العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الدولة والقبائل في سورية: تحالفات وصراعات

الدولة والقبائل في سورية: تحالفات وصراعات

State and Tribes in Syria: Informal Alliances and Conflict Patterns

سنان حواط| Sinan Hawat *

الملخّص

عنوان الكتاب : الدولة والقبائل في سورية: تحالف وصراعات. عنوان الكتاب في لغته: State and Tribes in Syria: Informal Alliances and Conflict Patterns . المؤلف : حيان دخان Haian Dukhan. الناشر : لندن: راوتليدج Routledge. سنة النشر: 2018. عدد الصفحات : 174 صفحة.

Abstract

Researcher in Risks Management and Humanitarian Aids. Email: sinanhawat@yahoo.com

الكلمات المفتاحية:
  • القبيلة
  • الثورةالسورية
  • الدولة
  • العشيرة
Keywords:
  • Tribe
  • Syrian Revolution
  • State
  • Clan

عنوان الكتاب:

المؤلف: حيان دخان Haian Dukhan. الناشر: لندن: راوتليدج Routledge. سنة النشر: عدد الصفحات: 174 صفحة.

الدولة والقبائل في سورية: تحالف وصراعات.

عرض الكتاب

يقدم حيان دخان في كتابه دراسةً مهمةً عن القبائل والعشائر في سورية والعوامل التي ساهمت في تعزيز سلطاتها ودورها العام في المجتمع السوري منذ سقوط الخلافة العثمانية إلى ما بعد الثورة  السورية عام 2011 والصراع المسلح في سورية، ويقدم لمحة تاريخية سريعة عنها خلال الحقبة السابقة الممتدة من عصر ظهور الإسلام حتى الوقت الحالي. ولهذا الأمر أهمية كبرى للدارسين والمهتمين بالشأن السوري؛ فالعشائر العربية في سورية أثبتت قدرتها على إظهار المرونة والتأقلم لحماية نفسها في المراحل التاريخية العديدة التي مرّت بها؛ ما جعلها ورقة مهمة سعت السلطات الحاكمة في سورية في المراحل المختلفة لامتلاكها أو تطويعها أو تحييدها لأغراض سياسية أو اقتصادية، أو تحقيقًا لنظرة أيديولوجية ترى فيها الدولة الحديثة نفسها باعتبارها متناقضة بنيويًا مع المفهوم العشائري القبلي. تُظهر الوقائع بوضوح لمتابعي الشأن السوري المعاصر أهمية هذا الكتاب؛ فخلال الصراع المسلح الأخير في سورية، سعت القوات المتحاربة، بما فيها القوات الحكومية والمعارضة وغيرها من المجموعات المسلحة، لتجنيد العشائر لما لرجالها من أهمية عسكرية حاسمة في كثير من أنحاء البلاد. وإضافة إلى الدور التحشيدي الذي يطمح كل طرف إلى الحصول عليه، أدّت العشائر دورًا في إدارة مناطق حيوية لم تمتلك فيها الدولة المركزية أو قوات المعارضة قدرات كافية للسيطرة عليها والتحكم فيها. كذلك فعلت الجماعات المتطرفة التي حاولت الاستفادة من الاختلافات بين العشائر واستغلال حاجتهم إلى الحماية أو تأمين مصادر الدخل. ويوضح الكتاب أيضًا علاقة العشائر بالأنظمة الحاكمة في سورية ودورها في تعزيز الاستقرار فيها، كما هي الحال في زمن الرئيس حافظ الأسد (2000–1970). أما فيما يتعلق بالظروف السياسية والعسكرية التي سيطرت على سورية في العقد الأخير، فيقدم الكتاب شرحًا مفيدًا لفهم دور الدول الإقليمية وعلاقتها وتأثيرها في الأطراف المتصارعة في الداخل السوري، وكيف ساهمت علاقات القربى التي تعتمد عليها العشائر العربية في توسيع شبكة علاقاتها وتعزيز قدراتها التفاوضية مع السلطات الحاكمة. يُجيب دخان في كتابه عن مجموعة من الأسئلة بشأن السياسات التي اتّبعتها الأنظمة المتعاقبة تجاه القبائل والعشائر، ونوع العلاقة بين الدولة والقادة العشائريين وتأثيرها في الدور السياسي للعشائر مؤخرًا. كما يقدم أجوبة عن تأثير طرائق احتواء العشائر وإدارتها في تقوية النظام الحاكم وبناء الدولة، إضافة إلى تأثير السياسات الحكومية تجاه الأكراد والإسلاميين في موقف العشائر في سورية والدور الذي قامت به في الحرب الدائرة فيها. يعتمد الكتاب في ذلك على سبر واسع لعدد كبير من الوثائق التاريخية والحكومية والدراسات الأكاديمية، وعلى مجموعة من المقابلات التي أجراها المؤلف مع أفراد القبائل وبعض القادة القبليين المؤثرين، سواء من خلال اللقاء المباشر في تركيا أم باستخدام وسائل الاتصال المختلفة. كما  اعتمد المؤلف على وسائل التواصل الاجتماعي للوصول إلى كثير من الأفراد القادرين على تقديم معلومات قيّمة حول القبائل، فأسّس صفحة متخصصة في القبائل العربية على فيسبوك لاقت انتشارًا واسعًا. إضافة إلى استفادته من

اليوتيوب كمصدر للكثير من المعلومات الأولية، حيث شاع استخدام هذه المنصة خلال الحرب في سورية على نحو كبير. يقع الكتاب في ستة فصول مرتبة زمنيًا، ابتداء من ظهور الإسلام حتى بداية الصراع المسلح في سورية. يتضمن الفصل الأول، إضافة إلى المقدمة التي تُمهّد للدراسة وتشرح أهميتها، معلومات مهمة عن العشائر المختلفة في سورية وتوزُّعها الجغرافي في البلاد، مع ذكر أبرز أعلامها وأدوارهم ومناصبهم السياسية. ويتضمن الفصل أيضًا طريقة البحث الأكاديمية ومعوّقات الدراسة، ويُقدّم إطارًا نظريًا لتعريف القبيلة والعشيرة والفخذ، مشيرًا إلى عدد من الباحثين الاجتماعيين، على رأسهم ابن خلدون وفيليب خوري وإرنست غلنر وغيرهم. لكن أهم ما يقدمه هذا الفصل هو الإطار التحليلي التاريخي الذي يعتمد عليه الكتاب في دراسة العلاقة بين العشائر والدولة، يصنفها المؤلف في ستة أطوار: • أولً، عندما تكون الدولة قوية، تكون القبائل ضعيفة، والعكس صحيح. • ثانيًا، عند تفاعل القبيلة مع الدولة تظهر مجموعة من النتائج: إما أن يتم احتواء القبيلة مع الاعتراف بسلطة الدولة وهيكلية القبيلة، وإما أن يتم إخضاع القبيلة في هيكلية الدولة بهدف إنهاء الثقافة القبلية. ويمكن أن يؤدي ذلك أيضًا إلى تحالف القبائل مع الدولة ضد قبائل أخرى للإبقاء على سلطاتها. • ثالثًا، في أثناء محاولات بناء الدولة في الشرق الأوسط، ولا سيما في القرن الماضي مع ظهور الأفكار القومية والاشتراكية، اعتبرت السلطات الحاكمة القبيلة حجر عثرة أمام "مشاريع التحديث"، وسعت لإزالتها كوحدة اجتماعية، كما هي الحال في فترة النظامين الناصري والبعثي في سورية. • رابعًا، عند دخول الأنظمة الاستبدادية مرحلة تثبيت السلطة وفقدان مرجعيتها الثورية، عملت هذه الأنظمة على قبول بعض التشكيلات القبلية بغرض السيطرة على المجتمع، من خلال التغلغل في العلاقات الزبائنية Patron–client Relations مع أعيان القبائل والعشائر لضمان ولائها والتحكم فيها. • خامسًا، في مرحلة ما بعد تعزيز السلطة، وعند تزايد الحاجة إلى الاستثمار الخاص والفرص الاقتصادية، عملت السلطة الحاكمة على تفضيل المجموعات ذات الامتيازات، كأصحاب الثروات والأعمال، ما عزّز الشرخ بين الطبقات القريبة من السلطة وعموم الشعب، وظهر الأمر ذاته على مستوى القبيلة، حيث تعزّز الشرخ بين الشيوخ وأفراد القبيلة إلى الحد الذي سلخ القيادة القبلية عن محيطها وضمّها إلى الطبقة الاقتصادية العليا في المجتمع، تاركةً أفراد القبيلة من دون دعم اقتصادي، ما سبّب خللً في شبكة المحسوبيات التي كانت تربط القبيلة بمشيختها والنظام الحاكم، كما حصل في فترة حكم الرئيس بشار الأسد. • سادسًا، تدفع الظروف السابقة القبائل إلى التمرد على السلطات وتغذية الحركة الاحتجاجية، كما هي الحال في مرحلة الحرب السورية. أما الفصل الثاني فيطرح مقدمة تاريخية مختصرة للعلاقة بين الإسلام ودول الخلافة الإسلامية من ناحية، والقبائل في شمال الجزيرة العربية من

ناحية أخرى حتى سيطرة العثمانيين والانتداب الفرنسي. ويُظهر الفصل بداية العلاقة المتصارعة بين الهوية القبلية والإسلامية التي أثّرت في مراحل عدة في التاريخ الإسلامي، كما هي الحال بين الدولتين الأموية والعباسية. ويتطرق الفصل أيضًا إلى العلاقة بين المماليك والقبائل التركمانية والعربية حتى قيام الدولة العثمانية، حيث قسّمها المؤلف مرحلتين: المرحلة العثمانية المبكرة الممتدة بين عامي 1516 و 1840 والمرحلة، المتأخرة الممتدة حتى نهاية الدولة العثمانية. ويظهر الفصل محاولات العثمانيين السيطرة على القبائل لضمان حركة القوافل وأمانها، انتهاءً بمرحلة التنظيمات التي حاول فيها العثمانيون إخضاع القبائل بالقوة العسكرية أو بالترغيب ومحاولات التوطين وغيرها من دون جدوى تُذكر. کما مرّ الفصل على محاولات الانتداب الفرنسي السيطرة على القبائل باستخدام القوة ومحاولة تنظيمها من ناحية، واستخدامها ورقةً ضد الحركة الوطنية من ناحية أخرى. يعالج الفصل الثالث المرحلة الممتدة بين ظهور الدولة الوطنية في عام 1946 حتى عام 1970؛ إذ مرّت سورية خلال تلك الفترة بمراحل مختلفة أثّرت في العلاقة بين المؤسسات السياسية والقبائل. ففي المراحل الأولى بعد الاستقلال، لم تنجح الحكومات في السيطرة على القبائل بسبب ضعف مؤسساتها والتحديات السياسية الداخلية والخارجية التي واجهتها، الأمر الذي سمح للقبائل بالحفاظ على استقلاليتها وقوتها السياسية والاقتصادية. أما في مرحلة  الوحدة وحكم حزب البعث بعد عام 1963، فتلقّت القبائل ضربة كبرى مع تدخّل مؤسسات الدولة القوية في الحيّز القبلي وعملها على إضعاف بنية القبيلة، ولا سيما مع إجراءات الإصلاح الزراعي وإلغاء الحمى والتضييق على العرف وانتشار الأفكار القومية الأيديولوجية بين أفراد القبائل، ما أثّر في حصرية دور شيوخ القبائل بصفتهم مرجعًا قياديًا في القبيلة. ينتقل الفصل الرابع ليتناول فترة الرئيس حافظ الأسد في الفترة 2000–1970 التي عمل فيها على احتواء العشيرة في بنية الدولة سياسيًا وثقافيًا واستخدامها في دعم شرعيته بعد وصوله إلى السلطة. وخلال تلك الفترة، عمل الأسد على بناء شبكة علاقات نفعية مع العشائر لضمان ولائها ودعمها، وسمح لأفراد العشائر الأضعف تاريخيًا بالحصول على امتيازات أكبر، مقارنة بالعشائر العريقة. وفي الوقت نفسه، عمل النظام على مراجعة قوانين الإصلاح الزراعي لّك من شيوخ التي اعتُبرت ظالمة ضد كبار الم العشائر، ودعا من غادر البلاد إلى العودة إليها، وسمح لهم بمساحة واسعة لممارسة دورهم الاجتماعي والاعتراف الرسمي بهم. وقد أتاحت هذه السياسة للأسد فرصة الاستفادة من العشائر داخليًا وخارجيًا، كما هي الحال في استفادته من دعم أفراد العشائر المتحالفة معه في حربه مع الإخوان المسلمين والأكراد، وفي بناء العلاقات مع دول الخليج. يناقش الفصل الخامس الفترة الأولى لحكم الرئيس بشار الأسد حتى اندلاع الاحتجاجات في سورية ودخول البلاد في حالة الصراع المسلح. فخلال تلك الحقبة، اتّبع نظام الأسد (الابن) سياسات ليبرالية اقتصادية، أدّت إلى استبدال الطبقات الداخلية التي شكلت القاعدة الشعبية

لنظام الأسد (الأب) من سكان الأرياف الفقراء بالنخب الثرية من المستفيدين من سياسات التحديث الاقتصادية. وترافقت هذه السياسات مع حالة جفاف، ساهمت في إفقار كثيرين من سكان الأرياف وأفراد العشائر وهجرتهم إلى ضواحي المدن، الأمر الذي أدّى إلى تفكيك الروابط النفعية العشائرية التي كانت تربط العشيرة بالسلطات. ويعرض الفصل أيضًا الظروف الإقليمية في تلك المرحلة، ولا سيما احتلال العراق وسماح النظام السوري للنفوذ الإيراني والحركات السلفية بالتغلغل في شرق سورية، مساهمًا في تقويض دور السلطة في أن تكون المصدر الوحيد لحاجات السكان، كما كان الأمر في عهد الأسد الأب. أخيرًا، يسبر الفصل السادس دور العشائر خلال الصراع السوري الدامي المستمر، فيعرض أحداث الثورة السورية وتحوّلها إلى صراع مسلح، ويظهر الصورة المعقدة لتحالفات العشائر بين المعارضة والنظام والمجموعات المتطرفة، ويوضح كيف أحدث تحالف كثيرٍ من شيوخ العشائر مع النظام شروخًا في العشائر بين مؤيدين ومعارضين في ظل تفكك البنية العشائرية وضعف شرعية القيادات التقليدية. ويسلط الفصل أيضًا الضوء على دخول قوى جديدة على خط التحالف مع العشائر لكسبها في الحلبة السورية، مثل إيران وتركيا والأكراد.

مناقشة الكتاب

بناء على ما تقدم، يتميز هذا الكتاب في مقاربته موضوع العشائر بدراسة العوامل التاريخية والاقتصادية وتأثيرها في الخيارات المختلفة للعشائر وأفرادها اليوم، بعيدًا عن المقاربة البدئية بعض يتبنّاها التي Primordial Approach الكتّاب في دراسة الشرق الأوسط وسورية، ولا سيما دراسة الطوائف والمجموعات الإثنية المختلفة. كما يتمثل أحد إسهامات هذا الكتاب المميزة في توسيع العلاقة بين الدولة والعشيرة، بعيدًا عن العلاقة الدائرية البسيطة (دولة قوية – قبائل وعشائر ضعيفة، والعكس بالعكس)، فجعل العلاقة تتوسع لتشمل أطوارًا تفاعلية تعمل فيها الدولة على احتواء التشكيلات القبلية أو تفضيل قياداتها على النحو الذي يُعزّز السلطة الاستبدادية ويُثبّت أركانها. كما يمتاز الكتاب بطرح أمثلة كثيرة تعكس معرفةً بالشأن السوري السياسي، ما يُسهّل المتابعة والربط بين الأحداث لمتابعي الشأن السوري من غير المتخصّصين. لم يتطرق الكتاب بعمق، ربما لضرورة الاختصار والتركيز على الجانب السياسي لوضع التحالفات القبلية اليوم، إلى التمييز النظري بين العشائر والقبائل في سورية. ففي الحالة السورية، يزعم عدد من الباحثين أن ما يوجد في سورية ليس قبائل، بل أمشاج عشائر، ما عدا الجبور وشمّر، إضافة إلى وجود تحالفات عشائرية أوسع، مثل طيء العربية والجوالة الكردية. كما  ينقص الكتاب البناء النظري لفهم خيارات العشائر خلال فترة الحرب الأهلية. شرح الكتاب بنجاح العوامل العامة التي أثّرت في بعض قرارات العشائر وأفرادها في سورية، مثل الحميّة والتعاضد بين أفراد القبيلة الواحدة وغيرها من العوامل الموضوعية والذاتية، مثل الخوف والانتقام، وأظهر الانقسام بين القبائل وأفراد

القبيلة الواحدة في الموقف من أطراف الصراع في الحرب السورية. لكن لم يفسر الكتاب بعمق هذا الانقسام، ولا حالة التشظّي في الولاءات العسكرية والسياسية التي ظهرت بين العشائر السورية. والإطار الذي قدمه الكتاب في ربط الانقسامات بين أفراد القبيلة الواحدة بحدوث خلل في البنية القبلية، ناتج من عوامل اقتصادية وسياسية متعلقة بممارسات السلطة الحاكمة في سورية، إضافة إلى استخدام العنف المفرط في قمع الحراك الثوري هو أمر مفهوم، لكنه لا يكفي لتفسير الاختلافات الكبيرة، ليس في مواقف العشائر والقبائل المتعددة فحسب، بل بين أفراد العشيرة والقبيلة الواحدة. هل كان هذا التشظّي متوافقًا مع النظرة التي طرحها كثيرون من الكتّاب، مثل كاثلين كاننغهام، الذين اعتبروا حالة الانقسام في ولاءات الجماعات المسلحة هو الأمر "العادي الجديد" في الصراعات المعقدة الحديثة، أم أن هناك عوامل أخرى تتعلق بوجه خاص بالوضع السوري؟ على سبيل المثال، في دارسة حول تشظّي المجموعات المسلحة في الحرب الأهلية في ليبيا، يعتبر المؤلف وولفرام ليشر أن التموضع المجتمعي Social Embeddedness للجماعات المسلحة يفرض جملة من الالتزامات المجتمعية التي تحدّ من إطلاق يد هذه المجموعات في مناطقها، ويمنع طغيان مجموعة على حساب الآخرين، ما يساهم في تشظّي القوى العسكرية. من ناحية أخرى، لم

(3) Kathleen Gallagher Cunningham, Understanding Fragmentation in Conflict and its Impact on Prospects for Peace , Oslo Forum Papers (Geneva: Centre for Humanitarian Dialogue, 2016). (4) Wolfram Lacher, Libya’s Fragmentation: Structure and Process in Violent Conflict (London: I.B. Tauris,

يدرس المؤلف العلاقة بين العشائر المقاتلة خلال الحرب السورية والمجتمعات التي وُجدت فيها، على النحو الكافي، وركز أكثر على العلاقة بين الدولة والجماعات المسلحة، بما فيها العشائر، وليس على العلاقات بين المجتمعات المتجاورة، بصرف النظر عن السلطة المركزية الحاكمة. وأدّى هذا الأمر إلى إغفال بعض الجوانب الأخرى المؤثرة في الوضع القبلي والعشائري والمحددة لخيارات أفراد العشائر في سورية، مثل المناطقية والطائفية والعوامل الإثنية. على نحو متصل، في حين عمل المؤلف على شرح السياق السياسي والاقتصادي في سورية وأثره في العشائر في البلاد، لم يتعمّق في العوامل التي قد تكون أثّرت في أفراد القبائل والعشائر في سورية في سياق الربيع العربي، مثل أثر وسائل التواصل الاجتماعي والأسئلة المتعلقة بالهوية الذاتية. كان يمكن أن تضيء الإشارة إلى أثر هذه العوامل في أفراد العشائر مقارنة بأثرها في باقي السوريين، بعض الجوانب المهمة في تطور الهوية العشائرية وتميّزها في السياق السوري. مما لا شك فيه أن التشظّي والانقسام في خيارات العشائر في سورية وتأثُّرها بالعوامل العامة التي تؤثر في جميع أفراد المجتمع السوري يعيد إلى الواجهة السؤال الإبستيمولوجي المعرفي الذي طرحه المولدي الأحمر في كتابه حول القبيلة في الثورة السورية، بشأن مدى جدوى تحليل الوضع السوري بالاعتماد على القبيلة بشكلها التقليدي، آخذين في الحسبان أن  العوامل المختلفة التي تربط أفراد كل قبيلة وتُحدّد علاقاتهم بعضهم ببعض، وبالقبائل الأخرى،

لا تختلف عن علاقات القربى والمصالح التي تربط أفرادًا آخرين لا ينتمون إلى المكوّن القبلي. لم يعالج الكتاب هذا السؤال، ولكن يبدو أنه افترض   أن الرابطة المتخيّلة التي تجمع أفراد القبائل في سورية كافية لتزويد بعض الأفراد والكيانات بالقدرة على تحفيز فعل جماعي في اتجاه أهداف معيّنة على نحو مختلف عما هي الحال بين أولئك الذين لا يعتبرون أنفسهم جزءًا من منظومة القبائل. على أيّ حال، لا تقلل خيالية الرابطة من واقعية وجودها وقدرتها على الفعل والتأثير؛ فالهويات، سواء كانت قبلية أم وطنية أم

المراجع

العربية

زكريا، أحمد وصفي. عشائر الشام. دمشق: دار الفكر، 1947.

الأجنبية

إثنية، هي علاقات متخيّلة، تتفعّل بسبب الظروف وبوجود العوامل الملائمة.

يبقى الكتاب مرجعًا أساسيًا مهمًا لمتابعي الشأن السوري والأكاديميين الذين يرغبون في فهم الدور الذي قامت به القبائل العربية في تاريخ سورية الحديث، كما يفتح الباب واسعًا لمزيد من البحث لتسليط الضوء على مستقبل العلاقة بين هذه القبائل وسورية بعد الحرب.

(6) Benedict Anderson, Imagined Communities (London:

Verso, 1983).

References

الأحمر، المولدي. القبيلة في الثورة السورية: المفهوم وقيمته. تونس: منشورات تبر الزمان،.2018 باروت، محمد جمال. التكوين التاريخي الحديث للجزيرة السورية: أسئلة وإشكاليات التحول من البدونة إلى العمران الحضري. الدوحة / بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2013