العودة إلى تفاصيل المؤلَّف إبستيمولوجيا الجائحة: في

إبستيمولوجيا الجائحة: في

Epistemology of the Pandemic On "Knowledge of Knowledge" Body, Culture and Society

دارم البصام| Darim Albassam *

الملخّص

تهدف الدراسة إلى تطوير سوسيولوجيا تبصرية للتعامل مع ظاهرة الجائحة ضمن نسقها التعقدي التكيفي وسياقها المجتمعي؛ إذ إن هذا المخبر الحي الذي ولّده الوباء يحتاج إلى تفكير مغاير يتجاوز الحواجز الإبستيمولوجية التي تفرضها رؤيتنا المسبقة للعالم، ويتخطى إملاءات براديغمات المنطق العلمي المألوف. فالمقطع التاريخي الحالي يشكّل قطيعة مع ذلك المنطق، وهو بمنزلة بوابة بين عالم وآخر؛ مما يجبرنا على إعادة ترتيب المخيال حول ما هو اجتماعي. تتسم الدراسة باتساقٍ داخلي وتسلسلٍ منطقي في محاورها، حيث تناقش: أولًا: الجائحة والمخيال السوسيولوجي. ثانيًا: تجسير الفجوة في التحليل السوسيولوجي. ثالثًا: إبستيمولوجيا الجائحة: المعمار النظري البديل. رابعًا: إبستيمولوجيا الجائحة: مستوى الإحاطة في إطار سوسيولوجيا الممارسة.

Abstract

. An Iraqi sociologist * عالم اجتماع عراقي

الكلمات المفتاحية:
  • الجائحة
  • إبستيمولوجيا
  • براديغم
  • مخيال سوسيولوجي
Keywords:
  • Paradigm
  • Pandemic
  • Epistemology
  • Sociological Imagination

Epistemology of the Pandemic

On "Knowledge of Knowledge"

Body, Culture and Society

ملخص: تهدف هذه الدراسة إلى تطوير سوسيولوجيا تبصّرية للتعامل مع ظاهرة الجائحة ضمن

نسقها التعقّدي التكيفي وسياقها المجتمعي؛ إذ إن هذا المخبر الحي الذي ولّده الوباء يحتاج إلى تفكير مغاير يتجاوز الحواجز الإبستيمولوجية التي تفرضها رؤيتنا المسبقة للعالم، ويتخطى

إم ءااات براديغمات المنطق العلمي المألوف. فالمقطع التاريخي الحالي يشكّل قطيعة مع ذلك المنطق، وهو بمنزلة بوابة بين عالم وآخر؛ مما يجبرنا على إعادة ترتيب المخيال حول ما

هو اجتماعي. تتسم الدراسة باتساقٍ داخلي وتسلسلٍ منطقي في محاورها، حيث تناقش: أولً: الجائحة والمخيال السوسيولوجي. ثانيًا: تجسير الفجوة في التحليل السوسيولوجي. ثالثًا:

إبستيمولوجيا الجائحة: المعمار النظري البديل. رابعًا: إبستيمولوجيا الجائحة: مستوى الإحاطة

في إطار سوسيولوجيا الممارسة.

Abstract: The study aims at developing a sociological inquiry guided by reflexive sociology to articulate the Covid-19 pandemic, as social phenomena within its complex, adaptive, and societal contexts. The pandemic which has thrown us into a living laboratory requires a different mode of thinking: one that overcomes the epistemological barriers of prior world vision and transcending the dictates of the scientific logic of conventional paradigms. The current historical transformation constitutes a rupture with the core way of paradigm thinking. The virus is a portal, a gateway between one world and the next. As a portal, it forces a re–imagination of the social. The study strives for internal consistency and logical structuring to discuss in sequence: 1) the pandemic and

the conventional sociological imagination; 2) Systems modality for bridging the gaps in sociological analysis; 3) building alternative theoretical architecture of pandemic epistemology; and 4) utilizing practice theory of sociology for analysis and interpretation of pandemic epistemology.

أولا: الجائحة والمخيال السوسيولوجي

هنالك مسلّمة يكاد يجمع عليها العديد من المفكرين والفلاسفة من مختلف مشاربهم، وهي أن الحقيقة تكشف عن نفسها في لحظات القطيعة وكما نعيشها حاليًا مع الانتشار الكوني

لجائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19–). وواجبنا كعلماء اجتماع، قبل غيرنا، أن نتساءل عن الذي كشفت عنه هذه الجائحة، وهل لدينا من الزاد المعرفي والأدوات ما يتوافق تاريخيًا لتحليل الظاهرة؟ قد يعتقد البعض أنّ من المبكر الوصول إلى استنتاجات حول ظواهر ما زالت قيد التشكل، ولكن لا بد لنا من أن نقر بأنّ ما كنّا نعدّه في خانة «متعذر الحدوث» قد حدث وأصبح في خانة «المألوف الجديد»، فقد رزحت مجتمعات بأكملها تحت الحجر الكامل وتوقف العالم، الذي نعرفه، عن الدوران. من جانب آخر، تعرضت العديد من النواحي التي ألفناها في حياتنا اليومية إلى التشتت نتيجة لسواد حالة عدم اليقين والسيولة والخوف، فقد جاءت ظاهرة الجائحة بتغيرات غير مسبوقة أثّرت في جميع جوانب الحياة، وتأثرت بذلك العلاقات الاجتماعية بشكل كلّي. الأهم من ذلك كله أنها أحدثت شرخًا في المخيال السوسيولوحي لفهم كيف أن الأنساق الاجتماعية المختلفة، عبر الثقافات، وداخل الثقافات الفرعية في المجتمع الواحد، تتفاوت في فهم الصحة والاعتلال وإعادة إنتاج الحياة وكيف تتفاوت في تحديد سبل المواجهة عندما تتغير البيئة البيولوجية بشكل غير مألوف مسبقًا. وأخيرًا كيف أن النظريات الكبرى ومساهمتها قد تعجز عن إيراد تفسيرات لذلك. جائحة كورونا بإمكاننا تشبيهها بالبجعة السوداء وبكل الخصائص التي يحددها لها نسيم طالب في كتابه الذي يحمل الاسم ذاته، فهي أولً: «برانية» خارج المخيال وخارج المتوقع المألوف الذي ينتج عادة من الأزمات والكوارث المعتادة كالزلازل والعواصف والفيضانات، إذ ليس في الماضي القريب ما يقنع باحتمال حدوث تعقّداتها. وثانيًا: جاءت لتحمل تبعات بالغة الأثر. وثالثًا: بالرغم من كونها

خارج المخيال، فإن الطبيعة البشرية تجعلنا ننهمك في تجهيز وإقحام تفسيرات لحدوثها بعد أن تم الوقوع في أسرها، كي نجعلها قابلة للتفسير والتنبؤ. في نظري، إن نسيم طالب ساعدنا على أن نحدد في سطور قصيرة أزمة البراديغمات السائدة في العلوم الاجتماعية، فمنطق ظاهرة كونية كهذه الجائحة يجعل من غياب المعرفة حولها أكثر صلة من المعرفة التي نمتلكها عنها.

(1) Nassim Nicholas Taleb, The Black Swan: The Impact of the Highly Improbable (New York: Penguin Books, 2008 [2007]), pp. xvii–xviii.

في إطار هذه المراجعة الفكرية، كان تساؤلي وأنا بصدد التفكير في كتابة الدراسة هو: في هذا المقطع التاريخي الذي أفرزته الجائحة، كيف يعلم الباحث الاجتماعي بما يعلم؟ وما هو الرصيد في مخياله السوسيولوجي لتحليل هذه الظاهرة البازغة ومعالجتها؟ لا نختلف في القول إن السوسيولوجيا تتشكل بالنظريات الكبرى وتتأثر بالتراث العالمي وتساهم في أطره المرجعية. ولكن، وهذا المهم في نظري، تبقى السياقات المجتمعية مختلفة، والأهم من ذلك تبقى السياقات الثقافية مختلفة. وذلك أمر يرتبط بإنتاج المعرفة وبإبستيم الثقافات، الأمر الذي يحتاج منا إلى تطوير سوسيولوجيا تبصّرية لفهم ما يجري. بتعبير آخر، ما نحتاج إليه حاليًا هو إعادة التبصّر، إبستيمولوجيًا، لإحداث انعطافة في الفكر السوسيولوجي

الشائع في اتجاه التعامل مع ظاهرة الجائحة ضمن نسقها المعقد، إذ إن هذا المخبر الحي الذي ولده الوباء يحتاج إلى تفكير نسقي مغاير وإلى رؤية وأدوات منهجية جديدة، فالمقطع التاريخي الحالي هو بمنزلة بوابة بين عالم وآخر، مما يجبرنا على إعادة ترتيب المخيال حول ما هو «اجتماعي». ولعل الأهم من ذلك هو أن الجائحة تمثل في هذا المقطع التاريخي لحظات تعرية للنظام الاجتماعي، فجميع المؤسسات والعلاقات والتفاعلات في إطاره أصبحت فجأة ذات إشكالية، والفرضيات المسلم بها للحياة اليومية قد تزعزعت وأصبحت محل تساؤل وعدم يقين. وينبغي عندي أن نتذكر أن اللحظة التي أصبحت فيها الجائحة ظاهرة اجتماعية هي اللحظة ذاتها التي تتطلب تعريفًا اجتماعيًا/ بيولوجيًا. واللحظة التي تحولت فيها إلى كارثة هي اللحظة ذاتها التي تتسبب

في قطيعة إبستيمولوجية مع الحقيقة كما اعتدنا التسليم بها. حقلنا التخصصي (السوسيولوجيا)، كما ألفناه، يهدف في غاياته كحقل من حقول البحث العلمي إلى فهم العالم الطبيعي. ولتحقيق تلك الغاية دأب على اعتماد استراتيجيات إدراكية مختلفة، من بينها التبسيط في التوضيح والتفسير، وبمعنى الإقدام على تحليل النظام الاجتماعي المعقد من خلال اختزاله إلى عناصره المجزأة، واستخدام مفاهيم خطية وحتمية (مد الحاضر في المستقبل) لفهم الحياة بكل تجلياتها وعلاقاتها العضوية المترابطة. بتفصيل أكثر، تسعى السوسيولوجيا، أنتولوجيًا، إلى التأمل في الحقيقة، وإلى فهم العالم ومكوناته،

كما تهدف، إبستيمولوجيًا، إلى بلورة رؤية معرفية في كيفية حيازة الحقيقة، وإلى مقاربة فهم العالم

ومكوناته. ما أود الإشارة إليه بهذا الصدد أن الفهم الإبستيمولوجي الشائع بقي إلى وقت قريب يؤكد أن المعرفة العلمية يجب أن توفر تمثيلً موضوعيًا للعالم الخارجي، وأن هذا العالم، مهما بلغت درجة تعقّده،

يمكن مفصلته وحلّه من خلال اجتزاء الظواهر واختزالها إلى أبسط مكوناتها.

(2) Francis Heylighen, Paul Cilliers & Carlos Gershenson, "Philosophy and Complexity," in: Jan Bogg & Robert Geyer (eds.), Compllexity, Science and Society (London: Routledge, 2007), pp. 117–134.

ولكن من الواضح أن هذه التصورات قد وصلت إلى طريق مسدود، فالعقل البشري يتسم بالتعقّد ولا يحمل الصفة الخطية، وهو بذلك يتمرد على كل المحاولات «الاختزالوية» و«الحتموية» لفهمه. لقد زادت عندي القناعة بأن دراستنا للأنساق المجتمعية، من منظور التعقّد، تتطلب منا أن نعي، سوسيولوجيًا، أن كلًّ من «العشوائية» و«النظام» مستبطنان في سلوك النسق الاجتماعي ك «كلّ»، وعليه

فإن ذلك يمنعنا من إرجاع ذلك السلوك إلى «حتمية كاملة» أو «عشوائية كاملة». وبمعنى آخر، وبلغة نظرية التعقّد، علينا أن نفهم أن النسق الاجتماعي هو، دائمًا، على «حافة الفوضى»، إذ يمكن أن يظهر لنا سلوكًا خطيًا وقابلً للتنبؤ، ولكنه في الوقت ذاته يمكن أن يفاجئنا بتغيرات حادة

وآنية ذات تبعات بالغة الأثر تأتي نتيجةً لمدخلات ومثيرات قد تبدو للوهلة الأولى بسيطة في نظرنا، إلا أن مخرجاتها المدوية لا تتناسب مع حجم مدخلاتها المحدودة. هذا هو ما حدث بالضبط بالنسبة إلى جائحة كورونا التي كانت قد بدأت في إطار مدينة محددة وامتدت كونيًا خلال عام واحد، الأمر

الذي لا يمكننا فهم تكيفاته إلا من منظور التعقّد. مثل هذا التبصّر النسقي بدأ يعمل على إعادة تعريف الرؤية الإبستيمولوجية للعلوم التقليدية، وللسوسيولوجيا بالذات. وهو بمنزلة دحرٍ تام للمفهوم القديم للنسق الاجتماعي الذي جاءت به مدرسة الوظيفية البنيوية لتالكوت بارسون، والذي ظل يؤمن بقدرة النسق على صيانة نفسه بنفسه، وإصلاح حالة اللاتوازن التي قد تعترضه ليعود إلى الاستقرار والتوازن، وبشكل خطي. على العكس من ذلك، فإنّ ما يؤكده التبصّر النسقي القائم على التعقّد هو الإقرار بأنّ الظواهر الاجتماعية تتسم بالتقطع وعدم الاستقرار من خلال أنماط السلوك والتكيفات الاجتماعية التي تبرز بشكل غير متوقع. وعليه، فإنّ «اللاخطية» و«الخطية» يمكن أن تتزامنا وفق طبيعة النسق المدروس. يعني ذلك أنّ فهمنا النسق الاجتماعي ككل معقد، وتحليل خصائصه وفق هذا التبصّر، بإمكانهما أن يدعما قدرتنا على التأسيس النظري للعمران الاجتماعي للسياق الذي نقوم بدراسته، وبإمكانه كذلك أن يزودنا بعدسات مغايرة ننظر من خلالها إلى الأنساق الفرعية لذلك العمران، والتي عادة ما تبدو للباحث الوضعي مستقلة بطبيعتها وغير مترابطة في وجودها، في حين أنها متصلة «عضويًا»، بتغذية راجع بعضها إلى بعضها الآخر في «كل جامع» هو النسق الاجتماعي. ما أود التأكيد عليه، وأسعى إلى توضيحه في هذه الدراسة، أن لا سبيل إلى دراسة ظاهرة الجائحة، إبستيمولوجيًا، إلا من خلال السياق المجتمعي بكل تعقّداته، حيث إن ذلك يصبح أمرًا أساسيًا لعملية

التفسير. ففي هذا الإطار الدينامي للتفكير النسقي يتمكن الباحث السوسيولوجي من تفكيك الأحداث والعلاقات والرؤى المختلفة للعالم لدى الجماعات الاجتماعية في الأنساق الفرعية، وإعادة تركيبها،

(3) Wolf Singer, "Understanding the Brain: How Can Our Intuition Fail so Fundamentally When it Comes to Studying the Organ to Which it Owes Its Existence?", EMBO Reports , no. 8, sup. 1 (July 2007), pp. 16–18. (4) Talcott Parsons, The Social System (London: Routledge and Kegan Paul, 1951).

والتمكن من فهم الدوافع وأنماط السلوك المستبطنة، والتي لا يمكن تغطيتها عادة بالمناهج التقليدية، إذ يجري إهمالها في عمليات التجريد والتصنيف في التفكير المنطقي العلمي الذي اعتدناه. نضيف إلى ذلك أن الأوبئة، كما هو الحال مع الجائحة الحالية، تنحو هي الأخرى نحو التعقّد واللاخطية في سلوكها، بحيث تنتج آثارًا لما يمكن ولا يمكن التنبؤ به أو توقعه، من خلال التفاعل والتكيف مع الوسط الثقافي، مما يولد أنساقًا بيولوجية/ ثقافية (بايو – ثقافية اصطلاحًا) نستطيع من خلالها أن نختبر كيف أن العمليات السوسيوثقافية والاقتصادية–السياسية تؤثر في الموقف من الصحة والاعتلال وإعادة إنتاج الحياة. تلك هي المقاربة الأفضل، في نظرنا، والتي سنسعى إلى تطويرها نظريًا ومعرفيًا في هذه الدراسة. التصور البايو – ثقافي، مثلما أراه، يجد مكانه في إطار القيمة السوسيولوجية للتفكير النسقي، والتعريف الذي يمكن أن نتبناه لذلك التصور هو باعتباره الحوار النقدي بين النظريات البيولوجية والنظريات والمناهج الثقافية للإجابة عن الأسئلة الجوهرية لسوسيولوجيا الجائحة. يحدث ذلك من خلال الربط بين أبعادٍ أساسية ثلاثة: الجسد والثقافة والمجتمع. في النهاية، نحن أجسادنا، وكل ما نحن عليه، وما نفعله يفترض شكلً ونمطًا من «التوسد الجسدي»، أو بتعبير آخر سريان الثقافة تحت جلدنا. معنى هذا أنّ فعل المفهمة الإبستيمولوجية للجائحة من منظور بيولوجي/ سوسيولوجي وبيولوجي/ ثقافي يحمل معه جملة من الأسئلة حول طبيعة إنتاج المعرفة للوباء. تلك في الواقع، وكما أراها، مسؤولية فكرية تتطلب منا في الحقل السوسيولوجي أن نتعهد بها، فالطريقة التي تتفهم من خلالها المجتمعات طبيعة الجائحة، وتستوعب أبعادها لا يمكن اختزالها في الحقيقة الأنتولوجية للجرثومة. المطلوب هو تبني وتطوير المنطق المعرفي والاجتماعي، فالبيولوجيا والثقافة مصدران متلاحمان في نسق مجتمعي موحد. ولكنني، وأنا بصدد مفصلة العلاقة بين البيولوجيا والسوسيولوجيا، والتي أخذت مني وقتًا كافيًا، طرأ

على ذهني تساؤل أعتقد أنه يجسد إشكالية أساسية في التطوير النظري لهذا الحقل البيوسوسيولوجي والبيوثقافي. كان تساؤلي هو: كيف يفكر الباحث السوسيولوجي عندما ينطق كلمة «بيولوجي» سواء في فهمها كعمليات يومية (الحياة في تجلياتها الدينامية) أو كشكل من أشكال المعرفة المبنية على التخصص؟ وقد دفعني ذلك الفضول إلى الرجوع إلى قاموس علم الاجتماع (2009) لأستطلع المعنى السوسيولوجي الموسوم لمصطلح «البيولوجيا». ومما أثار استغرابي أن هنالك إغفالً تامًا، إذ لا يوجد مدخل

(5) Andrew Whiten et al., "The Extension of Biology Through Culture," Proceedings of the National Academy of Sciences of the United States of America , vol. 114, no. 30 (July 2017), p. 7775. (6) John Scott & Gordon Marshall (eds.), A Dictionary of Sociology, 3 rd ed., revised (Oxford: Oxford University Press,

أو إحالة له. عوضًا عن ذلك هنالك مصطلح «الاختزالية البيولوجية» Biological Reductionism و Biologism، وهما مفهومان انتقاصيان يعكسان أيديولوجية التطبيق الحتمي/ اللاإرادي للمخرجات البيولوجية على المجتمع. تنبع تلك النظرة الاختزالية من فكرة أن البيولوجيا الجزيئية يمكن من ناحية المبدأ أن تفسر بشكل كامل كل الحقائق البيولوجية، وأن التعددية في ذلك الحقل ومختلف نظرياتها وقيمها الإبستيمولوجية والإدراكية لا يأخذها السوسيولوجيون في الاعتبار، إذ يعتقدون أن لا علاقة لها بما هو «اجتماعي». لا يخفى على المتتبع في هذا الميدان أن هناك في إطار التعددية البيولوجية ضمن السياقات الثقافية معالجات إبستيمولوجية عديدة، في حقل الأنثروبولوجيا على الأخص، قد أغفلها السوسيولوجيون، وبالأخص حقل البيولوجيا التطورية التي تساعدنا في فهم الأبعاد الإدراكية وأنماط المعرفة، كمقاربات مشروعة في دراسة الحياة والجسد. والأهم من ذلك النظر إلى البيولوجيا كإنتاج معرفي. ما حاولت أن تقدمه تلك المساهمات هو تذكيرنا بعدم إمكانية الافتراض أن التطور الإدراكي والثقافي للإنسان هو بمنزلة عملية «ثابتة» للتكيف تجاه بيئة «ثابتة» توجد بالتساوي لكل كائن حي. عوضًا عن ذلك علينا أن ننظر إليها كعملية للتطور المتصاحب للأنساق بعلاقاتها المتبادلة. بتعبير آخر، مورفولوجية ووظيفة البيئة المحددتان لا تبزغان ببساطة من الشروط الموضوعية للعيش، ولكن من خلال الخبرة والاستجابات لتلك الشروط. فمعاني الحدث وإملاءاته الثقافية (الممارسات، والأعراف، والهرميات الاجتماعية) توصل أثرها الإدراكي/ الانفعالي، وتؤثر في الاستجابات البيولوجية، وتعزز الاستجابات الشرطية للسلوك البشري. كل ذلك أصبح ضمن المقاربات النظرية والمقاييس العملية للدينامية البيوثقافية التي تتجلى في أنماط الثقافة تحت الجلد (التوسد الجسدي) بين الثقافات وداخل الثقافة الواحدة بين الجماعات الاجتماعية. عندما نتبنى التصور النسقي للتوسد الجسدي، والذي سيشكل أحد أعمدة التطوير النظري الذي سنسعى لتوضيح أبعاده في هذه الدراسة، نبدأ بتجاوز الثنائية الديكارتية في التفريق بين «العقل» و«الأشياء» أو «الطبيعة». تلك الثنائية التي ما زالت تعبر عن نفسها في حقل السوسيولوجيا من خلال التسليم بأن الجذور الطبيعية للكائن البشري يتم تقليديًا اكتشافها عبر وسائط العلوم الطبيعية، في حين أن التمايزات في الممارسات السوسيوثقافية في العالم المعيش تتبع حقل العلوم الاجتماعية. ولكن لماذا يصيبنا الاستغراب من هذا الإغفال المتعمد والواضح لدى السوسيولوجيين لحقل البيولوجيا؟ أليس لهذا الضعف في الاهتمام مرجعيات تاريخية في حقل تخصصهم؟ ألم يعتبر الرواد

(7) Maurizio Meloni, "How Biology Became Social, and What it Means for Social Theory,"  The Sociological Review , vol. 62, no. 3 (August 2014), p. 598. (8) Catherine Panter–Brick & Carol M. Worthman (eds.), Hormones, Health and Behavior: A Socio–Ecological and Lifespan Perspectives (Cambridge: Cambridge University Press, 1999), pp. 6–7.

الأوائل والآباء المؤسسون لعلم الاجتماع الفصل الإبستيمولوجي بين ما هو اجتماعي وما هو بيولوجي إنجازًا تاريخيًا؟ ألم يعلنوا أن الوقائع الاجتماعية لا تفسرها إلا القوانين الاجتماعية، وأن لا داعي

لإدماج معرفة مشتقة من العلوم البيولوجية في فهم السلوك البشري وتفسيره؟ لقد عشنا مع تلك المسلمات والقناعات الفكرية ردحًا طويلً من الزمن، والتي بدأنا نعترف أخيرًا

بأنها تقسيم مخلّ وخاطئ بين الطبيعة والثقافة، الأمر الذي أحطّ من موقع البيولوجيا في التحليل السوسيولوجي العلمي. ربما كانت تلك المسلمات ملائمة تحت أوضاع إبستيمية وسياسية معينة، ولكن حان الوقت لكتابة فصل جديد في هذه العلاقة من خلال التطوير النظري للحقل البيوسوسيولوجي والبيوثقافي، ووضع تلك الأطر النظرية محل تساؤل. لقد أصبح من المسلّم به أن الإنسان، كأي شكل آخر من أشكال الحياة يتشكل ويتكيف للبيئة، إلا أن ما يميزه من غيره هو خلق عالم جديد تمامًا: المجال السوسيوثقافي للحقيقة. في البيولوجيا هنالك اعتراف واضح في الوقت الحالي بأن الكائنات عمومًا تنهمك في بناء عمران لها متموضع في المكان والزمان Niche Construction، أي تنشئ أبعادًا للبيئة التي يجب أن تتكيف لها. الإنسان ذهب إلى أبعد من ذلك في عمرانه، حيث أنشأ عالمًا سوسيوثقافيًا يجب أن يتكيف له.

ولكن الأهم في نظر الباحثين أنه خلق عالمًا سوسيوثقافيًا يستطيع أن يعرقل العوالم الأخرى البيولوجية

والطبيعية، وأن هنالك تغذية متبادلة بين البعدين. وعلينا فهم تلك العلاقة، فالعالم السوسيوثقافي له آثاره في الأشكال الأخرى للحياة كالبكتيريا والجراثيم والنظام الإيكولوجي الذي تتعايش فيه مثل تلك الأشكال. الجائحة في هذه الحالة تصبح نتيجة وليست ظاهرة. ألا يمكننا أن نقرّ بأن تشكل أسباب الجائحة وانتشارها الكوني يمثلان تعزيزًا وصدقية لمثل هذه

المقاربة؟ تاريخيًا، وفي إطار تتبع الفكر السوسيولوجي، لا بد من الاعتراف بأن فكر ما بعد الحداثة وما بعد

البنيوية قد أحدثا انعطافًا في المفهمة العلمية حول معنى «الحياة»، وبهذا فقد بدأت العقود القريبة الماضية تشهد لغة بيواجتماعية جديدة في غالبية العلوم الاجتماعية. ويمثل ذلك بالتأكيد تطويرًا

مهمًا في النظرية الاجتماعية وميدانًا يجب أن ندلف إليه عربيًا للتعمق في اللحظة البيواجتماعية

(((التفكير المضاد للنزعة الطبيعية Anti–Naturalism كان واضحًا عند الرواد الأوائل. دوركهايم بإصراره على مكانة «الاجتماعي»

كنظام سببي قائم في حد ذاته مع رفض قاطع للمحتمات البيولوجية للحياة الاجتماعية. وكذلك الأمر مع ماكس فيبر الذي جسد من خ لاا فرضياته المنهجية القائمة على الكانتية الجديدة عدم جدوى اعتماد المقاربة المتجذرة في البيولوجيا وإقحامها في العلوم الإنسانية. وأخيرًا مقاربات غرامشي ولوكاش التي تفصل بين الأنثروبولوجيا طبيعية التوجه، وبين معنى الطبيعة البشرية كناتج

للعلاقات الاجتماعية المعقدة.

(10) Ted Benton, "Biology and Social Sciences: Why the Return of the Repressed Should be Given (Causious) Welcome," Sociology , vol. 25, no. 1 (February 1991), pp. 12–13.

والبيوثقافية الجديدة. وهي لحظة أولدت رؤية موحدة تدمج، أول مرة، بين الأبعاد البيولوجية والإدراكية والسوسيوثقافية لمعنى تعقّد الحياة. ومن منظور البيوسوسيولوجيا تم، كذلك، مراجعة القناعات القديمة التي اعتبرت أن الجسد هو بمنزلة ماكينة، وأن للعقل مملكته المنفصلة، إذ تم استبدال تلك القناعات بتصور معرفي مغاير يعترف، إبستيمولوجيًا، بأن النسق الإدراكي والحي لا يقتصر على العقل، بل يتعداه إلى نظم المناعة وإلى كل

أنسجة وخلايا الجسد. في السياق ذاته هنالك حاليًا إضافات معرفية بالغة الأهمية في العلوم الاجتماعية وعلوم الإدراك توضح

لنا جملة تصورات، منها: 1. أن الثقافة تتسرب «تطوريًا» تحت الجلد في السياقات المجتمعية المختلفة. 2. أن هذا المخزون من «التوسد الجسدي» والثقافة لدى الفرد والجماعة الاجتماعية يمكن تنشيطه واسترجاعه واستخدامه في السياق. 3. عندما يتم تنشيط الثقافة المتوسدة جسديًا تبدأ بإحداث تأثير فاعل في مواقع الإدراك

والانفعال وتقرير الأحكام والأفعال. تنشيط هذه الثقافة المتوسدة جسديًا يمكن أن يتجلى من خلال التحكم في وضعية الجسد أو ما يمكن أن نطلق عليه التوسد الجسدي الحركي Hard Emobdiment، كالنزعة نحو التباعد الجسدي وعدم المصافحة. كما يمكن أن يتجلى من خلال إحداث تأثير فاعل في التوسد الجسدي الناعم Soft Emobdiment، والذي لاحظناه في إبستيم التفسير الرمزي للجائحة، وآليات الخطاب التي يفرضها المألوف المستبطن للثقافة المعينة. التحليل السوسيولوجي لكل من هاتين الحالتين للتوسد الجسدي سيقدم لنا إطارًا منهجيًا بالغ الأهمية

في فهم إبستيمولوجيا الجائحة في معالجاتنا القادمة في هذه الدراسة. بقي أن نقر بأنه بالرغم من التطور في كل هذه الإضافات للفكر البيوسوسيولوجي، فإن دراسة سوسيولوجيا الجسد في إطار التعقّد، أو الإنتاج الاجتماعي للجسد كحقل للدراسة في العلوم

(11) Jonathan H. Turner, Russell K. Schutt & Matcheri S. Keshavan, "Biology and American Sociology, Part II: Developing a Unique Evolutionary Sociology," The American Sociologist , vol. 51, no. 4 (December 2020), p. 471. (12) Fritjof Capra & Pier Luigi Luisi, The System View of Life: A Unifying Vision (Cambridge: Cambridge University Press, 2014). (13) Omar Lizardo, "Improving Cultural Analysis: Considering Personal Culture in its Declarative and Nondeclarative Modes,"  American Sociological Review , vol. 82, no. 1 (February 2017), p. 94.

ينظر أيضًا:

Omar Lizardo, "Pierre Bourdieu as Cognitive Sociologist," in: Wayne H. Brekhus & Gabe Ignatow (eds.), The Oxford Handbook of Cognitive Sociology (New York: Oxford University Press, 2019), pp. 65–80.

الاجتماعية، لم تحظ إلى يومنا هذا بالإحاطة اللازمة وبالتطوير النظري المطلوبين، ولم تأخذ مكانها كمدخل تحليلي للعلاقات الاجتماعية والممارسات والمعاني المتمايزة، والذي بإمكاننا أن نستخدمه في إطار التحليل النسقي. ويبدو أن الجائحة قد قامت (كفاعل غير بشري) بلفت انتباهنا إلى ضرورة إيلاء الأهمية اللازمة للتعمق في سوسيولوجيا الجسد ووضعها في مركز البحث السوسيولوجي، بدلً من أن يكون في موقع التخوم في حقلنا التخصصي، أو بالأحرى ضرورة وجوده في مركز حياتنا الاجتماعية وإحساسنا بالذات البشرية، فالجسد، على ما يبدو، يستطيع أن يخبرنا بما نود أن نعرفه عن العوامل السيكولوجية والسوسيولوجية التي كنا سابقًا نتنكر لها أو نتجاهلها عندما ننظر إليه نظرة بيولوجية وكبَدن. ويفيدنا بهذا الصدد أن نقتبس من كريس شلنج قوله إن الجسد تأريخيًا هو من قبيل «الحاضر الغائب» في

السوسيولوجيا، وذلك يعني أن حضوره كموضوع وكأداة للتحليل موجود في قلب المخيال السوسيولوجي، وغيابه يتجلى في أن السوسيولوجيا نادرًا ما ركزت بشكل تراكمي على التعمق في العلاقة بين البيولوجيا والثقافة وحالة «التوسد الجسدي» كموضوع بالغ الأهمية والحيوية في حد ذاته. دراستنا للجائحة من منظور سوسيوثقافي تحتم علينا أن نتعمق في تصوراتنا الأنتولوجية والإبستيمولوجية لموضوع الجسد، وأن نحاول تطوير مقاربة نسقية جديدة لفهم عملية التوسد الجسدي للثقافة وتجلياته التي برزت في التكيف والمواجهة للوباء. ما أقصده بذلك هو التوصل إلى منظور منهجي يتميز بالاتساق الداخلي يساعدنا في مراجعة المسلمات المنهجية القديمة، وطرح أسئلة وفرضيات وتصورات نظرية جديدة.

ثانيًا: تجسير الفجوة في التحليل السوسيولوجي

حاليًا تنحصرُ المعالجات البيوسوسيولوجية والبيوثقافية ما بين السوسيولوجيا الكلية/ البنيوية Macro

Sociology والسوسيولوجيا القاعدية/ الفردانية Micro Sociology. تأتي محاولتنا في التطوير النظري من خلال استكمال المستويين من المعالجة بإضافة بعد ثالث هو الميزو سوسيولوجيا Miso Sociology (السوسيولوجيا ذات الموقع الوسطي الدينامي بين البنية والفاعل الاجتماعي) وفي إطار التفكير النسقي الجامع للمستويات الثلاثة. هنالك محاولات جادة وعديدة في ردم الفجوة، وفي توظيف سوسيولوجيا الممارسة على هذا المستوى الوسطي، لكنها لا تقترب من مستوى التعقّدية الاجتماعية التي نتبنى مقاربتها. نطمح كذلك في أطروحاتنا للتطوير النظري إلى عدم الاقتصار على التعمق في دراسة وتحليل سوسيولوجيا الجسد، ولكن أيضًا الجسد في إطار السوسيولوجيا. مثل هذه المقاربة التي نتبناها تؤمن

(14) Chris Shilling, "Sociology and the Body: Classical Traditions and New Agendas," The Sociological Review , vol. 55, no. 1–sup (May 2007), pp. 1–18.

بأن اعتبارات الجسد، متضمنًا ذلك جسد المراقب والباحث السوسيولوجي ذاته، وأجساد الجماعة الاجتماعية المحددة، أو المجتمع المدروس بشكل عام، تكون في مركز الاهتمام، إذ يمكن أن يساعدنا ذلك على تطوير سردياتنا وفهمنا السوسيولوجي لمدى واسع من الديناميات، ويزيد قدرتنا على تفكيك عمل المؤسسات الاجتماعية، وبتعبير أدق مساعدتنا في فتح الإمكانات لتوضيح الميكانيزمات التي تعطي المعنى لتلك المؤسسات. هناك من يعترف بأن فشلنا المزمن في تجسير الفجوة بين مستوى البنية الاجتماعية ومستوى الفاعل الاجتماعي في النظرية السوسيولوجية، غالبًا ما يتم استغلاله من قبل أعداء السوسيولوجيا واتهامها

بأنها لا تشكل علمًا، ذلك ما يؤكده عالم الاجتماع جوناثان تيرنر. وهذا صحيح في نظرنا، فالسوسيولوجيا من دون مفصلة للدينامية الاجتماعية وأنماط التواصل والتشبيك على المستوى الوسطي، تبقى تخصصًا ناقصًا يخضع لإغراءات الاختزالية. بهذا المعنى، يمكننا أن نطلق على ثنائية التحليل السوسيولوجي الكلي والقاعدي مصطلح «الصندوق الأسود»، أي بمعنى عملية تحليل مدخلات ومخرجات من دون النظر إلى العمليات. في مثل هذه المقاربة التحليلية لا يتعدى الفرز بين المستويين إلا كونه تمييزًا مفهوميًا بين قاع المجتمع وسقفه، مع

التجاهل للفعل السوسيولوجي بين المستويين، والذي يحدد قواعد اللعبة السوسيولوجية. كل ذلك يعني عندي أن ممارسة النظرية في الحقل السوسيولوجي تشكل بالنسبة إلينا جميعًا تحديًا

مستمرًا، فالحقيقة الاجتماعية، كما يشير إلى ذلك بيار بورديو في العديد من كتاباته، ليست بالمادية/

الكلية البحتة، ولا بالرمزية/ الفردانية البحتة. من هنا فإن الرؤية التي نتبناها، كأحد أبعاد تطويرنا النظري لفهم إبستيمولوجيا الجائحة، تسعى إلى تجنب الاستقطاب الثنائي (ذاتي/ موضوعي)، والتفكير في منهج يتحدى ذلك التضاد التقليدي بينهما، ويتدارس الجائحة في إطار المنهج النسقي القائم على التعقّد، والذي يربط بين الأبعاد الثلاثة في كل حيوي. عمليًا، يمكننا أن نلاحظ أن التحليل السوسيولوجي الكلي/ البنيوي يفرض العبودية على الفعل

الفردي، ويدعي تفسير ما يفهمه كقوانين أو نمط مثالي، في حين أنه يسيء فهم ذلك بمقاربته الحتمية. أما التحليل القاعدي/ الفرداني والذي يشكل، كمنهج، غالبية الدراسات السوسيولوجية التي تناولت الجائحة بالتحليل، فهو من قبيل المقاربة العمياء بالنسبة إلى المضامير الاجتماعية Social Fields والتشبيك المؤسسي، والمتغافلة عن كون المجتمع لا يتشكل من الناس، بل هو منظومة تواصل يحددها المستوى الوسطي بالدرجة الأساس. وفي إطار تفكيك كلا المستويين، وتوظيفهما في تصورنا النسقي الكلي، يمكن القول إن النزعة الكلية في السوسيولوجيا تركز على بنية النسق المجتمعي، في حين تنزع الفردانية إلى تحليل تشكيلة ذلك.

(15) Jonathan H. Turner, "Academic Journals and Sociology’s Big Divide: A Modest but Radical Proposal,"  The American Sociologist , vol. 47, no. 2–3 (September 2016), p. 295.

كلاهما مهم في نظري، ولكنه يصبح غير ملائم إذا ما تمت المناقشة بشكل مستقل ومنعزل، إذ إن القيم المقترنة بالتنشئة الاجتماعية لا تخضع لحتمية البنى الاجتماعية، ولا تنبع على الطرف الآخر من الإرادة الحرة للأفراد، بل تتكرس من خلال الوجود التواصلي بين المستويين عبر الزمن. هذا يعني أننا عندما نريد توفير إطار دلالة لفهم إبستيمولوجيا الجائحة، نحتاج قبل كل شيء إلى أن نطور نظرية للمجتمع، كي نتجنب مخاطر التحليلات التي تختزل علاقات القوة والمؤسسات والفواعل الاجتماعية وحصرها في متغير أو عامل، أو مناقشة جانب أحادي للحقيقة الاجتماعية غير متصل بالبنى القائمة وبالفعل الاجتماعي وبالمظاهر المختلفة للتفاعلات المعقدة في المجتمع. ما نحتاج إليه في الواقع هو إعادة التبصّر لإحداث انعطافة في البراديغمات الشائعة في البحث السوسيولوجي في اتجاه التعامل مع الظاهرة الاجتماعية ضمن نسقها المعقد، وفي إطار السياق للمجتمع المدروس، بحيث يصبح باستطاعتنا استيعاب كل من السوسيولوجيا الكلية/ البنيوية والسوسيولوجيا الفردانية/ الاختزالية ضمن نموذج التفكير النسقي الذي نتبناه. يعني ذلك أن سوسيولوجيا الممارسة بشكلها التعقّدي والتكيفي، على المستوى الوسيط، هي التي ستوفر تصورات الدينامية الاجتماعية وتفاعلاتها التي تحتاج إليها المعالجات على كلا المستويين. وإذا ما استخدمنا لغة العصر الرقمي لتوصيف هيكلية النسق وعلاقاته العضوية بين المستويات الثلاثة، ومن ثم النظر إلى المجتمع بكليته، فلدينا تصورنا النظري لذلك. بإمكاننا، وفق هذا التأسيس النظري، اعتبار المستوى البنيوي/ الكلي بمنزلة عتاد المجتمع s ’ Society Hardware، إذ تتمثل فيه البنية المادية، بنية المصالح، قوانين المجتمع والهيكلية الاجتماعية، أيديولوجية الحكم، العمليات الاجتماعية والتفاعلات في ما بينها، القضاء، الدساتير، المؤسسات التعليمية، الميديا وكل المؤسسات النظامية التي تحدد الفضاء السياسي والقانوني لحركة المجتمع. ولذلك، فإن بنية ووظيفة هذا المستوى يمكن تشبيهها بلوحة الدائرة الكهربائية Board Circuit للنسق المجتمعي، حيث تضمن تشغيل العمليات على المستوى الوسطي، وتتلقى الإشارات القادمة منه (إيجابًا أو سلبًا). بتعبير أدق، نعتقد أن طبيعة البنية الاجتماعية في المجتمع المعين هي بمنزلة القوة الصلبة خلف الستار، والتي تجعل من المجال السوسيوثقافي بتجلياته المختلفة أمرًا ممكنًا. أما المستوى الوسطي، مستوى التواصل والتشبيك المجتمعي، والقواعد والأحكام، فهو مستوى العقلية الاجتماعية Mindset Social، ومركز الدينامية الاجتماعية. ويمكننا أن نعدّه بمنزلة برمجيات المجتمع Software s ’ Society أو القوة الناعمة، فالمجتمع لا يحيل إلى إجمالي الأفراد ولا إلى بنيته، كما أسلفنا، بقدر ما يعتمد على عمران تواصلي شامل وشبكة برمجيات حية ترتبط بالفعل والأداء.

التواصل على هذا المستوى هو ظاهرة متكيفة ونسق مفتوح يحمل إمكانية الإبداع البشري والتحول بالمجتمع، ولكنه في الوقت ذاته يمكن أن يحمل سوء التفسير أو اللافعل. برمجيات المجتمع، أو القوة الناعمة، كما نراها، هي التي توفر الانتشار للأحكام والقواعد في اتجاه المستوى الكلي/ مستوى النظام والقوة الصلبة. وعليه، فإن سؤال كيفية تأثير القوة الناعمة فيه، هو سؤال كيف تجد نفسها في ذلك النظام الذي يختلف من ثقافة إلى أخرى، ومن ثم في كيفية الاستجابة للقواعد والأحكام، وفي مدى تمتعه بالمرونة للتخلي عن القديم منها وإدخال الجديد ليشكل نظامًا متجددًا. على الجانب الآخر، برمجيات المجتمع هي مستوى مهمّ للتحليل السوسيولوجي للأنساق الفرعية والعمليات المعقدة، وعملية تشكل أرصدة رأس المال الثقافي والاجتماعي والرمزي، فإما فائض طاقة مجتمعية أو عجز في تلك الطاقة، وإما الدفع بالتطوير المؤسسي البنيوي وبتحفيز الدافعية السلوكية لدى الفاعل الاجتماعي أو عكس ذلك. تلك البرمجيات قادرة على أن ترينا كيف أن الثقافة لا تؤثر في ما يفكر فيه الناس فحسب، بل الأهم من ذلك، كيف يفكرون. القوة الناعمة تشكل، عمليًا، الجانب اللامادي واللامرئي للثقافة التي تسود

حياة الناس. في إطار برمجيات المجتمع كذلك يتم تدوين العقد الاجتماعي، وتقرير مستويات المساءلة المجتمعية، وتحديد مستوى سواد علاقات الثقة المؤسسية والشبكات الاجتماعية التي تدعمها من عدمها، ومن ثم طبيعة تأثير القوة الناعمة في تطور أو تخلف القوة الصلبة على المستوى البنيوي. على هذا المستوى تتشكل المضامير الاجتماعية ومنظومة المألوف المستبطن Habitus لتقرير قواعد اللعب وساحة الملعب الاجتماعي، ويتفاعل في إطارها الذاتي والموضوعي في كل متكامل، وضمن ذلك تتشكل، إبستيمولوجيًا، رؤية الشرائح الاجتماعية المختلفة للعالم في ظل مستويات

المعرفة، والدين، والمعتقدات، والقيم، والأعراف، واللغة، والعادات، والرموز. برمجيات المجتمع والقوة الناعمة توفر الانتشار كذلك للقواعد والأحكام على المستوى الفرداني/ مستوى الفاعل الاجتماعي، والذي يمكن أن نطلق عليه تسمية مستوى المستخدم Level s ’ User. التطور المعرفي، الإبستيمي، على هذا المستوى، له مقوماته من خلال التكيف السلوكي والتنظم الذاتي للقواعد والأحكام التي تقررها القوة الناعمة واتخاذ موقف دائري منها، إذ يتميز هذا المستوى

(((1 هنالك مقاربات سوسيولوجية عديدة لتحديد وفهم المضمار الاجتماعي، منها مساهمات ماكس فيبر وكرت ليفين وبيرغر

ولوكمان، ولكنني أفضل الاعتماد على مقاربات بيار بورديو، وإن كنت لا أتفق كليًا مع تعميماته المطلقة وكما سيتضح ذلك لاحقًا،

فإن فكره يبقى الأقرب نسبيًا إلى التفكير النسقي من خلال تركيزه على «سوسيولوجيا الممارسة»، وبشكل يعمل على تجسير الفجوة

بين مستويين: «البنية والفاعل الاجتماعي». (((1 اعتمدنا تسمية Habitus بالمألوف المستبطن على عبد الرحمن بن خلدون، والذي نعدّه أول من جاء بهذا المصطلح، إذ يذكر

في مقدمته «الإنسان ابن عوائده ومألوفه، لا ابن طبيعته ومزاجه، فالذي ألف من الأحوال حتى صار خلقًا وملكة وعادة تنزل منزلة الطبيعة والجبلة».

بدينامية عالية تبعث بتغذيتها الراجعة إلى المستويين الوسطي والكلي من خلال التواصل والتفاعل الرمزي. الأمر من منظور الواقعية التطورية يختلف بطبيعة الحال من مجتمع إلى آخر.

ثالثًا: إبستيمولوجيا الجائحة: المعمار النظري البديل

بعد هذه المقدمة التأسيسية لتطوير أبعاد النظرية السوسيولوجية بوجه العموم، وحقل البيوسوسيولوجيا بوجه الخصوص، يتطلب منا الآن أن نواصل بطرح سؤالين أساسيين لهما علاقة بتأطير الإحاطة في البنود المتبقية من الدراسة. أولهما: ما المعمار الذي نقترحه لبناء نظرية للتفكير النسقي يمكننا توظيفها في دراستنا هذه؟ أقول ذلك لأن الأمر لا يمكن أن يقتصر على تحديد الإطار العام للتفكير النسقي Systems Thniking في أساس العمران وأبعاده وعناصره الأساسية، كما مهدنا لذلك بالشرح. المطلوب هو تحديد أي رؤية معرفية وأي مقاربة وأي منهج وأي أدوات يمكننا اختيارها من هذا الحقل النظري الواسع، ومن ثم توظيفها في عمليات التحليل. وثانيهما: كيف يمكن أن يساعد اختيارنا ذلك المعمار النظري في فهم إبستيمولوجيا الجائحة؟ أود البدء بالقول إن مقاربتنا النظرية، التي نسعى إلى توظيفها، تشتق مرجعياتها من مفهوم النسق التعقّدي التكيفي Complex Adaptive System، وهي مقاربة تساعدنا في فهم «معرفة المعرفة»، وتمكننا من فهم حدود ذلك التوليد وإمكاناته، فالسوسيولوجيا، كما أفهمها، يجب ألا تكتفي بتطوير مفاهيم وأدوات جديدة لتحليل الظواهر فحسب، بل تعمل على التحقق كذلك من مقاربة تلك المفاهيم والأدوات في توليد المعرفة. ينبع هذا من التسليم بأن النظرية، وفق منهج التعقّد، هي ناتج للبحث السوسيولوجي وليست مسلمات مسبقة مشتقة من نظريات كبرى. من جانب آخر، نود تأكيد أن النسق التعقّدي التكيفي يعتمد نماذج صريحة وليست ضمنية، ولا يخضع لأي تقييم أو مسلمات مسبقة. يحتاج الباحث السوسيولوجي عند تبني هذه المقاربة النظرية إلى التعددية المعرفية في العلوم الاجتماعية، وإلى تطوير نظامها للمفهمة والمصطلحات، فنحن نتحدث عند تأسيس مثل هذا المعمار النظري القائم على التعقّد عن ضرورة توحيد المنهج وطريقة التفكير. وعليّ أن أقر بأنني، في حدود هذه الدراسة،

لا أدعي أن ما أقدمه هو رصيد معرفي متكامل، فنهج التنظير الذي أخوض غماره ما زال في بداياته، وعليه فإن ما أقوم به هو بمنزلة قذف الكرة وتوفير «إطار نظري» أكثر من كونه نظرية متكاملة، إذ إن إحدى الخصائص الحيوية لهذا التطوير النظري، كونه عملية مفتوحة هو «ما نوليه من أهمية قصوى» لدور الباحث السوسيولوجي عند قيامه بدراسة الظواهر البايو–اجتماعية والبايو–ثقافية. يعني هذا أننا نقف في مقاربتنا هذه ضد الفهم التقليدي للعلوم الاجتماعية والإنسانية الذي يفترض من الباحث التخلي عن «الذاتية» من أجل خلق «معرفة موضوعية». على العكس من ذلك، إذ نؤكد أن دراسة النسق المجتمعي، من منظور التعقّد التكيفي، تملي على الباحث أن يكون جزءًا أساسيًا من

عملية جمع وحيازة المعرفة وأداء البحث، فالتعامل مع ظواهر اجتماعية، تتجلى بشكل غير خطي وفي إطار حالة عدم اليقين، يفرض على الباحث السوسيولوجي أن يحور ملاحظاته الميدانية، ليس من أجل شراء الدلالة، ولكن لإعطاء منهج جديد لتوليد المعرفة.

يعني ذلك، منهجيًا، أنه عوضًا عن الاتفاق المسبق الذي تفرضه النظريات الكبرى عادة على الباحث

باتباع نقطة مدخل معينة للملاحظة، بإمكان الباحث السوسيولوجي وفق مقاربتنا أن يختار نقطة المدخل التي يراها هي الأساس في فهم السلسلة السببية للأحداث غير الخطية، وأن يؤسس لنظريته من خلال السياق والنسق اللذين يتناولهما بالبحث. في هذه الحالة، ترفض مقاربتنا دراسة المجتمع ك «نسق مغلق»، وبشكل يعمل على قولبة وتشظي المعرفة، بل نعيد تأكيد أن اختيار المتغيرات الأشد تأثيرًا هو من وظيفة الباحث السوسيولوجي دون غيره

في كيفية تحديد تلك المتغيرات. ما أود التركيز عليه، في هذه المقاربة المغايرة للمألوف السوسيولوجي، هو أن الجانب الإبستيمولوجي من التفكير النسقي القائم على التعقّد، يتيح للباحث أن يبدي رأيه في خصائص وحدود المقاربة العلمية في توليد المعرفة، وهو من يحدد السلسلة السببية والتغذية الراجعة بين المتغيرات في المستويات الثلاثة (الكلي، والوسطي، والقاعدي). ولكن لماذا كل هذه المساحة لتدخل الباحث السوسيولوجي؟ السبب أن التفكير النسقي هو منهج تفسيري لعناصر النسق ونظمه الفرعية، وأن النسق لا يستطيع أن يتحدث عن نفسه كما هو الحال مع المنطق العلمي المألوف، إذ تسود النسق، كما أسلفنا، حالة اللاخطية (عدم التناسب بين السبب والنتيجة أو حجم المدخلات مقابل حجم المخرجات للظاهرة الاجتماعية). وضع الباحث السوسيولوجي في موقع تفسير لهذه الأبعاد، ينقلنا منهجيًا من منطق «البراديغم» (قواعد

المنطق العلمي) إلى منطق «السردية» لبناء تصور نظري Grounded Theory Building نابع من خصوصية النسق الذي يقوم بدراسته. وعندي، فإن التصحيح السردي للتفكير المنطقي العلمي ينتج أنماط تبصّر جديدة للظواهر المعقدة، وهذا يعني أننا في حاجة، كما أسلفنا، إلى سوسيولوجيا تبصّرية على الدوام، تبتعد عن المصطلحات الأكاديمية الجاهزة التي تفتقر عادة إلى الدينامية والإبداع، وتقترب من المفاهيم المفتوحة في استيعاب ديناميات الأنساق. لقد اعتدنا في البحث السوسيولوجي أن نتعامل مع «قواعد» تحكم عملنا، وهي عادة تعميمات تعمل على توصيل أنماط من السلوك بأنماط من الفاعلين، وترجعها إلى أنماط من الأوضاع، ومن أجل تأكيد وجود «القواعد» نلجأ إلى عمليات التعميم والتصنيف ومأسسة الفعل البشري، باعتبار أن ذلك يصبح من باب الضرورة. ليس الأمر كذلك في حالة التفكير النسقي/ السردي، فبالشكل الذي نراه، يصبح بالإمكان وضع تلك القواعد في إطار تسلسل مشاهد وسلاسل سببية تتفاعل في ما بينها بشكل عضوي. وعند بناء تلك السلسلة السببية التي يشتقها الباحث السوسيولوجي من السياق المحدد تغدو مجاميع المتغيرات

(18) Peter L. Berger & Thomas Luckmann, The Social Construction of Reality: A Treatise in the Sociology of Knowledge (London: Penguin Books, 1967 [1966]), p. 23.

المختارة والتغذية الراجعة بينها واضحة وملموسة. ويتضح سلوك الفواعل تجاه الأحداث ونتمكن عندها من استقراء تبعات ذلك. كل هذا يصب في إطار تطوير الفكر السوسيولوجي، فنحن نشهد حاليًا مرحلة «نهاية البراديغمات».

يأتي ذلك بعد أن تم الإقرار بأن المعرفة العلمية دائمًا ما تتطور ضمن محددات يتم اكتشافها من خلال دراسة الدينامية الاجتماعية للحالة المدروسة، وأن الخطاب السوسيولوجي يجب أن يجري تطبيقه في سياقه الخاص من أجل الإنتاج المعرفي. ولكن تبقى المشكلة قائمة في تحقيق النقلة إلى هذا النمط من التفكير السوسيولوجي، فالأمر متعلق بتحدٍّ بالغ الأهمية وهو: كيف لنا أن نتجاوز الحواجز الإبستيمولوجية؟ تلك عقبة أساسية يوضحها الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار بقوله: إن للعلماء حواجز فكرية عند مقاربتهم مشكلات علمية جديدة. ويعتقد أنه في سبيل تطوير مقاربات جديدة، عليهم أن يتغلبوا على الحواجز التي تفرضها رؤيتهم المستقبلية، أو بتعبير أدق الرؤية المسبقة للعالم ونمط التفكير الذي يتملكهم، لأن ذلك يعمل كمعوق للتطور المستقبلي لإنتاج المعرفة. أنتولوجيًا، نعتقد أننا في إطار التفكير النسقي السردي القائم على التعقّد والتكيف استطعنا توفير إطار

دلالة متماسك يبعد الباحث السوسيولوجي عن مسلمات النظريات الكبرى وفرضياتها، ويمكنه من فهم الدينامية الاجتماعية للمجتمع وللثقافة ذات السياق وامتلاك القدرة سوسيولوجيًا على تفكيك ما

يجري من تغيرات على مستوى الممارسة، أي على المستوى الوسطي، أو ما يمكن أن ندعوه مسار الفضاء البيوثقافي وما يوفره من تغذية راجعة لكلا المستويين للنسق الاجتماعي. إبستيمولوجيًا، إذا نظرنا إلى المعرفة، باعتبارها بنية قواعد وأحكام، فنحن نتعامل في إطار مقاربتنا

مع مكونات توجد داخل النسق (أنساق فرعية) وأخرى خارج النسق، وأن بنيات القواعد والأحكام المختلفة بين الجماعات الاجتماعية يمكن تحليلها كذلك من خلال طبيعة وبنية التواصل والتشبيك الاجتماعي ضمن المضامير الاجتماعية وفي إطار المألوف المستبطن على المستوى الوسطي.

رابعًا: إبستيمولوجيا الجائحة: مستوى الإحاطة في إطار سوسيولوجيا الممارسة

توظيفنا لهذه المقاربة النظرية في توفير فهمٍ لإبستيمولوجيا الجائحة يتطلب بالدرجة الأساس التعرّف

إلى الممارسة البيوثقافية في السياق الذي نتدارسه، وذلك يتطلب توفير الإجابة عن ثلاثة أسئلة أساسية. أولها: كيف تتشكل رؤية الجماعات الاجتماعية للعالم (رؤية الفرد لذاته)، (رؤيته للآخر «بتصنيفاته ومعاييره»)، (رؤيته للطبيعة «بجانبيها المادي والروحي/ الماورائي)؟ وكيف ينسحب ذلك على الموقف من الجسد والصحة والاعتلال في المحيط البيوثقافي المعين ضمن المضامير الاجتماعية المختلفة؟

(19) Gaston Bachelard, La formation de l’esprit scientifique (Paris: Librairie philosophique J. Vrin, 1993).

وثانيها: ما طبيعة التغذية الراجعة التي تؤثر في تشكل الفعل الاجتماعي «المتوسد جسديًا» لدى الأفراد؟ وما طبيعة الاستجابات للتأويل والمواجهة للجائحة في ظل الحالة الاستثنائية؟ وثالثها: ما طبيعة التغذية الراجعة على مستوى حاكمية الجسد في الحالة الاستثنائية للجائحة، والتي تفرضها طبيعة الممارسة البيوثقافية؟ وكيف تقترن السياسة بالحياة؟ وكيف تقترن السلطة بالحياة؟ لعل أول ما يمكن الشروع فيه، من أجل توفير إطار دلالة لاختبار الأسئلة الثلاثة، هو قيام الباحث السوسيولوجي بتفكيك السمات والخصائص العامة والأساسية للثقافة في المجتمع المدروس. بتعبير آخر: أيّ نوع من الثقافة نحن نتعامل معها؟ للمساعدة على توفير إجابة عن مثل هذا السؤال، نستعرض هنا جملة من التصنيفات للفضاءات البيوثقافية، كما هو متوافق عليه في الأدبيات. تزودنا تلك التصنيفات بمفاهيم أكثر تحديدًا تساعد في تشخيص متى وكيف تشكل الثقافة المعينة إبستيمها لفهم معنى الصحة والمرض، وكيفية التكيف للمواجهة، والخبرة النفسية والموقف من الجسد؟ كذلك، متى وكيف يتم النظر إلى الربط بين السياسة والحياة والسلطة والحياة في الثقافة المعينة؟ هنالك تصنيفات متعارف عليها تفيد في قياس نمط الثقافات والحكم على مستوى تعقّدها لاستجلاء طبيعة الممارسات البيوثقافية حيث يتم تقسيمها إلى: 1. ثقافات متماسكة مقابل ثقافات سائبة الطرف. 2. ثقافات صلبة تتصدى لحالات عدم اليقين مقابل ثقافات تتعايش مع الحالة. 3. ثقافات لديها فروق كبيرة في التقسيم الهرمي لرأس المال الثقافي مقابل تجانس وفروق ضئيلة. 4. ثقافات لديها فائض مجتمعي في منسوب الثقة بالمؤسسات الاجتماعية مقابل عجز في ذلك المنسوب. 5. ثقافات يغلب عليها التشبيك الاجتماعي في إطار الفضاء الخاص مقابل ثقافات غالب تشبيكها الاجتماعي مهيكل في إطار الفضاء العمومي. 6. ثقافات ذكورية مقابل ثقافات متساوية النزعة. 7. ثقافات تتشبث بالبقاء مقابل ثقافات التحكم في الحياة. ولعل الأهم من هذا هو اتفاق الأنثروبولوجيين وعلماء النفس الثقافي على تبنّي تقسيم ثنائي كوني للممارسات البيوثقافية، والذي سنستخدمه كأمثلة توضيحية في دراستنا هذه، يضع تصنيف العمران الثقافي ما بين ثقافات قائمة على الفردانية Individualism (ثقافات المركزية الأوروبية التي تؤكد

(20) Ayse K. Uskul, "Socio–cultural Aspects of Health and Illness," in: David French et al. (eds.), Health Psychology , 2 nd ed. (Hoboken, NJ: Wiley–Blackwell, 2010), p. 350.

اعتبار الفرد مقياس جميع الأشياء)، والثقافات القائمة على الجماعية Collectivism (الثقافات الآسيوية بالدرجة الأساس، والتي تؤكد امتداد الذات في الجماعة). وهو تقسيم يطلقون عليه «البنية العميقة للمخيال الثقافي»، وذلك لأهميته التاريخية، ولشمول تبنّيه من قبل الديانات التي تشمل قناعات غالبية سكان الأرض. ولا شك في أن الاستنارة بتلك المقارنات تفيد الباحث السوسيولوجي في استنباط أسئلة بحثية وفرضيات دقيقة من خلال تفكيك الفضاء البيوثقافي، والتحقق من طبيعة تأثير المألوف المستبطن في الموقف من الأمراض السارية والأوبئة (القناعات الفلسفية حول الصحة والمرض، المسؤولية الاجتماعية أو الفردية، الموقف من الجسد، الترويض والتأمل، طبيعة التكافل الاجتماعي في مواجهة الوباء... إلخ). مثل هذه الأسئلة والفرضيات، يمكن أن توفر للباحث عملية مفهمة أكثر عمقًا، حول كيف أن هذه المتغيرات قد ترتبط بطبيعة التكيف والتنظم الذاتي لعمليات المواجهة الذي تمليه تلك الثقافة وانعكاساته على الثقافات الفرعية المتصلة بالعرق والجنس واللامساواة الرأسية (بين الطبقات) واللامساواة الأفقية (بين الجهات)، وبالنوع الاجتماعي، ومدى عمق الترابط الاجتماعي في ما بينها. ومن خلال ذلك يمكن للباحث التزود بآليات حول كيفية تحديد هرمية المتغيرات الأكثر وزنًا وتأثيرًا،

من أجل توظيفها كنقاط مدخل في بناء سلسلة العلاقات السببية المطلوبة في التفكير النسقي السردي، وباعتبارها من أكثر الممارسات الثقافية الحساسة لدى الجماعة المحلية في التعامل مع الجائحة. إضافة إلى ذلك يمكن اعتماد تصنيفات أخرى لتحديد سمات المألوف المستبطن لدى الثقافات المختلفة وتشخيص موقفها من الجسد (مثال: ثقافات حداثية لديها قطيعة إبستيمولوجية مع الماضي يتسم مألوفها المستبطن بالعقلانية، وثقافات تتعايش مع الموروث الثقافي، ولكنها توظف قيمه لتطوير الحاضر وبناء المستقبل، وأخيرًا ثقافات يأخذ مألوفها المستبطن من الماضي كمعيار للحكم على

الحاضر). كل هذا يمكن أن يوفر تصورات للباحث حول طبيعة الممارسات في الفضاء البيوثقافي وتحديد المواقف وطبيعة التكيف والتنظم الذاتي في التعامل مع الجائحة. بطبيعة الحال لا يمكن الاكتفاء بهذا المستوى الإجمالي في وصف الثقافة من خلال الشخصية الوطنية وخصائصها، والتغافل عن الديناميات الاجتماعية للثقافات الفرعية داخل الثقافة الواحدة، ومفصلة ماكينات التعايش التي تنتج عادة مختلف القناعات المستبطنة ومختلف الاستراتيجيات للمواجهة من خلال المفهمة المعينة للجسد والصحة والاعتلال بين المضامير الاجتماعية. تصورنا النظري للتفكير النسقي السردي ودور الباحث السوسيولوجي في إطاره يعني الممارسة البحثية داخل السياق، حينئذ نتمكن من تفكيك الفضاء البيوثقافي، والنظر إلى طبيعة الرساميل (الثقافية، الاجتماعية، الرمزية والمادية) وأنماط التشبيك الاجتماعي المتوافرة للشرائح الاجتماعية المختلفة، وبمعنى تفكيك أشكال الهشاشة والمقاومة وأنماط توظيف الموارد المادية وغير المادية عبر المضامير

الاجتماعية (الإقصاء الاجتماعي، اللامساواة، التكافل)، النفاذ إلى الخدمات العمومية، وكل ما يؤثر في الفهم والموقف من الوباء واستراتيجيات التكيف والتنظم الذاتي لمواجهته. في محيطنا العربي، هنالك ثقافات بسيطة التركيب، وأخرى يسودها التعقّد، فإضافةً إلى التراتب الطبقي الحاد وأشكال اللامساواة، تتشكل في تلك المجتمعات هويات فرعية وجماعات إثنية وتقسيمات جغرافية متباعدة، توضح وجود عادات وطقوس دينية وثقافية لن تكون متجانسة في فهمها واستجابتها للجائحة. بمعنى أدق، بالرغم من أن الجميع ينتمون إلى ثقافة واحدة، فإن لكل ثقافة فرعية إبستيمًا معينًا ورؤية مختلفة قد تتباين من زوايا عديدة في فهم ذات الحقيقة الاجتماعية وذات الحقيقة البيولوجية، ومن ثم، تكيفًا وتفسيرًا مغايرًا للصحة والاعتلال وتحديد أنماط المواجهة. كل ذلك يضع الباحث السوسيولوجي أمام نسيج سوسيوثقافي متشابك ومعقد. ومثل هذه «التعقّدية الاجتماعية» تشكل خلفية السياق المجتمعي الذي يشتق منها سردياته، وينشئ السلاسل السببية لدراسة وتحليل سوسيولوجيا الجائحة التي تتأتى من خلال مفصلة العلاقة بين الجسد والثقافة والمجتمع. من جانب آخر يتطلب تدارس الفضاء البيوثقافي معرفة الرسائل التواصلية التي يبعثها لكلا مستويي البنية والفاعل الاجتماعي. على المستوى الكلي، نتعرف إلى ردود الفعل إيجابًا حيادًا أو سلبًا حول آليات التحكم في الجسد

وطبيعة التعامل مع الحالة الاستثنائية. كل ذلك يشكل العالم الاجتماعي والثقافي والسياسي للمجتمع المعين، ويحدد الموقف من الحياة والموت، ومدى احترام حق الإنسان في الحياة. معنى ذلك عندما تصبح الحياة كموضوع للسياسة، فإن لذلك تبعات على مستوى القواعد التأسيسية والأدوات والغايات للفعل السياسي. علاقة الإنسان بالحياة (والبيولوجيا كعلم للحياة) لها دائمًا على المستوى البنيوي صلة بالتطور التاريخي للمجتمعات، وتختلف وفقًا لأنماط الحكم (ليبرالي حداثي بأنماطه المختلفة، تسلطي، شمولي، أبوي... إلخ) التي تحدد طبيعة التحكم في الجسد في الحالات الاستثنائية وطبيعة الفائض أو العجز في رصيد نظم المناعة الاجتماعية لديها، فالجوائح مقاطع تأريخية حية ومحكات اختبار لتطوير تقنيات جديدة للسلطة وأساليب للتفكير حول العالم الاجتماعي، إذ تم، كما لاحظنا، تأميم كل ما هو بيولوجي، وبروز استراتيجيات مغايرة للتحكم في الجسد على حساب تقييد حرية الفرد. وكذلك كانت الجائحة بمنزلة مقطع تاريخي لتقييم مدى إفلاح استراتيجيات أنماط الحكم المختلفة أو إخفاقها في التفكير في الإنسان كغاية نهائية وحماية حقه في الحياة. يفيد ذلك أن معنى الحالة الاستثنائية يحمل، سوسيولوجيًا، مضامين مختلفة وفقًا لطبيعة الأنظمة.

تقييد الحرية الفردية، كاستثناء، في المجتمعات الليبرالية على سبيل المثال يقابله الحالة الدائمة

للحرية المقيدة، لدى الأنظمة التسلطية والأبوية، كما هو الحال مع العديد من الدول العربية، فالثقافة السوسيولوجية عند تلك الأنظمة، والتي يجب معرفة جينيلوجيتها في إطار التفكير النسقي السردي، لا تفرق بين مفهومي «مواطنين» و«سكان». ولذلك فهي ترمي جانبًا التفسير التعاقدي أو الحقوقي

للمجتمع، وتهدف إلى التحكم السلطوي في الجسد. وبهذا فهي تضفي صفة «الكائن البشري» على «الاجتماعي». السكان عادة هو مفهوم «جسد من دون رأس». تصبح المعادلة عندئذ: التحكم في الجوانب الطبيعية للجسد وادعاء ملكيته الأخلاقية. ومن دون شك، فإن تفكيك تلك العلاقة يحتاج منا إلى تحليل كيف أن السلطة السيادية (السلطة المطلقة) في مجتمعاتنا تكون مفروضة على الفرد، فهؤلاء الذين تتسلط الهيمنة عليهم يتواطؤون لاشعوريًا مع المتحكمين فيهم من خلال سوء تعرّفهم إلى عملية الهيمنة. وحتى في حالة الأزمات

التي يعدو فيها العالم في وضع استثنائي، كما هو الأمر مع الجائحة، فإن القابعين في مواقع التحكم والسلطة سيسعون إلى تكريس قبضة الإدارة وصياغة العالم كما هو مسلم به. معنى ذلك أننا في حالة الأنظمة التسلطية، لا نتوقع أن نجد تغذية راجعة مؤثّرة من الفضاء البيوثقافي في الاتجاه الصاعد، لأنها أنظمة لا تستمد شرعيتها من أحد. يدعم ذلك أن التشبيك الاجتماعي الغالب هو في إطار «الفضاء الخاص»، وليس التشبيك في إطار الفضاء العمومي المهيكل، والذي يمكن أن يشكل قوة ناعمة منظمة تضغط في اتجاه مواقع القوة الصلبة/ قوة النظام، لذلك، وكما لاحظنا من مجريات إدارة الحالة الاستثنائية لدى تلك الدول، فإن هنالك تباينًا واضحًا وجليًا بين سياسات تلك

الحالة وسلوك الناس. استجلاء تلك العلاقات يوجب علينا أن نتدارس «النسق الاجتماعي للصحة والاعتلال» والاقتصاد السياسي لذلك جنبًا إلى جنب مع نظيره «النسق الثقافي»، وإلا فسيجري اتهامنا بالثقافوية. عمليًا، إن دراستنا للنسق الاجتماعي للصحة والاعتلال وإعادة إنتاج الحياة على المستوى الكلي،

هي بمنزلة التحقق من رصيد (نظام المناعة الاجتماعي) لدى الثقافة المعينة، أو بتعبير أدق مستويات العجز أو الفائض في تلك المناعة، وبمعنى تفكيك السياسات الوطنية للصحة، استكشاف ظواهر اللامساواة والحيف الاجتماعي، التعرف إلى طبيعة مستوى الثقة المؤسسية القائمة وعلى قنوات المعلومات المتوافرة ومدى الاتساق أو التضارب في عملية التواصل، تحديد الموقف من الجماعة العلمية وتجليات الجائحة وآثارها من خلال تلك السياسات. والأهم من ذلك كله هو فهمنا شكل الدولة وموقفها من قيمة الإنسان بالمعنى السيادي. تلك هي ميزة التفكير النسقي السردي، إذ لا يكتفي بحساب آثار الجائحة باعتبارها نتائج للخصائص البيوثقافية للشرائح السكانية المختلفة، بل يربطها بمظاهر اللامساواة في المجتمع، أنماط التهميش والإقصاء الاجتماعي، العلاقة بين الفقر والدخل المحدود والمرض والموت. باختصار إن الربط في

(21) Pierre Bourdieu, Practical Reason: On the Theory of Action (Cambridge: Polity, 1998), p. 121.

العلاقة بين النسقين الاجتماعي والثقافي للصحة والاعتلال عند دراسة إبستيمولوجيا الجائحة هو الذي يحدد طبيعة العلاقة بين المستويات الثلاثة للنسق ككل. في ما يتعلق بتأسيس البناء السردي للنسق الثقافي، والذي يشكل المخبر السوسيولوجي، نسعى إلى التركيز على الأبعاد الرمزية لفهم الجسد، والتي تعني الإدراك والمعرفة في تعريف وتصنيف ما معنى أن يكون الفرد معتلً أو بصحة وافرة في الثقافة المعينة، وكيف تتشكل استراتيجيات المواجهة لدى الجماعات الاجتماعية، وما هو رصيد الفائض أو العجز في الرساميل المساندة؟ ففي الثقافات المختلفة هنالك تصنيفات متباينة في المخيال يطرحها المألوف المستبطن، ويحددها وفق معاييره عن الأعراض ومدى حدة المرض. من بين الأسئلة التي يمكن أن يطرحها الباحث السوسيولوجي لتحديد نقطة المدخل في سرديته في هذا الصدد ما يلي: 1. كيف يتعامل الناس في المضامير الاجتماعية المختلفة مع الوباء؟ وما المعاني المختلفة التي يعطونها إيّاه؟ 2. كيف يتصورون الحالة الاستثنائية والمخاطر؟ 3. كيف يتواصلون حول الأعراض؟ 4. كيف يتعايشون مع الوباء؟ 5. هل أن المألوف المستبطن يشجع على النزعة القدرية أم التحكم في الحياة؟ 6. هل تعتمد الثقافة على العون التكافلي للمواجهة؟ 7. أي نوع من العون؟ 8. ما هي استراتيجيات التوسد الجسدي بجانبيه الحركي والناعم في مواجهة الحالة الاستثنائية للجائحة؟ تلك عينة من الأسئلة نستطيع من خلالها أن نوفر إجابات حول ما يلي: كيف يتواصل الناس، وكيف يطورون معرفتهم واتجاهاتهم نحو الحياة؟ وكيف يفهمون العالم من حولهم عن طريق اللغة والمعتقدات والفرضيات والقيم التي تحدد موقعهم فيه، مع إعطاء معنى للخبرة التي تمر عبر الأفراد والجماعات والأجيال من خلال المألوف المستبطن؟ بقي أن أشير إلى إشكالية ستواجه الباحث السوسيولوجي عند تعامله مع تفكيك هذا المخزون المستبطن لدى الجماعات والثقافات الفرعية المختلفة، حيث تبرز تجلياته عادة بشكل لاشعوري، مما يشكل أحد التحديات التي سيتعرض لها عند تطبيق المفهوم إمبريقيًا للتحقق من الأسس المعرفية لفهم

الجائحة ومواجهتها وأنماط التكيف لذلك، إذ كيف له أن يلاحظ مثل هذه الظواهر، سواء أكان عمله ميدانيًا أم من خلال التحليل الكيفي؟

يساعدنا على حل هذه الإشكالية الاعتماد على التصنيف الذي توفره دايان ري، حيث عملت على تقسيم المألوف المستبطن إلى أربعة محاور قابلة للتحليل الإمبريقي والقياس، وهي: 1. المألوف المستبطن كعملية توسد جسدي. 2. العلاقة بالفاعل الاجتماعي Social Agency. 3. كمسارات جماعية وفردية. 4. وأخيرًا كماضٍ وكحاضر. ما يهمنا التركيز عليه في ملاحظاتنا الميدانية هو أن المألوف المستبطن كعملية توسد جسدي وعلاقته بالفاعل الاجتماعي لا ينعكس من خلال المفردات والأفكار والمشاعر فقط، ولكن كذلك من خلال «التهيؤ البدني». أسئلتنا الميدانية تصبح عندئذ: كيف أن اشتراطات القناعات والعادات الموروثة لدى الفرد والجماعات الاجتماعية تنعكس في أنماط الفعل الاجتماعي والتعامل مع العالم الاجتماعي ومع اليومي؟ وكيف يتحدد الموقف من الجسد في حالتيه: الجسد كمعاش والجسد كملكية؟ نعمل هنا على توظيف ثنائية «التوسد الجسدي الناعم» و«التوسد الجسدي الحركي» وكلاهما متلازم يغذي بعضهما الآخر كي نختبر أسئلتنا. ونفترض بهذا الصدد أنه في حالة مواجهة المخاطر، كحالة الجائحة، هنالك أنماط مختلفة من المواجهة والتكيف تتشكل من خلال تألف هويات جماعية وفعل جماعي، تبدأ بإبراز خطوط جديدة للتفاعل الاجتماعي وفهم مشترك للمواجهة، وذلك بعد: تقدير مشترك للمخاطر والفرص، تقدير إمكانيات التعبئة والتنظم والتمكن من الموارد، الانخراط جماعيًا في

أفعال تكيفية لم تكن مألوفة في الفضاء الاجتماعي المعين. بطبيعة الحال لا يحدث ذلك دون الرجوع إلى المخيال، وإلى المخزون الثقافي، وإلى منظومة المألوف المستبطن لتقرير كيفية التهيؤ البدني. ولكن من منظور التعقّد، فإن عملية إعادة إنتاج المضمون المستبطن أو حتى تحويره وتوظيفه لمواجهة الحالة الاستثنائية قد لا تجد طريقها في بعض الحالات نتيجة لإكراهات التعقّدات المحيطة. يمكن أن ينشأ ذلك ويظهر في السلوك التكيفي الاستجابي للحالة الاستثنائية لدى بعض الجماعات الاجتماعية، حيث تبرز حالة التنكر الكامل للمألوف المستبطن والقطيعة مع قيمه.

(22) Diane Reay, "‘It’s All Becoming a Habitus’: Beyond the Habitual Use of Habitus in Educational Research," British Journal of Sociology of Education , vol. 25, no. 4 (September 2004), p. 438.

((2(خلافنا هنا مع بيار بورديو، هو أننا ننظر إلى المألوف المستبطن ليس باعتباره وظيفية كامنة فبدل من ذلك ننظر إليه من مدخل

«التعقّد»، إذ إن ذلك المألوف المستبطن باعتباره تشبيك ا اجتماعيًا تصبح عملية إعادة إنتاجه غير مضمونة في كل الحالات، حيث

لا يمكن إبقاؤه «حيًا» باستمرار. آلياته ذاتية بالنسبة إلى النسق، ولا  تجعله دائمًا قابلً لمواجهة التعقّدات التي يفرضها المحيط. وعليه

فإن الأبعاد المختلفة للتواصل تتزاحم في عملية انتقاء السلوك التكيفي، مما ينتج أحيانًا إعادة تموضع في شكل قناعات أو سلوك بازغ إلى حد التخلي الكلي عن قيم المألوف المستبطن.

يحدث هذا بوجه الخصوص بين القطاعات المهمشة في القاع الاجتماعي، وبالأخص عندما يشعر الفرد بالتهديد لسد قوته اليومي، وعندما يسلم بأن الجائحة وقيود الحالة الاستثنائية بدأت تنفي وجوده وبقاءه. عندئذ تسيطر عليه استراتيجية التشبث بالعيش، على حساب الالتزام بقيم وأحكام المألوف المستبطن، التي تبدأ بالتهرؤ وبفقدان صفة المرجعية القيمية. أمام مثل هذه الحالة يصبح التوسد الجسدي الحركي عاريًا ومتجردًا قيميًا. وإذا كان هنالك درس قد تعلمناه من هذه الجائحة فإنها، ومنذ بداية إقلاعها، قد اصطدمت بماكينة اللامساواة المتوسدة في جسد المجتمعات، وبأن الفئات الاجتماعية التي تضررت من هذا الاصطدام هي أصحاب «الحياة الحافية» على حد تعبير جورجيو أغامبين. الحياة عند أصحاب الحياة الحافية تتسم عادة بعدم اليقين، وبمواجهة أصناف من العنف الرمزي والمادي من المحيط. تسود أجسادهم نزعة التشبث بالعيش تحت أي تكلفة اجتماعية أو جسدية كانت، مما يؤدي إلى تآكل أحكام المألوف المستبطن عندهم، والدخول في حالة اللامعيارية Anomie على حد تعبير دوركهايم، وإلى حالة من التحلل القيمي الحياتي والمهني. جرثومة الجائحة تكون قد اختطفت من هذه الشريحة الاجتماعية العريضة، في القطاع غير المنظم أساسًا، عملها اليومي. وبهذا أصبح الحجر الصحي بالنسبة إليها نوعًا من الرفاه الذي لا تقدر على توفيره، إذ عليها أن تعمل على سد حاجاتها الأساسية يومًا إثر يوم، والتضحية بالجسد من أجل ذلك. مثل هذه الحالات تتطلب منا تحليلً سوسيولوجيًا معمقًا لفهم إبستيمولوجيا الجائحة. وبإمكاننا أن

نفترض أن حالة التوسد الجسدي لدى الفرد، عند مواجهة ضغط الحالة الاستثنائية بوجه عام، تتنافر ما بين اختفاء «الجسد المعاش» أو بروزه إلى الواجهة. ويمر الفرد بحالة من «الشك الجسدي» مما يدفعه إلى مراجعة رصيده من الرساميل وإعادة ترتيبها للمواجهة، أو طلب الدعم المادي والمعنوي في إطار مضماره الاجتماعي أو المضامير الأخرى. ولكن حالة الشك الجسدي وقيمة الجسد المعاش تختفيان عندما تنعدم البدائل، وينحصر الأمر في نزعة البقاء والتشبث بالعيش. عندئذ يستسلم الجسد المعاش ليصبح في شكل «الجسد المتنحي» أو «الجسد المتحلل من قيمة الحياة». ونتيجة لذلك لا يبقى للفرد من خيار إلا المقارعة بالجسد، كملكية، تتحدد برأس المال العضلي في ظل الحياة الحافية. تحليل حالات اللامساواة هذه التي أفرزتها الجائحة وآثارها المدمرة في القاع الاجتماعي تتم معالجتها، كما أسلفنا، في إطار النسق الاجتماعي للصحة والاعتلال لمعرفة مظاهر وأبعاد العجز في المناعة الاجتماعية وأنماط اللامساواة في المجتمع المعين.

1. في تقنيات الجسد

في حالة تشخيص مواجهة المخاطر وأنماط التكييف من منظور النسق الثقافي، والذي سنتناوله بالتفصيل، نحن هنا نتدارس «تقنيات الجسد» في مواجهة الجائحة، وهي تقنيات اجتماعية وبيولوجية

ونفسية في أشكالها وآثارها، ويتم استخدامها كآليات دفاعية عند الأزمات والكوارث، كالجائحة الحالية، لتحقيق التوازن النفسي. تقنيات الجسد هي أنماط سلوكية مكتسبة نتيجة للعمليات الاجتماعية للتنشئة وللتراتب الاجتماعي في المضامير المختلفة، فلكل مضمار سماته الاجتماعية والسياسية والثقافية والرمزية، بحيث يتشكل ويصبح مختلفًا طبقًا لأشكال رأس المال/ العجز المتوافر، ومدى استقلاليته النسبية عن بقية المضامير، والأهم من ذلك مدى تأثيره في المضمار السياسي/ الاقتصادي ورأس المال الثقافي المهيمن على المستوى البنيوي الكلي. ولعل أول من عمل على توظيف هذا المصطلح هو مارسيل موس. كي نختبر «تقنيات الجسد»، وأنماط التكيف في مواجهة الجائحة على أرض الواقع، نعمل على توظيف فرضية أخرى متسقة مع سابقتها، وهي: في ظل الحالة الاستثنائية للجائحة والتهديد بالإصابة وبالموت ينشأ صراع بين المضمار الاجتماعي والمألوف المستبطن (على المستوى الوسطي/ مستوى الممارسة)، وتنشأ حالة شد وجذب بين المستوى البنيوي ومستوى الفاعل الاجتماعي، مما يؤدي، سيكولوجيًا، ومن

منظور التعقّدية الاجتماعية، إلى بروز حالات من التكيف والتنظم الذاتي والآليات الدفاعية للمواجهة. يؤدي ذلك في نظرنا إلى بروز ميكانيزمات دفاعية معنوية لدى الفرد، وإلى تسليح الجسد Body Weaponization، وإلى إقامة حواجز حوله، وتبني عدة نظم دفاعية ومناعية. أحدها يتمثل ب «نظام المناعة السلوكي» Behavioral Immune System، حيث تتم إقامته بالموازاة مع نظام المناعة البيولوجي، مما يعمل على التحصن، وذلك من خلال التحوير في طبيعة الممارسة والتعامل مع «اليومي» ضمن الحالة الاستثنائية. كما يمكن في استراتيجية أخرى أن يتزود الجسد بذخيرة حية تعزز موقعه في مواجهة الجائحة، وذلك عن طريق تبنّي نظام دفاعي آخر، بإمكاننا أن نطلق عليه «نظام المناعة الروحاني» Spiritual Immune System، أو «الماورائي»، حيث تتهيأ النفس الاجتماعية لإقامة متاريسها الدفاعية عن طريق التحصن بالمقدس، والرجوع إليه ضمن نزعة تفرضها تهديدات الجائحة لبقاء الإنسان وتعززها تبعات الحالة الاستثنائية. نظام المناعة السلوكي، الذي يتم إنشاؤه، يجسد عمليًا مدى هشاشة الإنسان أمام هذا الفاعل غير

البشري (فيروس الجائحة)، وهو مبني على فكرة أن نظام المناعة البيولوجي، الموجود لدى كل واحد منا، لا يكفي لتحاشي الإصابة بالوباء، لأننا لا نستطيع أن نتتبع بالعين المجردة تلك الجرثومة. يستكمل الفرد ذلك عن طريق تأسيس نظام مناعة سيكولوجي موازٍ يمكّنه من استشعار الوباء عن طريق الآليات الحسية (الرؤية)، وبمعنى النظر إلى مصادر في المحيط يعتقد أو (يتوهم) أنها المسبب للوباء، أو تساعد على انتقاله وانتشاره، مما يستدعي استجابة تكيفه وتنظمًا ذاتيًا.

(24) Marcel Mauss, "Techniques of the Body," Economy and Society , vol. 2, no. 1 (1973), pp. 70–88. (25) Darim Al–Basam, "The Coronavirus: Sociology of a Pandemic," Gulf Times , 21/3/2020, accessed on 21/3/2021, at: https://bit.ly/3w6mHqA

مثل هذا النظام السيكولوجي، هو خط الدفاع الأول لتسليح الجسد ضد الجائحة، وهو بمنزلة آليات استباقية نتيجة لإشارات نابعة من المخيال، والاستجابة لها يتم عادة من خلال استثارة السلوك الانفعالي التجنبي لدى الفرد، مما يؤدي إلى تداعياته على السلوك الاجتماعي. تتأثر هذه الآليات الدفاعية النفسية، عادة لدى الفرد، بالمعلومات المتضاربة التي تنتعش عادة أثناء انتشار الوباء في المحيط الخارجي. كما تتأثر كنتيجة لحالة الهشاشة الداخلية والاستعداد الذاتي للفرد (الشعور المزمن بالقلق والخوف من المرض). تؤدي هذه الآلية الدفاعية للجسد، وكما لاحظنا منذ بدء انتشار الجائحة، إلى فرز «جماعة المخاطر»، ومن ثم إلى العنف الرمزي الذي يتجلى بأشكال مختلفة، كسواد حالة من المركزية الإثنية (جماعة نحن) باعتبارنا محصنين ضد الجائحة، وجماعة (هم) باعتبارهم مصدرًا للعدوى، مما يوجب تجنبهم أو إدانتهم. وقد يتمثل ذلك أيضًا بالوصم الاجتماعي المتوسد جسديًا، من خلال التعصب ضد اللون أو العرق. وقد يظهر بشكل تراتب الهرمية الطبقية، أو يستهدف تقسيمات الحضر والريف، وسكنة الأحياء المكتظة الفقيرة، أو يتركز ضد القوميات والأديان الأخرى أو ضد المهاجرين. لذا، على الباحث السوسيولوجي أن يلاحظ كيف أن نظام المناعة السلوكي قد وجد مكانه ضمن الثقافات الفرعية في المجتمع المدروس، وأن يتساءل عن علاقة ذلك بملكية الرساميل الثقافية والرمزية والتشكيلات الاجتماعية وأنماط الإقصاء واللامساواة في المجتمع. من جانب آخر، في إطار تحققنا من نظام المناعة الروحاني لدى الأفراد والجماعات، تأتي المحاولة في إطار التفكير النسقي السردي، من خلال اختبار العلاقة العضوية بين الثقافة، والدين، والجسد، والسلطة المجتمعية التي يمتلكها المقدس لتنفيذ كيفية التعامل مع الجائحة. أهمية الدين تنبع من قدرته على خدمة الأفراد والجماعات ك «مرجع» وإطار دلالة للمعنى العام للحياة وللعالم، للذات وللعلاقة بين الذوات. ولكننا يجب، في معالجتنا موضوع الرجوع إلى المقدس في حالة الجائحة، أن ننتبه إلى التفريق بين «الدين كإيمان» و«الدين كعلامة للهوية وللنفس الاجتماعية»، إذ إن اللجوء إلى الدين كمناعة والاحتماء به من أذى الجائحة واستخدامه في عملية تسليح الجسد كآلية دفاعية يقع في باب «النفعية» وبمعنى حماية الذات من حالة عدم اليقين. سيكولوجيًا، انتشار الأوبئة يبرز إلى السطح ما يدعى بالحيوية الأخلاقية Moral Vitalism، وهي ظاهرة

جزء منها نفسي وجزء آخر ثقافي. فالناس يطرحون بشكل حاد وجود القوة الغيبية والأرواح، من أجل

(26) Mark Schaller, "The Behavioral Immune System and the Psychology of Human Sociality,"  Philosophical Transactions of the Royal Society B: Biological Sciences , vol. 366, no. 1583 (December 2011), p. 3419. (27) Clifford Geertz, The Interpretation of Cultures , Robert Darnton (Fore.), 3 rd ed. (New York: Basic Books, 2017). (28) Darim Al–Basam, "Coping with the Pandemic," Gulf Times , 20/4/2020, accessed on 28/3/2021, at: https://bit.ly/2PcTN7z

إيجاد معنى للأحداث التي ليست لها تفسيرات بيولوجية أو نفسية واضحة الموقف، من تلك الحيوية الأخلاقية. تجليات تلك الحيوية الأخلاقية تختلف بطبيعة الحال بين ثقافة وأخرى، كما سيتضح في الصفحات القادمة. الجائحة تصبح، في إطار الحيوية الأخلاقية والرجوع إلى المقدس، بمنزلة حالة ذهنية، وكمرض، سببه اضطراب أو عدم توازن بين قواه الحية، والصراع بين الخير والشر في داخله. وعليه فإن المناعة الروحانية هي في دحر قوى الشر في هذا المرض. معنى هذا أنّ الهوية الدينية يتم تقمصها من أجل توفير حالة من الامتداد اليقيني في التعامل مع الجائحة، أو بتعبير آخر، استثارة حس الانتماء والاحتماء. الجرثومة في هذه الحالة، يتم النظر إليها روحانيًا، كشيطان، وكمصدر تهديد، من أجل إضفاء الشرعية على الذات، كونها تتمتع بالحماية والنقاء

والطريق القويم. بقي أن نشير إلى أنه في حالة التهديد بالموت، كما هو الحال مع الجائحة الحالية، تنتج العديد من السلوكات التكيفية والتنظمات الذاتية على الباحث السوسيولوجي أن يتدارسها في إطار الثقافة التي يتعامل معها، إذ تشعر شرائح اجتماعية بحالة من «التوجس المتوقع»، وهو شعور يتنامى داخل الفرد مما يؤدي إلى حالة من التشتت في الإدراك، وبمعنى الشك بما يخبئه المستقبل في حالة عدم اليقين. مثل هذا الخوف المستبطن يتبناه العقل البدائي للفرد ليوحي إليه بأن الأسوأ غير المنظور هو القادم، مما يصدع الحس بالأمن الداخلي، ومن ثم فإن المخرج لذلك من أجل إعادة التوازن النفسي هو التماهي بيوثقافيًا مع الدين. ويمكن القول إن الناس في مثل هذه الحالة يؤمنون بأن معتقداتهم الأخلاقية

بمنزلة تجسيد لوقائع صحيحة حول العالم. مثل ذلك الإيمان يضفي لدى الفرد معنى المناعة. إلا أن ذلك التماهي مع الدين يختلف من محيط ثقافي/ ديني إلى آخر، وبين ثقافة وأخرى. ففي حالة الديانات الواحدية، على سبيل المثال، يتم تفويض ملكية الجسد للقوى الإلهية كي تمنحها المناعة، فالله هو الذي يقرر الخير والشر وهو الذي يحمي من كل مكروه. الأمر مختلف في الديانات الآسيوية/ الجماعية، حيث تصبح ملكية الجسد تابعة للجماعة، وأن الفرد يحمل خيره وشره، فلذلك يدخل مبدأ «الترويض» بدلً من «التفويض». وتلك القضايا تتصل بالأساس في العلاقة بين الجسد والروح في الديانات المختلفة. نود أن نضيف إلى ذلك أنه في ظل الثقافات المختلفة تقوم المؤسسات الدينية بدورها، هي الأخرى، في التبشير بنظام المناعة الروحاني، فهي، كما لاحظنا، ترفض إغلاق دور العبادة، باعتبار أن جرثومة الجائحة لا تجرؤ على دخولها، وإن دخلت فستتصدى لها مناعة المقدس. كما تم احتواء الخطاب الديني لتلك المؤسسات على عديد التأويلات، من بينها أن الجائحة أساسها سواد الخطيئة بين الناس،

(29) Ibid. (30) Ibid.

وتغلب قوى الشر على قوى الخير في الحياة البشرية، ولا بد من العودة إلى الدين فهو المنقذ من الأوبئة. سوسيولوجيًا، يمكننا القول إن نظام المناعة الروحاني يستحكم بشكل مؤثر في المجتمعات التي

تتحدد فيها الرساميل الثقافية في إطار التشبيك الاجتماعي ضمن الفضاءات الخاصة (القبيلة، المجتمع المحلي المنعزل...)، وفي ظل ضعف العلاقة العقدية مع الدولة أو مع رأس المال الثقافي المهيمن. ولكن على الطرف الآخر يمكن أن يجد نظام المناعة الروحاني مكانه بشكل تعزيزي بين صفوف الاتجاهات المحافظة في المجتمعات المتقدمة، وبين الفئات المتعلقة بالماضي والمتمسكة بالنصيّة

والأصوليّة في التفكير الديني. ولكن يمكننا الافتراض، بشكل أوسع، أن نظام المناعة الروحاني بوجه عام، يتم اللجوء إليه لدى الشرائح الاجتماعية عندما تكون الحالة الاستثنائية الطارئة غير متوافقة مع المخيال السوسيولوجي، ومع الطريقة التي ألفوا من خلالها رؤية العالم. وعليه فإن التسلح بالدين، كمناعة، هو بمنزلة إنكار الجائحة، واندفاع نحو اللامبالاة، قد يصل إلى حد عدم الالتزام بإملاءات الحالة الاستثنائية، أو حتى التمرد عليها بالاحتجاج. وقد وجدنا ذلك واضحًا من خلال طبيعة التغذية الراجعة بين المستويات

الثلاثة للأنساق الاجتماعية في الثقافات المختلفة، وداخل الثقافة الواحدة في مواجهة الجائحة منذ انتشارها.

2. في حاكمية الجسد

يقودنا مثل هذا التسلسل المنطقي في التحليل إلى نقطة مدخل أخيرة، بالغة الأهمية، تفيد في تركيب المشهد النسقي السردي وبناء السلاسل السببية. تلك هي طبيعة العلاقة الثقافية، التي قد تنشأ بين الفاعل الاجتماعي والسلطة، نتيجة حالة الشد والجذب التي تولدها الحالة الاستثنائية بين المضامير الاجتماعية والمألوف المستبطن في الثقافات المختلفة. ففي الإطار المقارن، ومن باب إيراد الأمثلة التعريفية، على مستوى الثقافات (ككل)، بإمكاننا أن نلاحظ، سوسيولوجيًا، أنّ تعريف الفرد يختلف من ثقافة إلى أخرى. وعلينا استجلاء ذلك كي نتعرف

إلى طبيعة الاختلافات بين الذات الفردية وبين السلطة في عمليات المواجهة. في الثقافات المستندة إلى الجماعية، شرق آسيا بالذات، تؤكد فلسفاتها أن استقلالية الذات الفردية لا وجود لها، وأن التسليم باستقلالها أو الإيمان بها هو الذي يقود إلى الإخفاق وإلى تفاقم المعاناة في مواجهة الأزمات والكوارث. المعاناة من الكوارث في أفقها الفلسفي، عندهم، هي علاقاتية Relational، وذات تأثير سوسيوثقافي متبادل. معنى ذلك أن «معاناة الفرد هي من معاناة الجماعة»، ولذلك فالجائحة في مخيالهم هي

(31) Jay L. Garfield, "Why There is No Self: A Buddhist View of the West," IAI News , 21/2/2018, accessed on 28/3/2021, at: https://bit.ly/3cv9wb6

«معاناة عمومية»، وأن «الجماعة هي الحل»، ولا أحد يخرج عن ذلك وينفرد ليصبح عندئذ جزءًا من

المشكلة. نستنتج من هذا أن العملية الفسيولوجية للمرض والاعتلال لا تحتل عندهم إلا وزنًا ضئيلً. عوضًا عن ذلك نجد أن المعتقدات حول المرض تتشكل، إبستيمولوجيا، في إطار الرؤيا الكلية للعالم، والتي تربط القوى العلاقاتية الثقافية والاجتماعية والطبيعية بشكل عضوي. ذلك يعني أن كلً من الأبعاد الروحية والعقلية والطبيعية مترابطة في ما بينها في النظرة إلى الجسد والصحة، وأن التصدع في أي بعدٍ من تلك الأبعاد يمكن أن يسبب المرض، ويمكن أن يؤدي إلى خلل في المواجهة. في مثل هذا المألوف المستبطن، ينظر الفرد إلى جسده عن بعد، وبمعنى تصور الجسد كموضوع لمعرفة المواجهة عبر الذوات، وبهذا فإن الجسد المعاش يمتد في إطار الجسد الجماعي من خلال خبرة تعاطفية. هنالك في المألوف المستبطن كذلك ثقافة «الإثم الاجتماعي»، المشتقة فلسفيًا من معنى «التحكم

بالنفس»، أي احتراز الفرد من إبداء سلوك يضر بالجماعة. كل هذا كان واضحًا منذ بدء انتشار الجائحة وفرض قيود الحالة الاستثنائية، إذ أثبتت تلك الثقافات أنها متسقة مع تفسير الوباء وسبل مواجهته، باعتبار ذلك مسؤولية اجتماعية ورغبة في تجنب الفشل في تحقيق الالتزامات الاجتماعية. في المخيال الجماعي لتلك الثقافات، العلاقة بين الحاكم والمحكوم في إدارة الأزمات لها جذورها الفلسفية وخصوصيتها هي الأخرى. الحاكم، أو صانع القرار، في المألوف المستبطن، إنسان وفي الوقت ذاته رمز للقدسية يدان له بالولاء، وأن فضيلة الحاكم قياسها الوضوح، وإذا ما طرأت أزمة، كالجائحة الحالية، فهذا يعني أن «السيادي» هو من يتعرض للوم، وأن الخطأ لا يوجد بين الناس. لقد رأينا ذلك عمليًا من خلال اطلّاعنا على طبيعة إدارة أزمة الجائحة في تلك الثقافات، والتي كانت

الأفضل على الإطلاق مقارنة ببقية الثقافات، إذ لاحظنا أن التغذية الراجعة بشأن ضوابط الحالة الاستثنائية

(32) Harry C. Triandis, Individualism and Collectivism ((New York/ London: Routledge, 1995), p. 23. (33) Mason Durie, "Maori Perspectives on Health and Illness," in: John Spicer, Andrew Trlin & Jo Ann Walton (eds.),  Social Dimensions of Health and Disease: New Zealand Perspectives (Palmerston North: Dunmore Press 1994), p. 198. (34) Sama Kubba, "The Importance of Culture in Societal Responses to COVID 19," Harvard Political Review , 14/10/2020, accessed on 28/3/2021, at: https://bit.ly/3syRDxm (35) Al–Basam, "Coping with the Pandemic." (36) Jay Garfield, "Beyond Catastrophe," IAI News , no. 87, accessed on 28/3/2021, at: https://bit.ly/3lZL1FT

تلازم متفرد للسياسة بعلاقتها بالحياة والسلطة في علاقتها بالحياة يكون قد غاب عن تحليلات ميشال فوكو. ولو كان قد تناوله في حفرياته لأدخل التحوير على العديد من فرضياته المبنية أساسًا لمناقشة المجتمع الليبرالي الذي أحدث القطيعة مع الموروث،

وأصبحت «الحداثة» في نظره هي «الحياة» في معناها «العقلاني». في الثقافات الجماعية التي نهضت في وقت قياسي الموروث كان أساس المعمار الحداثي.

وحوكمة الجسد التي يتبعها المستوى الكلي (مستوى الحكم) إلى المستويين الوسطي (مستوى المضامير الاجتماعية) والمستوى القاعدي (مستوى الفاعل الاجتماعي) كانت أكثر تجاوبًا وإقناعًا، وأن هنالك تطابقًا بين محتوى القرار أو الرسائل التواصلية وبين الخصائص الإدراكية والانفعالية والدافعية للمتلقي. هذا يعني تقارب المضامير الاجتماعية في ردود فعلها، وأن السلوك التكيفي لدى الفرد بوجه عام يأخذ مسارًا دائريًا. الرسائل التواصلية التي يبعثها مستوى حاكمية الجسد في هذه الحالة تكون تعزيزية التوجه. ولعل التحليل ذاته ينطبق على التغذية الراجعة بالاتجاه الصاعد، فهي دائرية كذلك. وقد اتضح الأمر جليًا في السلوك المؤسسي للدولة، حيث يلتزم المسؤولون بأعلى مستوياتهم التزامًا صارمًا بتطبيقات

الحالة الاستثنائية، تعبيرًا عن معنى المعاناة الجماعية وامتدادهم في الجماعة. على النقيض، وعند المقارنة بالثقافات ذات المركزية الأوروبية القائمة على الفردانية، نجد أن المعاناة من الوباء هي «ذاتية»، وأن التحكم في الجسد هو «مسؤولية فردية». الحفاظ على الصحة وصيانتها يرتبطان برغبة الفرد، فهو، وليس الجماعة الاجتماعية، مسؤول عن تلك المهمة. يصعب على الفرد في ظل مثل هذه الثقافات، المتمحورة حول الذات، النظر إلى الجسد عن بعد. يتم رؤية الوباء، إبستيمولوجيًا، باعتباره عملية فسيولوجية، وأمرًا طبيًا وعلميًا منفصلً تمامًا عن الجانب

العلاقاتي في المجتمع، ولا يرتبط بالبنية الاجتماعية والطبيعية. النموذج المهيمن هنا هو «الذات المستقلة» و«الجسد المستقل»، والذي يعني ضمنيًا أنّ الاتكال على الجماعة له قيمة ثقافية متدنية،

فالفرد في النهاية هو قياس جميع الأشياء، وأن التميز من الآخرين له قيمته التنافسية بمنطق السوق. بتعبير آخر، الأفراد ينظرون إلى ذواتهم في ظل مثل هذه الثقافات كقوة قصدية تؤثر في الأحداث Agency، ولذلك فهم مسؤولون عن قراراتهم وأفعالهم. أما العلاقات بالجماعة فيتم النظر إليها باعتبارها اختيارًا حرًا يمكن للفرد الدخول في إطارها والتخلي عنها والخروج منها بسهولة. الحرية الفردية بهذا المعنى تصبح لدى طائفة معينة من الناس، وكما يمليه عليهم التواصل في مضاميرهم الاجتماعية، بمنزلة الأيديولوجيا، ففي إطار الالتزام بقيود الحالة الاستثنائية، ينظرون وفق قناعات مألوفهم المستبطن «العقلاني»، من زاوية «النفعية»، وحسابات التكاليف والعوائد، والركوب بالمجان Free Riding. وبمعنى التحمس للترويج العلمي للوباء وسبل تطويقه كظاهرة فسيولوجية، وتوقع العوائد الإيجابية للانتفاع من التلقيح ضده، دون إعطاء أهمية للعوائد السلبية التي يجب الحماية منها وتجنبها، والالتزام بضوابطها بالتوسد الجسدي الحركي (لبس الكمامات، التباعد الجسدي)، باعتبار أن في ذلك مساسًا بالحرية الفردية.

(37) Al–Basam, "Coping with the Pandemic." (38) Glenn Adams, "The Cultural Grounding of Personal Relationship: Enemyship in North American and West African Worlds,"  Journal of Personality and Social Psychology , vol. 88, no. 6 (June 2005), pp. 948–968. (39) Daphna Oyserman & Spike W.S. Lee, "Does Culture Influence What and How We Think? Effects of Priming Individualism and Collectivism,"  Psychological Bulletin , vol. 134, no. 2 (March 2008), p. 312.

في مجال العلاقة بين الفاعل الاجتماعي والسلطة في تلك الثقافات وأنماط التواصل بينهما التي يوفرها المستوى الوسطي للنسق الاجتماعي في ظل الحالة الاستثنائية، هنالك، كما كان واضحًا منذ

انتشار الجائحة، تفاعلات وأنماط تغذية راجعة مختلفة ما بين بلدان الفردانية الرأسية (النيوليبرالية كالولايات المتحدة وبريطانيا بالذات) وبين بلدان الفردانية الأفقية (نموذج الدولة الليبرالية المقترنة بالرعاية الاجتماعية كالبلدان الإسكندنافية تحديدًا). يدفعنا هذا في التحليل النسقي السردي إلى أن نطرح السؤال التالي: إلى أي حد يمكن اعتبار الصحة والرفاه البشري (المناعة الاجتماعية) غاية نهائية للسياسة والسلطة في علاقتها بالحياة في الثقافات القائمة على الفردانية؟ تتطلب الإجابة أن ننظر إلى المقطع التاريخي الذي حدثت فيه الجائحة، والذي يسود فيه النموذج النيوليبرالي. وعليه يمكننا أن نتخلى عن الخطاب الفوكوي في تفسير ما يجري، إذ تبلور هذا النمط الرأسمالي بعد وفاته، وبعد التخلي عن النموذج الكينزي الذي تأثرت تحليلات فوكو به. معنى ذلك أن القيود الصارمة، التي تم فرضها، لا تعني عودة الدولة إلى منطق السيادة والقوة المطلقة للتحكم في الجسد، أو الاستحواذ الكامل على السلطة. عوضًا عن ذلك، يمكن القول إن الذهول أمام الجائحة وانهيار استراتيجيات المواجهة كانا بمنزلة تعرية لهشاشة نموذج الدولة في الحد الأدنى والاحتكام إلى السوق، وتهاوي الدولة النيوليبرالية بشكلها الحالي بسبب النقص الفادح لديها في رصيد «المناعة الاجتماعية»، والتي جاءت كنتيجة للسياسات التي اتبعتها خلال العقود الأربعة الماضية، مما قاد إلى تخلّيها عن النسق الصحي لصالح قوى السوق، والقيام عمليًا بتسليع الجسد. في هذا السياق

الحداثة لم تعد الحياة، بل الموت، وفقًا لحسابات العرض والطلب، ووفق «من يملك» و«من لا يملك». في إطار مثل هذه الحوكمة النيوليبرالية للجسد، جاءت الرسائل التواصلية المختلفة التي يبعثها المستوى الكلي حول الاستراتيجيات الواجب اتباعها لمواجهة الجائحة، فقد دعت الإدارة البريطانية مثلً إلى تبني سياسة «الجسد القطيع» في بداية انتشار الوباء وبالمنظور «النفعي» الذي يعني: ما هو صالح للناس يمكن قياسه بما هو صالح لغالبية الناس، أو بمعنى حفظ الحياة للجسد كماكينة إنتاج وللجسد «كملكية» للذين يتمتعون بأصول من الرساميل تساعدهم على مواجهة الجائحة، وترك من لا يملك الأصول الطبيعية والمادية للموت. في السياق ذاته، وإن كان بشكل مختلف، جاءت الرسائل التواصلية التي بعثها المستوى الكلي إلى المستويات الأخرى للنسق الاجتماعي حول حوكمة الجسد والخضوع لأحكام الحالة الاستثنائية لدى الإدارة الأميركية، متضمنة رفض تعطيل النشاط الاقتصادي، وتبنّي الخطاب السياسي الذي ينتج المعنى التالي: لا نستطيع أن نسمح للعلاج الحمائي بأن يضاعف حجم مشكلة الجائحة عوضًا عن حلها. معنى ذلك بدلً من أن يكون «جسد الإنسان وصحته» غاية نهائية أصبح «جسد السوق» هو تلك الغاية.

(40) Darim Al–Basam, "Is the Invisible Hand Becoming Visible Again?," Gulf Times , 4/4/2020, accessed on 28/3/2021, at: https://bit.ly/2O0ySnz

ولعل الأكثر وضوحًا من ذلك هو توظيف «التوسد الجسدي الحركي» توظيفًا سياسيًا من قبل

بعض الإدارات النيوليبرالية (الولايات المتحدة والبرازيل مثلً)، وذلك من خلال رفض قيود الحالة الاستثنائية، والتمرد عليها، وتسييس الطب الحيوي عن طريق تسفيه آراء النخبة العلمية، وتبنّي خطاب شمولي يستجيب للفاعل الاجتماعي وللجماعات الاجتماعية التي تتبنى الحرية الفردية كأيديولوجيا، حيث تفاعل البعض منها مع ذلك الخطاب، وساهم في الاحتجاجات على فرض قيود الجائحة الاستثنائية. وقد كان ذلك واضحًا بين الجماعات اليمينية المحافظة والحركات التي تدعو إلى تفوّق العرق الأبيض. في الواقع إن مثل هذه الأنماط من التغذية الراجعة بين مستويات النسق الاجتماعي في مواجهة الجائحة أفرزت ظواهر جديدة من الشعبوية، لاحظنا اختلافها عن التحليل السوسيولوجي المألوف لتلك الظاهرة. أول تلك الاختلافات أنّ الشعبوية، بطبعها، معادية للخبرة العلمية والتفكير العقلاني، ولكنها في هذه المرة انتعشت في اللحظة التي تفاقمت فيها آثار الجائحة، وبالأخص، عندما بدأ الناس يجدون في الجماعة العلمية ملاذًا لهم لإمكانية محاصرة الوباء. ثاني تلك الاختلافات أنّ الشعبوية تعمل على توظيف الأزمات وعلى استغلالها أو غالبًا ما تصطنع

الأزمات، ولكن في حالة الجائحة الحالية، كان الموقف اتهام الدولة العميقة والميديا بالمبالغة في تهويل ظاهرة الوباء وابتداع الأزمات. وأخيرًا، فإنّ الشعبوية كما عهدناها نزعة محافظة تميل، بحكم تعلّقها بقيم الماضي، إلى الحمائية،

ولكنها قدمت نفسها هذه المرة كمضادة للحمائية ومتحدية لقيود الحالة الاستثنائية. في مقابل «الشعبوية»، كخطاب ثقافي تكيفي، كان هنالك خطاب تكيفي آخر أخذ بمنطق «الواقعية النقدية»، والذي أفرزه سلوك مختلف تمامًا بين مضامير اجتماعية تربط بين الجائحة والإنتاج الاجتماعي للجسد، وهي تمثل شرائح اجتماعية واسعة التأثير بعثت برسائلها التواصلية في الاتجاه الصاعد، مستنكرة عجز الدولة عن تبني استراتيجية فاعلة في حوكمة الحالة الاستثنائية، ومتوجهة بالإدانة إلى نهج الليبرالية الجديدة التي تعرّت أمام النقص الواضح في نظام المناعة الاجتماعية، مطالبة بأن تكون

الخدمات الصحية والتعليمية أحقيات اجتماعية متاحة للجميع، وداعية إلى العودة إلى نموذج دولة الرعاية الاجتماعية وإلى تبني الديمقراطية التشاركية. يمثل جيل الألفية الثالثة، كما لاحظنا، طليعة تلك الشرائح الاجتماعية، وهو جيل سياسي، خبرته المعيشة ورؤيته للعالم تميزه بشكل حاد عن الأجيال السابقة، وله تصور مغاير لجسد وحضور بايو–ثقافي مختلف. مألوفهم المستبطن مشبع بالقيم الكونية، يرفض علاقات القوة الرأسية ومظاهر الإجحاف الاجتماعي، نتيجة لتنشئته من خلال العلاقات الأفقية التي تنمي عنده حس المساواة في الحقوق. جيل يشكك في المنظومات السياسية القائمة وهرميات السلطة. لديه القدرة على التفكير

النقدي الحر والإبداعي ومفتوح على التكيف والتغير. جيل ينتمي إلى حقبة ما بعد التمييز العنصري، ولكن رأيناه مدافعًا شرسًا ضد تلك المظاهر، ولا يستطيع أن يفهم لماذا كل هذا الإصرار على أن يكون للحداثة ومفهومها «اللون الأبيض» وللحياة «اللون الأبيض» والموت لمن هو ليس كذلك. تلك القوة الناعمة الجديدة، في نظرنا، سيكون لها بالغ التأثير التواصلي في الأنساق الاجتماعية للسنوات والعقود القادمة: في اتجاه المستوى البنيوي/ مستوى القوة الصلبة، وفي اتجاه مستوى الفاعل الاجتماعي/ مستوى المستخدم، ومن ثم إنتاج نمط مغاير للسياسة في علاقتها بالحياة وللسلطة في علاقتها بالحياة في اتجاه الفردانية الأفقية. مزايا نموذج الفردانية الأفقية في إدارة الجائحة الاستثنائية، وجدناها واضحة في تجارب البلدان الإسكندنافية (السويد بالذات)، والتي كانت بمنزلة تعبير عن «العقلانية السياسية في دولة الرعاية الاجتماعية». في إطار دينامية القوة في ذلك المجتمع، لم تلجأ الدولة إلى الحجر الصحي أو تعطيل الاقتصاد أو غلق المدارس. كان النقاش: هل نحن أمام «مناعة القطيع» أم «إنسانوية القطيع»؟ كيف يمكن وضع استراتيجية لمواجهة الجائحة وتقرير شكل الحالة الاستثنائية «من أسفل إلى أعلى»؟ وكيف يمكن مأسسة إدارة المخاطر في مثل هذه الحالة وفي إطار الهوية الوطنية الجامعة؟ عمليًا، أصبحت حوكمة الجسد من مسؤولية الأفراد والجماعات الاجتماعية، دون وضع سلطة الدولة ومركزيتها في الضبط الاجتماعي محل تساؤل. وهذا يفتح لنا مجالً آخر لمناقشته في إطار سوسيولوجيا الجسد، وفي إطار هذا الترابط المتفرد بين السياسة في علاقتها بالحياة Biopolitics، وبين الحياة ذاتها، كسياسة، والتي تحيل إلى كنه الحياة Ethopolitics، وكيف للحياة أن تعاش كإنتاج اجتماعي؟ في إطار العلاقة بين الفاعل الاجتماعي والبنية الاجتماعية نتساءل، كيف يمكن للغايات والنهايات للذوات المستقلة أن تتواصل، من خلال الممارسة، لإنشاء رصيد من الثقافة المؤسسية، أفقيًا، على مستوى التشبيك الاجتماعي، ورأسيًا، من خلال العلاقة مع الدولة؟ كيف يمكن فهم «الحرية الفردية»؟ فهي لا تشكل قيمة، في حد ذاتها، أو أيديولوجيا، بل أرضية لتأسيس القيم. كيف تقترن الحرية كمعطى حقوقي وعقدي بحالة «التحرر الداخلي» الذي يؤسس للنفس الاجتماعية، ويوصل إلى القناعة بأن «تحقيق الذات»، و«الأحقيات في الحياة»، هي مسؤولية تشاركية: اجتماعيًا وثقافيًا وسياسيًا؟ كل ذلك بطبيعة الحال يرتبط أساسًا بالمألوف المستبطن: الطبيعة الأخلاقية، المشاعر، المعتقدات والقواعد والأحكام الموجهة لسلوك الأفراد والمؤسسات، فهي من يوفر الوسيط، الذي في إطاره، يمكن أن ترتبط الذات المستقلة المتحكمة في قرارها ببنية حوكمة الدولة. كما تقرر كيف تصبح مسؤولية تجنب المخاطر مسؤولية فردية يعززها فائض قيمة مجتمعية عال ورصيد لنظام المناعة الاجتماعية توفره الدولة للجميع، وسلطة علمية تحدد موجبات تجنب الوباء.

References

المراجع

Adams, Glenn. "The Cultural Grounding of Personal Relationship: Enemyship in North American and West African Worlds."  Journal of Personality and Social Psychology. vol. 88, no. 6 (June 2005). Bachelard, Gaston. La formation de l’ esprit scientifique. Paris: Librairie philosophique J. Vrin, 1993. Benton, Ted. "Biology and Social Sciences: Why the Return of the Repressed Should be Given (Causious) Welcome." Sociology. vol. 25, no. 1 (February 1991). Berger, Peter L. & Thomas Luckmann. The Social Construction of Reality: A Treatise in the Sociology of Knowledge. London: Penguin Books, 1967 [1966]. Bogg, Jan & Robert Geyer (eds.). Complexity, Science and Society. London: Routledge,

Bourdieu, Pierre. Practical Reason: On the Theory of Action. Cambridge: Polity, 1998. Brekhus, Wayne H. & Gabe Ignatow (eds.). The Oxford Handbook of Cognitive Sociology. New York: Oxford University Press, 2019. Capra, Fritjof & Pier Luigi Luisi. The System View of Life: A Unifying Vision. Cambridge: Cambridge University Press, 2014. French, David et al. (eds.). Health Psychology. 2 nd ed. Hoboken, NJ: Wiley–Blackwell,

Garfield, Jay. "Beyond Catastrophe." IAI News. no. 87. at: https://bit.ly/3lZL1FT Geertz, Clifford. The Interpretation of Cultures. Robert Darnton (Fore.). 3 rd ed. New York: Basic Books, 2017. Lizardo, Omar. "Improving Cultural Analysis: Considering Personal Culture in its Declarative and Nondeclarative Modes."  American Sociological Review. vol. 82, no. 1 (February 2017). Mauss, Marcel. "Techniques of the Body." Economy and Society. vol. 2, no. 1 (1973). Meloni, Maurizio. "How Biology Became Social, and What it Means for Social Theory."  The Sociological Review. vol. 62, no. 3 (August 2014). Oyserman, Daphna & Spike W.S. Lee. "Does Culture Influence What and How We Think? Effects of Priming Individualism and Collectivism."  Psychological Bulletin. vol. 134, no. 2 (March 2008). Panter–Brick, Catherine & Carol M. Worthman (eds.). Hormones, Health and Behavior: A Socio–Ecological and Lifespan Perspectives. Cambridge: Cambridge University Press, 1999. Parsons, Talcott. The Social System. London: Routledge and Kegan Paul, 1951. Reay, Diane. "‘It’s All Becoming a Habitus’: Beyond the Habitual Use of Habitus in Educational Research." British Journal of Sociology of Education. vol. 25, no. 4 (September 2004).

Schaller, Mark. "The Behavioral Immune System and the Psychology of Human Sociality."  Philosophical Transactions of the Royal Society B: Biological Sciences. vol. 366, no. 1583 (December 2011). Scott, John & Gordon Marshall (eds.). A Dictionary of Sociology. 3 rd ed, revised. Oxford: Oxford University Press, 2009. Shilling, Chris. "Sociology and the Body: Classical Traditions and New Agendas." The Sociological Review. vol. 55, no. 1–sup (May 2007). Singer, Wolf. "Understanding the Brain: How Can Our Intuition Fail so Fundamentally When it Comes to Studying the Organ to Which it Owes Its Existence?". EMBO Reports. no. 8. sup. 1 (July 2007). Spicer, John, Andrew Trlin & Jo Ann Walton (eds.).  Social Dimensions of Health and Disease: New Zealand Perspectives. Palmerston North: Dunmore Press 1994. Taleb, Nassim Nicholas. The Black Swan: The Impact of the Highly Improbable. New York: Penguin Books, 2008 [2007]. Triandis, Harry C. Individualism and Collectivism. New York/ London. Routledge,

Turner, Jonathan H. "Academic Journals and Sociology’s Big Divide: A Modest but Radical Proposal."  The American Sociologist. vol. 47, no. 2–3 (September 2016). Turner, Jonathan H. Russell K. Schutt & Matcheri S. Keshavan. "Biology and American Sociology, Part II: Developing a Unique Evolutionary Sociology." The American Sociologist. vol. 51, no. 4 (December 2020). Whiten, Andrew et al. "The Extension of Biology Through Culture." Proceedings of the National Academy of Sciences of the United States of America. vol. 114, no. 30 (July 2017).