العودة إلى تفاصيل المؤلَّف نوعان من البشر: تشريح العنصرية العادية

نوعان من البشر: تشريح العنصرية العادية

The Two Human Species: An Autopsy of Ordinary Racism

محمد مزيان| Mohammed Meziane *

الملخّص

عنوان الكتاب : نوعان من البشر: تشريح العنصرية العادية . عنوان الكتاب في لغته : Les deux espèces humaines: Autopsie du racisme ordinaire . المؤلف : دوني بلوندان Denis Blondin. ترجمة : عاطف المولى. الناشر : الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. سنة النشر : 2020. عدد الصفحات : 296 صفحة.

Abstract

Book Title : Les deux espèces humaines: Autopsie du racisme ordinaire . Author : Denis Blondin. Translation : Atif Mawla. Publisher : Doha/ Beirut: Arab Center for Research and Policy Studies. Date of Publication : 2020. Pages : 296.

الكلمات المفتاحية:
  • العنصرية
  • التفرقة العنصرية
  • السلالات البشرية
  • الأنساب والأعراق
  • الجماعات العرقية
Keywords:
  • Racism
  • Racial Discrimination
  • Ancestry and Ethnicities
  • Ethnic Groups

عنوان الكتاب:

نوعان من البشر: تشريح العنصرية العادية.

المؤلف:

دوني بلوندان Denis Blondin. ترجمة:

عاطف المولى. الناشر: سنة النشر: عدد الصفحات:

296 صفحة.

. Les deux espèces humaines: Autopsie du racisme ordinaire عنوان الكتاب في لغته:

الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

Professor of Contemporary History at School of Humanities and Social Sciences at Ibn Tufail University, Morocco. Email: profmezian@gmail.com

مقدمة

تشكّل العنصرية، بمختلف أنواعها وأشكالها، موضوعًا لدراسات أكاديمية

من تخصصات متنوعة ومتقاطعة، بهدف إبراز تجلياتها ومسارها التاريخي والسياسي ووقعها النفسي والاجتماعي ورموزها الأنثروبولوجية، وإظهار تغلغلها في العقلية الغربية وفي الخطاب السياسي والاجتماعي؛ إذ تعددت الدراسات التي استندت إلى تحليل بنية العلاقة بين الغرب والآخر وتفكيكها، مرتكزة على ثنائية "الأنا" و"الآخر"، وعلى جدلية "الأصلي" و"الوافد"، و"المحلي" و"الوطني" أو "الكوني"، وعلى الثقافات المحلية والعالمية، وغيرها من المرتكزات والتعابير الثقافية التي تكرّس التمايز بين البشر، عن وعي، أو عن

غير وعي، كما تكرّس النظرة الاستعلائية لطرف

ما تجاه طرف آخر. طرحت العنصرية إشكاليات عديدة من قبيل ما يلي: كيف ينظر الغرب إلى الإنسانية بوجه عام؟ وما محددات النظرة الغربية إلى الآخر المخالف له في الدين والعرق واللغة والأطر الثقافية؟ لقد أنتجت العنصرية خطابًا غربيًا عن حقوق الإنسان

والديمقراطية والمقاومة الجندرية والهويات واختلاف الثقافات، وأنتجت، في المقابل، ا للخطاب السابق يسعى لإبراز ذاته خطابًا مضاد

وتوضيح المناطق الحدودية حيث تتصل الثقافات والمواقف وتنفصل. ففي مجال اجتماعي، يتواصل فيه إعلان موت الأيديولوجيات، يبقى الخط الفاصل بين أنصار العنصرية وأعدائها هو ذلك الانشطار الذي يفصل بين رؤى كونية متعارضة داخل مجموعات من الأشخاص الذين يملكون قواسم مشتركة تشكّل ثقافتهم. وفق هذا السياق، يأتي كتاب الباحث الكندي دوني بلوندان نوعان من البشر: تشريح العنصرية العادية. وقد اعتمد المؤلِّف على هندسة بنائية في

كتابه، فقسّمه إلى ثمانية فصول، فضلً عن مقدمة

وخاتمة، سعى من خلالها لتحليل فكرة تغلغل العنصرية والخطاب العنصري في الممارسة الغربية بأنماط متعددة، وتشريح التصور الغربي للعالم، عاملً على إبراز وعي ليس كوني ا فقط،

ا بالمعنى الذي عمل فيه الغرب على أو إنسانوي تطبيق هذه الفلسفة الأخلاقية في علاقاته بالنوع البشري الآخر، بل هو وعيٌ مرجعه الإنسان العاقل

sapiens Homo؛ أي إنه مؤسس على جماعتنا الحيوانية: الوعي بانتماء جميع البشر إلى النوع الواحد: الإنسان العاقل (ص. 9)

هندسة الكتاب وأفكاره الرئيسة

يسلّط الفصل الأول "رجل الشيربا المغمور" الضوء على تغييب مجهود الدليل النيبالي تنسنغ نورفاي Tensing Norvay الذي رافق متسلق الجبال إدموند هيلاري Edmund Hillary عند بلوغه قمة إفرست عام 1953، فخلّد التاريخ قدرة المتسلق النيوزيلندي الأصل وشجاعته، في حين أُهمل النيبالي رغم أنه لا  يقلّ شجاعة عن المتسلق هيلاري. وهنا يتساءل المؤلِّف عن عدد المناجم والشلالات وغيرها التي اكتشفها الغربيون بمساعدة أشخاص "من النوع الآخر"، وهو أمرٌ يبرز لامساواة عميقة بين الرجل الغربي

والرجل المغاير له؛ ما يكرّس العبودية وأسطورة

الفردانية وسيطرة الغربي على عالم يتضمن بشرًا

من النوع الآخر. يشير المؤلِّف كذلك إلى أنّ الإعلانات الاحتفالية كانت بمنزلة "مشرط" استُخدم لتقطيع الإنسانية إلى اثنين؛ لهذا فالتناقض واضح بين الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان والمواطن عام 1789

وبَين انخراط المواطنين الفرنسيين في عملية بيع وشراء العبيد في المستعمرات، لوجود اعتقاد في اختلاف مفهوم الإنسان عن مفهوم المواطن. لذلك، يدعو الكتاب إلى البحث عن جذور العنصرية بوصفها منظومة أيديولوجية، في الإعلانات النبيلة والكبرى عن حقوق الإنسانية، وليست في مؤسسات مثل العبودية أو الحرب؛ فيطرح تساؤلً عميقًا يتمحور حول كيفية فهم امتناعنا عن إدراك الإنسانية الراهنة باعتبارها مجتمعًا واحدًا، وإصرارنا على أن نبني بإسهاب وإطناب صورة عن إنسانيتين متوازيتين. إنه سؤال مركزي شكّل أطروحة الكتاب المركزية انطلاقًا من تحليل الكتب والبرامج المدرسية في مقاطعة كيبيك الكندية؛ لأثرها الواضح في تقديم رواية مُركزة عن الثقافة الغربية، وباعتبارها مشكلة لدعامات الثقافة الغربية وعاكسة للإجماع الاجتماعي. والحال أن بنية البرنامج نفسها تنطلق من الفصل بين النوعين الإنسانيين: الإنسانية التاريخية "نحن" والإنسانية الجغرافية "الآخرون". ويناقش الفصل الحاجز الذهني بين الإنسان التاريخي والإنسان الجغرافي، والحدود الصادمة بين النوعين حين تؤكد كتب التاريخ العامّ سلسلة النسب والإنسانية البيضاء، وأثناء كل مرحلة تطورية، حيث يجري تقطيع الغرب على نحو يحافظ فيه على هوية النوع المتطور. أما النوع الإنساني الآخر، فيبقى محصورًا في منطقة الظلام خارج حدود الإمبراطورية الرومانية، وهو العالم الثالث اليوم. يستند المؤلِّف في الفصل الثاني "لوسي القردة" إلى مجموعة من المعطيات الأركيولوجية والأحفوريات؛ مثل اكتشاف هيكل عظمي أكثر اكتمالً، عام 1974، للإنسان القديم

المعروف ب "أسترالوبيثيكوس أفارينسيس"

afarensis Australopithecus، وحديثه عن

الإنسان الماهر والإنسان المنتصب، إنسان جاوة Man Java، في مسيرة التطور، وتشريح العلامات الفارقة وشبكة الرموز التي أنتجتها الإنسانية. لكنه يؤكد بقوة أنّ ذلك لم يكن ليجري من دون تواصل واتصال رمزي. وهنا يطرح المؤلِّف سؤالً مؤرقًا: أنتحدث عن الجنس البشري أم العرق البشري؟ إنه الإشكال الذي انبنى عليه ما تبقى من عناصر هذا الفصل؛ لهذا عزز أطروحاته بمناقشة كتابات كلود ليفي ستراوس Claude Lévi–Strauss –1908(2009)، ونصوص فولتير Voltaire (1778–1694)،

Jean–Jacques Rousseau وجان جاك روسو

(1778–1712)، والأبحاث البيولوجية، وغيرها من الدراسات، لتأكيد أن البشر الأوائل كانوا يفكرون مثل الغرب، وأنه لا يمكن الحديث عن تطور أو ارتقاء من داخل النوع الإنساني. لهذا، اعتبر أن الأمر غير دقيق، وأقرّ بوجود خلط منهجي

بين مختلف مستويات التصنيف (نوع، جنس، عرق... إلخ)، في حين تُقرّ العلوم البيولوجية أن

البشر – بالمعنى البيولوجي – يشكلون نوعًا واحدًا، على الرغم من إصرار الثقافة الغربية على أن تُفصّل

.ذهني ا البشر إلى أعراق من ناحية أخرى، يناقش الفصل الثالث "انحراف القارات" مسألة توظيف الجغرافيا لتأكيد الفوارق بين البشر؛ فالفرق واضح بين قارات الجغرافيا وقارات التاريخ، كما أنه لا يمكنها أن توفر أرضية صلبة لبناء الحضارات الإنسانية. فالمشكلة الدائمة للجغرافيا هي أنها متراكبة الأبعاد الطبيعية والسياسية؛ ذلك أن الكيانات السياسية تعتبر نفسها ظواهر طبيعية من اللحظة التي اختارت فيها الخرائطية وسيلةَ تبريرٍ؛ أي من لحظة انتقال الشقوق الاجتماعية من صلة الدم في النظام

القديم إلى الحدود الإقليمية في المنظومة العالمية الجديدة. ويؤكد المؤلِّف إصرار العقل الغربي على تعريف القارة الأوروبية بأنها قارة من أجل إيجاد أساس للتمايز الاجتماعي، وهو ما يسهل الانتقال من السوسيولوجي إلى البيولوجي. والواقع أن الدراسات المهتمة بعلم الوراثة أكدت أن الأعراق البشرية لم تكن موجودة بصفتها أصنافًا طبيعية يمكن تحديدها بيولوجيا، مع اختلافاتها الظاهرة. لكن في ما يخص تقسيم البشرية إلى

كيانات عرقية، أُلقيت "الكرة" في "ملعب" علوم المجتمع  (ص. 91)، وهو ما أوقع  الممارسة العملية في تناقضات عديدة على مستوى القوانين والإجراءات. ويقدم المؤلِّف مثالً دال على ذلك لً في مسألة الخلاسيين في الولايات المتحدة متمث الأميركية وهايتي؛ ما يعني أن التمايزات لم توفر سوى حجة لصناعة الأعراق، وأن الحدود الفاصلة هي حدود اعتباطية مثل الحدود الفاصلة بين القارات. يُستهل الفصل الرابع "كورتيز والآزتك" بتأكيد أنّ النوعين البشريين يشكلان صورًا تتقابل في كل نقطة تقابلً تاماًّا، وأنهم على الرغم من انعدام علاقات تناظرية في ما بينهما ا من حيث انعدامًا كلي

اشتغال النظام – العالم، فإن صورهما لا تعدم أن تقدّم انعكاسات مقلوبة تعبّر عن نفسها بواسطة

ما لا يحصى من الأزواج الدلالية: أبيض/ ملوّن،

تطور/ تكيّف، تاريخ/ جغرافيا، متحضر/ بدائي،

نموّ/ تخلّف، تقدّم/ جمود، تقنية/ فنّ، علم/

سحر، عقلاني/ لاعقلاني... إلخ. وهو يعتبر، أيضًا، أن الفردانية تشتغل بالتناسب مع النسق العام للتصورات الغربية، وهي تساهم في الفصل بين النوعين البشريين وفي تحويلهما إلى كيانات من طبيعة بيولوجية. بَيد أن التصور الذهني الغربي

يقدّم الإنسان الغربي على أنه صانع للتاريخ؛ ومثال ذلك فكرة انتصار كورتيز على الآزتك الذين نظروا إلى الإسبان نظرتهم إلى آلهة "بيض". ا الواضح أن الثقافات الغربية اعتمدت تصورًا رمزي

للفردانية، باعتبارها أيديولوجيا غايتها تحقيق استعمالات عدة، وليس فقط أن تكون داعمة للنظام العرقي. إنها أساس الليبرالية الاقتصادية والرأسمالية والديمقراطية، ولكنها في الوقت نفسه تشتغل بالتناسب مع النسق العامّ لتصوراتنا، كما تساهم في الفصل بين النوعين البشريين وفي تحويلهما إلى كيانات من طبيعة بيولوجية (ص. 114). وبناءً عليه، يساهم الخطاب الفردي

في الغرب في مأسسة فرق طبيعي بين ال "نحن" وال "هم" (ص. 134) يدعو الفصل الخامس "النظريات ذات الوجهين" إلى إعادة النظر في المنطق الذي يحكم التصور الغربي للعالم، مع التشديد على وجود مجموعة تناقضات رئيسة وطويلة داخل النظام نفسه، لكنها بليغة. بيد أن اللافت للانتباه هو أن الغرب ينظر إلى هذه التناقضات على أنها بسيطة، وهو ما يدفعه إلى طرح تساؤل حول مسألة التطور والتخلف:   ألا يجدر أولًالنظر إلى النوعين البشريين المتعلقين بهذين المفهومين على أنهما يشكلان حقائق متميزة لا يمكن تفسيرها من خلال الرجوع إلى الأسباب أو النماذج نفسها؟

(((سبق لتزفتان تودوروف أن انتقد المركزية الإثنومركزية التي تمثّل لحظة قهر اجتماعي وميكانيزمات قهر الآخر، وقد عمل

على استنطاق النصوص ليكشف عن إيديولوجية القاهر ورؤية المقهور ومنظورهما إلى العالم. وعلى عكس ما روّجت له

الإمبريالية الأوروبية، يكشف أن حضارة الآخر لم تكن أقلّ غنى من حضارة الغزاة. وهو يعتبر أن الآخرين "أنوات" أيضًا: "إنهم

ذوات، شأنهم في ذلك شأني". يُنظر: تزفتان تودوروف، فتح

أمريكا: مسألة الآخر، ترجمة بشير السباعي (القاهرة: دار الثقافة الجديدة، 1992)، ص  VII.

من أجل اكتشاف نظام التناقضات بين الخطابين يجب اعتبار مجمل البشر حقيقة واحدة، وكائنات من الطبيعة نفسها. فإلى جانب مبدأ التطور والارتقاء، يطرح المؤلِّف

مبدأً آخر هو مبدأ التكيّف؛ إذ قدّم الكتاب عدة

أمثلة متعلّقة بالنظرة المزدوجة للتكيّف. فما يعتبره

الغرب بيئة مواتية له للإنتاج والتقدم، يقدّم تفسيرًا

مخالفًا له لدى الآخر على أنه معاكس ومعرقل للتطور. فاعتبار البيئة الأميركية الشمالية مواتية الآن، وأنها كانت عدائية قبل وصول الأوروبيين لَهُو تناقضٌ أكيد (ص. 145). يُفسر الفصل نظرية أرنولد توينبي Arnold Toynbee (1889–1975) القائمة على قاعدة التفاعلات بين البيئة والجماعات البشرية بأن يدمج فيها العنصر العرقي. ويتلخص مبدؤه التفسيري في مقولة التحدي. ومن خلال ذلك، يستطيع الباحث متابعة "اللعبة" البارعة لبناء هويات   ال "نحن"،   وال "هم"، ووضع جميع العناصر المعرفية التي تركّب نظام المتعارضات الطبيعية بين النوعين البشريين، وصياغة برنامج يهدف إلى تجميع التناقضات بين ال  "نحن" و"الآخرين". ويناقش كذلك نظرية العزلة؛ سواء كان ذلك بسبب النظام الاستعماري، أو العوامل الطبيعية أو السكانية، أو الدين، أو البنى العائلية، وكيفية نظرته إليها بمعيار مختلف، حين تُمدح العزلة، مثلً، عندما يتعلق  الأمر ببريطانيا واليابان، ثمّ كيف أنّ هذه العزلة تصبح مقيتة من خلال التجربة الإندونيسية أو الكوبية. لهذا، يدعو الكتاب إلى نقاش هادئ بين مؤيدي العنصرية والرافضين لها؛ من أجل إعادة بناء نظام التصورات الغربية، وصياغة خطاب متماسك عن المجتمعات الإنسانية.

يكشف الفصل السادس "الرواية الرسمية" أن النظام المعرفي الغربي مشترك بين مناصري العنصرية وخصومه، ويرى أنّ لعبة التفسيرات أو النظريات تبقى غير مفهومة من دون العودة إلى التركيبة الأخلاقية للخطابات، وأنّ ثمة حوارًا هادئًا يجري باستمرار بين القلب والعقل، وبين العلم والفكر. فالحوار ممتد بين العلم والأخلاق حول الإنسانية لكشف آلية عمل النظام المعرفي الغربي ومستوياته، لكنه لا يخلو من جدال؛ ذلك أن خضوع العلم لمصلحة الأخلاقيات يخرج بوضوح من بنية البرامج المدرسية حيث الإدانة المعلنة للعنصرية تتعايش مع نظام معرفي مبني على مسلمة ضمنية عن وجود اختلاف طبيعي بين النوعين البشريين. السؤال المطروح هو: كيف يمكن أن نكون متساوين وغير متساوين في آن واحد انطلاقًا من نصوص منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) UNESCO التي حاولت المزاوجة بين العلم والأخلاقيات وتجاوز الالتباس في الاستخدامات المعيارية والمعرفية لمفهوم المساواة؟ إنّ العالم وفق اليونسكو، ووفق الكتب المدرسية، ووفق العلم الرسمي مبنيٌّ

على قاعدة إعلان أخلاقي، إعلان المساواة بين البشر، لكنه يوضع موضع التنفيذ على أنه أنواع بشرية منفصلة، مختلفة بطبيعتها وتفسرها نظريات متناقضة: إنه منطق العنصرية (ص. 168). تبقى النظرية التطورية قائمة لتبرير المركزية الأوروبية نظرًا إلى تجذّرها في المجالات العلمية.

صحيح أنّ هناك تطورًا، لكن يجب تجاوز حالة السيطرة وعلاقات القوة، وتأكيد وجود مجتمعات مستقلة أثناء الحديث عن عملية إلغاء الاستعمار والتغيرات التاريخية الأخرى التي قادت الشعوب المستعمرة قديمًا إلى استعادة سيادتها، ليؤكد على

وجود مجتمعات منفصلة وغير متساوية من حيث التقدم. لهذا، يستحضر نظرية تنمية التخلف عند والت ويتمان روستو Rostow Whitman Walt، واختلافها عن النزعة التطورية الارتقائية خلال القرن التاسع عشر. يعبّر المؤلِّف في الفصل السابع، "القلب

وما  يشير إليه"، عن حيرته في الاختيار بين حكم العقل ومَيل القلب في ما يخص علاقة

ال "نحن" بالآخرين للفصل بين النوع التاريخي والنوع الجغرافي؛ فالتجارب العلمية لا تكفي لإنهاء الاستخدام الاجتماعي لمقولة العرق، أو العنصري، والبيانات الأخلاقية وحدها لا تكفي، أيضًا، لإعادة التوازن الأخلاقي، وإعادة تنظيم

البنى المعرفية. لهذا، يحاول المؤلِّف أن يجد التوازن المفقود بين النظام المعياري والنظام المعرفي، بين التصريحات الرسمية والمشاعر المزعجة، رغم تأكيدات إعلانات اليونسكو التي تدين العنصرية، إلا أنها تظهر أن الحقيقة العلمية والأخلاق يسيران جنبًا إلى جنب، في

حين أن الوقائع تثبت عكس ذلك. في المقابل أنتجت العلوم الإنسانية مجموعة من الخطابات بقي معظمها داخل ثوابت البرَدايم الغربي، لكنْ

قاد بعضها أيضًا إلى تكون نماذج ونظريات عن

التخلف تأخذ في الحسبان البنى الاجتماعية للنظام – العالم (ص. 202). والواضح أنّ هناك تكييفًا وقولبة للخطاب الاجتماعي وفق أنموذج بيولوجي يجعل من العرق الأبيض مرتكزه ومنطلق ثوراته الصناعية والرأسمالية وسيطرته العالمية. النمط التفسيري الحالي هو ما يرتكز على تعصب مذهل، لأنه يتجاهل جميع العناصر الخارجية في تطور أوروبا، وهو أمرٌ يدعو الغرب إلى إعادة

النظر في شبكة التصورات وبنيتها، ويجب كذلك إعادة النظر في مسألة الهوية والوعي بوجود نسبية ثقافية تفرض احترام الاختلافات الثقافية بين الطبقات الاجتماعية والمناطق. فلن تكون

هناك قيم عمومية كونية إلا إذا تأسست داخل بنية اجتماعية عمومية كونية. يدعو المؤلِّف في الفصل الثامن "مبادئ أولية لصوغِ أنثروبولوجيا الإنسان العاقل" إلى صياغة أنثروبولوجيا الإنسان العاقل بالنظر إلى وجود ثوابت بيولوجية وكلّيات ثقافية، تنطلق من مبدأ متجلٍّ في أن الحامل البيولوجي للبشرية هو ثابت في الزمن البشري وفي الفضاء الاجتماعي، وليس متغيرًا. لهذا، تتمحور فكرة المؤلِّف حول

الدعوة إلى اعتماد أنثروبولوجيا تمتح من نظرتها إلى مجمل الكائنات البشرية نظرة واحدة؛ ويكون ذلك بتحديد ما يميزها، أكثر من تقسيم العمل بين المؤرخين وعلماء الجغرافيا، بين علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا، بين علماء الطب النفسي وطبّ الأعراق النفسي، وهو ما يطرح العديد

من الإشكالات على مستوى التطبيق والممارسة الميدانية في ظل غياب تحديد واضح للثوابت البيولوجية وللكلّيات الثقافية ومجالات تدّخلها. من أجل تجاوز الإشكاليات المطروحة في متن الكتاب وفي ممارسة الأنثروبولوجية، وضع المؤلِّف مرجعيات بشرية مشتركة تمثلت في اللغة والفكر وعلم السحر وتأنيس البشر وتشبيك الثقافات والبنى الأولية للعبودية، وقدّم تصوره لكل عنصر من هذه العناصر.

ملاحظات نقدية

بعد أن عرضنا محتوى الكتاب عرضًا مختصرًا،

نُبدي الملاحظات التالية. أولً، قام المؤلِّف بحفر معرفي لإبراز ما يمكن أن نسميه "مكر الأنثروبولوجيا"، والوقوف على البنية العميقة المتحكمة في بلورة صورة عن الآخر، فالكتاب يدين ضمني ا توظيف الاستعمار

للأنثروبولوجيا، خاصة بعد أن أشار أنثروبولوجيّو

الاستعمار إلى نوع من الاحتكاك الثقافي، في حين يجري التركيز على عالمية التغير الاجتماعي وطبيعته؛ ومن ثمّ فإن الصراعات والتمزقات ليست أمورًا مستحدثة. ويكشف الكتاب، كذلك، أن الجدال بين أنصار العنصرية وخصومها هو اختلاف في القيم. ويبيّن أن التفوق العرقي ليس سوى

تسمية عنصرية لعبقرية الغرب المسماة غالبًا ذكاءً

أو دينامية يمررها بعض مؤلفي الكتب المدرسية، من دون أن يروا في ذلك أدنى فهمٍ عنصري. ثانيًا،   ثمّة ما يبرر استعمال المؤلِّف المكثف

للتاريخ؛ من جهة إبراز كيفية توظيف الأحداث التاريخية لمصلحة القوى الغربية وجعلها مفسرة لكل تطور. فالغرب اخترع كل شيء، الاضطهاد والديمقراطية، وجلب كل شيء للعالم، الطغيان والحرية في آن واحد، وكل شيء خارج الفضاء الغربي هو مأساة ومجاعة ومرضٌ وجهلٌ. والجلي أن هذه الفكرة حمالة أوجه، ذلك أن بروز أوروبا عبر مراحل تاريخية متعددة مكّنها من إشاعة نُظمها الفكرية والثقافية والسياسية والاقتصادية، واختُزِل العالم في المقابل لكي يخضع لها؛ تحقيقًا لفكرة واحدة هي: بناء هوية أوروبا، وتعميم قيمها على العالم ومن أجل أن يتحقّق ذلك، يلزم الإجهاز على المكوِّنات الحضارية

القائمة في العالم. وإذا تعذّر ذلك، فإنها تُختزلُ إلى أنماط معرقلة لعلاقات جديدة تهدف إلى وحدة الإنسان والتاريخ.

(((جيرار لكلرك، الأنتروبولوجيا والاستعمار، ترجمة جورج كتورة (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، 1982)، ص.122 (((بشأن هذا النقاش، يُنظر: عبد  الله إبراهيم، المركزية الغربية:

إشكالية التكون والتمركز حول الذات (بيروت: المركز الثقافي العربي.)1997

عمومًا، ينسجم طرح المؤلِّف مع ما  ذهب إليه بعض المفكرين من العرب حين القول إنّ ا فحواه المركزية الغربية أنتجت خطابًا عنصري

تملّك الآخر لدونيته؛ فهو لم يضع غير الغربيين في مستوى رتبة الغربيين، بل حُجزوا في مرتبة

التابع، وسعى ذلك الخطاب لتثبيت صور راكدة للمجتمعات المستعمَرة، وروّج فكرة

التبعيّة التي مفادها ألّ سبيل لبعث الحراك في

ركود المجتمعات الأصليّة إلّ باستعارة التجربة

الغربيّة في التقدّم. يعتبر الكتاب مساهمة حقيقية وجادّة في رصد ظاهرة العنصرية من الناحية الأنثروبولوجية، وفي تشريح بنية العقل الغربي في هذه النقطة تحديدًا، ويوجّه نقدًا مبطنًا للعلوم الاجتماعية والإنسانية

لعجزها عن إنتاج خطاب يركز على المشترك الإنساني وعلى القيم الكونية. لكن المؤلِّف عجز عن الإمساك بجميع عناصر هذا الموضوع المتعدد المداخل؛ إذ اكتفى بتشريح الظاهرة من دون تقديم اقتراحات بديلة من شأنها أن تساعد العلوم الاجتماعية على تناول الموضوع. علاوةً على ذلك، لم يتمكن من فصل الذات عن الموضوع؛ فغالبًا ما يوظف ضمير المتكلم

و"نون" الجماعة للحديث عن المجتمع الغربي، وهو ما يبرز الحجاب الشفاف بين العنصرية واللاعنصرية داخل العقل الغربي. وما يمكن أن يؤاخذ به المؤلِّف تغييبه للكتابات التي أنتجها الآخر غير الأوروبي – حتى لو كان ذلك في إشارات   مقتضبة – عن نفسه، وعن تطلعاته، وعن حضارته. ثمّ إنه لم يُشِر إلى أنّ الغرب نفسه يعيش على مجموعة من المتناقضات؛ مثل مشكلة الأقليات وما يرتبط بها من ظلم تاريخي

(((على سبيل المثال، ينظر: المرجع نفسه.

ومعارضة لتبني النماذج الغربية للفدرالية المتعددة القوميات. إن استحضار المؤلِّف مسألة العنصرية في الخطاب الغربي استحضارًا واعيًا يبرز النسيج

الثقافي والفكري الذي أنتج هذا الخطاب والمؤسسات الداعمة له، وهو ما يتجلى  في النقاش الدائر في الأوساط الأكاديمية الغربية وأوساط العالم الثالثية، من حيث خطورة هذا العنف والإقصاء الممارس داخل علاقة غير متساوية، وهو أمرٌ يدعو إلى التوجه نحو تعزيز

العمل الأخلاقي؛ لإعادة بناء علاقة متوازنة تعبّر

عنها الخطابات والرموز والمؤسسات والمواقف. نتطلع إلى أن تنتج دول العالم الثالث معرفة أنثروبولوجية وسياسية لتقديم نفسها، وأن تكون

(((ويل كيمليكا، ويل كيمليكا، أوديسا التعددية الثقافية: سبر

السياسات الدولية الجديدة في التنوع، سلسلة عالم المعرفة 378 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2011)، ص.32

المراجع

إبراهيم، عبد  الله. المركزية الغربية: إشكالية التكون والتمركز حول الذات. بيروت: المركز الثقافي العربي.1997 تودوروف، تزفتان. فتح أمريكا: مسألة الآخر. ترجمة بشير السباعي. القاهرة: دار الثقافة الجديدة، حمودي، عبد  الله. المسافة والتحليل: في صياغة أنثروبولوجيا عربية. الدار البيضاء: دار توبقال،.2019 ______. "الداخلي والخارجي في التنظير للظاهرة القبلية: خطوة في طريق تأسيس خطاب أنثروبولوجي مستقل". عمران. مج  5، العدد 19 (شتاء.)2017 كيمليكا، ويل. أوديسا التعددية الثقافية: سبر السياسات الدولية الجديدة في التنوع. سلسلة عالم المعرفة 378. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2011. لكلرك، جيرار. الأنتروبولوجيا والاستعمار. ترجمة جورج كتورة. بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، 1982.

قادرة على تجاوز حالة الركود والانحسار في مخرجات الدراسات الغربية. وقد برزت في الآونة الأخيرة مجهودات بعض الأنثروبولوجيين العرب من أمثال عبد الله حمودي في مشروعه المتعلّق بصياغة أنثروبولوجيا عربية؛ من خلال عملية إعادة البحث الأنثروبولوجي، وتحديد نقاط الالتقاء والانفصال بين خطابات الأنثروبولوجيا الكلاسيكية والكولونيالية، وبين وضعية الباحثين العرب وتطلعاتهم في ما يخص إعادة تركيب الميدان وتسخير ذلك الرصيد الموروث، بعد التمكن منه، إلى غاية تأزيمه. فليس الهدفُ إنتاجَ خطاب طوباوي، بل خلق حوار بين كل الأطراف، بعيدًا عن لغة السيطرة والهيمنة، على

نحو يكون ملائمًا للبيئة التي أُنتج فيها.

(((عبد  الله حمودي، المسافة والتحليل: في صياغة

أنثروبولوجيا عربية (الدار البيضاء: دار توبقال، 2019)؛ عبد الله حمودي، "الداخلي والخارجي في التنظير للظاهرة القبلية:

خطوة في طريق تأسيس خطاب أنثروبولوجي مستقل"، عمران، مج 5، العدد 19 (شتاء 2017)، ص.56–11

References