العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الجهاد الجديد في الغرب

الجهاد الجديد في الغرب

The New Jihad in the West

رشيد جرموني| Rachid Jarmouni *

الملخّص

عنوان الكتاب : الجهاد الجديد في الغرب . عنوان الكتاب في لغته : Le Nouveau Jihad en Occident . المؤلف : فرهاد خسرو خافر .Farhad Khosrokhavar الناشر : Robert Laffont. مكان النشر : باريس. تاريخ النشر : 2018. عدد الصفحات : 590 صفحة.

Abstract

. Le Nouveau Jihad en Occident عنوان الكتاب في لغته:

. Robert Laffont

. Farhad Khosrokhavar فرهاد خسرو خافر

الكلمات المفتاحية:
  • الجهاد
  • الإرهاب
  • نظريات الإرهاب
  • الفاعلون الارهابيون
  • أنثروبولوجيا الجهاد
Keywords:
  • Jihad
  • Terrorism
  • Theories of Terrorism
  • Terrorist Actors
  • Anthropology of Jihad

عنوان الكتاب:

الجهاد الجديد في الغرب.

المؤلف: الناشر:

مكان النشر:

باريس. تاريخ النشر: عدد الصفحات:

590 صفحة.

للعلوم الاجتماعية.

Professor of Sociology of Religions, Moulay Ismail University, Meknes, Morocco. Member of the International of Sociologists Association, and the Arab Council for Social Sciences.

مقدمة

استأثر مفهوم الجهاد في الآونة الأخيرة بالعديد من النقاشات والجدالات والمواقف المتضاربة والمتعارضة. وكان لافتًا في هذا السياق توظيف هذا المفهوم على نحو سيئ، من خلال التركيز على معاني الحرب والقتل والإرهاب. ولعل الحقيقة الثاوية وراء هذه الفكرة هي إلصاق مفهوم الجهاد بمطلب بناء «الدولة الاسلامية» المُتخيَّلة في أذهان العديد

من تيارات الحركات الإرهابية، مثل القاعدة سابقًا، وتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام «داعش» حاليًا. وارتبط مفهوم الجهاد بالحرب

على المخالفين، خصوصًا الذين كانوا يعتدون على الدين الإسلامي والمسلمين في مرحلة الدعوة المحمدية الأولى أو بعدها، وسيق بشأن هذا الموضوع العديد من الأساطير، إلى درجة أن هناك من يرى أن الإسلام مرادف لمفهوم الجهاد. وعيًا منه بصعوبة تحديد دقيق لمفهوم

«الإرهاب»، حيث يتبيّن أن هناك أكثر من 260

مصطلحًا متداولً بين الباحثين وصناع القرار

ووسائل الإعلام بمعنى الإرهاب ومشتقاته، يفرد الباحث المتخصص في سوسيولوجيا الأديان، فرهاد خسرو خافر، كتابًا خاصًا للخوض في هذا

المفهوم واستجلاء أبعاده، بعنوان الجهاد الجديد في الغرب. ولا يقصد المؤلف بمفهوم الجهاد ما هو متداول في الفكر الإسلامي، بل يستعمل هذا المفهوم مرادفًا للعنف والإرهاب اللذين توظّفهما الحركات الإرهابية. تأسيسًا على ما سبق، يقدم كتاب الجهاد الجديد

في الغربمقاربة نقدية، اعتمادًا على بحث ميداني شامل، يستند إلى الأرقام والمقابلات مع عيّنة من

«الجهاديين» (الإرهابيين)، ومن خلال المتابعة

الدقيقة أيضًا لما يصدر من تغطيات إعلامية عالمية بشأن الأحداث الإرهابية التي تضرب المناطق الأوروبية والأميركية وغيرها. وتجدر الإشارة هنا إلى أن خسرو خافر تعامل مع هذه المعطيات بكثير من الحذر المنهجي والإبستيمولوجي، إضافة إلى اعتماده على مقاربة إثنوغرافية مكّنته من رسم «بروفايلات» للجهاديين.

الجهاد والجهاديين في الغرب: أسئلة ومقاربات

في الفصل الأول من الكتاب، يقدم لنا خسرو خافر نظرة بشأن نظريات «الجهاد»، سواء على المستوى الماكرو أم الميزو أم الميكرو. أمّا في الفصل الثاني، فيحاول تحليل ظاهرة بروز تنظيم داعش وكيف استطاع هذا التنظيم الإرهابي العالمي أن يُثوّر الإرهاب العالمي، ويُقدم نموذجًا

من الإرهاب يتجاوز نظيره القاعدي (نسبة إلى تنظيم القاعدة)، حيث نجح في استقطاب أزيد من 5000 عنصر إرهابي في الغرب (إلى حدود عام 2016)، مستعملً بذكاء جميع الآليات المتاحة، لعل من بينها الوسائط الاجتماعية. بناءً على نتائج الفصل الثاني، ينتقل المؤلف

في الفصل الثالث إلى تقديم نموذج من «البروفايلات» التي تنخرط في الدعاية الداعشية، وتُجيّش نفسها في صفوف هذا التنظيم العالمي،

ليرسم بذلك خريطة المنتسبين إليه؛ حيث نرى الشباب، بوصفهم فئة متعددة الخصائص السيكولوجية والسوسيولوجية والسوسيو – اقتصادية والسوسيو – مجالية، يجدون ضالّتهم في ما طرحه تنظيم داعش من أيديولوجيا نافذة ومؤثرة في مخيال هذه الفئة ووجدانها. علاوةً على وجود فئات أخرى، مثل المراهقين والنساء. ويُركّز

المؤلف على نحوٍ خاص على فئة المتحوّلين

الدينيين من المسيحية إلى الإسلام، الذين يجدون غايتهم في إسلام نقي وطاهر يُقدمه داعش عبر

مختلف الوسائط الإلكترونية. يحاول المؤلف في الفصل الرابع «أنثروبولوجيا الجهاد»، الوقوف على خصائص المجاهدين والمجاهدات الإثنية والعائلية، حيث يُبيّن فشل

نموذج العائلة الأبوي، أو النموذج النيو – تقليدي، في استيعاب هؤلاء الشباب؛ ما جعلهم يعيشون في فراغ عائلي مهول، يقذف بهم إلى مهاوي الانحراف، ثم السجن، وصولً إلى الارتماء في أحضان التديّن المتعصب الأحادي النظرة،

ليجدوا أنفسهم في شراك تنظيم داعش. أما في الفصل الخامس «الأمم الغربية ومجاهديها»، فيبلور خسرو خافر نموذجًا مقارنًا،

يُبيّن خصائص كل فئة جهادية على حدة، ممن

تتوزّع على الجنسيات الغربية. ولا يتوقف المؤلف عند هذه المسألة، بل يسبر أغوار التمايزات بين الجهاديين؛ إذ الجهاديون الذين ينتسبون إلى فرنسا لا يشبهون أولئك الذين ينتسبون إلى إنكلترا، وذوو الأصول التركية أو الباكستانية أو البنغالية، الذين عرفوا الاستعمار ليسوا كالذين لم يعرفوه، والذين ينتمون إلى أسر مسلمة ليسوا كالذين عرفوا تحوّلً دينيًا في حياتهم من المسيحية إلى

الإسلام، أو من خلال الأجيال المهاجرة، فثمة فرق بين أبناء الجيل الأول والثاني والثالث. سعى المؤلف، من خلال المقاربة المقارنة، لاستخلاص نماذج من «البروفايل الجهادي » الذي تتميز به كل دولة غربية على حدة. ويمكن حصر هذه النماذج في تسعة «بورفايلات:» أولً، هناك فئة الشباب الذين يعيشون أوضاعًا اجتماعية واقتصادية صعبة جدًّا، ويلجؤون إلى

العنف الجهادي (عبر مسارات معقدة)، كي يتخلّصوا ويُخلّصوا الآخرين من أنواع اللاعدالة الاجتماعية؛ ثانيًا، فئة الشباب من الجيل الثاني

والثالث من أبناء المهاجرين، ممن وقعوا في نوعين من الهشاشة، الاقتصادية والاجتماعية، عبر ما يتعرّضون له من وصم اجتماعي، ما يجعلهم

على هامش المجتمع، ويصبحون عناصر مهيّأة للانخراط في الحركات الإرهابية (التي لا

يعتقدون أنها كذلك، بل يجدون فيها نوعًا من الاحتضان جراء انكسارهم النفسي)، رغبةً منهم في تحقيق انعتاق من هذين الاستعبادين؛ ثالثًا، يهم فئة المتحوّلين الدينيين الذين أصبحوا غير منسجمين مع منظومة القيم الأورو – أميركية ووجدوا خلاصهم في ما تقدّمه لهم حركات الجهاد التي تُعتبَر في نظرهم نموذجًا من الدين

المُخلّص والمحرر من كل الوثنيات التي كانوا غارقين فيها؛ رابعًا، فئة الذين يؤمنون بنظرية المؤامرة المتجلّية في الهيمنة الأورو – أميركية على المجتمعات المسلمة، ويعتبرون ذلك استكبارًا منهم، وأن الأطراف التي ستقف في وجههم هي حركات الجهاد المقدس؛ خامسًا، فئة الذين يعانون اضطرابات عقلية، ويعيشون أوضاعًا نفسية صعبة، ما يدفعهم إلى الارتماء في أحضان من يقدم لهم الجواب عن حيرتهم، ويجدونه في حركات الجهاد الديني؛ سادسًا، فئة المراهقين وما قبل المراهقين الذين يعيشون بدورهم في قلقٍ جيلي، ويريدون الخروج من وضعية المراهقة كي يصبحوا أبطالً مشهورين؛ سابعًا، فئة النساء اللواتي لم يجدن في نمط الحياة

(((للمزيد حول هذا الموضوع، يُنظر: رشيد جرموني، «في

سوسيولوجيا التحولات الدينية في العالم: ظاهرة المتحولين

الدينيين نموذجًا»، مقالات، مركز نهوض للدراسات والبحوث،

2020/4/18، شوهد في 2021/6/13، في: https://bit.ly/3gySvNF

النسوية Feminism ذواتهن، ومن ثمّ ولّدت أزمة

الانتماء «استيهامات» نحو تشييد أسرة أبوية يكون المركز فيها أولً وأخيرًا للرجل المجاهد الذي

يقاوم ضد الظلم والاستكبار؛ ثامنًا، نجد بروفايل للجهاديين الذين عاشوا أزمة هوية مع البراديغم العلماني، وبصفة خاصة «اللائكي» الذي يعتبرونه غير ملائم لنظرتهم إلى العالم؛ تاسعًا، نجد «البروفايل» الذي يرفض قيم الحرية كما هي مطبقة في العالم الغربي، ويعتبرها مسؤولة عن «ضياع» المعنى عند الإنسان المعاصر. ويتجلّى نقدهم قيم الحرية، ليس في إطلاقيتها، بل الحرية الجنسية المطلقة وقيم الفردانية الممزقة للّحمة الاجتماعية، وقيم الاستهلاك المفرط المُفضي

إلى حالة التصدّع الوجودي وسيادة لقيم السوق، وما إلى ذلك من مظاهر العصر ما بعد الحداثي. لهذا، يُمثّل الجواب الذي تقدمه حركات الجهاد،

بحسب خسرو خافر، ترياقًا لكل هذه «الأمراض» الاجتماعية في نظرهم. والجدير بالذكر أن المؤلف لا يدّعي أن هذه هي البروفايلات الوحيدة والموحدة لرصد خريطة الجهاديين في العالم الغربي، بل هي ليست سوى أحد الأجوبة الممكنة التي يمكن قراءة الظاهرة بها. وحتى يعطينا المؤلف نظرة إحصائية عن هذه البروفايلات، يستحضر بعض المعطيات كي يؤكد وجود اختلافات بين الدول الأوروبية من حيث عدد العمليات الإرهابية وعدد الضحايا، فيذكر أنه «ما بين عامي 2001 و 2017 وقعت في فرنسا 23 هجمة إرهابية، بينما في إنكلترا لم تقع إل 10 هجمات، وفي ألمانيا 5 حالات، وفي إسبانيا حالتان، وفي بلجيكا 7 حالات. أما عن عدد الضحايا في هذه الأحداث، فتأتي فرنسا أول ب 247 قتيلً، تليها إسبانيا ب 208 قتلى، و 93 قتيل في إنكلترا، و 36 في بلجيكا، و 15 في ألمانيا.»

في شرحه هذه الأرقام، يؤكد خسرو خافر أن ارتفاع حالات الهجمات الإرهابية في فرنسا لا يرجع إلى الوزن الديموغرافي للمسلمين في هذا البلد، حيث يُقدّر أنّ عددهم في حدود خمسة ملايين مسلم،

ولا حتى بضعف فعالية جهازي الأمن والشرطة في التصدي لهذه الهجمات، بل مردّ ذلك إلى وجود «الثقافة اللائكية المتصادمة مع الدين الإسلامي ومع المهاجرين، حتى عند أولئك الذين يُعبّرون

عن توجهات علمانية، أضف إلى ذلك وجود ثقافة عنصرية كولونيالية دفينة لدى الفرنسيين، وعدم تقبّل الآخر والتعايش معه». يُخصّص الفصل السادس لرصد علاقة الجهاد

بالمدينة، وكيفية تأثير الشروط الاقتصادية والاجتماعية في تقبّل الفكر الجهادي الإرهابي،

لدى المهاجرين العرب والمسلمين، أو من ذوي الأصول الغربية كمتحولين دينيين، الذين يقسمهم المؤلف صنفين: يسكن الأول في أحياء هامشية مثقلة بالمشكلات الاجتماعية والنفسية والاقتصادية، التي تُعبّر عن أزمة النموذج

الإدماجي لهؤلاء في التنمية، ما يدفع بهم إلى اعتناق الفكر «الداعشي»؛ أما الثاني، الذي يشهد استقرارًا اقتصاديًا إلى حدٍ ما، وينتمي

إلى الفئات المتوسطة، والتي غالبًا ما توجد في

كندا أو الولايات المتحدة الأميركية أو أستراليا، فيستقطبه داعش بالتركيز على مداخل أخرى،

(2) Farhad Khosrokhavar, "Le débat censuré,"  Orient xxi , 5/11/2020, accessed on 13/6/2021, at: https://bit.ly/3pOhjWc

(((في هذا السياق، يُقدم لنا الباحث المتخصص بالهجرة هوغ

لاغرانغ تفسيرًا علميًا لظاهرة تهميش المهاجرين في أوروبا،

حيث يقول: «إن أماكن التوترات المفتوحة في أوروبا الغربية – أعمال شغب، مخالفات، انحراف – هي أماكن يؤكد فيها أعضاء الجيل الثاني إس مااًا طهرانيًا مجردًا، يختلف تمامًا عن إس ماا

جيل الآباء». هوغ لاغرانغ، نكران الثقافات، ترجمة سليمان رياشي، سلسلة ترجمان (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2016)، ص.98

كنظرية المؤامرة الأميركية على فلسطين بصفة خاصة، أو على المسلمين بصفة عامة؛ ما يُغذّي قيم الحنق والعداء للولايات المتحدة، ثم يتعدّاه إلى الغرب بصفة عامة. أخيرًا، في الفصل السابع، يقدم المؤلف تشريحًا للخلايا الإرهابية، من حيث عددها وتشكيلاتها ومكوّناتها وهياكلها، بالوقوف عند الخصائص التي تميّز كل خلية في واحدة من بلدان الغرب، فإذا كانت فرنسا تتميز بخلايا أصغر نسبيًا من الخلايا التي تتميز بها بلجيكا أو إسبانيا، فمرد ذلك، بحسب المؤلف، إلى الديناميات الاجتماعية التي تتميز بها كل خلية. في هذا السياق، تدخل عوامل خارجية وداخلية تؤثر في عمل الخلية الإرهابية، حيث تختلف إن كانت مكوّنة في أغلبيتها من المتحوّلين الدينيين، أو من المهاجرين، وكذلك إن كانت تضمّ نساءً ورجالً، وإن كانت تتوافر على قادة «كريزماتيين» يؤثرون في أعضاء الخلايا.

ما الجديد في مقاربة خسرو خافر للحالات «الإرهابية» المدروسة؟

من خلال قراءة متفحّصة لأهم ما كُتب في موضوع «الإرهاب»، نجد، على الأقل، خمسَ نظريات كبرى، حاولت أن تقارب هذا الموضوع الشائك، يمكن إيجازها في ما يلي: أولً، هناك من اعتبر أن الإرهاب الذي يقع في العديد من الدول والمجتمعات ليس سوى قراءة نصّية لبعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي يجري تأويلها خدمةً لأهداف بعض الحركات الإرهابية. وهذا ما وصفه الباحثون

ب «ردكلة الإسلام». ويتّخذ هؤلاء من القراءة السطحية والاختزالية آليةً لتفسير ظاهرة الإرهاب، حيث يعتقدون أن الدين الإسلامي يتضمن جينًا عُنفيًا، أو ينطوي على «فاشية»

إسلامية. وبطبيعة الحال، فإن الرد على هذا المقترب التفسيري، يمكن أن يكون بالنظر إلى أن النصوص الدينية لا تتفاعل من دون سياق أو فاعلين يخلقون المعاني ويُقدّمون رؤية للكون تتوافق مع هذا المنظور، ولولا هذا السياق لكانت الديانة اليهودية – كما تُحرّفها الحركة

الصهيونية العالمية – أكثر الديانات عنفيةً في تاريخ البشرية. أمّا المقاربة الثانية، فتعتمد على المدخل السوسيو – اقتصادي، وذلك بالربط الآلي بين الفقر والهشاشة وانتعاش الفكر المتطرف؛ إذ يؤدي واقع الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية إلى بروز العديد من الظواهر، ليس آخرها الإرهاب. ففي ظل ظروف التهميش التي تهيمن على العديد من أحزمة المدن العربية والإسلامية، بل حتى الأوروبية، نجد أن الأفراد يعيشون «أزمة مزدوجة»، تتمثل في أنهم يعيشون في مجتمعات تسير بوتائر تنموية متعددة المسارات. ففي الوقت الذي لا يجد الشاب العاطل عن العمل، غير المؤهل مهنيًا ومعرفيًا، ما يساعده

على الاندماج في سوق العمل والحياة الاجتماعية، يتوافر لديه عبر التدفق الإعلامي الإلكتروني العديد من المغريات التي تحفّزه على الانخراط في مغامرة البحث عن تحقيق الأمن المادي والاجتماعي والنفسي والعاطفي (ص. 506)–409

(((يُنظر:

Gilles Kepel, Terreur dans l’Hexagone: Genèse du djihad français (Paris: Gallimard, 2015); Dounia Bouzar, Comment sortir de l’emprise djihadiste? (Paris: Éditions de l’Atelier, 2015).

تُعالج المقاربةُ الثالثة الظاهرةَ من المدخل السيكولوجي الذي يقوم على فرضية قابلية الشخص للمرض النفسي (البارانوريا) والإقدام على الانتحار. ويُبيّن هذا المدخل إلى أي

حدٍ هناك أفراد يعيشون حالة نفسية هشّة، تحمل في وعيها/ لاوعيها العديد من الاستيهامات والهلوسات التي تصل إلى حد التضحية بالنفس، ويبدأ ذلك كله بالقناعات الفكرية، التي تتحول إلى سلوك «مرضي» في ما بعد. ويفترض هذا التحليل السيكولوجي أن بعض الحالات المرضية يُولّد القابلية للميول الانتحارية. وبرزت في ما بعد مقاربة تمتح من علم النفس المعرفي، تُبيّن أن

الأفراد الذي يحملون فكرًا متعصبًا يكونون في حالة

لاتوازن نفسي، الأمر الذي يعكس خللًاجتماعيًا

يؤثر في وقوعهم في العنف، ومن ثم الإرهاب. وتعتمد المقاربة الرابعة المدخل السياسي الجيوستراتيجي الذي يتبنّى نظرية المؤامرة لتفسير الفعل الإرهابي، خصوصًا في الربط بين الاستعمار الغربي لبلاد المسلمين وبروز الشعور بالإهانة، وسط الأجيال الحالية؛ ما يؤدي إلى استضمار الحقد والحنق الدفينين والتاريخيين، ويدفع تجاه تبني مقولة الانتقام للتاريخ والمسلمين، وهي الأطروحة التي يدافع عنها الباحث الفرنسي فرونسوا بيرغا.

(((إبراهيم الحيدري، سوسيولوجيا العنف والإرهاب (بيروت: دار الساقي،.)2015 (((رشيد جرموني، «ظاهرة الإرهاب وتعدد المقاربات

التفسيرية: وقفة للتأمل»، العربي، العدد.)2019(729

(7) Gérald Bronner, La pensée extrême. Comment des hommes ordinaires deviennent des fanatiques (Paris: PUF,

(((فرانسوا بورغا، فهم الإسام السياسي: مسار بحثي حول

الآخرية الإسامية (2016–1973)، ترجمة جلال بدلة (بيروت: دار الساقي،.)2018

أخيرًا، يربط المدخل الهوياتي (أو الفراغ

الأيديولوجي)، بين المهاجرين من أصول إسلامية ومسألة عدم الاندماج في أوروبا والولايات المتحدة وكندا وأستراليا، حيث يتم الوقوف عند إشكالية الانسجام الثقافي واللانسجام بين الدين الأصلي والثقافات المحلية. وفي ذلك يعتبر أولفييه روا أن الإرهاب والجهاد ليسا من طبيعة الأديان، بل مردّه إلى عوامل عدة، يُمكن أن تتقاطع أو تتجاور؛ «تقهقر الهوية الثقافية والقطيعة بين الأجيال، والعولمة، أو التحول الديني (الإسلام)، والعودة الفردية إلى الممارسات الدينية ». ويخلص روا إلى أن «التطرف العنيف ليس نتيجة التطرف الديني»، وإن اقتبس منه في معظم الأحيان الطرائق والنماذج، ولهذا، سمّاه «أسلمة

التطرف». كل تلك الأطروحات، أو المداخل التفسيرية لظاهرة الإرهاب العالمي، تجعلُ متتبعها يستخلصُ تضاربًا في وجهات النظر، إلى حد تناقضها. بل أكثر من ذلك، يُمكن القول إن مجمل هذه المقاربات والنظريات عمل على اختزال الظاهرة الإرهابية – أو الجهادية، كما يُسمّيها الباحث – وذلك بإرجاعها إلى عوامل

وأسباب غير متماسكة، ما يُفقدها طابعها الشمولي والعام. مع الإشارة إلى أن ما يُميّز ظاهرة

الإرهاب هو أنها «ظاهرة سوسيولوجية شاملة»، بحسب تعبير مارسيل موس. فهل يمكن القول إن أسباب الإرهاب تعود إلى الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية، وإن كل من يعيش هذا الوضع مرشّح

(((أوليفييه روا، الجهاد والموت، ترجمة صالح الأشمر (بيروت: دار الساقي، 2017)، ص.105 (((1 المرجع نفسه. (((1 مارسيل موس، بحث في الهبة، ترجمة المولدي الأحمر (بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.)2011

لأن يصبح إرهابيًا وجهاديًا، والحاصل أن هذا

التلازم الآلي لا يُستساغ في العلوم الاجتماعية؟ من جهة أخرى، القول إن من أسباب الجهاد هو الغطرسة الأميركية على المجتمعات المسلمة، لهو بالمثل لا يُفضي إلى تفسير معقول. وبالمثل بقية النماذج التفسيرية التي تُتداوَل في العديد من المقالات والكتب والتقارير والندوات – التي سبق أن أشرنا إليها – والتي إن فُسّرت من جانب

واحد، فهي تُفقد الظاهرة طابعها الشمولي. لهذا، وتجاوزًا لنوعية هذه القراءات أو المقاربات الاختزالية، فإن ما يُميّز مقاربة خسرو خافر، أنه

حاول استيعاب كل تلك المقاربات، من خلال تناول ظاهرة الجهاد في الغرب بوصفها ظاهرة لها سياقها الخاص المختلف عن بقية مناطق العالم، من حيث إن الظاهرة ليست وليدة انعكاسات الهجرة والإدماج واللاإندماج، وليست وليدة المعطى الهوياتي أيضًا، وبروز موجة الأزمة الوجودية عند العديد من الفئات. وليست لها علاقة بالتعارض بين نموذج علماني (إلحادي) ونموذج إسلامي ديني، وليست كذلك إفرازًا لأزمة المراهقة المبكرة والقبلية، وليست مسألة النقد الموجّه إلى النسوية، وليست مسألة الاضطرابات

العقلية والنفسية... إنها، بحسب الباحث، كل تلك العوامل والمسببات والشروط والتعالقات التي تتشابك في سياقات سوسيوتاريخية وسوسيو – أنثروبولوجية وسوسيوسياسية مركّبة، فهي المسؤولة عن هذا البناء للفعل الجهادي في

المراجع

العربية

جلال بدلة. بيروت: دار الساقي،.2018

المجتمعات الغربية. وكما كان يقول بيار بورديو Bourdieu Pierre: «لا يسقط مطر من دون تشكّل أسبابه.»

خاتمة

يتّضح من خلال هذا العرض أن كتاب الجهاد الجديد في الغرب يقدم تصوّرًا وتحليلً سوسيو – أنثروبولوجيًا لظاهرة «الجهاد» العالمي؛

ما سيساعد الباحثين وصنّاع القرار في العالم في تلمّس واضح لظاهرة مركبة جدًّا، خصوصًا في ظل حضور المقاربات الاختزالية التي لا تساعد على تشكيل صورة موضوعية عن الظاهرة. مع ذلك، تبرز إشكالية في عنوان الكتاب، حيث يحظى مفهوم الجهاد بقداسة ما في التمثلات الذهنية لدى العديد من المسلمين، ما قد يُشكّل نوعًا من الرفض الإبستيمولوجي للكتاب كلّه، انطلاقًا من عنوانه. كما أنّ توظيف خسرو خافر مفهوم «الجهاد» بدلً من «الإرهاب» غير موفق؛ كون الأول لا يَقلّ التباسًا عن الأخير. وبناء عليه، أقترحُ توظيف مفهوم محايد؛ «التعصب»، كما استعمله بذكاء الباحث الفرنسي جيرالد برونر، فالتعصب لا دين له ولا جغرافيا تميّزه، فهو

موجود في كل الثقافات والشعوب والجغرافيات، ويخترق كل الهويات والديانات والأيديولوجيات والتجارب التاريخية.

(12) Bronner.

References

بورغا، فرانسوا. فهم الإسام السياسي: مسار بحثي حول الآخرية الإسامية (2016–1973). ترجمة

جرموني، رشيد. «ظاهرة الإرهاب وتعدد المقاربات التفسيرية: وقفة للتأمل.» العربي. العدد 729

_______. «في سوسيولوجيا التحولات الدينية في العالم: ظاهرة المتحولين الدينيين نموذجًا.»

مقالات. مركز نهوض للدراسات والبحوث. 2020/4/18:. في gySvNF /3 ly. bit:// https الحيدري، إبراهيم. سوسيولوجيا العنف والإرهاب. بيروت: دار الساقي،.2015 روا، أوليفييه. الجهاد والموت. ترجمة صالح الأشمر. بيروت: دار الساقي،.2017 لاغرانغ، هوغ. نكران الثقافات. ترجمة سليمان رياشي. سلسلة ترجمان. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2016 موس، مارسيل. بحث في الهبة. ترجمة المولدي الأحمر. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2011

الأجنبية

Bouzar, Dounia. Comment sortir de l’emprise djihadiste? Paris: Éditions de l’Atelier,

Bronner, Gérald. La pensée extrême. Comment des hommes ordinaires deviennent des fanatiques. Paris: PUF, 2015. Kepel, Gilles. Terreur dans l’Hexagone: Genèse du djihad français. Paris: Gallimard,

Khosrokhavar, Farhad. "Le débat censuré." Orient xxi , 5/11/2020. at: https://bit.ly/3pOhjWc