العودة إلى تفاصيل المؤلَّف علوم الشرع والعلوم الاجتماعية: نحو تجاوز القطيعة (أليس الصبح بقريب)

علوم الشرع والعلوم الاجتماعية: نحو تجاوز القطيعة (أليس الصبح بقريب)

Sharia and the Social Sciences: Towards Overcoming the Estrangement (Is The Dawn not Near)

محمد توفيق| Mohamad Tawfik *

الملخّص

عنوان الكتاب: علوم الشرع والعلوم الاجتماعية: نحو تجاوز القطيعة (أليس الصبح بقريب). المؤلف: ساري حنفي. الناشر: الكويت: مركز نهوض للدراسات والأبحاث. سنة النشر: 2021. عدد الصفحات: 800 صفحة.

Abstract

Book Title: Sharia and the Social Sciences: Towards Overcoming the Estrangement (Is The Dawn not Near) . Author: Sari Hanafi. Publisher: Kuwait: Nohoud Center for Studies and Research Date of Publication: 2021. Pages: 800.

الكلمات المفتاحية:
  • علوم الشرع
  • العلوم الاجتماعية
  • مقاصد الشريعة
  • الأخلاق الإسلامية
  • التعليم الديني
Keywords:
  • Sharia
  • Social Sciences
  • Islamic Ethics
  • Religious Education

عنوان الكتاب: المؤلف:

ساري حنفي. الناشر: سنة النشر: عدد الصفحات:

800 صفحة.

علوم الشرع والعلوم الاجتماعية: نحو تجاوز القطيعة (أليس الصبح بقريب.)

الكويت: مركز نهوض للدراسات والأبحاث.

Researcher, Arab Center for Research and Policy Studies. Email: mohamad.tawfik@dohainstitute.org

مقدمة

مع مطلع الثمانينيات من القرن الماضي، برزت مساعٍ عدة لإيجاد مساحة مشتركة بين العلوم الإسلامية والعلوم الاجتماعية،  بينهما  تنهي ما من قطيعة على المستوى الإبستيمولوجي. وكان أبرز هذه المساعي   ما أسسه إسماعيل الفاروقي ومن عملوا معه من الباحثين في المعهد العالمي للفكر الإسلامي بواشنطن، وهو التيار الذي عرف في حينه ب "إسلامية المعرفة". بدا المعهد أقرب إلى نموذج أكاديمي غير مسبوق؛ إذ تخصص بكامله لإنجاز غايات أسلمة المعرفة، منطلقًا من لدن تصور عقيدي يرى أن الأمة الإسلامية قد تراجعت على المستوى الحضاري، وباتت تابعة للنماذج المعرفية الغربية. وفي هذا الصدد، شدد الفاروقي مرارًا على ضرورة الانطلاق من البعد الإسلامي الرسالي لتأسيس تيار معرفي في العلوم الاجتماعية ينطلق من البعد العقائدي للإسلام وهمومه وقيمه. وكان يأمل من نموذج معرفي إسلامي كهذا أن يشكل بديلً من النماذج الغربية، ودافعه "أن الأمة تعاني من انحراف خطير يتَهدّدها، وتحاول – أي أسلمة المعرفة – أن تقدم للأمة علاجًا أكيدًا يعيد إليها عافيتها، ويحفز تقدمها نحو الدور المقدور لها في حمل مسؤولية قيادة العالم: {وكذَلِكَ جعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا

شُهدَاءَ علَى النَّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ علَيْكُمْ شَهِيدًا}

(البقرة: ")143.

(((إسماعيل الفاروقي، صياغة العلوم الاجتماعية صياغة

إسامية (الرياض: الدار العالمية للكتاب الإس مااي، 1989)، ص.35–25 (((إسماعيل راجي الفاروقي، أسلمة المعرفة: المبادئ العامة

وخطة العمل، ترجمة عبد  الوراث سعيد (الكويت: دار البحوث العلمية للنشر والتوزيع، 1984)، ص.14

ينطلق ساري حنفي من فرضية مفادها أنه ثمة قطيعة معرفية بين علوم الشرع والعلوم الاجتماعية، وأن هذه القطيعة تعود إلى عدة عوامل موردها بعض مؤسسات إنتاج المعرفة الدينية. وعبر تتبع تاريخ مشروع أسلمة المعرفة وغيره من المشروعات المشابهة، حاول الكتاب أولً أن يبرهن على وجود هذه القطيعة في جل منصّات التعليم الديني

الإسلامي، وثانيًا إثبات فرضيته القائلة بأنه

"لا يمكن اختزال الدين في الفقه"، وأن "الفقه يلزمه فهم للأخلاق، وتنزيل الفقه على الواقع يحتاج تزال – في  إلى أدوات علمية كانت تتطوَّر – وما

بوتقة العلوم الإنسانية عامَّة والعلوم الاجتماعية

خاصَّة" (ص. 28). ولأجل التحقق من هذه الفرضية

والخروج بتشخيص وحلّ لهذه القطيعة، انطلق حنفي وفريق عمله منذ عام 2015 لرصد العديد من نماذج التعليم الديني التقليدي والجامعي، في عدد من الدول العربية والإسلامية، إضافة إلى فرنسا، وأجروا كمًا هائلً من المقابلات الميدانية فضلً عن

مراجعة العديد من الدراسات التاريخية.

أولا: النصّ والواقع: ثلاثة اتجاهات

يستهل المؤلف الفصل الأول من كتابه باستعراض أهم ثلاث جامعات إسلامية؛ الزيتونة في تونس والقرويين في المغرب والأزهر في مصر، كانت بالأساس دور عبادة (جوامع) وتحولت جامعات لاحقًا، وتناول بنى عمليات التعليم والتعلم فيها ومضامينه، من مناهج وموضوعات ورموز، إضافة إلى التحولات التي طرأت عليها بوصفها ممارسة تعليمية، في إثر تحولها من جوامع إلى جامعات. في هذا أمكن رصد اتجاهات ثلاثة تعبّر عن

مستويات تعامل التعليم الديني مع النص الديني والواقع؛ وهي الاتجاه التقليدي (الكلاسيكي)، والاتجاه السلفي، والاتجاه المقاصدي.

الاتجاه التقليدي أسسه الأزهر وعلماؤه، إضافة إلى ثلة من العلماء السوريين كالشيخ مصطفى الزرقا (1904–1999)، ومحمد سعيد رمضان البوطي (2013–1929)، ووهبة الزحيلي (–1932 2015)، ومحمد فاروق النبهان (1940–). وفي سياق تشكل هذا الاتجاه التقليدي وتأثيره، ينبه المؤلف إلى ملاحظتين أساسيتين؛ "الأولى أن النبهان قد امتدَّ تأثيره حتى المغرب ليرأس هناك دار الحديث الحسنية لمدة 23 عامًا، وهي أهمُّ

مؤسسة دينية وتعليمية عالية. والثانية أنه قد انتهت الشخصيات الأربع الأولى كلها في السعودية، وهم فكري ا من اتجاه جماعة الإخوان المسلمين،

ا في نشر الاتجاه التقليدي وقد أدّوا دورًا مهم

(العقيدة الأشعرية والماتريدية) قبل أن تهيمن السلفية على هذا البلد. حتى وإن كان بعضهم صوفيًّا بطريقة هيِّنة، فلم يمنعهم ذلك من التأثير

في دول الخليج. وكما كان الحال في قطر، حيث احتلَّ الشيخ المصري يوسف القرضاوي صدارة الدعوة الإسلامية عن طريق المساجد، ومن ثمَّ

كلية الشريعة والاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، كان الاتجاه السلفي سائدًا في وزارة الأوقاف وبعض المساجد، ومن ثمَّ كلية الشريعة بجامعة

قطر. ويمكن ملاحظة أن السعودية لم يكن لها تأثير وإنما تأثُّر، أي بعض التسلُّف الفقهي أكثر منه العقدي" (ص. 57)–56 أما الاتجاه السلفي النصي ذو التوجهات المتشددة؛ فقد كان نتاجًا لاتساع الفضاء الديني الوهابي في

السعودية توازيًا مع طفرة النفط، والهجرة التي

قام بها عدد من الرموز الإصلاحيين المصريين والسوريين منذ الستينيات والسبعينيات، ثم ردة فعل هذا الناتج مع الثورة الإيرانية عام 1979، وأثر تأسيس الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة في مأسسة التوجه السلفي المتشدد في الخليج

– وفق حنفي – ثم لاحقًا تأثير أحداث  والعالم 11 سبتمبر في هيمنة مؤسسة الحكم في الرياض على شبكات النشاطية السلفية التي رعتها عقودًا. ويلفت المؤلف الانتباه بإشارة سريعة إلى التغيرات التي طرأت على المجتمع والسياسات السعودية في عهد الأمير محمد بن سلمان.)–2017(أما الاتجاه المقاصدي، والذي يسميه المؤلف بفقه الاستدلال والنوازل على نهج مقاصد الشريعة، فقد كان منشؤه في جامعة الزيتونة في تونس، تفرعت منه نماذج راهنة ثلاثة، هي الجامعة العالمية الإسلامية في ماليزيا، ودار الحديث الحسنية في المغرب، وكلية الدراسات الإسلامية بجامعة حمد بن خليفة في قطر.

ثانيًا: أربع مقاربات في تدريس الدين

من جهة الخبرة التاريخية، عرض الكتاب أربع مقاربات "تتناول كيف يُدرس الدين  وكيفية

تدريسه واعتبار تدريسه جزءًا من التثقيف

المدني لكل الطلاب، سواء كان ذلك في المدرسة أم في الجامعة"، ويشدد على أن هذه المقاربات "لا تصلح للتدريس الجامعي فقط وإنما للمدرسي أيضًا، ولا للتدريس في كليات

(((تتضمن بعض القراءات القادمة من خارج المجال الديني الإس مااي بعض القصور في وصف المناهج الفقهية والتمييز بينها؛ إذ إن كل المناهج والمذاهب الفقهية هي استدلالية

أصالة، والوصف بالنوازلية ليس وصفًا خاصًا باتجاه فقهي

محدد، لأن فكرة النوازل بالأساس فكرة سياقية متضمنة في العقل الفقهي على نحو تلقائي، ولذا فإن وصف اتجاه ما بأنه استدلالي أو نوازلي يشوبه بعض الإشكال. كما أن تأطير هذا

الوصف كونه على نهج مقاصد الشريعة أشد إشكالً؛ إذ إن الاتجاهات الفقهية التي نحت نحو مزيد اهتمام بمقاصد الشريعة كانت من منطلق الاعتبار والنظر، أي تجاوز الاستدلال المباشر من ظاهر نصوص الشريعة والفقهاء إلى استنطاق مقصد المشرّع أو الفقه المذهبي، والبناء على هذا المقصد

المستنطق في بناء حكم شرعي يراعي السياق الزماني والمكاني.

الشريعة العربية فقط وإنما للدراسات الإسلامية أيضًا. ففي كليات الشريعة يتمصُّ إدخال تخ صات

أكثر عمقًا للدراسات التقليدية والتراث مقارنةً بالأخرى"، إلَّ أنّ المؤلّف يزعم "أن الفرق بين التعليمَيْن هو في الدرجة لا في منهجيات التعليم"

(ص. 69)–68 المقاربة الأولى هي أن تعليم الدين ليس تعليمًا

دينيًا، أي إنه أشبه ما يكون بتعليم الدين بوصفه

موضوعًا ضمن الدراسات الثقافية، واستدل على هذه المقاربة بالتجربتين الإيطالية والدنماركية في تعليم الدراسات المسيحية خلال القرن العشرين. والمقاربة الثانية هي الاكتفاء بتدريس مادة ثقافية عن الأديان مع التركيز على الطقوس. وهي مقاربة اعتبرها المؤلف تجليًا للنضال العلماني الذي جعل

الفضاء الديني فضاءً خاصًا داخل الفضاء المدني

العام. المقاربة الثالثة هي دراسة الكينونة الدينية والتي "تقوم على إنشاء نوعٍ من التطابق العاطفي مع الغير لفهم دين الأفراد والجماعات، مع تعليق أي حكمٍ سلبي أو مسبق على الظاهرة الدينية المدروسة" (ص. 73). أما المقاربة الرابعة فهي مقاربة تدريس مادة دينية تشمل وظائف الدين كافةً، والتي تركز على تدريس مادة تشمل كل الأديان، ومنطلقة بأفكار أشبه بفكرة وحدة الأديان أو الأديان الإبراهيمية كنوع من أنواع محو الأمية الدينية في سياق التعليم المدني.

ثالثًا: التجربة  الدينية في العالم العربي

ينتقل حنفي على نحو مفاجئ إلى حالة التدين وأنماطه في العالم العربي، ويصف على نحو عابر وبإشارات سريعة علاقة الدين  بالدولة، وتموضعات العلمانية في الحالة العربية. والبادي أنه قد رأى أهمية التمهيد للقارئ بعرض

إكراهات الحداثة العربية وما أنتجته من تفاعل بين   منتجي المعرفة الدينية، سواء في العالم العربي أو في أوروبا، خاصة من خلال منصات الإفتاء الإلكتروني. وقد استعرض نماذج لفتاوى موضوعات الهجرة لبلاد غير المسلمين، وفقه الأقليات المسلمة في الغرب، مقارنًا بين فتاوى موقع "إسلام ويب" التابع لوزارة الأوقاف القطرية، وفتاوى "المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث"، حيث يرى حنفي أن الأول هو تمثّل للنمط النصّي التقليدي في الإفتاء في قضايا النوازل،

بينما الثاني تمثّل لما وصفه ب "برَدايم جديد" في

التعامل مع موضوعات الهجرة والأقليات. وبناء على ذلك، كرر المؤلف مساعيه لتصنيف مدارس الإفتاء المعاصر إلى ثلاث مدارس؛ النصية (وتتضمن اتجاهات الإفتاء السلفي والجهادي)، والواقعية الحذرة سياسيًا (كبعض فتاوى سلمان

العودة ويوسف القرضاوي)، والإنسانية (كفتاوى المجلس الأوروبي للإفتاء). وفي إشارة مهمة إلى ما سمّاه "التكوينات الإسلامية

الجديدة"، يستعرض المؤلف نماذج لمنصات معرفية إسلامية قدّمت خطابات تهتم بقضايا العلوم الإسلامية والعلوم الاجتماعية، أو أنجزت خطابات تمكنت من اعتبار الواقع السياسي والاجتماعي ضمن خطابها الإسلامي، كمكتبة الشبكة العربية للأبحاث والنشر، ومركز نماء للبحوث والدراسات وأكاديميته للتعليم المفتوح، ومؤسسة مؤمنون بلا حدود، والاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

رابعًا: التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية

يستعرض الفصل الثالث جملة من النقاشات تخص أسلمة المعرفة، استنادًا إلى ما أصدره المعهد العالمي للفكر الإسلامي، في حقول

الاقتصاد والاجتماع والفلسفة وعلم النفس. ووقف المؤلف على ست إشكاليات أساسية يراها "لم تنتج من بعض المفاهيم السائدة في هذه المشاريع فقط، ولكنها ناتجةٌ من غياب التطبيق الجيد لها. بعض هذه الإشكاليات مربوط بتحليل مضمون الخطاب، وبعضها الآخر بشروط إنتاجه الاجتماعية–الاقتصادية" (ص  207 الإشكالية)، الأولى هي الاختزالية؛ أي اختزال الأزمة في مسألة طغيان المركزية الأوروبية، والثانية هي الفصل التعسفي بين المعياري والوضعي، "بحيث يستسهل كثيرٌ من المنادين بأسلمة المعرفة أو

التأصيل الإسلامي لها بالاكتفاء بتقديم وصفاتٍ أخلاقية" (ص  209 أما). الثالثة فهي إشكالية الثابت والمتحول؛ أي دعاوى ثبات الفقه والنظر في تحولات الواقع كمتغير تابع، وقد اقتضب حنفي على نحو واضح في بيان بنية هذه الإشكالية وتحديد أوجه القصور في تطبيقها لدى اتجاه إسلامية/ أسلمة المعرفة. والإشكالية الرابعة هي التباينات بين تطبيق الشريعة وفقه تطبيق الشريعة، والتي استعارها حنفي من عبد الله المالكي، فالمالكي يرى أن "الشريعة عبارة عن معطى إلهي مُنزَّل مستمدٍّ من الوحي، ومتمثِّل في المحكمات والقطعيات والكليات الشرعية، وأما التطبيق فهو فعل بشري اجتهادي تاريخي لذلك المعطى الإلهي. فالتطبيق ليس دينًا بالضرورة، بل قد يكون مخالفًا للدين، وقد يكون مفسدًا لغايات التشريع ومناقضًا لمقاصده" (ص  211 أما).  الإشكالية

(((باحث سعودي حاصل على الماجستير في العقيدة والمذاهب الفكرية المعاصرة من جامعة أم القرى بمكة المكرمة، اعتقل تعسفيًا في أيلول/ سبتمبر 2017 ضمن حملة الاعتقالات

التي قام بها محمد بن سلمان لمعارضيه، من أشهر كتبه التي

أثارت جدلً دينيًا سلفيًا كتاب: سيادة الأمة قبل تطبيق الشريعة:

نحو فضاء أمثل لتجسيد مبادئ الإسام (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر،.)2012

الخامسة فهي "الترقيعية"، والتي تشبه إلى حدٍ بعيد إشكالية الاختزالية. أما الإشكالية الأخيرة فهي تدويل العلم، أي النزوع نحو صبغه بصبغة هوياتية، إسلامية أو مسيحية أو غيرهما. في المقابل، يرى المؤلف أن المصدر الأساسي لجُل الإشكاليات التي هيمنت على حالة أسلمة

المعرفة، وعموم وضعية العلوم الاجتماعية في العالم العربي؛ هو الاستبداد السياسي والنظم السلطوية العربية؛ إذ أمات الحس المعرفي النقدي. ويقترح بديلً يمكن من خلاله بناء علاقة تكامل معرفي بين الحقلين الإسلامي والاجتماعي فيما أسماه بمنهج "الفصل والوصل".

خامسًا: منصات التعليم الديني: نظرة من الداخل

ينتقل الكتاب بعد ذلك، وعبر ثمانية فصول كاملة، لمعالجة تفصيلية لمناهج كليات الشريعة في المشرق والمغرب العربيين، ومدى قرب أو بُعد

موادها الدراسية وأطروحات أقسام دراستها العليا (الماجستير والدكتوراه) من العلوم الاجتماعية. وجرى تناول مضامين المواد والموضوعات الدراسية في كل من لبنان، والكويت، وسورية، والمغرب، وقطر، والجزائر، والأردن، وماليزيا. يرى المؤلف أن التعليم الديني في لبنان يعاني ثلاث إشكاليات؛ الأولى المناهج التعليمية ذات النسق المغلق، أي القديمة والمحددة المذاهب الفقهية أو العقائدية؛ والثانية الفصل الحاد بين العلم الشرعي والعلم الاجتماعي؛ أما الثالثة فهي الخلط   ما بين   المفاهيم الدينية وبين المفاهيم الطائفية، والأخيرة موجودة بطبيعة الحال تبعًا لأزمة التطييف السياسي والاجتماعي في لبنان.

ولا  يختلف كثيرًا تشخيص المؤلف لواقع

التعليم الديني في سورية، إلا أنه يضيف عليه عامل النظام السياسي الاستبدادي وتأثير ذلك في بنية الفضاء الديني والاجتماعي وتأثير ذلك في سيادة بعض الأنماط التقليدية للتعليم الديني، وغلبة هيمنة وجاهة المشايخ المبرّزين كالبوطي

والزحيلي. بينما يرى في الحالة الدينية الأردنية درجة من التعقيد سببها "تجاذبات السلطات الرسمية، وخاصةً دور الأمير غازي (الأقرب لتشجيع الاتجاه الصوفي)، وأجهزة الأمن التي تحاول جاهدةً تهميش القوة الأساسية للمعارضة السياسية الإسلامية (أي الاتجاه الإخواني). يلقي المؤلف الضوء على نماذج يراها الأفضل على مستوى مساعي تجاوز القطيعة بين علوم الشرع والعلوم الاجتماعية، وهي كلية الدراسات الإسلامية بجامعة حمد بن خليفة بقطر والجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا ودار الحديث الحسنية بالمغرب؛ ويستطرد في بيان مضامين المواد الدراسية التي تدرّس في كلية الدراسات الإسلامية، والتنوع الموجود في تخصصات أعضاء هيئة التدريس فيها، وطبيعة الموضوعات التي تناقش في الدراسات العليا، إضافة إلى المراكز البحثية المختلفة التابعة للكلية. ويفسر حنفي المستوى المتقدم الذي يراه في هذه الكلية استنادًا إلى المقاربة الأخلاقية للدين التي تتبناها الكلية، والتي يتبناها حنفي أيضًا، ويعتبر أن المنظور الأخلاقي هو الذي أهّل الكلية لتحقق درجة مقبولة من تجاوز القطيعة بين الحقلين المعرفيين. أما  دار الحديث الحسنية فيرى المؤلف أنها نموذج فريد في العلاقة ما بين علوم  الشرع والعلوم الاجتماعية، ويرصد أيضًا من خلال

اطلاعه على بعض أطروحات الماجستير والدكتوراه أنه "لا يوجد دليل على ضعف التكوين الشرعي عند الخريجين. وأن أغلب الأطروحات كُتبت على منوال الكتابة الأكاديمية في العلوم الإنسانية والاجتماعية في العالم العربي من حيث البنية وطريقة المعالجة. لذا من الواضح أن هناك استفادةً من هذه العلوم منهجيًّا، بل في

الموضوعات المختارة التي تعالج فقه المعاش (أو فقه الواقع). كما أن مراجعة الأدبيات تناولت المراجع العربية والأجنبية، وبدا واضحًا فهم

الطلاب للمؤلفات التي قرؤوها. ونادرًا ما مرَّ

نعت الأدبيات الغربية بالاستشراقية" (ص. 216)

سادسًا: تشخيص القطيعة: رؤى متعددة

يجمع حنفي في الفصل الثالث عشر رؤى متنوعة لعدد من أعضاء هيئة التدريس والطلاب في العلوم الشرعية حول مسألة القطيعة بين علوم الشرع والعلوم الاجتماعية، ويجمل ذلك في ثماني نقاط؛ الأولى هي النزاع حول تأييد التداخل المعرفي أو رفضه، إذ يرى البعض أن العلاقة بين الحقلين هي علاقة تكامل، بينما يرى آخرون   أن بينهما اختلافًا مرجعيًا وتعارضًا

معرفيًا. والثانية هي غلبة أسلوب الرتابة والتقليد

والحشو في التعليم الديني، حيث يرى حنفي متفقًا مع عبد الرحمن حللي أن ذلك أدى "إلى غياب الربط مع الواقع وعدم التناسب مع العصر ومتطلباته وأسئلته، فما يزال طالب الشريعة يدرس مسائلَ ومصطلحاتٍ وأمثلةً تاريخيةً لا صلة لها بالواقع. فقد أصبح علم الفقه والكلام اليوم كلامًا

عنهما وليس تواصلً مع رسالتهما، ولم تتطور لغتهما. وكذلك غلبة أحادية التفكير، وضعف المنهجية، وغلبة التعص ب، وغياب الحوار والنقد،

والخلط بين قداسة النصّ وفهومه" (ص. 658) ويرى حنفي في النقطة الثالثة أن ثمة حضورًا قويًا لأنماط التلقين المخالفة للعقل والمنطق. أما النقطة الرابعة فهي طغيان التخصص المفرط لدى منتجي المعرفة الدينية، وأكثرهم وفق حنفي هم علماء وأساتذة علم الحديث. يشخّص حنفي في النقطة الخامسة تشخيصًا على المنوال "الديني" نفسه، حيث يرى أنه ثمة "هجر" لمضامين القرآن الكريم من قبل منتجي المعرفة الدينية الإسلامية، ولعل حنفي هنا انخرط على نحو مفرط بعض الشيء في القراءة الدينية لإشكالية دينية كان من باب أولى النظر لها بعيدًا عن جدل تأويل مضامين النص الديني القرآني واستكناهها. بينما يفحص في النقطة السادسة طبيعة التناول الأكاديمي للإشكاليات البحثية المناقشة والطرق المنهجية لمعالجتها والإجابة عنها، حيث إنها محدودة بالأنساق المعتادة داخل حقول البحث العلمي الديني الإسلامي. ويطرح حنفي في النقطة السابعة إشكالية القدرات المحدودة لطلاب الشريعة ومدى تأثير ذلك في مستوى الإنتاج العلمي والمعالجات التقليدية والموضوعات النمطية التي تُدْرَس وتُدرَّس في منصات   التعليم الديني.   بينما يشير في النقطة الثامنة إلى قدر النقص الموجود في الحضور النسائي ضمن كوادر الإدارة والتعليم الإسلامي.

سابعًا: استدعاء الطاهر بن عاشور: رؤية للتجسير

يستدعي حنفي في طرة الكتاب ومقدمته وخاتمته عنوان كتاب محمد الطاهر بن عاشور "أليس

الصبح بقريب"، كبعد استشرافي واستدعائي لطموح قديم جديد، ويقترح ثلاث مقاربات للارتقاء بتدريس علوم الشرع وتجسيرها مع العلوم الاجتماعية، الأولى هي تبيئة المعرفة وفق ما أسماه "منهج الفصل والوصل"، والثانية المنهجية المقاصدية، والثالثة المقاربة الأخلاقية للدين. يعتمد حنفي في مقاربته الأولى على منهج الفصل والوصل لسمير أبو زيد المرتكز بالأساس على تراث عبد القاهر الجرجاني، "يقوم هذا المنهج على ثلاث خطواتٍ أساسية: الخطوة الأولى هي تحديد الموضوع العلمي محل البحث لمعرفة عدّة أمور: فإذا كان قضيةً علميةً بحتةً تُستخدم المناهج العلمية الخاصّة بمجاله، وإذا كان قضيةً

علميةً دينيةً مشتركة ننتقل إلى الخطوة الثانية، وهي تحليل الموضوع 'العلمي–الديني' المشترك إلى قضية علمية وقضية دينية كل في مجالها، بشكل كامل. أما الخطوة الثالثة، فهي إنشاء علاقة رابطة بين القضيتَين" (ص. 700). ويرى أن باحثي الجامعة العالمية الإسلامية في ماليزيا تمكنوا من تحقيق مستوى جيد مما يسميه تبيئة المعرفة، خاصة فيما يتعلق بحقل الاقتصاد، كما يرى أن عملية تبيئة المعرفة هي البديل الأنسب لتكامل المعارف "بسبب الالتباس الحاصل من تبنِّي "فاعلين متعدِّدين له وإعطائه معانيَ مختلفة جد ا

(ص. 700) أما المقاربة الثانية فنقاش حنفي حول ما يصفه بالمنهجية المقاصدية محدود بالنقاشات الكبرى حول فكرة مقاصد الشريعة، والمشهور منها في

(((محمد الطاهر بن  عاشور، أليس الصبح بقريب: التعليم

العربي الإسامي (دراسة تاريخية وآراء إصاحية) (القاهرة: دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة،.)2006

سياق الشاطبي تراثيًا والريسوني راهنًا، ولعل هذه

المقاربة هي المدخل لعدد من الانتقادات التي ستأتي لاحقًا للكتاب. يستطرد في مقاربته الثالثة حول المنظور الأخلاقي للدين وأهميته في تحقيق درجة تجسير أفضل بين حقلي علوم الشرع والعلوم الاجتماعية، ويرى أن المطلوب هو تعميم Mainstream برَدايم جديد

بوصفه تشريعًا ولكن بوصفه  الدين – لا لربط أخلاقًا – بالعلوم الاجتماعية، بحيث تتعاون علوم الشرع والعلوم الاجتماعية على التشريع، وبدلً من اعتبار الشريعة (الأحكام الفقهية) المصدر الرئيس للقوانين، سواء كانت أحوالً شخصية وشرعية أو قوانين وضعية، والتناحر على الحدود الفاصلة بينهما، وهو ما اعتادت الكليات الشرعية تدريسه، الاعتراف بأن العلاقات البشرية تحكمها سيتم نظُمٌ تتجاوز التقنين، فمنها ما هو مرتبط بالأعراف والتقاليد المتوارثة ببساطة، ومنها ما هو أحوال شخصية وأحكام شرعية، ومنها ما هو سياسي (المواطنة، وتقنيات الحكم، والضرائب... إلخ) (ص. 707)

حول إمكان التجاوز أو التجسير: خلاصة نقدية

لقد أسهب الكتاب في تتبع مناهج التعليم الديني وخطوط تماسّها مع العلوم الاجتماعية، وسلط

الضوء على عدد وافر من مضامين مؤسسات التعليم الإسلامي وطبيعتها وطرق التدريس فيها، كما استطرد في عرض نماذج محورية للانطلاق منها نحو علاقة أفضل بين حقلي العلوم الشرعية والعلوم الاجتماعية. هذا الجهد أتاح مقدارًا كبيرًا

من المعلومات يمثل تراكمًا معرفيًا معتبرًا حول

حال التعليم الديني الإسلامي في مناطق مختلفة.

من جانب آخر، تظل الحلول التي يطرحها الكتاب لتجاوز القطيعة بين الحقلين المعرفيين محل لجدل مضاف. وهنا نقدم بعض رؤوس الأقلام لهذا الجدل: • ثمة نقاش ضروري وأساسي لم يشر إليه الكتاب يخص مسألة الاختلاف البنيوي بين حقل العلوم الشرعية الإسلامية وحقل العلوم الاجتماعية والإنسانية؛ فالأول يقوم في غالبه على منطق تسليمي إيماني وبُعد ميتافيزيقي، ولا  حاجة لتوكيد أن الغالبية من منتجي المعرفة  الدينية هم مؤمنون بالإسلام ابتداءً، ينطلقون من تصور

بكمال الدين، تلخصه الآية القرآنية: "اليوم أكملت لكم دينكم" (المائدة: 3) في معرض بحثهم في القضايا والموضوعات الدينية المختلفة. الاعتقاد بكمال الدين تتولد عنه سمات ملازمة لمنهج البحث وتنعكس كذلك على طبيعة الأسئلة المعرفية التي تُطرح في فضاء التعليم الديني. تكتسب عمليات الاجتهاد الفقهي – على سبيل المثال – مشروعيتها من حكم شرعي يبيح الاجتهاد في موضوعات أو مواقف أو سياقات ما. والمعنى أن دائرة صناعة التفكير العلمي داخل الدين تدور في اتجاهات مختلفة على نحو بعيد عن تلك في العلوم الاجتماعية. ولا يعني ذلك بأي حال الحكم على المعرفة الدينية بأنها أقل أو أكثر منطقية أو عقلانية؛ لكن الغرض الأساسي هنا هو لفت الانتباه للفوارق بين بنية المعرفة والإنتاج المعرفي في علوم الشرع وتلك في العلوم الاجتماعية. • يرى حنفي في النموذج الكويتي ميله إلى النمط السلفي التقليدي، ويشير إلى حضور أدبيات فقه السياسة الشرعية التي تشترك فيها كلية الشريعة بجامعة الكويت مع ما تتناوله تنظيمات كالقاعدة وداعش. والخشية أن هذا الربط قد انطوى

على شيء من الاختزالية؛ إذ إن اتحاد مورد الاستمداد لا يعني بالضرورة إشكالية في هذا المورد، إنما يكمن الإشكال التأويلي لنصوص هذا المورد في قلب المعالجة المتطرفة لقضايا السياسة الشرعية، خاصة أن هذه الأدبيات كثيرًا

ما ارتبطت بسياق اجتماعي أو سياسي محدد، أو أنها كتبت كفتوى. هذا الأمر هو ما يسمح بتعدد القراءات التأويلية لها، ومن ثم، لا تعدّ بعض القراءات المتطرفة لها سوى قراءة تأويلية ضمن المعجم الخاص بتيار ديني ما، بينما قد يكون تناولها ضمن قراءة معتدلة ووسطية وراهنة أولى في الكثير من الأحيان من استبعادها. • تحيلنا هذه النقطة على نقاش نراه ضروريًا، حول الجدوى من مساعي التقريب والتجاوز التي يطرحها المؤلف. فإذا ما سلّمنا ابتداءً بوجود

تمايز بنيوي بين حقلي علوم الشرع والعلوم الاجتماعية، فإن محاولة ابتكار مقاربات تجسيرية بينهما تبقى محل نظر، والأجدر من وجهة نظرنا بدلً من التفكير في العلاقة بينهما بوصفها علاقة تكامل معرفي أو تبيئة للمعرفة، كما طرح حنفي، أن يُدعى لإيلاء الاعتبار للأبعاد السياقية؛ المكان والزمان وخصوصياتهما، في البحوث  الدينية، والعمل على نمذجة وتبيئة هذه المقاربة في البحث الديني، شرطًا إلزاميًا عند إنتاج المعرفة

الفقهية أو الكلامية أو الحديثية. إن النظر لبعض الأبحاث الأكاديمية في العلوم الشرعية، وبالتحديد تحقيق المخطوطات التراثية، يجد حضورًا إلزاميًا في مقدماتها لترجمات العَالمِ

(((تمثل عمليات القراءة والقراءة المضادة أحد أبرز الأساليب الخطابية التي تعمل من خ لااها التيارات الإس مااية السنية المختلفة، خاصة إذا كانت قراءة نص لشخصية ذات رأس مال روحي ومرجعي كابن تيمية والطبري وابن القيم وابن كثير.

المصنف لمتن أو نص ما، مع ذكر للظروف السياسية والاجتماعية والثقافية التي عاصرها هذا العالم، إلا أن هذه الترجمة تقتصر فقط على السرد التاريخي المجرد، مع تسليط الضوء على المواقف والصراعات المذهبية أو العقائدية التي دفعت هذا العالم لتصنيف كتابه هذا، كما تتضمن هذه المقدمات تعريفًا بالعالم ونسبه وتكوينه العلمي وشيوخه وتلاميذه. ونجد ذلك، أيضًا، في البحوث الأكاديمية التي تعالج موضوعات شرعية تتناول موقف عالم ديني تراثي من مسألة أو مسائل دينية ما، ويزيد فيها أحيانًا الاستطراد في سرد الصراعات المذهبية التي خلقت دوافع العالم لإبداء الرأي أو كتابة مصنف أو إصدار فتوى بخصوص هذه المسألة أو المسائل. إن ما يدفع إلى التفكير في مسألة العلاقة بين الحقلين على نحو مختلف عن مساعي التكامل

(((هذا تقليد أكاديمي متّبع في كل الكليات الشرعية العربية

تقريبًا، ويمكن على سبيل المثال النظر في تحقيق الدكتور

محمد رشاد سالم لكتاب ابن  تيمية درء تعارض العقل والنقل، حيث نجد مقدمة طويلة في حوالى سبعين صفحة في المجلد الأول تصف موضوع الكتاب ونسخه ومنهج التحقيق وتاريخ تصنيف الكتاب. يتواتر ذلك باستقراء الكثير من الأطروحات والتحقيقات الأكاديمية بالجامعات السعودية وجامعة الأزهر وكلية دار العلوم بجامعة القاهرة. وللمزيد حول أهمية مقدمات

الكتاب الإس مااي، ينظر: عباس أحمد أرحيلة، هاجس الإبداع

في التراث: دراسة في مقدمات الكتاب الإسامي (بيروت: المؤسسة العربية للفكر والإبداع،.)2017 (((ثمة تطور حاصل في بعض الدراسات الأكاديمية العربية فيما يتعلق بهذا النمط من الأبحاث، فنجد على سبيل المثال

كتاب الباحث ياسر المطرفي حركة التصحيح الفقهي: حفريات

تأويلية في تجربة ابن  تيمية مع فتوى الطاق، وهو حاليًا باحث

دكتوراه بجامعة SAOS بلندن، حيث نجد معالجته الشرعية لهذا الموضوع تتضمن الكثير من الأبعاد الاجتماعية والتاريخية دون استخدام مقاربات سوسيولوجية مباشرة. وهذا النمط الذي يمكن العمل عليه داخل أي حقل لعلوم الشرع، أي المعالجة الاجتماعية والتاريخية وفق اللغة الدينية المستخدمة في كل فن.

المعرفي؛ هو أن لغة التأليف في الحقل الديني تنطوي على كثير من الخصوصية والتعقيد؛ لا تقتصر هذه الخصوصية على اللغة الدينية التي توظّف في البحوث، إنما تحضر كذلك على مستوى الفروع العلمية المختلفة (الحديث، الفقه، العقيدة، التفسير)، وعلى مستوى الزمان، حيث تختلف أحيانًا مدلولات الألفاظ والمصطلحات وفق الزمن المستخدمة فيه، ويختلف أيضًا فهم معانيها على مستوى المذاهب والاتجاهات الإسلامية، وتتفاوت في بعض الأحيان على مستوى علماء الفرع أو المجال البحثي الواحد، فيستخدم عالم ما مفردة للدلالة على معنى ما، بينما يستخدمها آخر بدلالة أكثر أو أقل اتساعًا. فيما يتعلق بالإطار الزمني والمكاني الذي تناوله الكتاب، نلاحظ وجود دراسات حالة كثيرة ومختلفة، وغياب تحديد إطار زمني لدراسة نموذج ما في الكثير من المواضع. هذا الاتساع في تأطير الحالة المدروسة جعل المعالجة في بعض الأحيان تفتقر إلى العمق اللازم، وبخاصة أن الموضوع يتسم بالجِدّة، ونادرًا ما توافرت أدبيات تعالج هذا النوع من الموضوعات. ومن زاوية أخرى، على سبيل المثال نجد دراسة الحالة المصرية في الكتاب قد اقتصرت على تناول جامعة الأزهر نموذجًا للمنصة الأبرز

للتعليم الديني في مصر، بينما هناك ستة أفرع

(((نجد ذلك موجودًا على نحو واضح في علم مصطلح

الحديث على سبيل المثال، فيستخدم بعض العلماء مفردة "حسن" لوصف الحديث النبوي بالصحة سندًا أو متنًا،

بينما  يستخدمها آخر بمعنى أقل قليلً من الصحة. وعلى الرغم من أن هذه السمة حاضرة في كافة العلوم الدينية كما الحال في العلوم الاجتماعية والإنسانية، فإن الإشكال يلاحظ وبكثرة في بعض مساعي متخصصي العلوم الاجتماعية للعلوم الدينية أو العكس، وهنا يتطلب الأمر قراءة فيلولوجية وكرونولوجية فاحصة للموضوع المعرفي المدروس.

لهذه الجامعة في مختلف محافظات مصر، وتحوي مئات الكليات التي تدرس العلوم الإنسانية إلى جانب العلوم الشرعية، ككليات التربية واللغات والترجمة والدراسات الإنسانية، فضلً عن شُعب داخل بعض الكليات للدراسة باللغات الإنكليزية والفرنسية، إضافة إلى أن الكليات الشرعية داخل الجامعة متوزعة على عدة تخصصات، ككلية الشريعة والقانون، وكلية أصول الدين، وكلية الدراسات الإسلامية، وكلية اللغة العربية، ما يتطلب بطبيعة الحال دراسة أكثر عمقًا ومسحًا لتحديد مساحات القطيعة والتجاوز بين علوم الشرع والعلوم الاجتماعية داخل منصة تعليم ديني واحدة في قُطر واحد، وغياب تناول منصة مهمة من منصات التعليم الديني في مصر وهي كلية دار العلوم بجامعة القاهرة، والتي لها تاريخ كبير وإنتاج معرفي ضخم على مستوى الدراسات الدينية واللغوية. وأخيرًا، يثير اقتراح حنفي حول المقاربتين

المقاصدية والأخلاقية عددًا من التساؤلات الإشكالية، إذ ثمة جدل واسع حول إمكان استقلال المنهجية المقاصدية كنسق اجتهادي يمكن الاعتماد عليه دون مجمل علم أصول الفقه؛ فمقاصد الشريعة تمثل فرعًا من فروع أصول الفقه، وتستقي منه بناءها النظري. ومن الإشكال تصور استقلال فرع عن الأصل، ما لم تتوافر حجج وأطر منطقية قوية تثبت جدوى مثل هذا الاستقلال وأهميته، وهو طرح يستلزم بحثًا معمقًا ومستفيضًا يقوّي هذا الادعاء وتلك الدعوة. وكما ذكرنا سلفًا، المقاصدية بوصفها موضوعًا لا تزال مساحة جدالية داخل العلوم الإسلامية، ولم تستقر بشأنها آراء منتجي المعرفة الدينية بعد.

أما المقاربة الأخلاقية للدين فهي أيضًا مثار جدل واسع بين عدد من المنشغلين بالفلسفة الإسلامية، ولم يبين حنفي على نحو واضح كيفية تفعيل ما يدعو إليه من أخلقة للدين، وأثره في تجسير العلاقة مع العلوم الاجتماعية. والمعلوم أن أغلب الجدل حول الأخلاق في الإسلام لا يزال في طوره الفلسفي النظري، ومثاله الأبرز ما يقدمه طه

المراجع

المؤسسة العربية للفكر والإبداع،.2017

الكويت: دار البحوث العلمية للنشر والتوزيع،.1984

الشبكة العربية للأبحاث والنشر،.2012

عبد الرحمن منذ عقد من الزمان، وستكون هذه المقاربة أمام تحدٍ كبير لأنها ستواجه، كما ذكرنا في النقطة الأولى، منتجين للمعرفة منطلقين من إيمان عقائدي يرى في الدين كمالً أخلاقيًا وتشريعيًا

صالحًا لكل زمان ومكان، والعمل على إبراز دور

الأخلاق في بنية التفكير الديني الإسلامي سيتطلب دراسات أشد عمقًا وتركيبية بلا شك.

References

أرحيلة، عباس أحمد. هاجس الإبداع في التراث: دراسة في مقدمات الكتاب الإسامي. بيروت:

الفاروقي، إسماعيل راجي. أسلمة المعرفة: المبادئ العامة وخطة العمل. ترجمة عبد  الوراث سعيد.

________. صياغة العلوم الاجتماعية صياغة إسامية. الرياض: الدار العالمية للكتاب الإسلامي،

المالكي، عبد  الله. سيادة الأمة قبل تطبيق الشريعة: نحو فضاء أمثل لتجسيد مبادئ الإسام. بيروت: