العودة إلى تفاصيل المؤلَّف لا مستوطن ولا محلاني: صناعة الأقليات الدائمة وتفكيكها

لا مستوطن ولا محلاني: صناعة الأقليات الدائمة وتفكيكها

Neither Settler nor Native: The Making and Unmaking of Permanent Minorities

مريم الهاجري| Maryam AlHajri *

الملخّص

*  باحثة دكتوراه في قسم علم الاجتماع، جامعة إدنبرة، المملكة المتحدة.

Abstract

Belknap Press of Harvard University Press.

Neither Settler nor Native: The Making and Unmaking of عنوان الكتاب في لغته: Permanent Minorities. محمود ممداني Mahmood Mamdani.

الكلمات المفتاحية:
  • الحداثة السياسية
  • ما بعد الاستعمار
  • الاستعمار الاستيطاني
  • الحكم غير المباشر
  • القومية
Keywords:
  • Political Modernity
  • Postcolonialism
  • Settler Colonialism
  • Indirect Rule
  • Nationalism

عنوان الكتاب:

المؤلف: الناشر:

مطبعة بيلكناب التابعة لمطبعة جامعة هارفارد

مكان النشر:

ماساتشوستس ولندن. سنة النشر: عدد الصفحات:

416 صفحة.

لا مستوطن ولا محلاني: صناعة الأقلّيات الدائمة وتفكيكها.

Neither Settler nor Native: The Making and Unmaking of عنوان الكتاب في لغته:

Permanent Minorities. محمود ممداني Mahmood Mamdani.

PhD Candidate in Sociology at the University of Edinburgh, UK. Email: maryam.alhajri@dohainstitute.edu.qa

مقدمة

يأتي كتاب لا مستوطن ولا محلاني: صناعة الأقلّيات الدائمة وتفكيكها، للأنثروبولوجي الأوغندي محمود ممداني، امتدادًا لسلسلة مهمة من دراساته التي تبحث في آليات الحكم الاستعماري المباشر وغير المباشر واستتباعاته. ففي كتابه البارز المواطن والرعية، قدم ممداني دراسة تاريخية استُخدمت مرجعًا

مركزيًّا في الدراسات المُهتمة بالإرث الاستعماري

المتأخر في أفريقيا بخاصّة، وتبعاته السياسية على

دول ما بعد الاستعمار بعامّة. في هذا الكتاب، يعود ممداني إلى الاشتغال بالتحليل المقارن للمواطن والرعية، مع التركيز على التجليات المختلفة للحكم الاستعماري غير المباشر؛ آليات بنائه وعواقبه ومحتواه (ص. 13)، لكنْ بتوسّعٍ أكبر في وحدات التحليل ودراسات

الحالة، ليقدّم أطروحة ذات نطاق أكثر عالميةً تُعيد مساءلة العلاقة بين القومية والدولة الحديثة والاستعمار بوصفه جزءًا لا ينفصل عن المبنى

السياسي الحديث (ص. 18). في سبيل ذلك، يُركّز المؤلف على العلاقة التي تُؤصّلها المبادئ

الأساسية للنظرية الليبرالية، من قبيل "التسامح" بين "أغلبية" و"أقلية"، و"مستوطن" و"محلاني"، وتبعات هذه الثنائيات على النشاط السياسي في دول المتروبول والاستعمار، ليخلص إلى نتيجة مفادها أنّ العنف المتطرف سياسيٌّ في أصله،

ويتطلب تواطؤ عددٍ من النُظم لتحقيق أهدافه،

وهو ليس قاصرًا على عمل إجرامي و/ أو فردي.

(1)  Mahmood Mamdani, Neither Settler nor Native: The Making and Unmaking of Permanent Minorities (Massachusetts/ London: Belknap Press of Harvard University Press, 2020). (2)  Mahmood

Mamdani, Citizen and Subject: Contemporary Africa and the Legacy of Late Colonialism (Princeton: Princeton University Press, 1996).

يناقش المؤلف في مقدمة الكتاب "السيرة الذاتية" للدولة الحديثة لحظة ولادتها، ويُقدّم مداخلة مفادها أنّ السيرة المتداولة – مع توقيع معاهدة ويستفاليا عام 1648 – تبدأ متأخرةً عن لحظة الولادة الفعلية، التي يترتب عليها تقديم دروس "أخلاقية" خاطئة عن هذه اللحظة؛ ففي هذه السيرة تظهرُ ولادة الدولة كأنّها نتيجة وحلّ لعقودٍ

من الحروب التي انتشرت في أوروبا. ولذا، فإنّ هذه القصة تروّج لظهور الدولة الحديثة، بوصفها حلًّ يعزّز التسامح واحترام السيادة (ص 6–1). في حين يرى المؤلف أنّ اللحظة الفعلية لبدايات ظهور الدولة القومية التي نعرفها اليوم تعود إلى عام 1492 في أيبيريا، وأنّها أسست لتطور ظاهرتين رئيستين: الأولى هي التطهير العرقي الذي مارسته الملَكية القشتالية ضد كل من اعتُبر "غريبًا"،

لخلق وطنٍ قومي "متجانس" (ص. 1). أمّا الثانية، فتتعلقُ بغزو الهنود (الحمر) في الأميركتين عام 1492، والقيام بعمليات التطهير العرقي ذاتها التي شملت مسلمي أيبيريا ويهودها. بعد هذا الطرح، يخلص المؤلف إلى أنه، بإعادة قراءتنا لتاريخ بداية ظهور الدولة الحديثة، يتّضح أنّ الاستعمار الحديث ليس حدثًا طارئًا على الدولة القومية، بل هو جزء لا ينفصل عن مبناها. فقد وُلد كلّ من الاستعمار والدولة الحديثة من رحم تشكّل الدولة القومية، وبذلك يستنتج أنّ القومية لم تسبق الاستعمار، وأنّ الاستعمار بدوره لا يمثّل أعلى مراحل نشوء القوميات. وعلى أهمية الأفكار التي طرح المؤلف، فإنّه لم يقدم الأدلة الكافية التي تدعمها، بدءًا بادّعائه أنّ الدولة الحديثة ولدت

في عام 1492، وانتهاءً بالعلاقة التي يؤسس لها

بين القومية والاستعمار، وهو الادّعاء الذي يحتاج إلى سبْرٍ تاريخي للعلاقة بين الظاهرتين. قد يعتقد

القارئ في هذه المرحلة أنه يقرأ، فيما سيأتي،

التاريخَ التفصيلي لهذه العلاقة، ولكنه لا يكاد يجد أي متابعة للمسألة؛ إذ ترِدُ بضع فقرات في المقدّمة ما تلبث أن تتلاشى في باقي الكتاب. يقدّم المؤلف حجة أساسية أخرى، وهي أنّ مفهوم "التسامح" كان دخيلً على الدولة القومية، وأنّه أتى في مرحلة متأخرة لحقن الدماء التي سبّبتها؛ وهذا

ما أدّى إلى إبرام معاهدة ويستفاليا لضمان السلام داخل الدولة القومية المتشكّلة حديثًا (ص 6–1). وهنا نجده يعيد مفهمة "الأقلّيات" عبر قراءتها في ضوء "التسامح" الناشئ بدوره مقابل الولاء السياسي، والذي عنى المعادلة الآتية: التسامح

مشروطٌ ببقاء الأقلّيات غيرَ مُهدِّدةٍ للأغلبية القومية

(ص 9–6). وقد قامت هذه المنظومة، عبر تعريف العلاقة بين الأغلبية القومية والأقلّيات، بتقوية الدولة القومية. وهو التسامح ذاته المُعرّف للطابع الليبرالي

اليوم في النظام السياسي الحديث. وبناءً عليه، يحاج

المؤلف بأنّ الحداثة السياسية المتجسدة في الدولة القومية، التي تضم غالبية قومية، تعني بالضرورة تشكّلً مستمرًّا لأقلّيات دائمة تكون محكومة ببنية

قائمة على سلب الحقوق والحرمان من العضوية في الدولة القومية. من هنا، يتّضح أنّ مبنى الدولة

الحديثة عنيف في جوهره؛ وذلك نتيجة للأحداث التي أسست لظهورها، من تطهير عرقيّ وإبادات

جماعية، في سبيل خلق دولة قومية متجانسة. ويرى المؤلف أنّ هذه الحالة السياسية الجديدة المتمثلة في الحداثة، الّتي تتمركز – في أصلها وأيديولوجيّتها

وخطابها السياسي – حول أوروبا Eurocentric، قد اتّخذت شكلً مختلفًا في المستعمرات الأوروبية. فقد تمثّلت هذه الحداثة في الغزو الذي لا يريد "التسامح" إلّ مع من يُعدّ متحضّرًا؛ أي الأوروبيّ –

المسيحيّ (ص. 2)، لذلك قام الأوروبيون بالتوسع

في مهمّات "التحضير" في المستعمرات، من أجل

خلق نسخة مشوّهة من الحداثة المتجسدة في

الدولة القومية كما ظهرت في أوروبا (ص. 9).

ينتقل بعدها المؤلف إلى مساءلة عنف الدولة القومية: "هل عنف بناء الأمّة عمل إجرامي يستدعي المقاضاة والعقاب؟ أم هل هو عمل سياسي يجب أن يكون الرد عليه من خلال سياسة جديدة، غير قومية؟" يجيب بأنّ هناك نموذجين رئيسين للتعامل مع هذا العنف، أوّلهما هو "النموذج الجنائي" الذي من خلاله يُحدَّد الجناة ويُحاكَمون فرديًّا، كما حدث في محاكمات نورمبرغ بعد الحرب العالمية  3–15 الثانية (ص. 2). أمّا الثاني، فهو "النموذج السياسي" الذي يسعى للتعامل مع جميع الفاعلين السياسيين بوصفهم ناجين، وذلك من أجل بناء دولةِ مواطنةٍ متساوية عوضًا عن دولة قومية، كما حدث في جنوب أفريقيا بعد الفصل العنصري (ص 16–15). والإنجاز العظيم لحركة مناهضة الفصل العنصري – كما يرى المؤلف – هو فهم العنف الذي يكمن في الفصل العنصري على أنّه "سياسي"، والسعي تبعًا لذلك لمعالجة المسألة بطرق سياسية يتحقق من خلالها تفكيك الاستعمار السياسي؛ وهذا المنحى اتّخذ مسارًا مختلفًا عن اتجاهات النموذج الجنائي الذي ساد بعد انتصار نموذج الليبرالية الديمقراطية مع نهاية الحرب الباردة (ص  16 السياسي). فالنموذج يقوم على مقاربةٍ ترفض الهويّة السياسية للحداثة التي تتّخذ شكلً قوميًا؛ وبذا يتحوّل الهدف من

بناء دولة قومية إلى بناء دولة مواطنين متساوين. ويرى المؤلف أنّ هذه اللحظة كانت هي النهاية التفاوضية للفصل العنصري التي أدت إلى ظهور الديمقراطية غير العرقية democracy nonracial، والتي كان من الممكن أن يسعى النهج الجنائي لدفعها في اتجاه آخر يسعى لمعاقبة الجناة وتحقيق العدالة للضحايا؛ وهو الأمر الذي من شأنه تحقيق عدالة لحظية لن تُسهم في الدفع نحو إصلاح سياسي مستدام (ص 17–16). وفي هذا السياق،

يُبسّط المؤلف مداخلته، عبر استعراض سلسلة من

دراسات الحالة على امتداد ستّة فصول.

أولا: "سؤال الهنود الحمر في الولايات المتحدة"

في الفصل الأوّل، يسرد المؤلف كيف تشكّلت

الدولة في الولايات المتحدة الأميركية بوصفها نظامَ استعمارٍ استيطاني مستمر إلى يومنا هذا،

بل أوّل نموذج لدولة استعمارية حديثة (ص. 38).

ويوضّح أنّه على الرغم من أنّ الولايات المتحدة ليست الدولة الاستعمارية الوحيدة في العالم، فإنّها فريدة من نوعها من حيث "فشلها في التعرّف

على نفسها في المرآة". ومن خلال استعراضه نظامَ

المحميات، الذي يحكم الأمريكيين الأصليين في الولايات المتحدة، ويخضعهم لوضع قانوني يجعلهم مواطنين من درجة ثانية ومحرومين من أيّ

حقوق دستورية، يأتي هذا الاختيار – لتقديم الحالة الأميركية على بقية الحالات الأخرى – لتبيان الكيفية التي قدّمَ بها نظامُ المحميات الهندية، الذي يحكم

المحلانيين بوصفه نموذجًا مؤسّسًا ومرشدًا لدول

الاستعمار فيما بعد، لإنشاء أنظمة حكم مستقرة، من خلال بناء قوانين "قبلية" و"عرفية"؛ كالذي حدث في جنوب أفريقيا. ويرى أيضًا أنّ مشروع بناء الأمّة

الأميركية، مع أنّه ليس الأول من نوعه القائم على التطهير العرقي، فإنّ إبادة الهنود الحمر كانت أول إبادة جماعية في العصر الحديث، وكان تأثيرها قويًّا

في أماكن أخرى أهمها ألمانيا النازية (ص. 32).

ثانيًا: "نورمبرغ: فشل إنهاء النازية"

يستهلّ المؤلف الفصل الثاني بإظهار الكيفية التي درس بها هتلر بعناية معاملة الهنود الحمر في الولايات المتحدة، وتبريرات الإبادة

الجماعية، من قبيل تحسين النسل، التي روّجَ

لها الأميركيون في نهاية القرن التاسع عشر والقرن العشرين. ويجدُ تباينًا في سردية كلا

الدولتين حول بنائها للأمة؛ ففي حين يتجاهل الأميركيون تاريخهم الاستعماري، نرى كيف أنّ الألمان ما زالوا يحاولون التكفير عمّا حدث

(ص 39–37). وفي الحالتين، لم يُفهم المعنى السياسي للإبادة

الجماعية؛ حيث شجبَ كلِا الشعبين الإبادة

الجماعية بوصفها عملً عنصريًّا. لكن لم يعترف

أي منهما بأنّ الإبادة كانت في الوقت نفسه "عملً منتجًا"؛ إذ أدّت إلى "إنتاج" الدول القومية القائمة

اليوم، والتي فُصلت فيها الأغلبية الوطنية عن الأقلية القومية. ويذكر المؤلف أنّ ألمانيا قامت، بعد رحيل اليهود، بدعم إسرائيل بوصفها ملاذًا للأقلية اليهودية التي لم تستطع الاحتفاظ بها بموجب الحداثة السياسية الأوروبية (ص. 101). ولذا، فقد كان دعم ألمانيا لإسرائيل اعترافًا بذنب دولة الرايخ الثالث، إلّ أنّه في الوقت ذاته يعكسُ

فشل رؤية الأيديولوجية القومية القائمة، في كلٍ من ألمانيا هتلر وإسرائيل؛ فكلا الدولتين سعت لتأسيس وطن لقومية متجانسة (ص 103–102). إنّ حالة ألمانيا نموذجية، هنا، من خلال تطبيق نهج العدالة الجنائية حصريًّا (كما حدث في

محاكمات نورمبرغ). لقد استهدف مشروع "إنهاء النازية" الجناة الأفراد، وبذا فإنّ هذا النهج قد أهمل مساءلة المؤسسات والهياكل الاجتماعية التي مكّنت الممارسات النازية وجرائمها (ص 105–103). مُسائلًالنهجَ الذي جرى فيه

التعامل مع الفظائع النازية، يُظهرُ المؤلف كيف

أنّ هذه الجرائم لم تكن انحرافاتٍ غيرَ سياسية عن

((("إنهاء النازية" هي الصيغة التي اخترتها ترجمة

لمصطلح Denazification، وتعني تفكيك النازية أو نزعها

عن المبنى السياسي الذي كانت تنشط فيه.

الحداثة، بل كشفت عن جذور الإبادة الجماعية الكامنة في الحداثة السياسية. بعد ذلك، يستحضر محاكمات نورمبرغ مثالً على النموذج الجنائي المذكور سابقًا؛ حيث جرت محاكمة القادة النازيين، مع إهمال الأصول السياسية للهولوكوست، أي الدولة القومية التي لم يُشكّ فيها قط (ص 7–26.)2

ثالثًا: "المستوطنون والمحلانيون في دولة الفصل العنصري في جنوب أفريقيا"

في الفصل الثالث، يُبيّن المؤلف كيف يُمكن نزع

الطابع السياسي عن الدولة القومية عن طريق تحويل جميع المواطنين إلى ناجين، وإن كان ذلك على المستوى العرقي فقط، حيث تظلّ الهويات القبَليّة

راسخة في جنوب أفريقيا المعاصرة (ص. 180). وعلى عكس ألمانيا، فقد تعامل المجتمع المدني في جنوب أفريقيا مع الفصل العنصري، ليس بوصفه مسألة جنائيّة فقط، بل بوصفه قضية سياسية

أيضًا. وبعبارة أخرى، فإنّ النضال المناهض للفصل العنصري في جنوب أفريقيا، بدلً من سعيه للعثور على أفراد مذنبين بارتكاب مخالفات جنائية، قد سعى لتأسيس نظام سياسي جديد، يُمكن فيه للجميع المشاركة خارج قواعد نظام الفصل العنصري السياسي. وبقدر ما كانت هذه العملية معقّدة ومليئة بالتنازلات والصراعات، فقد كانت تدلّ على الوعد بإنهاء الاستعمار وتفكيكه. في هذا السياق، يعود المؤلف إلى محاضرة قدّمها في جنوب أفريقيا عام 1998، يتساءل فيها: "متى يُصبح المستوطن محلانيًا؟"، ويُجيب

بصرامة حادّة: "أبدًا" (ص. 144)، وذلك بتأسيس حجّة مفادها أنّ دولة الاستيطان هي التي صنعت

المحلاني؛ فهو "الآخَر" الذي اخترعه المستوطن ليعيد إنتاج نفسه. ولذا فقد كان النضال ضدّ الفصل العنصري قائمًا على تدمير ثنائيّة

المستوطن والمحلاني من خلال إعادة تشكيلهما بوصفهما ناجيَيْن (ص. 144). جرى ذلك عبر تبنّي

نوعٍ من الردّ على العنف المتطرّف يتحدّى منطق

نورمبرغ – أي منطق فصل الجناة عن الضحايا – من خلال التفكير في العنف المتطرّف بوصفه

عملً سياسيًا وليس إجراميًا/ جنائيًا. وبذا تمكّن

أهل جنوب أفريقيا من جعل التركيز، لا على التجاوزات الفردية للقانون بل على مساءلة البنى التي سمحَت بهذه التجاوزات، فبدلً من

اللجوء إلى المحاكمة لكشفِ الحقيقة ومعاقبة المخالفين، تفاوضَ أهل جنوب أفريقيا على الإصلاحات التي ستجعلُ النظام السياسي أكثر شمولً وعدلً، مع الاعتراف بضرورة جلب الجناة أيضًا إلى الساحة السياسية (ص 148–144).

رابعًا: "السودان: الاستعمار والاستقلال والانفصال"

في الفصل الرابع، يستخدمُ المؤلف حالة السودان لفهم الكيفية التي بُنيت بها الهوية

العربية ثمّ أعيد إنتاجها من أجل تكوين أغلبية وطنية؛ وذلك ما أدّى إلى انفصال جنوب السودان حينما استحال إنشاء "سودان جديد" ينزعُ الطابع السياسي عن العرق (ص. 197). ويرجع هذا الانفصال إلى عواقب الحكم الاستعماري البريطاني غير المباشر في أوائل القرن العشرين، الذي سيّسَ الحدود عرقيًّا وأعاد

تشكيل الاختلاف الثقافي بوصفه اختلافًا قَبليًّا/

عرقيًّا. وبذا فقد حكمَ ورثة العقلية الاستعمارية

كما كان يحكمُ البريطانيون لا كما فعل أسلافهم قبل الاستعمار، حيث كان ما يعرف

الآن بالسودان وجنوب السودان موطنًا للتنوع البشري. لكن على مدار مئة عام خلت، غدا هذا التنوّع مصدرًا للصراع بسبب هندسة البريطانيين

للمجتمع بناءً على نظرتهم الأوروبية المغرقة في

الأيديولوجية العرقية، محوّلين بذلك الاختلافات

الثقافية إلى سياسية، عبر خلق حواجز قانونية ومادية بين الجماعات – التي كانت مختلطة في السابق – لترسم بين أفرادها حدودًا لم تكن موجودة من قبل، ما منعهم من تطوير تضامنيات خارج القبيلة (ص 01–200.)2 لقد استفاد المشروع الاستعماري في السودان من نمطين عريضين من التنوع اللغوي والعرقي؛ حيث استُغلّ الفرق اللغوي لفصل العرب عن الجماعات الأخرى المختلفة إثنيًّا، والتي قسّمت

أيضًا إلى مجموعات ثقافية. لقد كان اختراع هذا التمييز بين المستوطنين والمحلانيين نتاجًا

للأيديولوجية والقانون معًا، إلّ أنّ التاريخ كان له دور محوري كذلك، عبر بناء سردية عن ماضي السودان الثقافي، في خلق هويّات جديدة للسكان المحلانيين (الأفارقة) وترسيخها مقابل المستوطنين (العرب) (ص. 213)–206 وبناءً عليه، يرى المؤلف أنّ الاستعمار لن ينتهي

إلّ بنهاية هذه الثنائيات، بدءًا بإنهاء مسألة تقرير

المصير القبَلي، الذي لن يحدث إلّ من خلال

تحوّل في الخيال السياسي؛ أي أن يتوقّف جنوب

السودان عن تخيّل نفسه بوصفه محلانيًا، ويسعى

عوضًا عن ذلك للمطالبة بمشروع يتساوى فيه كل المواطنين سياسيًا؛ ما يعني الإطاحة بالبريطانيين

وباتفاقية السلام الشامل، واستبدالها بفكرة الدولة دون الأمّة (ص 49–246.)2 من هنا يبدأ إنهاء الاستعمار السياسي في السودان وجنوب السودان؛ وذلك بخلق تاريخ جديد من الداخل

يعيد التفكير في العلاقة بين الخارجي والداخلي، وبالتوقف عن إعادة إنتاج النظام السياسي الذي أنشأه الاستعمار البريطاني (ص. 48)2

خامسًا: "السؤال الإسرائيلي/ الفلسطيني"

يُركّز المؤلف في الفصل الخامس على الحالة

الفلسطينية/ الإسرائيلية، لكونها المحاولة الأخيرة لأغلبية قومية تحكم أقلية؛ وذلك عبر مقارنة هذه الحالة بحالة جنوب أفريقيا التي تقدم دروسًا مهمّة

بتحدّيها الفرضية القائلة إنّ الاختلاف الثقافي يعني بالضرورة اختلافًا سياسيًا. وهو بالتحديد ما تقوم

عليه العقيدة الصهيونية، أي: تحويل تجربة أن يكون المرء يهوديًّا – وهي تاريخيًّا مسألة دينية –

إلى تجربة قومية تنصهر فيها الدولة والمجتمع في هويّة واحدة؛ فالحفاظ على المجتمع اليهودي

يعني أن تحافظ على الدولة اليهوديّة (ص –250

51.)2 ولتفكيك هذه العقيدة، يعرضُ المؤلف ثلاثة

دروس من جنوب أفريقيا: أوّلً، أن يُفهم أنّ النضال

المعادي للتفرقة العنصريّة قد انتصر حين حوّل نفسه

من نضال عسكري إلى نضال سياسي (ص –164 166)؛ ثانيًا، عدم تقسيم الضحايا إلى مجموعات

منفصلة، بل توحيدها (ص  149–148 ثالثًا)؛، الاستفادة من وعي القوى المعادية للعنصرية من خلال التوحيد الضروري لتلك القوى، ثم الانتقال إلى تحالف أوسع يضمّ البيض (ص 190–169). يُناقش المؤلف الصهيونية بوصفها تطبيقًا متكاملً

للحداثة الأوروبية في ظل ظروفٍ استعمارية، وعلى الرغم من أنّ القومية جعلت حضور اليهود في أوروبا مستحيلً، فإنّنا نجدهم ينغمسون في الأيديولوجيا نفسها التي حرمتهم من المساواة في أوروبا. فقد قرر الصهاينة أنّ الخيار الوحيد لليهود هو دولة خاصة بهم، وبفعلهم هذا أصبحوا

"هم الظالمين، لأنّ المرء في الدولة القومية يُمكنه

فقط أن يكون إمّا الظالم أو المظلوم، وإمّا الأغلبية

أو الأقلّية، وإمّا الأمة أو الآخر" (ص. 251) ويوضّح المؤلف أنّ اليهود العرب بالتحديد يمثّلون تحدّيًا خاصًّا للصهيونيّة؛ لأنّها تفترض أنّ الهويّتين

العربية واليهوديّة لا تتّفقان، وأنّ إحداهما معادية

للأخرى حتمًا، وإلا لما كانت هناك حاجة إلى

دولة يهودية في فلسطين التاريخية (ص. 53)2 من هنا، فإنّه يُشدّد على ضرورة التمييز بين اليهود

الذين "حجّوا" إلى فلسطين والمستوطنين؛ فقد

اختار اليهود المهاجرون الانتماء إلى جماعة محلية سياسية كانت موجودة قبلهم، وليس إنشاء جماعتهم الخاصة (ص. 53)2 لقد أدّت الجهود الصهيونية الرسمية إلى تقويض الإرث العلماني للصهيونيّة – ومباركة الميول الدينية المتطرّفة لدى

كل من المزراحيم وجاليات أخرى – ما أدّى إلى

ضخّ التديّن والمستوطنين في الأراضي المحتلّة،

وهو الأمر الذي يرى المؤلف أنه "أجّجَ الإحساس

بوعي وطني فلسطيني" (ص. 255)–245 يختمُ المؤلف هذا الفصل بنقاش حول حل

الدولتين – الذي انتهى – مع اتفاق أوسلو، داعيًا فيه

إلى تفكيك الصهيونية بالتطلع إلى نموذج جنوب أفريقيا من أجل البحث في سُبل فصل الدولة عن

الأمّة، مفترضًا أن في صلب تفكيك الصهيونية

ما يجعل من إسرائيل دولة – لا قومية – "لجميع مواطنيها" (ص. 255)

سادسًا: "تفكيك استعمار المجتمع السياسي"

يعيد المؤلف، في الفصل الأخير، قراءة العنف المسيطر على مجتمعات ما بعد الاستعمار، الذي زُرعت جذوره في فترة الاستعمار وتعزّز في فترة ما بعد الاستقلال، من خلال أشكلة نوع هذا

العنف، الذي يرى أنّه سياسي بامتياز وأنّه ينطلق من سؤال الأمّة والآخر (ص. 327). وهو ما يتطلب فهم التحدّيات السياسية التي ولدت لحظة الاستقلال، والاعتراف بالتبعات والآثار السياسية للاستعمار الذي لم يقتصر دوره على رسم الحدود الخارجية فحسب، بل امتدّ إلى رسمها داخليًا كذلك

(ص 328–327). وهذا يعني تجاوز فكرة "التحسّر" على الحدود التي قسّمت المجتمعات المتشابهة ثقافيًّا؛ إذ يرى المؤلف في هذا الخطاب إعادة إنتاج

للأيديولوجية الاستعمارية الحداثية التي ترى أنّ الحدود يُفترض أن تبنى على أساس إثني – عرقي. وهكذا، يرى المؤلف أنّ التحدّي الذي يواجه مناهضي الاستعمار هو إعادة تصوّر المجتمع

السياسي من دون الفئات التي أصّلَ الاستعمار لاختلافها. ويختمُ هذا الكتاب بالتشديد على أنّ إنهاء الاستعمار السياسي يبدأ بتجريد الدولة من كونها أمّة وموقعًا للهوية السياسية؛ وهو ما يتحقّق عبر مراعاة مجتمع الناجين، والاهتمام بمستويات الإقصاء التي هي نتيجة ضرورية لتشكّل الدولة القومية (ص. 330)

ملاحظات نقدية

يُعدُّ كتاب لا مستوطن ولا محلاني: صناعة

الأقلّيات الدائمة وتفكيكها مهمًّا بقدر ما هو إشكالي، للاعتبارات التالية: أوّلً: نموذج جنوب أفريقيا، الذي يطرحه حلًّ مقترحًا لإنهاء الاستعمار، لا يزال يواجه صعوبات

عديدة؛ فقد كان من المتوقع أن تُصبح الهويات العرقية، التي ميّزت صراع الفصل العنصري في

جنوب أفريقيا، أقل أهمية مع ازدياد "التسامح السياسي"، إلّ أنّ الحالة اليوم تشير إلى صعود في الانقسامات العرقية والصراع العنصري إلى

القدر ذاته من الخطورة – إن لم يكن أكثر ممّا كان

عليه – في بداية عمل لجنة الحقيقة والمصالحة TRC. فما زالت العلامات والسمات العنصرية مصدرًا للصراع في شتى مناحي الحياة في جنوب

أفريقيا، ويظهر ذلك، بصورة واضحة، داخل الأحزاب السياسية وفيما بينها، ويُمكن القول إنّ

تجربة العدالة الانتقالية في جنوب أفريقيا قد عززت هي أيضًا، في بعض الحالات، من أهمية الهويات العرقية والإثنية. ثانيًا: تأسيسًا على ما سبق، هناك إشكال صريح

في محاولة المؤلف إعادة إنتاج الحل في جنوب أفريقيا ضمن السياق الفلسطيني المُنطلق من

تجاوز عنف الدولة القومية – عبر المساواة بين الجاني والضحية – من دون أيّ محاسبة

أو معاقبة، وبلا توضيح لكيفية القيام بذلك من دون إعادة أنظمة عدم المساواة وتكريسها. ثالثًا: رغم فكرة أنّ القومية التي ولدت، ظاهرةً ومفهومًا، في سياق أوروبي، تقوم في الأساس

على العنف، فإنّ النتائج التي يخلص إليها المؤلف انطلاقًا من هذه الحجة إشكالية، وخصوصًا لأنّنا

نستعملها في سياق دولة استيطانية استعمارية – في السياق الفلسطيني تحديدًا – إذ تشير، عن قصد أو غير قصد، إلى أن المجتمعات المُستعمَرة

لم تكن لديها سلطة أو رأي في تطوير هويّاتها.

وعلاوةً على ذلك فإنّه لم يتطرق إلى أنّ الجماعات المُستعمَرة استخدمت القومية، التي فرضتها عليها

الحداثة، وسيلةً للتحرر والمطالبة بتقرير المصير

(4)  Deborah Posel, "Race as Common Sense: Racial Classification in Twentieth–Century South Africa," African Studies Review , vol. 44, no. 2 (2001), pp. 87–114. (5)  Karen E. Ferree, Framing the Race in South Africa: The Political Origins of Racial Census Elections (Cambridge: Cambridge University Press, 2010), pp. 92–

والسيادة في عالم ينتظم على نحوٍ متزايد حول الدولة القومية. إنّ هذا التعامل مع الساكن المحلاني، بوصفه ذاتًا غير فاعلة، ينبعُ من إشكال آخر يتمثّلُ في

عدم تفاعل المؤلف مع ما كتبه الفلسطينيون حول التحرر الوطني، وإنهاء الاستعمار، وشكل الدولة التي يطمحون إليها، وخصوصًا أنّ معظم ما كُتب

يخلص إلى استنتاجات مختلفة، بل معاكسة لما يطرحه. ولم يكتفِ المؤلف بهذا، بل قام في نقطة أخرى بتمثّل خاطئ لأفكار عزمي بشارة، مدّعيًا أن

بشارة كان يدفع نحو مشروع دولة دون أمّة، مستشهدًا

بنشاطه في الكنيست وتأسيسه حزب التجمع (ص 324–319)، وهو عكس ما دفع إليه ودافع عنه بشارة، الذي كانت مساهمته في النضال الفلسطيني تهدفُ إلى دفع المواطنين الفلسطينيين بعيدًا عن الانصهار داخل إسرائيل، والتعبير عن مطالبهم ليس فقط بوصفهم أقلّية دائمة "مع بعض الحقوق الليبرالية، ولكن كسكان أصلانيين يطالبون بحقوق جماعية ويؤكدون هويّتهم الوطنية الفلسطينية". وإضافةً إلى ذلك، فقد قرأ المؤلف التاريخ الفلسطيني بصورة خاطئة في أكثر من موضع في هذا النص، بدءًا بتصويره الانتفاضة الثانية على أنها

محاولة من الفلسطينيين لإعادة بناء إسرائيل دولةً لجميع مواطنيها، وليست انتفاضةً من أجل حقوق وطنية حُرِموا منها (ص 319–313). وكذلك قرأ

الانتفاضتين الأولى والثانية، بوصفهما كفاحًا من

(((أستعين في هذه النقطة بمراجعة دانا الكرد، التي بالرغم

من اختلافي النظري مع تعاملها مع مسألة القومية، فإنها تقدم

مداخلة نقدية مهمة للحلول التي يطرحها ممداني في ظل

المعطيات السياسية التي تمر بها القضية الفلسطينية اليوم.

Dana El Kurd, "Do Palestinians Really Want a South African Solution?" +972 Magazine , 14/7/2021, accessed on 13/9/2021, at: https://bit.ly/3lfD4MI (7)  Ibid. (8)  Ibid.

أجل التغيير السياسي لم ينطوِ على كفاحٍ مسلّح،

مهملً بذلك الطابع المختلف والاستراتيجيات المختلفة المتّبعة فيهما. وأخيرًا، فإنّ الكتاب لم يتعامل مع أيّ من المؤلفات

الرئيسة حول القومية، على الرغم من تركيزه على البناء الحديث للهويّات والدول القومية. وثمّة

((1(يُنظر على سبيل المثال:

Benedict Anderson, Imagined Communities: Reflections on the Origin and Spread of Nationalism (London: Verso, 2006); Ernest Gellner, Nations and Nationalism (Oxford: Blackwell, 2006); Michael Mann, The Sources of Social Power (Cambridge: Cambridge University Press, 1986); Anthony D. Smith, The Ethnic Origins of Nations (Oxford: Basil Blackwell, 1986).

المراجع

نقص مماثل في الاهتمام بالأعمال الكلاسيكية حول التفاعل بين الاستعمار والدول القومية والعنف. ختامًا، لا تقلّل هذه الانتقادات من قدرة القارئ على الاندماج مع أطروحة المؤلف التي تستحق نقاشًا مستمرًا في حقل الدراسات القومية على وجه الخصوص، والحداثة السياسية عمومًا.

(9)  Ibid.

(11) Étienne Balibar & Immanuel Maurice Wallerstein, Race, Nation, Class: Ambiguous Identities (London: Verso, 1991); Homi K. Bhabha, The Location of Culture (London: Routledge, 1994), ch. 8 "DissemiNation: Time, Narrative and the Margins of the Modern Nation"; Partha Chatterjee, "Whose Imagined Community?," Millennium , vol. 20, no. 3 (March 1991), pp. 521-525; Partha Chatterjee, The Nation and Its Fragments: Colonial and Postcolonial Histories (Princeton: Princeton University Press, 1993).

References

Anderson, Benedict. Imagined Communities: Reflections on the Origin and Spread of Nationalism. London: Verso, 2006. Balibar, Étienne & Immanuel Maurice Wallerstein. Race, Nation, Class: Ambiguous Identities. London: Verso, 1991. Bhabha, Homi K. The Location of Culture. London: Routledge, 1994. Chatterjee, Partha "Whose Imagined Community?." Millennium. vol. 20. no. 3 (March 1991). _______. The Nation and Its Fragments: Colonial and Postcolonial Histories. Princeton: Princeton University Press, 1993. El Kurd, Dana. "Do Palestinians Really Want a South African Solution?" +972 Magazine. 14/7/2021. at: https://bit.ly/3lfD4MI Ferree, Karen E. Framing the Race in South Africa: The Political Origins of Racial Census Elections. Cambridge: Cambridge University Press, 2010. Gellner, Ernest. Nations and Nationalism. Oxford: Blackwell, 2006. Mamdani, Mahmood. Citizen and Subject: Contemporary Africa and the Legacy of Late Colonialism. Princeton: Princeton University Press, 1996. _______. Neither Settler nor Native: The Making and Unmaking of Permanent Minorities. Massachusetts/ London: Belknap Press of Harvard University Press, 2020. Mann, Michael. The Sources of Social Power. Cambridge: Cambridge University Press,

Posel, Deborah. "Race as Common Sense: Racial Classification in Twentieth–Century South Africa." African Studies Review. vol. 44, no. 2 (September 2001). Smith, Anthony D. The Ethnic Origins of Nations. Oxford: Basil Blackwell, 1986.