نحو إعادة التفكير في الأطر المفاهيمية لتحليل السياق الفلسطيني الاستعماري
Re–thinking Conceptual Frameworks to Analyze the Palestinian Colonial Context
الملخّص
تسعى هذه الدراسة لتفكيك العُدَّة المفاهيمية التي استخدمتها الحركة الوطنية الفلسطينية وخطاباتها المعاصرة في الحقلَين السياسي والأكاديمي، في تشخيص الوضعية الفلسطينية والانتقال من توصيفها حالةَ استعمار في الخمسينيات إلى استدخال مفهوم الاحتلال، وانتقال استخدامه من الحقل السياسي إلى الحقل الأكاديمي. وتهدف تحديدًا إلى فتح النقاش بشأن غياب التأثير المعرفي الأكاديمي المتنامي في الدراسات الاستعمارية وفواعله التحليلية في الحقل السياسي. تتوزع الدراسة على ثلاثة محاور؛ يستعرض الأول قراءة لعدة مفاهيم نظرية في توصيف البنية الاستعمارية. ويحلل الثاني مفهومًا لم يُستخدم في توصيف السياق الاستعماري الدولاني، ولكن جرى استخدامه لتحليل عنف الجماعات، وهو مفهوم "العنف الشامل". ويفحص الثالث أثر استدماج الحقل السياسي في الحقل الأكاديمي.
Abstract
Abstract: This article deconstructs the conceptual tools employed by the Palestinian national movement to diagnose the Palestinian condition. It traces the transformations of contemporary political and academic discourses, from labeling the Palestinian condition as "colonialism" in the 1950s and then re–packaging it as "occupation" in post–Oslo era. Consequently, the article explains the impact of the absence of academic–epistemic frameworks in the field of colonial studies on the political field. To achieve this goal, the article is divided into three parts: Part I reads through theoretical frameworks to qualify colonial structure/ the structure of colonialism; Part II analyzes the concept of "Total Violence," that has been used to analyze communal violence but never to analyze colonial state violence; while Part III examines the impact of merging academia into the political realm.
- العنف الشامل
- الحقل الأكاديمي
- المستعمرية
- التشوه المفاهيمي
- الوضعية الاستعمارية
- Total Violence
- Academia
- Coloniality
- Conceptual Impotency
- Colonial Context
ملخص: تسعى هذه الدراسة لتفكيك العُد ة المفاهيمية التي استخدمتها الحركة الوطنيةَّ
الفلسطينية وخطاباتها المعاصرة في الحقلَين السياسي والأكاديمي، في تشخيص الوضعية
الفلسطينية، والانتقال من توصيفها حالةَ استعمار في الخمسينيات إلى استدخال مفهوم
الاحتلال، وانتقال استخدامه من الحقل السياسي إلى الحقل الأكاديمي. وتهدف تحديدًا
إلى فتح النقاش بشأن غياب التأثير المعرفي الأكاديمي المتنامي في الدراسات الاستعمارية
وفواعله التحليلية في الحقل السياسي. تتوزع الدراسة على ثلاثة محاور؛ يستعرض الأول
قراءة لعدة مفاهيم نظرية في توصيف البنية الاستعمارية. ويحلل الثاني مفهومًا لم يُستخدم في
توصيف السياق الاستعماري الدولاني، ولكن جرى استخدامه لتحليل عنف الجماعات، وهو
مفهوم "العنف الشامل". ويفحص الثالث أثر استدماج الحقل السياسي في الحقل الأكاديمي.
Abstract: This article deconstructs the conceptual tools employed by the Palestinian national movement to diagnose the Palestinian condition. It traces the transformations of contemporary political and academic discourses, from labeling the Palestinian condition as "colonialism" in the 1950s and then re–packaging it as "occupation" in post–Oslo era. Consequently, the article explains the impact of the absence of academic–epistemic frameworks in the field of colonial studies on the political field. To achieve this goal, the article is divided into three parts: Part I reads through theoretical frameworks to qualify colonial structure/ the structure of colonialism; Part II analyzes the concept of "Total Violence," that has been used to analyze communal violence but never to analyze colonial state violence; while Part III examines the impact of merging academia into the political realm.
Associate Professor at Department of Social and Behavioral Science, Birzeit University, Palestine. Email: asakka@birzeit.edu
مقدمة
اجتهد كثيرون، وما زالوا، في محاولة تأطير مقاربة الحالة الاستعمارية الفلسطينية عبر استدعاء مرجعيات معرفية ذات طابع كوني، وعقد مقارنات أو نحت مفاهيم جديدة لتوائم دراسة الحالة الاستعمارية. تسعى هذه الدراسة لتقديم قراءة نقدية تعمل على تفكيك البنية الخطابية لمجموعة من الأطر المفاهيمية في الحقلين السياسي والأكاديمي، عبر عملية تتبّع تاريخي
لمجموعة من المفاهيم، والتركيز على السجالات المفاهيمية التي أنتجها بعض الباحثين الفلسطينيين وغير الفلسطينيين عن تشخيص الحالة الفلسطينية (التدمير الشامل Sociocide، والمحو السياسي Politicide، والتطهير المجالي/ المكاني Spatiocide، والاستعمار الاستيطاني Settler Colonialism، والأبارتهايد Apartheid). وفي هذا الإطار، تطرح الأسئلة التالية: لماذا لم تؤثّر هذه الأطر المفاهيمية وغيرها في مفردات الحقل السياسي الفلسطيني؟ بل لماذا يستخدم بعض الأكاديميين الفلسطينيين مفردات الحقل السياسي الفلسطيني؟ ولماذا لا تنسحب التحليلات الأكاديمية إلى الحقل السياسي رغم التداخل الوثيق بينهما في السياق الفلسطيني؟ قبل البدء في عرض المحاولة، تجدر الإشارة إلى عدة صعوبات واجهتها هذه الدراسة. أولاها ذات طبيعة معرفية ومنهجية، تواجه الباحثين عند دراسة الحالة الاستعمارية الفلسطينية؛ وذلك بسبب استمراريتها، ومن ثم يصعب عليهم العمل على ظواهر قيد التشكل والتبدل. وثانيتها فرادة كل حالة استعمارية وسياقها وشروطها وانعكاساتها؛ ما يجعل دراسة كل حالة استعمارية – مستعمَرية أشبه بحالة المرور بحقل ألغام، بسبب عناصر الشبه والاختلاف بين الظواهر الاستعمارية – المُستعمَرية.
وثالثتها تغير السياقَين التاريخي والاجتماعي للحالات الاستعمارية التي يجري المقارنة بها، وتحوّل
التوازنات العالمية وبروز ما يسمى الجماعة الدولية وتشكيل عصبة الأمم ثم الأمم المتحدة، وكذلك حدوث تغيرات أخرى جرت على مستوى العالم واختفاء الإمبراطوريات بالمعنى القديم. بالنسبة إلى المفاهيم المستخدمة، يجتهد البعض في القول إن استخدام تعبير الاستعمار باللغة العربية مرتبط بالمقارنة الاسمية أو بمعناها المعجمي Lexical أو بالمعنى الاشتقاقي Etymological، فيصير ردّها إلى الأفعال عمَر، استعمرَ، يستعمر، استعمارًا، فهو مُستعمِر، والمفعول مُستعمَر، ويُعنى به استعمرَ
الأرضَ عمرها، أي أمدَّها بما تحتاج إليه من الأيدي العاملة لتصلح وتعمُر، على سبيل المثال "استعمَر الصَّحراء". ونظرًا إلى هذا التصور الدلالي اللغوي الإيجابي للكلمة، يعمل بعض الباحثين عادة
على الاستعاضة عنها للتعبير عن النقيض ب "استدمار" من دمَر. ولذا، بناء على هذه المقاربة الاسمية/ اللغوية المعجمية، يرفض البعض استخدام تعبير استعمار ويستعيض عنه بتعبير "احتلال"، ويستعير بعض آخر الكلمات اللاتينية "كولونيالية" وكولونيالي. وفي رأينا، هاتان المقاربتان إشكاليتان؛ لأن اختزال المعنى لمردّه اللغوي الجذري يُلغي الدلالات الاجتماعية السياسية للكلمة ومعناها المعيش في المجتمع واستخداماتها التاريخية والاجتماعية. وهذا ينطبق اسميًا ودلاليًا على تعبير "كولونيالي"،
((("تعريف ومعنى استعمر"، معجم المعاني، شوهد في 2021/12/21، في: https://bit.ly/3552ubw
ففي بعض اللغات اللاتينية، كالإنكليزية والفرنسية، تعني كلمة كولونيالية، كما معناها أيضًا باللغة العربية، "تعمير" و"إجازة" و"توطّن" فمعنى "كولوني" Colonie/ Colony في القواميس الإنكليزية والفرنسية وغيرها تقابل كلمة "مستَعمرة" و"مزرعة"... إلخ. أما ما نقصده هنا بالاستعمار فهو بمعنى الاصطدام مع السكان الأصلانيين المرتبط بكل الأشكال الاستعمارية التي تعرّض لها أكثر من 84 في
المئة من مساحة الكرة الأرضية من غزو أراضٍ والسيطرة على ممتلكات شعب آخر. وهذا الاستخدام الاصطلاحي اللغوي الغربي يظهر النزوع نحو الاستخدام الاصطلاحي "الغربي" من دون التمحيص في جدواه وعقد المقاربات اللغوية/ الاجتماعية اللازمة. تقترح هذه الدراسة تسمية حالة الوقوع تحت الاستعمار بالحالة المُستعمَرية (نسبة إلى المُستَعمَرة)؛ وذلك لأن التوصيف الاستعماري ذو طابع تعميمي لا يميز بين الطرفين في الحالة الاستعمارية بين المستَعمِرين والمستَعمَرين. وبناء عليه، تستخدم الدراسة تعبير "الاستعمارية" لتوصيف حالة
المسُتعمِرين، وتعبير "المُستَعمَرية" لتوصيف حالة المُستعمَرين. وتستخدم تعبير المُستَعمَرة الأولى لوصف المناطق الفلسطينية التي استعمرتها إسرائيل عام 1948، والمُستَعمَرة الثانية لتوصيف المناطق التي استعمرتها إسرائيل عام 1967؛ وذلك للتأكيد على الطابع الاستعماري لهذه الأخيرة، وتسليط الضوء على القواسم المشتركة والفروق بين المستعمَرتين. ولإعادة الاعتبار لفكرة وقوع المجتمع الفلسطيني برمّته وبأجزائه المختلفة تحت مشروع استعماري استيطاني واحد، مع تباينات وفروق في طرائق إدارة
المستعمِر للمُستعمَرتَين وسكانهما، وفي الوقت ذاته للأخذ في الاعتبار أن الآلة الاستعمارية أنتجت تصورات وممارسات وتمثلات وأوضاعًا مغايرة لدى المسُتعمَرين أنفسهم وبطرائق مقاومتهم للمشروع الاستعماري أو ب "تعايشهم" أو بتخيلاتهم للخلاص منه.
أولا: مفهمة الإطار الاستعماري الاستيطاني: مقاربة تحليلية
1. إسرائيل بوصفها بنية استعمارية
أنتج المشروع الاستعماري الصهيوني دولة إسرائيل التي كُتب عنها الكثير من الدراسات والأبحاث، وجرى تشخيصها بوصفها بنية سياسية واجتماعية واقتصادية استعمارية. وقد درس العديد من الباحثين الفلسطينيين والعرب إسرائيل وتاريخها وممارساتها السياسية والعسكرية بوصفها ممارسات استعمارية منذ ستينيات القرن الماضي. وشخّص إدوارد سعيد المشروع الصهيوني وعلاقته بالإمبريالية الغربية
(2) Elia Zureik, The Palestinians in Israel: A Study in Internal Colonialism (London: Routledge & Kegan Paul, 1979); Edward Said, The Question of Palestine (New York: Times Books, 1979); Abdul–Wahhab Kayyali (ed.), Zionism, Imperialism, and Racism (London: Croom Helm, 1979); Fayez Sayegh, Zionist Colonialism in Palestine (Beirut: The Palestine Liberation Organization Research Center, 1965); Ibrahim Abu–Lughod & Baha Abu–Laban (eds.), Settler Regimes in Africa and the Arab World: The Illusion of Endurance (Wilmette, IL: Medina University Press International,
عبد الوهاب المسيري، اليهودية والصهيونية وإسرائيل: دراسة في انتشار وانحسار الرؤية الصهيونية للواقع (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،.)1975
وآثاره في ضحاياه، ووصفه جميل هلال باعتباره الاستعمار الأخير في غرب آسيا، ولاحقًا تناول نور مصالحة النكبة بوصفها سيرورة مستمرة، مُظهرًا الأشكال المختلفة لمحاولة مسح حضور الفلسطينيين
وممارسة التطهير العرقي باعتباره فعلً مؤسسًا لدولة إسرائيل ومحاولاتها لطمس الهوية العربية لفلسطين
عبر مشروع الغابة واستحضار أشجار استعمارية ومسح آثار القرى والبلدات العربية وسرقة الممتلكات الخاصة، والأرشيف والمكتبات لمحاولة تملّك تاريخهم. ويبين مصالحة أيضًا في عمل آخر السردية الاستعمارية والاستخدام التوراتي وعلاقتها بالآثار. وفَعل مثلهم بعض الباحثين الغربيين. فمثلًاعتبرها رودنسون ظاهرة استعمارية Colonial Fait في إشارة إلى شموليتها، فاتحًا باب النقاش على مصراعيه حول هوية هذه الدولة في دراسة شهيرة بعنوان
"شعب يهودي أم مشكلة يهودية؟". وكذلك كتب الكثير من الباحثين عن مسألة الهوية في إسرائيل، وساءلت الأدبيات عن وجود أمة يهودية أو شعب يهودي وعلاقة ذلك بالحسابات الأيديولوجية. وقد بيّن آمنون راز أن وجود جماعة وطنية إسرائيلية وثقافة يهودية، بوصفها بناء اجتماعيًا سياسيًا، قابلٌ
للنقاش؛ بمعنى أن ثمة جماعات يهودية خارج إسرائيل لا تقتسم طرائق التفكير والرموز والمرجعيات التي تحاول إسرائيل عبرها إظهار وحدة الانتماء الوطني المتجانس، وينطبق الأمر أيضًا على فكرة وحدة الشتات الإسرائيلي. يعقد جيل دولوزمقاربة تشبّه الفلسطينيين بهنود أميركا الشمالية، بقوله: "لم تُخفِ إسرائيل يومًا منذ
بدايتها هدفها الأساسي لتفريغ الأرض الفلسطينية، ومحاولة إظهارها أرضًا فارغة مخصصة للصهاينة. إنها ممارسة استعمارية ليس بالمعنى الاستعماري الأوروبي في القرن العشرين، أي ليس عبر استغلال السكان، ولكن عبر عملية إفراغ، وتحويل من تبقّى منهم إلى أيادٍ عاملة رخيصة ملحقة ومهاجرين متحركين في غيتو. ومنذ البدايات مثّلت عملية شراء الأراضي، المترافقة مع عملية إفراغٍ لشاغليها أو طردهم، تطهيرًا عرقيًا. إنه تطهير، ولكن تبقى الإبادة الجماعية أشد تعقيدًا، بحيث إن عملية التطهير
(3) Said, pp. 56–114. (4) Hilal Jamil, "Imperialism and Settler–Colonialism in West Asia: Israel and the Arab Palestinian Struggle," Utafiti , vol. 1, no. 1 (1976), pp. 51–69. (5) Nur Masalha, The Palestine Nakba: Decolonising History, Narrating the Subaltern, Reclaiming Memory (London/ New York: Zed Books, 2012), pp. 88–204; Nur Masalha, The Zionist Bible: Biblical Precedent, Colonialism and the Erasure of Memory (Durham: Acumen, 2013).
(((مثل:
Arie Bober (ed.), The Other Israel: The Radical Case Against Zionism (Garden City, NY: Anchor Books, 1972); Uri Davis, Israel, Utopia Incorporated: A Study of Class, State, and Corporate Kin Control (London: Zed Press, 1977). (7) Maxime Rodinson, "Israël, fait colonial?" Les Temps modernes , vol. 22, no. 253 (1967), pp. 17–88. (8) Maxime Rodinson, Peuple juif ou problème juif? (Paris: François Maspero, 1981). (9) Shlomo Sand, Comment le peuple juif fut inventé: De la Bible au sionisme (Paris: Fayard, 2008); Anthony D. Smith, Chosen Peoples: Sacred Sources of National Identity (Oxford: Oxford University Press, 2003). (10) Amnon Raz–Krakotzkin, Exil et souveraineté: Judaïsme, sionisme et pensée binationale (Paris: La Fabrique, 2007), pp. 20–21.
مرتبطة بالإفراغ الجغرافي وتحت شعار أنهم ليسوا سوى عرب فليعيشوا مع العرب الآخرين". ثم ينتهي به نصه ليقول إن الفلسطينيين هم "هنود إسرائيل". وعلى الرغم من أهمية هذه الكتابات، فإنه جرى تهميشها تدريجيًا لصالح مقاربات واصطلاحات أخرى ترى في المعضلة الاستعمارية المُستَعمَرية صراعًا بين طرفين، وهذا ما تبيّنه الدراسة بالتفصيل لاحقًا.
2. الاستعمار الاستيطاني بوصفه حقلًا معرفيًا
بالنظر إلى الأطر التحليلية لتشخيص الوضعية الاستعمارية المُستعمَرية، نشهد منذ خمسة عشر عامًا تزايدًا متصاعدًا في مفهمة الاستعمار الاستيطاني Colonialism Settler، واستخدامه لمقارنة حالات مشابهة بالاستعمار الصهيوني. تشترك دولة الاستعمار الإسرائيلي مع كل من كندا وأستراليا والولايات المتحدة الأميركية بكونها دولًاستعمارية استيطانية، أي إنها دول لمجتمعات سياسية قامت على تملّك أراضٍ تعود إلى آخرين، وعبر عملية تهميشٍ أو هدمٍ أو إزالةٍ لهذه المجموعات السكانية. لقد تزايد اهتمام الباحثين في العلوم الاجتماعية وسوسيولوجيا الاستعمار عالميًا، بحقل الدراسات الاستعمارية الاستيطانية وما بعد الاستعمارية، وخاصة في الحقل الأكاديمي الأنكلوسكسوني. وأنتج العديد من الباحثين الفلسطينيين من المُستَعمَرة الثانية والشتات كتابات جديدة عن الاستعمار الاستيطاني، وأيضًا كتب باحثون من المُستَعمَرة الأولى عن الاستعمار الاستيطاني ومقاربته في سياق المُستَعمَرة الأولى. تقول صباغ – خوري إن الاهتمام بهذا الحقل قد تزايد مع تنامي عقد المقارنات بحالات استعمارية استيطانية مشابهة، وخاصة بعد فشل مشروع الدولتين وغياب مشروع جامع
(11) Gilles Deleuze, Les Indiens de Palestine Paru dans le recueil Deux régimes de fous (Paris: Minuit, 1983), pp. 222–
(12) Ibid. (13) Julian Go, "The 'New' Sociology of Empire and Colonialism," Sociology Compass , vol. 3, no. 5 (2009), pp. 775– 788; Julian Go, "For a Postcolonial Sociology," Theory and Society , vol. 42, no. 1 (2013), pp. 25–55; Patrick Wolfe, Settler Colonialism and the Transformation of Anthropology: The Politics and Poetics of an Ethnograph Event (London: Cassell, 1999); Patrick Wolfe, "Settler Colonialism and the Elimination of the Native," Journal of Genocide Research , vol. 8, no. 4 (2006), pp. 387–409; Lorenzo Veracini, Settler Colonialism: A Theoretical Overview (New York: Palgrave Macmillan, 2010). (14) Rashid Khalidi, The Hundred Years’ War on Palestine: A History of Settler Colonialism and Resistance, 1917–2017 (New York: Metropolitan Books, 2020); Maya Mikdashi, "What is Settler Colonialism? (For Leo Delano Ames Jr.)," American Indian Culture & Research Journal , vol. 37, no. 2 (2013), pp. 23–34. (15) Ahmed Sa’di, "Colonialism and Surveillance," in: Kirstie Ball, Kevin Haggerty & David Lyon (eds.), Routledge Handbook of Surveillance Studies (London: Routledge, 2012), pp. 151–158; Magid Shihade, "Settler Colonialism and Conflict: The Israeli State and Its Palestinian Subjects," Settler Colonial Studies , vol. 2, no. 1 (2012), pp. 108–123; Nadera Shalhoub–Kevorkian, "Human Suffering in Colonial Contexts: Reflections from Palestine," Settler Colonial Studies , no. 4, no. 3 (2014), pp. 277–290; Raef Zreik, "When Does a Settler Become a Native? (With Apologies to Mamdani)," Constellations , vol. 23, no. 3 (2016), pp. 351–364;
الفلسطينيون في إسرائيل: قراءات في التاريخ والسياسة والمجتمع، نديم روحانا وأريج صباغ – خوري (محرران) (حيفا: مدى الكرمل،.)2015
للمكونات الفلسطينية المختلفة. وفي رأيها، سيشهد هذا الحقل تناميًا متزايدًا واهتمامًا من أفراد
الجمعيات العلمية المختلفة في العالم؛ بسبب تحوّله إلى مشروع استفكاري جمعي كوني. وفي دراسة حديثة، تفكك صباغ – خوري مقاربات المتخصصين في العلوم الاجتماعية في المُستعمَرة الأولى وتبدّل مقارباتهم المفاهيمية وموضعتها في علم اجتماع المعرفة وسوسيولوجيا إنتاج المعرفة ومرجعياتها ومطلقاتها الإبستيمية عن إسرائيل وإنتاجات الفلسطينيين والإسرائيليين. ويعدّ التفكير بهذه العدّة المفاهيمية أحد نتاجات عملية التفكير المستمرة، منذ خمسة عشر عامًا، في المباني المعرفية لتشخيص الحالة الاستعمارية – المُستَعمرية. وفيما يلي أهم الأطر المفاهيمية التي يسعى المحور الثاني لعرضها وتقديم مقاربة مفاهيمية جديدة.
3. عُدّة مفاهيمية لدراسة الحالة الاستعمارية الفلسطينية
يقدّم العديد من الباحثين مقاربات مفاهيمية مهمة لتشخيص الحالة الاستعمارية، عبر استخدام العديد من المفاهيم، من أهمها: مفهوم يتركز على منظور حيّزي لساري حنفي هو التطهير المكاني
Spaciocide لتوصيف المشروع الاستعماري الإسرائيلي. ويبيّن حنفي أهميته لفهم عمليتَي التخطيط
والممارسة لإنفاذ المشروع الاستعماري، واعتبارهما عمليات معقدة غير مرتبطة بالإبادة الجماعية، ولكن بوصفهما مشاريع تقوم على فكرة نقل السكان "الترانسفير" والسيطرة على الأرض. في حين يذهب صالح عبد الجوادإلى استجلاب مفهوم التدمير الشامل Sociocide، أي تدمير المجتمع الفلسطيني في عملية مستمرة منذ عام 1948، باعتباره مجموعة سياسية ومجتمعًا. في حين ينظر كيمرلينغ إلى الممارسات الإسرائيلية باعتبارها عملية محو سياسي Politicide لمنع أي وجود سياسي ووطني وإلغاء حق تقرير المصير لجماعة كاملة. أما إيليا زريق فيوظف مفهمة "الاستعمار الداخلي"، لتوصيف العلاقة بين الدولة الإسرائيلية والفلسطينيين في المُستعمَرة الثانية على وجه الخصوص، وممارساتها ضدهم. في حين يستخدم كثير من الباحثين الأبارتهايد لتوصيف شكل المنظومة القانونية وتبعاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية على المجتمع الفلسطيني. ويستجلب الباحثون هذا المفهوم من التجربة الجنوب أفريقية، ويعني حرفيًا حالة الفصل المرتبطة بنظام سياسي
(16) Areej Sabbagh–Khoury, "Tracing Settler Colonialism: A Genealogy of a Paradigm in the Sociology of Knowledge Production in Israel," Politics & Society (2021), p. 15. (17) Ibid., p. 29. (18) Ibid., pp. 14–17. (19) Sari Hanafi & Linda Taber, "Spatio–cide, réfugiés, crise de l’État–nation," Multitudes , vol. 4, no. 18 (2004), pp. 187–196. (20) Saleh Abdeljawad, "La politique israélienne envers le peuple palestinien," Inprecor , no. 517 (Mai 2006), accessed on 10/1/2022, at: https://bit.ly/3JUy4sx (21) Baruch Kimmerling, Politicide: Les guerres d’Ariel Sharon contre les Palestiniens (Paris: Éditions Agnès Viénot, 2003), p. 10. (22) Elia Zureik, Israel’s Colonial Project in Palestine: Brutal Pursuit , Routledge Studies on the Arab–Israeli Conflict (Abingdon: Routledge, 2015).
مُمأسِس للفصل العرقي ولتراتبيات إثنية. ويعرّف إليكيا مبوكولو "الأبارتهايد بوصفه سياسة جديدة
تقوم على الفصل الواضح والنهائي بين الجماعات المختلفة الموجودة في جنوب أفريقيا، مع الحفاظ على أمن العِرق الأبيض والحضارة البيضاء بحسب كلمات دانييل ملان". ويرى أوري دافيس، في خضم السياق الاستعماري الإسرائيلي، أن "العنصرية ليست الأبارتهايد والأبارتهايد ليس العنصرية، بل هو نظام سياسي يسمح بإنفاذ العنصرية على نحو قانوني عبر مأسسته برلمانيًا، ومن
خلال نظام تصنيف المواطنين درجة أولى ودرجة ثانية". وفي رأينا، الأبارتهايد هو أحد تعبيرات الحالة الاستعمارية ضمن تمفصلات الحالة الاستعمارية وتمظهراتها. فحالة الأبارتهايد مرتبطة بالتكوين السياسي والأخلاقي لإسرائيل، تشابه حالة دولة جنوب أفريقيا. ويحرز المفهوم ومقاربته القانونية والحقوقية اهتمامًا كونيًا، وخاصة للمشتغلين في حقول حقوق الإنسان والقانون الدولي
واستخداماته إطارًا تحليليًا للحالة الفلسطينية باعتبارها حالة فصل عنصري وتمييزي، وإمكانية توظيفه
وسيلةً لاسترداد الحقوق ومحاولةً لردع الدولة الاستعمارية. عاد مفهوم الأصلانية إلى الصدارة في الحقل الأكاديمي في العلوم الاجتماعية، وخاصة في الدراسات الأنكلوسكسونية وبتأثير تيارات مدارس ما بعد الاستعمار، وعلى نحو أكثر وضوحًا في الولايات
المتحدة الأميركية. والأصلاني Endogenous/ Endogène، والأصلانيون هم السكان أو الأمم التي كان لها تاريخ متصل قبل الاستعمار والغزو الاستعماري. واستخدامات المفهوم عبر هذه التسمية متعددة: فبعضها يعني التعبير عن هوية عابرة للأجيال متناقلة ضد هوية المهيمن والغازي، ويجري عادة إعادة تملّك لهذا الاستخدام بعكس التسمية السابقة التي كان يطلقها المستعمِرون على سكان المستعمرات، والتي كانت تعني السكان الأصلانيين مقارنةً بالسكان الذين ينتمون إلى العالم الاستعماري، وقد تكون مقابل البيض. تستخدم هذه العدة المفاهيمية الأصلانية لعقد المقارنات بالحالة الاستعمارية للأصلانيين وسرديتهم في أصقاع الأرض المختلفة، ومقارنتها بالحالة المُستعمَرية الفلسطينية. ثمة
العديد من الباحثين يعيدون اليوم قراءة مفهوم الأصلانية واستخداماته كما تفعل رنا بركات. يدخل مفهوم الأصلانية في العدة المفاهيمية لتحليل الإطار الاستعماري الاستيطاني في السياق الفلسطيني الهادف إلى محو الأصلانيين، مع ضرورة التنبه إلى آليات الاستخدام في المُستعمَرتين؛ فليس المقصود
هنا استخدام المقاربة الأصلانية بوصفها إعلانًا هوياتيًا للاعتراف الثقافي أو للدفاع عن الإرث اللغوي
أو لحماية الموروث الثقافي، لأنه بهذا المعنى قد يُشوَّه استخدامه لصالح فكرة دفاع الأصلاني وحقه
في العيش في ظل اعترافه بالسلطة الاستعمارية والدفاع عن حقوق مدنية وإنسانية وثقافية وهوياتية. وترى يارا هواري وأحمد أمارة أن نموذج الأصلانية "يفكك اعتبار المشروع الصهيوني مشروعًا فريدًا ومتميزًا لحالة فلسطين، ويضعه في السياق العالمي للمشاريع الاستعمارية الاستيطانية الأخرى.
(23) Elikia M’Bokolo, "Les pratiques de l’apartheid," in: Marc Ferro (dir.), Le livre noir du colonialisme (Paris: Robert Laffont, 2003), p. 469. (24) Uri Davis, Apartheid Israel, Possibilities for the Struggle Within (London/ New York: Zed Books, 2003), p. 88. (25) Rana Barakat, "Writing/ Righting Palestine Studies: Settler Colonialism, Indigenous Sovereignty and Resisting the Ghost(s) of History," Settler Colonial Studies , vol. 8, no. 3 (2017), pp. 349–363.
يتيح هذا للفلسطينيين أن يعززوا علاقات التضامن مع الشعوب الأصلية الأخرى وأن يدركوا شبكات الاضطهاد المتشابكة".
ثانيًا: استخدام مفهوم جديد لمقاربة الحالة الاستعمارية - المُستعمَرية بوصفها حالة عنف شامل
في رأينا، هذه المقاربات السابقة الذكر تشخص بوضوح الاستعمار بوصفه بنية، وما هذه المفاهيم إلا انعكاساتها وأطر لتحليلها، ويمكن إضافة مفهوم آخر إليها هو مفهوم "العنف الشامل". يهتم هذا المحور بفحص مفهمة "العنف الشامل" بوصفه أداة لتحليل إسرائيل باعتبارها بنية استعمارية، وكيفية تحولها إلى صيرورة. أي كيف يصبح الاستعمار مكانًا للعنف الأقصى والدائم والاعتيادي بوصفه بنية تحليلية ضمن الأطر المفاهيمية للاستعمار الاستيطاني في فهم حالة إسرائيل باعتبارها منظومة استعمارية، ومدى ملاءَمة النموذج لدراسة الحالة الاستعمارية الفلسطينية؟ ونستوحي في قراءتنا
لتصورات مقاربة من مدرسة التابع Studies Subaltern التي تعطي أهمية لرؤى الأصلانيين أنفسهم وتقديم صوت المستعمَرين المضطهدين أنفسهم، والخروج من عباءة القراءات السلطوية المرتبطة بالهيمنة.
1. مفهمة العنف الشامل بوصفه أداة تحليلية
ننطلق في مقاربتنا من مفهوم "العنف الشامل" باعتباره إطارًا تحليليًا. وقد استعمله العديد من
المؤرخين، والمقصود به تباعًا باللغتين الإنكليزية والفرنسية Total Violence، و La violence totale. ثمة مفهوم آخر شبيه به هو "الحرب الشاملة"، ولكنه يستخدم لتوصيف حالات تاريخية أخرى بحسب إجباريات التحقيب التأريخية التي يمكن الدارس عبرها أن يتناول فيها حروب دولة إسرائيل، إلا أنه غير ملائم لأنه يعني دراسة أحداث الحروب نفسها، في حين أن العنف الشامل هو صيرورة مستمرة تتجاوز عملية التحقيب الزمنية. وبالنظر إلى المفهوم، يمكن أيضًا الإشارة إليه بحسب قراءة جون فرانسوا كريفيجون لكارل شميت Carl Schmitt، فبحسب كريفيجون فإنه في حين يقدم شميت مقاربته لمفهوم السيادة عبر فرض حالة الاستثناء التي، في رأيه في هذه الحالة، تمثّل طبيعة السلطة، بمعنى أن ممارسة العنف الشامل ليست مرتبطة بضعف السلطة أو بمشروعيتها، ولكنها مرتبطة بجوهر
((2(أحمد أمارة ويارا هواري، "توظيف الأص نااية في النضال التحرّري الفلسطيني"، شبكة السياسات الفلسطينية، 2019/8/8،
شوهد في 2021/8/20، في: https://bit.ly/34E4ffN
(27) Jean–Clément Martin, "Révolution française et ‘violence totale’," Inflexions , vol. 31, no. 1 (2016), pp. 73–79. (28) Jean–Yves Guiomar, L’Invention de la guerre totale (Paris: Le Félin, 2004); Gabriella Gribaudi, Guerra Totale: Tra bombe alleate e violenze naziste: Napoli e il fronte meridionale, 1940–44 (Torino: Bollati Boringhieri, 2005); David Bell, The First Total War: Napoleon’s Europe and the Birth of Warfare as We Know it (New York/ Boston: Houghton Miflin Company, 2010). (29) Jean–François Kervégan, Que faire de Carl Schmitt? (Paris: Gallimard, 2011); Giorgio Agamben, État d’exception: Homo Sacer II (Paris: Seuil, 2003).
الدولة الشاملة نفسها، يعتبر جان كليمون – مارتن "أن المشاريع الاستعمارية المدعمة بالتقدم التقاني للغرب الذي يؤكد التحولات [...] عبر إشاعة ممارسات عنصرية، متجاوزين كل الاعتبارات الدينية والأخلاقية، واعتداد الأوروبيين بعدالتهم وإبداعاتهم الوطنية قد أدى ذلك إلى تعميم العنف الشامل على أصقاع الأرض، الذي هو أساس الاستعمار". يستخدم بعض الباحثين مفهوم "العنف الشامل" للإشارة إلى عدد الضحايا الرقمية، كما يحدث عادة عند تأريخ الحروب في أوروبا الغربية، أو لمقاربة الإرهاب. ولكن استخدامنا هنا هو لتشخيص "العنف الشامل" الذي تمارسه الدولة، بما فيها ميكانيزمات السيطرة الممهنجة والبنيوية. ويُعتبر مفهوم العنف الشامل مفهومًا مركزيًا لفهم نوعية العنف الذي تمارسه الدولة، وقد يمارسه الأفراد أيضًا، ولكننا كما أسلفنا نهتم بدراسة العنف الشامل الذي تمارسه إسرائيل بوصفها دولة استعمارية فحسب. وهذا النوع من العنف يتجاوز العنف الموجه ضد أفراد أو جماعات معينة في مجتمع ما، كالمسّ بالمقاتلين
أو بجماعات محددة؛ في حين أن ما تقوم به دولة الاستعمار الصهيوني هو ممارسة استخطاطية مقصودة للمسّ بالمكونات الكلية في المجتمع الفلسطيني في كل الحيوات السياسية والاقتصادية
والاجتماعية؛ بدءًا من الممارسات العنيفة القصوى (محاولات المحو) والقتل والتدمير، إلى ممارسات
"العنف الاعتيادي"، أي تلك الممارسات المرتبطة بالحياة اليومية والتي يشترك فيها النظام الاستعماري الصهيوني في ممارستها مع النظم الاستعمارية الأخرى السابقة، وهذا العنف يسمح للمستعمِر أن يُظهر فوقيته على المستعمَر يوميًا، كالشتم والتحقير والسب وطريقة إشغاله للحيز، والاحتقار وإظهار
البطش، وقتل الفلسطيني لأي سبب كان مع الإبقاء على نظام يسمح بضبط الجنود، لأن قتل الفلسطيني من دون أي رقابة على الجنود يعني فشل فكرة الضبط اللازمة لجيش المستعمِرين لضبط المستعمَرين وحمايتهم. بعبارة أخرى، إذا أضحت عملية قتل الجنود للفلسطينيين من دون الاضطرار إلى تقديم الأسباب (المبررات الشكلية)، حتى إن كانت صورية، فسيؤدي ذلك إلى تحفيز الفلسطينيين على رفع المقاومة ضد الجنود على نحو أكبر، إضافة إلى قتل الجنود أيضًا باعتبار أن حياة الفلسطيني يمكن أن تنتهي بسهولة بالغة. إذًا، تمارس دولة الاستعمار الصهيوني عنفها بطريقة ممنهجة، وبنيوية عنف في أقصى حالاته، ما يحوّله إلى عنف شامل.
2. العنف الشامل في الوضعية الاستعمارية
يُسمي جورج بلاندييه الشروط الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للمستَعمَرين ب "الوضعية الاستعمارية". ويعني جوهر العنف استخدام القوة الفيزيائية بهدف إيقاع خسائر جسمانية/ مادية أو نفسية. وتحمل مسألة العنف نفسها أبعادًا مختلفة ومتعددة؛ فيزيائية ورمزية. وثمة مقاربات مفاهيمية
(30) Martin, pp. 73–79. (31) Isabelle Sommier, "Du ‘terrorisme’ comme violence totale?" Revue internationale des sciences sociales , vol. 4, no. 174 (2002), pp. 525–533. (32) Georges Balandier, "La situation coloniale: Approche théorique," Cahiers internationaux de sociologie , vol. 11 (1951), pp. 44–79.
مختلفة كثيرة تناولت موضوع العنف واللاعنف، فعلى سبيل المثال يرى جورج لابيكا أنه جرى دائمًا استخدام ثنائيات لعقد المقاربات القيمية للتفريق بين "العنف الشرعي" و"العنف اللاشرعي".
وقد استمد هذا التوصيف الأخير قوّته من ديمومة "الإرهاب" في خضمّ التمثلات السياسية في
الحروب المعاصرة، ويتساءل لابيكا عن شرعية هذه الاستخدامات، وتحديدًا ل "منظومة السلام" "وجائزة نوبل" ومشاريع "تحضير الأخلاق". فبحسبه، فإن النظام الاستعماري المعاصر يجعل إمكانية ممارسة اللاعنف غير قابلة للتحقيق في مثل هذا السياق. وتقدم لنا مقاربات والتر بنيامين، ومقاربات حديثة كمقاربة جورجيو أغامبينعن العنف الثوري، التي فيها أشكال مشروعة ومفهومة للدفاع عن قضايا تقدَّم بأنها عادلة، وهي تشكّل بالنسبة إلينا مدخلً آخر لفهم العنف الشامل في الحالة الفلسطينية. ويمكننا أن نختصر المقاربة لدراسة الحالة الفلسطينية عبر استعارة ثنائيتين من إتيان باليبار لمقال له بعنوان "بين رؤى لينين وغاندي لتحرير الشعوب المضطهدة". ويمكننا أن نستخدم هذه الاستعارة لتلخيص صيرورة النضال الفلسطيني التي كانت تتأرجح بين هاتين الثنائيتين؛ حيث كان العنف مرادفًا للعنف الثوري المضاد للاستعمار وشرطًا أساسيًا للتحرر
من الاضطهاد والاستعمار، ووسيلةً للاستقلال والحرية وحق تقرير المصير، وفي فترات معينة جرى استحضار النموذج الغاندي "اللاعنفي". جاء جزء كبير من الاستراتيجيات الفلسطينية للمقاومة، للرد على سردية المستعمِر التي تعبّر عنها
منظومة العنف الشامل الممارَس ضد الفلسطينيين، والتي تستلهمها الدولة الاستعمارية الإسرائيلية من النموذج الغربي المدّعي للحضارة واحتكارها، وتهدف إلى توصيف الأصلانيين ب "غير الحضاريين". وفي هذه الحالة الفلسطينية، نستعين بقراءة إيمانويل فاليرشتاين عن محاولة "الغرب" الادّعاء أنه حامل القيم الكونية وفق أربع محاجّات رئيسة عن تقدّم الآخر/ الغير Alterity المتحضر في المناطق
"غير المتحضرة"، وهي: 1. توحش الآخرين، 2. واجب الدفاع ضد الممارسات التي تعيق القيم الكونية، 3. الدفاع عن الضعفاء أمام الآخرين، 4. ضرورة تسهيل إشاعة الأفكار الكونية. تساعدنا هذه المقاربة على فهم صناعة الآخر المتوحش في السياق الفلسطيني كما في حالات استعمارية أخرى مشابهة. ولأن العنف بطبيعته أدائي، ومثل كل الأدوات يوجَّه ويبرر بيد من يستخدمه بمنطق
حنة أرندت. ففي السياق الفلسطيني المستعمَري، دائمًا ما يرى الخطاب الاستعماري الإسرائيلي
أن استخدامه العنف الشامل الموجّه ضد الفلسطينيين يندرج ضمن مقولة "نطلق النار ونبكي"،
(33) Georges Labica, Théorie de la violence (Paris: Vrin; Napoli: La Citta del Sol, 2008). (34) Walter Benjamin, "Critique de la violence," in: Rainer Rochlitz (dir.), Walter Benjamin: Critique philosophique de l’art (Paris: Gallimard, 2000 [1921]), p. 242. (35) Agamben, p. 90. (36) Étienne Balibar, "Lénine et Gandhi, Une rencontre manquée?" Alternative Roma , no. 6 (2005). (37) Immanuel Wallerstein, L’universalisme européen: De la colonisation au droit d’ingérence (Paris: Demopolis, 2008), pp. 15–16. (38) Hannah Arendt, Du mensonge à la violence: Essai de politique contemporaine , Guy Durand (trad.) (Paris: Calmann–Lévy, 1972), pp. 150–157.
والتي نجد إحدى تعبيراتها، على سبيل المثال وليس الحصر، في بعض مقولات رئيسة الحكومة الإسرائيلية السابقة، غولدا مائير (1974–1969)، التي كانت تردد "يمكننا أن نغفر للفلسطينيين أنهم قتلوا أطفالنا، ولكننا لن نغفر لهم أبدًا أنهم أجبرونا على قتل أطفالهم". وقد دفعت هذه الصورة النافية لإنسانية الفلسطينيين واحتكار موقع الضحية، ولا تزال تدفع مجموعات كبيرة من الفلسطينيين إلى الاعتقاد بضرورة تجاوزهم هذه السردية. ولذا، من الممكن النظر إلى ممارسات الفلسطينيين ورغبتهم في الحضور على الساحة العالمية – ظهور ضد الإخفاء – هو للرد على اللاحضور الإنساني الذي تعمل عليه الآلة الحربية الاستعمارية الصهيونية لإشاعته عن المستعمَرين
الفلسطينيين، ومحاولة من الفلسطينيين لإعادة حضورهم بوصفهم مضطهَدين ومدافعين عن قضية
عادلة. ودائمًا ما كان الفلسطينيون مجبرين على الرد على سردية المُستعمِر بسردية أخرى، وهذا يعني
إجبار المستعمَر على الوقوع في فخ الرد على سردية المستعمِر، ما يعني استمرارية الذات المُستعمَرة
سرديًا. بقول آخر، فإن الفلسطينيين لا يرون العنف باعتباره ممارسة اختيارية بقدر ما هي إجبارية؛
بمعنى أن العنف الأساسي مرتبط بحياتهم، نتيجةً للعنف الاستعماري الشامل المتمثل باستعمار الأرض وفرض أشكال عنف مستمرة ومتعددة الأوجه. وعلاوة على ذلك، في كثير من الأحيان، وجد الفلسطينيون أنفسهم أمام صعوبة أخرى؛ وهي أنه يجري التعامل مع العنف الإسرائيلي بوصفه عنفًا دولانيًا، أي باعتباره منتجًا من – دولة – مؤسسة محتكرة للعنف الشرعي بمنطق ماكس فيبر؛ الأمر
الذي يجعل مقارباتها وسياساتها مُتفهمة من الجماعة الدولية التي تنسجم ضمنيًا مع منطق الدولة
وممارساتها. وهذا يعني أنه يجري تقبّل سرديات المؤسسات الدولاتية الإسرائيلية، ولا يُرى فيها
عنفًا استعماريًا منظّمًا، ويُكتفى بتسجيل بعض الانتقادات على بعض الممارسات الإسرائيلية هنا أو
هناك، بعكس ما يحدث مع الممارسات الفلسطينية العنيفة – سواء نفّذها أفراد أو جماعات – التي يُنظر إليها باعتبارها عنفًا غير مقبول. ويولّد هذا العنف الاستعماري الشامل بدوره عنفًا مُستعمَريًا مجتمعيًا متعدد الأشكال، ويعيد
إنتاجه بعض الفلسطينيين في حياتهم اليومية، كما تظهر ذلك سيلفيا منصور، ونادرة شلهوب – كورفيكيان. ولا يعني هذا أن كل أنواع العنف بالضرورة مرتبطة بالعنف الاستعماري؛ فثمة محفزات بنيوية أخرى جنوسية واجتماعية واقتصادية تؤدي إلى حدوث العنف في المجتمع الفلسطيني. تمارس دولة الاستعمار "العنف الاستعماري الشامل" القائم على استعمار الأرض، وما يتبعها من ممارسة العنف بوصفه أداة للسيطرة وتحقيق الهيمنة التي تعمل على إخضاع المستعمَرين وإبقائهم في حالة خضوع كاملة له ولنظامه وأنظمته التراتبية العرقية، وكذلك
(39) Israel Shanker & Shanker Mary (eds.), As Good as Golda: The Warmth and Wisdom of Israel’s Prime Minister (New York: McCall, 1970). (40) Sylvie Mansour, "La génération de l’Intifada," Cultures & Conflits , vol. 2, no. 18 (1995), pp. 63–76. (41) Nadera Shalhoub–Kevorkian, Militarization and Violence against Women in Conflict Zones: A Palestinian Case– study (Cambridge: Cambridge University Press, 2009). (42) Abaher El–Sakka, "Representations of Violence and Non–violence in Palestinian Society," in: Chandra Sudhir (ed.), Violence–Nonviolence across Time: History, Religion and Cultures (London: Routledge, 2018), pp. 204–221.
التحكم في مواردهم الفيزيائية (الأرض والمياه والطاقة)، وفي السكان أيضًا. وعلاوة على نفي علاقة الفلسطيني بأرضه، ونفيها لوجود شعب فلسطيني؛ وهذا استمرار لما مارسته دولة الاستعمار منذ بداية المشروع الصهيوني – أي قبل خلقها – من قتل وطرد وتهجير للسكان بما يعادل 850 ألف فلسطيني وهدم 518 قرية، وتطبيقها لسياسة العقاب الجماعي وسياسات الاعتقال؛ فبحسب الصليب الأحمر الدولي، اعتُقل ما يزيد على 90000 ألف فلسطيني منذ عام 1967، بمعنى أن كل واحد من أربعة فلسطينيين قد تعرّض للاعتقال. ويترافق هذا مع سياسة ممنهجة
تجعل حياة الفلسطيني عبارة عن طقوس إهانة دائمة في حياتهم اليومية، إضافة إلى ممارستها سياسة التطهير العرقي والمكاني وارتكاب المجازر، واستخدامها قوة العمل واحتلاله، وإدارة السكان لصالحها. سوسيولوجيًا، تُنفَّذ علاقة الهيمنة هذه عبر هيمنة مجموعة اجتماعية تمارس
تأثيرًا حتميًا في شريحة أو طبقة أو أمة، ويشمل تعميمًا لاستخدام السلطة بما يعمل على تعميق
اللامساواة البنيوية بين المهيمِن والمهيمَن عليه. يَعتبر فرانز فانون – وهو باعث الدراسات والتحليل عن العنف في سياق استعماري – أن شكل العلاقة الاستعمارية – المستعمَرية مرتبط أساسًا بالعنصرية التي تقسم المجتمع الاستعماري قسمين متجانسين،
وهي علاقة بين Indigène الأصلاني و Hommes الإنسان، تفضي إلى علاقة حتمية للصدام والمقاومة بالقوة، باعتبارها علاقة ذات طابع جماعاتي. وبناء عليه، تصبح العلاقة الاستعمارية – المستعمَرية
ذات طابع مشرعن بفكرة الدونية الأخلاقية للجماعة الأهلية "المتوحشون"، وفوقية أخلاقية للمستعمِر "المتحضر". وتبرر هذه العنصرية الاستعمارية علاقات الهيمنة والتبعية الاقتصادية والسياسية والثقافية التي يفرضها المجتمع الاستعماري على المجتمع المستعمَر، على نحو يجعل الأخير خارج تاريخه
ويضحي المُستعمِر هو الذي يصنع التاريخ ويسرده ويكتبه. ومفهومية العنف، بحسب فانون، بنية
أساسية في الحالة الاستعمارية، ويضحي معها عنف المستعمَر ردًا على عنف المُستعمِر، عبر استرداد الذات من خلال مقاومته هذا العنف واستخدام الفعل باعتباره ضد – استعماري. يظهر ألبير ميمي في كتابه الشهير صورة المستعمَر عن المستعمَر التونسي أن العلاقة التي كانت تحكم الطرفين هي علاقة
(43) Salman Abu Sitta, The Palestinian Nakba, 1948: The Register of Depopulated Localities in Palestine (London: Palestinian Return Centre, 2000).
((4(نقلً عن هيئة شؤون الأسرى والمحررين التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية، ينظر: عبير العدوى، "شؤون الأسرى: إسرائيل
اعتقلت مليون فلسطيني منذ 1967 "،، 2021/6/5، شوهد في 2021/11/4، في: مبتدا https://bit.ly/3Gg6OCq
(45) Abaher El–Sakka & Mehl Sandra, "La cérémonie de l’humiliation, le monde diplomatique," Le monde diplomatique , 25/9/2015, accessed on 1/10/2021, at: https://bit.ly/3ffsOkZ (46) Neve Gordon, "From Colonisation to Separation: Exploring the Structure of Israel’s Occupation," in: Adi Ophir, Michal Givoni & Sari Hanafi (eds.), The Power of Inclusive Exclusion: Anatomy of Israeli Rule in the Occupied Palestinian Territories (New York: Zone Books, 2009), pp. 239–267. (47) "Domination," in: André Akoun & Pierre Ansart (dir.), Dictionnaire de sociologie , Collection Le Robert (Paris: Seuil, 1999). (48) Frantz Fanon, Les damnés de la terre (Paris: Gallimard, 1991), p. 84. (49) Ibid., p. 82.
محددة مسبقًا، يكون فيها المُستعمِر حاميًا للمستعمَر، وتُعرف بطريقة نمطية استعلائية تنَزع إنسانية
المستعمَر بوصفه فردًا من جماعة لا وجود فيها للفرد، وتموضع المستعمَر خارج التاريخ ومجتمعه،
فلا يُكتب تاريخه بل يصبح خاضعًا لسردية المستعمِر نفسه. ويضحي الحل الوحيد للخروج من الوضعية المُستَعمَرية أن يكون غير مستعمَر، ويصبح آخر عبر التمرد والثورة. وفي دراسة معمقة لأوليفييه لوكور غرانميزون عن تاريخ الاستعمار الفرنسي في الجزائر، من خلال تتبعه تفاصيل العنف الاستعماري من تعذيب ونهب وتدمير، تفضي إلى علاقة استعمارية تُنتج عنفًا دائمًا واعتياديًا تجاه ذوات دونية. ويتصاحب هذا العنف بحالة الاستثناء الذي يستخدمه العديد من الأكاديميين مثل أغامبين، حيث تقوم الدولة على منظومة إجراءات طارئة ومؤقتة ومن ثم تضحي دائمة، وترتكز حالة الاستثناء هذه على القانون وليس خارجه، أي يصبح القانون يصنع اللاقانون. ويشكل مفهوم العنف الرمزي قراءة مهمة لفهم بعض أشكال التشابه في الحالات الاستعمارية التي يقوم بها المستعمِر باستبطان ميكانيزمات الهيمنة واستدخالها في الاعتيادي الاستعماري، بوصفها بنى اعتيادية تظهر على أنها طبيعية في السياق الاجتماعي، كما يقول بورديو. ومع ذلك، هذا الفهم له حدوده، لأن الاستبطان له حدوده أيضًا؛ ذلك أن المستعمَر يعمل على مقاومة هذه الميكانيزمات الاستبطانية التي هي أيضًا مشتركة في السياقات الاستعمارية – المُستعمَرية. وتُظهر لنا بعض الدراسات التي تؤرخ للعنف الاستعماري في مجتمع المُستعمِر أنه حتى في ممارسات الرياضة المقاتلة فيه قد تجد هذه التمثلات تعبيراتها في تصورات كوزمولوجية "كونية" عن فكرة الحرب الشاملة والرعب؛ الأمر الذي يجعل الفرد، في رأينا، في بعض التجمعات في المجتمع الاستعماري يتقوقع على ممارسات دفاعية جسدية، أي لحوكمة حجم العنف على مستوى جسده، وتضحي معه دولة الاستعمار الإسرائيلي بالنسبة إلى المستعمِرين بمنزلة "مجتمع الأمن" بمنطق ميشيل فوكو، أي عبر القبول والسماح بمجموعة من السلوكيات المتعددة التي يقع بعضها على حدود الإجرام، من أجل التخلص من كل ما يصنف على أنه خطير. والخطير هنا الفلسطيني صاحب الأرض، الأصلاني الذي جرى تهميشه في المُستعمَرة الأولى، والآخر الذي تمارس عليه الآلة العسكرية الإسرائيلية ما مارسته سابقًا على فلسطينيِّي المستعمَرة الأولى خلال
فترة الحكم العسكري.
(50) Albert Memmi, Portrait du colonisé (Paris: Payot, 1973), pp. 115–124. (51) Olivier Le Cour Grandmaison, Coloniser, exterminer, sur la guerre et l’état colonial (Paris: Fayard, 2005). (52) Agamben. (53) Pierre Bourdieu, Langage et pouvoir symbolique (Paris: Seuil, 2001). (54) Einat Bar–On Cohen, "Globalization of the War on Violence: Israeli Close–combat, Krav Maga and Sudden Alterations in Intensity," Social Anthropology , vol. 18, no. 3 (2010), p. 269. (55) Michel Foucault, Dits et écrits (1954–1988) , tome II: 1970–1975 , Daniel Defert, François Ewald & Jacques Lagrange (dir.) (Paris: Gallimard, 1978), p. 386.
وكذلك فرض الجنسية الإسرائيلية التي ينظر إليها ب "إيجابية"؛ فعلى سبيل المثال يرى بعض المثقفين الغربيين المدافعين عن إسرائيل فيها ممارسات دولاتية منصفة وتنفي عن إسرائيل صفة دولة استعمارية، وتنفي أيضًا وقوع الفلسطينيين تحت الشرط الاستعماري، علمًا أن إسرائيل فرضت "الجنسية الإسرائيلية" على الفلسطينيين الذين بقوا في فلسطين بعد تهجير أغلبية السكان وطردهم في عام 1948. ويقول عنها روحانا وصباغ – خوري "إنها جاءت استجابة للمطالب الدولية لقبول خطة الجمعية العامة للأمم المتحدة في تقسيم فلسطين، ولم تعترض المجموعات الصهيونية المختلفة على منح المواطنة للفلسطينيين، لأن هؤلاء كانوا جماعة صغيرة غير منظمة ولا يمثلون في رأي الإسرائيليين تهديدًا ديموغرافيًا لهيمنة الأغلبية".
ثالثًا: فينومينولوجيا التشوه المفاهيمي
يعرض هذا المحور فينومينولوجيا التشوه المفاهيمي لمحاولة فهم تأثيره في الحقلين السياسي والأكاديمي، ويعرض نماذج من تجليات هذا التَشوه المستعمَري وتشخيص اللّبس في فهم الشروط الاستعمارية.
1. هيمنة مفردات الحقل السياسي على الحقل الأكاديمي
تظهر هيمنة الخطاب السياسي الفلسطيني ومفرداته على الخطاب الأكاديمي السائد وفواعله، عبر فئات سائدة مسودة في مجال السلطة والنفوذ داخل المجتمع الفلسطيني. ويقوم التعارض والتمايز والاختلاف داخل الحقل الأكاديمي بحكم طبيعته، ويلاحظ ذلك من استعدادات الفاعلين، أي من خلال الهابيتوس Habitus تطبّع ثقافي ومواقفهم المعرفية التي تعيد إنتاج كل أشكال الخطاب
(((5 ينظر بيان صدر عن مجموعة من الكتاب والمثقفين والأكاديميين المدافعين عن إسرائيل في فرنسا، في:
"Israël, éternel exutoire des passions primaires," Le Monde , 3/9/2021, accessed on 10/1/2022, at: https://bit.ly/3teAHQ3;
وكذلك بيان آخر أصدره باحثون فرنسيون وآخرون ناطقون بالفرنسية ردًا عليه اعتمادًا على مجموعة من المحاجات التي تؤكد على
الطابع الاستعماري وفاعلية مفهومَي الأبارتهايد والتمييز، في:
"Le terme ‘apartheid’ permet de penser dans la durée l’asymétrie des relations israélo–palestiniennes," Le Monde , 28/9/2021, accessed on 10/1/2022, at: https://bit.ly/3HOWG47
مقتطفات من البيان الأخير: "إن البيان السابق هو مقاربة تبسيطية، ومخادعة وخطيرة، ومغايرة للواقع، ويعتبر محاولة لتجريم الباحثين والمثقفين. ويرى الموقعون أن استخدام مقاربات 'كصراع مركب ومعقد' ينفي وضوح المقاربة التي يُنظر بها إلى إسرائيل، وبمنزلة
محاولةٍ بائسة لاستخدام ذرائع مثل معاداة السامية ومعاداة اليهود للتأثير في الرأي العام الفرنسي، وضربٍ من الاستخفاف بالقانون الدولي الكامل الضامن لحق العودة للاجئين والمنفيين بالعودة إلى أراضيهم، والذي يؤكد أن الممارسات في إسرائيل نفسها وفي المناطق المحتلة عام 1967 هي ممارسات تمييزية [...] كذلك يرى الموقعون أن البيان هو تزييف للحالة وتقديمها بوصفها تعبيرًا
عن صراع جماعاتي داخل فرنسا، ومحاولة لتقديم رؤية متساوية في الصراع ولطرفيه. كذلك يذكّر البيان بالممارسات التمييزية المعتمدة على التمييز العرقي والإثني، وعمليات تهميش حقوق الفلسطينيين الإنسانية والوطنية واستمرار الممارسات الاستعمارية والاستيطانية، وينتهي البيان برفض كل هذه المحاولات لمنع المواقف المناهضة للسياسات الاستعمارية في الحيز الفرنسي العام والرأي العام وفي البحث حول فلسطين فيها".
(57) Nadim N. Rouhana & Areej Sabbagh–Khoury, "Settler–colonial Citizenship: Conceptualizing the Relationship between Israel and its Palestinian Citizens," S ettler Colonial Studies , vol. 5, no. 3 (2015), p. 206.
تبعًا لقواعد اشتغال هذا الحقل Champs من فاعلين اكتسبوا هابيتوس (تطبّعًا ثقافيًا) ملائمًا لبنى
الحقل وتاريخ تشكله في السياق الفلسطيني وعبر الانتماء إليه واحتلال مواقع فيه. جَرت، إذًا،
عملية تمثّل لبنية الحقل وقواعد اشتغاله ورِهانات تنافساته؛ ما دفع مجموعة من الأكاديميين الفلسطينيين إلى تبنّي قواعد اللعبة في الحقل، واستثمار طاقاتهم المحاججية، ثمنًا للدخول في هذا الحقل. لقد كان الحقل الأكاديمي الفلسطيني امتدادًا للحقل السياسي، وفي حالات كثيرة كان الحقل الأكاديمي يقود الحقل السياسي. وقد رفد الأكاديميون العديد من الأحزاب السياسية بالإطارات الحزبية وبالمنظرين والمؤدلجين، وكذلك بالمسؤولين والمفاوضين والوزراء ومستشارين للرئيس ولرئيس الوزراء؛ وذلك لأن عددًا كبيرًا من الأكاديميين نَما في سياق بروز الحركة الوطنية الفلسطينية
وبتأثير ثقافتها وخطاباتها أو انتمى إليها أو اقترب من أحزاب الحركة الوطنية، فغدا تعبير "احتلال" هو التعبير عن الحالة المعيشة من دون التفكير في مدى صحة المقولة واختزال للشروط المعيشة بهذا الشق من البنية الاستعمارية. يلي على المقاربة الانعكاسية – الاستفكارية لبورديو وأثرها في المهنة الأكاديمية وفي العين نرتكز فيما السوسيولوجية، بوصفهما من مداخل فهم هذه التشوهات، حيث يشخّصها بورديو بأنه بسبب الالتزام في الحقل العلمي والأكاديمي، تُخلق تشوهات تواجه الباحثين في مجال أبحاثهم، وخاصة بالنسبة إلى قضيتين أساسيتين: الأولى عبر التأثر ببردايم المقاربات الوضعية التي تبرر لهم مواقفهم واعتقاداتهم وتضليلها إياهم، ما يؤدي إلى عدم التفكير في تاريخانية ممارساتهم لصالح الانحياز التخصصي، في حين أن مثل هذه المقاربة الذاتوية تجعلهم يؤثرون شخصيًا ومهنيًا في أبحاثهم. ويتجلى هذا في
التفحص والتحكم في ميدان البحث نفسه ومجالاته، وذلك انعكاسًا لعلاقات السلطة والهيمنة والعنف
الرمزي. فبحسب بورديو، فإن الحقل العلمي هو مكان للنضال من أجل تجميع الرساميل العلمية، كنضال الفاعلين المختلفين الساعين لفرض سلطتهم وإنتاجهم العلمي ضمن منطق صراعات الحقل نفسه ومشروعيته. وبالنظر إلى المنتجين وأماكن الإنتاج والأشكال التعبيرية، يمكننا رؤية ذلك بوصفه شكلً من أشكال إنتاج الأيديولوجيا المهيمنة. وفي رأينا، جزء من هذه المقاربات لبعض الأكاديميين الفلسطينيين أشبه بعملية استدخال لعقيدة دوكسا Doxa (عقيدة أو رأي سائد) في الحقل الأكاديمي، أي إنه في السياق الأكاديمي الفلسطيني السائد تقوم مجموعات من الأكاديميين بإعادة إنتاج عقيدة "المفهمة الدولاتية" وتعيد بناءها باستمرار والحفاظ عليها معرفيًا للحفاظ على
(58) Pierre Bourdieu, La misère du monde: Essais (Paris: Points, 2015 [1993]), p. 1391. (59) Ibid., p. 1392. (60) Pierre Bourdieu, "Le champ scientifique," Actes de la recherche en sciences sociales , vol. 2, no. 2–3 (1976), p. 91;. Pierre Bourdieu, Homo Academicus (Paris: Minuit, 1984) ينظر أيضًا: (61) Pierre Bourdieu & Luc Boltanski, "La production de l’idéologie dominante," Actes de la recherche en sciences sociales , vol. 2, no. 2–3 (1976), pp. 4–73. (62) Pierre Bourdieu, La distinction: Critique sociale du jugement (Paris: Minuit, 1979).
مواقعها في الحقل. وتدخل هذه المجموعات البحثية التقليدية في تنافس مع مجموعات بحثية جديدة دخلت إلى الحقل الأكاديمي من أجل إعادة تحديد المواقع والمكانات في الحقل وإعادة صياغة الأطر التحليلية التي تحاول إنتاج عقيدة جديدة Hétéro Doxie (بديلة وممانعة) تعمل على استدخال مفهمة الاستعمار لتحليل الوضعية الفلسطينية. وتتضح لنا حالة التشوه المعرفي عبر التباس تشخيص الحالة المعيشة للوضعية الاستعمارية، وأثر ذلك في إشاعة المفاهيم الجديدة التي تعمل على تشويه الواقع الاستعماري باعتباره واقعًا احتلاليًا وليس واقعًا استعماريًا استيطانيًا إحلاليًا. وفي رأينا، هذه المقاربة هي بمنزلة تواطؤ
معرفي من بعض الأكاديميين والسياسيين لإنفاذ مفردات "الخطاب الوطني الجديد" والتعامل مع "حل الدولتين" وحصر الواقع في أحد تعبيراته المرتبطة بالاحتلال الذي هو أحد جوانب الحالة الاستعمارية وتمظهراتها وأحد تجلياتها، وليس جوهر بنيتها. ويجري ذلك عبر التركيز على حالة المجتمع الفلسطيني المستعمَر في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس. وينعكس هذا على عملية
البحث نفسها التي تنطلق من المقاربات الانقسامية وتُفضي إلى ممارسات إثنوغرافية مجزّأة. وعلى الرغم من وجود العديد من الثيمات البحثية التي أنتجها الواقع الاستعماري، مثل ظواهر مرتبطة بالازدواج الوجداني Ambivalence بمنطق هومي بابا Homi K. Bhabha والاستحواذ Appropriation والانتحال أو التحريف Catachresis، فإنها لا تُدرس إلا جزئيًا من جانب
الفاعلين الجدد في حقل الدراسات الاستعمارية عن فلسطين، ولا تؤثّر في تمثيلات المجتمع المستعمَر في الأعمال البحثية للأكاديميا السائدة. أضف إلى ذلك أن بعض الباحثين في العلوم الاجتماعية تواجههم صعوبات موضوعية، مثل دفعهم الثمن حين توصيفهم للحالة التي يعيشونها حالةً استعمارية، ويضحون فيها تحت سلطة رقابة المانع/ المانح، الذي قد يطلب منهم تبنّي خطاب يوصّف حالتهم بحالة "صراع" طرف ضد آخر، فيستحضر
بعضهم مسوغات إثنية وعرقية وثقافوية لمقاربة هذا "الصراع" عوضًا عن توصيفه حالةً استعمارية –
مستعمَرية. ويعمل بعضهم على مساواة المستعمِر والمستَعمر تحت "توهم الموضوعية" في المقاربات
البحثية. وإن قمنا بعقد قراءتين للخطاب الأكاديمي المعاصر: قراءة داخلية، أي بفحص أثر المقاربات المنهجية والأطر المرجعية المستخدمة لإجراء البحوث، فسنجد طغيان مقاربات الصراع والقانون الدولي وسياسات التوازن وموازين القوى والخطابات القانونية والقراءات التقنية للظواهر المدروسة؛ وقراءة خارجية، أي بفهم أثر السياق المهيمن في بنية الخطاب وتعبيراته الرمزية، سنصل إلى نتيجة مفادها أن ثمة حضورًا مكثفًا لبنية لغوية رمزية وممارسة أكاديمية شائعة. وبالنظر إلى الثيمات المدروسة، سنجد عبر التتبّع التاريخي صعود ثيمات واستبعاد أخرى بسبب
طغيان "اللحظي المعرفي"؛ أي سيادة الاهتمامات البحثية تبعًا للسياق وتبدّل الفاعلين في الحقل الأكاديمي. ففي السبعينيات، طغت المقاربات المرتبطة بالبردايم الماركسي للتبعية، والطبقات الاجتماعية، والمجتمع الفلاحي والحداثة والاكتفاء الذاتي، والتغيرات السوسيو – اقتصادية. ثم في الثمانينيات، كان البردايم الهوياتي وعلاقته بالثقافة والإرث الثقافي والأرض والتقاليد الشفوية
والسير الذاتية محور اهتمام ثيمي مهم. وفي التسعينيات، طرأت تغيرات مهمة على العلوم الاجتماعية، وخاصة بعد اتفاق أوسلو، وهي مرتبطة بمنطق "أوسلو" كالتمويل وإصلاح المنظومة السياسية الإدارية والمأسسة والتمكين والحوكمة والشفافية والانتخابات، وتأطير وتدريب الكوادر المحتملين وتعاظم الثيمات التدريبية وورشات العمل من أجل تطوير المهارات وحقوق المرأة والتنمية الريفية والتفاوض الدولي وقضايا تخص الاقتصاد الفلسطيني المقبل وجاهزيته وبناء المؤسسات والسلام، ليصبح المجال البحثي ملائمًا لدولة. ثم تبعته قضايا العلاقات الدولية وحقوق الإنسان والمواطنة والدبلوماسية الدولية و"الدبلوماسية العامة"، وقضايا أخرى لها علاقة بمشروع "الدولة المشتهى المبتور". والمتتبع لهذه الانعكاسات الثيمية سيجد تمظهرات العقيدة الجديدة في المؤتمرات والورشات والدراسات وثيمات مراكز الأبحاث المحلية التي تبث وتفكر في حل الدولتين ليس بوصفه ثيمة بحثية، ولكن من أشكال تفكرية للعمل على حمايتها وتطبيقها باعتبارها الثيمات البحثية المقبولة. ويحدث في كثير من الأبحاث ممارسة المنع والتهميش لكل المقاربات التي تشخص الحالة الفلسطينية بوصفها حالة استعمارية بذرائع الموضوعية والحياد القيمي/ الأكسيولوجي Axiological Neutrality/ Neutralité Axiologique/ Wertfreiheit بمنطق فيبر الذي طرحه في كتابه الشهير العالم والسياسي، الذي دافع فيه عن ضرورة إيجاد مسافة بين الباحث وتصوراته وأحكامه القيمية وبحثه الأكاديمي من أجل إنتاج عمل بحثي مجرد من الأحكام القيمية. يشكك كثير من المفكرين في هذه المقاربة الفيبرية ويرفضونها، مثل بورديو الذي يبين في العديد من أعماله أنها فكرة مفاهيمية رخوة. والأسئلة المعرفية المشروعة هنا: هل يمكن العلوم الاجتماعية أن تكتفي بدور التوصيف للأشياء، من دون اتخاذ مواقف تجاه الصراعات الأخلاقية والسياسية التي تقسم المجتمعات؟ ولماذا يجري توصيف ظواهر كلية كالاستعمار وأثرها في المجتمع واختزالها عبر التركيز على جانب واحد منها؟ وهذا يعتبر خللً منهجيًا؛ لأن الظاهرة تشكّلها مجموعة من العناصر،
فيصار إلى دراسة جانب منها فحسب (الاحتلال). ليس المقصود هنا تسجيل ملاحظات ضد الموقف السياسي لبعض الأكاديميين وقبولهم بحل الدولتين أو معارضته، ولكن فتح تساؤلات مشروعة عن تشويههم واختزالهم للواقع المعيش عبر عدم البحث في هذه القضايا. يفرض هذا السجال المعرفي والمنهجي تساؤلات عديدة عن نوعية العلوم الاجتماعية التي ينتجها أكاديميون فلسطينيون يعيشون الشرط الاستعماري، ومساءلة أدواتهم وعُددهم المفاهيمية. ويمكننا القول إن استدماجهم هذه التصورات يقودنا إلى استنتاج مفاده أن عملية رقابة ذاتية يمارسها بعض الأكاديميين تجاه الثيمات التي لا تتناسب مع الخطاب السائد ويجري تهميشها، ويستدخل عبرها بعض الأكاديميين باعتبارهم فواعل
(63) Max Weber, Le savant et le politique , Julien Freund (trad.) (Paris: Plon, 1959). (64) Pierre Bourdieu, "Pour un savoir engagé," in: Interventions (1961–2001): Sciences sociales et action politique (Marseille: Agone; Montréal: Comeau & Nadeau, 2002).
وأدوات "للسلطة المعرفية" بمعنى فوكو. بالتأكيد، تنامى الحقل البحثي في الاستعمار الاستيطاني في فلسطين، ولكنه حتى اللحظة الراهنة ما زال حقلً منعزلً عن الحقل السياسي وفواعله الرسميين وحتى غير الرسميين.
2. تواطؤ معرفي: الوله بالدولة مجتمعيًا وسياسيًا وأكاديميًا
استكمالً للتساؤلات والسجالات حول غياب مفهوم الاستعمار وتغييبه في الخطاب الفلسطيني المعاصر، علينا التساؤل: متى بدأ "الانزياح في المعنى"؟ وما أثره في الفعل والتمثلات؟ وما مبررات هذه الانزياحات؟ هل هذا مرتبط بالانخراط في المشاريع السياسية لحركة تحرر وطني رأت نفسها "شكلً دولانيًا" دون دولة مستبطنة لخطاب قانوني له علاقة بجماعة دولية متخيلة مهيمنة؟ وأهذا
الخطاب رسمي أم أهلي؟ يمكننا استعارة تعبير "الظاهرة الكلية" بمنطق مارسيل موس لتوصيف الوضعية الاستعمارية التي يعيشها المجتمع الفلسطيني بوصفها ظاهرة كلية. ويرى موس أن الظاهرة الاجتماعية الكلية هي "نشاط ذو ردود أفعال داخل المجتمع تؤثر في المجالات الاقتصادية والقانونية والسياسية والدينية"، حيث تحبك الخيوط المختلفة للحياة الاجتماعية والنفسية من خلال ما يسميه "الظواهر الاجتماعية الكلية"، التي لها تبعات قانونية واقتصادية ودينية وجمالية... إلخ؛ وقد تكون إلزامية تمامًا أو خاضعة للتقدير أو الاستهجان. وقد تتضمن أيضًا أفكار القيمة والمنفعة والفائدة والرفاهية والثروة والاكتساب والتراكم والاستهلاك. بهذا المعنى الذي يقدمه موس، يمكننا رؤية المجتمع الفلسطيني بوصفه مجتمعًا يعيش ظاهرة مستعمَرية اجتماعية كلية، تتجسد انعكاساتها في مجمل الحيوات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والقانونية. لا يعتبر بورديو التفكير في الدولة خطابًا أو ميتا خطابات Discours Méta (فوق خطابي)، أو أنه يقع في صلب الاجتماعي نفسه فحسب، ولكنه أيضًا يتشكل داخل العالم الاجتماعي ويؤطر العالم الاجتماعي نفسه، فتفرض الدولة البنى الإدراكية التي تسمح للتفكير بها، أي تلك الآليات التي تسمح لها بالهيمنة بوصفها شكلً لإنفاذ الأمر الاجتماعي الذي يأخذ أشكال هياكل عقلية. ويعبّر عن
هذا التصور لبورديو مجتمعيًا من خلال إنفاذ أدوات الأمر البيروقراطي (شكل اللجان، وكتابة التقارير،
وتحليلات الأسس الأنثروبولوجية للمجتمعات، والبنى الزمنية "الأجندة"، والأجندات التربوية، والبنى الحيزية، والخرائط، والحدود، والأطر الاجتماعية للذاكرة، والاحتفاليات وسياسات الذاكرة). وتعمل هذه الأفكار الدولانية إذًا على خلق نظام تراتبي يصنع بدوره هوية وطنية جديدة عبر أدوات البروباغاندا السياسية وإنفاذ الأمر الرمزي. وهي ليست مجرد ممارسات إكراهية، ولكنها أدوات إنتاج
(65) Michel Foucault, Surveiller et punir: Naissance de la prison (Paris: Gallimard, 1975); Michel Foucault, L’Archéologie du savoir (Paris: Gallimard, 1969). (66) Marcel Mauss, Essai sur le don: Forme et raison de l’échange dans les sociétés archaïques (Paris: PUF, 2007). (67) Pierre Bourdieu, Sur l’État: Cours au Collège de France (1989–1992) (Paris: Seuil; Raisons d’agir, 2012), p. 291.
وإعادة إنتاج تظهر حتى في الحس المشترك. كذلك تحتكر التشكيلات الدولانية العنف الرمزي عبر فرض المعايير، لإعادة تصور العالم من خلال الأدوات القانونية، والتعبيرات القانونية لإدارة السكان (التسجيل، والعقود، والحالة المدنية... إلخ).
3. استيهامات مجتمعية
ندرك تمامًا أن الدولة بالمعنى الكلاسيكي غير حاضرة في السياق الفلسطيني، ولكن لدينا استيهامات
خطابية ومجتمعية تعمل على إنفاذ فكرة الدولة على مستوى الخطاب، وكذلك على مستوى الممارسات المجتمعية. فلدى المجتمع الفلسطيني رئيس ورئيس وزراء ووزراء وحكومات مضخمة يفوق عددها خمسًا وعشرين حكومة منذ تشكّل السلطة الفلسطينية، وسفراء وأوراق ثبوتية وطوابع بريد وترويسات
باسم "دولة فلسطين" ومعاملات دولية واتفاقات دولية تعترف بهذا الكيان الدولاني، وممارسات سيادية رمزية كإدارة بعض الحيّزات المكانية وإصدار جوازات السفر والإجراءات البروتوكولية مقابل غياب السيادة
على الحدود والمعابر والأرض والجو والبحر، وحتى السيادة على المجموعات الأكبر من السكان في التقسيمات المختلفة من الخريطة المجزّأة الشبيهة ب "جزر أرخبيل" المتقطعة جغرافيًا وسياديًا. وكذلك
له مجلس تشريعي، وقوانين فلسطينية تتعايش مع قوانين أردنية ومصرية سابقة، وأجهزة شرطية وأمنية، ومنهاج تربوي يكرس منطق خطاب الدولتين ويشوّه الهوية الجامعة، ويختزل المجتمع الفلسطيني في
المجتمع الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة و"القدس الشرقية"، علمًا أن القدس لم تُقسم يومًا ما،
بيد أنها أضحت مقسمة بحكم خطوط الحرب في عام 1948، وتهميش حضور الفلسطينيين في الشتات باعتبارهم أطرافًا لمركز سياسي، في حين أنهم أطراف لمركز جغرافي غير مجزّأ. وتجدر الإشارة إلى أن
أكثر من نصف الفلسطينيين يعيشون خارج وطنهم؛ جزء كبير منهم من اللاجئين والمهجرين، وليس من المغتربين فحسب. ويترافق هذا التشويه مع اختراع تصنيفي لأكلة شعبية فلسطينية – المسخن – المنتشرة في منطقة وسط الضفة الغربية وشمالها، فيصار إلى اعتبارها "الأكلة الوطنية الفلسطينية"؛ هذا التَمثُّل للوجبة المختارة من المطبخ الفلسطيني يقلّص فلسطين الشمالية والجنوبية التي تعتبر فيها أكلة المسخن مجرد طبق من أطباق أخرى. وتشبه هذه "الهوية الطعامية" المقلّصة فلسطين المقلّصة وخرائطها، ومثلها نجد الخرائط المشوهة التي تظهر خرائط الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس، والتي تستخدمها عادة بعض الدول للتعريف بالفرق الرياضية والفنية الفلسطينية في التظاهرات العالمية. وكذلك خرائط تظهر
(68) Pierre Bourdieu, Méditations pascaliennes (Paris: Seuil, 1997), p. 209. (69) Pierre Bourdieu, "Les modes de domination," Actes de la recherche en sciences sociales , vol. 2, no. 2–3 (1976), pp. 122–132;
ينظر أيضًا:
Pierre Bourdieu, La distinction (Paris: Minuit, 1984); Pierre Bourdieu, "Quelques propriétés des champs," in: Questions de sociologie (Paris: Minuit, 1989), pp. 113–120; Pierre Bourdieu, La noblesse d’Etat: Grandes écoles et esprit de corps (Paris: Minuit, 1992); Pierre Bourdieu & Loïc Wacquant, "La logique des champs," in: Réponses (Paris: Seuil, 1992), pp. 71–90; Pierre Bourdieu, "Esprits d’État: Genèse et structure du champ bureaucratique," Actes de la recherche en sciences sociales , vol. 96–97 (Mars 1993), pp 49–62; Pierre Bourdieu, "‘L’État et la construction du marché’ et ‘Le champ des pouvoirs locaux’," in: Les structures sociales de l’économie (Paris: Seuil, 2000), pp. 113–180; Bourdieu & Boltanski, pp. 4–73.
فيها دولة إسرائيل بوصفها دولة "للجيران"، وكذلك شيوع تعبيرات مجتمعية مستبطنة منطوقة بتعبيرات مسؤولي السلطة الفلسطينية من "رفح لجنين" ومن الجنوب إلى الشمال ويقصد به من الجنوب الساحلي لفلسطين إلى شمال الضفة الغربية. أدت هذه الممارسات الدولانية المذكورة إلى انزياح مفاهيمي جرى عبره وبأثره تنحية استخدام "استعمار". وقادت هذه التصورات إلى استبطان الخطاب الدولاني لبعض أفراد الجماعة العلمية الفلسطينية، خاصة من فئات المستشارين وخريجي الجامعات في حقول العلوم السياسية والعلاقات الدولية وبعض حقول العلوم الاجتماعية عبر استبطان الخطاب الدولاني ضمن ما يمكن تسميته "صناعة العقول". فلسطينيًا، كان مفهوم الاستعمار مستخدمًا في بداية القرن الماضي لتوصيف الحالات الاستعمارية التي
تعرّضت لها المنطقة العربية من البريطانيين والفرنسيين والإيطاليين، وظل مستخدمًا حتى الخمسينيات.
إلا أنه بدأ يتلاشى مع تنامي خطاب مرتبط بقيام الدول المستقلة في فترة ما بعد الاستعمار في المنطقة العربية؛ إذ بدأت النخب الحاكمة في هذه الدول تستخدم مفردات الشخوص القانونية للدول وكياناتها للدفاع عن ممارسات دولانية مرتبطة بالحق في السيادة وحماية الحدود. وبدأت هذا الاستخدامات تُطبق على حدود الدول المستقلة الجديدة كالأردن ومصر ولبنان وسورية وطبعًا إسرائيل. وفي مقدمة هذه الاستخدامات، اللجوء إلى الأمم المتحدة لتقديم الشكاوى وإبرام الاتفاقيات المرتبطة بالحدود والانسحاب منها، وتطبيق اتفاقيات الهدنة وتبادل المناطق... إلخ. وتدريجيًا، بدأ الخطاب السياسي
المرتبط بهذه الممارسات الدولانية يضحي العنوان الرئيس لمقاربات الحركة الوطنية الفلسطينية المطالِبة بدولة. وقد طُبع الخطاب السياسي بالتفسيرات القانونية ليحل محل استخدام "الاستعمار" المفترض تجاوزه وتقادمه بوصفه مفهومًا، خاصة أن نموذج الدولة – الأمة قد جرى فرضه على العالم
ابتداء من عام 1945، وحصل تعميم تجارب الدول الناشئة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وانتقالها إلى مرحلة ما بعد الاستعمار على نحو كوني؛ وأدى ذلك إلى شيوع هذا الاستخدام عربيًا وفلسطينيًا،
ما أنتج انزياحات على مستوى الخطاب والممارسة بدأت تنعكس تجلياتها في عدة عناصر، كما يلي: • كان لدى الحركة الوطنية الفلسطينية نص مؤسس ل "فلسطين الميثاقية"، بتعبير عبد الرحيم الشيخ، ينظر إلى فلسطين بوصفها بلدًا مُستعمَرًا والمجتمع الفلسطيني مجتمعًا مستَعمَرًا. هذا
الميثاق الفلسطيني الأول، الذي سُمي الميثاق القومي، شارك في صياغته أحمد الشقيري. وقد
كان الشقيري يُظهر في خطاباته دائمًا أن العلاقة بين الاستعمار والصهيونية هي علاقة عضوية. وخلال
شغله مناصبه المختلفة في المحافل الدولية، دافع الشقيري عن قضايا ومجتمعات كالجزائر الشقيقة وبلدان أخرى في المنطقة العربية وفي أفريقيا وأميركا الجنوبية التي كانت واقعة تحت الاستعمارات المختلفة وربطها بسيرورة الاستعمار الصهيوني وقضية فلسطين. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الشقيري
(((7 عبد الرحيم الشيخ، "الهوية الثقافية الفلسطينية: المثال والتمثيل والتماثل" في: التجمعات الفلسطينية وتمثاتها ومستقبل
القضية الفلسطينية، سلسلة وقائع المؤتمر السنوي الثاني (رام الله: المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الاستراتيجية – مسارات، 2013)، ص.76 ((7(أحمد الشقيري، أربعون عامًا في الحياة العربية والدولية (بيروت: دار النهار للنشر، 2005)، ص 688–601؛ ينظر أيضًا: خيرية
قاسمية، أحمد الشقيري: زعيمًا فلسطينيًا ورائدًا عربيًا (الكويت: لجنة تخليد ذكرى المجاهد أحمد الشقيري،.)1987
تعرّض لحملة تشويه قادها الشهيد خليل الوزير (أبو جهاد). وفي رأينا، كانت مرتبطة بصراعات جيلية
في حينها وحزبية، وكذلك لصراعات وسيرورات اجتماعية مرتبطة بخلفية الشقيري نفسه، "ممثلً للبرجوازية الفلسطينية" أو كما كان يقدَّم في حينها منفذًا لأجندة الأنظمة العربية، ثم حدث انقلاب في الاستخدامات تدريجيًا مع البرامج المرحلية المختلفة، وأهمها برنامج النقاط العشر لمنظمة التحرير
الفلسطينية في السبعينيات. • بسبب تمركز الخطابات الموجهة إلى العالم المهيمن المناصر لدولة الاستعمار الصهيوني، حيث بدأ العالم المهيمن في فرض تصورات جديدة مرتبطة بإشاعة رؤاه بشأن المعضلة الفلسطينية باعتبارها "صراعًا بين طرفين"، فحلت منظومة المقاربات القانونية والانشغالات التقنية لهذا الصراع
كشيوع التفسيرات القانونية لقرارات الأمم المتحدة بضرورة الانسحاب من "أراضٍ احتلتها إسرائيل" و"الأراضي التي احتلتها إسرائيل" وفقًا للصيغ المختلفة لقرارات الأمم المتحددة بتشخيص الاحتلال للأراضي، وبالتزامن مع توجهٍ له علاقة بخطاب براغماتي ينشد فعليًا إقامة "سلطة وطنية" ثم "دولة
فلسطينية" على أراضٍ قد تنسحب منها إسرائيل. وبدأت عملية الاستدخال تدريجيًا تُنتج مجموعة
جديدة من التعبيرات التي ستؤدي دورًا أساسيًا في التشوه المفاهيمي الذي سيعمل على "تخيل
الدولة"، وصولً إلى اتفاق أوسلو للتنازل عن مساحة 78 في المئة من أرض فلسطين التاريخية تعبيرًا
عن "السياسة بوصفها فنًا للممكن" وشكلً من أشكال البراغماتية والعقلانية السياسية وغياب الخيار وإكراهات الواقع العربي، وشيوع مقولات تفرّق بين فلسطين، بوصفها وطنًا تاريخيًا للفلسطينيين،
و"الدولة المشتهاة" على جزء من هذه الأرض يقام عليه جهاز سياسي يمثل الدولة الفلسطينية على الأراضي التي قد تنسحب منها إسرائيل. بقول آخر، جرى خطابيًا التفريق بين الوطن والدولة. وقد
تُرجم هذا التفريق سياسيًا لاحقًا عبر اختزال الاهتمام بسكان المستَعمرة الثانية عام 1967، وجرى عدم
التعامل مع فلسطينيِّي المستعمرة الأولى عام 1948 بوصفهم جزءًا من مجتمع واحد. رأت هذه التصورات الجديدة أن السياق التاريخي قد تغيّر في المنطقة، وهذا ينعكس أيضًا على الحالة
الفلسطينية وعلى مستعمِريهم، خاصة أن دولة الاستعمار الجديدة إسرائيل أقيمت ضمن خطاب دولاني يشرعن وجودها بوصفها دولة بذات قانونية في مرحلة تاريخية جديدة قامت على "أنقاض الاستعمار القديم"، وحلّت محله الخطابات القانونية والحقوقية للدول المستقلة ذات السيادة. وبدأ يظهر تشوّه
مفاهيمي ولَبس في فهم الشروط الاستعمارية وكيفية مقاومتها، وسرعان ما حَلّت الاصطلاحات الجديدة
لتؤسس لخطابات جديدة ومغايرة تعمل على استخدامات اصطلاحية جديدة مثل "دولة الاحتلال"، و"الاحتلال الإسرائيلي" والممارسات الاحتلالية" و"النزعة الاحتلالية"، و"جيش الاحتلال" بدلً من دولة الاستعمار الصهيوني، وأصبح المقيمون داخل فلسطين في المستعمرة الثانية يوصفون بأنهم سكان "المناطق المحتلة"، و"أهل الأرض المحتلة"، وغاب تدريجيًا استخدام تعبير الاستعمار، وفي
حالات قليلة جرى استخدام تعبيرات مثل "احتلالي استيطاني" تستخدم عادة لتوصيف المستوطنات في الضفة الغربية والقدس. وينبري مسؤولو الوزارات وممثلو السلطة والناطقون الإعلاميون باسمها لاستخدام عبارات قابلة للتركيب في أي سياق: "نحمّل الاحتلال المسؤولية"، و"هذا يثبت للعالم
أن الجانب الآخر لا يريد السلام"، و"على المجتمع الدولي دعم حل الدولتين"، و"بتوجيه من السيد الرئيس طُلب منا فتح قنوات مع الجانب الإسرائيلي"، و"نحن على استعداد للقاء أي طرف من الجانب الإسرائيلي". إذًا، تشوّه التخيل الفلسطيني وتشوّه معه تخيّل المستعمِرين، وتشوّهت العلاقة بين
المستعمِر والمستعمَر، وبدأت تتسم بضرورة تقديم تنازلات بينهما بوصفهما "طرفين"، بما في ذلك
ما يقوم عليه من "تنازل تاريخي"، و"اقتسام الأرض" غير المتكافئ طبعًا، والتعاون بين "أطراف السلام" في كلا الجانبين. ثم لم يعد الاستعمار يسمى حتى "الاحتلال"، بل بدأ يسمى بعبارات جاهزة للتركيب أيضًا مثل: "الجانب الآخر" و"الطرف الآخر" والتنسيق مع "الجانب الآخر" و"مضايقات الجانب الآخر" و"تعرية الجانب الآخر"؛ و"نحمّل المسؤولية للجانب الآخر". ويمكننا أن نرى هذه التعبيرات ضمن
علاقة بنيوية بين الدال والمدلول، تؤسس لعلامة لسانية جديدة، وتحيل خطابيًا ودلاليًا على منظومة
خطابية جديدة، حتى أضحت الممارسات القمعية والتنسيق الأمني مع سلطات الاستعمار تمرّ عبر
بردايم "السياسة بوصفها فنًا للممكن والواقعي"، وعبر استدخال فكرة الدولة والولَه بها والدفاع عنها بوصفها تعبيرًا عن مشروع سياسي واقعي؛ وحتى إنه يبرر منع وقمع الممارسات الاحتجاجية والمقاومة
غير المضبوطة "العبثية" من أجل الوقوف ضد منع الشعب الفلسطيني من تحقيق حلمه بإقامه الدولة المنتظرة. تؤدي عملية التسمية دورًا في التصنيف بمنطق كلود ليفي ستروس. ولذا، يمكن قراءة عدم
تسمية الاستعمار باسمه عدم تصنيفه بوضوح، ما يخلق عمليات من التشويه والإحالات. ويظهر هذا التشوه جليًا بعدم تسمية الحالة بنيةً استعمارية، أي القدرة على تحوير الواقع وإزاحته إلى متخيل آخر،
وخلق نموذج مصطنع بدلً من الواقع الاستعماري. وليست هذه التعبيرات اللسانية المذكورة مجرد استخدامات لغوية مرتبطة بتكرار السائد، ولكنها بمنزلة بنى خطابية جديدة وأفعال مُؤسِسَة، ولُبس
جديد يستحضر عملية تلقٍّ تبدو كأنها تطبيق لرؤية وموقف حر ومشروع سياسي واقعي. تتمترس جل الخطابات الفلسطينية الرسمية وبعض الخطابات غير الرسمية في علاقتها مع المستعمِرين ضمن تقمّص شخصية الضحية ويدفعها إلى لوم ذاتها وتسخيفها والاستخفاف بقدرتها على مقاومة
الاستعمار، بل يؤسس لاتكالية على جماعة دولية متخيّلة يقع على عاتقها بناء المدارس وتعليم الأبناء
وصرف معاشات القادة العسكريين... إلخ. ويمكننا تخيّل بعض خطابات مسؤولين من السلطة
الفلسطينية بوصفها خطابات تقوم على استجلاب الشفقة، أي ضمن تمثّل عمودي "علوي وفوقي" بتعبير لوك بولتناسكي. وبالتوازي مع هذه المنظومات الخطابية السياسية، تجري عملية إعادة خلق مخيال اجتماعي جديد مدعم برؤى نيوليبرالية، تعمل على حماية الفردانية وقيم التنافس الفردية والمرتبطة بإنفاذ السياسات الاجتماعية والاقتصادية للسلطة الفلسطينية وبثّها لقيم النزعات الاستهلاكوية، وتعميم سياسات الإقراض المدعومة بتوجهات دولية نيوليبرالية، واستيعاء منظومة معيارية جديدة عن "استيهام الحياة الاعتيادية والعادية تحت الاحتلال"، واستبدال منظومة الخطابات الاجتماعية السابقة بخطابات مغايرة
(72) Claude Lévi–Strauss, La Pensée sauvage (Paris: Pocket, 1990 [Paris: Plon, 1962]), p. 222. (73) Luc Boltanski, La souffrance à distance (Paris: Métailié, 1993), p. 16.
تقوم على استبدال قيم المشاركة المجتمعية والعمل التطوعي بمنظومة "الريادة" و"التميز الاقتصادي" وسبل النجاح والخلاص الفردية.
4. شرعنة وهم "الدولة تحت الاحتلال"
هذه الشرعنة مرتبطة بنظام الهيمنة العالمي الذي يمنع أي تصور غير تصور حل ل "الصراع" عبر التفاوض، وعبر العمل دوليًا من أجل تجسير "طرفي الصراع"، وتعظيم المساعدات الدولية التي بلغت ملايين
الدولارات من أجل تنفيذ حل الدولتين وبناء المؤسسات الفلسطينية وتنفيذ مقولة شعار "التمكين" و"الحوكمة" وإرساء قواعد الدولة المنتظرة القابلة للحياة. وذلك على الرغم من أن الممارسات الاستعمارية تعمل يوميًا على إنهاء المشروع الدولاني المتآكل للسلطة الفلسطينية وسيادتها الوهمية،
وقضم المزيد من الأراضي، وإلغاء حتى التقسيمات التي أفرزها اتفاق أوسلو "أ" و"ب" و"ج". وعلى الرغم من أن الواقع المعيش يُظهر بوضوح أن هذا المشروع تآكل بفعل تراجع جغرافية المساحة الموعودة لمشروع إقامة الدولة عليه؛ ليس فقط على مستوى الخطابات الإسرائيلية الرافضة لإقامة دولة فلسطينية التي كان آخرها تصريح رئيس حكومة إسرائيل، نفتالي بينيت، بأنه لن يقبل بإقامة دولة فلسطينية، لأنّ هذا يعني إقامة "دولة إرهابية جديدة في الشرق الأوسط"، فإن المشروع الاستعماري، على مستوى الممارسة، يعمل على نحو مُمنهج ومدروس ومخطط لإنهاء وَهْم مشروع الدولة وضمّ أجزاء واسعة من الضفة الغربية وتوسيع المستوطنات فيها، ويَمضي في تخصيص منعزلات عرقية وتعظيم الجُزر المُقتطعة وتطبيق سياساته الاستعمارية على نحو كلّي مع بقاء "وهم إقامة الدولة" ساريَ المفعول خطابيًا، وذلك عبر أموال المانحين. كما أشرنا سابقًا، ثمة خصوصية لكل حالة استعمارية مرتبطة بتغيّر السياق، ولكننا إن حاولنا قراءة
الشروط الاستعمارية التي يعيشها المجتمع الفلسطيني وتتبّعها سوسيولوجيًا وتاريخيًا، فسنجد تشابهًا
كبيرًا في الظروف الاستعمارية للشعوب المستعمَرة. فقد قامت العلاقة الاستعمارية – المُستعمَرية
على علاقات التعاقد بين خدم محليين ورحّالة وتجار ومستعمِرين وإداريين وتجار ومستوطنين وبين نظرائهم من الأصلانيين، وكما فعلت فرنسا وبريطانيا والبرتغال مع الجزائريين والهنود والبرازيليين في طرائق إدارتها الأحياز والسكان، سنجد ملامح تشابه لهذه التجارب في الحالة الفلسطينية. فعلى سبيل المثال لا الحصر، كما جرى نفي التاريخ السابق للجزائر أثناء استعمارها وتسميتها "الجزائر الفرنسية"، نفت دولة إسرائيل علاقة الفلسطينيين بأرضهم، بل قدّمتهم بوصفهم جماعات سكانية مشتتة لا وجود لهم، كما كان يردد كل من دافيد بن غوريون وغولدا مائير وإسحاق رابين. وكذلك قسمت دولة الاستعمار الإسرائيلي، كما فعلت منظومات استعمارية أخرى سابقة، الفلسطينيين على أسس "عرقية" و"طائفية"، واستولت على أراضيهم وحوّلتهم إلى عمال واستغلتهم، وعملت كما في حالات
مشابهة أيضًا على تطبيق سياستها الحيوية وسياسات الموت على الفلسطينيين والتحكم في أجسادهم
((7("بعد حديث ميركل عن إقامة دولة فلسطينية.. رئيس وزراء إسرائيل: ستكون دولة 'إرهاب'"، سي إن إن بالعربية، 2021/10/10، شوهد في 2022/1/23، في: https://cnn.it/3H1sRNW
الحية والميتة والشهيدة. وكما فعلت الدول الاستعمارية السابقة، عملت إسرائيل على تجميع الرساميل القضائية والمعلوماتية ونظام التسجيل المدني وتشويه العائلات وأسمائها، وقامت، أيضًا، بتقسيم المناطق المختلفة إلى مناطق امتيازات مستعمرية، حيث أعاد المستَعمرون إنتاج الخطاب الاستعماري لبعض السكان، على اعتبار أن سكان الضفة الغربيّة مختلفون من حيث الامتيازات التي "يمنحها"
الاستعمار لسكان فلسطينيي ال 48 في المستعمرة الأولى مقابل القدس، وسكان القدس مقابل الضفة الغربية، وسكان رام الله مقابل شمال الضفة الغربية، والضفة الغربية مقابل غزة. وبناء على هذا المنطق المستعمري، خُلقت التراتبات الاجتماعية، التي تصنع بدورها هويّات متخيلة لامتيازات لذوات اجتماعية واقتصادية مختلفة تعجّ بتنميط ثقافوي استعماري. بالعودة إلى فانون وألبير ميمي في تشخيصهما المجتمعات المستعمَرة التي تعيد إنتاج التصورات
المُستَعمَرية الذهنيّة الاستعماريّة من خلال طبيعة العلاقة المعقدة بين المستعمِر والمستعمَر، وبالارتكاز
على تصور خلدوني "ولع المغلوب بالغالب"، يمكننا القول إن هذه العلاقات الاستعمارية – المُستعمَرية المعقدة تظهر تجلياتها في المجتمع الفلسطيني اليوم، كما في كثير من الوضعيات الاستعمارية – المستعمَرية الأخرى. ويظهر ذلك في الخطاب الشعبي الفلسطيني، كما في الخطاب الرّسمي الذي
يحمل ملامح "الازدواج الوجداني" بمنطق هومي بابا. ويجتهد البعض في استحضار تعبير "القابلية للاستعمار" الإشكالي لمالك بن نبي الذي يرى أن القابلية للاستعمار تنتج حينما "لا يفكر المسلم في استخدام ما تحت يديه من وسائل استخدامًا مؤثرًا، وفي بذل أقصى الجهد ليرفع من مستوى حياته،
حتى بالوسائل العارضة، وأما ألا يستخدم وقته في هذه السبيل، فيستسلم على العكس لخطة إفقاره وتحويله كمًا مهملً، يكفل نجاح القضية الاستعمارية، فتلك هي القابلية للاستعمار". وفي رأينا،
لا تنطبق رؤية مالك بن نبي هذه على السياق المستعمَري الفلسطيني المقاوِم للمشروع الاستعماري،
بدءًا بمقاومة المجتمع الفلسطيني للمستعمِر البريطاني واستمرارًا لمقاومة المشروع الاستعماري
الصهيوني الذي ما زال قائمًا ومتجددًا ودائمًا؛ وذلك بحكم وقوع كل هذا المجتمع تحت الشرط الاستعماري المتمدد يوميًا والمحسوس وجوديًا في اليومي والوطني الوجودي. وبعد 27 عامًا من مشروع إقامة دولة، ورغم استيهاماتها أكاديميًا وسياسيًا ومجتمعيًا، يُظهر الواقع المعيش
على طرفي المستعمرتين بجلاء البنية الاستعمارية وتمظهرات الوضعية الاستعمارية التي تتعاظم يوميًا.
وما الحراكات الاجتماعية المطلبية والاحتجاجية ضد السياسات الاجتماعية والاقتصادية للسلطة الفلسطينية ومشروعها "الوطني"، وتنامي النضالات المشتركة لسكان المستعمَرتين ضد النظام الاستعماري والتحامهم في نضالات مشتركة مثلما حدث في هبّة أيار/ مايو 2021 الأخيرة نصرةً للقدس وسكان حي
الشيخ جرّاح وسلوان والطور، وضد الحرب على قطاع غزة، إلا مؤشر على ترابط المُستَعمَرتين بنظام
(((7 أباهر السقا، "ورقة مفاهيمية مرجعية لمشروع دراسة عن الهويات الشبابية الفلسطينية: تراتبات متغيرة من تجمعات مغايرة لكل
متجانس"، في: الشباب الفلسطيني: دراسات عن الهوية والمكان والمشاركة المجتمعية، جميل ه لاا (محرر) (بيرزيت: جامعة بيرزيت – مركز دراسات التنمية، 2017)، ص.22 (((7 مالك بن نبي، وجهة العالم الإسامي (دمشق: دار الفكر، 1980)، ص.150
استعماري واحد. ويمكننا أيضًا رؤية تصاعد أشكال التضامن المختلفة، عبر الوسائل السيبرانية والتواصل الاجتماعي الجديدة للأجيال الجديدة والتفاعل معها في المُستَعمَرتين، والحملات الإلكترونية للتضامن مع الأسرى الستة وحملات الضغط التي تجمع الفلسطينيين على مختلف مشاربهم ومواقعهم في المُستَعمَرتين، وممارسات القمع واعتقال مئات الفلسطينيين وقتل المتظاهرين في المُستَعمَرتين؛ كل ذلك
يؤكد بلا أدنى ريبة ترابطهما وتعرّضهما وسكانهما لبطشٍ ولممارسات استعمارية متشابهة. فإعادة تطبيق
الاعتقالات الإدارية، واقتحام البيوت، والسماح لمجموعات يهودية بالاعتداء على فلسطينيِّي المستعمرة
الأولى، ومشاركة سكان المُستَعمَرتين في إضرابات جماعية مشتركة وفعاليات احتجاجية موحّدة، يذكّر
بوحدة المجتمع الفلسطيني ومصيره أمام دولة استعمارية واحدة فيهما.
خاتمة
تظهر لنا جليًا الجوانب البنيوية للاستعمار الصهيوني، في الحالة الاستعمارية – المُستَعمَرية في
فلسطين، بماهيته وجوهرانيته، بوصفه استعمارًا استيطانيًا إحلَليًا، قام على تدمير المجتمع الأصلاني
وتفكيكه. مارس المُستعمر، وما زال، في الحالة الاستعمارية "منظومة العنف الشامل" التي انتهت
بنكبة ما زالت مستمرة، أدت وتؤدي إلى قتل جماعي ومجازر وإزالةٍ وتدمير وطرد وحروب، واستخدامه المنظومات العقابية والرقابية للسيطرة على المجتمع، ومصادرة أخصب الأراضي ونزع الملكية وجلب المستعمِرين ومحاولة تغليب الديموغرافيا لصالحهم، وتهويد الحيّز وعبرنته وتغيير
المشهد الطوبوغرافي والجغرافي، وتبديل المشهد البيئي، ونفي الاعتراف بالهوية الجمعية وبالمجتمع المستعمَر بوصفه مجتمعًا وشعبًا، وخلق صنافات اجتماعية جديدة وفق المنظور الانقسامي بحسب
الإثنيات والأعراق... إلخ، وبثّ خطابات فوقية وعنصرية عبر محاجّات وسرديات تعمل على شرعنة
ممارساتها ونزع شرعية ضحيتها وإنسانيتها، كذلك تطبيق السياسات الإقصائية تجاه السكان الأصلانيين وآليات تسميتهم، وفرض السيطرة العسكرية والتحكم في موارد البلاد وسياسات الفصل بين السكان في الحيز وإشغاله وسياسات التسكين، وأنظمة العمل، والهندسة الاجتماعية الاستعمارية لفضاءات وأحياز المُستعمِرين والمستَعمَرين، وتحويل المجتمع الفلسطيني إلى مجتمع منكشف عبر سياسة إلحاق اقتصادي وتنامي اعتماد شرائح واسعة من سكان المستَعمرة الثانية على العمل في السوق الإسرائيلية وفي المستوطنات، مع الإبقاء على فروق واضحة بين سكان المُستَعمَرتين. لقد جرى تهميش الأطر التحليلية الخاصة بالاستعمار الاستيطاني، عبر إنفاذ مشروع حل الدولتين؛ ليصبح مفهوم الاحتلال هو الناظم، وتماهى الحقل الأكاديمي التقليدي مع الخطاب السياسي السائد. وتحدث عملية الاستيعاء من خلال القوة الخاصة لتبرير شرعنة الاستعمار التي تأتيه من تراكم عمليتين وتكثيفهما: الأولى تعمل على شرعنتها من خلال محاولة تأصيلها في فهم واقعي مُستَهام، والتي هي نفسها عملية بناء اجتماعي Construction Social مطبّعة من مجموعات اجتماعية مختلفة للعيش
تحت "الاحتلال" ولوهم "الدولة تحت الاحتلال". هذه التشكيلة الخطابية الجديدة التي ينتجها الأكاديمي السائد والسياسي السائد تُظهر لنا العلاقة بين المنطوق الفلسطيني والخطاب الفلسطيني
اللذين يظهران جليًا في المجتمع الفلسطيني، طبعًا من دون تهميش استمرارية المقاومة المجتمعية له
من شرائح واسعة في المجتمع الفلسطيني. يفضي تنامي حقب دراسات الاستعمار عالميًا، وكذلك من جانب الباحثين الفلسطينيين وغيرهم،
مستقبلً، إلى إعادة الاعتبار له، بوصفه إطارًا تحليليًا ومنظومة معرفية ومنهجية لإعادة قراءة الحالة
الفلسطينية الاستعمارية وتشخيصها، وقد يفضي إلى ولادة حقل معرفي جديد عن الحالة المُستَعمَرية. ويعني اعتماد الإطار الاستعماري بنيةً ناظمة معرفيًا، وبالارتكاز على مفهمة "العنف الشامل"، الإقرارَ
بأن النظام الاستعماري يشكّل الأساس لوحدته في المستعمرتين، وأن الاستعمار نفسه هو الذي يحدد مآل هاتين المستعمرتين، وهو الذي يُحدث تبعية بنيوية. وتعمل التناقضات فيه على تفاعل البنيتين
المترابطتين في النظام الاستعماري نفسه، وإن أدت الاستيهامات إلى اعتقاد عكس ذلك؛ ما يخلق مستويات متعددة ومركّبة من التناقضات. من نافلة القول إن سمات ظاهرة "الاستبدال المفاهيمي" هي ظاهرة اعتيادية في عالم الأفكار والمعتقدات، ولكن ما يجري هنا هو تشويه الواقع المعيش. ويُظهر هذا الوجود العلائقي الكيفية التي
يتم بها إنفاذ بنى دولانية مشوهة مستهامة، عبر معقولية خطابية بواقعية سياسية متخيلة تعمل على تشويه الواقع المعيش، على الرغم من أن الواقع المعيش يؤكد التعارضات المتأصلة في البنية الاستعمارية نفسها. لدينا إذًا عالمان خطابيان مغايران، يظهران بالمعنى الدلالي للكلمات المستخدمة رسميًا وحتى
مجتمعيًا، التي تُنتج "بردايمات" جديدة وأطرًا ذهنية معينة، ومن خلال هذه الأطر تسعى لتفسر للناس
كل شيء. لا تتهاوى هذه الأطر بسهولة، وعادة ما تستغرق وقتًا طويلً لتختل أمام وجهات نظر أخرى، وتُنتج معتقدية مغايرة ضدية وبديلة وممانعة.
References
المراجع
العربية
أمارة، أحمد ويارا هواري. "توظيف الأصلانية في النضال التحرّري الفلسطيني". شبكة السياسات
الفلسطينية. 2019/8/8:. في ffN 4 E /34 ly. bit:// https بن نبي، مالك. وجهة العالم الإسامي. دمشق: دار الفكر،.1980 التجمعات الفلسطينية وتمثاتها ومستقبل القضية الفلسطينية. سلسلة وقائع المؤتمر السنوي الثاني. رام الله: المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الاستراتيجية – مسارات،.2013 الشباب الفلسطيني: دراسات عن الهوية والمكان والمشاركة المجتمعية. جميل هلال (محرر). بيرزيت: جامعة بيرزيت – مركز دراسات التنمية،.2017 الشقيري، أحمد. أربعون عامًا في الحياة العربية والدولية. بيروت: دار النهار للنشر،.2005
الفلسطينيون في إسرائيل: قراءات في التاريخ والسياسة والمجتمع. نديم روحانا وأريج صباغ–خوري (محرران). حيفا: مدى الكرمل،.2015 قاسمية، خيرية. أحمد الشقيري: زعيمًا فلسطينًا ورائدًا عربيًا. الكويت: لجنة تخليد ذكرى المجاهد أحمد الشقيري،.1987 المسيري، عبد الوهاب. اليهودية والصهيونية وإسرائيل: دراسة في انتشار وانحسار الرؤية الصهيونية للواقع. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،.1975
الأجنبية
Abdeljawad, Saleh. "La politique israélienne envers le peuple palestinien." Inprecor. no. 517 (Mai 2006). at: https://bit.ly/3JUy4sx Abu Sitta, Salman. The Palestinian Nakba, 1948: The Register of Depopulated Localities in Palestine. London: Palestinian Return Centre, 2000. Abu–Lughod, Ibrahim & Baha Abu–Laban (eds.). Settler Regimes in Africa and the Arab World: The Illusion of Endurance. Wilmette, IL: Medina University Press International,
Agamben, Giorgio. État d’exception: Homo Sacer II. Paris: Seuil, 2003. Akoun, André & Pierre Ansart (dir.). Dictionnaire de sociologie. Collection Le Robert. Paris: Seuil, 1999. Arendt, Hannah. Du mensonge à la violence: Essai de politique contemporaine. Guy Durand (trad.). Paris: Calmann–Lévy, 1972. Balandier, Georges. "La situation coloniale: Approche théorique." Cahiers internationaux de sociologie. vol. 11 (1951). Balibar, Étienne. "Lénine et Gandhi, Une rencontre manquée?" Alternative Roma. no. 6
Ball, Kirstie, Kevin Haggerty & David Lyon (eds.). Routledge Handbook of Surveillance Studies. London: Routledge, 2012. Barakat, Rana. "Writing/ Righting Palestine studies: Settler Colonialism, Indigenous Sovereignty and Resisting the Ghost(s) of History." Settler Colonial Studies. vol. 8, no. 3 (2017). Bell, David. The First Total War: Napoleon’s Europe and the Birth of Warfare as We Know it. New York/ Boston: Houghton Miflin Company, 2010. Bober, Arie (ed.). The Other Israel: The Radical Case Against Zionism. Garden City, NY: Anchor Books, 1972. Boltanski, Luc. La souffrance à distance. Paris: Métailié, 1993. Bourdieu, Pierre & Loïc Wacquant. Réponses. Paris: Seuil, 1992. Bourdieu, Pierre & Luc Boltanski. "La production de l’idéologie dominante." Actes de la recherche en sciences sociales. vol. 2, no. 2–3 (1976).
Bourdieu, Pierre. "Le champ scientifique." Actes de la recherche en sciences sociales. vol. 2, no. 2–3 (1976). ________. "Les modes de domination." Actes de la recherche en sciences sociales. vol. 2, no. 2–3 (1976). ________. La distinction: Critique sociale du jugement. Paris: Minuit, 1979. ________. Homo Academicus. Paris: Minuit, 1984. ________. La distinction. Paris: Minuit, 1984. ________. Questions de sociologie. Paris: Minuit, 1989. ________. La noblesse d’Etat: Grandes écoles et esprit de corps. Paris: Minuit, 1992. ________. "Esprits d’État: Genèse et structure du champ bureaucratique." Actes de la recherche en sciences sociales. vol. 96–97 (Mars 1993). ________. Méditations pascaliennes. Paris: Seuil, 1997. ________. Les structures sociales de l’économie. Paris: Seuil, 2000. ________. Langage et pouvoir symbolique. Paris: Seuil, 2001. ________. Interventions (1961–2001): Sciences sociales et action politique. Marseille: Agone; Montréal: Comeau & Nadeau, 2002. ________. Sur l’État: Cours au Collège de France (1989–1992). Paris: Seuil; Raisons d’agir, 2012. ________. La misère du monde: Essais. Paris: Points, 2015 [1993]. Cohen, Einat Bar–On. "Globalization of the War on Violence: Israeli Close–combat, Krav Maga and Sudden Alterations in Intensity." Social Anthropology. vol. 18, no. 3
Davis, Uri. Israel, Utopia Incorporated: A Study of Class, State, and Corporate Kin Control. London: Zed Press, 1977. ________. Apartheid Israel, Possibilities for the Struggle Within. London/ New York: Zed Books, 2003. Deleuze, Gilles. Les Indiens de Palestine Paru dans le recueil Deux régimes de fous. Paris: Minuit, 1983. Ferro, Marc (dir.). Le livre noir du colonialisme. Paris: Robert Laffont, 2003. Foucault, Michel. L’Archéologie du savoir. Paris: Gallimard, 1969. ________. Surveiller et Punir: Naissance de la prison. Paris: Gallimard, 1975. ________. Dits et écrits (1954–1988), tome II: 1970–1975. Daniel Defert, François Ewald & Jacques Lagrange (dir.). Paris: Gallimard, 1978. Frantz, Fanon. Les damnés de la terre. Paris: Gallimard, 1991. Go, Julian. "The 'New' Sociology of Empire and Colonialism." Sociology Compass. vol. 3, no. 5 (2009). ________. "For a Postcolonial Sociology." Theory and Society. vol. 42, no. 1 (2013). Grandmaison, Olivier Le Cour. Coloniser, exterminer, sur la guerre et l’état colonial.
Paris: Fayard, 2005. Gribaudi, Gabriella. Guerra Totale: Tra bombe alleate e violenze naziste: Napoli e il fronte meridionale, 1940–44. Torino: Bollati Boringhieri, 2005. Guiomar, Jean–Yves. L’Invention de la guerre totale. Paris: Le Félin, 2004. Hanafi, Sari & Linda Taber. "Spatio–cide, réfugiés, crise de l’État–nation." Multitudes. vol. 4, no. 18 (2004). Jamil, Hilal. "Imperialism and Settler–Colonialism in West Asia: Israel and the Arab Palestinian Struggle." Utafiti. vol. 1, no. 1 (1976). Kayyali, Abdul–Wahhab (ed.). Zionism, Imperialism, and Racism. London: Croom Helm, 1979. Kervégan, Jean–François. Que faire de Carl Schmitt? Paris: Gallimard, 2011. Khalidi, Rashid. The Hundred Years’ War on Palestine: A History of Settler Colonialism and Resistance, 1917–2017. New York: Metropolitan Books, 2020. Kimmerling, Baruch. Politicide: Les guerres d’Ariel Sharon contre les Palestiniens. Paris: Éditions Agnès Viénot, 2003. Labica, Georges. Théorie de la violence. Paris: Vrin; Napoli: La Citta del Sol, 2008. Lévi–Strauss, Claude. La Pensée sauvage. Paris: Pocket, 1990 [Paris: Plon, 1962]. Mansour, Sylvie. "La génération de l’Intifada." Cultures & Conflits. vol. 2, no. 18
Martin, Jean–Clément. "Révolution française et ‘violence totale’." Inflexions. vol. 31, no. 1 (2016). Masalha, Nur. The Palestine Nakba: Decolonising History, Narrating the Subaltern, Reclaiming Memory. London/ New York: Zed Books, 2012. ________. The Zionist Bible: Biblical Precedent, Colonialism and the Erasure of Memory. Durham: Acumen, 2013. Mauss, Marcel. Essai sur le don: Forme et raison de l’échange dans les sociétés archaïques. Paris: PUF, 2007. Memmi, Albert. Portrait du colonisé. Paris: Payot, 1973. Mikdashi, Maya. "What is Settler Colonialism? (For Leo Delano Ames Jr.)." American Indian Culture & Research Journal. vol. 37, no. 2 (2013). Ophir, Adi, Michal Givoni & Sari Hanafi (eds.). The Power of Inclusive Exclusion: Anatomy of Israeli Rule in the Occupied Palestinian Territories. New York: Zone Books, 2009. Raz–Krakotzkin, Amnon. Exil et souveraineté: Judaïsme, sionisme et pensée binationale. Paris: La Fabrique, 2007. Rochlitz, Rainer (dir.). Walter Benjamin: Critique philosophique de l’art. Paris: Gallimard, 2000 [1921]. Rodinson, Maxime. "Israël, fait colonial?" Les Temps modernes. vol. 22, no. 253 (1967). ________. Peuple juif ou problème juif? Paris: François Maspero, 1981.
Rouhana, Nadim N. & Areej Sabbagh–Khoury. "Settler–colonial Citizenship: Conceptualizing the Relationship between Israel and its Palestinian Citizens." S ettler Colonial Studies. vol. 5, no. 3 (2015). Sabbagh–Khoury, Areej. "Tracing Settler Colonialism: A Genealogy of a Paradigm in the Sociology of Knowledge Production in Israel." Politics & Society (2021). Said, Edward. The Question of Palestine. New York: Times Books, 1979. Sand, Shlomo. Comment le peuple juif fut inventé: De la Bible au sionisme. Paris: Fayard, 2008. Sayegh, Fayez. Zionist Colonialism in Palestine. Beirut: The Palestine Liberation Organization Research Center, 1965. Shalhoub–Kevorkian, Nadera. Militarization and Violence against Women in Conflict Zones: A Palestinian Case–study. Cambridge: Cambridge University Press, 2009. ________. "Human Suffering in Colonial Contexts: Reflections from Palestine." Settler Colonial Studies. no. 4, no. 3 (2014). Shanker, Israel & Shanker Mary (eds.). As Good as Golda: The Warmth and Wisdom of Israel’s Prime Minister. New York: McCall, 1970. Shihade, Magid. "Settler Colonialism and Conflict: The Israeli State and Its Palestinian Subjects." Settler Colonial Studies. vol. 2, no. 1 (2012). Smith, Anthony D. Chosen Peoples: Sacred Sources of National Identity. Oxford: Oxford University Press, 2003. Sommier, Isabelle. "Du ‘terrorisme’ comme violence totale?" Revue internationale des sciences sociales. vol. 4, no. 174 (2002). Sudhir, Chandra (ed.). Violence–Nonviolence across Time: History, Religion and Cultures. London: Routledge, 2018. Veracini, Lorenzo. Settler Colonialism: A Theoretical Overview. New York: Palgrave Macmillan, 2010. Wallerstein, Immanuel. L’universalisme européen: De la colonisation au droit d’ingérence. Paris: Demopolis, 2008. Weber, Max. Le savant et le politique. Julien Freund (trad.). Paris: Plon, 1959. Wolfe, Patrick. Settler Colonialism and the Transformation of Anthropology: The Politics and Poetics of an Ethnograph Event. London: Cassell, 1999. ________. "Settler Colonialism and the Elimination of the Native." Journal of Genocide Research. vol. 8, no. 4 (2006). Zreik, Raef. "When Does a Settler Become a Native? (With Apologies to Mamdani)." Constellations. vol. 23, no. 3 (2016). Zureik, Elia. The Palestinians in Israel: A Study in Internal Colonialism. London: Routledge & Kegan Paul, 1979. ________. Israel’s Colonial Project in Palestine: Brutal Pursuit. Routledge Studies on the Arab–Israeli Conflict. Abingdon: Routledge, 2015.