العودة إلى تفاصيل المؤلَّف أفريقيا الشمالية بعد الانتفاضات العربية

أفريقيا الشمالية بعد الانتفاضات العربية

North Africa after the Arab Uprisings

محمد نعيمي| Mohamed Naimi *

الملخّص

عنوان الكتاب : أفريقيا الشمالية بعد الانتفاضات العربية . عنوان الكتاب في لغته: L'Afrique du Nord après les révoltes arabes . المؤلف : لويس مارتينيز Luis Martinez. الناشر : Presses de Sciences Po. مكان النشر : باريس. تاريخ النشر : 2019. عدد الصفحات : 252 صفحة.

Abstract

Professor of Organizational Sociology at the Institute of Social Development in Rabat, Morocco.

الكلمات المفتاحية:
  • الانتفاضات العربية
  • الدولة-الأمة
  • الوحدة الوطنية
  • التماسك الاجتماعي
  • أفريقيا الشمالية
Keywords:
  • The Arab Uprisings
  • The Nation-State
  • National Unity
  • Social Cohesion
  • North Africa

عنوان الكتاب:

أفريقيا الشمالية بعد الانتفاضات العربية.

. L’Afrique du Nord après les révoltes arabes عنوان الكتاب في لغته:

المؤلف:

لويس مارتينيز Luis Martinez. الناشر:

. Presses de Sciences Po

مكان النشر:

باريس. تاريخ النشر: عدد الصفحات:

252 صفحة.

مقدمة

ثمة أمر مثير للانتباه في ثورات «الربيع العربي» عام 2011؛ إذ لم تقتصر المفاجأة على المعنيِّين أنفسهم، من مستبدين

بالسلطة منذ عقود ومحتجين، بل أخذت على حين غِرَّة أيضًا البعثات الدبلوماسية المقيمة، من

سفارات وقنصليات. والأهم من ذلك أن الباحثين في العلوم الاجتماعية، الذين من مهماتهم الاستشراف والتحليل، لم يسلموا هم الآخرون من الطابع المباغت لتلك الموجة الثورية. لكن إذا تعذر التنبؤ بأحداث هذه الثورات والانتفاضات، فإن فهمها وتفسيرها أمران متاحان نسبيًا. هذا ما

يحاول لويس مارتينيز القيام به في كتابه أفريقيا الشمالية بعد الانتفاضات العربية. صدر الكتاب عام 2019، أي في سياق عربي يشهد انطلاق موجة ثانية من انتفاضات وثورات «الربيع العربي»؛ في السودان أواخر عام 2018، ثم في كلّ من الجزائر والعراق ولبنان عام.2019 ولبناء إشكاليته البحثية، ينطلق الكتاب من ظاهرة تفكك الدولة في ليبيا، بوصفها أبرز مآلات انتفاضات وثورات 2011، ومن تساؤلات حول الدولة–الأمة في بلدان هذه المنطقة. ثم يزعم أن مشكلة تماسك الأمة في هذه البلدان ترجع جذورها إلى بداية فترة الاستقلال (ص. 8). لذلك، يمكن إدراج هذه المقاربة ضمن المقاربات التي تولي أزمة الأنساق السياسية السلطوية في العالم العربي عمومًا أهمية بالغة.

(1) Anna Bozzo & Pierre–Jean Luizard (dir.), Les sociétés civiles dans le monde musulman (Paris: La Découverte, 2011), p. 9. (2) Abdallah Saaf (dir.), Mutations politiques comparées au Maghreb et au Machrek 7 ans après le Printemps Arabe (Rabat: OCP Policy Center, 2018), p. 172.

يفترض المؤلّف أن إعادة بناء الدولة–الأمة، بما تقتضيه من ضرورة الحفاظ على اللحمة الوطنية والتماسك الاجتماعي، هي التي تفسر إلى حد بعيد تهميش الخيار الديمقراطي في دول ما بعد الاستعمار المنتمية إلى هذه المنطقة. ولتمحيص فرضيته، يستعمل المؤلّف منهجًا تاريخيًا يغطي

الفترة الممتدة من خمسينيات القرن الماضي حتى أواخر العقد الثاني من عام 2000. ويقوم بحركة ذهاب وإياب في تاريخ الزمن الراهن الخاص بالمنطقة؛ من أجل تحليل أهم مآلات انتفاضات «الربيع العربي» في نسخته الأولى وتفسيرها. وبالقدر الذي يلجأ فيه إلى المقارنة بين بلدان أفريقيا الشمالية للتعرف إلى القواسم المشتركة بينها، يتعمق في دراسة حالة كل بلد على حدة. ينتظم الكتاب في ثمانية فصول، فضلً عن مقدمة وخاتمة. يتناول الفصلان الأولان بالتتابع مسألة البناء الوطني ومخاطره بالنسبة إلى دولة ما بعد الاستعمار، ومسألة التماسك الاجتماعي على محكّ الظلم الاجتماعي. ثمّ يخصص المؤلّف أربعة فصول لبلدان أفريقيا الشمالية بحسب كل بلد على حِدَة: تونس، وليبيا، والمغرب، والجزائر. ويُتبع ذلك بفصلين أخيرين؛ يتطرق أحدهما إلى كيفية استفادة الجماعات الجهادية من الانتفاضات العربية التي أضعفت الأنظمة السياسية القائمة، ويفحص الآخر التدهور الأمني والتفكك الإقليمي الناجمين عن تنامي الجماعات الجهادية في المغرب الكبير وفي الساحل الأفريقي. كذلك، يتناول الكتاب ثلاث قضايا رئيسة تسلط

الضوء على خلفيات انتفاضات 2011 ومآلاتها،

هي: إعادة بناء الدولة – الأمة في أفريقيا الشمالية

عبر تطوير سياسات عامة تتيح «البقاء المشترك»

رغم الانتفاضات التي تهدد هذا المسعى، ثم

سياسة تأهيل مجتمع تعتبره هذه الأنظمة «تقليديًا

ومحافظًا»، فضلً عن مقاربة تدبير مختلف أشكال

العنف الاجتماعي، وأخيرًا، مسألة التحدي

الجهادي ودوره في تطوير سياسة مراقبة الحدود

وإعادة بناء الروابط السياسية والاجتماعية اللازمة

للحفاظ على الوحدة الوطنية (ص. 18). ويحاول

المؤلِّف من خلال تحليله هذه القضايا أن يبين أن

التحول الديمقراطي من زاوية نظرية التحديث

يستلزم مجموعة من الشروط الاقتصادية

والاجتماعية.

أولا: مسألة إعادة بناء الدولة - الأمة

لفهم سبب انهيار الدولة في ليبيا، وليس في تونس، بعد انتفاضات 2011، يرى المؤلِّف ضرورة تحليل سيرورة البناء الوطني بما هو خلق للشعور بالانتماء إلى كيان سياسي مشترك. فإذا كان الكفاح ضد الاستعمار قد سهَّل عملية بناء وعي وطني ووحَّد

أقاليم حول دول جديدة، فإن تجانس الأمة لم يكتمل فيها بعدُ حينذاك. لذلك، عملت هذه الدول منذ الاستقلال على النهوض بالشعور الوطني وخلق التجانس الثقافي الضامن للوحدة الوطنية عبر وضع سياسات تربوية ودينية واقتصادية وأمنية (ص. 24). ويرى المؤلف، بالنسبة إلى تونس، أن الرئيس الحبيب بورقيبة مارس «تحديثًا سلطويًا»

أدى إلى تشكيل الهوية الجديدة للبلاد عبر إصلاح النظام التعليمي والمؤسسات الدينية. وفي حالة كل من الجزائر والمغرب، سعى الجيش والمؤسسة الملكية، في سياق تميز بضعف سيادة الدولة على بعض أجزاء البلاد، إلى تقوية الشعور بالانتماء الوطني عبر تأييد الانصهار بين الدولة والأمة على مستوى الخطاب. أما في ليبيا، فقد قامت

ملكية إدريس السنوسي (1969–1951)، بحسب المؤلف، بمأسسة الانقسام الترابي ضمن دولة فدرالية (ص. 23) ويرى المؤلف أن مواصلة بناء الدولة–الأمة اصطدمت بتزايد المناطق المحتجة، وأنه قد نجم عن ذلك انتفاضات متقطعة ومفاوضات وتوافقات مع الدولة حول مسائل الهوية؛ كالتعددية الثقافية واللغوية، ومكانة الإسلام في المجتمع، فضلً عن مسألة الحكامة السيئة وما يترتب عليها من ظلم اجتماعي، مثل تفشّي الفقر والأمية والجهل منذ الاستقلال. ويشير مارتينيز في هذا الخصوص إلى أنه رغم أن النظام الديمقراطي لقادة الدول المغاربية كان المثل الأعلى، فإن أكثر ما كان يزعجهم في مسعاهم لإعادة بناء الدولة–الأمة هو حالة تلك المناطق المتمردة التي يخشون تفجّرها

من جراء تنامي النزعة الجهوية (ص. 32) ويخلص المؤلّف بنوع من الاختزال إلى أنه، من خلال هذا التهميش للخيار الديمقراطي، عمَّ نظام الحزب الواحد في الجزائر وتونس،

ونظام التعددية الحزبية المقيدة في المغرب. كما تراجعت الحريات السياسية والمجتمع المدني، فضلً عن انتهاك الحق في التعبير باستمرار بذريعة التهديدات الداخلية أو الخارجية. وبحسب رأي المؤلف، انهمك الوطنيون في بناء دولة قوية، وإنْ على حساب مجتمع ضعيف. ولكونهم ورثوا من الاستعمار إدارةً تشتغل بمنطق الدولة المركزية، فقد اعتقدوا أنّ ذلك كافٍ لتحقيق التنمية وضمان الأمن والرفاه للسكان. بيد أن عدة مناطق كانت تبدي مقاومتها لهذه النظرة اليعقوبية للدولة، بحيث يجسد الريفيون والقبايليون والأمازيغ والطوارق أبرز أوجه التمرد ضد الدولة المركزية قيد النشوء.

وبتهميش التيار الإصلاحي الطموح للعدالة والحرية ودولة القانون، لم يحتفظ الوطنيون من الفكر الإصلاحي سوى بألفاظ الأمة والعدل والمساواة. أما روح الفكر الليبرالي، بما تعنيه من حرية رأي ودستور، فقد جرى إهمالها. وخلال ذلك، نمَت في الجزائر وليبيا الحركتان

الإسلامية، ومن ثم الحركة الجهادية، في سياق اتسم بتحولات عميقة؛ كالثورة الديموغرافية، وتقلص شرعية المؤسسات السياسية، وفشل نماذج التنمية. لقد أدت هذه التحولات إلى اندلاع حركات احتجاجية ذات توجه إسلامي في ثمانينيات القرن الماضي، كشفت «الانحرافات» الاشتراكية للنظامين الجزائري والليبي منذ الستينيات والسبعينيات، فضلً عن طبيعتهما «الاستبدادية» والظالمة. لكن هذا التهميش لم يمنع هذا التيار الإصلاحي الليبرالي من معاودة الظهور عام 2011 في سياق «الربيع العربي» الذي أعاد إلى الواجهة مطالب دولة الحق والقانون واحترام الحريات والكرامة.

ثانيًا: مسألة تأهيل المجتمع

بخصوص هذه المسألة، يرى المؤلّف أن الوطنيين المتأثرين بأيديولوجيات اشتراكية أو عالمثالثية وضعوا منذ الاستقلال سياسات لتدجين الأفراد عبر أنظمة سلطوية. كانت تمثلاتهم لبناء المجتمع مطبوعة بالخوف من شعب اعتبروه تقليديًا ومحافظًا. لذلك، انخرطوا منذ الستينيات في محاربة تصرفات اجتماعية سلبية موروثة من الاستعمار أو الإقطاع. ويشير المؤلف إلى أنّه خلال حكم بورقيبة أطلقت حملة ضد «الميل الشديد نحو الفوضى وروح العشيرة وعدم الخضوع للقانون»، وغير ذلك. وكان النظام يكافح ما يسميه «العقلية الرجعية

القديمة الكسولة والسوقية» لدى التونسيين بواسطة التربية. ونجد الأمر نفسه، تقريبًا، في

الجزائر، حيث كانت الثورة الزراعية تشترط تغيير عقلية الفلاح من أجل العيش في قرى اشتراكية تتم فيها التنشئة الاجتماعية وفق أنماط تحررية جديدة. لذلك، كانت النخبة الحداثية المكونة على الطريقة الغربية، تعتبر الإسلام حاملً لثِقْل قيم خاصة بحضارة بدوية قديمة، وأن تكييفه وفق الأيديولوجيا الاشتراكية، يمر عبر تنقية الخطاب الديني الرسمي من تقليديته (ص. 33) ويرى المؤلّف أن إرادة «إعادة تشكيل العقليات» هذه، أصبحت تتضاءل شيئًا فشيئًا لفائدة تصور الدولة القوية بنموذجها التنموي، والقادرة على إدارة الصراعات الاجتماعية. وقد ضمنت الموارد الطاقية (بترول، غاز، وفوسفات) والفلاحية والسياحية للدولة موارد مهمة خصصتها للحفاظ على النظام. غير أن الشعب الذي كان مصدر خوف بسبب طبيعته التقليدية، أصبح بدءًا من

ثمانينيات القرن الفارط يخيف بحجم شبابه (70 في المئة من السكان هم أقل من 30 عامًا)، وبانجذابه إلى الإسلاموية كأيديولوجيا جديدة (ص. 36) وفي هذا السياق، يرى مارتينيز أن الصراع انتقل من المجالي إلى الهوياتي، فباتت هذه الأيديولوجيا تجسد المنحى الجديد للكفاح ضد الغرب. أما القادة الوطنيون، الذين أنساهم هاجس تقوية الدولة أهمية اللحمة الدينية، فقد فقدوا مكانتهم بوصفهم مدافعين حقيقيين عن الشعب لمصلحة مكانتهم كحلفاء للقوى الغربية. وأمام هذا الفشل التنموي والتصلب السياسي، اندلعت انتفاضات عديدة في ثمانينيات القرن الماضي في أغلب بلدان المنطقة (حزيران/ يونيو 1980

بالدار البيضاء، كانون الثاني/ يناير 1984 بتونس العاصمة، تشرين الأول/ أكتوبر 1988 بالجزائر العاصمة). وشيئًا فشيئًا، تخلّت – بحسب المؤلف – أقسام فاعلة من المعارضة عن القومية العربية والدولة القوية لفائدة التضامن الإسلامي وإقامة الخلافة أو الدولة الإسلامية وتطبيق الشريعة. لكن الأنظمة السياسية واصلت تصلّبها وقاومت هذا المد لتتوسع في المقابل شبكات المجتمع المدني التي قاومت الانغلاق السياسي. ورغم ذلك، لم يكن يُنظر إلى المجتمع المدني بوصفه فاعلً في الاحتجاج السياسي، بل بوصفه مواكبًا

للتنمية الاقتصادية والاجتماعية (ص. 49) وهنا يشير المؤلف إلى أنه، بعد عشرين عامًا من ذلك، وبشكل غير منتظر، ظهر فاعلون كشفوا مظهرًا غير معروفٍ بقدر كافٍ أو أقل دراسة

في البلدان العربية، بشأن دينامية المجتمعات المغاربية في مواجهة دول منظمة ومهيْكَلة لفرض

السيطرة السياسية (ص. 50)

ثالثًا: مسألة التحدي الجهادي

في المستوى الثالث من التحليل، يناقش المؤلف مسألة يقول إنها برزت بحدة بعد الانتفاضات العربية عام 2011، هي مسألة الحدود التي تحولت إلى رهان أمني كبير في المنطقة، وبدا أنّ كل دولة تشكك في قدرة جارتها على تأمين حدودها الخاصة. فالديمقراطية التونسية الناشئة ما برحت تتعرض لهجومات تونسيين منتمين إلى تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي ولاجئين في ليبيا التي تعاني الفوضى. كما أن مواقع الغاز الجزائرية في الصحراء استهدفتها جماعات جهادية متوطِّنة في ليبيا أيضًا. أضف إلى ذلك تعرّض دول أفريقيا الغربية الداعمة

لسياسة التدخل العسكري الفرنسي لهجومات قامت بها جماعات جهادية قادمة من ليبيا أو من مالي (ص. 208) يرى المؤلف أن تأمين الحدود بعد انهيار الدولة في ليبيا، منذ عام 2012، أصبح مشكلة دولية، لا سيما على المستوى الأوروبي. وفي الوقت

الذي أضعِفت فيه حكومات أفريقيا الشمالية منُ جراء التمردات والانتفاضات والثورات، أجبرها الضغط الأوروبي على تعزيز حدودها بوصفه أمرًا ضروريًا للأمن الدولي. وهذا يعني، بالنسبة

إلى دول المنطقة، تخصيص موارد بشرية ومالية، ونشرها في مجالات ترابية كانت نسبيًّا متخلًّى

عنها إلى حد الآن. وقد جرى هذا الاستثمار في أمن الحدود على حساب دعم التنمية في بلدان المنطقة (ص. 209) بعد انتكاسة «الربيع العربي»، ظهرت مشكلة حقيقية تتعلق بمدى قدرة هذه الدول على الحفاظ على بقائها من جراء الثورات والانتفاضات. ورغم القواسم المشتركة بين هذه البلدان، فإن تأثيرات الانتفاضات تختلف، بحسب رأي المؤلّف، من بلد إلى آخر. ففي تونس، أفضت هذه الانتفاضات إلى ثورة قلبت نظام زين العابدين بن علي ومكَّنت من الانتقال إلى الديمقراطية. وفي ليبيا، سرعان ما حلّ تمرّد مسلح محلّ المظاهرات السلمية

الأولى وأدّى إلى مواجهات مسلحة تسببت في انهيار الدولة. أما في المغرب والجزائر، فقد تم تحييد الانتفاضات، ولكن المطالب تجاه الدولة استمرت وفرضت على البلدين معًا توزيع الموارد حفاظًا على الاستقرار والسّلم المدني؛ إذ يدل

على ذلك، خصوصًا، حراك الريف بالمغرب (ص 140–137) والحراك الشعبي بالجزائر (ص. 169)–161

رابعًا: ملاحظات نقدية

إذا كان المؤلِّف محقًّا إلى حد ما في تركيزه على قضايا إعادة بناء الأمة وشرعية الدولة وتشكل الهويات، فإن ذلك لا يبرر إطلاقًا إغفاله موضوع الانتقال الديمقراطي. فتحولات «الربيع العربي» لعام 2011 أظهرت من جديد بقوة أهمية سؤال شروط نشأة الدولة في العالم العربي وتطورها، ومسائل التنوع الإثني واللغوي والثقافي، فضل عن علاقة الدولة الحديثة بالولوج إلى الموارد العامة وتوزيعها ومراقبتها، وكذلك مشكلة بناء الدولة–الأمة ومقدار العنف في هذا البناء. وفي هذا الصدد، يحِقُّ القول إن المؤلّف لم يأتِ بجديد؛ إذ توجد عدة مؤلفات عربية تناولت هذه المسائل بعمق كبير أحيانًا. أما في ما يتصل بالمسألة الديمقراطية، فقد اعتمد المؤلّف بالأساس على نظرية التحديث، خاصة أطروحة أهمية الشروط المسبقة لقيام الديمقراطية التي كانت سائدة في خمسينيات القرن الماضي.

(((ينظر: عزمي بشارة، الانتقال الديمقراطي وإشكالياته: دراسة

نظرية وتطبيقية مقارنة (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2020)، ص.26

(4) Saaf, p. 14.

(((للمزيد عن نشأة الدولة الحديثة وتطورها في العالم العربي،

ينظر مثً، وليس حصرًا: برهان غليون، المحنة العربية: الدولة

ضد الأمة، ط 4 (الدوحة/ بيروت: المركز العربي ل بأأحاث

ودراسة السياسات،2015)؛ عبد الله العروي، مفهوم الدولة، ط 10 (الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي، 2014)؛

جدليّات الاندماج الاجتماعي وبناء الدولة والأمة في الوطن

العربي (الدوحة/ بيروت: المركز العربي ل بأأحاث ودراسة

السياسات، 2014)؛ فخر الدين ميهوبي، إشكالية بناء الدولة في

المغرب العربي: دراسة في تطور دولة ما بعد الاستعمار (الإسكندرية: دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر، 2014)؛ محمد

عبد الباقي الهرماسي، المجتمع والدولة في المغرب العربي، ط 3 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1999)؛ المولدي

الأحمر، الجذور الاجتماعية للدولة الحديثة في ليبيا (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.)2009

وقد عرفت هذه الأطروحة ذيوعًا بعد أن نشر شارل عيساوي مقالة تفسر مسألة غياب الديمقراطية في الشرق الأوسط، بعد مرحلة الاستعمار، بعدم توافر الأسس الاقتصادية والاجتماعية؛ مثل حجم الإقليم والسكان، ودرجة النمو الاقتصادي، وتوزيع الثروة، والتصنيع، والتجانس اللغوي والديني، ومستوى التعليم، وقيم المشاركة التعاونية. إنّ ما يُعاب على نظرية التحديث في الديمقراطية نزعتها المركزية الأوروبية، بحيث كانت تجعل من الديمقراطية الغربية المآل «الطبيعي» لكل تطور سياسي. كما أخضعت السيرورات السياسية للبلدان العربية إلى مقياس ثابت، هو مدى التوافق مع هذا الأنموذج، الأمر الذي جعل هذه الدراسات تركّز على ما تفتقده هذه السيرورات السياسية من مقومات، مقارنةً بالنموذج الغربي. لذلك، عندما نفحص الجهاز المفاهيمي للمؤلف، نلاحظ أنه يَمتَح من معين هذه النزعة

الأورو–مركزية. وغير خافٍ أنّ هذه الأخيرة قد شكلت أحد التشوهات الفكرية الغريبة التي يعانيها مجال البحث في المسألة الديمقراطية. فأي تطور سياسي إقليمي لا يعدو كونه فشل وانحرافًا عن «المسار التاريخي العادي»، مسار البلدان الأوروبية. ومن ثمَّ، فإن الباحثين المتأثرين

(((شارل عيساوي، «الشروط الاقتصادية والاجتماعية

للديمقراطية في الشرق الأوسط»، المستقبل العربي، العدد 322 (2005)، ص.26–6

(7) Steven Heydemann, "La question de la démocratie dans les travaux sur le monde arabe," Critique internationale , no. 17 (2002), p. 55.

(((نذكر على سبيل المثال، لا الحصر، المفاهيم التالية: أفريقيا الشمالية، والدولة–الأمة، والدولة الاستعمارية، ودولة ما بعد الاستعمار، والنظام الاستعماري، والحداثة والتحديث، والديمقراطية الغربية، و«المجتمع القديم والرجعي»، و«إعادة التربية» و«التحضر»، و«إعادة تشكيل العقليات.»

بهذه النزعة، ومن ضمنهم مارتينيز، يهتمون بما هو منعدم كمسألة تحتاج إلى حلّ. وبعبارة أوضح، ينتظم البحث حول مقارنة سلبية بين معيش العالم العربي ومعيش مناطق أخرى. ويترتب على ذلك، التساؤل حصرًا عن كيفية صيرورة الأمور إلى

ما هي عليه في الوقت الراهن، وليس عن السبب الذي جعلها تصير إلى شيء آخر، فضلً عمّا

يجب فعله لتقويم هذا الانحراف التاريخي. ومن تعبيرات هذا التوجه، كما سبقت الإشارة إلى ذلك، الإلحاح على البحث عن «الشروط القبْلية»

للديمقراطية في العالم العربي. يُجري المؤلّف

هذا المنظور التحديثي الأورو–مركزي نفسه على ما يسميه، بلغة جغرافية استعمارية، بلدان أفريقيا الشمالية. ففي معرض تطرقه إلى حالة الجزائر، يرى أن الحفاظ على الوحدة الوطنية والتماسك الاجتماعي يُعتبر مهمًّا جدًّا بالنسبة إلى الحكام

الجزائريين. فصدمة الحرب الأهلية ما زالت تشغل الأذهان، خاصةً أن الوضعية في ليبيا وسورية واليمن ما برحت تُحيِّن هذه التراجيديا. ويزعم

المؤلّف أن انتشار العنف في هذه البلدان يُزكّي

توجّس السلطات الجزائرية وجزء من السكان من

الانتفاضات والثورات. والأهم من ذلك التيقُّن، بحسب المؤلّف، من أن المنطقة ليست مستعدة لانتقال ديمقراطي في ظل غياب قوى تحضنه وترعاه. وهو الشرط الغائب في بلدان أفريقيا الشمالية على حد ادعائه. فالحرية من دون الأمن، كما ورد في الكتاب، هي بمنزلة مكسب غير منتظر بالنسبة إلى الإسلاميين الذين سيكون بإمكانهم فرض نظامهم الأخلاقي الجديد (ص. 147) يمكن الاتفاق مع مارتينيز في أن تجربة الحرب الأهلية المريرة في الجزائر شغلت الأذهان

(9) Heydemann.

والوجدان، لكن ذلك ليس على نحو مطلق. فإذا أقررنا بتأثيرها في عدم خوض الشعب الجزائري غمار الموجة الأولى من «الربيع العربي» عام 2011، فإن حراك هذا الشعب ما لبِث أن اندلع في 22 شباط/ فبراير 2019 في إطار ما بات يعرف بالموجة الثورية العربية الثانية. وبدلً من أن تكون الجزائر عامل تنفير، أصبحت عامل جذب وتحفيز بفضل حراكها السلمي والحضاري الذي لم يوقفه، بعد عام، سوى تفشي جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19–يستأنف). ثم مساره في 22 فبراير/ شباط 2021، أي بعد عام من التوقف الاضطراري. وشاء «مكرُ التاريخ» أن

صار العنف سمةً أساسية للاحتجاجات في بلدان غربية كثيرة، منها فرنسا على وجه الخصوص. على صعيد آخر من الاشتباك مع أفكار المؤلِّف، وبصرف النظر عن الهفوات التقنية المتعلقة بعدم ضبط أسماء بعض الشخصيات السياسية وبعض التواريخ، يمكننا ملاحظة أن المؤلّف كثيرًا ما يجهل الوقائع ولا يقرأ الدراسات العربية،

ولا يحيل إليها إلا من باب رفع الحرج. فلو أنه اطلع على الأدبيات المغاربية والعربية حول الموضوع لخفَّف من غَلْواء نزعته الأورو–مركزية الخارجية. فعلى سبيل المثال، زعم أن السلفية هيمنت تدريجيًا على حركة 20 فبراير في المغرب

(ص. 128)، غير أن هذا الادعاء لا أساس له من الصحة. وفي هذا الصدد يقول أحد ناشطي الحركة المقربين من السلفيين: «وهذا ما أدى ببعضهم للانخراط [في الحركة] بشكل فردي وليس ككيان جماعي، لكن بعد مدة بدأت تطفو على السطح بعض الهواجس الأيديولوجية أدت

(((1 سواء مع حركة السترات الصفراء (بدءًا من أواخر 2018)،

أو مع الحركة المناهضة لقانون «الأمن الشامل» (نهاية 2020 ومطلع.)2021

بالنشطاء السلفيين إلى مراجعة موقفهم الإيجابي من حركة 20 فبراير […] وفي اعتقادي لا يمكن اعتبار الأداء السلفي ذا أهمية داخل الحراك المغربي باستثناء مدينة طنجة». كما أن الكتاب جانب الصواب أيضًا بخصوص مكوّنات حركة

20 فبراير؛ إذ حصرها في المناضلين الإسلاميين لحركة العدل والإحسان، وممثلي الجمعيات العلمانية والناشطين السيبرانيين (ص. 129) ولكنه أغفل ذكر مناضلي اليسار الراديكالي؛ كالنهج الديمقراطي، وحزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، والحزب الاشتراكي الموحد، والمؤتمر الوطني الاتحادي. لقد استعمل المؤلف أيضًا مفهومًا كولونياليًا هو

«أفريقيا الشمالية»، بدلً من المغرب الكبير أو البلدان المغاربية، ومن نافلة القول إنه قد جرى منذ نهاية الخمسينيات الانتقال في هذه البلدان من وصف «المغرب العربي»، الذي شُحن بحمولة هوياتية شديدة تحت تأثير القومية العربية المغاربية، إلى صياغة أشمل هي «المغرب الكبير» أو البلدان المغاربية. كما أن مصطلح «المغرب» انتقل من الحركات الاستقلالية والوطنية إلى المجتمع العلمي الذي يدعم هذه الحركات، ويناضل من أجل نزع الطابع الاستعماري عن العلوم الاجتماعية.

sur

(((1 الوسيط من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان، حركة 20

فبراير: محاولة في التوثيق (الرباط: منشورات الوسيط، 2015)، ص.59

(12) Sarah Boisson, "Maghrébin, une catégorie imaginaire?" La vie des idées , accessed on 26/1/2021, at: https://bit.ly/2MtaI3P;

يُنظر أيضًا: عبد الله العروي، تاريخ المغرب: محاولة في

التركيب، ترجمة ذوقان قرقوط (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1977)، ص 10؛

Charles André Julien, Histoire de l’Afrique du Nord, des origines à 1830 (Paris: Payot, 1994); Abdallah Laroui, L’Etat dans le monde arabe contemporain: Eléments d’une problématique (Louvain–la–Neuve: CERMAC, 1980).

وفي الحقيقة يندرج بحث مارتينيز في توجه بحثي فرنسي عامّ استمر منذ الفترة الكولونيالية.

فقد انزرعت في ذهن هذا التيار منذ تلك الفترة فكرة «الدولة المستورَدة»، وهو تصور أعاد إرساءه

برتران بادي Badie Bertrand عندما نظر إلى دول الاستقلال على أنها نتاج للاستعمار الذي ثبَّت

هياكل مؤسساتية غريبة فوق البنيات السياسية والاجتماعية التقليدية، من دون اعتبار للتاريخ السياسي العريق لكثير من هذه الدول، وخصوصًا

في البلاد المغاربية، وهو تاريخ درسه باستفاضة مؤرخون وعلماء اجتماع مغاربيون كبار من أمثال عبد الله العروي ورحمة بورقية في المغرب، ومحمد الهادي الشريف وعبد الباقي الهرماسي في تونس. ختامًا، إن ما أثاره الكتاب من مناقشة وملاحظات

لا يقلل بأي حال من الأحوال من القيمة العلمية للدراسة. فقد توفقت هذه الأخيرة إلى حد بعيد في تفسير انتفاضات 2011 بإرجاعها إلى عاملين أساسيين مرتبطين بالبنيتين السياسية–الأمنية والاقتصادية لدولة ما بعد الاستعمار: الحفاظ على النظام واستخراج الموارد الطبيعية. إن اعتماد

(((1 للتوسع أكثر في مفهوم «الدولة المستورَدة»، ينظر:

Bertrand Badie, L’État importé: Essai l’occidentalisation de l’ordre politique (Paris: Fayard,

(14) Laroui, L’Etat dans le monde arabe contemporain ; Abdallah Laroui, Les origines sociales et culturelles du nationalisme marocain, 1830–1912 (Paris: F. Maspero,

رحمة بورقية، الدولة والسلطة والمجتمع: دراسة في الثابت

والمتحوّل في عاقة الدولة بالقبائل في المغرب (بيروت: دار

الطليعة،.)1991

(15) Mohamed–Hédi Cherif, "Pouvoir beylical et contrôle de l’espace dans la Tunisie du XVIII et des débuts du XIX siècles," Annuaire de l’Afrique du Nord 22 (1983), pp. 49–61;

الهرماسي.

الدولة الكبير منذ الاستقلال على هاتين الوظيفتين الموروثتين من النظام الاستعماري، أدى إلى تهميش

المراجع

العربية

العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2020

المغرب. بيروت: دار الطليعة،.1991

للأبحاث ودراسة السياسات،.2014

العربية للدراسات والنشر،.1977.________ مفهوم الدولة، ط 10. الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي،.2014

العربي. العدد.)2005) 322

ودراسة السياسات،.2015

الإسكندرية: دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر،.2014

الوحدة العربية،.1999

الوسيط،.2015

الأجنبية

خدمة الصالح العام وتراجع الخيار الديمقراطي في ستينيات القرن الفارط لفائدة أنظمة سلطوية.

References

بشارة، عزمي. الانتقال الديمقراطي وإشكالياته: دراسة نظرية وتطبيقية مقارنة. الدوحة/ بيروت: المركز

بورقية، رحمة. الدولة والسلطة والمجتمع: دراسة في الثابت والمتحوّل في عاقة الدولة بالقبائل في

جدليّات الاندماج الاجتماعي وبناء الدولة والأمة في الوطن العربي. الدوحة/ بيروت: المركز العربي

العروي، عبد الله. تاريخ المغرب: محاولة في التركيب. ترجمة ذوقان قرقوط. بيروت: المؤسسة

عيساوي، شارل. «الشروط الاقتصادية والاجتماعية للديمقراطية في الشرق الاوسط.» المستقبل

غليون، برهان. المحنة العربية: الدولة ضد الأمة. ط 4. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث

ميهوبي، فخر الدين. إشكالية بناء الدولة في المغرب العربي: دراسة في تطور دولة ما بعد الاستعمار.

الهرماسي، محمد عبد الباقي. المجتمع والدولة في المغرب العربي. ط 3. بيروت: مركز دراسات

الوسيط من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان. حركة 20 فبراير: محاولة في التوثيق. الرباط: منشورات

Badie, Bertrand. L’État importé: Essai sur l’occidentalisation de l’ordre politique. Paris: Fayard, 1992. Bozzo, Anna & Pierre–Jean Luizard (dir.). Les sociétés civiles dans le monde musulman. Paris: La Découverte, 2011.

Cherif, Mohamed–Hédi. "Pouvoir beylical et contrôle de l’espace dans la Tunisie du XVIII et des débuts du XIX siècles." Annuaire de l’Afrique du Nord 22 (1983). Heydemann, Steven. "La question de la démocratie dans les travaux sur le monde

Julien, Charles André. Histoire de l’Afrique du Nord, des origines à 1830. Paris: Payot,

Laroui, Abdallah. Les origines sociales et culturelles du nationalisme marocain, 1830–

________. L’Etat dans le monde arabe contemporain: éléments d’une problématique.

Saaf, Abdallah (dir.). Mutations politiques comparées au Maghreb et au Machrek 7 ans

arabe." Critique internationale. no. 17 (2002).

1912. Paris: F. Maspero, 1977.

Louvain–la–Neuve: CERMAC, 1980.

après le Printemps Arabe. Rabat: OCP Policy Center, 2018.