رفض قسم مهم منها هذه العملية، متعذّرًا بأسباب علمية، في حين كان رفض بعضها الآخر ترجمة لضغط مارسته قوى سياسية. وليس في ذلك حجة أدلّ ولا رمزية أقوى تشيران إلى أهمية الرهان المحمول على إعادة كتابة التاريخ وأثره في صنع الذاكرة.

(57) Sandrine Lefranc, "La professionnalisation d’un militantisme réformateur du droit: L’ invention de la justice transitionnelle," Droit et société , vol. 3, no. 73 (2009), p. 567.

(((5 بعد دعوة رئيسة هيئة الحقيقة والكرامة إلى ذلك في آذار/ مارس.2017

يشير مخاض مسار العدالة الانتقالية العسير والمتواصل بصفة صريحة إلى أهمية الديناميات السياسية المختلفة التي يواجهها، خصوصًا في ما يهم افتكاك الاعتراف التاريخي الصريح بالنساء الضحايا. فمن جملة ما يعنيه هذا الاعتراف أنّ هناك جانبًا آخر لتاريخ المرأة السياسي، ولا سيما أنها كانت دومًا

موضوع تسويق لمنجزات الدولة الوطنية منذ الاستقلال. ولا يشك مؤرخ في مثل هذه الإنجازات، لكن الوقائع التي نظرت فيها العدالة الانتقالية – وما زالت – والممتدة طوال الستين سنة الماضية، إضافة إلى عشرات ومئات الشهادات التي تغطي كل هذه الحقبة، تثبت بوضوح أن الدولة الوطنية والراهنة مارست أشكالً منوّعة تجاه النساء. لم تواجه النساء الضحايا استبداد الدولة وعنفها المنظم فحسب، بل واجهن أيضًا صدى ذلك في مستوى البنى المجتمعية الثقافية والذهنية العميقة. لذلك، فإن عدم الاعتراف بهذا التاريخ السياسي والمجتمعي يبقي الذاكرة مخصية، ويحول دون بنائها الجديد، ويمنعها من التشكل في اتجاه الانخراط الكامل في تركيز المؤسسات الديمقراطية المانعة لتكرار الانتهاك، وهي من أصل مهمات العدالة الانتقالية. وهذا سيمنع النساء أيضًا من أن يكنّ فاعلات كاملات، يؤدّين أدوارهن بتساوٍ مع باقي الفاعلين في مجتمع يفترض أنه عادل، أو أنه يرغب في أن يكون كذلك.

تاسعًا: في شرخ الانتظارات والاعتراف المنقوص

تفيد أدبيات علم الاجتماع والسياسة والتاريخ والأنثروبولوجيا أن نجاح التحوّل إلى مجتمع جديد

يستلزم مشروعًا متفقًا عليه، وتؤكد هذه الأدبيات القِيمةَ الجوهرية لمخيال النخب في صوغ الأركان الأساسية لهذا المشروع وقدراتها التعبوية حوله، وأثر فعلها السياسي في قيادة الانتقال نحوه، وفي مواجهة ما يمانعه أو يحول دونه. ربما لم يستفد مسار العدالة الانتقالية في تونس من وجود هذه الشروط، أو المواصفات، وظلت النساء الضحايا مشدودات إلى انتظارات لم يلائمها التحوّل السياسي الذي حصل. ظلت هذه الانتظارات

حبيسة فضاءات عامة (ساحات وقاعات ومكاتب)، ومطلبية الاحتجاج (اعتراض بعض الجمعيات ومجموعة المفروزين أمنيًا وتجمعات عائلات الشهداء والجرحى)، واشتغال الذاكرة بمجالات رمزية

ووظيفية ومادية (قاعات الاستماع، المحاكم، قاعات الهيئة)، ولم يشاركها فيها المجتمع كله، في حين أن هذا شرط انتشارها وتأصلها بوصفها ذاكرة، كما يبيّن بيار نورا. لم تتمكن النساء الضحايا من أن تنقل حصيلة أعمال اللجان ومخرجات أدوارها إلى «المجال الرسمي بأشكال رسمية» يتيح تبنّيها رسميًا في بناء سياسات عمومية، وقد عطّل هذا الأمر بصورة واضحة قدرتها

على خلق إلزامية سياسية لصانعي القرار وواضعي هذه السياسات. وتبعًا لهذا، اكتفت النساء الضحايا بإدراجهن في جداول أعمال وبذكرهن في توصيات شكلانية مصحوبة بتعداد ما يجب أن يتمتعن به.

(59) Pierre Nora, Les lieux de mémoire , Bibliothèque illustrée des histoires (Paris: Gallimard, 1997). (60) Pierre Bourdieu, Sur l’état (Paris: Raisons d’agir; Éditions du Seuil, 2002), p. 50.

في الوقت نفسه، نعتقد أنه يجب عدم النظر إلى حصيلة ما انتفعت به النساء الضحايا باعتباره أحد أوجه فشل، بل الأهم هو مدى تطابق ما نصّت عليه قوانين العدالة الانتقالية من حقوق، وما دعت

إليه مع أفق الانتظارات ونوعها. فهذه الأخيرة، على الرغم من تشابهها، تبقى مختلفة من ضحية إلى أخرى، ويتموّج تقييمها بتغيّر ملامح الضحية، وتاريخها، وموقفها السياسي، وخلفيتها الأيديولوجية،

ووضعيتها الاجتماعية، ونوع الانتهاك الذي تعرّضت له وما خلّف من أضرار. اشتغلت العدالة الانتقالية متأثرة بقدرات المشرفين عليها وبتوجّهاتهم الحقوقية والسياسية والحزبية

والأيديولوجية. وليس مؤكدًا إنْ كانت هذه الملامح غير مؤثرة في مسار الأعمال، على الرغم من الشروط القانونية الواجبة في الترشح للعمل في هيئة الحقيقة والكرامة. كما أنه من الصعب رصد تأثيرات ملامح النخب الصاعدة الجديدة وطبيعتها في المخرجات العملية بشأن تحقيق الاعتراف للضحايا النساء خاصةً. ربما يفيدنا هذا بوصفه من جملة العوامل التي تفسر رفض بعض الضحايا التقدم بملفاتهن إلى العدالة الانتقالية. ويعني عدم تحقق الاعتراف، أيضًا، أن جزءًا من الذاكرة

الوطنية «سيموت مع المجموعة التي تحمله»، على حد تعبير موريس هالبواخ. وسيعرقل أمرٌ

كهذا انخراطَ ضحايا كثيرات أخريات في المسار، خاصةً في ظل عجز العدالة الانتقالية عن التعرض للأسباب السياسية البنيوية والتاريخية المنتجة للانتهاك والاستبداد، على غرار عدد من التجارب الأخرى (الأرجنتين وتشيلي)، أو المساهمة في تغيير الهشاشة الاجتماعية لبعض الضحايا (أفريقيا الجنوبية خاصةً) ومرافقتهن اجتماعيًا، وإنجاز جبر للضرر لا يقف عند التعويض المالي. تكمن أهمية

الاعتراف، المفترض حصول النساء الضحايا عليه من العدالة الانتقالية، في أنه إنصاف لهن في ظل غياب/ صعوبة الحصول عليه من الأشكال التقليدية للحياة الاجتماعية للضحايا، أو من مؤسسة العمل أو العائلة. ففي سعيهن لهذا، تواجه النساء الضحايا معارك وصدامات مع فاعلين اجتماعيين مختلفين ويواجهن عقبات منوعة للظفر بالتقدير والاحترام، إلى حدّ أن بعضهن لا يشعرن بأنّ لهن دورًا ذا شأن

يؤدّينه. لذلك، ففي غياب الاعتراف الكامل، لا يمكن الضحايا وبعض النساء إلّ تذكُّر «أولئك الذين سبقوهم مثلما أنّ المَسك بحلقة سلسلة يعني المَسك بالقيد كله»، وكأن الاعتراف استحال إلى شرط

وجودهن المقبل. نلاحظ في تصريحات الضحايا، وفي انتظاراتهن، الفروق المركزية والجوهرية بين منطق المؤسسات ومنطق الأفراد، وهي فروق معطّلة تُلقي بظلالها على مسار استكمال الاندماج للضحية المرأة بصفتها فاعلً فردًا تبحث عن تحقّق كامل لفرديّتها، وهو الأمر المستحيل «من دون التبنّي المجتمعي الفعلي لهذه القوانين. لذلك، فإن تطوير التشريعات، أو الممارسة الفعلية للحريات، ليسَا وضعًا متحققًا ثابتًا

أو خاليًا من التنازعات، فكلاهما يتطلب جهودًا وتعبئة مطلبيات، فرديةً كانت أم جماعيةً، تدخل في

صدام وتفاوض مع القوى الموجودة».

(61) Maurice Halbawchs, Les cadres sociaux de la mémoire (Paris: PUF, 1952). (62) Maurice Halbawchs, La mémoire collective, 2 ème ed. (Paris: PUF, 1968), p. 88.

((6(روضة القدري، «بروز الفرد في تونس: الخصوصيات والإشكالات»، عمران، مج 8، العدد 32 (ربيع 2020)، ص.105

يبرز البحث عن الاعتراف بوصفه بحثًا عن محرك دافع لا يمكّنهن من «المشاركة في الحياة الاقتصادية العامة»، فحسب، بل «يصبح هوية اجتماعية حقيقية له القدرة الكبيرة في تحديد الانتماء» أيضًا.

خاتمة

انطلق مسار العدالة الانتقالية في سياق انتقال ديمقراطي متعثر، وانطلقت أعمال هيئة الحقيقة والكرامة في جو من الصراعات السياسية العميقة، بين قوى حزبية، أنهكت نفسها في معارك لم يتمخض عنها منوال تنموي جديد، ولا تأصيل لثقافة ديمقراطية تثبت الاعتراف المتبادل بين الفاعلين السياسيين. كما واجهت العدالة الانتقالية صعوبات عدة ومنوعة حاولت الهيئة جاهدة مواجهتها، خصوصًا أنها لم تستفد دائمًا من مناصرة سياسية كاملة. وكان الدعم السياسي الذي وجّهته القوى الداعمة إلى العدالة الانتقالية قويًّا حينًا وخافتًا أحيانًا أخرى. ولم يستفد مسار العدالة من دعم أجهزة الدولة، بل إن جزءًا

مهمًا من هذه الأجهزة استمات في عرقلته. وفي الوقت نفسه، كانت انتظارات الضحايا، خاصة منها انتظارات النساء الضحايا، قد لامست سقفًا عاليًا، لكنه مشروع بالنظر إلى أهداف العدالة الانتقالية

المعلنة. على الرغم من كل هذه العراقيل، نجحت هيئة الحقيقة والكرامة في إنجاز عمل ضخم، خاصةً في جانبه التوثيقي. وتزداد أهمية هذا الإنجاز باعتباره يحصل أول مرة في تونس. ويمكن أيّ متتبع موضوعي أن يوجه ملاحظات نقدية إلى إنجازات الهيئة، وطرائق اشتغالها، وأنماط تسييرها، وبعض التشنج الذي طبع بعض مواقفها. ويمكن أيّ بحث نزيه وعلمي أن يتطرّق أيضًا، عبر قراءات مختلفة، إلى أداء الهيئة

في سياقات معلومة لم يكن لها إلّ أن تترك آثارًا في هذا الأداء. لم يفلح الانتقال الديمقراطي في بناء علاقة جديدة بين المواطنين والمؤسسات السياسية، ولم يُفلح مسار العدالة الانتقالية في إعادة دفع هذه العلاقة وتنشيطها وتمتين الروابط الاجتماعية. ولم تنجح العدالة الانتقالية في جعل قضاياها محركًا لثقافة التضامن، أو جعل قضايا النساء الضحايا مدخلً إلى إثارة قضايا المرأة وتأصيل معالجتها. نعتقد أنّ مسار العدالة الانتقالية ونجاح إنجازاته مرهونان باستقلال القضاء ومكافحة الفساد وتأصل الممارسة الديمقراطية وانخراط كل الأحزاب السياسية في إرساء دعائم نجاحه. ويتجلّى بكل وضوح أن العدالة الانتقالية مشروع سياسي في الدرجة الأولى؛ ولذلك نعتقد أن نجاحها من عدمه ليس تطبيقًا لفصولها القانونية، بقدر ما هو أمرٌ مرتبط بالقدرات السياسية للفاعلين المختلفين وبإمكاناتهم في تعبئة

موارد مختلفة تعينهم في التحكم في مجرى الأحداث وتوجيهها. ويرتبط هذا المشروع أيضًا بقدرات الفاعلين على التعبئة والحشد، ومهاراتهم التفاوضية، ونوع استراتيجياتهم المضبوطة للغرض، ونوع التنازلات التي يقدّمونها، وتوظيفهم مصادر سلطة ونفوذ بدت منذ اللحظة الأولى أنها غير متكافئة.

(64) Isabelle Leonetti–Taboada, "Intégration et exclusion," in: Vincent de Gaulejac & Isabella Taboada Leonetti (eds.), Reconnaissances: La lutte des places (Paris: hommes et perspectives, 1994), p. 57.

وهكذا نفهم بعض الأبعاد المتعلقة بمراقبة أعمال الهيئة وتخصيص موازنتها المالية ومساءلتها في التصرف المالي. فالعدالة الانتقالية لم تكن قطُّ مشروع هيئة بعينها، بل كانت مشروعًا مجتمعيًا، ولأن

مسارها لم يكتمل، فإنه في ظل ما تحقق للنساء الضحايا يكمن الخطر في أن تتحول هذه العدالة إلى وَهْم.

References

المراجع

العربية

العدالة الانتقالية بتونس: أسس نظرية، تطبيقات عملية وتصورات مستقبلية. ط 2. تونس: مركز الكواكبي للتحولات الديمقراطية،.2014 فريمان، صموئيل. اتجاهات معاصرة في فلسفة العدالة: جون رولز نموذجًا. ترجمة فاضل جتكر. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2015 القدري، روضة. «بروز الفرد في تونس: الخصوصيات والإشكالات». عمران. مج 8. العدد 32 (ربيع

المحمداوي، علي عبود (تحرير). الفلسفة والنسوية. الرباط: منشورات ضفاف؛ منشورات الاختلاف؛ الرابطة العربية الأكاديمية للفلسفة،.2013 المليتي، عماد. «التحولات الاجتماعية والحريات الفردية لدى الشباب في تونس: أي علاقة؟ ». عمران. مج 8. العدد 32 (ربيع.)2020 هيئة الحقيقة والكرامة. التقرير الختامي الشامل، ج 1: عهدة الهيئة. تونس: كانون الأول/ ديسمبر.2018. التقرير الختامي الشامل، ج 2: تفكيك منظومة الاستبداد. تونس: كانون الأول/ ديسمبر.2018

الأجنبية

Andrieu, Kora. "Confronter le passé de la dictature en Tunisie: La loi de ‘justice transitionnelle’ en question." Observatoire des mutations politiques dans le monde arabe. IRIS (2014). Blanchet, Alain. Dire et faire dire: L’entretien. 2 ème ed. Paris: Armand Colin, 2003. Bourdieu, Pierre. Sur l’état. Paris: Raisons d’agir; Éditions du Seuil, 2002. Bucaille, Lætitia. "Vérité et réconciliation en Afrique du sud: Une mutation politique et sociale." Politique Etrangère. no. 2 (2007). De Gaulejac, Vincent & Isabella Taboada Leonetti (eds.). Reconnaissances: La lutte des places. Paris: hommes et perspectives, 1994.

De Singly, François, Christophe Giraud & Olivier Martin (eds.). Apprendre la sociologie

Elias, Norbert. Engagement et distanciation: Contribution à la sociologie de

Honneth, Axel. La lutte pour la reconnaissance. Pierre Rusch (trad.). Paris: Éditions du

Justice transitionnelle et droits économiques, sociaux et culturels. New York/ Genève:

Lefranc, Sandrine. "La professionnalisation d’un militantisme réformateur du droit: L’invention de la justice transitionnelle." Droit et société. vol. 3, no. 73 (2009). Nora, Pierre. Les lieux de mémoire , Bibliothèque illustrée des histoires. Paris: Gallimard,

par l’exemple. 3 ème ed. Paris: Armand Colin, 2016.

connaissance. Michèle Hulin (trad.). Paris: Fayard, 1993. Halbawchs, Maurice. Les cadres sociaux de la mémoire. Paris: PUF, 1952. ________. La mémoire collective. 2 ème ed. Paris: PUF, 1968.

Cerf, 2002.

Publication des Nations Unies, 2014.