العودة إلى تفاصيل المؤلَّف إثنوغرافيا السلوك السياسي لتخوم إدلب الزراعية في انتفاضة 2011

إثنوغرافيا السلوك السياسي لتخوم إدلب الزراعية في انتفاضة 2011

Ethnography of the Political Behaviour of Idlib’s Agricultural Boundaries in the 2011 Uprising

نيروز ساتيك| Nerouz Satik *

الملخّص

تبحث هذه الدراسة في تفاعل المجتمع المحلي الزراعي في تخوم محافظة إدلب بسورية مع الحركة الاحتجاجية خلال انتفاضة عام 2011. وتستند إلى مفهوم رايموند وليامز للمجتمع المحلي الذي يرتكز على فكرة عدم قطع الجماعة المحلية مع ماضيها خلال تفاعلاتها الداخلية والخارجية. وتركّز على البعدين الاقتصادي - السياسي والاجتماعي لفهم سلوك المجتمعات المحلية في محافظة إدلب في مثل هذه السياقات. وبالنسبة إلى عصب الحياة الاجتماعية في تخوم إدلب الزراعية، فإنه يتشكل من عنصرين أساسيين هما الوجاهة السياسية وملكية الأرض. وبناء عليه، تجادل الدراسة بأن هذين العنصرين قد أدّيا، ببعدهما المعياري والاجتماعي ورهاناتهما السياقية المعقدة، دورًا في تحفيز التعبئة للانتفاضة أو معارضة ذلك أو اتخاذ موقف محايد.

Abstract

Abstract: This paper studies the interaction of the local agricultural community on boundaries of the Idlib Governorate, Syria, with the protest movement during the 2011 uprising. The research is based on Raymond Williams’ concept of the local community, which proposes that the local community cannot be severed from its past during its internal and external interactions. The study also focuses on the economic, political and social dimensions of understanding the behaviour of local communities in Idlib governorate in such contexts. The backbone of social life in the agricultural regions of Idlib is formed from two fundamental elements: political prestige and land ownership. The paper argues that these two elements, with their normative and social dimensions and complex contextual stakes, played a role in stimulating mobilization for, opposition to, or apathy towards the uprising.

الكلمات المفتاحية:
  • المجتمع المحلي
  • إدلب
  • الإصلاح الزراعي
  • الانتفاضة
Keywords:
  • Local Community
  • Idlib
  • Agrarian Reform
  • Uprising

ملخص: تبحث هذه الدراسة في تفاعل المجتمع المحلي الزراعي في تخوم محافظة إدلب

بسورية مع الحركة الاحتجاجية خلال انتفاضة عام 2011. وتستند إلى مفهوم رايموند وليامز

للمجتمع المحلي الذي يرتكز على فكرة عدم قطع الجماعة المحلية مع ماضيها خلال تفاعلاتها

الداخلية والخارجية. وتركّز على البعدين الاقتصادي – السياسي والاجتماعي لفهم سلوك

المجتمعات المحلية في محافظة إدلب في مثل هذه السياقات. وبالنسبة إلى عصب الحياة

الاجتماعية في تخوم إدلب الزراعية، فإنه يتشكل من عنصرين أساسيين هما الوجاهة السياسية

وملكية الأرض. وبناء عليه، تجادل الدراسة بأن هذين العنصرين قد أدّيا، ببعدهما المعياري

والاجتماعي ورهاناتهما السياقية المعقدة، دورًا في تحفيز التعبئة للانتفاضة أو معارضة ذلك

أو اتخاذ موقف محايد.

Abstract: This paper studies the interaction of the local agricultural community on boundaries of the Idlib Governorate, Syria, with the protest movement during the 2011 uprising. The research is based on Raymond Williams’ concept of the local community, which proposes that the local community cannot be severed from its past during its internal and external interactions. The study also focuses on the economic, political and social dimensions of understanding the behaviour of local communities in Idlib governorate in such contexts. The backbone of social life in the agricultural regions of Idlib is formed from two fundamental elements: political prestige and land ownership. The paper argues that these two elements, with their normative and social dimensions and complex contextual stakes, played a role in stimulating mobilization for, opposition to, or apathy towards the uprising.

PHD Candidate in Social Anthropology at the School of Global Studies, University of Sussex, UK. Email: satikn84@gmail.com

المعلومات وتدقيقها، وكذلك للدكتور سامر بكور لمراجعته الدراسة.

مقدمة

خلال سير الحياة اليومية الخاصة والعامة ومجرياتها الروتينية، قد لا تبرز على نحو واضح تعقيدات وحدّة نتائج مسارات التحولات الاجتماعية السارية في مفاصل المجتمع، لكنها في حالات محددة تخرج تناقضاتها من حيز التأقلم والتفاعل إلى حيز الصراع، خاصة في سياق الانتفاضات أو الثورات، حينها تتجلى المكونات السوسيولوجية والأنثروبولوجية لمجمل التناقضات، وخاصة حينما تجري مشاهدتها على مستوى محلي أو ميكروسوسيولوجي. ووفق هذا المبدأ، تبحث هذه الدراسة في الواقع الاجتماعي – السياسي في سورية قبل انتفاضة 15 آذار/ مارس 2011، وتمظهراته وتفاعلاته خلال فترة الاحتجاجات ذات الطابع السلمي فيها، وذلك بوضع الاحتجاجات في محافظة إدلب تحت المجهر الأنثروبولوجي للكشف عن القوى الاجتماعية التي نهضت بها. وفي هذا السياق، لا تركز الدراسة على الأعمال العسكرية بعد عام 2011، لأنها تعتبر أن تطور الأحداث نحو المواجهة المسلحة له دينامية مختلفة غيّرت شروط رهانات الاختيار بين الانضمام إلى الانتفاضة من عدمه. تهدف الدراسة إلى محاولة رصد قابلية بعض الفئات الاجتماعية للانتفاضة في المناطق الزراعية لمحافظة إدلب، في مقابل صمت بعضها الآخر أو وقوفها إلى جانب السلطة في سورية، مع تأويل دوافعها لعدم المشاركة. ولا بد من الإشارة إلى أن هذه الدراسة لا تبحث في أسباب الاحتجاجات في تخوم إدلب، فهذه لها دوافع سياسية ترتبط بعموم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في سورية، وإنما تحاول أن تفهم بعضًا من أشكال التعبئة للانتفاضة ومعوقات الانضمام إليها القائمة على خيارات مضادة. بعبارة أخرى، تبحث الدراسة في التعبئة للانتفاضة ومضاداتها في محافظة إدلب. تفترض الدراسة أن تاريخ ملكية الأراضي الزراعية قبل سيطرة حزب البعث على السلطة في عام 1963، واستمرار نشاط البنى الاجتماعية في التخوم الزراعية لمحافظة إدلب المتمثلة بما يسمى "الطايفة" أدّيا دورًا في التعبئة لانتفاضة 2011 في محافظة إدلب. "الطايفة"، من وجهة النظر الأنثروبولوجية، لا تحيل إلى المذهب أو العرق؛ فالمجتمع المعني هنا متجانس على كلا المستويين. والطايفة ليست القبيلة أو العشيرة، فلا تحكمها الأعراف القبلية أو العشائرية، وليس لها صلة مباشرة بالمجموعات القبلية. إنها مجموعة من العائلات المختلفة في الألقاب والكنى، قد تشترك مع بعضها في قرابة بعيدة أو قريبة وقد لا تشترك، ولكن ما يجمع شتاتها في طايفة واحدة هو التضامن المعنوي والفعلي تاريخيًا، وخاصة في المجال السياسي. وقد سبق للأنثروبولوجية ماري إيلين هيغلاند أن عرّفت هذه البنية

(((أحيانًا تشير الدراسة إلى الفترة المسلحة باقتضاب للتأكيد على أهمية فكرة ما فحسب. (((ساد في بداية البحث الميداني فكرة بأن الطايفة هي ذاتها العشيرة، وعند الرجوع إلى النسخة العربية من كتاب حنا بطاطو فاحو

سورية، فقد تعامل المترجمون مع مرادفات العشيرة بمصطلح آخر هو "الحمولة". ينظر: حنا بطاطو، فاحو سورية: أبناء وجهائهم

الريفيين الأقل شأنًا وسياساتهم، ترجمة عبد  الله فاضل ورائد النقشبندي، مراجعة ثائر ديب، سلسلة ترجمان (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2014)، الهامش رقم 85، ص 66. قد تكون "الطايفة" بنية تشبه "العروش" في الجزائر والمغرب أو شكلً آخر للحمولة يختلف في شكله من منطقة إلى أخرى في هوامش الشرق الأوسط.

الاجتماعية الطايفة، الموجودة في قرى شيراز في إيران بمسمى الطايفة ذاته، بأنها كيان اجتماعي ثقافي – سياسي، وذلك في دراسة سلوكها خلال الانتفاضة الإيرانية في عام 1979.

1. التفكير في هوامش الانتفاضة السورية

ركزت الأدبيات الأكاديمية في الحقل السوري على دراسة البنية التسلطية لنظام حزب البعث منذ سيطرته على السلطة في عام 1963 وعلى ركائزه الاجتماعية. وما ميز هذه الدراسات غالبًا هو تشديدها على الحياة السياسية، على حساب الأبعاد السوسيولوجية والأنثروبولوجية. غير أن مساهمة حنا بطاطو تتميز من غيرها من الأدبيات بتحليلها كيفية وصول حزب البعث إلى السلطة في سورية، ودراسة التحولات الاجتماعية والسياسية في البلاد إلى ما قبل عام 2000، انطلاقًا من دراسة إثنوغرافية واسعة للقواعد السوسيولوجية لحزب البعث وقوى السلطة الحاكمة. وإلى اليوم، وعلى الرغم من مجريات انتفاضة 2011 وما تلاها من حرب، ظلت أكثر الأدبيات الأكاديمية تركّز على سلطوية السلطة وطرق حكمها، مع عدم إعطاء أولوية لدراسة المجتمع السوري ذاته في خضمّ هذه الأحداث. وحتى الاهتمام البحثي للأميركية ليزا ويدين بالسلطوية في الشرق الأوسط في كتابها استيعابات سلطوية: الأيديولوجيا والحُكم والحداد في سوريةأعادها لتطوير مساهمتها في دراسة السلطوية في سورية فحسب، آخذة في الاعتبار تحوّل سورية من الاقتصاد الاشتراكي إلى اقتصاد السوق منذ عام 2005 والتحولات الاجتماعية والسياسية بعد انتفاضة 2011، وقد اقتصر مستوى المشاهدة على الانتقال من استخدام الخطابات والرموز في "السيطرة الغامضة" للاستبداد على المجتمع السوري، إلى الأيديولوجيا المتشابكة مع الفكاهة والشحنات العاطفية للسرديات المتناقضة، بقصد تشويش السوريين وإيقاعهم في حيرة من أمرهم حول صدقية الأخبار، ليتحولوا إلى

(((اطلع الباحث على هذا الكتاب خلال مرحلة التحرير العلمي للدراسة في شباط/ فبراير 2022، وقد كان التعريف الذي قدّمته

المؤلفة مطابقًا للتعريف الذي وضعه الباحث على الرغم من الاختلاف المذهبي بين المنطقتين المدروستين.

(4) Mary Elaine Hegland, Days of Revolution: Political Unrest in an Iranian Village (Stanford, CA: Stanford University Press, 2014), pp. 8–10.

(((على سبيل المثال:

Raymond Hinnebusch, Authoritarian Power and State Formation in Ba`thist Syria: Army, Party, and Peasant (Boulder, CO: Westview Press, 1990); Steven Heydemann, Authoritarianism in Syria: Institutions and Social Conflict 1946–1970 (Ithaca, NY/ London: Cornell University Press, 1999). (6) Lisa Wedeen, Ambiguities of Domination: Politics, Rhetoric, and Symbols in Contemporary Syria (Chicago/ London: The University of Chicago Press, 1999). (7) Hanna Batatu, Syria’s Peasantry: The Descendants of its Lesser Rural Notables, and their Politics (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1999). (8) Lisa Wedeen, Authoritarian Apprehensions: Ideology, Judgment, and Mourning in Syria (Chicago/ London: The University of Chicago Press, 2019). (9) Ibid., p. 2. (10) Wedeen, Ambiguities of Domination.

موقف المتشكك والمتفرج من/ على الأحداث، ومن ثم الحد من نشاطهم السياسي. ورغم ما مثّله هذا العمل من إضافة معرفية مهمة في حقل الدراسات السورية، فإن الغائب في هذا التحليل كان العنف بوصفه أداة متشابكة مع الأيديولوجيا، ودوره في تحديد سلوك السوريين تجاه العنف ومآلاته. أما  سلوى إسماعيل فقد التقطت هذه النقطة تحديدًا لتفكّر فيها في كتابها الحكم بالعنف: الذاتية، الذاكرة والحكومة في سورية، حيث تجادل بأن العنف كان الأداة الرئيسة للحكم، ليس بمعنى ممارسة العنف الجسدي الفردي فحسب، إنما بتكرار المجزرة تلو الأخرى والاعتقال السياسي، حتى أضحى ذلك جزءًا

من الذاكرة السورية، مشيرة إلى أن أحداث حماة عام 1982 رسّخت هذه الذاكرة في المجتمع السوري.

وبناء عليه، خرجت المؤلفة باستنتاج مفاده أن إعادة إنتاج هذه الذاكرة تولّد هاجسًا نفسيًا يعطل التوجه

نحو ممارسة النشاط السياسي المعارض لدى السوريين. ومع ذلك، فإنه يمكن القول إن مقولة الكتاب وإحالاته ومصادر معلوماته تشير إلى أن سرديته تأثرت بالجو النفسي للمدن الكبيرة في سورية (دمشق وحلب)، التي لم تشهد مظاهرات كبيرة ومتكررة في عام 2011، وخاصة أن المؤلفة أجرت البحث الميداني في دمشق وحلب واللاذقية. وهنا يمكننا طرح سؤال مهم عن كيفية عدم تأثر قطاعات واسعة من الشعب السوري في درعا وإدلب واللاذقية وحمص ودير الزور بذاكرة العنف التي تتحدث عنها سلوى إسماعيل، وخروجهم إلى الاحتجاج إبان انتفاضة 2011. وإذا كان يُحسب للكتاب أنه قدّم مساهمة بالغة الأهمية حول

دور الماضي في فهم النشاط السياسي للمجتمعات، فإنه لم يوجّه بحثه نحو المجتمعات المحلية المهمشة

التي شهدت بدء الانتفاضة في سورية. فضلً عن أنه لم يسلّط الضوء على دور الأيديولوجيا والرموز في تكريس الهيمنة التي اهتمت بها ليزا ويدين، وبدا العنف في بحثها كما لو أنه الأداة الوحيدة لحكم سورية. في حين استطاع محمد جمال باروت في كتابه العقد الأخير في تاريخ سورية تجاوز خلل التفكير في الهامش، من خلال توثيقه يوميات الأشهر الأربعة الأولى من انتفاضة 2011، حيث وصفها بأنها "ثورة المجتمعات المحلية"، لكن مصطلح المجتمع المحلي في الكتاب ظل غامضًا، ولم يقدّم المؤلّف تعريفًا واضحًا له، فقد اكتفى بالإشارة إلى أن المقصود بثورة المجتمعات المحلية هو "ثورة المدن

المتوسطة والصغيرة والأحياء الشعبية والعشوائية في المدن الأخرى، والبلدات المهمَّشة والمُفقَرة،

أو المُذلَّة والمُهانة". أما  عزمي بشارة في كتابه سورية: درب الآلام نحو الحرية، فقد أرّخ لصيرورة

الانتفاضة وحركتها على مستوى الماكرو، مرتكزًا على تحليل العلاقة بين المركز والأطراف، معتبرًا

أن الانتفاضة "توطنت في مراكز الأطراف المهمشة والمفقرة (مدن وبلدات متوسطة").

(11) Wedeen, Authoritarian Apprehensions , p. 4. (12) Salwa Ismail, The Rule of Violence: Subjectivity, Memory and Government in Syria , Cambridge Middle East studies (Cambridge: Cambridge University Press, 2018), p. 2. (13) Ibid., p. 23.

((1(محمد جمال باروت، العقد الأخير في تاريخ سورية: جدلية الجمود والإصاح (الدوحة / بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012)، ص.16 ((1(عزمي بشارة، سورية: درب الآلام نحو الحرية: محاولة في التاريخ الراهن (الدوحة / بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2013)، ص.93

وعلى مستوى الميكرو، فقد بحث كيفن مازور في الشبكات الاجتماعية ودورها في التعبئة خلال الاحتجاجات في عام 2011 في محافظة دير الزور، وذلك في دراسته "دير الزور من الثورة إلى تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام: شبكات محلية وهويات هجينة وسلطات خارجية"، وانتهى إلى أن الروابط القبلية في دير الزور أدت دورًا مهمًا في الحراك السياسي، مشيرًا إلى أن من قاد المظاهرات السلمية في

البداية، والفصائل المسلحة لاحقًا، هم من الشباب، في حين اضطلع الزعماء القبليون التقليديون بدور أقل أهمية في النشاط السياسي. في المقابل، حينما بحث مازور على مستوى الماكرو، تعامل مع الطائفة الدينية التقليدية على أنها إثنية، مرتكزًا على فهم فيبري يعتبر الإثنية مجموعة من البشر يشتركون

بالثقافة ذاتها والدم؛ أي إنهم غير متمايزين ثقافيًا، وهو ما يسحبه على الطائفة الدينية التقليدية، وهو

مفهوم يعني أن المجتمع الذي درسه مكوّن من طوائف متوازية لا قواسم ثقافية قوية مشتركة بينها. ويتلاقى

هذا الطرح مع نوعين من الخطاب؛ الأول للحركات الإسلامية الجهادية، التي تستعمل خطاب "نحن العرب المسلمون السنة"، والثاني الخطاب الاستشراقي المؤسّس للكولونيالية الغربية. لا بد من الإشارة هنا إلى أن المواقف السياسية للأفراد المنتمين إلى هذه البنى الاجتماعية متباينة، وهي ديناميكية ترتبط بمستويات التعليم والاقتصاد والمصالح بصفة عامة، وحتى الصورة العامة للأحداث متغيرة وترتبط بالزمان والمكان الذي تجري فيه، لكن ارتباط السلوك بهذه المتغيرات لا يجري خارج ما توفّره البنى الاجتماعية من موارد تستخدم في التعبئة للمواقف السياسية. إن المقارنة بين سلوك المجتمعات المحلية في الهوامش ذات الخلفية الزراعية أو ما يسمى بالطايفة في شيراز خلال الثورة الإيرانية عام 1979 بمثيلاتها في إدلب السورية خلال ثورة 2011، على الرغم من أن الحالتين تختلفان مذهبيًا وإثنيًا بلغة الأنثروبولوجيا الكلاسيكية، توضح أهمية دحض أفكار المقاربات الاختزالية في العلوم

السياسية التي تساوي تقريبًا بين الكيانات الاجتماعية المحلية والقوميات. إن المشترك بين المجتمعات

المحلية ذات الخلفية الزراعية في شيراز وإدلب خلال الحركات الثورية، على الرغم من اختلافها القومي والمذهبي، يصل إلى حد التطابق الكامل في السلوك السياسي، وذلك على مستوى علاقة أهل القرى ببعضهم البعض، وعلاقتهم بالقرى المجاورة، وعلاقتهم بالمدن المركزية حولهم. إن الخاسر هنا هو المقاربات الثقافية – السياسية التي تربط على نحو ميكانيكي ومباشر، تقريبًا، بين المكونات الاجتماعية

والمواقف السياسية للأفراد والمجموعات، وذلك على حساب الأبعاد الصراعية المختلفة التي تشقّهم. ولو طبّقنا المقاربة الثقافية – السياسية على الهوامش الزراعية في شيراز وإدلب، لكان أهل ريف إدلب

وشيراز عربًا سنة أو فرسًا شيعة. لكن الحقيقة هي أن كليهما ينتمي إلى المجتمعات المحلية الزراعية

التي يطمح أعضاؤها إلى التغيير السياسي بحثًا عن مستقبل أفضل، مستخدمين تكتيكات التعبئة المحلية الخاصة بواقعهم الاجتماعي بما يتناسب مع كل حدث زمني وسياقه.

(16) Kevin Mazur, "Dayr al–Zur from Revolution to ISIS: Local Networks, Hybrid Identities, and Outside Authorities," in: Matthieu Cimino (ed.), Syria: Borders, Boundaries, and the State (New York: Palgrave Macmillan, 2020), pp. 151–195. (17) Kevin Mazur, "State Networks and Intra–Ethnic Group Variation in the 2011 Syrian Uprising," Comparative Political Studies , vol. 52, no. 7 (June 2019), pp. 995–1027; Kevin Mazur, Revolution in Syria: Identity, Network, and Repression, Cambridge Studies in Comparative Politics (Cambridge: Cambridge University Press, 2021), pp. 26, 65.

(((1 يمكن المقارنة بين هذه الدراسة وكتاب: Hegland.

تتموضع هذه الدراسة بين الأعمال الأكاديمية السابقة، وتشتغل على مستوى الميكرو، لتحاول فهم وتفسير السلوك المتباين والمعقّد للمجتمعات المحلية المهمّشة ذات الخلفية الزراعية في تخوم إدلب في سورية خلال انتفاضة 2011.

2. الماضي في المجتمع المحلي

ظهر مصطلح "المجتمع المحلي" Community باللغة الإنكليزية في القرن الرابع عشر ميلادي، وهو مُشتقّ من اللغة اللاتينية Communitatem التي عنت في كلتا اللغتين اتّحاد المشاعر والعلاقات بين مجموعة من الأفراد. ومع مرور الزمن، راوحت دلالات المفهوم بين الجوانب الطبقية والاجتماعية والمصلحية والعاطفية. وقد قدّم عالم الاجتماع الألماني فرديناند تونيز إضافة معرفية مهمة في زمانها في فهم معنى المجتمع المحلي، حيث أشار إلى أن المجتمع المحلي يستند إلى صلات القرابة والجيرة التي تشتد عند الأزمات والحاجة، وينتقل هذا المجتمع إلى المجتمع المدني حينما يتحرر أعضاؤه من البنى الاجتماعية التقليدية ويُعقلنون ممارساتهم اليومية. وفي السياق ذاته، وفي إطار اهتمامه بالتحولات الاجتماعية المتسارعة في النصف الثاني (1917–1858) من القرن التاسع عشر، اعتبر المفكر الفرنسي إميل دوركهايم Émile Durkheim أن الثقافات التقليدية، التي ينخفض فيها مستوى تقسيم العمل، تتميز بالتضامن العضوي، لأن لأعضائها تجارب حياتية مشتركة ومتشابهة. وفي سبعينيات القرن الماضي، واصل الأنثروبولوجيون والسوسيولوجيون الجدال حول مفهوم المجتمع المحلي وكيفية تشكّله، واستمر النقاش بشأن أهمية العلاقات العاطفية داخله، مع الأخذ في الاعتبار مركبات اجتماعية متعددة. وهكذا، أصبح مفهوم المجتمع المحلي قابلً للتمييز بناء على متغيرات عدة، أهمها هيراركية السلطة، والإكراهات بين المجموعات المختلفة ضمنها، إضافة إلى المكان. وفي الحقيقة، ظل هناك لغط وجدل حول مفهوم المجتمع المحلي لم تحسمه المعرفة السوسيولوجية والأنثروبولوجية، نجده متصلً في ثنايا النقاش الذي أطلقه جورج زيمل بسؤال "كيف يكون المجتمع ممكنًا؟"، حتى أطروحة نوربرت إلياس بشأن "مجتمع الأفراد".

(19) Raymond Williams,

((2(أنتوني غيدنز، علم الاجتماع، ترجمة وتقديم فايز الصياغ (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2005)، ص.65

(23) Raymond Plant, "Community: Concept, Conception, and Ideology," Politics & Society , vol. 8, no. 1 (March 1978), pp. 83–84, 95, accessed on 10/2/2021, at: https://bit.ly/3qiBHQO (24) Stéphane Symons, "A Close Reading of Georg Simmel’s Essay 'How Is Society Possible?' The Thought of the Outside and its Various Incarnations," New German Critique , vol. 36, no. 106 (Winter 2009), pp. 103–117, accessed on 10/2/2021, at: https://bit.ly/3JsJx1N (25) Norbert Elias, The Society of Individuals, Michael Schröter (ed.), Edmund Jephcott (trans.) (Cambridge: Basil Blackwell, 1991).

وفي هذا السياق المعرفي، قد تكون إضافة رايموند وليامز هي الأهم والأكثر وضوحًا في هذا المجال، يذكر ذلك تونيز ودوركهايم – على قرب  مفهوم المجتمع المحلي يدلّ بوضوح – كما إذ يشير إلى أن ومباشرة في العلاقات الاجتماعية بين أفراده، مقابل المجتمع الذي يحيل إلى مجموعات المؤسسات والعلاقات الاجتماعية التي يعيش ضمنها عدد كبير من الناس، تجمع بينهم روابط مصلحية تعاقدية. لكنه عدّل منظور المشاهدة من فحص العواطف إلى التمحيص بعدسات الزمن، إذ يعتقد، معتمدًا في

ذلك على أعمال موريس هالفاكس، أن المجتمع المحلي لا يكون كذلك إلا إذا كان له ماضٍ، وهو بذلك يوسّع المقاربة من العاطفة بمعناها التضامني إلى الذاكرة المتشكلة تاريخيًا بأبعادها الشاعرية

والمريرة. وهكذا يختصر وليامز المقاربات الأخرى ويجمعها بإحالتها إلى عدم نسيان الماضي أو الوعي به في جماعة ما، وهو ما سيشكّل مجتمعًا محليًا. ولا يشكّل الفضاء الريفي أو المديني مجتمعًا

محليًا إلا إذا كان له ماضٍ وذاكرة معيّنة تشكّلت عبر عقود من الممارسات الاجتماعية. وفي هذا الصدد، المفتاح الرئيس لفهم وتشكّل المجتمع المحلي، عند وليامز، هو التجربة الاجتماعية المستمدة من ذاكرة الماضي التي لها ردّة فعل في الحاضر. وهذه التجربة تنتقل عبر وسائل التواصل المشتركة، وبذلك قد تتلقى استجابة وقبولً بين أعضاء الجماعة. ومع تكرار الممارسات الاجتماعية الناتجة من تلك التجربة وصيرورتها، على أن تكون مشتركة، تَنتُج ثقافة محلية تقليدية. قدّم وليامز مداخلته عن المجتمع المحلي على هامش نقاشه مسألة تطور الثقافة في المجتمعات الغربية الحديثة فيما بعد منتصف القرن الماضي، واتسمت بدقة المشاهدة النظرية والإمبريقية. ومن ثم، فهي تصلح نظريًا لفهم المجتمعات المحلية المهمّشة التي لم تفكّكها سياسات اقتصاد السوق كليًا

في المجتمعات التي تأخرت في اتباع نمط واضح من الاقتصاد الرأسمالي الحر. ويمكن ملاحظة أن مقاربة وليامز قد أهملت التنافس ضمن المجتمع المحلي ذاته، وتنافسه مع غيره من المجتمعات المحلية المجاورة له، وهذا له تبعات نظرية تتعلق بفهم المواقف السياسية للمجتمعات المحلية في السياقات غير العادية مثل الانتفاضات أو الثورات الكبرى. ولهذه الاعتبارات، تستعين الدراسة بنظرية وليامز للضبط المفاهيمي للمجتمعات المحلية، إضافة إلى فحص مواضيع الصراعات الاجتماعية داخل الجماعة المحلية، التي تُستخدم في ذروتها السياقية (الانتفاضات أو الثورات) مفاصل الحشد والتقسم بين أعضاء الجماعة على المستوى الفردي والجماعي، دون الوقوع في فخ "نثر مكافحة التمرد"، بلغة راناجيت غُهَا.

(26) Williams, Keywords , pp. 291–295. (27) Maurice Halbwachs, On Collective Memory , Lewis Coser (ed., trans. & intro.) (Chicago/ London: The University of Chicago Press, 1992). (28) Raymond Williams, Culture and Society 1780–1950 (London: Chatto and Windus Ltd, 1967), p. 259. (29) Ibid., pp. 313, 316–317.

((3(راناجيت غُهَا، "نثر مكافحة التمرد"، ترجمة ثائر ديب، أسطور، العدد  6 (تموز/ يوليو 2017)، ص.151–121

إن أسباب الاحتجاج في عام 2011 سياسية بالدرجة الأولى، تتعلق بالطبيعة الاستبدادية لنظام الحكم في سورية، لكن فهم السلوك السياسي المختلف للمجتمعات المحلية يتطلب فحص حاضرها المشحون بالصراعات، والممتد في الماضي – وفق فكرة وليامز – عبر الذاكرة التي تعيد تأويله على نحو لامتجانس، بحسب المواقف الجماعية والفردية، في الحشد والاختلاف، أي من دون أن يتحول موقف سياسي معيّن لجماعة ما على أنه ممثّل للجماعة الواحدة بأكملها.

3. إدلب: مجال المشاهدة

قد تكون محافظة إدلب في سورية مثالً مناسبًا لدراسة حركة المجتمعات المحلية، لأن فئات اجتماعية

واسعة من سكانها كانت متأثرة بماضيها السياسي أو بناها الاجتماعية أو خلفياتها المعيشية، وهو ما وجد صداه سياسيًا في انتفاضة 2011، وخاصة في المناطق المهمشة ذات الخلفية الزراعية. نحتاج قبل الدخول في تفاصيل الموضوع أن نوفر للقارئ صورة ماكروسوسيولوجية عن إدلب من منظور واقعها التنموي في سورية، إذ إن البعد الاقتصادي في الانتفاضة السورية كان واضحًا. تاريخيًا،

شكلت إدلب إحدى أقل المحافظات السورية تنمية على المستويين الاقتصادي والاجتماعي. فوفقًا لتقرير حالة سكان سورية الصادر عام 2010، تبلغ نسبة عدد سكان المحافظة 7 في المئة من سكان سورية، ومساحتها 3.3 في المئة من مساحة البلاد. وعلى المستوى الإداري، تشكل "المناطق الريفية" في إدلب ثاني أكبر ريف في سورية بعد ريف محافظة حلب من حيث المساحة، فنسبة عدد سكانها الحضر تعدّ ضعيفة. ويبلغ معدل الأمية في محافظة إدلب 13 في المئة، وهي المحافظة الرابعة في سورية الأعلى مستوى في الأمية، وتشترك في هذه المرتبة مع محافظة درعا. في حين يعدّ نموها السكاني من أعلى معدلات النمو في سورية، وهي تأتي في المركز الثالث، بالاشتراك مع درعا أيضًا، بعد محافظتي دير الزور والرقة. أخيرًا تنقسم إدلب إداريًا إلى خمس مناطق، هي:

أريحا ومعرة النعمان وإدلب وحارم وجسر الشغور، يتوزع فيها عدد كبير من القرى والبلدات والنواحي والمدن. على مستوى المشاهدة، تركز الدراسة على ما سميناه المجتمعات المحلية المنتشرة في التخوم الزراعية في محافظة إدلب. وبالنسبة إلى هذا البحث، لا تمثل الحدود الإدارية داخل المحافظة وحدات مشاهدة؛ ذلك أن الحركات الاحتجاجية لا تلتزم بحدود جغرافية، فضلً عن أن الطايفة ليست وحدة إدارية، بل وحدة اجتماعية تخترق تلك التقسيمات ذات الخلفية السياسية – الإجرائية، ونحن هنا نتعامل معها من منظور سوسيو–أنثروبولوجي.

((3(محمد جمال باروت (محرر)، حالة سكان سورية: التقرير الوطني الثاني 2010: انفتاح النافذة الديموغرافية: تحديات وفرص (دمشق: الهيئة السورية لشؤون الأسرة؛ صندوق الأمم المتحدة للسكان، 2010)، ص.210 (((3 المرجع نفسه، ص.200 (((3 المرجع نفسه، ص.105 (((3 المرجع نفسه، ص.208

ووفقًا للمقاربة التي اعتمدها حنا بطاطو في دراسته حالة "الفلاحين السوريين" الصادرة سنة 1999، ينحدر فلاحو تخوم إدلب من بيئات فلاحية مختلفة في أشكالها. إن أغلب الأهالي الذين يقطنون تخوم مناطق أريحا وإدلب وحارم وفي القرى والبلدات القريبة من مدينة معرة النعمان كانوا من فئة "الفلاحين البستانيين" أو "أهل العود"، وكانوا فلاحين بلا عشائر، لا ينحدرون من أيّ أصل قبلي، ولم تحكمهم الأعراف العشائرية. وبحسب بطاطو، فإن هذا النمط من الفلاحين ميّال إلى السلم. إضافة إلى ذلك،

فإنه يصف فلاحي تخوم معرة النعمان بأنهم مختلطو الأصول وينتشرون على مساحات واسعة وفي أراضٍ منبسطة، ملكية الأرض فيها عريقة. أما التخوم البعيدة عن المدن فيعيش فيها فلاحون من أصول مختلطة مستقرة وبدوية وتتوزع فيها الأراضي بين العائلات ونخبة ممن يصفهم بالإقطاعيين، مع غلبة نموذج الملكية الإقطاعية في منطقة حارم، حيث ترتبط السطوة والهيمنة السياسية والاجتماعية بملكية الأرض. أخيرًا تتميز هذه المناطق المختلفة بأن الغالبية العظمى من سكانها عرب مسلمون سنة.

4. منهج البحث

جُمِعَت معلومات هذه الدراسة من خلال مقابلات ميدانية معمقة، تمحورت حول يوميات انتفاضة 2011 والبنية السوسيولوجية والأنثروبولوجية لتخوم مناطق محافظة إدلب، ما عدا منطقة جسر الشغور. وقد بدأ الباحث جمع معلومات هذه الدراسة منذ عام 2016 بإجراء مقابلات عبر "سكايب" مع ناشطين من إدلب، لكن العملية كانت شديدة التعقيد بسبب أن البحث كان يجري مع أشخاص لم يتعرف إليهم الباحث مسبقًا، وبشأن قضايا اجتماعية – سياسية حساسة. لذلك، لم تكن المعلومات كافية للقيام بتحليل موسع لموضوع الدراسة، لكنها ساهمت في تكوين تصور أوّلي عن البحث. وبناء على ذلك، عمل الباحث على خطة بديلة تمثلت في تشكيل فريقين بحثيين لإجراء البحث الميداني في المناطق المستهدفة وجمع البيانات المطلوبة. وقد أدار الفريق الأول ناشط من بنش في إدلب (عامر السيد)، والفريق الثاني مثقف من قرية الغدفة (عبد الرحمن إبراهيم). وفي الحقيقة، لم يكن إجراء البحث الميداني نيابة عن الباحث مقنعًا على النحو الكافي، ذلك أن الباحث مقتنع بضرورة أن تكون علاقته ببحثه شخصية عبر ملاحظاته وأسئلته، ويشعر بدقة الأحداث وصدقيتها، ومدى تأثير عاطفة المستجيب في سير الأحداث. وهو ما دفعه إلى تأجيل إعداد البحث حتى تمكّن من إجراء البحث الميداني شخصيًا.

(35) Batatu. (36) Ibid., pp. 10–12, 22. (37) Ibid., p. 29. (38) Ibid., pp. 22, 29. (39) Ibid., p. 29. (40) Ibid., p. 13.

(((4 خاصة مع توتر الوضع الأمني في إدلب مع صعود جبهة النصرة بين عامي 2016 و 2017، وسيطرتها على أجزاء واسعة من المحافظة، ما أثار خوف الناشطين على حياتهم، وطلبهم من الباحث إرسال رسائل لجميع الناشطين الذين تواصل معهم بأن البحث

قد أُلغي. (((4 تأخر ذلك عامًا كاملً بسبب عدم تمكن الباحث من الحصول على تأشيرة زيارة إلى تركيا.

وبعد ذلك، أجرى الباحث بحثين ميدانيين، أحدهما في تموز/ يوليو 2017 (مدة شهر خُصِص لمنطقتي

أريحا ومعرة النعمان)، والآخر في تشرين الأول/ أكتوبر 2018 (مدة أسبوعين خُصِصا لمنطقتي حارم وإدلب). وخلال ذلك، تمكن الباحث من إجراء مقابلات ميدانية مع عدد من الأهالي من محافظة إدلب على الحدود السورية – التركية، في مدن أنطاكيا والريحانية وكرخان التركية، حيث يقطن الكثير من اللاجئين السوريين من أهل إدلب لاعتبارات القرب الجغرافي. وكذلك أجرى الباحث مقابلات في مدينة إسطنبول، حيث تمكن من مقابلة العديد من الناشطين السياسيين. وبمساعدة أصدقاء من إدلب، بدأ الباحث في نسج شبكة من العلاقات مع الفاعلين المحليين المراد إجراء مقابلات معهم، والذين بدورهم ساعدوه في إجراء مقابلات مع فاعلين آخرين. وقد ساعدت وسائل التواصل الاجتماعي الباحث على التواصل المستمر معهم لتحديث المعلومات ومراجعتها كلما كان هناك حاجة إلى ذلك. اختار الباحث مناطق الدراسة بناء على نشاطها الاقتصادي وموقعها الجغرافي وتفاعلاتها السياسية مع الانتفاضة. فاقتصاديًا، جرى التركيز على مناطق النشاط الزراعي التي يكون فيها العمل الفلاحي هو

النشاط المعيشي أو الاستثماري الأبرز، مع التباين فيما بينها على المستوى التنموي. وجغرافيًا، توجّه

البحث إلى مناطق مختلفة ريفية زراعية من محافظة إدلب، بعضها على تخوم المدن وبعضها الآخر على مسافات مختلفة منها. وأخيرًا اختيرت نماذج مختلفة من البلدات ضمن أطر الخيارين السابقين

وفق خصائص سلوكها السياسي خلال الأحداث. وفي فترة إجراء المقابلات، كانت الأحداث تتكرر، وكانت أحيانًا متوقعة الحدوث حتى قبل أن تدخل في سرديات يوميات الانتفاضة. في هذه الدراسة، لن يجري ذكر جميع هذه المقابلات لكثرتها وتعدّد القرى والبلدات التي عنتها، إلا أنها شكلت المورد الأساسي لمعلومات الدراسة، فسمحت للباحث بتحديد أصناف المناطق المدروسة والمناطق الممثّلة لكل صنف. استهدفت المقابلات الأشخاص المتقدمين في السن، ووجهاء القرى والبلدات، ومن تبوَّأ وظائف حكومية فيها، لما لهم من دراية

بخصائص المناطق المدروسة والحياة الاقتصادية فيها وتحولاتها. كما شملت المقابلات الناشطين السياسيين الشباب، لأنهم هم من بدؤوا الاحتجاجات، ويملكون معلومات جيدة عن كيفية تطور الأحداث في هذه المناطق. وللتأكد من صدقية البيانات، اعتمد العمل البحثي على تقاطعات السرديات، كما أن بعض هذه المقابلات موثقة أحيانًا بالصوت والصورة.

أولا: دور الطايفة في التعبئة لانتفاضة 2011

تشكّل الطايفة البنية الاجتماعية السائدة في تخوم إدلب الزراعية، فهي الهوية المحلية الريفية المشتركة التي تحدد الانتماء في هذه المناطق، وهي وحدة شعور بالترابط العاطفي والاجتماعي، لكنها لا تقوم على وحدة النسب الحقيقي أو المزعوم كما في المجتمع العشائري ذي اللحمة القوية. تفتح الطايفة قدرًا أكبر من الحرية في سلوك الأشخاص، ولا تفرض عليهم التزامات أدبية أو أخلاقية إكراهية، في

حال خرجوا عن إجماع باقي أهل الطايفة، فهي تعمل وفق نظام عاطفي يقوم على دوافع التضامن بين مجموعة من العائلات خاصة في أوقات الأزمات والمصالح السياسية.

وتظهر واقعية ووظيفية الطايفة في الجملة التي افتتح بها أحد المستجيبين الفاعلين في انتفاضة 2011 وما بعدها مقابلة الباحث معه، حينما قال: "من الأخير أنا لعبت على الطوايف لمحاولة تثوير منطقة حارم، حيث كنت أتوجه للطوايف المعروفة تاريخيًا بمعاداتها للنظام منذ أحداث الثمانينيات؛

لم تكن الاحتجاجات تحمل صفة عائلية، وإنما كان للطايفة دور هام في التحشيد للمظاهرات. لا نستطيع أن نبتعد عن الطوايف في إدلب لأننا نحتاج إلى سند في وجه السلطة". في العناصر التالية، يجري الاعتماد على مجمل بيانات هذه المقابلات وتقاطعاتها لفحص مركزية الطايفة كما عرفها الباحث، وتحديدًا مرجعيتها وذاكرتها ومرونتها بالنسبة إلى الأفراد، في السلوك السياسي للفاعلين في الانتفاضة.

1. احتجاجات إبلين: المرونة الثورية

تقع قرية إبلين في وسط جبل الزاوية التابع لمنطقة أريحا، وقد بلغ عدد سكانها عام 2004 نحو 2949 نسمة. تُشكِّل الزراعة الدخل الرئيس للعائلات التي تعتمد على مياه الأمطار في زراعاتها الأساسية، مثل الزيتون والكرز والتين. يستمر كل موسم قرابة نصف شهر يكون جميع أهالي القرية منشغلين في القطاف والبيع والشراء، ويجتمعون في الساحات والأسواق والحقول ليتحدّثوا عن أرزاقهم وهمومهم. لا تكفي هذه المواسم فلاحي أهل القرية لكسب قوت يومهم، لذلك يذهب شبابها إلى العمل خارج القرية في لبنان خلال مواسم الإكدنيا والزيتون ليكسبوا بعض الموارد المالية الإضافية، حينها تخلو القرية من الشباب غير المتعلّمين. أما الشبان المتعلّمون فيدرسون في جامعات دمشق وحلب واللاذقية بفروع مختلفة، خاصة أقسام كلية الآداب لأنها غير مكلفة، وتؤهّلهم كي يصبحوا معلّمين في مدارس قريتهم، ويكسبوا من خلال ذلك مكانة اجتماعية فيها. يملك أهالي القرية ذاكرة بالتهميش عبر مئات السنين بسبب معاناتهم الفقر. كما شكّلت أحداث الثمانينيات (المواجهة بين الحكومة السورية وجماعة الإخوان المسلمين) ذاكرة خوف إضافية لبعض العائلات في القرية، التي انضمت في تلك الفترة إلى حركة الإخوان، فاعتُقل وقُتِل البعض منهم. حينما بدأت الاحتجاجات في عام 2011، خرجت أول مظاهرة في القرية بعد أسبوعين من انطلاق الاحتجاجات، وكان ذلك في مدينة درعا، أي في 1 نيسان/ أبريل 2011. خرج من جامع القرية قرابة 300–200 شخص، غالبيتهم من الشباب، متعلّمين وغير متعلّمين، تصدَّرها أفراد من عائلة اشحيبر وهرموش (الأفقر في القرية). لم يتعرَّض لهم أحد من الأهالي، ولا حتى البعثيين في القرية. ومن ثَم

(((4 أدهم الشيخ أبو عبده (أحد أبرز المشجعين على الاحتجاجات في منطقة حارم، قيادي محلي في المعارضة السورية)، مقابلة شخصية، أنطاكيا،.2018/10/12 ((4(بحسب التعداد السكاني الذي أجراه الجهاز المركزي ل حإإصاء في سورية عام 2004. بعض الروابط الإلكترونية للتعداد السكاني في عام 2004 على الموقع الإلكتروني للجهاز المركزي غير مفعلة. يمكن الاط عاا على تعداد القرى والبلدات في هذا التقرير على رابط بديل على الموقع الإلكتروني التالي، شوهد في 2021/3/15، في: shorturl.at/yEGV8 (((4 شجرة مثمرة، تسمى كذلك أحيانًا بالمشمش الهندي.

انضمّ إليهم الكثير تدريجيًا مع انكسار الخوف في أيام الجمعة التالية، ثم شيئًا فشيئًا أصبح جميع أهل القرية منخرطين في الاحتجاج. قرية إبلين مؤلفة من أربع طوايف كبيرة، هي خلف وعلوش وهرموش واشحيبر، وبعض الطوايف الصغيرة. هناك تنافس بين الطوايف في الحصول على المراكز الإدارية والتعيينات الحزبية والإدارة المحلية، مثل منصب مدير المدرسة ورئيس البلدية. وهذا التنافس مكبوت غير معلن يظهر في المجالس المغلقة. يراقب أهالي القرية دائمًا التعيينات الإدارية في الحكومة، ويطمحون إليها. وتحظى طايفة علوش تاريخيًا بفرص تعليم جيدة وتملك المساحة الأوسع من الأراضي الزراعية في القرية، وهي الطايفة صاحبة الوجاهة فيها. في قرية فقيرة وصغيرة مثل إبلين، تكون الوجاهة في التعيينات الحكومية والمناصب الإدارية. لم يحدث استقطاب في القرية خلال الاحتجاجات بين الطوايف على الرغم من الحساسية بينها والتنافس فيما بينها على مناصب الإدارة المحلية في القرية. ويعزى ذلك إلى استمرار الترتيبات الاجتماعية أو الهرمية الطبقية والرمزية تاريخيًا، أي لم يتغير فيها نظام الوجاهة، ولا توجد طوايف طامحة تحظى بمقومات تغيير الترتيب الاجتماعي في القرية. بادرت طايفتا هرموش واشحيبر بتصدر المشهد الاحتجاجي، فهما أصحاب المصلحة في المشاركة في تغيير الواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي في سورية، فهما طايفتان فقيرتان، تعيشان حياة نمطية، ولم تتغير مكانتهما الاجتماعية تاريخيًا، وغير قادرتين على تغييرها بحجمهما العددي والاقتصادي، لكن الصراع المسلح في إثر انتفاضة 2011، أدخل عنصرًا جديدًا للوجاهة في القرية هو القوة العسكرية، والتي أصبحت تحدّد وجاهة الطايفة في القرية. في البداية، كانت الحركة المسلحة المحلية في القرية تضم جميع أبناء القرية والطوايف. ولكن مع الانتقال إلى تحزّب العمل المسلح في فصائل منظمة، أصبح لكل طايفة فصيلها المسلح. سيطرت حركة أحرار الشام وجبهة النصرة على القرية، فتشكلت جبهة النصرة من طايفة اشحيبر، أما أحرار الشام من طايفة علوش. وانضمت الطوايف الصغيرة في القرية إلى الطوايف الأقرب إليها في مرحلة ما قبل الانتفاضة أو إلى الفصيل الأقوى لحماية نفسها، في حين اعتزل بعضها كافة أشكال العمل المسلح. في عام 2017 وقع اقتتال بين أحرار الشام وجبهة النصرة في القرية، ما لبث أن تحوّل إلى نزاع مسلح متكرر بين الطرفين، تداخل فيه الخلاف السياسي مع الاجتماعي الطبقي.

(((4 تستند جميع المعلومات إلى مقابلات شخصية مع عدد من أهالي القرية في مدينة أنطاكيا، بتركيا، في تموز/ يوليو 2017، الذين لا يرغبون في الكشف عن أسمائهم. إضافة إلى شهادة الناشط السياسي محمد الحشاش، وهو أحد أبناء القرية المتعلمين، مقابلة شخصية، إسطنبول، 2017/7/5 و.2018/10/6 (((4 المرجع نفسه.

2. إحسم: التعثر الثوري

بلغ عدد سكان بلدة إحسم، بحسب التعداد السكاني عام 2004، نحو 5870 نسمة، وتعتبر الزراعة أهم المداخيل الاقتصادية لأبنائها، وغالبيتهم يملكون أراضي يزرعون فيها الكرز والتين والمحلب، كما يحصلون على بعض الدخل من الوظائف الحكومية. إحسم بلدة ريفية، فيها بعض من مؤسسات الدولة الخدمية، لكن أهلها ما زالوا يُسمّونها "الضيعة". تتكون إحسم من طايفتين رئيستين: الفضيل في الجانب الغربي، وسرحان في الجانب الشرقي. لم تشهد إحسم مظاهرات في وقت مبكر خلال انتفاضة 15 آذار/ مارس 2011 التي عمّت كثيرًا من

المناطق المجاورة، ويقول أحد أهالي البلدة عن سبب ذلك: "كنا نخاف منهم"، من هم؟ "طايفة بيت الفضيل". وظلت إحسم صامتة حتى يوم 6 أيار/ مايو 2011 المعروف ب "جمعة التحدي". لكن في ذلك اليوم، وبالتنسيق بين عدد قليل جدًا من شباب الحارة الغربية من طايفة الفضيل حيث يقطن مؤيدو السلطة، وشباب الحارة الشرقية (طايفة سرحان) ذات الميول الثورية، بدأت تحركات محتشمة؛ فقد قدّم لهم عدد قليل من شباب الحارة الغربية ضمانات برغبتهم في الانتفاضة، واتفقوا على أن ينتظر شباب الحارة الشرقية خروج المظاهرة من مسجد الحارة الغربية، ثم تلتحق بها الحارة الشرقية في الساحة العامّة للقرية. لكن ما إن بدأ عدد من الشباب من الحارة الغربية بالهتاف حتى

قمعهم أهل حارتهم أنفسهم من المصلّين. ويقول أحد أبناء الحارة الشرقية "لم تكتمل المظاهرة في القسم الغربي بسبب اشتباكهم مع بعضهم البعض، ولم تخرج المظاهرة في 6 أيار/ مايو 2011". كانت هناك أزمة ثقة بين الحارتين، ماذا لو خرجت الحارة الشرقية للاحتجاج بعد صلاة الجمعة، وتخلّفت عنها الحارة الغربية؟ لم يرغب أهل الحارة الشرقية في إدخال القرية في اقتتال محلي. كرّر الشباب محاولتهم للتظاهر، واستطاع عدد من شباب الحارة الغربية في الجمعة التالية 13 أيار/ مايو

2011 المعروفة ب "جمعة الحرائر"، الخروج في مظاهرة، والتقوا مع المحتجين من الحارة الشرقية في ساحة القرية، لكن المظاهرة ظلت محدودة العدد، فقد ظل الخوف ماثلً في إحسم من العنف بين أكبر طايفتين فيها، في حين كانت تخوم أريحا منغمسة في الحراك الاحتجاجي بقوة. لاحقًا، أصبح ناشطو الحركة الاحتجاجية في جبل الزاوية ينسقون مسار الاحتجاجات في أمكنة معيّنة،

والتي كان ينضم إليها كل من كان يرغب في الاحتجاج، وخاصة ممن لم يُتح لهم الاحتجاج في مناطق

عيشهم. وعلى طريق إحسم، لطالما تعرّض بعض الأشخاص من طايفة الفضيل لمسار الاحتجاجات

ومنعوها من المرور بجانب القرية. ومع محاولات ناشطي الانتفاضة نقل الحركة الاحتجاجية إلى المدن المركزية في إدلب، إضافة إلى بداية تداخل العمل السلمي مع العمل المسلح في تخوم إدلب، في صيف 2011، انقسمت المواقف السياسية إلى ثلاثة أصناف: مؤيدون للسلطة الحاكمة، ومعارضون لها يؤيدون الحركة الاحتجاجية، ومحايدون لا يتدخلون في السياسة بالمطلق (الطوايف الصغيرة في القرية).

(((4 تستند هذه الراوية إلى شهادات ناشطين سياسيين من أهل القرية منهم: حسين الفضيل، مقابلة شخصية، مدينة الريحانية جنوب تركيا، 2017/7/8؛ أحمد الهنداوي، مقابلة شخصية، مدينة أنطاكيا،.2017/7/10

لم يكن اختلاف الموقف السياسي بين طايفتي الفضيل وسرحان وليد الانتفاضة السورية، بل تمتد جذوره بعيدًا في التاريخ المحلي وتحكمه رهانات وجاهة القرية. تتكون طايفة الفضيل من عدة كنى أو ألقاب هي فضيل، وفضل، وعثمان، والدبس وألقاب أخرى، في حين تتكون طايفة سرحان من عائلات الهنداوي، وآمين، وقاسم... إلخ. وقبل سياسات الإصلاح الزراعي عام 1963، كانت طايفة سرحان – بحسب أهلها – الأكثر تعليمًا في القرية كلها حتى اليوم، وهكذا ينظرون إلى أنفسهم وإلى

ماضيهم، بغضّ النظر عن مدى حقيقته أو تخيّله، وكانت تملك أراضي زراعية كبيرة امتدت على حساب

ثلاث قرى مجاورة: البارة وبيت سنبل وإبلين. أما طايفة الفضيل، فلم يملك أعضاؤها إلا القليل من الأراضي، مع أنهم الطايفة الثانية في القرية عددًا، لكن بالقدر الكافي الذي يجعلهم غير مضطرين إلى العمل عند الإقطاعيين أو غيرهم مزارعين. تراجعت مساحة الأراضي الزراعية التي تملكها طايفة سرحان نتيجة بيعها وتوريثها تدريجيًا مع مرور

السنين. وفي المقابل، التقطت طايفة الفضيل فرصة الإصلاح الزراعي عام 1963، وتملّكت عائلاتها أراضي زراعية جديدة في سهل الغاب وسهل الروج، استثمروها في تحسين ظروف عيشهم، ما غيّر

المراتب الاجتماعية في القرية وقلب موازين الوجاهة، إذ أصبحت ملكية الأرض هي الأساس مقابل تراجع مكانة التعليم والوظيفة في الخدمات التعليمية. في ثمانينيات القرن الماضي، وقفت طايفة الفضيل مع السلطة الحاكمة في صراعها مع حركة الإخوان المسلمين، في حين انتسب بعض من أبناء طايفة سرحان إلى هذه الحركة، فازدادت الهوة بين الطايفتين، وخاصة مع تبوّؤ أبناء من طايفة الفضيل مناصب في الجيش السوري ومؤسسات الدولة، فارتبطت الحالة

المادية الجيدة بنفوذ سياسي قوي، في حين حرمت طايفة سرحان من ذلك، وخاصة في وظائف الدولة الحكومية والتوظيف في سلك الشرطة، وهو المجال الذي يعمل فيه الكثير من أبناء إدلب وإحسم خاصة. في التاريخ المحلي، نشب عام 2006 خلاف بين تلاميذ من الطايفتين في معهد دراسي في القرية، فاحتقنت عائلات الأطفال الأصلية، وأصبحت تتبادل نظرات الكره "الزور". وعلى أساس ذلك، عادت المشاكل لتتجدد بين المراهقين، لتنتقل هذه المرة إلى تشابك بالأيدي بين عائلات التلاميذ، فتضامنت العائلات الأخرى ضمن الطايفة مع عائلات الشبان المتخاصمين. وشيئًا فشيئًا انتقل الصراع بالأيدي والعصي إلى استخدام بنادق الصيد، وقُتل خلال ذلك رجل من طايفة سرحان، ثم ظلت المواجهات المسلحة تتكرر بين الفينة والأخرى حتى وصلت حد عدم خروج الأهالي في الليل خوفًا من القتل غدرًا. وبسبب التوتر العالي الحاصل نتيجة هذه الخصومات، تدخّل المسؤولون الحكوميون في مركز

محافظة إدلب لوضع حد لهذا النزاع. لكن النزاع المسلح استمر، فقُتل رجل مسن عن طريق الخطأ – بحسب ما يُروى – من طايفة سرحان قبل الانتفاضة بأشهر قليلة. ماذا كانت الخلفية الحقيقية للصراع؟

هذا جواب أحد المستجيبين عن السؤال: "لم يكن الصراع أكثر من صراع على زعامة الضيعة، نحن أم هم؟ من يفرض نفوذه؟ من هو الأقوى؟".

(((4 المرجع نفسه.

من خلال هذا التاريخ المحلي المشحون بالصراعات حول مسائل لا علاقة مباشرة لها بالانتفاضة، يمكن تحديد الخلفية التي قادت المواقف السياسية للطوايف، حينما اندلعت أحداث الانتفاضة السورية: مصالح طايفة الفضيل في الوقوف مع السلطة الحاكمة التي وزّعت عليهم في الستينيات الأراضي في إطار الإصلاح الزراعي ليصبحوا وجهاء القرية، وتاريخ صراع طايفة سرحان مع النظام منذ أحداث الانتفاضة التي تزعّمها الإخوان المسلمون في الثمانينيات وتنافسهم على الوجاهة، بما تعنيه من موارد ومكانة اجتماعية وشبكة علاقات، مع طايفة الفضيل. ولأن هاتين الطايفتين كانتا محور الصراع في القرية، الصامت أحيانًا والصاخب أحيانًا أخرى، فإن المجموعات الصغيرة في القرية، تلك التي تشكل طوايف هشة ديموغرافيًا واجتماعيًا، حاولت أخذ موقف الحياد حتى لا تعلق في

استتباعات الصراع بين القطبين. ومع ذلك، فإنه لا بد من ملاحظة أن الطايفة ليست كتلة متجانسة تفرض مواقفها بطريقة ما على الأفراد، وقد ظهر ذلك جليًا في السلوك الذي اتبعته فئة من شبان طايفة

الفضيل لم تقبل الموقف العام للطايفة الموالي للنظام، وأظهرت أن الطايفة ليس لها أدوات فرض المواقف على أعضائها، وهو ما أكدته بحوث أخرى حول سورية.

3. معصران: تأجيل الصراع

تقع بلدة معصران على سهل زراعيّ من أخصب سهول التخوم الريفية لمعرة النعمان. وهي ذات

وزن سكاني كبير مقارنة بالبلدات الأخرى، إذ بلغ تعدادها عام 2004 نحو 8334 نسمة. وهي بلدة زراعية بالأساس، إذ تشكل الزراعة مصدر الدخل الوحيد لأبنائها، فالوظائف الحكومية نادرة في معصران لأسباب سياسية، تعود في جزء منها إلى أن الكثير من أبناء القرية اعتقلوا في ثمانينيات القرن الماضي لانتمائهم إلى جماعة الإخوان المسلمين، فزاد تشبثهم بالأرض باعتبارها مصدر رزق وحيدًا، إلى حد أن بعض أهالي القرى المجاورة أصبحوا يتندرون بذلك بالقول "أهل معصران يعبدون الأرض"، فالمعصراني لا يتباهى بسيارته أو بيته، وإنما بحجم الأراضي التي يملكها. يزرع سكان معصران الأرض في جميع فصول السنة زراعةً بعلية ومروية، ومعظم زراعاتها القمح والشعير والعدس والحمص وحبة البركة والبطيخ والبطاطا، والأشجار المثمرة كالزيتون والكرمة. ويصدّرون أنواعًا مختلفة من شتول الخضار المهجنة إلى معظم تخوم مدن محافظة إدلب، فهم يستنبتون بذور هذه الشتول شتاءً (مسكوبة) في بيوت بلاستيكية ذات مساحات مبهرة، تراها عن بعد

كأنها مدينة زجاجية، وتنتشر هذه البيوت الزراعية على الطرق الفرعية التي تربطها بمزارعها الكثيرة. وتشارك المرأة بكثافة في العمل والإنتاج الزراعي بالقدر نفسه الذي يشارك فيه الرجل.

((5(ينظر في ذلك حول موضوع اخت ف سلوك أفراد القبائل خ لاا الانتفاضة السورية: المولدي الأحمر، القبيلة في الثورة

السورية: المفهوم وقيمته (تونس: تبر الزمان،.)2018 (((5 يكثر في القرية التنادي بالألقاب، وإذا ندهت لأحدهم باسمه ربما لا يردّ عليك، حتى تنادي عليه بلقبه، ومن ألقابهم المشهورة:

الحبظّ، طوطح طن، عرارو، توامة، صوص الحومة، ما ختلفنا، البظ، السوتير، البلف... إلخ.

تتصدر القرية طوايف عساف وعباس ومطر من الحارة الشرقية، في حين تهيمن على الحارة الغربية طايفتا رزوق وقاسم. وفي التاريخ المحلي لهذه المناطق الريفية، كل مجتمع خبر معايير معينة في اكتساب الوجاهة. فقد رأينا كيف انقلبت مصادر الوجاهة في إحسم وطرق عرضها واستثمارها، من رأس المال الرمزي – بمفهوم بورديو – الآتي من التعليم ودبلوماته، إلى ملكية الأرض والاستثمار في الفلاحة وربط الناس بعلاقات تدور حول خدمة الأرض والولاء السياسي. أما في معصران، فلا تكسب الوجاهة بالتمثيل في المناصب الرسمية في مؤسسات الدولة أو عرض رأس المال الثقافي، بل بملكية الأرض. حتى بدايات أيار/ مايو 2011، لم تشارك معصران في الحركات الاحتجاجية، لكن شبابها كانوا منخرطين فيها منذ البداية ضمن شباب البلدات المجاورة مثل جرجناز والغدفة، أو في محاولات "تثوير" معرة النعمان، وهؤلاء الشباب هم طلاب جامعات. في آذار/ مارس ونيسان/ أبريل 2011، كَثُر المخبرون في القرية، وحمل منتسبو الحزب القومي السوري الاجتماعي السلاح في ساحات القرية بهدف تخويف السكان من فكرة الاحتجاج. في هذه الفترة، بدأ الشباب المتعلم في البلدة في الاحتجاج، ومن ثمَّ انضم إليهم الأهالي مع حضور أكبر من طايفتي عساف وعباس من المنطقة الشرقية من القرية، في حين أظهرت المنطقة الغربية، ومنها طايفتا رزوق وقاسم، شيئًا من عدم الحماس، لكن التظاهر كان يجري على نحو مشترك في ساحة القرية. ظل هذا التباين السياسي صامتًا، ولم يصل إلى مستوى الاستقطاب السياسي، ثم انخرطت القرية في الاحتجاجات التي يجري الترتيب لها في المدن ويشترك فيها كثير من المجتمعات المحلية في تخوم إدلب وغيرها، وقد انضمت معصران إلى ترتيب الاحتجاجات في معرة النعمان. لم تندلع أعمال عنف محلية في معصران خلال انتفاضة 2011، على الرغم من التجاذبات السياسية فيها، وحافظت البلدة على الاستقرار الاجتماعي فيها بعيدًا عن الصراع السياسي. أما لاحقًا، فقد تغيّرت حالة التعاون بين أكبر طايفتين في البلدة، عساف وعباس، حينما بدأت المرحلة المسلحة عام 2013، وهكذا انطلق زمن جديد مجهول المستقبل في البلدة التي انقسمت تشكيلاتها المسلحة على أساس "الطايفة". وفي حين التحقت طايفة عساف بأحرار الشام، التحقت طايفة عباس بفيلق الشام.

(((5 شكر الله عساف (أحد أعضاء المجلس المحلي في معصران وهو من أوائل الشباب الذين التحقوا بالحركة الاحتجاجية)، مقابلة عبر "سكايب"،.2017/10/4 (((5 شكر الله عساف، ناصر العباس، طلحة العباس، حميدو الحمود، الدكتور محمد عساف، عامر العبد الله، أحمد سعدو العبد الله، زهير عساف، ماهر عساف. (((5 تستند هذه المعلومات إلى بيانات جمعها عبد الرحمن إبراهيم. (((5 المرجع نفسه.

4. جرجناز: انتظار اللحظة

تقع بلدة جرجناز بالقرب من مدينة معرة النعمان، بلغ عدد سكانها في تعداد عام 2004 نحو 10756 نسمة. يعمل أهلها في الزراعة، ويشتهرون بتربية النحل وتجارة العسل، في حين يزاول بعضهم تجارة الحبوب، إضافة إلى الوظائف الحكومية. انضم شباب بلدة جرجناز إلى الانتفاضة مبكرًا منذ 1 نيسان/ أبريل 2011، من خلال تظاهرة من نحو خمسين شخصًا تظاهروا من دون مضايقات، ثم انضم إليهم تدريجيًا أغلب الأهالي، فكانت جرجناز مركزًا أساسيًا للمظاهرات في تخوم معرة النعمان، يتجمّع فيها أهالي القرى المجاورة ويتظاهرون سويةً، وملجأ للمعارضين الذين لا يقدرون على الاحتجاج في قراهم المحايدة أو المؤيدة. وقد تصدّرت طايفة الدغيم المشهد الثوري في البلدة، فتنسيقية جرجناز تكاد تكون كلها من طايفة الدغيم، وتعدّى دورها في الحراك في البلدة لتكون واحدة من أكثر العائلات المعارضة في مدينة معرة النعمان وتخومها. تشكل طايفة الدغيم نصف عدد سكان جرجناز، وكان البعض من أبنائها قد تعرّض للاعتقال بتهمة الانتماء إلى الإخوان المسلمين. ولذلك كانت هذه الطايفة تعاني التمييز في التعيينات الحكومية، سواء في البلدة أو في مؤسسات الدولة عمومًا. يُعَيّن مخاتير البلدة من الطوايف البعثية صغيرة الحجم. ويوجد في البلدة مختار واحد من الدغيم من أصل ثلاثة مخاتير، لكنه لا يمثلهم بحسب ما يشعرون، فهو "شخص بعثي من عائلة صغيرة جدًا من الدغيم". يحكون عن ماضيهم بأن لهم "تاريخًا نضاليًا ضد الاستعمار الفرنسي، لكن الذي يحظى بتمثيل القرية من طايفتهم كان يتعامل مع الاستعمار الفرنسي". ينظر أبناء طايفة الدغيم إلى أنفسهم – بناء على مروياتهم حول ماضيهم – بأنهم الأكثر تعليمًا في البلدة والأكبر حجمًا ديموغرافيًا، وأنهم عانوا ظلم النظام والتهميش السياسي والإداري. لذلك لم يمنعهم أيّ سبب أو ترددوا في المشاركة في الانتفاضة، فماضيهم منقطع عن العلاقة مع السلطة، ولذلك كانوا ينتظرون اللحظة الثورية للمشاركة فيها منذ بدايتها، فالتحقوا بفيلق الشام بمجرد أن انطلقت الأعمال المسلحة. في المقابل، تتكون الطايفة الثانية في جرجناز، وهي طايفة "الطايفة"، من مجموعة من العائلات (الرحمون، عبس، وغيرهما)، وهي أقل عددًا ويعمل منتسبوها في الأنشطة الزراعية وبعض الوظائف الحكومية، ومن المثير أنها لا تحمل اسمًا محددًا مثل طايفة الدغيم. شاركت في الاحتجاجات كما ذكرنا، لكنها عند الانتقال إلى الأعمال المسلحة مايزت نفسها من طايفة الدغيم وشكّلت كتائب أهلية محلية في البلدة، قبل أن تنضم بفصائلها إلى أحرار الشام.

(((5 يستند السرد السابق إلى مقابلات شخصية أجريت في مدينة إسطنبول التركية مع كل من الشيخ حسن الدغيم وخالد الدغيم، 2017/7/11. إضافة إلى شهادات جمعها عبد الرحمن إبراهيم من أهالي القرية من غير عائلة الدغيم.

5. سراقب: إغفال الماضي

في سراقب التابعة لمنطقة مركز إدلب، كانت الزراعة هي التي تدرّ المدخول الرئيس لأغلب السكان الذين بلغ عددهم 3249 نسمة بحسب تعداد عام 2004. وإضافة إلى الزراعة، يشتغل أهل المنطقة في أعمال أخرى مستمدة من الزراعة مثل التجارة بالمنتجات الزراعية والأدوية النباتية وحفر الآبار وغيرها. وعلى غرار تخوم إدلب الأخرى، تنقسم سراقب قسمين؛ حارة شرقية وأخرى غربية. تقطن في الحارة الغربية طايفة الديبات، وفي الحارة الشرقية تقطن طايفة عبيدين، وتوجد أيضًا طوايف أخرى صغيرة هنا وهناك في الحارتين. كلتا الطايفتين كانتا من إقطاعيي سراقب، ما يعنى أن العائلات المتنفذة فيها كانت تملك أراضي شاسعة في المنطقة وتديرها عن طريق مزارعين فقراء تربطهم بعلاقات هيمنة ثقافية تقليدية، ولطالما كان هناك تنافس حاد بينهما، وصل إلى درجة الاقتتال المسلح عدة أشهر عام 1936 خلال الفترة الاستعمارية الفرنسية، كل مع أتباعه من الفلاحين، وإلى اليوم يطلق الأهالي على تلك الأيام "قتيلة الضيعة". في الماضي، كان هذا التنافس على الوجاهة يأخذ أشكالً سياسية واضحة تتعلق بالتباين في المواقف السياسية، لكن مع سيطرة حزب البعث على السلطة في سورية عام 1963 وإثارة موضوع الإصلاح الزراعي، سارعت طايفة عبيدين، التي كان فيها بعض المتعلمين الذين لهم علاقات بدوائر السياسة ولهم دراية بتوجهاتها العامة، إلى تقسيم أراضيها الزراعية بين أبنائها لتجنّب خسارتها عند تطبيق قوانين الإصلاح الزراعي. وفي المقابل، خسرت الديبات مساحات واسعة من أراضيها بسبب الإصلاح الزراعي. لكن المثير هنا هو أن بعض الناشطين السياسيين الذين ينحدرون من هذه الطايفة كانوا ذوي توجّه يساري قومي انخرطوا في حزب البعث وتسلّموا

مناصب حزبية وإدارية على مستوى عالٍ في محافظة إدلب، وبدا ذلك كما لو أنه تعويض عن خسائرهم العقارية بموجب تطبيق قوانين الإصلاح الزراعي. هذا الانقلاب في علاقة الديبات بالأرض والسلطة جعلهم يكسبون وجاهة سياسية مارسوا من خلالها سطوة محلية، وجّهوا بعضها

إلى طايفة عبيدين التي تفرقت أراضيها وخسرت وجاهتها السياسية بإهانتها في رمزها الثقافي الاجتماعي من خلال افتكاك مضافتها التاريخية منهم التي كانت تستقبل فيها ضيوفها. وخلال سنوات طويلة، ظل الاحتقان بين الطايفتين يسري بواسطة نشر الشائعات وممارسة الاتهامات المتبادلة والعزل الاجتماعي المتبادل. لكن شيئًا فشيئًا، بدأ تأثير حزب البعث يتآكل، وبداية من عام 2000 بهت الاحتقان الاجتماعي بين الطايفتين، خاصة بعد وفاة أحد أهم وجهاء الديبات الذي كان وزير الصناعة ونائب رئيس مجلس الوزراء (محمود القدور).

(((5 هذا يشمل بعض النواحي المتقدمة تنمويًا، والتي شكلت إحدى أهم نقاط قوة الاحتجاج في إدلب مثل كفرنبل وخان شيخون،

على غيرها من النواحي الأخرى مثل ناحية أبو الضهور التي كانت أميل إلى دعم السلطة. (((5 تعود إلى أصول بدوية من الرقة هاجرت إلى سراقب بعد النصف الثاني من القرن التاسع عشر.

وخلال انتفاضة 2011، انقلبت استراتيجيات الطايفتين على نحو مفاجئ، ففي حين التحقت طايفة الديبات – وهي التي استفادت من حكم نظام البعث مع عدد من الطوايف الأخرى مثل الدعاس وباريش – بالانتفاضة مبكرًا منذ آذار/ مارس ونيسان/ أبريل 2011، وغابت الوجاهة السياسية التي قد

تمنع شبابها من المشاركة السياسية ضد السلطة الحاكمة، فالتحق أغلبهم بالثورة، التزمت طايفة عبيدين الحياد، وابتعدت عن أيّ عمل سياسي مهما كان نوعه، سلميًا أو مسلحًا، كما لو أنها رمت الماضي

في طيّ النسيان. في حالة سراقب، يظهر جليًا دور التحضر والتقدم العلمي والتأثر بالربيع العربي في التأثير في

المواقف السياسية لأهلها، وتراجع دور البنى الاجتماعية في التعبئة للانتفاضة. وعلى الرغم من ذلك، فإن العمل العسكري عاد إلى البنى الاجتماعية التقليدية، فتشكلت كتائب الجيش الحر على أساس الطوايف، وكذلك ما تلاها من تشكّل فصائل إسلامية مسلحة. في حين انضمت إلى الحركات الإسلامية المتشددة الطوايف الصغيرة التي لم تشارك في الاحتجاج السلمي خلال عام

ثانيًا: التاريخ الاجتماعي لملكية الأرض في انتفاضة 2011

في تخوم إدلب الزراعية، لم تشكّل الوجاهة إلا التعبير الاجتماعي والرمزي لملكية الأرض، لذلك لم تتوقف التعبئة السياسية على دور المظاهر الاجتماعية للصراع والتنافس الرمزي، بل أدى تاريخ ملكية الأراضي الزراعية وتوزعها غير المتكافئ دورًا مهمًا في تحديد المواقف. لا يسمح المجال

هنا بالتوسع في تاريخ الملكية الفلاحية في المنطقة، لكن يمكن تقديم أمثلة على ذلك جديرة بأن تكون موضوع بحوث موسعة في أعمال قادمة: في تاريخ المنطقة العثماني كانت قريتا طعوم (3054 نسمة اليوم)، وكيتان (1867 نسمة اليوم) مملوكتين للإقطاع الزراعي لعائلة الأصفري. وخلال الإصلاح الزراعي في ستينيات القرن الماضي، جرى توزيع أراضي هذه العائلة على الأهالي، وبذلك انتقل ارتباط السكان الاقتصادي والمعنوي من العلاقة بعائلة الأصفري الإقطاعية إلى الدولة السورية، وحينما انطلقت الأحداث في منطقة إدلب ظلت هاتان القريتان محايدتين طيلة فترة الاحتجاجات السلمية. في المقابل، لم تكن قرية بنش ترزح تحت منظومة إقطاعية عائلية، وكان فلاحوها المالكين التاريخيين لأراضيهم، وحينما انطلقت الانتفاضة عام 2011 كانت لهم مطالب اجتماعية واقتصادية كثيرة، منها الاستغلال التجاري لجهدهم وضعف الخدمات المقدمة لهم، فكانوا شبه أحرار من الدَّين للدولة، فكانوا من أول المبادرين الاحتجاجات. ولا يعني هذا أن الطايفة غير مهمة في الحياة اليومية أو في الحياة السياسية غير الخاصة بانتفاضة 2011 لأهل قريتي طعوم وكيتان، ولكن عامل ملكية الأراضي الزراعية أضعف دور الرابطة الطايفية، إن صح

(((5 يستند السرد السابق إلى مقابلات شخصية مع كل من منهل باريش (باحث وصحافي من سراقب)، إسطنبول، 2018/10/5؛ يسار باريش (ناشط سياسي)، أنطاكيا،.2018/10/10 (((6 عبسي سميسم (صحافي سوري من أهل قرية بنش)، مقابلة شخصية، إسطنبول،.2018/10/4

التعبير، في التعبئة السياسية. إن العائلات التي تملكت أراضيها الزراعية بموجب قوانين الإصلاح الزراعي بعد سيطرة حزب البعث على السلطة عام 1963، تخوفت من عودة الماضي وخسارة أراضيها الزراعية إذا ما تغيّر نظام الحكم في سورية وعاد الإقطاعيون للمطالبة ب "أراضيهم الموزعة

على الفلاحين"، وفي المقابل لم يكن هذا الخوف عند العائلات التي امتلكت أراضيها الزراعية تاريخيًا. ويمكن القول إن من أبرز الأمثلة على هذه الظاهرة سلوك أهالي منطقة حارم، والتخوم

البعيدة عن مدينة معرة النعمان في انتفاضة.2011

1. منطقة حارم: ابنة الإصلاح الزراعي

تضم منطقة حارم عددًا من النواحي والبلدات والقرى حولها، بلغ عدد سكانها في تعداد عام 2004 نحو 175482 نسمة. وحارم هي المركز الإداري للمنطقة، وكان ذلك دائمًا موضوع أحاديث وحوارات نقدية في الحياة اليومية للسكان حول أحقية أيّ ناحية من نواحي حارم بأن تكون المركز الإداري للمنطقة. عمومًا، لم تخرج مظاهرات مؤثرة في منطقة حارم عام 2011 بما في ذلك النواحي الكبيرة، والتي كانت احتجاجاتها محدودة جدًا هي أيضًا في بداية الأحداث، والمظاهرات التي اندلعت كان أغلبها بعد تشرين الأول/ أكتوبر 2011، حينما انتشر السلاح في تخوم إدلب وبدأت غالبية المناطق تستعد للانتقال إلى العمل العسكري. أما القرى والبلدات الصغيرة، فلم تشارك مطلقًا في الحركة الاحتجاجية، فغالبية تخوم منطقة حارم لم تنضم إلى الاحتجاجات السلمية في المنطقة، وخاصة قرى وبلدات مركزي سلقين وحارم، وهي قرى وبلدات كانت تاريخيًا قبل الإقطاع الزراعي من عائلات برمدا، وكيخيا، وآل رستم، وعائلات أخرى،

وقد استملك أهاليها أراضيهم في سياق الإصلاح الزراعي الذي أجراه حزب البعث حين وصوله إلى السلطة، وقد بقيت على الحياد ما عدا عددًا قليلً من الشخصيات المتعلمة في كل قرية أو بلدة منها، التي شاركت في الاحتجاجات في أماكن مختلفة. لم تشارك حارم المركز ذاتها في الانتفاضة، بل قاتلت إلى جانب السلطة الحاكمة في سورية حتى النهاية. ولذلك غادرها الأشخاص المؤيدون للانتفاضة منذ البداية خوفًا على حياتهم. وقد ذكر أحد قياديي فصائل المعارضة المسلحة في تلك المنطقة أنه ظل يتواصل طيلة عام 2011 مع أهل حارم لإقناعهم بالانضمام إلى الانتفاضة من دون جدوى. وقد كانت سيطرة المعارضة المسلحة عليها في نهايات كانون الأول/ ديسمبر 2012 أصعب عملية عسكرية في إدلب، وذهب ضحيتها 500 شخص من الفصائل المعارضة في قتالها مع اللجان الشعبية المحلية بدعم من القوات الحكومية.

(((6 في ثمانينيات القرن الماضي، حاول الفلاحون في ريف سلقين الاستيلاء بأنفسهم على جميع ممتلكات الإقطاع، مدعومين بالسلاح من الشُّعب الحزبية البعثية، حيث حاولوا السيطرة على ثلاثة قصور ظلت مملوكة للإقطاع. (((6 أدهم الشيخ أبو عبده، مقابلة شخصية، أنطاكيا،.2018/10/12

وعلى المنوال ذاته، لم تشارك سلقين في الاحتجاجات السلمية إلا مع عام 2012 على نحو محدود بالتزامن مع الأعمال العسكرية، في حين كانت تخرج فيها أحيانًا في عام 2011 مسيرات لتأييد السلطة تنظمها الشُّعب الحزبية، وكان الناشطون في سلقين يُخفون وجوههم خلال محاولات الهتاف في المساجد لحضّ الناس على الانتفاض خوفًا من التعرض للضرب. وقد تصدت سلقين بقوة شديدة لدخول المعارضة المسلحة لها لاحقًا، وقُتل بعض أبنائها في مناطق أخرى في سورية أثناء عملهم في القوات الحكومية أو اللجان الشعبية.

2. التخوم النائية لمعرة النعمان

تكررت الظاهرة نفسها في التخوم البعيدة عن مدينة معرة النعمان، التي كانت مملوكة من قبل عائلات إقطاعية مثل الحراكي والبلاني واليوسفي، لكن الإصلاح الزراعي سحب منها جزءًا كبيرًا من أراضيها ووزّعها على المزارعين الفقراء القدامى، وكان ذلك بمنزلة الاستثمار السياسي الذي آتى أكله عام 2011، فقد تخلّف السكان في هذه المناطق عن المشاركة في الاحتجاجات، بل شارك بعضهم في القتال إلى جانب القوات الحكومية، وهم ممن كان لهم ماضٍ بدوي وكسبوا نفوذًا سياسيًا عند وصول حزب البعث إلى السلطة. وفي المقابل، كانت التخوم القريبة من مدينة معرة النعمان وليدة تاريخ عقاري فلاحي مختلف، فقد تملّك أغلب أهاليها أراضيهم الزراعية خارج ديناميكية الإصلاح الزراعي، ولم يكن لهم أيّ دَين تجاه الدولة السورية فيما يخص أصولهم الفلاحية، فمالوا نحو المشاركة في الانتفاضة وأدت فيها الطايفة عاملً مهمًا في مدى التحفيز على الانضمام إلى الثورة كما أشرنا سابقًا. إن الأمثلة على ارتباط المشاركة في الانتفاضة السورية بتاريخ ملكية الأرض وحاملتها الاجتماعية – السياسية، المتمثلة في الطايفة، كثيرة جدًا ولا يزيد عرضها المحاجّة متانة إضافية، فهذا حال قرى الهلبة (1381 نسمة)، والخوين (2094 نسمة)، وأبو دالي (1300 نسمة)، والدير الشرقي (4429 نسمة) بحسب

((6(يمكن الاط عاا على مقطع الفيديو التالي: "سوريا: مسيرة في بلدة سلقين إدلب دعمًا للقائد الرمز"، يوتيوب، 2011/7/11،

شوهد في 2021/4/12، في: https://bit.ly/3N4T3u9 (((6 يستند السرد السابق إلى ثلاث مقابلات شخصية مع فاعلين أساسيين في الحراك السياسي في منطقة حارم، وهم: أحد مثقفي قرية العلاني في ريف سلقين (لا يرغب في الكشف عن اسمه)، أنطاكيا، 2018/10/14؛ ناشط مدني من ناحية سلقين (لا يرغب في الكشف عن اسمه)، 2018/10/15؛ أدهم الشيخ أبو عبده، أنطاكيا،.2018/10/12 (((6 المسألة القبلية مسألة شائكة ومعقدة، لا تدخل فيها هذه الدراسة لأنها تحتاج إلى بحث معمق ودراسات خاصة. يمكن الرجوع في خصوص ذلك إلى: الأحمر؛

Haian Dukhan, State and Tribes in Syria: Informal Alliances and Conflict Patterns (London: Routledge, 2018).

التعداد السكاني عام 2004، وغيرها، وإنما الهدف هو أن نبيّن أن تاريخ الطايفة وتاريخ ملكية

الأرض مترابطان، وأدى كل عنصر من عناصر تشكلهما وديناميتهما دورًا مهمًا في توجيه الأحداث في محافظة إدلب خلال بدايات الأحداث عام 2011، وهو ما يفتح أبوابًا بحثية جديدة في فهم ما جرى في سورية خلال الفترة المدروسة.

خاتمة في شكل تساؤلات

وفقًا لوليامز، المجتمع العضوي هو مجتمع محلي ريفي، ولكن ليس بالضرورة أن يكون كل "مجتمع ريفي" مجتمعًا عضويًا محليًا، فلا بد من أن يكون له ماضٍ ما زال يؤثر في الحاضر. تناولت هذه

الدراسة المجتمع المحلي الريفي في محافظة إدلب السورية، وبيّنت أن ما يسمى الطايفة وتاريخ ملكية

الأراضي الزراعية شكلّا ذلك الماضي الذي ما زال له حضور ديناميكي في الحاضر. وخلال عرض العديد من الأمثلة لقرى وبلدات تشكّلت من طوايف مختلفة، بيّنت الدراسة أن السلوك

السياسي للمحتجين لم يكن تقوده اعتبارات مذهبية – طائفية أو عشائرية تستخدم مفهوم القرابة للحشد السياسي. لقد كانت الطوايف مجموعات عائلية ريفية تشكلت بينها روابط جوار ومبادلات ثقافية واجتماعية واقتصادية كثيفة وذاكرة جماعية حافلة بالأحداث، كما اخترقتها تراتبيات غير صارمة تقوم أسسها على ملكية الأرض وخدمتها والعلاقة بالدولة. فحينما اندلعت الاحتجاجات، لم تكن هناك محددات صارمة دفعت بالأهالي إلى اتباع هذا السلوك أو ذاك، بل كانت العملية مرنة وبراغماتية بحسب السياق، من دون أن تفقد الخيارات علاقتها بتاريخ الصراعات المحلية لكسب الجاه وموارده، أي السلطة واستحقاقاتها. كما بيّنت الدراسة أن بعض من

انتُزعت موارده العقارية مقابل اكتسابه موارد سياسية قد انقلب في سياق محلي محدد ضد "ولي نعمة توظيفه في الإدارة ومؤسسات الدولة العليا"، في حين رد آخرون "الهدية" إلى الدولة التي مكّنتهم من الأرض فاصطفوا إلى جانبها وحاربوا مع جنودها. وفي الوقت ذاته، حاول آخرون اتباع طرق المداورة وتفادي الصدام، في حين اعتبر من افتكت الدولةُ أرضه أو سجنته وعذبته لمناهضته سياستها اندلاع الانتفاضة فرصة ليأخذ بثأره منها.

(((6 قريتا تل الشيح وأبو دالي هما قريتان لهما ماضٍ بدوي، يعمل أهلهما بالزراعة. شاركوا في قمع الاحتجاجات في مدينة معرة النعمان، وقاتلوا إلى جانب القوات الحكومية لأنهم استملكوا أراضيهم من الإص حاا الزراعي، ولهم تمثيل سياسي في النظام السياسي السوري الرسمي، حيث ينحدر من تل الشيح عضو مجلس الشعب فيصل المحمود، ومن قرية أبو دالي ينحدر عضو مجلس الشعب السوري أحمد المبارك. (((6 يستند السرد السابق على شهادات جمعها عبد الرحمن إبراهيم من أهل هذه القرى. إضافة إلى شهادة: مصطفى حمدو الدغيم من قرية جرجناز، وهو أحد المتابعين ليوميات الانتفاضة بشكل تفصيلي وعلى دراية واسعة بالخلفية الاجتماعية لمحافظة إدلب، مقابلة شخصية، مدينة الريحانية، 2017/7/2؛ وكذلك معلومات وشهادات جمعها الأستاذ طالب الدغيم في أماكن وتواريخ مختلفة مع كل من: الأستاذ نواف محمد علي من قرية الهلبة، والأستاذ خالد اليوسف من قرية الدير الشرقي، والأستاذ محمد سلطان من قرية التح.

(68) Williams, Culture and So c iety , p. 259.

المصدر: حُصِل عليها بواسطة طالب الدغيم.

ملحق نسخة عن وثيقة محلية في قرية أبو مكي توضح دور بنية "الطايفة" في الحفاظ على استقرار المنطقة

المراجع

العربية

الأحمر، المولدي. القبيلة في الثورة السورية: المفهوم وقيمته: دراسة مرفقة بمقابات مع برهان غليون وشيخ مشائخ البشاكم وشيخ البوفرج. تونس: تبر الزمان،.2018 باروت، محمد جمال (محرر). حالة سكان سورية: التقرير الوطني الثاني 2010: انفتاح النافذة الديموغرافية: تحديات وفرص. دمشق: الهيئة السورية لشؤون الأسرة؛ صندوق الأمم المتحدة للسكان،

________. العقد الأخير في تاريخ سورية: جدلية الجمود والإصاح. الدوحة / بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2012 بشارة، عزمي. سورية: درب الآلام نحو الحرية: محاولة في التاريخ الراهن. الدوحة / بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2013 بطاطو، حنا. فاحو سورية: أبناء وجهائهم الريفيين الأقل شأنًا وسياساتهم. ترجمة عبد  الله فاضل ورائد النقشبندي. مراجعة ثائر ديب. سلسلة ترجمان. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2014 غُهَا، راناجيت. "نثر مكافحة التمرد". ترجمة ثائر ديب. أسطور. العدد  6 (تموز/ يوليو.)2017 غيدنز، أنتوني. علم الاجتماع. ترجمة وتقديم فايز الصياغ. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2005

الأجنبية

Batatu, Hanna. Syria’s Peasantry: The Descendants of its Lesser Rural Notables, and

Cimino, Matthieu (ed.). Syria: Borders, Boundaries, and the State. New York: Palgrave

Dukhan, Haian. State and Tribes in Syria: Informal Alliances and Conflict Patterns.

Elias, Norbert. The Society of Individuals. Michael Schröter (ed.). Edmund Jephcott

Halbwachs, Maurice. On Collective Memory. Lewis Coser (ed., trans. & intro.).

Hegland, Mary Elaine. Days of Revolution: Political Unrest in an Iranian Village.

Heydemann, Steven. Authoritarianism in Syria: Institutions and Social Conflict 1946–

References

their Politics. Princeton, NJ: Princeton University Press, 1999.

Macmillan, 2020.

London: Routledge, 2018.

(trans.). Cambridge: Basil Blackwell, 1991.

Chicago/ London: The University of Chicago Press, 1992.

Stanford, CA: Stanford University Press, 2014.

1970. Ithaca, NY/ London: Cornell University Press, 1999.

Hinnebusch, Raymond. Authoritarian Power and State Formation in Ba`thist Syria: Army, Party, and Peasant. Boulder, CO: Westview Press, 1990. Ismail, Salwa. The Rule of Violence: Subjectivity, Memory and Government in Syria. Cambridge Middle East Studies. Cambridge: Cambridge University Press, 2018. Mazur, Kevin. "State Networks and Intra–Ethnic Group Variation in the 2011 Syrian Uprising," Comparative Political Studies. vol. 52, no. 7 (June 2019). ________. Revolution in Syria: Identity, Network, and Repression. Cambridge Studies in Comparative Politics. Cambridge: Cambridge University Press, 2021. Plant, Raymond. "Community: Concept, Conception, and Ideology," Politics & Society. vol. 8, no. 1 (March 1978). at: https://bit.ly/3qiBHQO Symons, Stéphane. "A Close Reading of Georg Simmel’s Essay 'How Is Society Possible?' The Thought of the Outside and its Various Incarnations." New German Critique. vol. 36, no. 106 (Winter 2009). at: https://bit.ly/3JsJx1N Tönnies, Ferdinand. Community and Civil Society. Jose Harris (ed.). Jose Harris & Margaret Hollis (trans.). Cambridge: Cambridge University Press, 2001. Wedeen, Lisa. Ambiguities of Domination: Politics, Rhetoric, and Symbols in Contemporary Syria. Chicago/ London: The University of Chicago Press, 1999. ________. Authoritarian Apprehensions: Ideology, Judgment, and Mourning in Syria. Chicago/ London: The University of Chicago Press, 2019. Williams, Raymond. Culture and society 1780–1950. London: Chatto and Windus Ltd,

________.