Return to Article Details Subjects in Contested Spaces: Securitisation of Kurdish Langauge in Syria

ذوات في فضاءات متنازع عليها: أمننة اللغة الكردية في سورية

Subjects in Contested Spaces: Securitisation of Kurdish Langauge in Syria

يونس أباكاي

الملخّص

نظرت الدولة في سورية إلى الهوية الكردية على أنها قضية أمنية؛ واتخذت بناءً على ذلك إجراءات ضد استخدام اللغة الكردية (بوصفها تعبيرًا عن هذه الهوية) وحضورها المُدْرَك في المجال العام. ولم يدخل التمثل الأمني لهذه اللغة حيز الممارسة على مستوى الإجراءات القانونية فحسب، بل تعداه ليمسّ عامة الناس في استخدامهم إياها، معتبرًا ذلك فعلًا شائنًا ينبغي التصدي له في المجال العام. ومع ذلك فقد أمكن، في المناطق ذات الأغلبية الكردية وفي إطار العلاقات المتبادلة، الحد من أثر هذه الإجراءات وتحدّي أولئك المعارضين لاستخدام اللغة الكردية. تستند هذه الدراسة إلى معطيات إثنوغرافية جُمعت خلال مقابلات مع مستجيبين من الأكراد السوريين، وإلى مفهوم السلطة الفوكوي، لتقدّم تحليلًا لمختلف علاقات الإخضاع المتجذرة بعمق في العلاقات الاجتماعية. وهي تهدف بذلك إلى الوصول إلى فهمٍ لعلاقات السلطة يتجاوز حدود علاقة السيطرة ثنائية البعد، وإلى التعرف إلى نوع السلطة التي يمكن أن تمارسها أقلية ما، بوصفها جماعة تواجه إجراءات قمعية، حينما تصرّ على استخدام لغتها الممنوعة وتعيد إنتاجها وتصدّق هذه الممارسات.

Abstract

Abstract: As Kurdish identity was perceived as a security issue by the state in Syria, governments took measures against the use and perceptibility of Kurdish language and manifestation of the identity, in public spaces. The securitisation of the language did not only come into effect in legal measures but also in ordinary people perceiving Kurdish language as an abject act to counter in public spaces. In spaces where Kurds constituted the majority and in reciprocal relations the effect of these measures could be minimised and those opposing its use could be challenged. Based on ethnographic data collected from interviews with Syrian Kurds and the Foucauldian concept of power, this study analyses multiple relations of subjugation deep–rooted in social relations. This is to understand power relations beyond the dichotomic relation of domination and to recognise the power that a minority could exercise by reproducing and validating the use of the language as a community facing repressive measures.

الكلمات المفتاحية:
  • اللغة
  • الخطاب الأمني
  • المجال العام
  • الجسد الاجتماعي
  • علاقات السلطة
Keywords:
  • Language
  • Security Discourse
  • Public Space
  • Social Body
  • Power Relations

يونس أباكاي| Yunus Abakay * ذوات في فضاءات متنازع عليها: أمننة اللغة الكردية في سورية

ملخص: نظرت الدولة في سورية إلى الهوية الكردية على أنها قضية أمنية؛ واتخذت بناء

على ذلك إجراءات ضد استخدام اللغة الكردية (بوصفها تعبيرًا عن هذه الهوية) وحضورها

المُدْرَك في المجال العام. ولم يدخل التمثل الأمني لهذه اللغة حيز الممارسة على مستوى

الإجراءات القانونية فحسب، بل تعداه ليمسّ عامة الناس في استخدامهم إياها، معتبرًا ذلك

فعلً شائنًا ينبغي التصدي له في المجال العام. ومع ذلك فقد أمكن، في المناطق ذات الأغلبية

الكردية وفي إطار العلاقات المتبادلة، الحد من أثر هذه الإجراءات وتحدّي أولئك المعارضين

لاستخدام اللغة الكردية. تستند هذه الدراسة إلى معطيات إثنوغرافية جُمعت خلال مقابلات

مع مستجيبين من الأكراد السوريين، وإلى مفهوم السلطة الفوكوي، لتقدّم تحليلً لمختلف

علاقات الإخضاع المتجذرة بعمق في العلاقات الاجتماعية. وهي تهدف بذلك إلى الوصول

إلى فهم لعلاقات السلطة يتجاوز حدود علاقة السيطرة ثنائية البعد، وإلى التعرف إلى نوع

السلطة التي يمكن أن تمارسها أقلية ما، بوصفها جماعة تواجه إجراءات قمعية، حينما تصرّ

على استخدام لغتها الممنوعة وتعيد إنتاجها وتصدّق هذه الممارسات.

Abstract: As Kurdish identity was perceived as a security issue by the state in Syria, governments took measures against the use and perceptibility of Kurdish language and manifestation of the identity, in public spaces. The securitisation of the language did not only come into effect in legal measures but also in ordinary people perceiving Kurdish language as an abject act to counter in public spaces. In spaces where Kurds constituted the majority and in reciprocal relations the effect of these measures could be minimised and those opposing its use could be challenged. Based on ethnographic data collected from interviews with Syrian Kurds and the Foucauldian concept of power, this study analyses multiple relations of subjugation deep–rooted in social relations. This is to understand power relations beyond the dichotomic relation of domination and to recognise the power that a minority could exercise by reproducing and validating the use of the language as a community facing repressive measures.

PhD. candidate in the Centre for Kurdish Studies, Exeter University, UK. Email: ya268@exeter.ac.uk

مقدمة

بعد فترة وجيزة من استقلال سورية عام 1946، عملت الدولة على التسريع من وتيرة السياسات الاستيعابية policies Assimilationist الموجهة ضد سكانها من الأكراد، وذلك باللجوء إلى عدد من الإجراءات التقييدية measures Restrictive التي تستهدف مختلف جوانب الحياة، كالاقتصاد والتعليم والديموغرافيا وأشكال التعبير الثقافي مثل اللغة الكردية. تناولت الدراسات أثر هذه الإجراءات في حياة الناس اليومية بكثير من التفصيل، وكذلك أفادت المنظمات غير الحكومية NGOs ومكاتب الشؤون الخارجية في العالم العربي والشرق الأوسط بمعلومات واسعة النطاق عنها دوّنتها في تقارير مختلفة. ولما كان التركيز قد اتجه نحو المجال العام space Public، حيث تعرّض

التعبير عن الهوية الكردية للقمع، وحيث لم يحظَ الأكراد بأيّ اعتراف، فقد مثّل ما كابدوه من صعوبات في المجال العام الموضوعَ المحوري لهذه الدراسات والتقارير. بيد أن تحويل مركز الانشغال من مستوى العلاقات الكلي relations Macro إلى المستوى الجزئي relations Micro، وإزاحة الدولة منه، من شأنه أن يُظهر أن الأكراد بوصفهم ذواتًا Subjects في الجسد الاجتماعي body Social الكردي يمارسون بدورهم قدرًا كبيرًا من السلطة، سواء على مستوى الجماعة بغرض التقليل إلى أقصى

حد ممكن من الإجراءات المتخذة ضد التعبير عن اللغة الكردية في الفضاءات العمومية، أو على مستوى الأفراد من خلال تحدي الخطاب الأمني discourse Security الفاعل في أوساط بعضٍ من عامة الناس. تُظهِر المعطيات الإثنوغرافية أن الارتكاز على تحليلٍ يقوم على استقطاب ثنائي في علاقات السلطة من شأنه أن يحجب السلطة التي استطاع الأكراد ممارستها بوصفهم جماعة، وأن يحول دون تبيان ما امتلكوه من فعالية Agency بوصفهم ذواتًا. ومن ثم، فإن قَصر تعقيد علاقات الحياة اليومية على كونها مجرد علاقة سيطرة ثنائية البعد سيؤدي إلى إغفال امتحان الكثير من علاقات السلطة القائمة. يزودنا مفهوم

(1) Harriet Allsopp, The Kurds of Syria: Political Parties and Identity in the Middle East , Library of Modern Middle East Studies 144 (London: I. B. Tauris, 2014); Anita L. P. Burdett (ed.), Records of the Kurds: Territory, Revolt and Nationalism, 1831–1979: British Documentary Sources , vol. 12, Cambridge Archive Editions (Cambridge: Cambridge University Press, 2015); Alessandra Galié & Kerim Yildiz, Development in Syria: A Gender and Minority Perspective (London: Kurdish Human Rights Project, 2005); Michael M. Gunter, Out of Nowhere: The Kurds of Syria in Peace and War (London: Hurst & Company, 2014); Human Rights Watch, Syria Unmasked: The Suppression of Human Rights by the Asad Regime , Human Rights Watch Books (New Haven: Yale University Press, 1991); Human Rights Watch, "Syria: The Silenced Kurds," Middle East Report , vol. 8, no. 4(E) (October 1996), accessed on 20/1/2020, at: https://bit.ly/3uMmQko; Human Rights Watch, Group Denial: Repression of Kurdish Political and Cultural Rights in Syria (New York: Human Rights Watch, 2009); Robert Lowe, "The Emergence of Western Kurdistan and the Future of Syria," in: David Romano & Mehmet Gurses (eds.), Conflict, Democratization, and the Kurds in the Middle East: Turkey, Iran, Iraq, and Syria (New York: Palgrave Macmillan, 2014), pp. 225–246; David McDowall, A Modern History of the Kurds , 3 rd ed. (London: I. B. Tauris, 2007); Jordi Tejel, Syria’s Kurds: History, Politics and Society , Routledge Advances in Middle East and Islamic Studies 16 (London/ New York: Routledge, 2009); United States Department of State, Bureau of Democracy, 2006 Country Report on Human Rights Practices: Syria (Geneva: Refworld, 2007); Kerim Yildiz, The Kurds in Syria: The Forgotten People (London: Pluto Press; Kurdish Human Rights Project, 2005); Kerim Yildiz & Harriet Montgomery, The Kurds in Syria: Denial of Rights and Identity (London: Kurdish Human Rights Project, 2004).

السلطة الفوكوي بمعاينة لعلاقات الإخضاع المتعددة التي تتخذها علاقات السلطة في تجلياتها المحلية، وتوظّفه هذه الدراسة للتوصل إلى تحليل لعلاقات السلطة المنتشرة relations power Diffused. يتسم مفهوم السلطة الفوكوي بالقصور حين يتعلق الأمر بتناول الحياة في ظل الأنظمة السلطوية regimes Authoritarian (نظرًا إلى حاجة علاقات السلطة، لكي تكون فاعلة، إلى درجة معينة من

الحرية). لكن بالنظر إلى أن الخطاب الذي يُضفي طابعًا أمنيًا على اللغة الكردية قد تجاوز حدوده

القانونية وبات فاعلً في الأجساد التي تتلقى هذه اللغة، فتدركها بوصفها موضوعًا شائنًا، فإن هذا المفهوم يتيح مع ذلك تحليلً لفهم الأجساد الخاضعة في الخطاب الأمني وعلاقات السلطة المتجذرة بعمق في العلاقات المتبادلة. وبما أنه قد أمكن التقليل إلى حد بعيد من الإجراءات المتخذة ضد اللغة الكردية في مناطق الأكثرية الكردية، وكذلك أمكن تحدي التدخلات في إطار العلاقات المتبادلة؛ فإن من شأن تحليل علاقات السلطة أن يسهم أيضًا في تعرف الفعالية التي تمارسها أقلية ما بوصفها جسدًا اجتماعيًا، وبوصفها مجموعة أفراد في ظل السيطرة القمعية. ولمزيد من التفصيل والتشبيك، تبدأ الدراسة بتقديم موجز للإجراءات التقييدية المتخذة ضد استخدام اللغة الكردية في الفضاءات العمومية، ثم تعرض المعطيات الإثنوغرافية التي جُمِعت من مقابلات شبه

منظمة أجريت مع أكراد سوريين في إقليم كردستان العراق بين عامي 2018 و 2019. وقد أخذ جمع المعطيات في الاعتبار تصنيفاتٍ مثل النوع والعمر والمعتقد والتعليم، ومكان الإقامة، ريفًا كان أم

مدينة، وفي مناطق ذات أغلبية كردية أم ذات أقلية كردية. أُجريت المقابلات مع أكثر من 80 شخصًا

في محافظات أربيل والسليمانية ودهوك، حيث التقى الباحثون المستجيبين في بيوتهم أو في فضاءات عمومية كالمقاهي وأماكن العمل، وفي مخيمات اللاجئين ومراكز المدن. تُظهِر تجارب هؤلاء المستجيبين ومشاهداتهم التي شاركونا إياها أثناء المقابلات كيف بات خطاب التمثل الأمني للغة الكردية فاعلً في أوساط الناس العاديين، وكيف أمكن الحد منه وتحدّيه في العلاقات المتبادلة. ويجري هنا توظيف مفهوم السلطة الفوكوي لتحليل المعطيات الإثنوغرافية، بما يسمح بتسليط الضوء على الكيفية التي تفعل بها السيطرة الاجتماعية فعلها عبر الأفراد العاديين الذين يقفون في وجه سيطرة الدولة على المجال العام وفي وجه أمننتها اللغة الكردية. ولما كان المجال العام بوصفه مفهومًا

يتضمن جميع النطاقات التي تخصّ عموم الناس والتي تستهدفها الإجراءات القانونية للدولة بالتنظيم، فإنه

(2) Michel Foucault, The Archaeology of Knowledge , A. M. Sheridan Smith (trans.) (New York: Pantheon Books, 1972); Michel Foucault, The History of Sexuality , Robert Hurley (trans.) (New York: Pantheon Books, 1978); Michel Foucault, "The Subject and Power," Critical Inquiry , vol. 8, no. 4 (1982), pp. 777–795; Michel Foucault, "The Ethics of Care for the Self as a Practice of Freedom: An Interview with Michel Foucault on January 20, 1984," J. D. Gauthier (trans.), Philosophy & Social Criticism , vol. 12, no. 23 (July 1987), pp. 112–131; Michel Foucault, The Foucault Effect: Studies in Governmentality , with Two Lectures by and an Interview with Michel Foucault, Graham Burchell, Colin Gordon & Peter Miller (eds.) (Chicago: University of Chicago Press, 1991); Michel Foucault, Discipline and Punish: The Birth of the Prison , Alan Sheridan (trans.), 2 nd ed. (New York: Vintage Books, 1995); Michel Foucault, Power: The Essential Works of Foucault 1954–1984 , James D. Faubion (ed.), vol. 3 (London: Penguin, 2002); Michel Foucault, Society must be Defended: Lectures at the Collège de France, 1975–76 , Mauro Bertani, Alessandro Fontana & François Ewald (eds.), David Macey (trans.) (New York: Picador, 2003).

سيُستخدم على نحو رئيس للإشارة إلى أجهزة الدولة. ويرجع ذلك في المقام الأول إلى خضوع العديد

من الفضاءات العمومية للسيطرة الاجتماعية منذ فشل الدولة بوصفها جسدًا إداريًا ووسيطًا. ونجد مثالً

حيًا على هذا الفشل في إنكار الدولة، بوصفها منظّمًا، التحدث بالكردية في النقاشات الدائرة بين الناس

في الفضاءات العمومية. ونوضح هذا المثال في هذه الدراسة استنادًا إلى ما نقدّمه تاليًا من معطيات.

أولا: سيطرة العامة على الإجراءات القمعية

كانت اللغة الكردية، بوصفها خاصية جوهرية للهوية الكردية، أحد أول المقاصد التي استهدفتها السياسات الاستيعابية للدولة وأكثرها أهمية. واتجهت جهود الدولة المتواصلة للحد من حضور الهوية الكردية في المجال العام نحو تقييد استخدام اللغة الكردية ومحاولة استبدالها باللغة العربية، إلى جانب الحد من التعبير عن الممارسات الثقافية. وتضمنت القيود المفروضة على استخدام اللغة الكردية منع هذا الاستخدام في مجال الخدمات العامة، وحظر إنتاج المواد الثقافية كالموسيقى والأفلام والمسرحيات والمنشورات المختلفة، وحظر الأعمال التجارية التي لا تحمل أسماء عربية في المناطق التي يقطنها الأكراد، وعدم تسجيل المواليد الأكراد بأسماء كردية، وعدم السماح باللغة الكردية لغةَ تعلّم بأيّ حال

ووسيلة. وبموجب الأمر الإداري رقم 15801 الصادر عن وزارة الإدارة المحلية في 18 أيار/ مايو 1977، استبدلت أسماء المدن والقرى الكردية بأسماء عربية. ثم مُنع استخدام اللغة الكردية في أماكن العمل

بموجب مرسوم صدر عام 1986، ثم حظَر مرسوم لاحق صدر عام 1988 غناء الأغنيات غير العربية في الأعراس والمهرجانات. وبدءًا من عام 1992، أبلغ السكان المقيمون في الحسكة منظمة هيومن

رايتس ووتش أنهم ووجهوا برفض تسجيل مواليدهم بأسماء كردية، وأثناء تساؤلهم عن فحوى المرسوم رقم 122 الذي يقنّن هذه المسألة، كان موظفو الحكومة يفسرونه بوجود حظر على استخدام اللغات الأجنبية (بما في ذلك الكردية) في أماكن العمل، وكذلك بعدم وجود أحرف (أصوات) كردية في اللغة العربية. وقد كان آخر ما أبلِغ عنه من إجراءات قانونية قرارًا صدر في أيار/ مايو 2000 قضى بحظر تداول

أشرطة الكاسيت ومقاطع الفيديو والأسطوانات الموسيقية الكردية، وبإغلاق المراكز الثقافية والمكتبات الكردية. وفي تعارض مع المخطط الحضري، جاء المرسومان رقم 49 و 59 لعام 2008 ليحظرا أيّ بيع

للعقارات على امتداد الحدود مع تركيا، ويتسببا في هدمٍ للمباني.

(3) Human Rights Watch, Syria Unmasked ; Human Rights Watch, "Syria: The Silenced Kurds," p. 6; Human Rights Watch, Group Denial , p. 11; Lowe, p. 235; Carsten Wieland, Syria at Bay: Secularism, Islamism and 'Pax Americana' (London: Hurst & Company, 2006), p. 47; Yildiz & Montgomery, pp. 98–99. (4) Human Rights Watch, "Syria: The Silenced Kurds," p. 28. (5) Ibid.; McDowall, p. 476. (6) Human Rights Watch, "Syria: The Silenced Kurds," p. 28. (7) Gunter, p. 21. (8) Myriam Ababsa, "The End of a World: Drought and Agrarian Transformation in Northeast Syria (2007–2010)," in: Raymond Hinnebusch & Tina Zintl (eds.), Syria from Reform to Revolt , vol. 1: Political Economy and International Relations (New York: Syracuse University Press, 2015), pp. 199–222; Habitat International Coalition’s Housing and Land Rights Network, "Systematic Housing and Land Rights Violations against Syrian Kurds," Habitat International Coalition, 3/10/2011.

وعلى الرغم من أن القيود الموضوعة لم تستهدف اللغة الكردية بتسميتها صراحةً، فإنه مع فرض اللغة العربية لغةَ تواصل وحيدة في مجال الخدمات العامة، والسماح بالتدريس باللغات الأرمنية والسريانية والعبرية والإنكليزية والفرنسية، لكن ليس بالكردية تحديدًا، بدا واضحًا أن المستَهدَف الوحيد من

الإجراءات القانونية هو اللغة الكردية، إذ كان في استطاعة الأقليات الإثنية المسيحية واليهودية، كالأرمن والآشوريين واليهود، استخدام لغاتها للتعليم في المدارس الخاصة ودور العبادة، في حين حُرم الأكراد من الحقوق الجمعية التي أتيح التمتع بها لغيرهم من المجموعات الإثنية، على الرغم من

كونهم من أهل البلاد الأصليين ويمثلون نحو 20 في المئة من سكانها. وهكذا، فإن سياسات المجانَسة homogenisation of Policies، التي استهدفت الأقليات الإثنية بدءًا من عام 1949، والتي قمعت

الجماعات غير العربية، إنما قصدت السكان الأكراد على نحو رئيس، وهو ما أوردته أيضًا التقارير التي أرسلتها مكاتب الشؤون الخارجية في المنطقة إلى حكوماتها. ونجد مثالً مثيرًا للاهتمام على كل ما سبق فيما أورده لنا أحد المستجيبين من قامشلو يدعى ديار،

وهو ذكر في الثلاثينيات من عمره: "قد يحدث أحيانًا أن نتعلم [كتابة] الكردية بأنفسنا في المدرسة. حين كنت في حدود الخامسة عشرة أو السادسة عشرة من عمري كنا نعيش الأمر بوصفه تحديًا، إذ كان فعلً محفوفًا بالمخاطر. لكننا لم ندرك حينها كنهه تمامًا، وعندما كان يُقال لنا إنه فعل ممنوع، ماذا كنا سنفعل؟ على سبيل المثال، كانت هنالك حصة للرياضة، وكانوا (أي الطلاب) يخرجون للعب خارجًا،

فكنا نطلب في هذه الأثناء من الأكراد أن يبقوا: 'لا تخرجوا للعب. لدينا حصة للغة الكردية'. وهنا يتولى أحدنا مهمة تدريسنا اللغة الكردية. حدث مرة أن لقي القبض عليّ. كانت هنالك تلك الصديقة أُ

العربية التي نحبّها كثيرًا، وهي طالبة معنا في الصف. متى كان ذلك؟ في المدرسة، عندما كنت في

السادسة عشرة من عمري، في الصف العاشر. نسيت الفتاة قارورة الماء خاصتها، وكنا في الطابق الثالث. عندما عادت لتأخذها، رأتنا جالسين بينما كنت أكتب الحروف على السبورة [يضحك ضحكة خافتة]. مرت بنا، واعتقدنا أنها لن تتقدم بأي شكوى ولن تشي بنا. [لكن] ما إن خرجت حتى دخل المدير (الموجه) وسأل: أنتم تتعلمون الكردية، أليس كذلك؟ كنت أعرف القليل من التركية فيما مضى ونسيت الكثير منها خلال السنوات القليلة الماضية. لكن الحروف الكردية هي ذاتها الحروفُ الهجائية التركية. لا فرق يُذكَر بينهما. دنا منا وسألنا 'إذن أنتم تتعلمون الكردية، أليس كذلك؟'، فأجبته: 'لا يا أستاذ، أنا أعرف التركية، ولقد أرادوا تعلّمها، فها أنا أعلمهم إياها. هكذا أنقذت الموقف، وقلت له إن باستطاعته أن يلتقط صورة ويريها لأي شخص يعرف التركية، وسيخبره بأنها حروف تركية بالفعل، فقال لي: 'لا تعلم التركية أيضًا، لا تفعل هذا!'".

(9) Thomas Colleto, Syria: A Country Study (Washington, DC: United States Government Printing Office, 1988), pp. 68–70; United States Department of State, Bureau of Democracy, 2006 Country Report on Human Rights Practices: Syria. (10) Tejel, p. 41. (11) John McHugo, Syria: A Recent History (London: Saqi Books, 2015), p. 257. (12) Burdett (ed.).

ولما كانوا يعلمون بحظر تدريس اللغة الكردية، فإنهم سيلجؤون من ناحية إلى تعلّمها خفيةً وبطريقة وصفَ ديار نهايتها ب "القبض عليه" كما لو أنه متورط في نشاط غير قانوني. ومن ناحية أخرى، ونظرًا

إلى سماح تعليم اللغة التركية خلافًا لحال الكردية، فقد ارتأى ديار القول بتعليم اللغة التركية وذلك ذريعة جيدة لتجنّب مواجهة إجراءات تأديبية نظرًا إلى تشابه حروف اللغتين. وعلى الرغم من عدم

وجود أساس قانوني يمنع الطلبة من تعلم اللغة بأنفسهم، ما دام الأمر لم يأخذ شكل حصة دراسية رسمية، فإن ديار ومدير المدرسة والزميلة الطالبة وعددًا آخر من الطلبة كانوا جميعًا على علم بأن تعلم اللغة الكردية وتدريسها في المدرسة من الأفعال التي ينطوي عليها مخاطرة. بدا جليًا أن ما قام به ديار ومن معه من الطلبة بتعلّم اللغة الكردية خفيةً، وما قامت به الزميلة من إبلاغ عنهم،

ثم المدير بمنع الأمر، يجسّد في مجمله أفعالً تتماشى مع خطاب يضفي على اللغة الكردية طابعًا أمنيًا. ومع

أن الطالبة كانت إحدى الزميلات المحبّبات جدًا إلى قلوبهم، ولعل علاقة جيدة كانت تربطها بهم بدورها،

بالنظر إلى أنهم لم يتوقعوا منها الإبلاغ عنهم، فإنها شعرت بأن ما رأته هو فعل غير مشروع ينبغي الإبلاغ عنه في الحال. وأثناء إخطاره بالأمر، أحسّ المدير بدوره بضرورة اتخاذ إجراء فوري للحيلولة دون تدريس

اللغة الكردية في المدرسة. واضحٌ تمامًا أن الزميلة والمدير لم يفكّرا في الأسباب التي تجعل من الواجب

عليهما الإبلاغ عن تعلّم لغةٍ في المدرسة والوقوف ضده. هكذا وافقت ردود الفعل على تدريس الكردية خطابَ التمثل الأمني لهذه اللغة الذي استطاع استثارة بعض أنماط السلوك المسنونة مسبقًا في أجسادهم

التي تكمن فيها الخطابات بوصفها مفعولات، وتشتغل Function من خلال أفعالهم الأنطولوجية. إضافة إلى ذلك، وخلافًا لحال المجال العام، لم تستطع الأمننة أن تصمد في المجال الاجتماعي للحياة اليومية، حيث عاش العرب والأكراد معًا. على سبيل المثال، حين سألتُ حنيفة، وهي إحدى المستجيبات من عفرين في أوائل العقد السابع من عمرها، عن كيفية تعلّمها اللغة العربية من دون أن تذهب إلى المدرسة، أخبرتني أنها عاشت حياتها مع عرب هم أيضًا كانوا يعرفون اللغة الكردية

جيدًا: "أتعرفين العربية؟ نعم أعرف. كيف تعلّمتِها؟ يوجد عرب بيننا. إذًا تعلّمتِها من خلال التفاعل معهم؟ نعم، يزوروننا، ونزورهم [...] هم يعرفون الكردية والعربية، ونحن كذلك. هم أيضًا يتكلمون الكردية؟ بالطبع، وإن هم تحدثوا بالكردية فلن تعرف أنهم عرب [انضم إليها ابنها الجالس معنا مؤكدًا قولها هذا]. إذا تكلّم الناس العربية فلن تعرف أنهم أكراد. فهمت. الأكراد إذًا يعرفون العربية والعرب يعرفون الكردية. نعم. لقد نشؤوا في القرية مثلما نشأنا فيها. كنا جميعًا في قرية واحدة". احتضن العرب ممن يعيشون مع الأكراد ويتفاعلون معهم في الحياة اليومية اللغةَ الكردية، مثلما تبنّى

الأكراد الذين يعيشون مع العرب اللغة العربية، من دون أن يعني ذلك استبدال لغة بأخرى. إلا أن الشرخ القائم بين الفضاءات العمومية الخاضعة لتنظيم الدولة من جهة والبيئة الاجتماعية للحياة اليومية من جهة أخرى، ارتبط بخطاب الأمننة نفسه، هذا الخطاب الذي يجد له مكانًا فيثبت في الأجساد لكن من دون أن يدخل حيز التنفيذ الفعلي. وبذا، فعلى الرغم من نفاذ الإجراءات القانونية على المستوى

(13) Irene Costera Meijer & Baukje Prins, "How Bodies Come to Matter: An Interview with Judith Butler," Journal of Women in Culture and Society , vol. 23, no. 2 (Winter 1998), pp. 275–286.

الكلي، فقد استمر استخدام اللغة على المستويين الجزئي والمتوسط بإعادة إنتاج الشروط التي تصدّق على اللغة إلى حدّ تعلّم السكان العرب إياها، فضلً عن أنه تم تحقيق توازن فيما يخص بعض إجراءات المستوى الكلي مثل التعامل مع اللغة في الفضاءات العمومية من منظور أمني خالص. وهو ما سيفصله المبحث التالي.

ثانيًا: السيطرة وعلاقات السلطة في الفضاءات المتنازع عليها

في آب/ أغسطس، وفي مساء صيفي لطيف في مخيم دارة شكران الواقع شمال أربيل والذي يبعد نحو ساعة بالسيارة عن المدينة، كنتُ أتجول في المكان لأستكشف المزيد عن حياة الناس هناك. كان قاطنو المخيم إجمالً من الأكراد القادمين من قامشلو (القامشلي)، أكثر المدن الكردية في سورية اكتظاظًا بالسكان، ومن كوباني (عين العرب)، المدينة التي تحولت إلى أنقاض بعد تعرّضها لهجوم

تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش" عام 2014. كانت الحياة في المخيم تضجّ بالحيوية بمناسبة العيد، والناس يزورون أقرباءهم وأصدقاءهم للاحتفال

بالمناسبة. بدت الأجواء أشبه ببلدة كردية صغيرة بمنازلها ومتاجرها ومطاعمها ذوات الطابق الواحد، وبتجمعات الأشخاص الذين يجلسون أمام منازلهم ومتاجرهم، وهو أمر شائع في أوساط الأكراد الذين يمضون ساعات العصر ومساءات الصيف في جلسات كهذه. صادفت خلال تجوالي ثلاثة أصدقاء هم أحمد وميران، ثم جمال الذي انضم إلينا لاحقًا، جالسين أمام منزل يقطنه أحمد مع عائلته. كان أحمد وميران يستمتعان بنسيم المساء في صيف أربيل الحار حين دنوت منهما لأتمنى لهما عيدًا سعيدًا وأغتنم الفرصة لإجراء مقابلة معهما. ولحسن الحظ وافقا على طلبي بلطف بالغ، وجلست معهما لأبدأ المقابلة. ثم سرعان ما انضم جمال إلينا بدوره وجلس معنا ليشارك في المقابلة. كان كل من أحمد (24 عامًا) وميران (20 عامًا) من قامشلو التي أقاما فيها إلى حين مغادرتهما سورية. أما جمال (22 عامًا)

فقد عاش في منطقة الزبداني في دمشق مدة 15 عامًا في إثر انتقاله من مسقط رأسه ديريك (المالكية)

إلى العاصمة. وأثناء التطرق إلى التعليم، أخبرني أحمد أن الحياة المدرسية سارت على خير ما يرام، على الرغم من مواجهة بعض الصعوبات في اللغة العربية في البدايات لعدم معرفته بها. لم يكن يُسمح بالتحدث بالكردية ضمن الصفوف الدراسية. لكن من المقبول، في المقابل، التكلم بها مع الأصدقاء داخل المدرسة. وهو ما أكّده ميران كذلك موافقًا على ما قاله أحمد، في حين لم يتفق جمال معهما في هذا التوصيف، إذ أشار إلى أن الوضع في دمشق كان مختلفًا تمامًا، وأن "التكلم بالكردية داخل

المدرسة قد يكلفك عقوبة الفصل لثلاثة أيام، ولهذا السبب حدثت مشاجرات عدة بيننا وبين طلبة عرب لتنصتهم علينا وإبلاغ مدير المدرسة بالأمر". ويتابع جمال موضحًا أنهم نتيجة ذلك، إذا ما حدث

أن تكلموا بالكردية ومرّ بهم شخص ما، فسيتوقفون عن الكلام إلى حين مغادرته. هنا التقط ميران

الحديث ليتابع مشيرًا إلى أن اختلاف الحال في قامشلو يرجع إلى كونهم جميعًا من الأكراد. وأشار

أحمد إلى أنه لما كانت أعداد الأكراد أكبر في قامشلو، فإن النظام لم يستطع إخضاعهم، لذلك

كان يميل إلى أن يغضّ الطرف عن أمور كهذه، في حين لم تكن أعداد الأكراد كبيرة في دمشق، ما أعطى الغلبة للنظام. وأوضح جمال بمزيد من التفصيل أن مشاجرات كانت تحدث أحيانًا مع بعض الطلبة العرب الذين

يطلقون على زملائهم تسمية "كِردي" وهو نطق لكلمة "كُردي" العربية ينطوي على تقليل في المرتبة. وعلى الرغم من أن جمال دخل في مشاجرات مع الطلبة بسبب تعليقاتهم، فإن هذا النوع من التعليقات لم يكن يقتصر على الطلبة وحدهم، بل قد يصدر عن المدرسين أنفسهم أثناء مخاطبتهم طلبتهم الأكراد. وقد ولّد هذا الوضع حالة من الحزن لدى جمال، إذ كانت ملاحظات كهذه تتسبب له بأذى ناجم عن إحساسه بأنه عرضة للانتقاص وغير معترَف به بوصفه فردًا. وأشار ميران إلى أنهم لم يعيشوا

في قامشلو أي شيء من هذا القبيل، لأن الأكراد كانوا كثرة هناك. وأردف جمال أن سبب مثل هذا الاختلاف إنما يرجع إلى اعتبار قامشلو منطقة من كردستان، ومن ثم لم يكن في استطاعة النظام القيام بمثل هذه الممارسات هناك. في المقابل، ولأن الأكراد كانوا أقلية في دمشق، فإن أيّ فعل تجاههم كان

ممكنًا. وأشار كذلك إلى أن هذا الوضع القائم في دمشق جعله حديثه بالكردية أقل يومًا بعد يوم، إذ

اقتصر استخدامها على حدود الأسرة والأقرباء. إن اختلاف الظرف القائم في قامشلو، الذي جعل الأوضاع فيها أفضل مقارنة بدمشق، إنما يرجع على نحو رئيس إلى كون الفرد محاطًا بأكراد، ما أدى إلى تحسين الشروط القائمة من خلال إتاحة الفرصة لأن يشعر الناس بالأمان أثناء حديثهم بلغتهم فيما بينهم، خلافًا لحال جمال الذي كان خاضعًا لتلصص الآخرين. من جانبها، أوردت ريتا Rita (29 عامًا)، وهي إحدى المستجيبات من قامشلو، معلومات يمكن

بالاستناد إليها التوصل إلى أنّ الفرد في حال كونه محاطًا بأكراد في المدرسة فإنه من شأنه أن يُحدث فرقًا

من حيث إمكان التحدث معًا بالكردية في باحة المدرسة، بل حتى داخل الصفوف في حال كون المعلم كرديًا: "ألم يكن التحدث بالكردية مقبولً في المدرسة، ولا حتى بين الأصدقاء؟ لنقل إن اقتصار الأمر

على الحديث بين الأصدقاء لم يكن ليشكل في قامشلو مشكلة كبيرة لأن جميع معلمينا كانوا من الأكراد. لكنهم كانوا يميلون إلى أن يقولوا لنا: 'لا يمكنكم التكلم بالكردية داخل الصف، عليكم التكلم بالعربية'. ومع الأصدقاء؟ كنا نتحدث الكردية مع الأصدقاء ما لم يكن المعلم عربيًا، فالمعلمون من العرب ما كانوا

ليسمحوا بذلك. وإذا كان المعلم كرديًا؟ كان يسمح بذلك. هل كان معكم في الصف طلبة من العرب؟

وهل كانوا يعلقون على الأمر؟ كانوا يتعلمون الكردية أيضًا. مثلما قلت لك، عند وجود أعداد قليلة من العرب في أوساط الأكراد، فإنهم يتعلمون اللغة الكردية أيضًا". أدرك زين (60 عامًا)، وهو من قامشلو، وكان قد بدأ دراسته في إحدى القرى ثم انتقل لمتابعتها في

المدينة، أن مدرسة المدينة أشد صرامة في منع التكلم بالكردية، إلى حد عدم إمكان استخدامها في باحة المدرسة. مع ذلك، ولأن معظم الطلبة كانوا من الأكراد وبدت القلة من الطلبة العرب الموجودة بينهم ظاهرة جدًا للعيان، فقد استطاع الطلبة الأكراد التكلم بالكردية فيما بينهم ما لم يوجد معهم شخص لا يمكنهم التحدث بلغتهم أمامه. وهكذا، فخلافًا لحال ريتا التي امتلكت مساحة حرية أكبر لأن معظم معلّميها كانوا من الأكراد، لم يكن في استطاعة زين استخدام الكردية بحرّية في

المدرسة لأن معظم معلّميه كانوا من العرب. وكما ذكر رودي (62 عامًا)، وهو أحد المستجيبين من الدرباسية، كان هنالك مدرسون من مصر في زمن عمّته التي تكبره ببضعة أعوام. أما في زمنه فبات المعلمون في معظمهم من الساحل السوري وقلة منهم كانت من أبناء المنطقة. ثم مع ازدياد أعداد المعلمين من الأكراد بمرور الزمن، صار التحدث بالكردية بحرّية أكبر ممكنًا في البلدات الصغيرة.

أما في القرى، فقد وصل الأمر أحيانًا ببعض المعلمين إلى حد تقديم إيضاحات وشروح إضافية باللغة الكردية داخل الصفوف. لكن، لما درس كل من رودي وعمّته المرحلة الابتدائية في القرية مثلما هو حال زين، فإنهما لم يواجها أيّ مشكلة في استخدام الكردية لأن مَن حولهم كانوا جميعًا من الأكراد، وبذا سينزع المعلمون القادمون للعمل في القرية إلى التكيف مع حياة أبنائها، لا إلى فرض نمط حياة مغاير عليهم. "هل اختلفت حياتكم المدرسية كثيرًا عن حياتكم خارج المدرسة؟ لا، على الإطلاق! كانت المدرسة

بيتًا من بيوت القرية، فأنى لنا أن نذهب إلى أي مكان آخر؟! بل على العكس، كان يأتي إلينا المدرسون ويصيرون مثل الأكراد. حتى الدجاج كان كرديًا [يضحك]. كانت القرية برمتها كردية، وكذلك القرى المحيطة بها، لم يكن هنالك عرب، ما من عرب بيننا". بيد أن التحدث بالكردية يصير أشد تعقيدًا حيث يكون الأكراد أقلية. يذكر ديار الذي درس وعاش في دمشق 8 سنوات، بعض ما واجه من صعوبات أثناء دراسته في جامعة دمشق: "كان هنالك ذاك الشاب، من محافظة في الجنوب السوري، في أقصى الجنوب، من مدينة تدعى درعا. مرة كنا نتحدث باللغة الكردية مع زميل في الجامعة فسألنا: 'ما اللغة التي تتكلمون؟' قلت له: 'إنها الكردية'. لم يستطع أن يعرف اللغة، ولعله لم يكن يعرف شيئًا عن الأكراد. قال: 'ممنوع تحكي كردي'، ما يعني أنه من المحظور عليك التكلم بالكردية، فقلت: 'لم هذا المنع، ما الذي فعلناه لكم؟ جاء الفرنسيون واضطهدوكم، وتعدّوا على كرامتكم وشرفكم (ناموسكم)، وعلى نسائكم، لكن اللغة الفرنسية تُدرس في جامعات دمشق وحلب [...] كان إبراهيم هنانو كرديًا قاد الثورة ضد الانتداب الفرنسي لينقذكم، وبدلً من شكرنا، تأتي لتقول لنا إن لغتنا ممنوعة؟' صمت تمامًا بعدها ولم يقل شيئًا". عاشت ريتا تجربة مشابهة أثناء دراستها في جامعة حماة، قبيل اندلاع الحرب الأهلية بقليل، حيث كانت تتابع دراستها الجامعية إبان المرحلة المبكرة الأولى من الحرب. وفي حين كانت تُحادث إحدى صديقاتها بالكردية، حذّرها أحد المحاضرين من استخدامها إياها داخل الحرم الجامعي. أجابته بأنها لم تكن تتكلم معه، بل مع صديقة كردية، ومن الطبيعي تمامًا أن تتحدث بالكردية مع الأكراد. ولأن

المحاضِر ظن أنها كانت أكثر عنادًا من أن  تقبل الإقرار بخطأ فعلتها، ولم يكن هنالك أيّ أساس قانوني لتبرير عدم مقبولية استخدامها اللغة الكردية داخل الحرم الجامعي؛ فقد لجأ إلى طالب كردي أقدم منها في القسم وطلب منه أن يتحدث إليها في هذا الشأن. غير أن الطالب الأقدم لم يجد بدوره في الأمر خطأ يُذكر، فلم يتمكن المحاضر من الإلحاح أكثر.

ثالثًا: الجسد الاجتماعي وسلطة العلاقات العادية

لم تقتصر الفروق بين مناطق الأكثرية ومناطق الأقلية الكردية، وكذلك بين المجال العام والبيئة الاجتماعية، على ترسيم حالة تمايز تتسم بحرّية أكبر في التكلم باللغة الكردية، بل تعدتها إلى تمايز في

تعلّم اللغة أيضًا، اقتصر على حدود التخوم الأنثروبولوجية الهامشية من المجتمع الكردي. ونجد مثالً حيًا على ذلك في الأكراد الذين يستخدمون اللغة العربية في حياتهم اليومية في المخيمات التي زرتها.

كان بعض المستجيبين في المقابلات حين سؤاله عن سبب عدم معرفته بالكردية، يفسر الأمر بنشأته في مناطق لا تضم الكثير من الأكراد، وقد أدى الدفع باستخدام الكردية ضمن إطار الحدود الضيقة للمجال الخصوصي إلى الحد من تعلّمها أيضًا، فاقتصر هذا التعلم على ما عبّر عنه يوسف، وهو

مستجيب من قامشلو في أوائل العقد السابع من عمره، في حدود "البيوت الكردية والشوارع الكردية". ويرجع الأمر إلى أنه لم يكن في إمكان الأكراد التحدث بالكردية إلا مع أفراد أسرهم وأقربائهم كحال ما أورده جمال في دمشق كذلك. ومن جانبه، أخبرني فيصل وهو في أواخر العقد السادس من عمره من قامشلو، وسياسي ومدرس مفصول من عمله، عن مدى إحساسه بأنه شاكر وممتن لنشأته في أوساط الأكراد، وذلك بعد أن التقى صبيًا كرديًا لا يعرف اللغة: "في طفولتي، عرفت أنني كردي من خلال لغتي

[...] لدينا مثلً ذلك الشاب الذي كان في زيارتنا يوم أمس، وهو دمشقي النشأة بينما ترجع أصوله إلى كوباني. إنه لا يعرف لغته، وقلت إنني محظوظ جدًا لأنني لم أكبر في أماكن كدمشق واستطعت بذلك تعلّم لغتي وتعرّف غايتي وقضيتي (الكردية). إنه لفضل كبير أن نكون قد نشأنا في المجتمع الكردي

حيث يكون المرء كرديًا بشكل طبيعي. وكذلك اتسمت نشأتنا بعدم وجود احتكاك كبير مع قوميات

أخرى، بحيث إن جميع من في قريتنا كانوا من الأكراد". ومع ذلك، لم تكن هذه الفروق بين مناطق الأكثرية ومناطق الأقلية الكردية موضوع انشغال دائم لدى الناس، باعتبار أنهم كانوا قادرين على تكييف أنفسهم بعضهم مع بعض من دون أن يعني ذلك استبدال حياة بأخرى في المجال الاجتماعي للحياة اليومية. وعبّر الكثيرون أيضًا عن سعادتهم بحياتهم في

دمشق وحلب، ومن بينهم جوان، وهو أحد المستجيبين في بداية العقد السادس من عمره، وقد أمضى حياته بين ديريك وقامشلو طوال 22 سنة، ثم انتقل لاحقًا إلى حلب للدراسة وعاش فيها إلى حين مغادرتها عام 2012، ففي أثناء حديثه عن الفروق بين التجربتين وعن مدى سعادته بحياته في حلب، كشف المزيد عن السلطة الموجهة إلى الجسد الاجتماعي، والتي أشار إليها بمسمى "القوقعة": "فضلً عن النجاح الدراسي، فإن مرحلة الدراسة الجامعية، بوجه خاص، هي باعتقادي المرحلة الأفضل في حياتي كلها. إنها مرحلة تفتح العقل والقلب معًا، وهي تجربة تتيح معرفة ثقافة جديدة ومجتمع جديد، مجتمع متنوع؛ ذلك أننا عندما كنا نعيش في القرية [في ديريك حتى سن الثانية عشرة]، ثم في قامشلو التي كانت مدينة متعددة الإثنيات حتى إن بإمكاننا القول إن جميع المكونات السورية كانت حاضرة فيها؛ كنا مع ذلك كله ما نزال نحيا في قوقعة، إما قوقعة القومية الكردية أو المجتمع الكردي أو الجماعة العائلية. أما في الجامعة، فتجد أشخاصًا قادمين من المناطق كلها وينتمون إلى ثقافات مختلفة، ويمكننا القول إن تبادلً يحدث بين الثقافات والمعتقدات، تزدهر به شخصية الفرد وتتطور".

أثناء الانطلاق من منظور تفاعلات الحياة اليومية التي يخضع لها الفرد، وإزاحة أجهزة الدولة والإجراءات القانونية من نقطة المركز، يصبح في الإمكان تبيّن السلطة الموجّهة التي يمارسها عبر

الأفراد العاديين الكيانُ الذي قد يبدو، من منظور المستوى الكلي، كيانًا غير فاعل. ويُظهر الاستطلاع التفصيلي لعلاقات المستوى الجزئي في الحياة اليومية كيف يكون الناس العاديون، الذين ليس لهم أي ثقل سياسي بوصفهم أفرادًا، فاعلين يمتلكون قوة التأثير في توجهات الحياة العادية في مجال الحياة الاجتماعية، على غرار أجهزة الدولة التي تهدف إلى القيام بعمليات كهذه على نطاق واسع في الفضاءات العمومية. ولما كان عمل هؤلاء الفاعلين يجري على المستوى الجزئي لعلاقات الحياة اليومية، فإنهم ينطوون في الواقع على القوة اللازمة لكي يكونوا مؤثرين في الأجساد الداخلة في علاقات متبادلة. وينطبق هذا الأمر على كل من الأجساد التي في إمكان الخطاب الأمني أن يكون فاعلً من خلالها، والأجساد التي تعيد إنتاج اللغة الكردية وتصدّق عليها. ولما كانت تفاعلات كهذه تتجاوز العلاقات الشخصية وتكون أكثر شيوعًا وأكثف حضورًا في الطبيعة، لأنها تحدث في كل مرحلة من مراحل الحياة، فإنها – باعتبارها "قوى شخصية" – تحمل تأثير "التشكيل المتبادل للأفراد"، وبذلك فهي تُعد جوهرية لظاهرة المجتمع ومقومًا رئيسًا لأي حياة

اجتماعية. درس جورج هربرت ميد Mead Herbert George بدوره الظاهرة ذاتها، وعرّفها بمسمى

"الاشتغال المؤسسي" functioning Institutional الذي يفعل فعله من خلال "موقف/ مواقف ممأسسة" يمارسها "فرد/ أفراد ممأسس/ون". وأسهم بيير بورديو كذلك في المزيد من الانتشار لهذه الفكرة وذلك من خلال مفهومه عن "الهابيتوس" Habitus الذي يشير إلى تلك المعرفة الناجمة عن خبرات متراكمة مُستدمَجة Internalized، والتي تشكّل خصيصة حياة اجتماعية – ثقافية ما، بما فيها اللغة واستخدامها. وكما أوضح بتفصيل أكبر، فإن هذه العلاقات هي ما يقود إلى انطباع المعرفة بالخبرات المتراكمة في الأجساد، عبر أجساد يكون كل واحد منها فاعلً في الآخر، وهي التي تصدّق على الطبيعة الاعتيادية من خلال الإبقاء على ديمومة الحياة العادية التي تحدث فيها المواقف المؤسسية "على نحو عفوي تمامًا". ومع كل هذا "التعدد لعلاقات القوة المتأصلة في المجال الذي تكون فاعلة فيه، والذي يشكّل بدوره تنظيمها الخاص"، تصير السلطة التي تمارسها هذه العلاقات

(14) John Henry Wilbrandt Stuckenberg, Introduction to the Study of Sociology (New York: A. C. Armstrong and Son, 1898), p. 127. (15) Georg Simmel, The Sociology of Georg Simmel , Kurt H. Wolff (ed. & trans.) (New York: Free Press, 1967), p. 14. (16) Ibid., p. 155. (17) Ibid., p. 264. (18) Ibid., p. 211. (19) Pierre Bourdieu, The Logic of Practice (Cambridge: Polity Press, 1992); Pierre Bourdieu, Outline of a Theory of Practice , Richard Nice (trans.), Cambridge Studies in Social and Cultural Anthropology 16 (Cambridge: Cambridge University Press, 2013). (20) Bourdieu, Outline of a Theory of Practice , p. 167. (21) Foucault, The History of Sexuality , p. 92.

كلية الوجود، إذ يمارسها الجميع في كل لحظة وفي "كل علاقة وفي جميع الاتجاهات"، وتسيطر على كل جانب من جوانب الحياة اليومية "لأنها تأتي من كل مكان". في سياق حديثه، أطلق جوان على هذه العلاقات تسمية قوقعة الإثنية الكردية والمجتمع الكردي والجماعة العائلية، والتي غادرها مبتعدًا حينما انتقل إلى حلب واختبر طرائق حياة جديدة مغايرة لتلك التي نشأ عليها. ومع أنه عايش بالفعل في قامشلو عربًا وآشوريين وأرمن، فإنه لم يجد الحياة في هذه المدينة

مختلفة كثيرًا عما كانت عليه في إحدى قرى ديريك؛ ذلك أن حياة الأكراد في المدن ذات الأغلبية الكردية

احتفظت بصلابة قوقعتها في ظل حكم النظام البعثي الذي واصل ممارسات التعريب وسياسات التلقين البعثي، والتي انطوت جميعها على الدلالة ذاتها في نظر الأكراد. كان من شأن السلطة التي مارستها تلك العلاقات أن استمرت في إعادة إنتاج اللغة الكردية والتصديق على استخدامها في الحياة اليومية. وبفضل العلاقات البينذاتية Intersubjective التي تقوم على مستوى الحياة البسيطة العادية، والتي يحدث في ضوئها الفعل المتبادل للأجساد المختلفة، لم يقتصر تعلّم الكردية على الأكراد، بل تعلّمها كذلك العرب المقيمون في مناطق الأغلبية الكردية بغرض التواصل مع جيرانهم وزملائهم وأصدقائهم، تمامًا كحال

الأكراد مثل حنيفة التي تمكنت من تعلّم العربية بفضل جيرانها العرب وبتأثير التفاعل معهم. وكذلك نجد رواية مشابهة فيما أوردته ريتا التي لاحظت بدورها ظاهرة تكلّم السكان العرب بالكردية في حال إقامتهم في مناطق الأغلبية الكردية. وشاركنا رشيد أيضًا، وهو أحد المستجيبين في مطلع العقد الخامس من عمره من عفرين، تجربة مماثلة عاشها مع جيرانه، حيث كان يرسل أطفاله إلى بيوت جيرانه العرب لكي يتعلموا العربية حتى لا يواجهوا صعوبات عند بدء التعليم الرسمي: على سبيل المثال، كان عندنا جيران من العرب، وعندما كان أطفالي صغارًا، كنا نرسلهم للعب مع أبناء الجيران فيتعلمون بذلك العربية. مضى

أسبوع وأسبوعان، ومع مرور بعض الوقت جاءني الجار قائلً وهو يضحك: "بدلً من أن يتعلم صغارك العربية، فإن صغاري هم من تعلموا الكردية". كانت البيئة الاجتماعية بوصفها تجسيدًا للخصائص الاجتماعية – الثقافية من القوة إلى حد تقويض بعض السياسات المعادية للأكراد، مثلما يتضح من تأكيد أحمد أن النظام كان يغضّ الطرف عن استخدامهم الكردية في المدرسة على اعتبار أن المنطقة اتسمت بكثرة نسبية في عدد الأكراد، أو، إن نحن استعرنا كلمات جوان، كانت القوقعة أقسى من أن تُكسر؛ وذلك خلافًا لما ذكره في المقابل جمال وديار وريتا الذين واجهتهم بعض الصعوبات في دمشق وحماة. وعلى اعتبار أن في إمكان مجمل هذه المعطيات أن تحول دون صمود الخطاب الأمني وترسيخه، جاءت خطة التغيير الديموغرافي لتشتيت الشبكة الاجتماعية من خلال الحرمان الاقتصادي الهادف إلى تعزيز الهجرة الداخلية وتقسيم الجماعات المختلفة ببناء مستوطنات. بيد أن تجارب المستجيبين ومشاهداتهم وما قدّموه من تفصيلات أظهرت كيفية تمكُّن الجسد الاجتماعي من مقاومة إجراءات الأمننة على الرغم من اتخاذ إجراءات قمعية صارمة استمرت حتى مطلع القرن الحادي والعشرين، وإلى ما قبل اندلاع الحرب الأهلية عام 2011 بفترة وجيزة.

(22) Ibid., p. 93.

رابعًا: الذوات وعلاقات السلطة وخطاباتها

عزا جويل ميغدال ظاهرة كهذه إلى ضعف الدولة وعجزها عن النفاذ داخل المجتمع لضبط العلاقات الاجتماعية. ويقتضي النموذج الفيبري للدولة الذي انتهجه ميغدال وجود القدرة على خلق نزوع لدى الأفراد نحو السلوكات المُلزِمة بغرض إعادة النظام إلى الحياة الاجتماعية. وبناء عليه، فإن العجز

عن توليد مثل هذه القوة المتعالية على الحياة الاجتماعية يُعدّ ضعفًا في قدرة الدولة. ومع أن الإدراك

الأفضل للدولة يأتي من خلال جسدها الإداري، مثلما أكد ماكس فيبر Weber Max، بل أكثر من ذلك، يكون إدراكها الأمثل من خلال دور المؤسسات المحدّد وفق قوانين عامة مُدونة تقع على النقيض

تمامًا من أيّ معالجة تعسفية، لكن عملياتها القمعية والأيديولوجية تشكّل قاعدة أساسٍ لها. والواقع

أن الدولة بوصفها مجموعة معقدة من الأجهزة، على الأقل مؤسساتيًا وتقنيًا، إنما تعمل على إعادة

إنتاج شروط بقائها، ومن هنا ينبغي تأويل مسعاها في إعادة النظام إلى الحياة الاجتماعية باعتباره يهدف إلى إعادة إنتاج أساسها السياسي والأيديولوجي. وبناء عليه؛ فمع أن في الإمكان، وفق معايير ميغدال، وصف الدولة السورية بالضعف لعدم قدرتها على موضعة نفسها في موقع استراتيجي يجري فيه ضبط العلاقات من خلال آلياتها بوصفها دولة، بدا واضحًا أن في إمكان هذه الدولة ممارسة السلطة بوسائل

قمعية وأيديولوجية، لكي توطّد جهازها السياسي وتعيد إنتاج خطاب أطرها الأيديولوجية بفرض سلوكات بعينها في الأجساد العادية. ولذا؛ على الرغم من أنها فشلت بوصفها مؤسسة في سلطتها التحت–بنيوية Power Infrastructural، إن جاز القول، فإن تطبيع الإجراءات القمعية ضد استخدام اللغة الكردية، وما أظهره الناس العاديون من ردود فعل حيال استخدامها في الفضاءات العمومية، يؤكدان إعادة إنتاج شديدة لشروط التكييف الأيديولوجي. لذلك، ينبغي ألا تُقرأ ردود الفعل على اللغة الكردية وما يرافقها من تطبيع للإجراءات من خلال الإجراءات القمعية في حد ذاتها، التي كان يمكن لها أن تظل محصورة في إطار الجسد الإداري وعلاقته بالأفراد، وإنما يجب أن تُقرأ من خلال شروط تدخّل الناس العاديين بما يُعمّق هذه الإجراءات، إذ تصير حاضرة في سياق العلاقات الخصوصية بين

الزملاء والمعلمين والطلبة. ومع أن الدولة لم تضع أيّ قانون يمنع الأكراد من استخدام الكردية في

أحاديث بعضهم مع بعض في الفضاءات العمومية، أي لم يكن هنالك أيّ أساس قانوني يمنع الناس

من التحدث بالكردية فيما بينهم في المدارس وداخل الحرم الجامعي، فقد أظهر الأفراد العاديون، أي أولئك الذين لم يكن التدخل مطلوبًا منهم أساسًا، نزوعًا إلى فرض الخطاب الأمني المهيمن في

المجال العام في إطار العلاقات المتبادلة، وذلك من خلال تولي دور الحامل لهذا الخطاب الأمني، الذي ينتقل من خلالهم ويتجلى في عملياتهم الإدراكية وفيما يصدر منهم من أقوال.

(23) Joel S. Migdal, Strong Societies and Weak States: State–Society Relations and State Capabilities in the Third World (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1988). (24) Ibid., pp. 19–23. (25) Ibid., pp. 33–38. (26) Louis Althusser, Lenin and Philosophy, and Other Essays (New York: Monthly Review Press, 1971). (27) Michael Mann, "The Autonomous Power of the State: Its Origins, Mechanisms and Results," European Journal of Sociology , vol. 25, no. 2 (November 1984), pp. 185–213.

نستطيع أن نتبين أن الخطاب الذي نادى به هؤلاء الأفراد العاديون قد تجاوز حدود المرحلة الزمنية لكل واحد منهم، إذ بدت التدخلات متشابهة رغم اختلاف الزمان والمكان، واعتمدت في ملاحظاتها الأدائية على توظيفٍ للخطاب ذاته. وهكذا؛ على الرغم مما بدا من أن الخطاب يستهدف الأكراد وحدهم، فقد ظهر كذلك أن أولئك المعارضين لاستخدامه كانوا مستهدفين بدورهم، إذ إنهم حملوا الخطاب إلى مستوى العلاقات الجزئية، حيث فشلت أجهزة الدولة في أن تكون فاعلة، ومن هنا جاءت التدخلات موسومة بصفتين على حد سواء، فهي من جهة غير متوقعة، إلى حد توقّف أشخاص، مثل زين وجمال، عن الكلام بالكردية إن مرّ بهم شخص لا يعرفونه تجنّبًا لأي عواقب، وهي من جهة

أخرى شخصية، بحيث إن أولئك الذين تدخّلوا قاموا بذلك بإرادتهم ومن دون أن يُطلب منهم ذلك.

ولما كانت هذه التدخلات خصوصية بطبيعتها، فقد انطوت على درجة معينة من الحرية كان من شأنها أن سمحت بتحدّيها بالاستناد إلى محاجّات أخلاقية ومنطقية، مثلما فعل ديار وريتا. ولما كان الناس

في تلك العلاقات المتبادلة الفاعلة على المستوى الجزئي للحياة اليومية قادرين على ممارسة السلطة لصدّ التدخلات، فقد استطاعوا كذلك العمل على تحجيمها أو التقليل من آثارها في أماكن وجود الأغلبية الكردية، ويرجع ذلك إلى أن معظم الأشخاص الذين في محيطهم كانوا من الأكراد. وبذلك استطاعت العلاقات البينذاتية أن تحول، من ناحية، دون تثبيت خطاب الأمننة في الأجساد، وهو ما حدث في المناطق التي عاش فيها العرب والأكراد معًا، واستطاعت، من ناحية أخرى، أن تعيد إنتاج استخدام اللغة وتصدّق عليه. وهذا يعني أنه، إلى جانب علاقات السيطرة ثنائية البعد، كان للعلاقات البينشخصية Interpersonal والبينذاتية التي عاشها الأفراد أثر أكبر في المستوى الجزئي لعلاقات الحياة اليومية من أثر أجهزة الدولة. ينبغي إذًا أن تفكر السلطة لا باعتبارها "صيغت بمصطلحات القانون" التي تموضع السلطة في مستوى كلي في يد الدولة أو في يد فاعل ذي دلالة سياسية، بل بوصفها علاقات سلطة منتشرة في العلاقات البينشخصية التي تشتغل في كل جانب من جوانب الحياة اليومية، وتتوارى متخفية من خلال فعاليتها عبر الأفراد الذين لا يحملون أيّ دلالة سياسية، ويمارسون

سلطة ضبطٍ للحياة الاجتماعية عبر أفعال جسَدانية Actions Bodily موجّهة من بعضهم نحو بعضهم

الآخر بغرض استدماج سلوكات جسَدانية وفرضها، مثل اللغة بوصفها فعلً. وبناء عليه، فإن الذوات في علاقاتها المتبادلة، لا السيادة في بنيانها الوحيد، بل مختلف عمليات الإخضاع التي تحدث في الجسد الاجتماعي وتشتغل فيه، هي ما يجب أن تؤخذ منطلقًا ل "فهم السلطة بأشكالها ومؤسساتها الأكثر محلية"ً، وذلك من أجل تجاوز علاقات السيطرة المتمحورة حول الدولة والمجموعات الثنائية والوصول إلى تحليل لعلاقات السلطة المنتشرة، التي إن ولّدت، بوصفها شبكة من العلاقات، كثافة بمرورها عبر المؤسسات والأجهزة، فإنها لا تتموضع فيها.

(28) Foucault, The Archaeology of Knowledge. (29) Foucault, The History of Sexuality , p. 87. (30) Foucault, Society must be Defended , p. 27. (31) Foucault, The History of Sexuality , pp. 92–93. (32) Ibid., p. 96.

إنها "أشكال متعددة من السيطرة التي يمكن أن تمارس في المجتمع، وعمليات إخضاع عديدة تحدث داخل الجسد الاجتماعي وتشتغل فيه". الهدف إذًا هو تحليل السلطة بأشكالها ومؤسساتها الأكثر محلية، حيث "تصير ممارستها أكثر فأكثر ابتعادًا عن السلطة القضائية" وتشتغل في المجالات الخصوصية من الحياة، حيث تتسم العلاقات بأنها شخصية. ذلك كله لاستنتاج أن السيطرة، في علاقاتها الثنائية البعد، تبقى مقتصرة على أجهزة الدولة، حيث يكون الضبط ممكنًا من خلال إجراءات قمعية. ويرجع ذلك إلى أن السلطة ليست ملكية يمكن أن تتمسك بها جماعة ما، بل هي أحد نتاجات المواقف الاستراتيجية التي تشهد انتشارًا لها في العلاقات الاجتماعية. ويرجع الأمر أساسًا إلى أن علاقات السلطة تستلزم درجة معينة من الحرية لكي تشتغل من جهة، وتحجُب هذه الحرية جزءًا مهمًا منها فيصير في الإمكان احتمالها من جهة أخرى. وهكذا؛ فخلافًا لحال الموضوعات

المادية للسيطرة القمعية، يكون هدف علاقات السلطة هو النفس والنفسية، وليس الضبط الخارجي للجسد. ومع ذلك، وباعتبار أن الهدف النهائي هو تحقيق مراقبة الجسد وتوظيفه حاملً لممارسة هذه المراقبة، فإن الجسد يصير بذلك حاملً وهدفًا نهائيًا في آن. وتفترض هذه الرؤية أن الأفراد،

بما هم حامل، يشكّلون جزءًا من ممارسات كاملة للسلطة، ومن خلالهم يجري نشر السلطة في

العلاقات الاجتماعية. ولما كان فعلهم ينبني على أفعال آخرين بعيدًا عن نظرة الجمهور المحدقة فإنهم يحملون القوة إلى عمق الرابطة الاجتماعية، إلى حد قد يصير معه المجتمع، من دون علاقة السلطة، مجرد تجريد فحسب. وهكذا؛ فعلى غرار ممارسة السلطة في العلاقات المتبادلة بين الزملاء، توجد علاقات متعددة الطبقات في الحياة اليومية شبّه جوان تأثيرها بالقوقعة. ولما كانت هذه العلاقات تكوينية في غايتها، فإنها

تستهدف الأجساد بمراقبتها عبر استدماج بعض السلوكات وإلزام بعضها الآخر وتقويمه وتجنّبه. لقد تمكنت الجماعات الكردية، التي تشكل أغلبيةً على امتداد الأجزاء الشمالية من البلاد، من الاستمرار في إعادة إنتاج بيئة فاعلة مؤسسيًا استطاعت إخضاع الأجساد واستدماج استعدادات Dispositions

لإعادة إنتاج أفراد منظّمين مؤسسيًا. كانت اللغة الكردية استعدادًا لمثل هذه العلاقات، التي على

(33) Foucault, Society must be Defended , p. 27. (34) Ibid., pp. 27–28. (35) Foucault, Discipline and Punish , p. 26. (36) H. Becker, R. Fornet & A. Gomez Muller, "The Ethic of Care for the Self as a Practice of Freedom: An Interview with Michel Foucault," P. Aranov & D. McGrawth (trans.), Concordia: Revista internacional de filosophia , no. 6 (July– December 1984), p. 123. (37) Foucault, The History of Sexuality , p. 86. (38) Foucault, Discipline and Punish , p. 30. (39) Ibid., p. 170. (40) Ibid., p. 171. (41) Foucault, Power , p. 340. (42) Ibid., p. 343.

الرغم من القيود المفروضة على استخدامها في الفضاءات والخدمات العمومية، فقد كان من شأن استدماجها عبر التصرفات الجسَدانية الإبقاء على إعادة إنتاجها في المجالات الخصوصية مثل

"بيوت الأكراد وشوارع الأكراد". إن حالة الانقسام بين واقع جيرانٍ وأصدقاء عرب يتعلمون الكردية في مناطق الأكثرية الكردية، وواقع أكراد نشؤوا في مناطق كدمشق من دون معرفة باللغة الكردية، وكذلك بين الطلبة الذين يقدرون على التحدث بالكردية في المدرسة في مناطق الأكثرية الكردية، في حين أنهم يواجهون صعوبات في ذلك عند وجودهم في مناطق الأقلية الكردية، يمكن فهمها باعتبارها نتاجًا لعلاقات السلطة التي تتجاوز السيطرة العمومية للدولة. في شبكات كهذه تُمارَس السلطة وتُعمّم

بوصفها نفاذًا في الأجساد، التي هي المكونات الذرية الرئيسة للمجتمع، والتي أرجعها فيصل إلى كون المرء كرديًا ويتحدث الكردية بوصف ذلك حصيلةً طبيعية للنشأة في شبكة كهذه. وهو ما عبّر

عنه رودي بلمحة فكاهية حين قال إن الدجاج ذاته كان كرديًا، وأبدت ريتا ملاحظة مماثلة في حجّة

ردّها على المحاضر الجامعي مفادها أنه من الطبيعي تمامًا التحدث إلى كردي بالكردية. بدا طبيعيًا

كذلك أن يتحدث الأكراد والعرب ممن يعيشون معًا كلتا اللغتين، وهو ما أظهرته ملاحظة ريتا بشأن تعلّم العرب الكرديةَ إن هم عاشوا بين الأكراد، وحالة حنيفة وجيرانها الذين يعرف بعضهم لغة بعضهم الآخر، وأطفال رشيد في تبادلهم اللغةَ مع أبناء جيرانهم من العرب. ومع أن جوان شبّه هذه الشبكة

بالقوقعة التي تفرض قيودًا بحكم طبيعتها بالتحديد، فإنها في الوقت ذاته شبكة تمكينية تجسد طبيعة الاتّباع Subjection الذي هو أساس للفاعلية التي تحدث عبر الإكراهات. وتشتغل هذه العلاقة

التفاعلية بين جسدٍ وأجساد أخرى بدورها من خلال أفعال جمعية مؤثرة في التصرفات الجسَدانية

بأسلوب صاغه بورديو بمسمى "السحر الأدائي للاجتماعي". ولأنها تحدث داخل شبكة، خلافًا لسيطرة الدولة، فإنها تشتغل من دون وجود قائد يتولاها. لم يقتصر هدف الجسد السياسي للدولة المتمثل في الوصول إلى مثل هذه القدرة الأدائية على إخفاء حقيقة الأجهزة القمعية والأيديولوجية، بل امتد إلى تطبيعها أيضًا، بحيث تقوم بأداء دورها عبر تدخّل بضعة أفراد عاديين تمامًا لتقويم بعض التصرفات الجسَدانية مثل التحدث باللغة الكردية،

أو فرض تصرفات أو الحيلولة دون حدوثها. قام الأفراد في إطار هذه اللعبة بدور حامل للسلطة، وذلك من خلال اتخاذ إجراءات موجهة نحو أفعال الآخرين في المجالات الخصوصية بالاستناد إلى توظيفٍ للخطابات التأديبية من جهة، ومن خلال التصرف من جهة أخرى، بما يوافق بعض القواعد الاستراتيجية لإنتاج الحقيقة ويقود إلى ظهور تعصب جمعي Prejudice Collective وإلى تطبيعه. وفي الإمكان ملاحظة كل هذا في ردود الفعل اللحظية على استخدام اللغة الكردية، وعلى التصرفات الجسَدانية، ولا سيما أنه ما من تصريح وتطبيعه يمكن أن يمرّا من دون أن يصيرا عرضة للتساؤل

(43) Judith Butler, The Psychic Life of Power: Theories in Subjection (Stanford, CA: Stanford University Press, 1997). (44) Pierre Bourdieu, "Doxa and Common Life," New Left Review , vol. 1, no. 191 (1992), pp. 111–121. (45) Bourdieu, The Logic of Practice , p. 57. (46) Bourdieu, Outline of a Theory of Practice. (47) Becker, Fornet & Muller, p. 129.

مثلما يجري التساؤل حول الأسباب التي تجعل التحدث بالكردية مرفوضًا. ونشهد هنا إدماجًا للأفراد

في الأساس الأيديولوجي للدولة، وهو إدماج يُدرج بنية من الأفعال، ومن أمثلة ذلك وضع لغة ما في موضع استراتيجي في صلب السيطرة الحصرية، بحيث تعاني تأثير مجموعة متعددة من الأفعال المحتملة، ويصير الوصول إلى بعضها يسيرًا في حين يتعذر الوصول إلى بعضها الآخر بفعل الإكراهات

والمحظورات. وبذلك، فإن تطبيع التمثل الأمني للغة لم يتسبب في التضييق على إمكان الوصول إليها فحسب، بل في جعلها كذلك تمسي أقل مقبولية إلى حد استثارة بعض التدخلات الاندفاعية من أناس عاديين لم يكن هذا التدخل أو التجسس مطلوبًا منهم أساسًا. ولما كانت هذه التدخلات

تهدف بطبيعتها إلى إخضاع الأجساد وتقويمها فإن تحدي هذه الرغبة في الإخضاع، بالاستناد إلى معطى عقلاني وأخلاقي، كان من شأنه إفساح المجال أمام السيطرة الرمزية التي حضرت عفويًا، وكان متوقعًا تمامًا أن تنتهي عفويًا مثلما حضرت، وألّ تذهب إلى ما هو أبعد من ذلك. ونجد مثالً على

ذلك في رد ديار على ذلك الطالب من درعا بأن استفهمه عن سبب اعتباره التحدث بالكردية ممنوعًا على الرغم من كون الأكراد جزءًا من النسيج الاجتماعي. هنا لم يستطع ذلك الطالب أن يتابع تدخّله

بتقديم حجج داعمة له فتوقّف. وينطبق الأمر ذاته على حالة المحاضر الجامعي الذي وجّه تنبيهًا إلى

ريتا بألّ تتحدث الكردية في الحرم الجامعي، إذ إنه لم يستطع أن يُعلل سبب قوله هذا بمحاجّة منطقية،

خلافًا لحال ريتا التي قدّمت موقفًا واضحًا بقولها إن الحديث كان موجهًا إلى صديقة كردية، وإنه لمن

الطبيعي تمامًا أن تخاطب الأكراد بالكردية. كذلك نجد نزوعًا مشابهًا في مواقف الطلبة المتجسسين

على جمال والزميلة التي أبلغت المدير والأساتذة المعترضين على استخدام الكردية في المدرسة، الذين عجزوا عن تعليل أفعالهم بحجج معقولة، واكتفوا بالتعويل على استخدام الإجراءات العقابية مثل الفصل المؤقت من المدرسة. نجد في مجمل ردود الفعل هذه على استخدام اللغة الكردية، وكذلك في استمرارية استخدامها في الحياة اليومية، أمثلة حية على أسس التمكين. ففي الفضاءات العمومية، استطاعت ذوات الخطاب الأمني التدخل لإخضاع أولئك المتحدثين بالكردية وتقويمهم، في حين تمكّن الأكراد في مناطق الأغلبية الكردية من الاستمرار في إعادة إنتاج اللغة والتصديق عليها وذلك باستخدامها في الحياة اليومية، وبتحدي التدخلات في العلاقات المتبادلة. وعلى الرغم من غياب مُدرَكية اللغة الكردية في

الفضاءات العمومية نظرًا إلى ما تخضع له من قيود وحظر، فإنها استطاعت أن تعاود الظهور في أجهزة

الدولة الأيديولوجية كالمدارس والحرم الجامعي، وأن تتحدى الخطاب في سياق العلاقات المتبادلة. لقد أدت استمرارية استخدام اللغة وتحدي أمننتها دورًا حاسمًا في الحيلولة دون تطبيع مثل هذا

الخطاب في المجالات الخصوصية في أوساط الأكراد، وهو تطبيع كان سيؤدي إلى الوقوع في خطر الاستدماج الداخلي للإخضاع، الأمر الذي كان سيقود حتمًا إلى تعميق استيعابه. وقد أدت إعادة إنتاج

الاستعدادات الثقافية للغة، وتحدي محاولات أمننتها في العلاقات الخصوصية، على غرار الحد من

(48) Foucault, "The Subject and Power." (49) Judith Butler, Excitable Speech: A Politics of the Performative (New York: Routledge, 1997).

حضور اللغة الكردية في المجال الخصوصي، دورًا أيضًا في التضييق على خطاب الدولة، بحيث يبقى

محصورًا في أطر المجال العام حيث تنشط أجهزتها. ومثلما أوضح جيمس سكوت بتفصيل كافٍ

في كتابه السيطرة وفنون المقاومة، فإن الإبقاء على هذه الثنائية بين المجالات الخصوصية والعمومية يمكنه كذلك أن يضعضع علاقة السيطرة الثنائية البعد، حتى إن بدت متجذرة بالفعل بعمق شديد في الاستخدام اليومي للغة في المجال العام.

ملاحظات ختامية

على الرغم من أن الإجراءات القانونية وتنفيذ أجهزة الدولة لها بدت هي الأبرز للعيان، فقد اقتصرت هذه الإجراءات على نحو رئيس على هوامش أجهزة الدولة، وعلى حدود قدرتها على تولّي هذه الإجراءات والإبقاء عليها سارية المفعول. تميل الأعمال الأكاديمية والكتابات الصحفية والتقارير الدورية الرسمية وغير الرسمية إلى التركيز على نحو رئيس على ذكر هذا النوع من الإكراهات. لكن علاقات السيطرة لم تتوقف يومًا في الواقع

عند حدود هوامش أجهزة الدولة، إذ في إطار هذا الطيف الواسع من تفاصيل الحياة اليومية، يترك الأيديولوجي أثرًا يذهب إلى ما هو أبعد من هذه الأجهزة، وذلك بنفاذه في الأجساد العادية التي كان

وسّعت نطاق التعامل الأمني مع اللغة الكردية ليمسّ  من شأنها – بوصفها حاملً للخطاب الأمني – أن

حتى عفوية الحياة اليومية. يمكن الحد من القيود البنيوية المُدمجة في أسلوب عمل الأجهزة، والتقليل من

أثرها بفضل الشبكة الاجتماعية والموطن المحلي اللذين يصدّقان على استخدام اللغة الكردية ويحافظان عليها. ومع ذلك، فإن ردود الفعل التي تأتي من أفراد رسموا أنفسهم بأنفسهم في موضع المسؤولية، بما في ذلك الموظفون العموميون كالمعلمين، أسهمت في نشرها على نحو أكبر، ففي المناطق التي يكون فيها متحدثو الكردية قلة عددية كما في مدارس دمشق، وفي إطار العلاقات غير المتكافئة، كان المتحدثون بالكردية عرضة للوقوع ضحايا تعصب جمعي، ولأن يجدوا أنفسهم في موضع ضعفٍ أمام الآخر. غير أن تحدي هذه التدخلات بدا ممكنًا تمامًا في إطار العلاقات المتبادلة باللجوء إلى تقديم

حجج عقلانية وإيتيقية استطاعت بدورها أن تكشف عن الطابع الاندفاعي للتدخلات. وللوصول إلى فهم أكثر تفصيلً لهذا التعقيد، قدّم المفهوم الفوكوي لعلاقات السلطة أساسًا تحليليًا

يتجاوز الاقتصار على فهم ثنائي البعد للسيطرة. وذلك في مسعى لفهم أجهزة الدولة في تأثيرها في الأجساد، ولتبيّن ممارسة السلطة التي تقوم بها الشبكة الاجتماعية، والتي في إمكانها أن تكفل ديمومة

الاستعدادات المؤسسية المستهدفة، وفهم اشتغال علاقات السلطة في إطار التفاعل المتبادل. ويكشف اشتغال الجسد، بوصفه هدفًا لعلاقات السلطة ومؤثرًا فيها وحاملً لها، عن ممارسة السلطة في عملياتها

المحلية، كما في جسد المعلم أو الطالب، أو في تحديق أو إصغاء بغية التدخل والتقويم والمنع، وكذلك عن تأثير علاقات السلطة هذه في الأجساد التي تصير غير قادرة على أداء اللغة، أو التي يصير

(50) James C. Scott, Domination and the Arts of Resistance: Hidden Transcripts (New Haven, CT/ London: Yale University Press, 1990).

أداؤها إياها محدودًا. ثم إن هذا الفهم للسلطة يساعدنا على إدراك السلطة الممارسة داخل الجسد الاجتماعي، والتي يحدث في داخلها الفعل المتبادل للأجساد وتأثير بعضها في بعض من خلال سلوكات مؤسسية كاللغة. إن عملية نقل الاستعدادات عبر الأجساد ومحاولة حظر بعضها إنما تعطي مثالً يوضّح كيف تكون الأجساد عوامل تأثير وموضوعات أساسية في علاقات السلطة. ومع أن الوعي بهذا الدور الأساسي للأجساد في علاقات السلطة يتسم بأهمية حيوية في فهم تأثير الخطاب الأمني في هذه الأجساد، واستهدافه إياها وأسلوب عمله الساعي إلى الكشف عنها والاتصال بها، تظل القيود البنيوية المتضمنة في الجسد السياسي حاسمة لتجنّب الخطاب الأمني. إن تبيّن

اللغة واستخدامها من طرف أجهزة الدولة هو أمر بالغ الضرورة للتعامل مع هذه المشكلة. ومع ذلك، ومثلما توضح ظاهرة التعصب الجمعي في كل أرجاء العالم، فإن تناول الخطاب الأمني المتداول عبر الأجساد لا يمكنه أن يقتصر على حدود أجهزة الدولة، فيظهر بذلك كأنه ينسب السلطة إلى موضع بعينه، بل إنه يستلزم اهتمامًا كبيرًا بعملية التداول هذه في حد ذاتها.

References

المراجع

Allsopp, Harriet. The Kurds of Syria: Political Parties and Identity in the Middle East. Library of Modern Middle East Studies 144. London: I. B. Tauris, 2014. Althusser, Louis. Lenin and Philosophy, and Other Essays. New York: Monthly Review Press, 1971. Becker, H., R. Fornet & A. Gomez Muller. "The Ethic of Care for the Self as a Practice of Freedom: An Interview with Michel Foucault." P. Aranov & D. McGrawth (trans.). Concordia: Revista internacional de filosophia. no. 6 (July–December 1984). Bourdieu, Pierre. "Doxa and Common Life." New Left Review. vol. 1, no. 191 (1992). ________. The Logic of Practice. Cambridge: Polity Press, 1992. ________. Outline of a Theory of Practice. Richard Nice (trans.). Cambridge Studies in Social and Cultural Anthropology 16. Cambridge: Cambridge University Press, 2013. Burdett, Anita L. P. (ed.). Records of the Kurds: Territory, Revolt and Nationalism, 1831–1979: British Documentary Sources. Cambridge Archive Editions. Cambridge: Cambridge University Press, 2015. Butler, Judith. Excitable Speech: A Politics of the Performative. New York: Routledge,

________. The Psychic Life of Power: Theories in Subjection. Stanford, CA: Stanford University Press, 1997. Colleto, Thomas. Syria: A Country Study. Washington, DC: United States Government Printing Office, 1988. Foucault, Michel. The Archaeology of Knowledge. A. M. Sheridan Smith (trans.). New York: Pantheon Books, 1972.

________. The History of Sexuality. Robert Hurley (trans.). New York: Pantheon Books,

________. "The Subject and Power." Critical Inquiry. vol. 8, no. 4 (1982). ________. "The Ethics of Care for the Self as a Practice of Freedom: An Interview with Michel Foucault on January 20, 1984." J. D. Gauthier (trans.). Philosophy & Social Criticism. vol. 12, no. 23 (July 1987). ________. The Foucault Effect: Studies in Governmentality. with Two Lectures by and an Interview with Michel Foucault. Graham Burchell, Colin Gordon & Peter Miller (eds.). Chicago: University of Chicago Press, 1991. ________. Discipline and Punish: The Birth of the Prison. Alan Sheridan (trans.). 2 nd ed. New York: Vintage Books, 1995. ________. Power: The Essential Works of Foucault 1954–1984. James D. Faubion (ed.). London: Penguin, 2002. ________. Society must be Defended: Lectures at the Collège de France, 1975–76. Mauro Bertani, Alessandro Fontana & François Ewald (eds.). David Macey (trans.). New York: Picador, 2003. Galié, Alessandra & Kerim Yildiz. Development in Syria: A Gender and Minority Perspective. London: Kurdish Human Rights Project, 2005. Gunter, Michael M. Out of Nowhere: The Kurds of Syria in Peace and War. London: Hurst & Company, 2014. Habitat International Coalition’s Housing and Land Rights Network. "Systematic Housing and Land Rights Violations against Syrian Kurds." Habitat International Coalition. 3/10/2011. Hinnebusch, Raymond & Tina Zintl (eds.). Syria from Reform to Revolt , vol. 1: Political Economy and International Relations. New York: Syracuse University Press, 2015. Human Rights Watch. Syria Unmasked: The Suppression of Human Rights by the Asad Regime. Human Rights Watch Books. New Haven: Yale University Press, 1991. ________. "Syria: The Silenced Kurds." Middle East Report. vol. 8, no. 4(E) (October 1996). at: https://bit.ly/3uMmQko ________. Group Denial: Repression of Kurdish Political and Cultural Rights in Syria. New York: Human Rights Watch, 2009. Mann, Michael. "The Autonomous Power of the State: Its Origins, Mechanisms and Results." European Journal of Sociology. vol. 25, no. 2 (November 1984). McDowall, David. A Modern History of the Kurds. 3 rd ed. London: I. B. Tauris, 2007. McHugo, John. Syria: A Recent History. London: Saqi Books, 2015. Meijer, Irene Costera & Baukje Prins. "How Bodies Come to Matter: An Interview with Judith Butler." Journal of Women in Culture and Society. vol. 23, no. 2 (Winter 1998). Migdal, Joel S. Strong Societies and Weak States: State–Society Relations and State Capabilities in the Third World. Princeton, NJ: Princeton University Press, 1988. Romano, David & Mehmet Gurses (eds.). Conflict, Democratization, and the Kurds in the Middle East: Turkey, Iran, Iraq, and Syria. New York: Palgrave Macmillan, 2014.

Scott, James C. Domination and the Arts of Resistance: Hidden Transcripts. New Haven, CT/ London: Yale University Press, 1990. Simmel, Georg. The Sociology of Georg Simmel. Kurt H. Wolff (ed. & trans.). New York: Free Press, 1967. Stuckenberg, John Henry Wilbrandt. Introduction to the Study of Sociology. New York: A. C. Armstrong and Son, 1898. Tejel, Jordi. Syria’s Kurds: History, Politics and Society. Routledge Advances in Middle East and Islamic Studies 16. London/ New York: Routledge, 2009. United States Department of State. Bureau of Democracy. 2006 Country Report on Human Rights Practices: Syria. Geneva: Refworld, 2007. Wieland, Carsten. Syria at Bay: Secularism, Islamism and 'Pax Americana'. London: Hurst & Company, 2006. Yildiz, Kerim & Harriet Montgomery. The Kurds in Syria: Denial of Rights and Identity. London: Kurdish Human Rights Project, 2004. Yildiz, Kerim. The Kurds in Syria: The Forgotten People. London: Pluto Press; Kurdish Human Rights Project, 2005.