العودة إلى تفاصيل المؤلَّف تقديم: الرياضة والمجتمع

تقديم: الرياضة والمجتمع

Introduction Sports and Society

مولدي الأحمر| Mouldi Lahmar *

الملخّص

لا يخفى على القارئ أن هذا الاهتمام الذي تبديه دورية عمران في هذا العدد بالظاهرة الرياضية قد حدده سياق إقامة كأس العالم 2022 في قطر، لكن الباحثين الذين كتبوا في هذا العدد درسوا الظاهرة باستقلال نسبي عن السياق، فبحثوا في عمق ارتباطاتها بالثقافة والاقتصاد والسياسة، كاشفين عن علاقاتها بالتصنيفات الذهنية، والتهميش الاجتماعي، والإنتاج المتجدد للهويات الضيقة بأشكال جديدة، وتوسع الفردانية ونظرتها إلى الذات والجسد على حساب التمثلات الجماعوية الذكورية، كما بيّنوا كيف تتحول ممارسة الرياضة إلى نضال ضد الاستعمار الكولونيالي.

الكلمات المفتاحية:
  • الرياضة
  • المجتمع
  • كأس العالم
  • الألتراس
  • العالم العربي
Keywords:
  • Sports
  • Society
  • World Cup
  • Ultras
  • Arab World

بلغة الأرقام، تثير التطورات المذهلة ل "الظاهرة الرياضية" في العالم خلال العقود الأخيرة دهشة جميع المراقبين والدارسين؛ إذ يُمثّل دخلها اليوم 2 في المئة من الاقتصاد العالمي كلّه، وقد بلغت قيمة عائدات البضائع التجارية الرياضية في عام 2018 عالميًا 471 مليار دولار أميركي، ويُتوقع أن تبلغ في عام 2023 نحو 627 مليار دولار، وبين عامي 2017 و 2018 بلغت عائدات الاتحاد الأوروبي لكرة القدم من بث المقابلات الكروية على مختلف منصات البث 2.263 مليار يورو، إضافة إلى أكثر من 526 مليون يورو من مصادر ذات علاقة مباشرة. أما  على مستوى ممارسة الجمهور، من غير الرياضيين المحترفين، للنشاطات الرياضية، فقد صرّح 56 في المئة من سكان أوروبا الغربية، على سبيل المثال، من الشريحة العمرية التي تبلغ 15 عامًا فأكثر، بأنهم مارسوا الرياضة عام 2020 مرةً واحدة على الأقل، ويقوم 36 في المئة منهم بذلك في الهواء الطلق، مع أن منطقتهم تعدّ من بين أكثر المناطق في العالم شيخوخةً إلى جانب اليابان. وبمناسبة تظاهرة كأس العالم 2022 التي تستضيفها قطر، والتي استثمرت في الاستعدادات المتعلقة بها، وفي البنية التحتية عمومًا نحو 200 مليار دولار، فإنه يُتوقع أن تجني فوائد قد تزيد على 9 مليارات دولار على المدى الطويل. أما ثروات الأبطال الرياضيين الذين تتقاطع في صناعة نجوميتهم المهارات الفردية وقوة الاستثمار التسويقي المالي والاتصالي، فقد أصبحت خياليةً، وتثير الكثير من القضايا المعيارية والفلسفية في عالمٍ نصفه من الفقراء.

إن إيراد هذه الأرقام الاقتصادية والديموغرافية يهدف إلى إلقاء بعض الضوء على حجم الظاهرة الرياضية وخصائصها اليوم. لكنّ للظاهرة أبعادًا أخرى أشدّ تعقيدًا، تتعلق بدلالاتها الثقافية والاجتماعية والسياسية على المستويَين الجماعي والفردي، وتحفّز الباحثين إلى إخضاعها لأدوات الفهم والتحليل في العلوم الاجتماعية والإنسانية، خاصةً خلال تنظيم التظاهرات الرياضية العالمية الكبرى، حيث يُمَسرِح عالم الرياضة نفسه بالمال والإعلام والسياسة والنشاط الاجتماعي والثقافي. تاريخيًا، تُشير المدونات الأدبية والتأريخية، وشواهد الحفريات والآثار، وأنثروبولوجيا الأديان القديمة وغيرها، إلى أن الرياضة كانت في كل العصور، لدى كل شعوب الأرض، جزءًا أساسيًا من الحياة الاجتماعية في مختلف أبعادها. لكن في المقابل، يشير تاريخ العلوم الاجتماعية والإنسانية إلى أن الظاهرة لم تتحول إلى موضوع مميز للبحث والاختصاص الأكاديمي، إلا خلال النصف الثاني من القرن العشرين؛ ما يؤكد فكرة أن هذا المجال البحثي ما زال جديدًا وفي طور التشكل والتطور نظريًا ومنهجيًا. ولمّا كانت الظاهرة الرياضية ظاهرةً كلية، بالمفهوم الذي يعطيه مارسيل موس Mauss Marcel للعبارة، فإن تطورها في العصر الحديث والقضايا المنهجية التي طرحتها وتطرحها على البحث العلمي عديدة ومعقدة، منها مفهوم الرياضة في حد ذاته كما نتمثله اليوم؛ لارتباطه العملي الوثيق في الماضي بالنشاطات الحياتية لعموم الناس (الصيد، والقتال... إلخ)، ومنها أن أغلب الأدبيات والشواهد التاريخية تحصر ممارسة مثل هذا النشاط في مجال حياة الطبقات العليا للمجتمع (شواهد الملك والأمير والسلطان والسيد بصفةٍ عامة في مشهد الصيد)، متضمنة في الوقت ذاته قصورًا جندريًا واضحًا في تحيّزها إلى النموذج الثقافي الذكوري. كما أن الرهانات الجماعية والفردية التي تعلقت بالظاهرة الرياضية في الماضي (أثينا، وروما... إلخ) وتتعلق بها اليوم، أصبحت مثيرةً للاهتمام المعرفي أكثر من أي وقت مضى؛ ذلك أن البحث فيها أظهر، على جدّته، أنها مجال تقاطعات وتمايزات على درجة عالية من الدلالة الاجتماعية، ليس أقلها أهمية تطوّر الظاهرة في حد ذاتها تحت تأثير تقدّم التقسيم الاجتماعي للعمل والفكر الوضعي؛ ما أدى إلى مغادرتها، في الظاهر على الأقل، مجال الحقل الديني، وبروز أبعادها الفردية بتمظهراتها الجسدية الجمالية المتفردة وفق الثقافة الفردانية، فضلً عن استخدامها في إعادة تشكّل الهويات الجماعية الضيقة على أسس جديدة، وتحوّل النشاط الرياضي إلى مجال استثمار اقتصادي ربحي و/ أو تنموي اجتماعي، إضافةً إلى خضوعها للاستغلال السياسي النفعي. وإذا كانت العلوم الاجتماعية والإنسانية في البلدان الصناعية والمجتمعات الأكثر تطورًا في الاقتصاد، وفي الإدارة العقلانية للعيش المشترك، قد تقدمت شوطًا محترمًا في دراسة الظاهرة الرياضية، سواءً لأهداف معرفية أو عملية تطبيقية، فإن حالة البحث في هذا المجال في العالم العربي تبدو متواضعة جدًا، ويبدو أن ذلك لا يعود إلى قلة الإمكانات المادية، أو إلى عدم جماهرية النشاطات الرياضية بصفة عامة، ولا حتى إلى أسباب ثقافية أو دينية؛ ففي المأثور الإسلامي قول مشهور يحضُّ على ممارسة النشاطات التعليمية التي تساعد الأمة الإسلامية الناشئة على اكتساب سبل الدفاع عن النفس وتعزيز قدرات التوسع الديني والسياسي: "علموا أبناءكم الرماية والسباحة وركوب الخيل".

قد يعود ضعف حالة البحث هذه إلى الاستبعاد المعياري للعلوم الاجتماعية والإنسانية من دراسة الظاهرة الرياضية، فالمجال الرياضي في العالم العربي، بمكوناته المالية والتقنية والبشرية، لا يعي بوضوح الأبعاد السوسيولوجية والثقافية والسياسية للظاهرة الرياضية، ولا يُشجع على كشف أغوارها، على الأقل فيما يتعلق بقدرتها على إعادة إنتاج هويات ضيقة جديدة (الألتراس Ultras مثلً) على أنقاض الكيانات الجماعوية "الصلبة" القديمة، أو في فتح مجالات تحرر المرأة من الهيمنة الذكورية، أو فيما يتعلق بالاستخدامات السياسية للرياضة بصفتها جزءًا من الدبلوماسية (القوة الناعمة)، أو بصفتها آليةً ذات قبول عالمي لدعم مسيرة تشييد الدول الناشئة. وفي المقابل، لا يبدو أن البحث في المجال الرياضي يُكسِب صاحبه وجاهةً علمية داخل المجتمع الأكاديمي المشتت أصلً. ليس ما ورد أعلاه سوى عينات من القضايا المتشابكة التي تطرحها اليوم علاقة الرياضة بالمجتمع على المستوى الكوني عمومًا، وفي العالم العربي خصوصًا. وهي تطرح في الواقع المسيرة التطورية التاريخية لظاهرة اجتماعية ظلت في المجتمعات القديمة، قرونًا طويلة، متمازجة دينيًا وعمليًا مع مختلف أوجه النشاطات الحياتية للإنسان، لتكتسب في عصرنا عناصر جديدة، جعلتها تبرز بصفتها حقلًاجتماعيًا مستقلً (بالمعنى الذي يعطيه بيار بورديو Bourdieu Pierre لهذا المفهوم) ومج لً بحثيًا واعدًا في سياق تاريخي عالمي يحكمه التوسع اللامتناهي للتقسيم الاجتماعي للعمل، والفردانية الاجتماعية، فضلً عن الاقتصاد الرأسمالي العالمي، والثورة العارمة في تقنيات التواصل الاجتماعي. كل ذلك جدير بأن يثير الاهتمام والرغبة في النظر والتحقيق في هذا المجال البحثي الواعد. لا  يخفى على القارئ أن هذا الاهتمام الذي تبديه دورية عمرانفي هذا العدد  بالظاهرة الرياضية قد حدده سياق إقامة كأس العالم 2022 في قطر، لكن الباحثين الذين كتبوا في هذا العدد درسوا الظاهرة باستقلال نسبي عن السياق، فبحثوا في عمق ارتباطاتها بالثقافة والاقتصاد والسياسة، كاشفين عن علاقاتها بالتصنيفات الذهنية، والتهميش الاجتماعي، والإنتاج المتجدد للهويات الضيقة بأشكال جديدة، وتوسع الفردانية ونظرتها إلى الذات والجسد على حساب التمثلات الجماعوية الذكورية، كما بيّنوا كيف تتحول ممارسة الرياضة إلى نضال ضد الاستعمار الكولونيالي. من هذا المنظور بحث إبراهيم سميح ربايعة في الموقع والدور السياسي التاريخي المقاوم للمؤسسة الرياضية الفلسطينية في الأراضي المحتلة في عام 1967، وتفاعلات هذه المؤسسة مع الاحتلال الصهيوني منذ تأسيسها حتى عام 1995. ودرس قيس تريعة ممارسات مجموعات الألتراس في تونس بعد ثورة سنة 2011–2010، من خلال تتبّع دلالاتها السوسيولوجية عبر حقول الرياضة والسياسة والدين. ومن جانبها درست شيماء الغازي حالة الرياضيات المحترفات في المغرب وهن يواجهن، في خضم ممارستهن لنشاطات رياضية محترفة، النمطية الجندرية التي أنتجها المجتمع الذكوري بشأن جسد المرأة؛ شكله ووظيفته وهويته. أما عز الدين الفراع ومحمد الحذيفي فقد غاصا بدراستهما في الخطاب النقدي لبعض مجموعات الألتراس في المغرب، موجهين اهتمامهما إلى تحليل أوجه الارتباط والتفاعل بين خطاب هذه المجموعات، والأزمات الاقتصادية – الاجتماعية والأحداث السياسية الكبرى التي عرفها المغرب والعالم العربي بصفة عامة خلال العقدين الأخيرين. أخيرًا خصص

وديع جعواني وعيسى الغياتي بحثهما لدراسة غرافيتيا الألتراس وبناء هوية مجموعات مشجعي فريق المغرب التطواني، مركزين بحثهما على موضوع تملُّك المجال الحضري والرمزي للمدينة وتمفصلاته مع مكونات مجتمع تطوان والعالم الخارجي. ولتوفير خلفية معرفية تأسيسية للقراء المتخصصين، اختارت هيئة التحرير ترجمة أحد النصوص المؤسسة للحقل المعرفي الرياضي، كتبه أحد أهم رواد علم الاجتماع المعاصرين، وهو نوربرت إلياس Elias Norbert، بعنوان "نشأة الرياضة بوصفها مسألة سوسيولوجية"، ونقله إلى العربية مجد أبو عامر ويارا نصّار.