نظرية المجال عند جورج زيمل: المجال بوصفه شرطًا قبليًا للبناء وإعادة البناء الاجتماعي
Georg Simmel’s Space Theory Space as a Priori Condition of Social (Re)construction
الملخّص
لمفهوم المجال مضامين سوسيولوجية متعددة وكثيفة، لكنها ضعيفة الحضور في أدبيات العلوم الإنسانية العربية، على الرغم من استعماله في سياقات محدودة جدًا. في هذا الإطار، تمثل هذه الدراسة بحثًا معمقًا في أصول هذا المفهوم ومضامينه عند جورج زيمل، وذلك سعيًا لإدماجه في البحوث العربية من بابه السوسيولوجي. تهدف الدراسة إلى الوقوف على أهم المظاهر التي يأخذها المفهوم عند زيمل والمواضيع المرتبطة به، والتي ما زالت تحظى حتى الآن بالمساءلة السوسيولوجية.
Abstract
Professor of Sociology, Faculty of Arts and Humanities, Meknes, Morocco.
- المجال
- الأشكال الاجتماعية
- الحدود الاجتماعية
- البناء الاجتماعي
- جورج زيمل
- Space
- Social Forms
- Social Boundaries
- Social Construction
- Georg Simmel
ملخص: لمفهوم المجال مضامين سوسيولوجية متعددة وكثيفة، لكنها ضعيفة الحضور في أدبيات العلوم الإنسانية العربية، على الرغم من استعماله في سياقات محدودة جدًا. في هذا
الإطار، تمثل هذه الدراسة بحثًا معمقًا في أصول هذا المفهوم ومضامينه عند جورج زيمل، وذلك سعيًا لإدماجه في البحوث العربية من بابه السوسيولوجي. تهدف الدراسة إلى الوقوف على أهم
المظاهر التي يأخذها المفهوم عند زيمل والمواضيع المرتبطة به، والتي ما زالت تحظى حتى الآن بالمساءلة السوسيولوجية.
Abstract: The concept of space has numerous sociological interpretations, but it is poorly employed in Arab sociology, despite its limited usage. This study represents an in–depth examination of this concept according to Georg Simmel, in an effort to include it in Arab sociological research. This paper identifies the most important aspects and topics associated with the concept, which still attract sociological study, and proposes new points of discussion that fit with the transformations in research in the social sciences.
مقدمة
أصبح لموضوع المجال Space أهمية متزايدة في الدراسات السوسيولوجية، باعتباره عاملً محدّدًا في بناء العلاقات الاجتماعية ومُفسّرًا طبيعتها وأشكالها. ويرجع هذا الاهتمام إلى أن
دراسة الظواهر الاجتماعية تستلزم النظر إليها كونها تُبنى في سياق مجالي يقتضي التفكير في شروط تشكّله، على اعتبار أنه يُنظر إلى تحليل الظواهر، إما بكونها نتاج عمل بنى، وإما نتاج تفاعلات الأفراد،
أو كليهما معًا؛ ما يستدعي في كل الأحوال ربطها بالشروط المجالية. ومن هذه الزاوية، يُعتبر جورج
زيمل (1918–1858) من السوسيولوجيين الأوائل الذين حاولوا دراسة المجال ومقاربته سوسيولوجيًا،
مُبرِزًا أن موضوع السوسيولوجيا هو دراسة «الأشكال» الخارجية للظواهر الاجتماعية، مثلما تدرس
الهندسةُ الأشكالَ الهندسية بالتركيز على مظهرها الخارجي والخصائص الأكثر تجريدًا. ويعني هذا أن المجال عنده ليس معطى فيزيائيًا أو جغرافيًا ينتمي إلى الطبيعة ومستقلً في وجوده عن الإنسان، بل
إنه شرط وجود العالَم الاجتماعي، وهذا الأخير يعطيه دلالة إنسانية. ويمكن في هذا الإطار أن نتساءل عن العلاقة التي يضعها زيمل بين تشكّل المجال وتشكّل الحياة الاجتماعية؛ أي العلاقة بين الظواهر الاجتماعية وكيفية تشكّل المجال.
أولا: المجال بوصفه موضوعًا سوسيولوجيًا
1. من الشكل إلى المجال
يُعدُّ زيمل من السوسيولوجيين المؤسسين، إلى جانب إيميل دوركهايم Durkheim Émile وماكس
فيبر Weber Max وكارل ماركس Marx Karl وغابرييل تارد Tarde Gabriel وغيرهم. وتميزت أعماله بالغنى والكثافة، واهتمامه بمواضيع منوعة من أجل توضيح نظرته إلى شروط إمكان إنتاج معرفة بشأن العالَم الاجتماعي؛ وهو ما يظهر جليًا في كتابه المرجعي علم الاجتماع: دراسات حول أشكال الحياة
الاجتماعية. وقد انطلق من فكرة مفادها أن تشكّل المجتمع وتركيبته الاجتماعية يقومان على الربط بين الأفراد والأشياء ترابطًا يكون بالضرورة في حيّز أو مكان جغرافي معيّن ومحدّد. ويعني هذا في
نظره أن المجتمع لا يتكوّن من الأفراد فحسب، ولا يمكن ردّه إلى مجموع هؤلاء، بل يتجاوز عدد
أفراده، ليتحدد من خلال طبيعة العلاقات الاجتماعية التي تُبنى في مجال علائقي معيّن عبر ممارسة
تأثيراتٍ والخضوع لها أيضًا، بغرض تحقيق غايات مختلفة اقتصادية، وجمالية، ودينية، تتمظهر في أشكال اجتماعية، حتى يتسنّى البحث في السيرورات الخاصة التي يجب قطعها لتحقيق تلك الغايات ودراسة مضامينها. وإذا كان التحديد الأولي للسوسيولوجيا، بحسب زيمل، يميل إلى دراسة أشكال الحياة الاجتماعية، فإن موضوعها يجب ألا يقتصر على التجميع الخارجي للظواهر، بل أن يُخضِع
هذه الظواهر السوسيوتاريخية لتجريد وتنظيم جديدين، وفق منهج علمي خاص، لا يمكنه بأي حال
(((يجب التأكيد هنا أن المكان الجغرافي يشكّل جزءًا من المجال، على اعتبار أن الثاني يتشكل من علاقات التفاعل
بين الأفراد في حيّز مكاني ما، والظواهر المرتبطة بها.
(2) Georg Simmel, Sociologie: Etudes sur les formes de la socialisation (Paris: Presses Universitaires de France, 1992), pp. 42–43.
تطبيقه على جميع القضايا. ومعنى هذا أنه يجب على علم الاجتماع ألا يبحث موضوعه في مادة الحياة الاجتماعية، بل في شكلها، وأن هذا الاهتمام المجرد بالأشكال الاجتماعية هو الذي يعطي علم الاجتماع شرطه الوجودي، مثلما أن الهندسة تستمد وجودها من إمكان تجريدها لأشياء مادية؛ أي بوصفها العلم الذي يحدد على نحو تركيبي خصائص الفضاء. إذًا، على السوسيولوجيا أن تهتم بالخصائص الخارجية والأشكال المتجددة لعلاقات التفاعل، باستلهام النموذج الهندسي في دراسة الأشكال، عوض البحث عن قوانين ثابتة لأشياء متغيرة ومتجددة تعرفها التفاعلات الاجتماعية. يثير استعمال مفهوم «مجتمع» الكثير من اللبس والغموض، نظرًا إلى غنى دلالاته والسياقات التي يرد فيها
استعماله، وهو ما يحتاج إلى تدقيق. لهذا، يغطي المفهوم دلالتين مترابطتين، يدعو زيمل إلى فصلهما أثناء دراسته من الناحية المنهجية. فمن جهة، يُحيل المجتمع إلى المجموع المركب من الأفراد الذين
يدخلون في علاقات تبادل، تنتج منها أشكال علائقية كأفعال متبادلة. ومن جهة أخرى، فإن مجموع هذه الأشكال العلائقية التي بوساطتها يشكّل الأفراد مجموعًا كليًا مركبًا، تُبنى عليها أفعال متبادلة Actions
réciproques. يقول زيمل: «يغطي مفهوم المجتمع معنيين، يجب أخذهما منفصلين من أجل أن تكون الدراسة العلمية له ممكنة. أولً أنه مركب من الأفراد، تربطهم أشكال علائقية socialisés Individus، أي المادة البشرية التي اكتسبت شكلًاجتماعيًا، مثلما شكّلها الواقع التاريخي. لكن أيضًا، المجتمع
هو مجموع أشكال العلاقات التي بوساطتها يصبح الأفراد بالفعل مجتمعًا بالمعنى الأول. وبالطريقة نفسها، فكلمة ‘فضاء’ Sphère هي مادة، لها شكل محدد، لكن أيضًا بالمعنى الرياضي، الشكل البسيط أو الصورة التي تصبح فضاء بالمعنى الأول للكلمة. وحينما نتحدث عن علوم المجتمع، بحسب المعنى الأول، فإن موضوعها هو كل ما يحدث في المجتمع وبوساطته؛ وبالمعنى الثاني، فإن موضوعها هو القوى والعلاقات والأشكال التي بوساطتها يتفاعل الأفراد، ومن ثم، حينما تُدرس لوحدها وبشكل مستقل، تكون ‘مجتمعًا’ بالمعنى الدقيق». بناء على ما سبق، فإن مفهوم المجتمع الذي يغطي الدلالة العامة لأشكال الحياة الاجتماعية ومظاهرها، في ترابط معانيه، كمجموع المركب لأفراد يدخلون في تفاعلات اجتماعية، مُشكّلين بذلك الحياة
الاجتماعية، ثم مجموع الأشكال العلائقية التي يبنونها، والتي تتمحور حولها كل الخيوط الاجتماعية. هذا المجموع من ناحية الشكل والمضمون هو ما يشكّل موضوع علم الاجتماع الذي يسميه زيمل «الحياة الاجتماعية»، أي التفاعل البناء بين الفرد والمجتمع. وما دامت دلالة مفهوم المجتمع تأخذ هذه الخصائص، باعتباره مجموعًا كليًا Totalité، وبوصفه سيرورة من التفاعلات تعكس تجارب يومية
(حياتية) للمشاركين فيها، فإن هذه المحددات هي ما يجعل موضوع علم الاجتماع دراسة أشكال التفاعلات بين الأفراد؛ لأنها تنتج في سياق مجالي يعطي تمظهرات ثقافية. بصيغة أخرى، فإن المجتمع في دلالته الملموسة هو هذا المركب من الأفراد الذين يدخلون في علاقات ويبنون شبكة تواصلٍ ملموسة وعلاقات إنسانية فعالة في زمن ومكان محددين كمعطى، أما في دلالته المجردة، فهو
(3) Ibid., p. 47.
(((تُحيل كلمة ثقافة هنا إلى الأشكال الحضارية الناتجة من الأشكال الاجتماعية، من فنون وأشكال الحياة المدنية التي
تميز المدينة الكبيرة Metropolis.
يحيل إلى مجموع هذه الأشكال السابقة للعلاقات الاجتماعية المتبادلة، التي بوساطتها يصبح الأفراد جزءًا من شبكة تواصلية وعلائقية موسعة، لكل منها خصوصيتها الاجتماعية. يتضح أن مشروع زيمل انصبّ على التأسيس لعلم الاجتماع باعتباره بحثًا في أشكال وتطور سيرورة
التفاعلات الاجتماعية وقواها. ويُقصد بالشكل الاجتماعي Socialization الوجود والتجاور والدخول
في تفاعل بين الأفراد في حيّز مكاني معين. وبما أن موضوع علم الاجتماع هو دراسة الأشكال المادية
للمجتمع (الاجتماع الإنساني)، فإن دلالة الشكل هنا تحيل، عند زيمل، إلى معنى بلاغي (التجريد)؛ لأن الشكل يلخص السيرورات التي بوساطتها يجتمع الأفراد داخل وحدات فوق فردية Supraindividual كيفما كانت طبيعة العلاقة: ثابتة أم متحركة، تضامنية أم صراعية. معنى هذا، من جهة، أن كل ظاهرة اجتماعية تقدّم ذاتها في صورة مورفولوجية تتضمن وقائع مادية، وتمتلك شكلً معيّنًا ومحددًا، تسمح
لنا بتمثلها بطريقة بيانية Graphiquement، وأن مختلف الظواهر التي تُنتَج بين الأفراد الذين يدخلون في علاقات تفاعل هو ما يمنحها المظهر الاجتماعي الحقيقي. ومن جهة أخرى، يتحقق المجتمع حينما يدخل أفراده في تفاعل فيما بينهم في علاقات متبادلة، مدفوعة بغايات تسمح بانخراطهم في علاقات قائمة على تأثيرات متبادلة، مشكلين بذلك وحدات منوعة، بتنوع درجة وطبيعة تلك التفاعلات والعلاقات التي يدخل فيها الأفراد؛ ما يجعل الأشكال الاجتماعية منوّعة بتنوّع التفاعلات الاجتماعية. إن معرفة العالم الاجتماعي لا تتحقق بتجميع الأحداث أو الوقائع Facts فحسب، بل بدلً من ذلك بوصفه عملية بناء عن طريق تصنيف هذه الأحداث والأفعال بغرض تفسيرها، بعد أن يجري عزلها والإمساك بها وفق ترابطات منهجية. ولا يعني المجتمع، عند زيمل، شيئًا من دون تمثلّات نكوّنها عن العالم
الاجتماعي، وهو بذلك ليس معطى ماديًا، بل تمثلّات وحداته الكلّية، عبر الدخول في علاقات اجتماعية
في مجال محدد شرطًا لإمكانية الفعل الاجتماعي. إن شرط إمكانية الفعل الاجتماعي هذا هو المجال الذي لا يجب النظر إليه بوصفه مفهومًا بالمعنى الفلسفي للكلمة، بل بوصفه تجربة حسّية (تمثل)، مكوّنًا
من أجزاء ممتدة ولانهائية. المجال معطى قبلي سابق لكل فعل اجتماعي، وسابق لكل فعل تبادلي؛ إنه مجموع الأجزاء التي تنطلق منها التجارب التفاعلية. وإذا كان كانط ينظر إلى المكان بوصفه معطى ضروريًا قبليًا وشرطًا أوليًا سابقًا لأي معرفة، يتضمن لامحدودية التمثلّات الممكنة، فكذلك بالنسبة
إلى زيمل يعتبر المجال صورةً وشكلً للظواهر، ولا يشكّل في حد ذاته موضوعًا للدراسة من دون وجود
أشكال تفاعلية تُشكّله ويشكلها هو أيضًا. ولا يكون للمجال معنى إلّ حينما تحدث فيه علاقات تفاعلية، ومن ثم تأخذ دراسة الأشكال الاجتماعية مرجعيتها من التصوّر الكانطي للمكان. من هذا المنطلق، يعتبر
(5) Georg Simmel, On Individuality and Social Forms , Donald N. Levine (ed.) (Chicago/ London: The University of Chicago Press, 1971), p. 28. (6) Ibid., p. 66. (7) Émile Durkheim, "La sociologie et son domaine scientifique," in: Textes. 1: Les classiques des sciences sociales (Paris: Éditions de Minuit, 1975). (8) Georg Simmel, "How is Society Possible?" The American Journal of Sociology , vol. 16, no. 3 (1910), p. 378. (9) Jean–Michel Besnier, "L’espace dans la Critique de la raison pure de Kant," in: Thierry Paquot & Chris Younès (eds.), Espace et lieu dans la pensée occidentale (Paris: La Découverte, 2012), p. 229.
زيمل أن دراسة المجال هي موضوع خاص للسوسيولوجيا، يجب النظر إليه كونه شرطًا مُحدِّدًا لمظاهر التفاعل الاجتماعي، وفي الآن نفسه يُبنى اجتماعيًا عن طريق مظاهر التفاعل السابقة الذكر. من ذلك، يمكن مقاربة المجال عند زيمل عبر مستويات عدة: أولها إمكان تجريد العيش المشترك للأفراد، وثانيها الاستثمار في الأشكال المجالية لمختلف العلاقات الاجتماعية، ثم أخيرًا، يجب النظر
إلى تحليل المجال ودراسته بوصفه جزءًا من المشروع الحداثي، أي باعتباره مظهرًا من مظاهر الحداثة
التي عرفتها المجتمعات المعاصرة. من هنا التأكيد على ضرورة أن يؤخذ في الحسبان متغير المجال في دراسة المجتمع حتى يتسنى فهم ظواهر التركز والتجمع أو التشتت والانشطار، وكذا حركية الأفراد أو استقرار الجماعات. فهو يعتبر أن المساحات الجغرافية والأمكنة ليست هي ما يشكل المجتمعات، بل العلاقات السيكولوجية التي تربط بين الأفراد حول شكل معين من المجال عبر علاقات السلطة المبنية على السيطرة على الأفراد في هذا المجال؛ لأن أشكال المضامين السيكولوجية وتأثيراتها هي التي تخلق تفاعلات داخل، أو ضمن، أشكال مجالية معيّنة. لا يأخذ المجال هنا دلالة فيزيائية أو
مادية امتدادًا للطبيعة الخارجية، بل دلالة سوسيولوجية، ويكون كذلك حينما يكون ممتلئًا بعلاقات اجتماعية تعطيه دلالته الإنسانية وتُشكّله من خلال النشاطات والتفاعلات التي يوجِدها الأفراد في هذا المجال. معنى هذا أن المجال يُحيل هو الآخر إلى معنيين مترابطين: المعنى الذي يُعطيه الأفراد لعلاقاتهم الاجتماعية من خلال إدراكاتهم ووعيهم بها وبغاياتها، ثم إن تلك العلاقات لا يمكنها أن تحدث إلّ داخل مجال محدد، وفي علاقة به أيضًا، يتحدّد بها وتُحدده. ولهذا، فإن الدخول في علاقة مع المجال يعني إنجاز تحركات Movements وتحولّات اجتماعية؛ لأن الأفراد يتفاعلون فيما بينهم
حينما يشغلون مكانًا مشتركًا باعتباره وضعية مكانية spatiale Position يكون فيها كل طرف في مكان ما، يتحدد به ويشغله. في هذا السياق، تعتبر مارتينا لاو أن المجال لا يمكنه التأثير في ذاته؛ لأنه لا بد له من فاعل يشكّله، مثلما يحدث حينما نبني شكلً معيّنًا يصبح بموجبه الخشب خزانة، أي إن
الأفراد هم من يعطون المجال دلالته الاجتماعية؛ لأنهم يشكلونه ليوافق غايتهم ويُحقّق مصالحهم. وهذا يستلزم النظر إليه أولً على نحوٍ مجرد، كونه يحيل إلى فراغ لامحدود، وأن الشكل الذي يعطيه الأفراد للمجال، كونهم يدركونه في الآن نفسه، يحتوي أشياء العالم بما فيه وجودهم الاجتماعي. إذا كان كانط قد اعتبر أن المكان هو إمكانية التعايش Coexistence of Possibility التي تسمح بالتجاور والوجود فيه، فإنه يمكن ترجمة هذا المعنى سوسيولوجيًا بالقول إن المجال هو الإمكانية
التي تسمح للأفراد بالوجود والتجاور والدخول في علاقات كيفما كانت طبيعتها. وعلى الرغم من
(10) Simmel, Sociologie , p. 599. (11) Ibid., p. 601. (12) Martina Löw, The Sociology of Space: Materiality, Social Structures, and Action , Donald Goodwin (trans.) (New York: Palgrave Macmillan, 2016), p. 45.
((1(باعتبار المكان شرطًا سابقًا لكل معرفة ممكنة، لأن المكان لا يمثل أبدًا خاصية الأشياء في ذاتها، أو علاقة هذه
الأشياء فيما بينها. يقول كانط، لكن المكان ليس شيئًا آخر إلّ الشكل الذي تأخذه الظواهر الحسية الخارجية، بمعنى
الشرط الذاتي الذي بموجبه، فحسب، يكون الحدس الخارجي ممكنًا بالنسبة إلينا.
أن هذه العلاقات دائمة التغير والحركية، لأنها مرتبطة دومًا بغايات، كما سبقت الإشارة، فإن دراسة أشكال التفاعل الاجتماعي تفترض تحديد الشروط المجالية للتفاعل، التي وفقها، أو بناء عليها، يتم هذا التفاعل الاجتماعي، حتى يتسنّى لنا معرفته ومعرفة شروط تحقّقه. إن شكل المجال هو ما يتم به تفسير المصالح الخاصة للأفراد، ومن ثم، فإن ما يهم زيمل ليس الفرد ولا المجتمع، بل يتركز اهتمامه على التفاعل المبدع والخلاق بين هذين القطبين، على اعتبار أن تشكّل المجتمع هو جوهر الرابط الاجتماعي وأصله. ولهذا فهو يتحدث دائمًا عن الأشكال الاجتماعية Sociation، وليس عن المجتمع، ومع ذلك لا ينفي وجود بنى اجتماعية قوية تساهم في إعادة الإنتاج الاجتماعي، لكن يُعطيها دورًا متناسبًا مع العوامل الميكروسوسيولوجية التي تقوم عليها الحياة الاجتماعية وعلاقات
التفاعل القائمة بين الأفراد؛ لأن علاقات التفاعل هذه هي ما يشكّل جوهر الحياة الإنسانية والاجتماع Sociability. هذا الاهتمام المجرد بالأشكال الاجتماعية هو ما يعطي علم الاجتماع الحق في الوجود، بالقدر نفسه الذي يجعل الهندسة علمًا لقدرتها على القيام بعملية «تجريد» حقيقية لأشياء مادية. في هذا السياق يتم الحديث عند زيمل عن مشروع سوسيولوجيا الشكل، والمجال جزء منه، وهو ما يسمح أيضًا بالنظر إليه جزءًا من التحليل الذي يرتبط بالحداثة في وجوهها المتعددة والمتناقضة، حيث تشكّل
المدينة الكبيرة Metropolis أحد تمظهراتها.
2. المجال وأشكال الحياة الاجتماعية
إذا كان المجال شرطًا أساسيًا وأوّليًا لكل وجود اجتماعي يسمح بقيام علاقات اجتماعية وتفاعلية
بين الأفراد، مثلما أن شكل هذه العلاقات وطبيعتها محدّدان أساسيان أيضًا للمجال، لأنه يتشكل من الديناميات الاجتماعية التي تحدث داخله، لكون هذه العلاقات تجليات مجالية، فإن زيمل ينظر إلى هذه العلاقات الاجتماعية (المجتمع) باعتبارها سابقةً في وجودها على وجود الفرد. ووجود الفرد لا يتحدّد بوصفه عنصرًا من هذا الكل الاجتماعي فحسب، بل هناك جزء منه يقع خارج
المجتمع، الذي ليس له معنى اجتماعي ويكون خارج شروط الفعل المتبادل Réciproque Action ويعكس ذاتيته، لا يُعبّر دائمًا عمّا هو اجتماعي. هذا الجزء الذاتي من الفرد لا يتم إقصاؤه كلّيًا من
الكل الاجتماعي، ما دام لوجوده بهذا الشكل معنى آخر غير الذي يعطيه له المجتمع، بل ذلك المعنى الذي يُعطيه الفرد نفسه لذاته. نحن هنا أمام ازدواجية الأنا المعمم الذي تحدّث عنه جورج هيربرت ميد الذي يرى أن «الذات» Self تُحقّق كامل تطوّرها ونموّها بوساطة تنظيم المواقف الفردية للآخرين داخل نظام اجتماعي أو مواقف جماعة ما، أو يصبح انعكاسًا فرديًا للنموذج النسقي العام للسلوك الاجتماعي الذي ينخرط فيه جميع الأفراد، وفي الوقت نفسه تمتلك هذه الأنا جانبًا ذاتيًا
((1(تجب الإشارة هنا إلى أن اهتمام زيمل بالتحولات السريعة التي حدثت، في القرن التاسع عشر وبداية القرن
العشرين، أوجدت ظواهر اجتماعية جديدة، كانت موضوع تفكير ووصف دقيق من زيمل؛ العلاقات النقدية، والحياة في
المدن الكبرى، والموضة التي تقوم على ثقافة الاستهلاك. أوجدت هذه الأشكال الاجتماعية الجديدة نمطًا جديدًا من
الحياة الاجتماعية، تميّز بصعود متنامٍ لمنطق الفردانية والإيقاع السريع للحياة. ينظر في هذا الصدد:
Georg Simmel, The Metropolis and Mental Life (London: Routledge, 2012).
خاصًا، تُنظّم به علاقتها بالعالم الاجتماعي وإدراكها له بطريقة ذاتية. من هذا الجانب، يعتبر زيمل أن المجتمع هو هذا التوليف بين الحياة الاجتماعية في شقّها الموضوعي السابق عن أي تجربة فردية، والجانب الذاتي الذي يتمظهر في الخصائص السيكولوجية للفرد، والمتجلية في طرائق تمثّله تلك المظاهر وعلاقات التبادل والتفاعل التي ينسجها لتأكيد فردانيته من جهة، وانتسابه أو انخراطه في الحياة الاجتماعية من جهة أخرى. وفي هذا السياق، يقول زيمل: «ليس كل فرد عنصرًا فقط من الكل الاجتماعي (المجتمع)، بل هو شيء آخر أكثر من ذلك بكثير. إن الجزء من
الفرد الذي ليس له معنى اجتماعي لا يقع خارج ما هو اجتماعي، أو يوضع خارج ما هو اجتماعي (أو خارج المجتمع)، ولا يمكن النظر إليه بأي حال من الأحوال على أنه خارج القواعد الاجتماعية، أو خارج شروط الفعل التبادلي فحسب، بل إن هذا الجزء من الفرد يتم إقصاؤه من المجتمع لأن لوجوده معنى آخرَ غير الذي يعطيه له المجتمع». يجب أن يُنظر إلى الفرد داخل هذه الأشكال الاجتماعية بوصفه وحدة Unité غير قابلة للتجزيء، وليست أبدًا موضوعًا معرفيًا معزولً، إنما هي موضوع تجربة يتطلّب ربطها بعناصر تؤثر فيها وفي
طرائق تشكّلها، مثل الوسط الفيزيائي (الجغرافي) والثقافي وما إلى ذلك. وعندما نقترب من هذه الوحدة، نرى على نحو واضح الفرد متميزًا من الآخرين، أما حينما نتأمله عن بعد، يختفي هذا الجزء أو الجانب الخاص والمميز له، ليظهر لنا المجتمع خلف هذه الصورة الصغيرة للفرد، ما دام يدخل في علاقات وتفاعلات مع أفراد آخرين، تشكّل نسقًا من الكتل الجسدية التي تحدد سلوكهم على أساس هذه التفاعلات. هذه العلاقة التي يضعها زيمل بين الفرد والمجتمع، والتي تُحدّده من جانبين؛ جانبه الذاتي الذي يُحيل إلى كل عناصره السيكولوجية والبيولوجية والفكرية، وجانبه الموضوعي الاجتماعي الذي يُحيل إلى علاقات التفاعل الاجتماعي التي يدخل فيها مع بقية الأفراد وتكوّن الحياة الاجتماعية، تجعلنا أمام ثنائية الذاتي والموضوعي، الفرد والمجتمع، حيث يجب النظر إليهما كلً واحدًا لا يمكن فصلهما في أثناء دراسة الحياة الاجتماعية؛ لأنه لا وجود لشكل اجتماعي لا يلازمه مضمون أو محتوى اجتماعي. لهذا المحتوى الاجتماعي وجهان: الأول ذو طبيعة موضوعية يتجلّى في إنتاج الأعمال والنشاطات، والتقدم التقني، وإنتاج فكرة، ورخاء مجموعة أو إفلاسها سياسيًا... إلخ. أما الوجه الثاني فذو طبيعة
ذاتية، وهو المتمثل في العناصر المختلفة المكوّنة للفرد، السابقة الذكر، التي تُقوّيها التفاعلات الاجتماعية وعلاقات التبادل التي يدخل فيها مع الآخرين، وتمنحه إمكانية الانتماء إلى الجماعة. وبناء عليه، لا بد لهذه العلاقات الاجتماعية، كيفما كانت طبيعتها، من إطار أو وعاء مجالي يمنحها شرط الوجود والتحقق، ويجعل الأفراد ينظرون إليه بكونه مُنتجًا للحياة الاجتماعية في مظاهرها
(15) George Herbert Mead, Mind, Self, and Society: From the Standpoint of a Social Behaviorist (Chicago: The University of Chicago Press, 1997), p. 156. (16) Simmel, "How is Society Possible?" p. 382. (17) Georg Simmel, "Le problème de la sociologie," Revue de Métaphysique et de Morale , vol. 2, no. 5 (1894), p. 499.
المختلفة. من هذا المنطلق، يُفهم المجال وتأويله عمومًا من وجهة نظر سوسيولوجية عند زيمل، من خلال إمكانية التجريد، على اعتبار أن الأفراد يعيشون ويقتسمون تجارب مشتركة Together Being، تسمح بإمكانية استثمار وتوظيف البعد المجالي في هذه العلاقات الاجتماعية المنوعة وفق ما يتمثله الأفراد لتلك العلاقة. تأخذ دراسة المجال في سوسيولوجيا زيمل مجموعةً من المظاهر، تعكس سيرورة الحياة الاجتماعية، باعتباره أولً عاملً محددًا وأساسيًا للتجربة الإنسانية وشرطًا لها؛ لأن النشاطات الإنسانية يجب أن تحدث بالضرورة في سياق مجالي، وثانيًا أن المجال، بما هو مظهر محدد للتفاعلات الاجتماعية، هو في الآن نفسه مبني اجتماعيًا بوساطة التفاعلات نفسها التي تنتج النشاطات الإنسانية، وثالثًا أن المجال هو الشكل الذي بوساطته يتم اختبار تلك التفاعلات الاجتماعية وتمظهرها وفاعليتها. وهذا يعني أن أشكال الحياة الاجتماعية التي ينعتها زيمل بالعلاقات المتبادلة بين الأفراد، كيفما كانت طبيعتها، تحدث دائمًا في إطار مجالي Frame Spatial وتوجد وحدة ناتجة من تبادل المصالح وتضاربها؛ ما يؤدي إلى صراع بين الأفراد، فيضطرون إلى حل الصراعات عبر التفاوض وإيجاد قنوات تواصل تساعد في عقد توافقات، تُتوّج بعلاقات تبادل جديدة وأنماط تفاعل جديدة أيضًا، باعتبارها تجليًا لأشكال الحياة الاجتماعية، يقول: «ليست الوحدة في دلالتها التجريبية شيئًا آخر غير الفعل المتبادل بين العناصر: فالجسد العضوي يشكّل وحدة لأن أعضاءه يدخلون في علاقات تبادل للطاقات أضيق مقارنةً بأي وجود خارجي آخر، الدولة مثلً هي وحدة لأن بين مواطنيها التأثيرات المتبادلة نفسها، وبالشكل نفسه لا يمكن القول إن الكون واحد إذا لم يؤثر كل عنصر من عناصره في بقية العناصر أو تعطّلت تلك التأثيرات المتبادلة». هناك علاقة وطيدة بين الأفعال المتبادلة بين الأفراد (التأثيرات المتبادلة) وأشكال الحياة الاجتماعية (أنماط الاجتماع)، على اعتبار أن هذه التفاعلات تتم في حيّز مجالي معين، يُحدّد نوعًا لتلك التفاعلات وطبيعتها؛ لأنه ما إن يدخل الأفراد في علاقة من هذا النوع، حتى يبدأ المجال في التشكّل، وما إن يتشكّل المجال، حتى يضغط على الأفراد ليشكلوا طبيعة علاقاتهم الاجتماعية، تبعًا للمجال الذي يتموضعون فيه. بهذا يشكلون وحْدة اجتماعية تتويجًا لعلاقات الصراع والتنافس التي يُحدثها تضارب الغايات والمصالح التي تجد تعبيراتها في هذه الأشكال من الحياة الاجتماعية التي يقسمها زيمل أربعة أنواع متباينة ومتمايزة: • الأشكال الاجتماعية الموهوبة douées formes Les، وهي أشكال تمتاز بالديمومة والاستمرارية في الزمن، وتأخذ طابع المؤسسات الاجتماعية، مثل الأسرة والمدرسة والمقاولة والأحزاب والدولة والمؤسسات الدينية.
(18) Andrzej J. Zieleniec, Space and Social Theory (London: SAGE Publications, 2007), p. 37. (19) Simmel, Sociologie , p. 43.
• الأشكال المُهيكِلة، وهي ذات خطاطات مبنية قبليًا، وعلى أساسها تُبنى التنظيمات الاجتماعية من
خلال العلاقات التراتبية وعلاقات التنافس وعلاقات الصراع، أو علاقات التفاعل وعلاقات الإقصاء، أو علاقات تقسيم العمل. • الأشكال المماثلة التي تكوّن الإطار العام الذي تتم فيه التفاعلات الاجتماعية، أو ما يمكن أن ننعته
بالحقول Spheres، مثل السياسة والتربية والقانون والاقتصاد والدين وغيرها. • الأشكال الزائلة والمؤقتة التي تكوّن الطقوس اليومية للأفراد، مثل الأخلاق وطرائق الأكل واللياقة. إن أشكال الحياة الاجتماعية هي هذه التفاعلات الدائمة التي تتبلور موضوعيًا في بنى ملموسة، مثل
الدولة والأسرة والتجمعات الحرفية والتنظيمات المهنية القائمة على المصالح، لذلك، فإن معرفة الواقع هي دراسة أشكال الحياة الاجتماعية، السابقة الذكر، في تمظهراتها المختلفة. ما دامت الحياة الاجتماعية في حركية وتشكّل دائمين، بوساطة العلاقات القائمة بين الأفراد التي تعني كل تأثير يمارسه فرد ما على الآخر، والذي يكون موجّهًا ومدفوعًا بمجموعة من المحفزات (مصالح ذاتية، ورغبات وميولات شخصية، وعلاقات عمل... إلخ)، ما يعطي هذه الحياة الاجتماعية صفة الكلّية، فإن الدخول في علاقة مع المجال يعنى في أحد مظاهره إحداث تغييرات اجتماعية، تكون ناتجة من التفاعلات التي يدخل فيها الأفراد بصفتهم يشغلون حيزًا مكانيًا معيّنًا يقتسمونه مع الآخرين.
لذلك، فكل علاقة بمجال تحمل طابع الخصوصية؛ لأنها علاقة نوعية تعكس تجربة إنسانية خاصة لكونها مرتبطة بشروط محددة تجعل العلاقات الاجتماعية، بما هي تفاعلات بين أفراد، شكلً محدّدًا من الحياة الاجتماعية لا يمكن تكراره لأنه يحمل تميّزه.
ثانيًا: البناء الاجتماعي والبناء المجالي
1. التباعد والتقارب المجاليان
تتشكل بنية المجال عند زيمل نتيجة عملية ثنائية: الجذب/ الدفع Pulsion / Attraction. هذه القوة التي يمكن ربطها، في جزء منها، بنظرية الصراع التي يتحدث عنها بوصفها علاقة اجتماعية بين طرفين، تعكس فعلً متبادلً. إن هذه الحركة الملازمة للعلاقات الاجتماعية هي ما يساهم في التغير الاجتماعي، نظرًا إلى تضارب المصالح بين الأفراد والجماعات. ومن هذا الجانب، يُنظر إلى الصراع بوصفه اعترافًا
بالآخر وبمصالحه، فهو يحمل دلالة سوسيولوجية ما دام يساهم في تغيير مصالح المجموعات البشرية، ويوجد علاقات تواصل بينهما، يُنظّمها في شكل وحدة اجتماعية Unity. كما أن هذا الصراع لا يقتصر على علاقات بين الأفراد والمجموعات البشرية، بل يمتد إلى الوجود؛ لأنه يحتاج إلى هذا النوع من علاقات الصراع لتحقيق التوازن والانسجام. وما دام الأمر على هذا النحو، فالمجتمع هو
(20) Xavier Molénat, La sociologie, Histoire, Idées, Courants (Paris: Sciences Humaines, 2013), p. 60. (21) Simmel, On Individuality , p. 72.
نتاج هاتين العمليتين المتلازمتين والمرتبطتين بالأفعال المتبادلة التي تشكل الحياة الاجتماعية، ويتم النظر إليها نظرة إيجابية؛ أي إن الصراع عملية بنّاءة Constructive تقوم على الاختلاف في المواقف والتصورات، وعلى اللاتكافؤ، حيث يسعى الأفراد لإيجاد توافق، وسط هذا الوضع المتميز بالتناقض والتجاذب. في هذا السياق، إذًا، يولد الفعل المتبادل بين الأفراد، بتأثير بعض الدوافع أو بعض الغايات، سواء كانت مُعلنةً أم غير معلنة؛ هذه الدوافع والغايات هي التي تُحفّز قوة الجذب أو الدفع وتوجد دينامية
اجتماعية. ويأخذ تفاعل الأفراد ودخولهم في علاقات تبادل شكلً معيّنًا ومحدّدًا، يُشكّل الأفراد من
خلاله وحدة مؤسسة على مصالح، وداخل هذه الوحدة، تتحقق تلك المصالح في هذا الاتجاه أو ذاك، وهو ما يحقق المجتمع في مفهومه العام. في خضمّ هذا، يربط الأفراد علاقات اجتماعية واتصالات، سواء من أجل التقارب الجسدي أم التقارب المجالي، ولا تتم هذه العملية عند زيمل إلّ من خلال ثلاثة عوامل مُمَيزة للحداثة: تقسيم العمل، والنقد، ثم المدينة الكبيرة Metropolis.
وتمنح المدينة الكبيرة إمكانات متعدّدة للتباعد والتقارب المجاليين؛ إنها مكان التكتلات اللامحدودة Collectivities Indefinite والحشود التي تسمح بتنامي المسافات الاجتماعية وتصاعدها، بما هي علاقات اجتماعية قائمة على التباعد، أو المسافات الاجتماعية المبنية على التقارب المجالي، كنماذج من المكانية Spatiality. إن طبيعة المدينة وحجمها هما ما يسمحان بالمكانية، سواء كانت هذه المكانية مؤسسة على التباعد أم التقارب، لهذا حاول زيمل وضع تمفصل ما بين المدينة الكبيرة وشكل خاص من المكانية يقوم على الخصائص الفيزيائية (المادية)، هي الحجم والكثافة والتقارب/ التباعد، تتحوّل في شروط
فينومينولوجية إلى تجربة مجالية تترتب عليها خصائص وسمات سوسيولوجية. وبما أنه لا يمكن لأي شكل اجتماعي أن يحدث خارج ما هو مجالي، فإن المظاهر السوسيولوجية تكون محكومة في الغالب بطبيعة الشروط المجالية، حيث إن التركّز الاجتماعي يوجد حركية مجالية ويقارب العناصر مجاليًا، على الرغم من أن هذا التقارب قد لا يعكس التقارب الاجتماعي، المتجلّي في الإقصاء
الاجتماعي لبعض العناصر من المساهمة في الحركية المجالية؛ إذ ليس كل فرد يملأ مجالً ما يكون بالضرورة له تأثير في المجال، ينطبق هذا الأمر على الفقراء والمشردين أو المنحرفين وحتى على الغرباء. حينما يملأ الأفراد مكانًا فيزيائيًا (مجالً جغرافيًا)، فإن ذلك يعكس المكانة الاجتماعية التي ينتمون إليها،
ويعبّرون عنها ضمن علاقاتهم الاجتماعية وطبيعتها. بهذا يصبح المجال انعكاسًا للتراتبية الاجتماعية
Sociale Classification ما دام ليس للفرد نفسه الحظوظ والإمكانات نفسها للولوج إلى المجال واستهلاكه؛ ما يجعل العلاقات الاجتماعية متباعدة بين بعض الفئات التي تمتلِك المجال وتتملّكه،
(22) Simmel, Sociologie , p. 43. (23) Iain Borden, "Space Beyond: Spatiality and the City in the Writings of Georg Simmel," The Journal of Architecture , vol. 2, no. 4 (1997), p. 318.
وتلك التي تُحرَم من المجال ومن الولوج إليه. فالمسافات المجالية هي مسافات اجتماعية، والتباعد
المجالي يعكس تباعدًا اجتماعيًا، وقد يحدث تقارب مجالي من دون أن يعكس تقاربًا اجتماعيًا. ما دام المجال شرطًا أوّليًا سابقًا لكل تجربة إنسانية، إذا جاز لنا استعمال لغة كانط، فإن لتثبيت الأفراد
في مكان ما مضمونًا موضوعيًا للحياة الاجتماعية وتجسيدًا لنظام اجتماعي وتحديدًا أكثر للمجال
المتمثل في الحصول على حيّز مكاني، للإقامة أو للملكية العقارية مثلً، يجعل الأفراد مشدودين له
والبقاء فيه فترة معيّنة، أو التنقل منه وعبره، لأنهم يفتقدون السلطة على المجال، فهو يفرض سلطته
عليهم، حيث يريدون تملّكه. غير أن عملية تملّك المجال هي في الآن نفسه مدخل للسيطرة على الأفراد؛ لأنهم يُعَيّنون مكان وجودهم، ما يُسهّل على الدولة مراقبة المجال وحدوده بمراقبة الأفراد
الذين يشغلون حيّزًا مجاليًا ما يسمح بإيجاد علاقات تواصل مجالية وإقامة جسور اجتماعية تأخذ
مظاهر منوعة، هي في هذا المستوى سياسية في الأساس، على اعتبار أن علاقة الفرد بالدولة تأخذ هذا المظهر، على الأقل من وجهة نظر سياسية وقانونية. ومن جهة أخرى، لا وجود لطريقة معيّنة وأكثر
نجاعة لتجميع الأفراد سوى حصرهم في فضاء ما، وهو ما يُسهّل التحكم والسيطرة على المجال،
كمدخل أساسي للسيطرة على الأفراد. ولهذا، تحاول الدول دائمًا السيطرة على المجال حتى يسهل
عليها التصرف مع جميع المواطنين والسكان في نطاق مكاني معيّن، ولطالما كان هاجس الدول
والأنظمة وضع الأفراد تحت أعينها ومراقبتهم. ومن هذه الزاوية، يعتبر زيمل أن التحكم في المجال الترابي نوع من التجريد الذي نجده في مجال الهندسة بإعطائه شكلً معيّنًا Formalization، وهي
عملية سابقة على التحكم في الأفراد الذين يحتلون مكانًا ما. لهذا، يمثّل مفهوم «التحكم في المجال» استمراريةً للإمكانات اللامحدودة للدولة من خلال وظيفتها للتحكم في الأفراد، لأنهم تابعون للأرض التي يقفون عليها. لهذا، ليست عملية السيطرة فحسب هي ما يشكل جوهر الدولة، بل أيضًا الأشكال الخاصة التي تأخذها المظاهر الاجتماعية التي تؤدي إلى الضغط على المجال، وعلى طرائق تشكله اجتماعيًا. حينما يدخل شخصان في علاقة تفاعل، يصبح المجال في هذه اللحظة ممتلئًا ومأهولً، تنتج من هذه العلاقة وضعية تداخل مكاني، لأنها تنتج وضعية بينية In–between، تعكس عملية تبادل بين طرفين. وعلى الرغم من طابع الغموض الذي يسم تلك الوضعية أحيانًا، فإنها تمثل مسألة ذات أهمية سوسيولوجية كبرى. ومع ذلك، تبقى محتوياتها داخل كل طرف من أطراف التفاعل، التي قد تأخذ شكل مطلب أو نداء في المجال الموجود بين الطرفين، الذي يكون مدفوعًا بغاية أو رغبة أو مصلحة أو منافسة أو صراع كأشكال تفاعلية، لكنها تتمظهر فعليًا في جميع هذه الحالات بين
(24) Simmel, Sociologie , p. 602.
((2(ارتبطت الدراسات الديموغرافية والإحصائية بمعرفة التوجهات العامة للسكان ومعرفة نمط حياتهم معرفة دقيقة،
بغرض وضع السياسات العمومية عبر جمع معطيات دقيقة عنهم وعن مكان إقامتهم ونمط حياتهم. يمكن تفسير هذا
السلوك المؤسساتي (الحكومي) من وجهة نظر أمنية، متمثلة في المراقبة الدقيقة للأفراد ولأجسادهم. ينظر:
Michel Foucault, Sécurité, territoire, population: Cours de collège de France, 1977–1978 (Paris: Seuil, 2004), pp. 56–89. (26) Simmel, Sociologie , p. 673.
موضعين مجاليَّين، لكل طرف منهما مجال محدّد يشغله بمفرده. وهذا الشعور لدى الأفراد، وهم
يدخلون في علاقة اجتماعية أو في تفاعل اجتماعي، أن المجال مملوء عن آخره، لا يعكس دائمًا
واقعًا اجتماعيًا؛ لأن بين كل فرد وآخر مجالً شاغرًا ومساحة فارغة، أو لنقل «مسافة اجتماعية»،
بمنزلة لا شيء، ومن الصعب تحديد خصائصها، أي إن اللحظة التي يدخل فيها الأفراد في تفاعل هي اللحظة التي يبدو فيها المجال ممتلئًا، لأن التفاعل الاجتماعي هو ما يعطيه معنى، وليس وجود الأفراد فيه فحسب وملء فراغه بالأجسام. وعلى الرغم من ذلك، فإن «فجوات مجالية» Gap Social تبقى ولا يمكن تكسيرها وملؤها، مع أن الأفراد لا يملؤون إلا حيّزًا مجاليًا واحدًا، ولا يستطيعون
أن يملؤوا أكثر منه في الوقت نفسه. لهذا تبقى المسافات الاجتماعية بينهم كبيرة، وتعكس وضعهم المجالي ووضعيتهم الاجتماعية. انطلاقًا من هذا، ولدراسة أشكال التفاعل الاجتماعي، فإن من اللازم البحث عن الشروط المجالية لكل تفاعل يقوم بين الأفراد؛ على اعتبار أن كل تفاعل اجتماعي يعكس بناءً مجاليًا لأجزاء منقسمة لفضاءات خاصة. في هذه الحالة، يكون المجال، في الآن
نفسه، سببًا ونتيجة للتفاعلات الاجتماعية التي يدخل فيها الأفراد في ما بينهم؛ لأنه يمارس تأثيرًا
كبيرًا فيها ومحددًا لها. يعكس التموضع في مكان ما، بمعناه السوسيولوجي (وليس بمعناه الجغرافي فحسب)، أشكالً من علاقات التجاور والجوار، تسمح بالقيام بحركات مجالية في المكان، تُحدّد موقع الأفراد في المجال الاجتماعي. يُطرح المشكل هنا حينما نفكر في تحديد الأبعاد المجالية Dimensionnalité
Spatiale والمعالم المكانية Spatial Repérage التي تجعل كل تموضع مكاني احتلالً أو شغلً لوضعية سوسيومجالية؛ على اعتبار أن المجال لا يعطينا أشكال علاقات التموضع فحسب، بل، وعلى نحو أساسي، يُحدّد وضعنا الاجتماعي في المجال الاجتماعي. ومن هذا المنطلق، تؤكد
دورين ماساي أن مفهوم المجال يكون ملائمًا للتعبير عن علاقات التجاور والتعايش؛ لأنه تعبير عن
إمكانية التعدد Pluralities، ويمنح إمكانية التداخل وعلاقات التبادل، وهو بهذا يكون منفتحًا وغير
محدود. وترى ماساي أيضًا أنه يمكن فهم المجال عبر ثلاثة تصوّرات: أنه ينتج من علاقات تفاعل
اجتماعي؛ ثم بوصفه شرطًا لإمكانية الوجود المتعدد Multiplicity of Existence، لأنه من دون مجال لا يمكن الحديث عن وجود التعدد ما دام ينتج التفاعلات، وفي الآن نفسه نتاج لها؛ وأخيرًا
أنه نتاج العلاقات البينية التي تُجسّد الممارسات المادية التي تُنجَز، أو يتم إنجازها، وفق صيرورة
تَشكُّل غير منتهية. تضعنا ماساي أمام مفارقة، لكنها تحمل إمكانية حيوية للتفكير في المجال، وهي أن المجال دائم التشكّل؛ لأنه يكون منفتحًا ومفتوحًا على المستقبل واللامتوقع، نظرًا إلى ديناميته المرتبطة بدينامية
(27) Donald N. Levine, Ellwood B. Carter & Eleanor Miller Gorman, "Simmel’s influence on American Sociology. I.," The American Journal of Sociology , vol. 81, no. 4 (1976), p. 839. (28) Simmel, Sociologi e, p. 602. (29) Doreen Massey "Philosophy and Politics of Spatiality: Some Considerations (The Hettner–Lecture in Human Geography)," Geographische Zeitschrift , vol. 87, no. 1 (1999), p. 3.
العلاقات والتفاعلات التي تحدث داخله. ومن جهة أخرى، يجب النظر إليه بوصفه جزءًا لا يتجزأ
من إنتاج المجتمع، ويوجد هذه العلاقات المختلفة، سواء تلك التي تضع المسافات الاجتماعية وتؤسس لعلاقات التباعد، أم تلك التي تجعل بعض الفئات الاجتماعية أكثر قربًا أو بعدًا بعضها من بعض، ليس مجاليًا فحسب، بل اجتماعيًا أيضًا. وهناك علاقة بين المجالين الاجتماعي
والجغرافي، حيث العلاقات الاجتماعية مقسمة ومحدّدة وفق الانتماء الاجتماعي؛ إذ لكل جماعة أو مجموعة أو طبقة موقع تحتله وتشغله، يعكس خصائصها الاجتماعية ويضع المسافات بينها. هذه المسافات الاجتماعية هي في الآن نفسه مسافات مجالية/ جغرافية تتمظهر في أشكال التمييز والعزل Ségrégation التي تشمل الأفراد بوصفهم يشغلون حيّزًا مكانيًا وانتماءًاجتماعيًا، لأنه
يتم توزيعهم في المجال الاجتماعي، كما في المجال الجغرافي، بحسب نوع رأس المال الذي يتملكونه وحجمه. بهذا المعنى، ليس المجال متجانسًا، بل يخضع للبناءات الاجتماعية التي ترسم المسافات بين الأفراد والجماعات، حيث نجد نوعًا من التقارب في الفضاء الاجتماعي، كما في الجغرافي، داخل المجموعات وفق الانتماءات الطبقية والوضعيات التي يشغلونها، وفي الوقت نفسه، هذه الانتماءات هي التي تُحدّد الفوارق المجالية والتباعد الجغرافي. وهنا يظهر المجال (الاجتماعي والجغرافي) مقسمًا أجزاء ووحدات تعكس التراتبية الاجتماعية والتصنيفات الطبقية التي توجِد أشكالً محدّدة من التفاعلات الاجتماعية المتباينة وفق محددات موضوعية ترسم الحدود الاجتماعية والانتماءات المجالية. في السياق نفسه، تعتبر مارتينا لاو المجال بوصفه علاقات مُتملَّكَة للأفراد والخيرات، تستلزم دراسته
انطلاقًا من الاستعدادات العلائقية (وضعيات اجتماعية وتملكات) في أماكن محددة، وبناء عليه تصبح البنى المجالية، كما البنى الزمانية، في النهاية بنى اجتماعية. ومن أجل دراسة هذه البنى، يجب معرفة الطريقة التي يبني بها الأفراد علاقاتهم الاجتماعية عبر تملّك البنى المجالية وجعلها تابعة لها. وتضيف لاو أن المجال يرتد إلى علاقات تنظيمية تقوم على العملية التي بموجبها نضع الأفراد في مكان/ مكانة محددين؛ لأن هناك بنى تُوزِّع وتُنظّم الأمكنة والوضعيات وتُنتِج علاقات تراتبية بين هذه الوضعيات. وتُعيد لاو طرح إشكالية العلاقة بين البنى الاجتماعية والبنى المجالية، حيث يُنظر إلى الأشكال المجالية اجتماعيًا، لكن في المقابل، لا تستدمج البنى الاجتماعية وتأخذ في الحسبان المحدّدات المجالية في
عملية تشكّل العلاقات الاجتماعية. ويتضح ذلك حينما نريد دراسة المؤسسات الاجتماعية، حيث يتم في الغالب أخذها كأنها بنى قائمة بذاتها، من دون البحث في علاقات السلطة، ولا في التعبيرات المجالية التي تأخذها وهي تمارس سلطتها. إن المجال بوصفه وسيطًا بين الإنسان والأشياء هو الذي يسمح بتأسيس علاقتنا بها، من خلالها نعبُر من مجال اجتماعي إلى آخر، ومن تشكّل مجالي إلى آخر.
الأشياء هي الجسور المجالية التي تربط بين الأفراد والجماعات، ومن ثم توجد علاقات اجتماعية متجددة وتُعطيها دلالات اجتماعية.
(30) Pierre Bourdieu, "Espace social et pouvoir symbolique," Choses dites , no. 147 (1987), pp. 151–152. (31) Löw, p. 225.
2. الجسور الاجتماعية
يؤكد زيمل أن الحياة الاجتماعية لا تتوقف على التشكّل وإعادة التشكّل، في كل مرة تحدث فيها تفاعلات اجتماعية، ويعاد بناء علاقات اجتماعية جديدة؛ ذلك أن المجتمع ليس مادة جامدة، بل سيرورة دائمة الحركة والتشكّل وإعادة التشكّل. في هذه السيرورة، تتطور العلاقات الاجتماعية، وتتطور معها مصائر الأفراد من خلال شبكة علاقاتهم وطبيعة أفعالهم المتبادلة؛ إذ في الوقت الذي تحدث هذه الحركات وتتحقق الغايات الاجتماعية، يعبُر الأفراد من مجال اجتماعي إلى آخر، ومن
سياق اجتماعي إلى آخر. وشبّه هذه الحركية والتبادلات الاجتماعية التي تحدث بين الأفراد بالجسر
Bridge؛ لأنه يسمح بالعبور من مجال اجتماعي إلى آخر، أي من ضفة اجتماعية إلى أخرى تُمكّن من إقامة علاقات تبادل. يمكن اعتبار الجسر بمنزلة الرابط الاجتماعي الذي يشكّل علاقات الفعل التبادلي بين الأفراد، والفضاء الذي تحدث فيه هذه العلاقات والأفعال المتبادلة؛ إذ لا يمكن تصوّر
علاقة اجتماعية من دون رابط اجتماعي يُنظّمها، كيفما كانت طبيعة هذه العلاقة، ما دامت مدفوعة بغاية محددة. ويرسم الجسر الحدود بين نقطتين، والمسار والمسلك الذي يجب اتّباعه للوصول إلى الضفة الأخرى. إنه يفرض على الإنسان المجال الذي يحويه ويشمله، بعدما سمح بتشكيل الرابط الاجتماعي. إذا كان الجسر فضاءً للجمع بين الضفاف الاجتماعية، فإنه في الوقت نفسه هو ما يفصل بينها
ويوجِد حدودًا لهذه الضفاف ويُعيد تشكيل طبيعتها (العلاقات الاجتماعية)، واضعًا بذلك مسارات متضاربة، ليس للائتلاف والوحدة فحسب، بل للتفريق والتجزئة والتشتت أيضًا؛ وهذا ما يمنح الجسر هذه الخاصية والإمكانية القائمة على التعارض والتناقض، التي تعكس في الآن نفسه طبيعة الحياة الاجتماعية التي يمكن في لحظات أن توحّد بين الأفراد، كما يمكنها أن توجد عوامل التوتر
والصراع. يرمز الجسر إلى توسيع إرادتنا على المجال، إذا لم نجمع ونربط الطرفين أو ضفتي الأشياء في مخيلتنا وتصوّرنا، فلا يمكننا أن نبني معنى الأشياء، ولا يمكننا أن نبني علاقات اجتماعية، ما لم تكن لدينا
فكرة أولية عن طبيعة الربط الذي نقوم به في بناء هذه العلاقات الاجتماعية، حتى نخرج من ذواتنا نحو الآخرين بوضع جسر تواصلي من الدلالات والمعاني الاجتماعية. كما يرمز الجسر في سوسيولوجيا الأشكال عند زيمل إلى توسع الفضاء وامتداده Sphere of Expansion من المستوى المادي إلى مجال إرادتنا، ما دام الإنسان هو من يوجِد أو يبني الجسور الاجتماعية بين ضفتي العلاقات الاجتماعية. إذا لم نَبْنِ علاقات مشتركة بين أهدافنا أولً، فستكون حاجاتنا وتخيلاتنا ومفاهيمنا إلى الفصل بين
الضفاف الاجتماعية من دون معنى. بهذا المعنى يأخذ الجسر قيمة جمالية، ويقوم على هذه الثنائية التي تحمل مفارقة؛ لأنه بمجرد أن ننجز رابطًا اجتماعيًا بين الأفراد، فسيكون هذا الرابط في الوقت نفسه
فاصلً في مستويات أخرى حتى إن كانت غير اجتماعية، ليس في الواقع الاجتماعي فحسب، بل في أذهاننا أيضًا، يكون مُدرَكًا على نحو واضح. يقول زيمل: «يأخذ الجسر قيمة جمالية لأنه ينجز وَص لً بين جزأين كانا معزولين ومنفصلين، ليس في الواقع ولأجل أهداف عملية فحسب، بل في أن يجعله
فورًا مرئيًا ومُدركًا على نحو واضح. يمنح الجسر أعيننا النقطة الثابتة نفسها، وذلك بربط أجزاء المناظر
الطبيعية، كما يحدث مع الأجساد الفيزيائية في الواقع العملي». يمنح زيمل الجسر هذه القيمة (الجمالية)؛ لأنه يؤسس لعلاقة بين أجزاء تساعد في بناء روابط اجتماعية بين الأفراد، وتسمح بإيجاد مسارات ومسالك بين ضفتي هذه الروابط، بغضّ النظر عن أشكال الخطوط التي تعبُر من هذه الجهة أو تلك، من هذه الضفة أو الضفة الأخرى من العلاقات. لا تنحصر القيمة
الاجتماعية التي يحملها الجسر، إذًا، في مظاهر التآلف الاجتماعي فحسب، أو التقارب الفيزيائي الجسدي، بل أيضًا تحمل بُعدًا سيكولوجيًا وروحيًا. هذا البعد الأخير لا يمكن أن يدركه المرء؛ لأنه
يرتبط بالإحساسات، ويكون له دور كبير جدًا في إيجاد الجسور الاجتماعية أو وضع حواجز بينها. «إذا أمكن الحواس أن تبني جسورًا بين الناس، إذا أمكنها تخفيف وتهدئة العوامل التي تجتذب الاندفاعات التي تسببها على نحو متكرر، إذا كان الانسجام بين القيم الإيجابية والسلبية للمشاعر يُعطي العلاقات الكلية الملموسة بين الناس لونها، آنذاك يمكن المرء أن يلاحظ، على النقيض من ذلك، أن حاسّة الشم هي حاسة الانفصال والتفرقة بامتياز ». على الرغم من هذه الوظيفية الحيوية للجسر في العلاقات الاجتماعية في خلق التفاعلات بين الأفراد، فإنه في الوقت نفسه يخلق مسافات اجتماعية كبيرة distance Social بينهم، تعكس خصوصيتهم، وتضع كلّ فرد على ضفة الآخر. كما تعكس هذه المسافة الاجتماعية مستوى الغرابة Strangeness والاختلاف بين الأفراد الذي يمكن ردّه إلى مجموعة من العوامل، بعضها علائقي عاطفي متمثل في الالتزام أو الانفصال العاطفيين، وبعضها الآخر اجتماعي متجلٍ في التمييز الحاصل بين الأفراد على أساس التراتبية الاجتماعية الناتجة من التفاوت الطبقي، والتي بها تقاس المسافة الاجتماعية. ويسمح هذا بالقول إن مفهوم الجسر يقوم على مفارقات عدة، وإن كان زيمل لم يشر إليها بوضوح، فإنها حاضرة في نصوصه؛ على اعتبار أن الجسر هو الذي يسمح بخلق أشكال تفاعلية وعلاقات اجتماعية، لكن في الآن نفسه هو الذي يضع الحدود الاجتماعية Boundaries Social. ما دام الجسر يخلق كل هذه الأشكال من العلاقات الاجتماعية بين جانبين مختلفين ومتقابلين، سواء في تعارضها وتناقضها أم في انسجامها وتوافقها، التي تمتد وتتسع لتغطي الأذواق أيضًا، فإننا نجد أن الباب Door The يترجم، بطريقة واضحة وحاسمة، جانبين للأفعال السابقة نفسها، في الوقت نفسه وعلى نحو متزامن. يُجسّد الباب الفضاء الذي ينمّي سلطة الفرد وقدرته على التحكم في المجال، بوضع ما يريد خلفه وما يسمح بأن يكون أمامه، واضعًا بذلك حدًّا لامتداد المجال واستمراريته المطلقة واللامتناهية. إن الأبواب هي التي سمحت بوضع أجزاء مجالية Fragments Spatial بأبعاد محددة
(32) Georg Simmel, "Bridge and Door," Theory, Culture & Society , vol. 11, no. 1 (1994), p. 6. (33) Simmel, Sociologie , p. 639. التشديد من الكاتب)(
((3(تمت مناقشة هذه الأشكال من المسافة الاجتماعية في أعمال كثيرة لدى زيمل، وخصوصًا في نصّيه المعنونين ب:
Poor" The "Stranger"" و.
ومُتعيّنة، بعدما كان المجال ممتدًا وغير متناهٍ ومن دون حدود. وسمحت لنا الأبواب بجعل المجال
أكثر مرئية، ومن ثم أكثر ضبطًا لحدود الحركية فيه وعبره، من خلال وضع تمفصلات Hinges بين الإنسان والمجال وكل الروابط الموجودة في الخارج. وفي الآن نفسه، يسمح بالتعالي وتجاوز التمييز الموجود بين الداخل والخارج. ويجسّد الباب، في سوسيولوجيا المجال عند زيمل، الصورة أو التعبير الحي عن نقطة حدية، نقطة فاصلة بين حدّي الداخل والخارج. ولهذا، فهو الذي حرّرنا من النقطة الثابتة ومن المجال المحدود والداخلي نحو النقط المتحركة والفضاءات المفتوحة. وبناء عليه، يكون للباب هذه الإمكانية التي تسمح بالانتقال من المجال المغلق والمتعيّن بحدود إلى مجال مفتوح على حدود أخرى جديدة تساعد في بناء علاقات اجتماعية وأشكال تفاعلية. كما هو الحال بالنسبة إلى الجسر كونه حامل تناقضات ومفارقات، فإن الباب هو الآخر لا يخرج عن هذه الخاصية، حتى إن كانت غير واضحة لدى زيمل، لكنها متضمّنة في نصّه القصير هذا (الجسر والباب). وهو بذلك يريدنا أن نتساءل كيف يُمكننا أن نقيم هذا الفصل والربط في الفعل الاجتماعي، كونهما عمليتين أو وجهين للفعل نفسه. فحينما نضع الأبواب، نقيم تقسيمات في المجال تفصلنا عن بقية العالم، وفي الآن نفسه تكون أدوات وصل تفتحنا على هذا العالم. لهذا يعطي زيمل الباب دلالة غنية وحيوية، لكونه يُحيل إلى نوع من الوضوح والشفافية في رؤية الأشياء من الداخل والخارج، بالبقاء في الوضع البيني نفسه، بين الداخل والخارج الذي هو العتبة، في مقابل الجسر الذي ينظر إليه من زاوية سوسيومجالية فحسب، باعتباره حاملًالعلاقات الاجتماعية وحاويها، على الرغم من خاصيته الجمالية. وتخلق الأبواب قشرة ضخمة بين الداخل والخارج في المجال من الصعب تكسيرها، لهذا يعتبر زيمل أن الجدران صامتة، بينما الأبواب تتكلم، أي تحدث فيها ومن خلالها حركية. في النهاية، تسمح الجسور الاجتماعية، كما الأبواب، بإيجاد تحولّات في القياسات المجالية عبر وضع نوع من التأرجح بين ما هو اجتماعي وما هو مجالي. فالجسر تعبير عن ذروة تحقيق بناء المسار، ليس عن طريق مقاومة الفصل المجالي فحسب، بل أيضًا هيمنة إرادة الربط والوصل في الفضاء الذي يروم الفصل والمَيز. من خلال هذه المظاهر المجالية، طوّر زيمل أفكارًا بشأن الترابط والتقارب والحدود الاجتماعية، وفتح أيضًا فجوات للتفكير في مواضيع جديدة، بشأن أشكال الحدود ونماذج الترابطات Connections. وهكذا، تشكل الجسور والأبواب نقطة الربط ونقطة الفصل، كما تشكل نقطة الانطلاق ونقطة الوصول إلى المسارات الاجتماعية، بما هي علاقات اجتماعية. لا يُحيل الجسر والباب هنا، عند زيمل، إلى معانٍ ودلالات مادية أو تجسيدات فيزيائية، بل هما في الأساس مظهران اجتماعيان، أكثر من كونهما نموذجين مجاليين Typologies Spatial. وتُساعد النماذج في التصنيف والتمييز بين الأشياء؛ لهذا حرصت السوسيولوجيا الدوركهايمية على إيلاء
(35) Simmel, "Bridge and Door," p. 7. (36) Borden, p. 329.
التصنيفات عناية بالغة، بوصفها خطوة أساسية لكل عمل إثنوغرافي أو سوسيولوجي، يسمح بالتمييز بين الظواهر. كذلك الأمر بالنسبة إلى زيمل، حينما استعار هذه النماذج المجالية لوصف وتصنيف العلاقات الاجتماعية وطبيعتها، من أجل دراستها على نحو معزول، حتى يتسنّى له تحديد خصائصها السوسيولوجية. لكن هل يسمح المجتمع للأفراد والفئات الاجتماعية بالمرور من ضفة اجتماعية إلى أخرى؟ وهل العبور يعني أن الأبواب تكون مواربة ومفتوحة وقابلة للولوج من مجال اجتماعي إلى آخر من دون وضع حدود سوسيومجالية؟
3. الحدود السوسيومجالية
يأخذ مفهوم الحدود مكانةً مهمةً في العلوم الاجتماعية؛ نظرًا إلى دلالاته المتعددة، واختراقه حقول
معرفيةً منوعة وقضايا اجتماعية، ما يجعل منه مفهومًا مُثقلً بالاستعمالات، حيث يمكن أن توظف في اتجاهات عدة. من جهة، تحيل الحدود إلى نقاط أو أماكن الالتقاء والتبادل بين فردين أو مجموعة من الأفراد أو التقاء جماعات، ومن جهة أخرى تُحيل في الآن نفسه إلى نقاط التمايز والفرز والاختلاف التي قد تؤسّس على الجنس أو الطبقة أو الهوية أو الثقافة أو العرق وغيرها من التمايزات. في الحالة
الأولى تمثّل الحدود نقاط تماسّ بمعناه الرياضي؛ تقاطع مجالين، وفي الحالة الثانية تعكس الحدود
أشكال التقابل والتعارض والاختلاف بكل معانيها الثقافية والاجتماعية. تتمظهر الحدود في مستوى أول في المكان أو الحيّز الذي تشغله جماعة ما، بوصفها وحدة تمتلك
هوية اجتماعية تميزها من الوحدات الأخرى. في هذه الحالة، يُحدّد المجال الوحدة الاجتماعية Social Unity لأنها تشغل مكانًا معيّنًا، كما يتحدد بها هو أيضًا لتعطيه هذه الوحدة الاجتماعية دلالة سوسيولوجية
(إنسانية). وهذا ما يجعل من الحدود التعبير المجالي للعلاقة بين الأفراد التي تسمح بوضع مضمون للفعل الاجتماعي الذي يجب ألا يتجاوز تلك الحدود باعتبارها نقاط تقاطع الأفراد، ويُعبّر امتدادها عن
قوة العلاقات الاجتماعية، في الوقت الذي تظهر استمرارية المجال وتمدّده. كما تتمظهر الحدود أيضًا من خلال الخطوط Lines التي تفصل مجالين أو أكثر، وتفصل معها المجموعات الاجتماعية والأفراد، واضعة بذلك عقبات وحواجز لا يمكن السماح بتجاوزها، وتُعطيها خصائص محددة، تعكس الوضع البشري، مثل التفاوت الاجتماعي والتمييز العرقي والاختلاف الجنسي وغيرها من التقابلات التي تبنيها الحدود، ويبنيها الأفراد بوصفهم واضعي دلالاتها المادية والرمزية. في هذا الاتجاه، يرمز مفهوم الحدود عند زيمل إلى الإطار الذي يحدد مجموعة تنغلق على نفسها، بطريقة تماثل إلى حدٍ ما عملً فنيًا أو لوحة فنية تكون محدّدة بإطار يُحيل إلى ما يوجد داخله، ويُعلن
((3(تعتبر عملية التصنيف إحدى أهم الخطوات المنهجية الأساسية التي تسمح برصد خصائص الظواهر الاجتماعية
ومقارنتها بظواهر مشابهة أو مغايرة، ينظر:
Emile Durkheim & Marcel Mauss, De quelques formes primitives de classification (Paris: Presses Universitaires de France, 2017). (38) Michèle Lamont & Virág Molnár, "The Study of Boundaries in the Social Sciences," Annual Review of Sociology , vol. 28, no. 1 (2002), p. 169.
عن محتواه ويثير الانتباه إلى مضمونه. غير أن ما يوجد داخل الإطار الاجتماعي هو عالم الاجتماع الذي يقوم على علاقات معيّنة، لا تخضع إلّ لمعايير الأشكال الاجتماعية التي يتم إقحامها أو إدخالها
في محددات وحركات المحيط الذي يُحدّد ذلك الإطار. معنى هذا أن كل تفاعل اجتماعي، بما هو فعل متبادل، يكون في خدمة الإطار الذي يكون هدفه إما تمدّد الإطار ليحوي علاقات تفاعل موسعة، وإما تضييقه ليصبح محدودًا ولا يتّسع لمزيد من العلاقات الاجتماعية القائمة والمسموح بها. من جهة أخرى، لا يعكس امتداد الإطار أو ضيقه دائمًا اتّساع الجماعة والتفاعلات التي تحدث داخلها
أو تقلصها؛ لأن هذه الأخيرة تكون تابعة لقوى الدفع والجذب التي تظهر داخلها (الصراع)، وتواجه هذه القوى مجالً كافيًا للاصطدام بالحدود، ما قد يسمح للإطار بأن يكون أوسع منها ويشملها. في
المقابل، يكون الإطار ضيّقًا حينما يكون عائقًا لبعض الطاقات التي لا تتوقف على الانتشار والتمدد،
وتريد أن تتجاوزه لأنه لم يعد يستوعبها ويناسبها، أو يُناسب تطلّعاتها. لهذا نجد فضاءات كبرى جدًا ومملوءة، ما يسمح بتنامي الشعور الجمعي الذي يتجاوز فردانية الشخص، لكنها بالنسبة إلى هذا الأخير تكون ضيّقة وضاغطة بهذا الحس الجمعي الذي يؤسّسها. تحمل الدلالة السوسيولوجية لمفهوم الإطار، هنا، تفاعلً مزدوجًا لوجهين أو جانبين للحدود التي
يحيل إليها الإطار: فمن جهة يُحدّد ما يوجد داخله، واضعًا فاصلً بين ما يوجد خارجه وعلى جنباته
أو أطرافه Tips، لكن في الوقت نفسه، لا يتحدّد هذا الداخل، وكل ما هو موجود فيه، إلّ بالخارج وبعلاقة به ومقارنة به؛ على اعتبار كل تمدد أو تقلص للإطار يكون نتاج التفاعل الاجتماعي بين الأفراد والجماعات، كونهم هم من يشكلون ويُعيدون تشكيل علاقاتهم وفق غاياتهم الخاصة. في الحالة التي
تكون فيها الحدود الاجتماعية سلسةً، أي حينما يكون الإطار قابلً للتمدد، تكون الجماعات مفتوحةً ومنفتحةً، كما تكون الحدود مفتوحةً على الخارج ومنغلقةً على الداخل الفردي (بروز الفردانية). لكن حينما تكون معرفة الأشخاص بعضهم ببعض قويةً، يعيشون في جماعات محدودة وشبه منغلقة على نفسها، تكون الحدود سيكولوجية أكثر منها اجتماعية، وحينها تكون المسافات الاجتماعية واضحةً والحدود السيكولوجية كبيرةً وصلبة. يقول زيمل: «أصبح لمفهوم الحدود أهمية بالغة، ربما في أغلب العلاقات بين الأفراد، وبين الأفراد والجماعات. حينما تتعالق مصالح عنصرين وتترابط بالموضوع نفسه، وتصبح إمكانية تعايشهما مرتبطةً بخطوط حدود موضوع التمايز الذي يفصل فضاءهما [...] في الواقع، هذه الحدود الموضوعية والهشة ليست إلّ الحدود القائمة بين فضاءين لشخصين، التي تعني أن وعي أحدهما قد يُغطي فضاء وعي الشخص الآخر فحسب، حتى تلك النقطة المحددة التي لا يتم فيها انتهاك فضائه، والذي وحده في إمكانه أن يختار كشفه». إذا كان للمجتمع مجالُه الوجودي الذي يتحدّد بخطوط يتم ترسيمها (حدود) ثم الوعي بها، تميّزه
بوصفه مجتمعًا له خصائصه الداخلية، وتميّزه من بقية المجتمعات، على النحو نفسه، فإن وحدات
التفاعل التي تقوم بين الأفراد تجد تعبيراتها المجالية في الحدود التي تفرضها خطوط الإطار. وتشكّل
(39) Simmel, Sociologie , p. 608. (40) Georg Simmel, "The Social Boundary," Theory, Culture & Society , vol. 24, no. 7–8 (2007), p. 54.
هذه الوحدات الاجتماعية عناصر وأجزاءً تمنح نوعًا من التفرد في علاقات الأفراد في ما بينهم، وفي
ما بين العالم الخارجي، وبناء عليه، يقوم الأفراد بتلك التفاعلات التي تعكس التبعية المتبادلة للعناصر، المتجلية في علاقات دينامية. في هذه الحالة، تأخذ الحدود طابعًا رمزيًا في المجال، حيث تتمظهر في القيم والمعايير والقوانين عبر الوعي بالسلطة والإكراه التي تُمارسها. وربما أن هذا المبدأ المرجعي (الرمزي) هو الذي يجعل من المجال تمثلً، كونه يأخذ دائمًا مظهرًا خاصًا، أي إدراكه هندسيًا، حيث
يتحقق عن طريق عملياتنا الذهنية التركيبية التي تعطي طبيعة وشكلً لحواسنا، على حد تعبير كانط. يقول زيمل: «ليست الحدود ظاهرة مجالية، لها نتائج وآثار اجتماعية، لكنها ظاهرة اجتماعية تُشكِّل ذاتها مجاليًا. فالمبدأ المثالي القائل إن المجال هو أفق تمثّلنا، أو بتعبير أدق، يأتي إلى الوجود ويتحقق
من خلال عمليتنا التركيبية التي بوساطتها نعطي شكلً للمادة التي تأخذ هنا صورة خاصة، مثلما هو الحال بالنسبة إلى تشكل المجال الذي نُصنّفه حدودًا، هذا المبدأ ذاته له وظيفة سوسيولوجية. بالطبع فإن الحدود هي أولً كيانات Entités إدراكية ومجالية، نرسمها في الطبيعة من دون الأخذ في الحسبان قيمتها السوسيولوجية العملية». تستمد هذه الفكرة قوتها من أن الحدود ظاهرة اجتماعية تتجاوز الدلالة المجالية لتغطي المظاهر الاجتماعية، وحينما نُمعن في طبيعة الحدود الاجتماعية القائمة بين الأفراد، تبدو هذه الحدود واضحةً عند المجموعات المغلقة التي تواجه إقصاءًاجتماعيًا أو وصمًا، مثلما نجد في دراسة هاورد بيكر عن
المنبوذين Outsiders؛ إذ نجدهم يضعون إطارًا خاصًا ومحددًا لعالمهم الخاص والمغلق للاحتماء من العالم الاجتماعي الذي يُصنّفهم خارج العالم وخارج إطار ما هو اجتماعي، وما هو متعارف عليه ومسموح به اجتماعيًا. وتجعل هذه الوضعية الأفراد الذين يدخلون في إطار معيّن مخالف لما
هو متعارف عليه، يتنقلون عبر الإطارات الأخرى المماثلة لتفادي التأطير الضيّق Framing لمواجهة
ومقاومة الحدود الاجتماعية التي تفرضها الإطارات. وهذا يجعل الأفراد يرسمون خطوط العلاقات التي يدخلون فيها وتُشكّلهم حتى لا يتعرضوا للنبذ الاجتماعي، لهذا نجدهم يطوّرون في الغالب
علاقات مع الشبيه وليس مع النقيض، حيث تبدو الحدود ظواهر اجتماعية لا مرئية يتم استبطانها، ويعمل الأفراد على إقصاء ذواتهم من الولوج إلى بعض الفضاءات، لأنهم ينظرون إليها بوصفها أشياء محرّمة أو تابوهات، حفاظًا على هوياتهم الاجتماعية والجماعية، ما يحدّ من حريتهم. في هذا السياق، تكون الحدود الاجتماعية أشكالً مموضعة للتمايزات الاجتماعية، التي تتمظهر في الولوج اللامتكافئ إلى الموارد المادية واللامادية، والفرص الاجتماعية المتاحة. لهذه الحدود الاجتماعية مظاهر «رمزية تشكّل نظامًا من التصنيفات التي تُحدّد تراتبية المجموعات والمماثلات
(41) Simmel, Sociologie , p. 607.
((4(لا ينطبق هذا الأمر على المنحرفين فحسب، بل يتجاوزه أيضًا إلى المنبوذين والموصومين (مثل المرضى النفسانيين
والأقليات المثلية والإثنية)، ويتوسع ليمتد إلى المهاجرين والمُبعدين، مثلما يشمل أيضًا فئة النساء والأطفال. وإذا
حاولنا أن نجمع هذه الفئات كلها داخل مجتمع ونقوم بتصنيفات، فسنجد أنها تمثل الأكثرية، وليس الأقلية. ينظر:
Howard S. Becker, J.P. Briand & J.M. Chapoulie, Outsiders: Etudes de sociologie de déviance (Paris: Métailié, 1983); Erving Goffman, Stigmate: Les usages sociaux des handicaps , Alain Kihm (trad.) (Paris: Les Editions de Minuit, 1975).
والاختلافات القائمة بينهم. إنها تمييزات مفاهيمية صنعها فاعلون اجتماعيون لتصنيف المواضيع والأشياء والناس والممارسات بل حتى الزمان والمكان». تظهر هذه الأشكال بوضوح، حينما نتحدث عن الحدود بين الجنسين ومسألة النوع الاجتماعي، حيث تظهر ثنائيات الأشياء واضحة في حدود مادية أو غير مادية؛ ذكور – إناث، داخل – خارج، مقدس – مدنس، عام – خاص، وغيرها من الثنائيات التي بوساطتها تتشكل التصنيفات وتُقام التراتبات وتوضع الاختلافات. ليست الحدود دائمًا ذات معطى مجالي (مادي)، كما سبقت الإشارة، بل يمكنها أن تأخذ أشكالً
لامادية، من معتقدات وتقاليد وتصوّرات، تجعل الفرد سجينها. في مثل هذه الحالات، يكون الجسد
رهين التأويلات المختلفة التي تُعطى للحدود في كل لحظة أو مرحلة، يجعلها تتقلّص وتتمدد وفق مصالح الفئة التي تستفيد من إخضاع الجسد لهذه الحدود. في هذا الصدد، نجد الباحثة المغربية فاطمة المرنيسي اتخذت مفهوم الحدود مفهومًا مركزيًا في كتاباتها عن الحريم، الذي يعني كل ما يتم الدفاع عنه بالدين والمقدس والتقاليد الاجتماعية؛ إذ تُعرّف الحريم كالتالي: «نبني أربعة جدران في
الفضاء، نحصل على بيت، نضع داخله نساء، نمنعهن من الخروج، في حين نسمح للذكور بذلك. نحصل بذلك على حريم». يشكّل الحريم في هذه الحالة تماكنًا Spatialité مغلقًا ومسيّجًا بالكثير
من القيود/ الحدود، ينظر إليها بوصفها عقابًا للنساء في حالة التفكير في تجاوزها أو محاولة تكسيرها.
وهنا تكون الحدود وما يوجد خارجها أهم مما يوجد داخلها، ويكون إطار هذه الحدود أهم مما يحويه داخل الإطار، والغاية من ذلك هو عزل ما يوجد داخل الإطار عن خارجه. تضع هذه التقنية في تدبير المجال تعارضًا وتمييزًا بين فضاء مفتوح على العالم الخارجي، في حين نجد فضاءً آخر مفتوحًا على السماء ومغلقًا على ذاته. من هنا يأخذ المفهوم دلالة مزدوجة، بعضها
مرتبط بما هو ديني/ شرعي، وبعضها الآخر مرتبط بما هو اجتماعي من تقاليد وأعراف وطقوس. وبما أن الحدود عند زيمل ظواهر اجتماعية تتشكل مجاليًا، وتُعطى شكلً ومضمونًا سوسيولوجيين، يكون
معه جسد المرأة في الحالة التي ندرسها يعيش داخل الحدود وبوساطتها. لكن المثير هنا عند المرنيسي هو شخصنة هذه الحدود من جانب النساء أيضًا، وجعل الجسد موضوعًا لها، يجعلهن مجبرات على الخضوع للحدود واحترام قواعد المجتمع والهوية الثقافية، ما دامت تأخذ صيغة المُحرّمات Les
interdits التي تحملها النساء في ذواتهن وأذهانهن وتُدمَغ على أجسادهن، فتأخذ الحدود مظاهر لامرئية Invisible. وفي محاولة تكسير الحدود، تصطدم مع القشرة الصلبة من التقاليد والمعايير الاجتماعية المتوارثة، وينظر إليها على أنها نوع من الانحراف عن القواعد وتكسير المُحرّمات.
وفي هذا الإطار، تعتبر المرنيسي أن الحدود لا توضع هكذا اعتباطًا، بل تُعبّر في الغالب عن توزيع
(43) Bethany Bryson, "Symbolic Boundaries," in: David Inglis & Anna–Mari Almila (eds.), The SAGE Handbook of Cultural Sociology (London: SAGE Publications, 2016), p. 354. (44) Fatima El Mernissi, Rêves de femmes: Contes d’enfance au harem (Casablanca: Éditions Le Fennec, 1988), p. 62.
((4(توظف فاطمة المرنيسي مفهوم الحريم بالرجوع إلى دلالاته المختلفة والمشتقة أساسًا من الحرم، أي الأماكن
المقدسة، ومنه ينظر إلى البيت باعتباره يحمل هذه القدسية وكونه فضاءً آمنًا ومؤمَّنًا، ومنظمًا بقواعد يضعها الرجال
لمراقبته.
غير عادل للسلطة، سلطة غير متكافئة بين الذكور والإناث، الأغنياء والفقراء، المالكين وغير المالكين. ويشكل التوزيع المحكم والدال للمكان بين الأفراد أحد الميكانيزمات التي تنظم الحياة الاجتماعية، مُدعمة بعادات وتقاليد وأعراف مُقعّدة. من خلال التحليل السابق، يبدو أن الحدود تكون في الأساس ذهنية أكثر منها تجليًا ماديًا، لأنه
يتم استثمارها على هامش علاقات التبادل المكتسبة، حتى إن تم تكسير جزء من الحدود المجالية ومحاولة إعادة تشكيل الفضاءات، تبقى هذه الحدود في الفضاء قائمة على هذه الثنائية: الداخل – الخارج، الذكر – الأنثى، الغنى – الفقير، الأهلي – الغريب. كما أنّ هذه الحدود توضع لأجل غايات معيّنة حتى لا يمكن فئات بعينها تخطّيها وتجاوزها، وإلّ سيتم وصمها بأنها كسرت الأعراف
والقوانين الاجتماعية. فالنبذ والإبعاد الاجتماعيان لا يقتصران على فضاءات الولوج، بل يمتدان ليغطيا أيضًا زمن الولوج؛ إذ توجد أزمنة اجتماعية يتم فيها إقصاء بعض الفئات الاجتماعية من الفضاء العمومي ومن الولوج إليه، ويصبح أشدّ خطرًا عليها، لأنه مجنسن Sexué. وتتجلّى
جنسنة الفضاء في إقصاء المرأة، مثلً، من ولوج الفضاء العمومي واستهلاكه في الليل لأي غرض كان؛ ذلك أن ولوجها يصبح خطرًا عليها، ولا يمكن التسامح معها، لأنه محدد بصفات وتقسيمات
ذكورية مرتبطة هي الأخرى بالزمن الاجتماعي الذي هو في الآن نفسه الزمن الذكوري. تأخذ الحدود المجالية هنا دلالة زمانية أكثر منها مكانية، وتعود الحواجز مرتبطة بإمكانية المرور من المرئي إلى اللامرئي. قد تكون المرأة لامرئية على نحو واضح في النهار، ولا تثير فضول الناس على نحو كبير، مع أن اعتبارها لامرئية هو تغييب لكينونتها ووجودها، لكن بمجرد وجودها في مكان ما في الليل، تصبح مرئية وخاضعة للمراقبة أكثر من السابق، وتتغير الصورة الاجتماعية النمطية التي تُعطى لها بوصفها إطارات يجب عدم الخروج عنها. وبناء عليه، لا تضع الأزمنة الحدود فحسب، بل تشدّد أيضًا المراقبة الاجتماعية عليها وتُحكم ضبطها (الحدود). يتضح أن الجزء الكبير من الإشكال المرتبط بجدلية المجال يكمن في وعي المرأة به؛ لأنها تتمثل ذاتها بأن حركتها في المجال مراقبة اجتماعيًا، ولا تعطي الانطباع بأنها تتحرك فيه من أجل تكسير تلك المراقبة
والنظرة التي يحملها المجتمع، وهي بذلك تُعيد إنتاج نفسها عبر إعادة إنتاج القيم المجتمعية. وما يفسر ذلك أن إحدى أهم وظائف المجال وأدواره الأساسية في البناء الاجتماعي هي السماح بتثبيت مضمون هذا البناء الاجتماعي، ولا يتعلق الأمر هنا بعملية استقرار أو وضع إطار ثابت للعلاقات الاجتماعية في مجال محدد فحسب، بل يتجلّى في إيجاد شبكة من العلاقات الاجتماعية في إطار محدد، تتمحور حوله تلك العلاقات. تثبيت الأفراد في مكان ما (مجال)، ليس موضوعًا جوهريًا،
((4(فاطمة المرنيسي، ما وراء الحجاب: الجنس كهندسة اجتماعية، ترجمة فاطمة الزهراء أزرويل (بيروت/ الدار
البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2005)، ص.147
(47) Safaa Monqid, "Les femmes marocaines entre privé et public," Villes en parallèle , no. 32–34 (2001), pp. 398–405.
((4(أحمد الخطابي، «المرأة المغربية بين ثنائية المجال العام/ المجال الخاص وتدبير الزمن»، مجلة كلية الآداب
والعلوم الإنسانية (المغرب)، مج 12، العدد 32 (كانون الأول/ ديسمبر 2012)، ص.172
يمكننا أن نجده فيه دائمًا، لكن لهذا التثبيت دلالة رمزية متجلّية في وجود نقطة محورية تُحافظ على نسق من العناصر وفق مسافة، ووفق علاقات تفاعلية من التبعية التي يجب أن تجسّدها المرأة. هناك فضاءات وأمكنة تتميز بحركة وإيقاع مُميّزين يحملان خصوصية، وتتصف بالبطء أو السرعة،
نرى هذا جليًا في الإيقاعات الزمكانية بين المجالات الحضرية والقروية، أو المجالات التي تكون
حكرًا على فئة معيّنة دون أخرى، كنوع من الميز الاجتماعي؛ ما يعكس في الواقع طبيعة البعد المجالي
لأشكال العلاقات الاجتماعية. لهذا، ونظرًا إلى تداخل الحدود وترابطها في أنظمتنا الاجتماعية،
تبقى مفهمتها مهمة صعبة، كما يقول ليون مايهو، تتطلّب الكثير من العمل الميداني التجريبي الذي يعكس دينامية الحياة الاجتماعية، لهذا، فالمشكلة الأساسية في تحديد مفهوم الحدود داخل المجتمع هائلة.
خاتمة
تُبنى نظرية المجال عند زيمل على مقاربة بنائية واضحة، تنظر إلى المجال بوصفه محددًا للعلاقات الإنسانية والاجتماعية بما هي أيضًا محدِّدة له. وقد حاول بناء هذه المقاربة، انطلاقًا من دراسته أثر الأشكال المجالية في طبيعة العلاقات الاجتماعية. وهو يفترض أن تعدد العلاقات الاجتماعية وتطوّرها
يعكسان تنوع الأشكال المجالية المحتوية والمنتجة لهذه العلاقات، كما يعتبره شرطًا أساسيًا لتطور
معرفتنا بطبيعة تلك العلاقات الاجتماعية. كما أن لكل جزء من المجال خصوصيته وشكله المتفرد، ولكل علاقة اجتماعية مميزاتها الاجتماعية والمجالية؛ ما يجعل المجال عاملً أساسيًا لتطوير معرفتنا
وتفكيرنا بشأن القضايا المرتبطة بالعلوم الاجتماعية. المجال عند زيمل ليس شرطًا قبليًا سابقًا على أي تجربة إنسانية فحسب، بل هو في الأساس شرط
لتأسيس علم يهتم بالظواهر البشرية. وإذا أردنا أن نمنح هذا العلم خاصيته الإبستيمولوجية، فعليه أن يهتم بالأشكال الاجتماعية التي تُبنى في السياقات المجالية. وتتميّز هذه الأشكال الاجتماعية بالتغير
وإعادة التشكل، كلما تغيّرت السياقات المجالية المحايثة للحياة اليومية. ولهذا، فالمجال هو التجلّي
المادي للحياة الاجتماعية الذي يُنمذج التفاعلات المتبادلة بين الأفراد والتأثيرات التي يمارسها كل فرد على الآخر. كما تعكس نظرية المجال في سوسيولوجيا زيمل مجموع سيرورة الحياة الاجتماعية والنشاطات الإنسانية المرتبطة بها، باعتباره عاملً محددًا للتجربة الإنسانية وشرطًا لها. ولهذا فهو مبني اجتماعيًا
عن طريق هذه التجارب الإنسانية التي لا تتوقف على التشكل وإعادة التشكل. هذه الدينامية التي يحملها المجال، والتي تعكس في الآن نفسه دينامية العلاقات الاجتماعية المشكّلة له، تمنحه خاصية التعدد والانفتاح على اللامتوقع.
(49) Leon H. Mayhew, The New Public: Professional Communication and the Means of Social Influence (Cambridge: Cambridge University Press, 1997), p. 55.
References
المراجع
العربية
الخطابي، أحمد. «المرأة المغربية بين ثنائية المجال العام/ المجال الخاص وتدبير الزمن». مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية (المغرب). مج 12، العدد 32 (كانون الأول/ ديسمبر.)2012 المرنيسي، فاطمة. ما وراء الحجاب: الجنس كهندسة اجتماعية. ترجمة فاطمة الزهراء أزرويل. بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.2005
الأجنبية
Becker, Howard S., J.P. Briand & J.M. Chapoulie. Outsiders: Etudes de sociologie de déviance. Paris: Métailié, 1983. Borden, Iain. "Space Beyond: Spatiality and the City in the Writings of Georg Simmel." The Journal of Architecture. vol. 2, no. 4 (1997). Bourdieu, Pierre. "Espace social et pouvoir symbolique." Choses dites. no. 147 (1987). Durkheim, Émile. Textes. 1: Les classiques des sciences sociales. Paris: Éditions de Minuit, 1975. Durkheim, Émile & Marcel Mauss. De quelques formes primitives de classification. Paris: Presses Universitaires de France, 2017. El Mernissi, Fatima. Rêves de femmes: Contes d’enfance au harem. Casablanca: Éditions Le Fennec, 1988. Foucault, Michel. Sécurité, territoire, population: Cours de collège de France, 1977– 1978. Paris: Seuil, 2004. Goffman, Erving. Stigmate: Les usages sociaux des handicaps. Alain Kihm (trad.). Paris: Les Editions de Minuit, 1975. Inglis, David & Anna–Mari Almila (eds.). The SAGE Handbook of Cultural Sociology. London: SAGE Publications, 2016. Lamont, Michèle & Virág Molnár. "The Study of Boundaries in the Social Sciences." Annual Review of Sociology. vol. 28, no. 1 (2002). Levine, Donald N., Ellwood B. Carter & Eleanor Miller Gorman. "Simmel’s influence on American Sociology. I." The American Journal of Sociology. vol. 81, no. 4 (1976). Löw, Martina. The Sociology of Space: Materiality, Social Structures, and Action. Donald Goodwin (trans.). New York: Palgrave Macmillan, 2016. Massey, Doreen. "Philosophy and Politics of Spatiality: Some Considerations (The Hettner–Lecture in Human Geography)." Geographische Zeitschrift. vol. 87, no. 1
Mayhew, Leon H. The New Public: Professional Communication and the Means of Social Influence. Cambridge: Cambridge University Press, 1997.
Mead, George Herbert. Mind, Self, and Society: From the Standpoint of a Social Behaviorist. Chicago: The University of Chicago Press, 1997. Molénat, Xavier. La sociologie, Histoire, Idées, Courants. Paris: Sciences Humaines,
Monqid, Safaa. "Les femmes marocaines entre privé et public." Villes en parallèle. no. 32–34 (2001). Paquot, Thierry & Chris Younès (eds.). Espace et lieu dans la pensée occidentale. Paris: La Découverte, 2012. Simmel, Georg. "Le problème de la sociologie." Revue de Métaphysique et de Morale. vol. 2, no. 5 (1894). ________. "How is Society Possible?" The American Journal of Sociology. vol. 16, no. 3 (1910). ________. On Individuality and Social Forms. Donald N. Levine (ed.). Chicago/ London: The University of Chicago Press, 1971. ________. Sociologie: Etudes sur les formes de la socialisation. Paris: Presses Universitaires de France, 1992. ________. "Bridge and Door." Theory, Culture & Society. vol. 11, no. 1 (1994). ________. "The Social Boundary." Theory, Culture & Society. vol. 24, no. 7–8 (2007). ________. The Metropolis and Mental Life. London: Routledge, 2012. Zieleniec, Andrzej J. Space and Social Theory. London: SAGE Publications, 2007.