الرياضيات المحترفات في المغرب: الجسد الرياضي النسائي في مواجهة النمطية الجندرية
Female Professional Athletes in Morocco: Confronting Gender Stereotypes
الملخّص
تقوم الدراسة على فكرة أن التجربة الجسدية للمرأة الرياضية مؤطَّرة بمخاضات عسيرة تبعًا لبناء جندري هوياتي، صنعت معالمه البيئةُ الاجتماعية والثقافية، التي تصور الجسد الأنثوي بقالب معيّن ودور محتوم. يؤدي اختراق هذا الجسد لمجالٍ يفترض القوة والصلابة و"الفحولة"، وهو المجال الرياضي، إلى الاصطدام بتمثلات اجتماعية تصِم جسد المرأة وتتّهمها باحتمالات أداء جندري على نحو خاطئ. في تجربة الرياضيات المغربيات المحترفات، وضع هذا التمثل الجندري كلَّ لاعبة في حالة من التفاوض المستمر مع جسدها بوصفها أنثى بيولوجيًا، ولاعبةً رياضيةً أداءً. تكشف الدراسة عن أسس هذا التوتر المعياري الثقافي الذي تعيشه الرياضيات المغربيات، والذي يكثّف في داخله أبعادًا مختلفة من التحولات والتناقضات الثقافية التي يعيشها المجتمع المغربي برمّته في الوقت الراهن.
Abstract
Abstract: This work argues that the physical experience of an athletic woman is shaped by the arduous labours of her gender identity construction. Furthermore, the features of this experience are created by the social and cultural environment, which depicts the female body with a specific template and inevitable roles. Secondly, the female body’s penetration of a field that assumes strength, toughness, and 'virility,' leads to a collision with social representations that stigmatise the woman’s body and the idea that she is somehow incorrectly performing her gender, leaving her in a state of constant negotiation with her body as both a biological female and as a performance athlete. The study seeks to discern the foundations of this tension experienced by Moroccan female athletes, as a magnified dimension of the cultural transformations and contradictions that Moroccan society as a whole is currently undergoing.
- الجسد الأنثوي
- الجسد الرياضي
- الهوية الجندرية
- الأداء الجندري
- المغرب
- Female Body
- Athletic Body
- Gender Identity
- Gender Performance
- Morocco
ملخص: تقوم هذه الدراسة على فكرة أن التجربة الجسدية للمرأة الرياضية مؤطَّ رة بمخاضات
عسيرة تبعًا لبناء جندري هوياتي، صنعت معالمه البيئةُ الاجتماعية والثقافية التي تصور الجسد
الأنثوي بقالب معيّن ودور محتوم. يؤدي اختراق هذا الجسد لمجالٍيفترض القوة والصلابة
و"الفحولة"، وهو المجال الرياضي، إلى الاصطدام بتمثلات اجتماعية تصِم جسد المرأة وتتّهمها
باحتمالات أداء جندري على نحو خاطئ. في تجربة الرياضيات المغربيات المحترفات،
وضع هذا التمثل الجندري كلَّ لاعبة في حالة من التفاوض المستمر مع جسدها بوصفها أنثى
بيولوجيًا، ولاعبةً رياضيةً أداءً. وتكشف الدراسة عن أسس هذا التوتر المعياري الثقافي الذي
تعيشه الرياضيات المغربيات، والذي يكثّف في داخله أبعادًا مختلفة من التحولات والتناقضات
الثقافية التي يعيشها المجتمع المغربي برمّته في الوقت الراهن.
المغرب.
Abstract: This work argues that the physical experience of an athletic woman is shaped by the arduous labours of her gender identity construction. Furthermore, the features of this experience are created by the social and cultural environment, which depicts the female body with a specific template and inevitable roles. Secondly, the female body’s penetration of a field that assumes strength, toughness, and 'virility,' leads to a collision with social representations that stigmatise the woman’s body and the idea that she is somehow incorrectly performing her gender, leaving her in a state of constant negotiation with her body as both a biological female and as a performance athlete. The study seeks to discern the foundations of this tension experienced by Moroccan female athletes, as a magnified dimension of the cultural transformations and contradictions that Moroccan society as a whole is currently undergoing.
Doctoral Researcher on the Research Team for Political and Constitutional Performance at Université Mohammed V in Morocco. Email: ashaymaa.elghazi1997@gmail.com
مقدمة
إن كل بحث في موضوع جسد المرأة في المجال الرياضي يواجه مزيجًا من قضايا متشابكة تتراكب فيها موضوعات الجسد والنوع والرياضة في آن معًا، لذلك فإن كل خطوة في هذا الاتجاه تستتبع تسويغًا منهجيًا عن جدوى اختيار مدخل التجربة الجسدية بوصفه مدخلً للدراسة دون
غيره من المداخل المتعلقة بالرياضة والجندر. وحجتنا في تسويغ هذا التمشي البحثي هي أن الخوض في المعيش الجسدي للمرأة الرياضية يخدم تقييم مدى توافر الافتراضات المسبقة عن وجود تمثلات اجتماعية وبناءات تاريخية تؤطر فكرة أدوار المرأة، خصوصًا إذا باشرنا التركيز على النشاط الرياضي باعتباره مج لً لتعبير الذات الجسدية عن أناها؛ ذلك أنّنا، ولا ريب، نقر بأن معايير الجندر كما بناها
النظام الاجتماعي حول الأنوثة تجد تعارضًا بين الانتظارات المرتقبة من هذا الجسد "إستطيقيًا" وخرق
هذا الجسد لمجموعة من الأداءات الاجتماعية الثقافية المستدامة تاريخيًا. قبل التقدم أكثر في مباحث الموضوع، نحتاج إلى العودة، ولو على نحو مختصر، إلى البواكير الأولى لتبلور الجسد في حقل الدراسات السوسيولوجية والأنثروبولوجية، إذ تجدر الإشارة إلى أن الجسد الأنثوي بصفته بناءًاجتماعيًا وثقافيًا لم يكن موضوع اهتمام الحقل السوسيولوجي في بداياته، لكن
هذه الحالة المعرفية تطورت عندما بدأت الحداثة تفرز توجهًا نحو الفردانية واهتمام الأفراد بذواتهم، أو ما اختزله ميشيل فوكو لاحقًا في عبارة "الاهتمام بالذات"، ومن ذلك ممارسة الرياضة والتمتع بالحياة وفق النموذج الفرداني. على هذا النحو، فإن الجسد وسيلتنا في إبراز خصائص حياتنا اليومية، إذ لدينا جسد نسلك بواسطته تجارب عدة، سواء من خلال التعلم في المدارس، أو الذهاب إلى مكان العمل، أو ممارسة الجنس مع الشريك... إلخ. ومن ثم، فإن هذا الجسد يصبح نصًا اجتماعيًا وثقافيًا، يتضمن
مجموعة من التمثلات والمواقف والطقوس والممارسات. لن نتوقف كثيرًا عند النقاش الدائر بشأن إشكالية الجندر التي تطورت على نحو مذهل، واستطاعت
أن تخترق مجالات بحثية ربما لم يكن متوقعًا لها أن تلجها، ونجد في هذا الصدد الببليوغرافيا بشأنها طويلة. لكننا نشدد، في المقابل، على نقطة انطلاقها، وهي بداية انفجار القناعات الراسخة المتعلقة بالمرأة وجسدها، حيث تنصهر التمثلات الثقافية لهذا الجسد في خصائصه البيولوجية الطبيعية، لتحدد – تقريبًا على نحو ميتافيزيقي – الدور الموكول إلى المرأة ومكانتها وموقعها في التقسيم
الاجتماعي للعمل؛ الدور المولد لعلاقتها الدونية بالرجل، وهو ما أدى إلى انطلاق الإشكاليات الحديثة التي تخوض فيها النظريات الجندرية بصفة عامة.
(1) Michel Foucault, Le souci de soi (Paris: Gallimard, 1984).
(((نذكر من بينها:
Michel Foucault, The History of Sexuality: An Introduction , Robert Hurely (trans.) (New York: Vintage, 1979); Joan Riviere, "Womanliness as a Masquerade," International Journal of Psycho–analysis , vol. 9 (1929), pp. 209–220; Luce Irigaray, Ce sexe qui n’en est pas un (Paris: Editions de Minuit, 1977); Julia Kristeva, Pouvoirs de l’horreur: Essai sur l’abjection (Paris: Seuil, 1980); Monique Wittig, The Lesbian Body , Peter Owen (trans.) (New York: Avon, 1973).
وفي هذا السياق المعرفي، جعل تدشين سوسيولوجيا الجسد، ضمن سوسيولوجيا الجندر، من الرياضة مج لً من المجالات التي يُدرس فيها الجسد في علاقته بالتمثلات التي تعطيه شكلً وقوامًا معينًا،
بما ينتج نظرة الآخر إلى هذا الجسد ويحددها، ونظرة الذات إلى جسدها. وهكذا، أصبح التقاطع بين الجسد والرياضة مَعْبرًا معرفيًا للتقاطع بين الرياضة والجندر والجنسانية. وعلى هذا الأساس،
سيكون الجسد معبرنا لدراسة هذه العلاقة، وذلك في استيحاء قوي من النظرية التقاطعية التي تقرّ
بتشابك أشكال التمييز، كالذي يظهر في حالة الممارسة الرياضية، حيث يمكن أن تتضافر عوامل الجندر والعرق والطبقة والتوجه الجنسي... إلخ، لترسي قواعد التمييز القائم، والمثال في هذا الصدد هو حالة كاستر سيمينيا التي سنفصل فيها القول لاحقًا.
أولا: الإشكالية ومنهج البحث
لا يزال مركّب الرياضة والجندر موضوعًا جديدًا نسبيًا في مجال البحث الجندري. ولأن الجسد أصبح
الموضوع الوسيط لهذا النقاش، فإن هناك جملة من الأسئلة التي يطلبها البحث: كيف يبدو هذا الجسد بعد أن يجري بناؤه رياضيًا؟ هل يؤدي اقتحام النساء المجال الرياضي إلى نقض افتراضات الأداء
الجندري الراسخة؟ أيحق لنا أن نعتبر الرياضة المجال الأجدر لإنهاء التصنيفات الجندرية، أم أنها، على نحو مخالف، تتحول إلى مجال لإعادة ترتيب هذه التصنيفات وإنتاجها؟ ارتأينا في خضمّ إنجاز هذه الدراسة، وانتصارًا لأداء منهجي كيفي يسعفنا في النفاذ إلى جوهر التجربة
الجسدية للنساء الرياضيات في المغرب من خلال دراسة حالة عدد من الرياضيات عبر ربوع المغرب، الانطلاق من عينة قصدية (ممارِسات محترفات لرياضات متنوعة وعالية المستويات) مكونة من اثنتي عشرة ممارِسة تحترف النشاط الرياضي، وذلك من عدة أصناف من الرياضات المتنوعة (كرة القدم، وكرة السلة، وكرة اليد، وكمال الأجسام، والكيك بوكسينغ boxing – Kick، وتسلق الجبال) من أجل التقاط الفروق التي يمكن أن تكون بين طبيعة الرياضات الممارَسة ونظرة المجتمع إليها. لقد كانت العينة موزعة بين أعمار تُراوح بين 21 و 52 عامًا، الأمر الذي نعتبره إيجابيًا في سبيل الرصد المدقّق
للتجربة الجسدية الرياضية انطلاقًا من مرحلة الشباب وما يرتبط بها من دوافع ونوازع، إلى مرحلة "السن الثالثة" وما تقدمه من تجارب وخلاصات. ونوضح هنا أن البحث صُمم لمشاهدة الظاهرة من داخل مجال حياة الرياضيات المحترفات في حدود ذواتهن، أي إنه يحفر في منظورهن إلى تجاربهنّ
في الاختبار التجريبي لتحرير أجسادهن من التمثلات الاجتماعية النمطية لما ينبغي أن يكون عليه الجسد الأنثوي، سلوكيًا وجماليًا، وإرساء تمثلات جديدة تضع موضع سؤال القناعات الذكورية
الراسخة. وهو توجه منهجي مرحلي في دراسة أشمل في طور الإنجاز تحاور المجتمع المغربي في نظرته إلى المرأة الرياضية.
(((التقاطعية نظرية نسوية في الأساس، عُرفت مع الباحثة القانونية النسوية كيمبرلي كرينشو Crenshaw Kimberlé، في محاولة
لتحليل تجارب النساء الملونات، وذلك انط قااًا من إبراز التقاطع بين التفرقة العرقية والجندرية التي تخضع لها هؤلاء النساء. وتطورت النظرية فيما بعد لتشمل جميع أشكال القهر والهيمنة والتمييز وأنظمتها وتقاطعها مع الجندر والإثنية واللون والعرق والطبقة والتوجه الجنسي.
اعتمدت الدراسة المقابلة أداةَ بحثٍ جرى تنفيذها في أماكن وعبر وسائط مختلفة؛ فقد قابلت شخصيًا مستجيبتين، في حين كانت مقابلاتي مع باقي الرياضيات عبر تطبيق "واتساب"، إذ بحكم
وتيرة تدريباتهن، وبُعد المسافات بيني وبينهن، وتشتّتهن في أماكن مختلفة من المغرب، اتفقنا على أن
"المقابلة عن بعد" يمكن أن تفي بالغرض. وخلال المقابلات، جرى التركيز على العلاقة التي تنسجها المرأة الرياضية مع جسدها، وكيف تقيّم تجربتها الجسدية من خلال الفعل الرياضي، وكذلك علاقة
الجسد الرياضي الأنثوي، من منظور هؤلاء الرياضيات المحترفات، بتمثلات المجتمع المغربي لهذا الجسد. يأتي التركيز على حالة الرياضيات في المغرب وما يرتبط بأسئلة الجسد والهوية الجنسانية، انطلاقًا من موقع النشاط الرياضي النسوي في هذا البلد مقارنة بالنشاط الرياضي الرجالي، وذلك على صعيد التنظيم والممارسة والتمثلات المجتمعية؛ ففي حين تُعدّ الممارسة الرياضية الرجالية "تحصيل حاصل"
تبقى الممارسة النسائية في المغرب محل أخذ ورد، وفي قلب السؤال قدرة المجتمع على الانتقال من فهم تقليدي للأدوار الاجتماعية للمرأة إلى الانفتاح على وجود نسائي بأداءات اجتماعية غير مجنوسة أو محدودة. ويجري هذا تحديدًا في الوقت الذي بدأت فيه الرياضة النسائية في المغرب ترسل إشارات انتقال صريح نحو العزم مؤسساتيًا على تكوين كفاءات نسائية رياضية، ولا أدل على ذلك من الترحيب
الذي لقيه بلوغ الفريق الوطني للسيدات أثناء مشاركته في كأس الأمم الأفريقية للسيدات (2022) إلى الدور النهائي. لكن، بطبيعة الحال، لا يعني هذا بداهة، أن أداءهن الذي لقي الإشادة الكبيرة من طرف شريحة مجتمعية واسعة يُحيل إلى امّحاء أو انتفاء التمثلات النمطية المسبقة التي تأسس عليها النظام الاجتماعي والتي
ستؤكدها دراستنا. نوضح فيما يلي معنى الجسد الأنثوي في البناء الاجتماعي والثقافي، ونحاول بعدها مقاربة العلاقة بين الجسد الأنثوي والرياضة، وممكنات قيام جسد أنثوي رياضي، أو جسد رياضي مفارق لأي هوية جندرية، ثم نفصل أخيرًا ونفكك التجربة الجسدية للمرأة الرياضية المغربية وما يحيط بها من تمثلات
حول هويتها الجندرية.
ثانيًا: الجسد البيولوجي الأنثوي: مرصود بطبعه للألم ومدعوّ بظاهره للاحتماء
لا جدال في كون الجسد، باعتباره موضوعًا للدراسة والبحث، أضحى مفارقًا لما هو مرتبط بالكتلة الجسمية وما يقترن بها من دم ونبض وإيقاع حياة؛ إنه على هذا النحو "قلب التجربة الإنسانية التي تعكس مدى توافق الشخصية والنماذج الاجتماعية المنمطة من خلال نماذج اللباس والسلوك وممارسة الطقوس". بيد أنه، عندما يرتبط الجسد بالجنس الأنثوي، فإنه يغدو حمّ لً دلالتين متساوقتين في
(((خلود السباعي، الجسد الأنثوي وهوية الجندر (الرباط: دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع، 2007)، ص.4
الآن نفسه؛ دلالة بيولوجية، وأخرى اجتماعية ثقافية. ولعل الاهتمام بالدلالة البيولوجية المرتبطة بجسد المرأة يُعزى إلى اعتبارات من أبرزها، أننا لا نكاد نجد كائنًا ارتبط وجوده بالجسد مثلما هو الأمر مع المرأة، ولذا فإن استدعاء الأنوثة مقترن بالخاصيات المرتبطة بالجسد، وذلك في بُعديها الوظيفي الذي يحيل إلى الخصوبة والإنجاب، والجمالي المرتبط بالأناقة والجمال والدلال. إن استحضار الجانب البيولوجي في جسد المرأة يحيلنا إلى ما قدّمه بيير بورديو في كتابه الهيمنة
الذكورية، ولا سيما حديثه عن كون العالم الاجتماعي يبني الجسد واقعًا مجنسًا ومؤتمنًا على مبادئ رؤية مجنسة، وينطبق هذا البرنامج الاجتماعي المستدمج للإدراك على كل الأشياء في العالم، وفي المقام الأول على الجسد نفسه في حقيقته البيولوجية. إن البرنامج نفسه هو الذي يبني الاختلاف بين الجنسين البيولوجيين وفق مبادئ رؤية نمطية للعالم متجذرة في العلاقة الاعتباطية لهيمنة الرجال على النساء، وهي ذاتها متأصلة مع تقسيم العمل في حقيقة النظام الاجتماعي. وهكذا، في إمكان الاختلاف البيولوجي بين الجنسين، أي بين الجسد الذكوري والأنثوي، ولا سيما الاختلاف التشريحي بين الأعضاء التناسلية، أن يبدو كأنه التبرير الطبيعي للاختلاف المبني اجتماعيًا بين النوعين. ويبقى من المعلوم أن الدراسات النسوية لفتت النظر إلى قصور ما هو بيولوجي في تحديد ما هو جندري، وعلى نحو أشد وضوحًا ما عبّرت عنه سيمون دو بوفوار في معرض تطرقها إلى الجنس الآخر
من "كون المرأة في الحقيقة هي فكرة تاريخية وليست واقعة طبيعية [...] ولئن استعرضنا المعطيات البيولوجية فلأنها أحد المفاتيح التي تسمح لنا بفهم المرأة، لكننا نرفض الفكرة القائلة بأن المعطيات البيولوجية هي التي تقرر مصيرها نهائيًا، فهذه المعطيات لا تكفي لتحديد التمايز بين الجنسين،
ولا تفسر لماذا تعتبر المرأة الجنس الآخر كما لا تحكم عليها بأن تحافظ إلى الأبد على هذا الدور الثانوي". بتعبير آخر، تشدد دو بوفوار بوضوح على التمييز بين الجنس بوصفه واقعة بيولوجية، والجندر بوصفه التأويل أو الاستدلال الثقافي لتلك الواقعة؛ فأن تكوني أنثى هو بحسب هذا التمييز واقعة لا معنى لها، أما أن تكوني امرأة فيعني أن تقسري الجسد على أن يمتثل لفكرة تاريخية هي فكرة "المرأة". إذا كان هذا ديدن الدراسات النسوية، فإن ذلك لا ينفي حضور الجسد المادي والواقعة البيولوجية عنصرَين قائمَين في سلّم الاعتبارات الاجتماعية. ها هنا، يبدو جسد الأنثى في البناء الثقافي محل لغز في عملية اكتشاف الأنثى ذاتها لكينونتها الداخلية وفي ظهور هذا الجسد للعالم بوصفه موضوعًا للإدراك الحسي.
(((بيار بورديو، الهيمنة الذكورية، ترجمة سلمان قعفراني (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2009)، ص.29 (((سيمون دي بوفوار، الجنس الآخر، ترجمة ندى حداد (عمّان: الدار الأهلية للنشر والتوزيع، 2008)، ص.19
(((جوديت بتلر، "الأفعال الأدائية وتكوين الجندر: مقالة في الظاهراتية والنظرية النسوية"، ترجمة ثائر ديب، عمران، مج 7، العدد 25 (صيف 2018)، ص.131
(8) Maurice Merleau–Ponty, Phénoménologie de la perception (Paris: Gallimard, 1976).
من منظور التمثل الذكوري، يُختزل الجسد الأنثوي في اعتباره مختزنًا للذة والشهوة والإغراء، وعلى هذا النحو لا بد من تقييده وتسييجه أحيانًا في إطار "الجسد المدنس"، إنه الجسد/ الفتنة المرتبط بالخطيئة الأولى، وبالشر وبالانحلال، لذا اعتبرت بعض الديانات أن أسس مظاهر التعبد والتدين والتقرب إلى الله، هي الزهد في هذا الجسد وما يثيره من شهوات مدنسة، والابتعاد عن ملامسته والاهتمام بمفاتنه التي تُحضر الشيطان وتجلب الأذى، كما أن هذا الجسد في ثقافتنا السائدة يجلب بفتنته الخوف والعار. يصبح الجسد الأنثوي مدعاة للحذر، ومطالَبًا باستمرار بالاختباء والتستر، وأحيانًا بالتحجب؛ فالرجل
يعتبر نفسه مسؤولً عن حماية جسد المرأة، وضمان "عفته" عبر الإشراف والحراسة الصارمة والمستمرة، وأحيانًا عبر منع الاختلاط بشتى الأشكال. ثم إن هذه الرقابة المتمحورة حول جسد الأنثى تطبع الزمان والمكان؛ إذ بمجرد أن يسدل الليل أستاره، تصبح المرأة مدعوة إلى الاختباء بين جدران المنازل، فالليل زمان الرجال حصرًا، كما أن المرأة لا يمكنها أن تلج كل الأماكن، خاصة تلك التي اعتاد الرجال
ارتيادها مثل المقاهي. إن الجسد مصدر للغواية يصاحب الأنثى في عملية التنشئة، ولا تستطيع التعرف إلى مكوناته وخصائصه البيولوجية من المصدر الرئيس؛ أي الأم، وبذلك فهي تواجه محطات أساسية في حياتها بوصفها أنثى وامرأة من دون ورقة مكاشفة صريحة. ونذكر في هذا الصدد مرحلة البلوغ أو نزول دم الحيض، إذ نلحظ قصورًا في وجود تربية مسبقة للاستعداد لهذه اللحظة: "تمتنع الأم كأول عالم تتفتح عليه الطفلة وتتشبث به خلال نموها من أجل مواجهة كل مراحل تطورها البيولوجي والنفسي والاجتماعي عن الخوض في هذا الموضوع، لكنها تقابل الحدث بابتسامة عريضة وبطقوس تسرع في القيام بها كأنها كانت تنتظر ذلك منذ ميلاد طفلتها انطلاقًا من هذا الجهل بوظيفة بيولوجية تميز الجسد الأنثوي وتعلن خصوصيته". وبطبيعة الحال، لا ينفي هذا في جملته وجود حالات من المحادثة بين الأم وابنتها حول الموضوع. إن التكتم حول طبيعة الدم النازل أولَ مرة ومصدره، والخجل والحيرة أمام رؤيته، كفيلان باختلاق العقل الفتي للأنثى مجموعةً من الاحتمالات، من بينها فقدان العذرية، فما تلتقطه الفتيات اليافعات
من أحاديث الأمهات عن العلاقات والجسد الأنثوي يبقى مجتزأ ومقتطعًا وقابلً للعديد من التأويلات؛ إذ يجعل الاختلاط مع الذكور في الألعاب، وتسلل الكائنات غير المرئية إلى الفراش في روايات أخرى، من الدم مصدرَ خطرٍ ومرادفًا لافتضاض البكارة. تمرّ تجربة الأنثى الأولى مع الحيض، وتغدو الدورة بالنسبة إليها مبعثًا للراحة أو مصدرًا للخوف، وهي
في كل الأحوال مرادفة للألم، وتبدو شبكة الأحاسيس هذه معقدة وعصية على الفهم وهي تحدث
(((عائشة بلعربي [وآخرون]، الجسد الأنثوي (الدار البيضاء: دار الفنك، 1991)، ص.34
(10) Rahma Bourquia, Femmes et fécondité (Casablanca: Afrique Orient, 1996), p. 73.
((1(بلعربي [وآخرون]، ص.38 (1((ينظر في هذا الصدد: نوال السعداوي، المرأة والجنس، ط 4 (الإسكندرية: دار ومطابع المستقبل، 1990)، ص.26
دفعةً واحدة؛ إذ إن الألم باعتباره ميكانيزمًا طبيعيًا يترافق مع الاطمئنان لعدم حدوث الحمل تارة، والقلق
من عدم الإنجاب أو انقطاع الطمث تارة أخرى. وإضافة إلى ذلك، يترافق الألم مع هاجس "النجاسة" Souillure؛ فالمرأة الحائض قد تمتنع في الحصيلة عن مزاولة العديد من الأنشطة، منها السفر، وممارسة الرياضة، والخروج للنزهة، وذلك للاعتقاد أنها متسخة ونجسة، لذا يجدر بقاؤها بعيدًا عن الأنشطة المعتادة. يتواطأ الجسد المرصود للألم، ليعايش لحظات تبدو مكتنفة بالصراخ والعويل؛ فحينما يعيش الجسد الأنثوي لحظات الولادة ومخاضها، يخلق من صلبه حياة جديدة. ومن أجل هذه الحياة التي تخرج إلى الوجود، يمكن أن يتحمل الجسد الألم والعنف في الفكر والشعور، "قد يتبادر إلى الذهن بأن هذا العنف يمس الجسد فقط دون الإحساس، ولكن نقول إنه 'عنف في الدماغ' وفي الجسد، يعنف الدماغ لأنه لا يحتمل كل هذا الألم الذي يعتصر الجسد، ويعنف الدماغ خوفًا من ألا تتم عملية التوليد على أحسن ما يرام، ويعنف الدماغ عندما يطل شبح الموت ويهدد بجناحيه الأم أو الوليد". أيًّا كانت حدة المشاعر المؤلمة التي توثق موعد الولادة، فإنها تغلّف بالصبر، وأحيانًا بواجب الوظيفة
التي من أجلها وُجد المهبل والرحم، وحيث يقدس الجسد الواهب والمانح للحياة، "فالجسد الخصوبة، رمز الخير والعطاء، تصور يزيل عن المرأة مفاهيم التحقير والإهانة ويحيطها بالتقديس والاحترام، إنه تصور يمتد هو أيضا قديمًا في التاريخ الإنساني، عندما كانت المرأة سيدة العالم في بعض الحضارات، واكتسبت سيادتها تلك من دورها البيولوجي الخاص. إنها تعطي الحياة، لذا كانت مصدر خوف بالنسبة للإنسان البدائي، ومصدر احترام وتأليه لما يحيط بجسدها من أسرار ووظائف يعجز الرجل عن أدائها، إذ حرمته الطبيعة من شروطها". وبالنسبة إلى النساء الرياضيات، يُضاف إلى ما سبق السكوت الذي يغلّف فترة الحيض ليسم أداءهن، حيث يجري التكتم عما يمكن أن يطبع هذه الفترة من تغيرات فيزيولوجية وهرمونية أساسًا، ولم تُلق الهيئات الرياضية المختصة لهذا الأمر ب لً. وقد أتت شهادات العديد من الرياضيات حول هذا الموضوع من أجل كسر جدار الصمت المُطْبق حوله، من بينها شهادة السباحة الصينية فو يوانهوي Fu Yuanhui، وهي بطلة سباحة الظهر سبق لها أن حققت أرقامًا قياسية، التي أشارت حينما سُئلت عن
سبب وصولها رابعةً في الترتيب خلال مشاركتها في الألعاب الأولمبية الصيفية في ريو دي جانيرو عام 2016، إلى أنها أحست بالتعب لأن موعد دورتها حان قبل يوم من المنافسة. إن التكتم الحاصل عما يتعلق بارتباط الدورة الشهرية بأداء الرياضيات قد يعطي الحُكم المسبق الأولي بأن النساء فعلً لا يمكنهن، بحكم الطبيعة الفيزيولوجية، أن يسجّلن أداءً جيدًا دائمًا. لكن هذا الحكم
مردود عليه بأن تأثيرات الدورة تختلف من امرأة إلى أخرى، ومن ثمّ من رياضية إلى أخرى؛ فقد أقرت
((1(بلعربي [وآخرون]، ص.25 ((1(المرجع نفسه، ص.48
العداءة بولا رادكليف Radcliffe Paula أنها استطاعت تحطيم الرقم القياسي في ماراثون شيكاغو عام 2002 وهي في فترة الحيض. لكن ماذا عن الجمال وتمثلاته، وقد جعلت منه اليوم شركات الدعاية أبرز مواضيعها عندما يتعلق الأمر بالجسد عمومًا، وبجسد المرأة خصوصًا؟ إن توجيه العناية اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى المحاسن الجسدية، وإيلاءها الاهتمام الكبير عبر وصفات الزينة والتجميل في إطار الحفاظ على المظهر الخارجي، يتقاطعان مع اللباس بصفته إحدى أبرز العلامات المسطرة للهوية الجندرية، حيث عملت كل المجتمعات والثقافات على اختلافها، على تعيين نوع اللباس المخصص للرجال والنساء، مع تحديد مواصفاته من حيث اللون ودرجة كشفه أو حجبه لبعض أعضاء الجسد، ما دفع بعض الحركات النسائية إلى تبنّي نظرية ميشيل فوكو حول
علاقة الجسد بالسلطة، لتسليط الأضواء على ما يتضمنه اللباس من أبعاد شكّلت إحدى أبرز الوسائل
المسطرة للجندر والساعية إلى جعله واضحًا و"طبيعيا". وعلى صعيد الأنشطة التي يظهر فيها الجسد البيولوجي الأنثوي كأنه يخرق حجاب الاحتماء ويتجاوز حظيرة الألم، يبدو النشاط الرياضي مدعاة للتفكير في جسد مرتحل عن الجسد الأنثوي كما تصوره الثقافات القديمة التي تربطه بالجمال والإغواء، ليتحول إلى جسد رياضي يُحيل بداهة إلى جسد قوي
ذي عضلات، تنافسي، وحتى مقاتل يرتبط الحُكم عليه بالاقتراب من المعايير الرجولية. وهنا يأتي سؤالنا الأساسي: كيف تبني المرأة الجسد الرياضي مع وجود احتمالات وقوعها في أداء جندري مخالف لتوقعات البيئة الثقافية؟
ثالثًا: بناء الجسد الرياضي النسائي على أساس أداء جندري مشيّد سابقًا
عندما يقترن الجسد الأنثوي – وهو مأخوذ من قبل بتمثلات معينة – بالرياضة، فإن العلاقة قد تغدو أحيانًا ملتبسة؛ إنه جسد عُدّ دائمًا موافقًا لمواصفات النعومة واللين، أو في صيغة أخرى، إنه الجسد المهيمَن عليه
وفقًا لأطروحة بيير بورديو حول الهيمنة الذكورية التي تنطلق من أن الفعل الجنسي، الذي يصور جسد المرأة سلبيًا، هو جزء سفلي ثابت مقابل جزء علوي متحرك، ولذا فهو جسد في شموليته ساكن محكوم
عليه بالجمود. ولما ينتفض هذا الجسد لممارسة نشاطات تُراوح بين حمل الأثقال والملاكمة والجري والمصارعة... إلخ، هل يخاطر في مثل هذه الأوضاع بخرق الاطمئنان الذي يغلّف الأداء الجندري
المتوقع من الأنثى كما هو مشيّد ثقافيًا؟
((1(المرجع نفسه، ص.58
(16) Monia Lachheb, "Un corps de femme dans un sport d’homme, Regard sur l’expérience corporelle de judokas tunisiennes," Recherches féministes , vol. 21, no. 2 (2008), p. 57.
((1(بورديو، ص.39–38
إن السؤال الذي نطرحه مشروع، خصوصًا إذا ما علمنا أن الجسد بعلاماته البارزة هو المرآة العاكسة للتصنيف (ذكوري/ أنثوي)، ويأخذ كلا التصنيفين (ذكر/ أنثى) من الجسد مج لً للتعبير بالحركات والمواقف وعبر الاستعمالات المختلفة التي يتوزع فيها هذا الجسد. تزداد العلاقة الناظمة بين الجسد الأنثوي والرياضة إمعانًا في الالتباس عندما نُقلّب صفحات التاريخ لمعرفة الرحلة التي سارت في ركابها النساء في سبيل ولوج عالم الرياضة، لنجد أن دخولها فيه لم يكن متاحًا على نحو كامل. ونذكر في هذا الصدد ما اعتبره الأب المؤسس للألعاب الأولمبية بيير دي كوبرتان Coubertin de Pierre عام 1912 من أن المشاركة النسائية في الرياضة غير ذات أهمية، وغير سليمة أو متطابقة مع الحس الجمالي للمرأة، واستند ذلك الاعتقاد إلى حدود القدرات الجسدية للمرأة؛ إذ حينما كان يُسمح للمرأة بممارسة الرياضة، فإن ذلك كان يتم في ظل وضع معايير مزدوجة في تصنيف الرياضات يقسّمها إلى صالحة للجنس الأنثوي، من قبيل التزحلق الفني على الجليد والجمباز
والتنس وغيرها، وأخرى صالحة أساسًا للذكور مثل كرة القدم ورفع الأثقال ورياضة الدراجات... إلخ. لقد تماهى الإعلام مع هذا التصنيف الذي ساد في مرحلة مبكرة من الممارسة النسائية للرياضة، وذلك عندما احتلت أخبار الرياضة الرجالية القنوات التلفزية في إهمال واضح للممارسة النسائية، وبناء عليه اعتاد المتابعون للرياضة التطبيع مع الجسد الرياضي في صيغته الذكورية وفي ممارسته لرياضات تعتمد المواجهة والألم أحيانًا كما في رياضة كرة القدم والرغبي Rugby والكريكيت وغيرها، ومعه انتشرت فكرة الجسد الرجالي المفتول العضلات، العريض الأكتاف، الفارع الطول، المتين والقوي، مقابل فكرة الجسد الأنثوي الطري، النحيف أو الممتلئ، غير العضلي، المنزلق على الجليد أو الراقص... إلخ. ويمكن أن نؤكد هنا أنه ليست كل الرياضات قتالية، فهناك رياضات تعتمد على اختبار القوة الذهنية (الشطرنج مثلً)، لكن ما جرى في العقود الأخيرة لفت انتباه ديفيد لوبروتون Breton Le David الذي راعَه اتجاه ملحوظ للشباب، في الثقافة الغربية، إلى الخوض في الرياضات الشديدة الخطورة، بما هي امتحان للجسد، إذ إن الطابع الروتيني الذي يسم حياة أبناء الطبقة الوسطى جعلهم يبحثون عن نشاطات تُخرجهم من شبح الحماية المبالغ فيه، الذي تسطره الضوابط الاجتماعية، إلى ممارسة رياضات تجازف بالجسد وتعرّضه للألم، فيتحول الألم والخوف إلى مصدر للنشوة والسعادة وإحساس الفرد
بانتصاره على أسئلة الذات الوجودية. وفي الأثناء، تبدو المرأة مستبعدة إلى حد بعيد من مشهدية الألعاب الخطرة (القفز بالدراجات، والسياقة في الطرقات الوعرة والخطرة، ومنها مغامرات صعود الكثبان الرملية بالسيارات في دول الخليج... إلخ)، على الرغم من أن الكثير منهن يمارسن أنشطة لا تقل خطورةً مثل تسلق الجبال.
(18) Lachheb, p. 60. (19) Fabienne Martin–Juchat, "David le breton, conduites à risque: Des jeux de mort aux jeux de vivre," Questions de communication , no. 3 (2003), p. 2.
لقد أدت الموضة في ظل الحداثة إلى تعزيز صورة المرأة المطالِبة بالامتثال لمعايير جسدية معينة، قد تكون قريبة إلى المبالغة في النحافة أو المبالغة في النعومة. وفي كلتا الحالتين، خلقت ما يصفه بورديو ب "عدم الأمان الجسدي"، نتيجةً للهيمنة الذكورية، التي تحوّل الجسد الأنثوي والنساء إلى موضوعات
رمزية مستعرضة أمام نظر الآخرين، وفي ذلك "ولكونهن على مرأى من نظر الآخرين على الدوام، فإنهن محكوم عليهن بأن يختبرن باستمرار الفارق بين الجسد الفعلي المقيدات به والجسد المثالي الذي يعملن بلا انقطاع على الاقتراب منه. تعتبر كريستين مينيسون أن النساء عندما يدخلن مجال الرياضات الذي ساد الاعتياد على اعتباره مج لً رجوليًا، مثل كرة القدم ورفع الأثقال والملاكمة، يحتجن إلى أن يزاوجن بين القدرة والكفاءة
الملحوظة في اللعبة ومجموعة من التقنيات أو الاستراتيجيات الهوياتية التي يترجمنها جسديًا، حتى
يحفظن أنوثتهن، ولا يدخلن في دائرة وصم هويتهن الجنسية في أكثر الرياضات المعتبرة سلفًا بكونها "رجالية". في هذا الشأن أيضًا، تلاحظ مينيسون أن الرياضيات يمارسن نشاطهنّ وهنّ دائمًا بين مطرقة تقديم
أداء مماثل للرجل وسندان المحافظة على هويتهنّ بوصفهنّ إناثًا، ومن ثمة يدخلن في تطوير شبكة
استعدادات وتمثلات جسدية وسلوكية تجعلهنّ منفلتات عن التصنيف الذي يقضي بأنه يمكن أن
يتشبهّن بالذكور، أو في المقابل يمكن أن يتماهين مع صورة المرأة التي تشبه في شكلها وغنجها "لعبة
الباربي" Barbie Poupée.
تتحدد معالم هذا التفاوض، المعلن عنه أحيانًا والمستتر عنه أحيانًا أخرى، بشأن توزع الجسد الرياضي للاعبة بين ما هو ذكوري وما هو أنثوي، في ذلك التوجه، إلى "ابتكار" ممارسة بصيغة "أنثوية"؛ فالنساء الرياضيات أكّدن في خضم ممارساتهن على ما يطبع حركاتهن من بعد تقني وجمالي. وعلى نحو أدق،
تبيّن الرياضيات أنهن يسمن ممارساتهن بنوع من "التحضر" خلافًا للممارسة الرجالية التي تُطبع بالعنف
والقتالية والخشونة. ونشدد في هذه الجزئية على أن الرياضات المعتمدة على المواجهة، سواء كانت ثنائية أو جماعية، هي الأكثر قدرة على إظهار ما تقدمه النساء من حس تمييزي من الرجال في أدائهن. ففي كرة القدم مثلً، يمكن أن يكون الأداء النسائي مطبوعًا باحترام متبادل لأعضاء الفريقين وعدم الدخول في مشاجرات وملاسنات مع اللاعبات أو الحكام، ومن ثم تقديم صورة حضارية عن اللعبة. وأكثر من ذلك، يُقيم ليزي ميلر وأوتو بنز خطًّا للتفرقة والتمييز démarcation de Ligne بين أسلوب
اللعب والممارسة الرياضية الذكورية والأنثوية فيما يخص ممارسة رياضة كمال الأجسام، إذ بحسبهما ترفض مجموعة من النساء في هذه الرياضة التخلي عن معايير الأنوثة وكسب وزن أكثر
((2(بورديو، ص.104–103
(21) Christine Mennesson, Etre une femme dans le monde des hommes, socialisation sportive et construction du genre (Paris: L’harmattan, 2007), p. 69. (22) Leslie Miller & Otto Penz, "Talking Bodies: Female Bodybuilders Colonize a Male Preserve," Quest , vol. 43, no. 2 (1991), pp. 156–157.
للتمكن من الظهور بجسم ضخم، ويعتبرن أن الرجال الممارسين لكمال الأجسام قد تغيب عن ممارستهم النوازع العقلانية، فهم يريدون حمل كل الأوزان، ويركّزون عادة على بناء عضلات الذراعين،
وقد يهملون عضلات الأطراف السفلى ليظهروا بشكل "أرجل الدجاجة"، بخلاف النساء الممارسات لهذه الرياضة، فإنهن يعرفن سابقًا ما تحتاج إليه أجسامهنّ ويعتمدن التدرج والعقلانية للوصول إلى
هدفهنّ المنشود. تشير مينيسون في حديثها عن النساء الممارسات لرفع الأثقال إلى مجموعتين؛ مجموعة تثمّن الاعتناء
بالبعد الجمالي لجسدها، وتؤطر منظورها لفعل رفع الأثقال بالرغبة المغلفة للوصول إلى الجسد الأنثوي المثالي، فتتخلف عن التوصيات الحثيثة الدافعة بها إلى زيادة عضلية كبيرة قد ترفع سقف حضورها وأدائها. في المقابل، تبدو النساء اللواتي يسعين إلى تطوير مسارهن الرياضي، غير وجلات من الزيادة العضلية، بل مستعدات لإيلاء اهتمام مضاعف بمناطق معينة في أجسادهن تتطلب تدريبًا
حركيًا مكثفًا، حيث لا يهمّهنّ من مسارهن الرياضي سوى تحقيق المزيد من النجاح. يتقاطع ذلك الصنف من الرياضيات اللواتي يُردن دائمًا الانتصار إلى أنوثتهن مع النظرية الأدائية للجندر لجوديث بتلر، التي تقضي باعتبار الجندر فعلً أدائيًا؛ أي إن هذه النوعية من النساء الرياضيات
اعتادت ببساطة أداء جندر معين من خلال تكرار أنشطة تجعل الجسد يأخذ مواصفات معينة، ولذا فإن تشبّثها بإبراز الجانب الأنثوي ما هو إلا اجتناب لمغبّة أداء المرء لجندره على نحو مخالف؛ إذ يمكن
أن يؤدي هذا الأداء إلى إطلاق مجموعة من العقوبات الواضحة وغير المباشرة على السواء (في هذه الحالة إطلاق نعت المسترجلة، ومقابلة سخط اجتماعي... إلخ)، في حين أن أداء الجندر على النحو المتوقع يوفر الطمأنينة التي مفادها أن هنالك تماهيًا جوهريًا مع الهوية الجندرية. عندما تعتبر بتلر أن الجندر في الحقيقة ما هو إلا أداء متكرر لأفعال جسمانية خاضعة تاريخيًا للتقسيم
الثنائي الغيري، فهي تشير إلى أنه لا ذاتَ مذكرةً في جوهرها، ولا ذاتَ مؤنثةً في جوهرها، ومن ثم تكون الهوية الجندرية ضربًا من الخيال الذي يسعى للحفاظ على تقسيم ثنائي (ذكر في مقابل أنثى)،
وذلك حفاظًا على استراتيجية تُوائم سنن الأعراف الضمنية المحددة للتصورات عن الأنوثة الحقيقية والذكورة الحقيقية. وبناء عليه، فالرياضيات اللواتي يتملّكهن الحذر من الظهور للآخرين بشكل مشابه للرجال ما هن إلا انعكاس لبناء اجتماعي خلق واقعًا جندريًا ل "الأنثى الحقيقية"، وذلك من خلال تكرار أداءات اجتماعية للجسد على نحو مستدام، ما تجعل أيّ أداء اجتماعي مخالف للصورة
المتوقعة عن المرء لجندره سببًا في عقوبات شجب اجتماعي للمساس بجوهرانية الهوية الجندرية. إن ما يتخلل المجال الرياضي من أسئلة عن قدرة الجسد الأنثوي على كسب الرهان للحفاظ على أنوثته، في مجالٍ ظلّ اقتحامه حصرًا على الرجال، يحيل إلى نظرية ساندرا هاردينغ Harding Sandra
(23) Mennesson, pp. 342-344. (24) Judith Butler, "Performative Acts and Gender Constitution: An Essay in Phenomenology and Feminist Theory," Theatre Journal , vol. 4, no. 4 (1988), pp. 527–528.
حول المسارات الثلاثة التي تؤدي إلى البناء الاجتماعي للجنس أو النوع الاجتماعي؛ وهي أولً، ترميز النوع، بمعنى اللجوء إلى استعمال مجازات ثنائية binaires Métaphores لتعريف جنس معين، والحقيقة ألّ علاقة لها في الواقع بالفروق الجنسانية، من قبيل القوة مقابل الضعف، والخشونة مقابل
النعومة، وتعبّر عن هذه الفكرة تحديدًا الصور النمطية المستشرية حول الفروق بين الجنس الأنثوي
والجنس الذكوري. ثانيًا، البنية بحسب النوع، إذ ها هنا تُستخدم المجازات الثنائية السابقة للقيام
بتقسيم الأنشطة الاجتماعية بحسب الجنس؛ ففي المؤسسة الرياضية مثلً، تُقسم النشاطات الرياضية العالية المستوى إلى صنفين (ذكور وإناث) استنادًا إلى الصور النمطية عن الجنسين، ويبدأ هذا التقسيم انطلاقًا من توزيع الحصص الرياضية في المدارس، حيث يمارس الذكور الرياضة على نحو منفصل عن الإناث من دون الدخول في منافسات مختلطة بينهما، أو حينما يُعهد إلى الذكور بمجموعة من الألعاب الرياضية ككرة القدم أو كرة السلة، في حين يُعهد إلى الفتيات بأداء حركات معينة كالجمباز
مثلً، وذلك انطلاقًا من تصورات حول قصور في القوة لدى الفتيات وعدم قدرتهن على مضاهاة الأداء والأرقام القياسية الرجالية. إلا أن مثل هذه التصورات تُدحض باستمرار من خلال نماذج كثيرة في رياضات شتى، ويمكننا أن نأتي على ذكر الفوز المسجل للاعبة التنس بلي جين كينغ على منافسها اللاعب بوبي ريغس عام 1973، وقد عُد فوزها بمنزلة تكسير لصنم التفوق الذكوري على الأنثى، وانتقل تجسيده إلى السينما في فيلم Sexes the of Battle عام.2017 عندما تكسر النساء الرياضيات الصورة النمطية عن أجسامهن، المفترض نحتها وتشكيلها بحسب التمثلات المقترنة بالمعايير الاجتماعية للأنوثة، يغدو أمر الهوية الجندرية لهذه الرياضية مشكوكًا فيه، خاصة إذا أبان هذا الجسد عن بناء رياضي يتحدى الأبنية الثقافية المسبقة، المحدّدة شكل الجسد
الأنثوي؛ وهنا نستحضر حالة العداءة الجنوب أفريقية كاستر سيمنيا، التي استطاعت الحصول على الميدالية الذهبية في بطولة العالم في برلين عام 2009 بعد أن كان أداؤها في البداية متوسطًا، ما أثار العديد من الشكوك والتساؤلات حول هويتها الجندرية، وأثار أيضًا "زوبعة" إعلامية كبيرة؛ ذلك أنها خرجت عن شكل الجسد المفترض وبدت من دون نهدين وردفين واضحين. لقد تم اعتبار هذه العداءة مث لً لثنائية الجنس Intersexe، وذلك لتوفرها على معدل أعلى من العادة للهرمون الذكري "التستوستيرون"، أو ما يصطلح عليه طبيًا ب "فرط الأندروجين" hyperandrogénie
بعد خضوعها ل "اختبارات الأنوثة" féminité de Test. وقد أدى "فشل" اللاعبة في اختبار الأنوثة إلى إرغامها على تتبّع بروتوكول علاجي من أجل تحقيق التوازن الهرموني الذي من شأنه ضمان
تصنيفها بأنها امرأة أو أنثى، وإلا فإن مسارها الرياضي بوصفها محترفة يمكن أن يتوقف.
((2(اختبار وضعه الاتحاد الدولي لألعاب القوى عام 1966، وكان الهدف منه التأكد من الهوية الجنسية للمشارِكات، أو مدى
احتمال أن تكون إحداهن رجلً بيولوجيًا أو ثنائية الجنس، وذلك لضمان تكافؤ الحظوظ والفرص بين المشارِكات. توقف الاعتماد
رسميًا على هذا الاختبار عام 1999 بعد تمرير اللجنة الأولمبية الدولية قرار إيقافه، لكن ذلك لم يمنع مجالس أولمبية أخرى من
الاستمرار في تطبيقه مثل المجلس الأولمبي الآسيوي.
(26) Alessandro Porrovecchio et al., Sport, sexe et genre représentations et narrations (Paris: L’Harmattan, 2017), pp. 29–30.
رابعًا: الرياضيات في المغرب بين مديح الجسد الرياضي وتطلعات امّحاء التمثلات النمطية
في هذا السياق الذهني المعياري، تبدو حالة الرياضيات المغربيات مثيرة للاهتمام، خصوصًا أن المستجيبات في هذه الدراسة يمارسن رياضات تدخل ضمن "التصنيف التقليدي" الذي يعتبرها ذكورية. فلدينا من بين المستجيبات أربع نساء يمارسن كرة القدم، واثنتان تمارسان كرة السلة، وثلاث أخريات يمارسن كرة اليد، وأخرى تمارس فنون القتال (الكيك بوكسينغ)، وواحدة تمارس كمال الأجسام، وأخيرًا واحدة تمارس تسلق الجبال. إنهن من شريحة عمرية شبابية في أغلبها، ولكن على
نحو متفاوت؛ فحدّا الطرفين هما 21 و.52 عامًا خلال البحث، طرحت على المستجيبات مجموعة من الأسئلة تخص أولً نظرتهن إلى التجربة الجسدية التي يعايشنها باستمرار بوصفهن رياضيات، وتخص ثانيًا نظرة المجتمع إلى جسدهن
الرياضي وهويتهن الجندرية داخل المنظور الاجتماعي العام الذي ينتمين إليه. وتبين الدراسة أن هذه التجربة ذات كثافة نفسية وثقافية، وتختزل في مركبها المعقد كل تفاعلات الذات المتفردة، وتقاطعات الأوساط والانتماءات الاجتماعية المختلفة.
1. جسد الرياضيات بوصفه مدركًا ومنظورًا إليه
عندما سألتُ المستجيبات الرياضيات عن جسدهن، وما يتطلبه هذا الجسد من التزامات الوفاء بنمط عيش قد لا تنخرط فيه النساء غير الممارسات للرياضة (من حمية غذائية مقيدة وتدريبات يومية، ومواعيد استيقاظ)، أخبرنني كلهن أنهن يحببن الانخراط في هذا الالتزام الرياضي وما يشكّله من
انعكاسات إيجابية على الجسد؛ إذ إن الرياضة جعلت منهن رشيقات وذوات أجسام متناسقة هي مثار إعجاب وأحلام باقي الفتيات، وهذا الأمر يُعدّ امتيازًا تحققه الرياضة من دون عناء البحث عن سبل
أخرى تجميلية. ففي حديث مع حنان، أخبرتني أن النساء الأخريات يغبطنها لتوفرها على جسم قوي ومشدود: "نظرة النساء لي نظرة إعجاب، ويتمنين أن يكنّ مثلي". لكنها تضيف على نحو ملتبس تتعارض فيه تحذيرات
المحيط من فقدان البكارة بأن بعض النساء يحذّرنها من احتمال فقدان عذريتها من جراء ممارستها
الرياضية، وإنجازاتها الرياضية الباهرة؛ إذ إنها تمارس رياضات متنوعة وقوية، واستطاعت بجسدها أن تجرّ سيارة وزنها 1151 كيلوغرامًا مسافة 30 مترًا. أما بشرى فقالت: "النساء تنظر إليّ نظرة مختلفة لكنها إيجابية، حيث أجد نساء في مثل سني لديهن
وزن زائد ولا يستطعن القيام بأي نشاط بسهولة، فيباغتنني بالقول كم نغبطك ليتنا كنا مثلك، أما دون ذلك فالهيئة واللباس واحد، مع أنني أرتدي ملابس رياضية فأنا أتحرى دائمًا أن تكون محتشمة".
((2(حنان المنصوري (ممارسة لرياضة كمال الأجسام تبلغ من العمر 43 سنة)، مقابلة عبر تطبيق واتساب،.2022/5/24 ((2(بشرى بورجيلة (لاعبة كرة قدم تبلغ من العمر 36 سنة)، مقابلة عبر تطبيق واتساب،.2022/5/29
كما اعتبرت زينب أن ممارستها للعبة كرة القدم، وما عكسته على جسدها جعلها تكسب احترام باقي النساء: "لم يسبق لأيّ امرأة أن علقت على شكلي، بل إنهن دائمًا يدعمنني، ويقلن لي علّمي بناتنا
الرياضة كي يصبحن مثلك، أنا أحظى بالاحترام التام من عند النساء". وعلى الرغم من أن جميع المستجيبات أبدين اعتزازًا وتقديرًا لشكل أجسامهن الرياضية، فإن هناك
منهن من أشرن إلى بعض التعليقات العابرة، التي يتلقينها خلال عملهن أو في بعض المناسبات العائلية، منهن سهام التي صرحت لي: "عندما أكون بصدد مزاولة حصة التربية البدنية، وأطلب من الفتيات أن يقمن بأداء حركات تسخينية والجري حول الملعب، تردّ عليّ إحداهن بأنها لا تريد الجري
ولا يمكنها، كما لا يتورع البعض منهن عن مناداتي ب 'أحمد' دلالة على لباسي الرياضي الذي يجعلني شبيهة بالذكور بحسب تصورهن". وتضيف فردوس في إطار التعليقات التي تتلقاها من طرف نسوة الحي والجيران، خاصة في مناسبات الزواج: "أسمع تعليقات عابرة من النساء تقول لي: ماذا تريدين من الرياضة؟ توقّفي عن ممارستها
وركّزي على زيادة بعض من الوزن، ما الذي حصدتِه من كرة السلة كل هذه السنوات؟ النساء أمثالك
تزوجن وأنجبن وهن الآن سيدات بيوت". وفي السياق نفسه، تقول أميمة إنها تسمع تعليقات حول عدم مناسبة رياضة "الكيك بوكسينغ" للمرأة، لأنها تتطلب مجهودًا بدنيًا "خارقًا" لا يقدر عليه إلا الرجال، بمعنى أن هذه الرياضة تُعدّ أساسًا
رياضةً رجالية، وأيّ ممارس لها من المفترض أن يكون صلبًا وضخمًا، وهذه المؤهلات الجسمانية
تنطبق بالطبيعة و"الفطرة" على الرجل. ويحيلنا هذا التمثل حول إمكانية ممارسة المرأة هذا النوع من الرياضات الذي تكون له تبعات تسِم الجسم، إلى دراسة جنيفر ويزلي حول التمثلات الاجتماعية المرتبطة بأجسام الممارسين لكمال الأجسام من كلا الجنسين، التي خلصت إلى استمرار الصور النمطية التي تسم هذه الرياضة في ارتباط بالجنس؛ إذ يبقى كمال الأجسام من المنظور الاجتماعي مقبولً ومسموحًا به للرجال باعتباره ممارسة "طبيعية"، في حين يُعدّ غير ملائم للنساء، وذلك لِما يصبح
عليه شكل الجسم من عضلات بارزة، تم الاعتياد على اعتبارها من خصائص الشكل المميز للذكور. ومن منظور بعض الأوساط الاجتماعية التي تتحرك فيها الرياضيات المحترفات، لا تطرح ممارسة الرياضة مسألة جمال الجسد فحسب، أو الاستحقاقات التي تفرضه، بل يتعدى ذلك إلى هاجس الحفاظ على بكارة سليمة بأي ثمن، وهو هاجس يرافق العديد من الأسر التي تراهن على مفاهيم
((2(زينب الصادقي (لاعبة كرة قدم تبلغ من العمر 32 سنة)، مقابلة عبر تطبيق واتساب،.2022/6/2 ((3(سهام بادي (لاعبة كرة يد تبلغ من العمر 21 سنة)، مقابلة عبر تطبيق واتساب،.2022/6/2 ((3(فردوس الوراق (لاعبة كرة سلة تبلغ من العمر 36 سنة)، مقابلة عبر تطبيق واتساب،.2022/5/29 ((3(أميمة عبيدة (لاعبة رياضة الكيك بوكسينغ تبلغ من العمر 24 سنة)، مقابلة عبر تطبيق واتساب،.2022/6/2 ((3(ينظر في هذا الصدد:
Jennifer K. Wesely, "Negotiating Gender: Bodybuilding and Natural/ Unnatural Continuum," Sociology of Sport Journal , vol. 18, no. 2 (2001), pp. 162–180.
الشرف والنسب، وهذا ما طرحته بإسهاب سمية نعمان جسوس في كتابها بلا حشومة: الجنسانية النسائية في المغرب، إذ تقول: "وتظل النصائح الدائمة، والمتكررة، والواخزة ترافق الفتاة منذ بواكير صباها، خشية على غشاء مهبلها الرهيف، إذ يُنصح للفتاة بألا توسع بين ساقيها إن عنّ لها ذلك، وأن
لا تقفز الأدراج، أو تنزلق فوق الأعمدة، أو فوق الدرابزين "[...]. لكن الرياضيات لا يتعاملن في محيطهن مع النساء فحسب، بل مع الرجال أيضًا؛ لذلك خصص البحث بعض الأسئلة لفحص المعاملة التي تلقّينها من الرجال بشأن خصائصهن الجسمانية بوصفهن
رياضيات محترفات. ومرة أخرى، يظهر تشابك المعايير وترددها الدائم بين الإعجاب الذي قد لا يخلو من المجاملة والتقييم السلبي بمرجعيته الذكورية، على الرغم من أن أغلب المستجيبات صرّحن
بأنهن بصفة عامة لم يتلقّين تعليقات ساخرة أو ماجّة من الرجال للشكل والقوام، بل على العكس
ربما حصلن على تعليقات تُعلي من امتياز الجسد الرياضي. وتقول فردوس في هذا المعنى: "لا أجد مشكلًالصراحة، إذ أرى أن التوجه العام هو البحث عن جسم رشيق، وأنا دائمًا ما كنت أملكه،
فلا أضطر إلى الالتحاق بأندية التمرين حتى أجعل جسمي رشيقًا، وأسمع بشكل دائم من الذكور: يا لفرحتك تملكين جسم عارضة أزياء، استمري على هذه الوتيرة". وفي هذا السياق، تُعبّر بورجيلة:
"لطالما سأل عن عمري، فعندما أُ أجيب بأنني في سن 36 يتفاجؤون ويقولون لي: بل أنت في عمر 26، أظن أن من ميزات الرياضة الحفاظ على الشباب الدائم". ولكن من بين كل الإجابات التي حصلنا عليها، بدت سهام الوحيدة التي تلقّت تعليقًا على جسدها وهيئتها
بصفتها رياضية، فتقول: "أسمعهم يقولون لي تملكين أكتافًا ضخمة وعريضة، أنت تفوقيننا نحن الشباب ضخامة"، لكن سهام تبدو هنا في مقام من يدافع عن نفسه بإدخال تبرير يكاد يكون تقنيًا؛ إذ إنها تحاول
تفسير ما يصفها به بعض الرجال بأن مردّ ذلك يعود إلى طبيعة لعبة كرة اليد، فهي تتطلب مجهودًا بدنيًا
قويًا ولياقة عالية، تشتغل على أساسها باستمرار. ويمكن أن نقرأ في هذا شبه قبولٍ بالمرجعية الذكورية التي ترى أن جسد المرأة المثالي هو الجسد الرخو. ومع ذلك فقد نفت أميمة، التي تمارس رياضة هي الأخرى تتطلب قوة بدنية كبيرة "الكيك بوكسينغ"، أن تكون قد تلقّت تعليقات سلبية تخص شكلها، وقد
اعتبرت أنها لم تقع في هذه "الورطة" لأنها ليست متشبهة بالرجال، فهي لا تزال محتفظة بمعالم أنوثتها. وإذا توقفنا عند لازمة الحفاظ على معالم الأنوثة لدى المرأة الممارِسة للرياضة، فليست أميمة هي التي تؤكد هذا الطرح فحسب؛ إذ تقول ابتسام إنها لا تتشبه بالرجال، بل تهتم بجسدها وتحافظ على أنوثتها، في حين تذهب فرح إلى أبعد من ذلك، معتبرةً أنه من المحال أن تُوصف بتعليقات سلبية.
(3((سمية نعمان جسوس، بلاحشومة: الجنسانية النسائية في المغرب، ترجمة عبد الرحيم حزل (الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي، 2003)، ص.201 ((3(الوراق. ((3(بورجيلة. بادي ((3.(((3(ابتسام الجعيدي (لاعبة كرة قدم تبلغ من العمر 23 سنة)، مقابلة عبر تطبيق واتساب،.2022/6/3
فبمجرد مغادرتها الملعب أو حصص التدريب تلتحم بأنوثتها كليًا، وتتوخى دائمًا الحرص على عدم
التشبه بالذكور، لأنها تعتبر نفسها مسؤولة عن نموذج تقدّمه للآباء الذين يطمحون إلى دفع بناتهم إلى
احتراف الفعل الرياضي من دون أن يمس ذلك أنوثتهن من منظورهم الرجالي، وهي بذلك لن تقدّم
نموذجًا للفتيات "المسترجلات" على حد قولها. وتظهر هنا تعقيدات الظاهرة كما وصفناها سابقًا، فمن منظور جندري لم تقم فرح سوى بتجسيد حالة غير واعية لما اعتبرته بتلر إنتاجًا انضباطيًا للجندر، عبر جعل الجسد خاضعًا لأسلوب ثابت ومصطنع
اجتماعيًا، هدفه الأساسي الإبقاء على الجنسية الغيرية والاستقرار القائم للجنس المنتج، ومن ثم
الحفاظ على تقسيم الأدوار الاجتماعية التي تحدد مجال المرأة ومجال الرجل. إن المزاوجة بين الحضور بصفة "لاعب" في المنافسة الرياضية، و"أنثى" في الحياة المفارقة للمجال الرياضي، تؤدي إلى الوقوف عند مقال بيتي لوفيفر Lefèvre Betty الذي رصدت فيه ذلك الرهان المتأرجح الذي تدخل فيه المرأة الرياضية؛ فهي على نحوٍ ما تواجه هيمنة المرجع الهوياتي الذكوري في اللعبة، من منطلق المراهنة على الجسم القوي والمنافس والفاعل في مقابل المطالبة بجسم أنثوي يلبّي التخيلات "الفانتازية" المحددة لمعالم جمال المرأة. إن الأنوثة، كما قدّمناها سابقًا، تترادف في النظام الاجتماعي والثقافي مع النعومة، وتتضاد معها
الخشونة أو الغلظة. وعند سؤالي المستجيبات إذا ما كُنّ يُنعتن بنعوت الخشونة، جاءت الإجابات
تجزم في معظمها أن هناك نعتًا صريحًا بالخشونة أو تلميحًا غير مباشر لكونهن إما شجاعات صارمات،
ومواجِهات ينتزعن حقهن... إلخ. وفي هذا السياق، تقول فردوس: "من ناحية النعوت التي تصفني بأني خشنة (حرشة)، فإني أسمعها بشكل متكرر، ويحسب الآخرون على حد قولهم بأنهم يتحدثون مع رجل وليس امرأة، يعني يجب أن أكون أكثر أنوثة، وأعتبر أنه منذ اللحظة الأولى التي تلج فيها المرأة الرياضة يجب عليها أن تصمّ أذنيها عن مثل هذه التعليقات، لأن الناس فيما بعد سيعتادون عليك
كيفما أنت". وفي المعنى نفسه تقول أميمة: "يقولون بأنني صارمة وقاسية في تصرفاتي، ولستُ سيدة حنونًا"، وهناك من يتمادى في استعمال نعوت من قبيل "عزري الدوار".
2. جسد المرأة الرياضية في مرآة الأدوار الاجتماعية
دفعتني الإجابات المقدمة إلى التدبر قليلً فيما تمخّض عن سؤالٍ سابق، وذلك حين طرحتُ افتراض
تعارض مسار الاحتراف الرياضي مع إمكانات الزواج وتكوين أسرة. وقد أجمعت الإجابات كلها على
((3(فرح الدامون (لاعبة كرة يد تبلغ من العمر 24 سنة)، مقابلة عبر تطبيق واتساب،.2022/6/5
(40) Judith Butler, Troubles dans le genre le féminisme et la subversion de l’identité , Cynthia Kraus (trans.) (Paris: La Découverte, 2006), p. 258. (41) Thierry Terret et al., Hisoire du sport féminin (Paris: L’Harmattan, 1996), p. 247.
((4(عبارة في الدارجة المغربية تحيل إلى الشاب القادم من المداشر أو القرى، الذي يكون لباسه غير مطابق لنمط اللباس في المناطق الحضرية، وغالبًا ما يطلق هذا النعت في المجتمع المغربي على الفتيات اللواتي لا يهتممن بأنفسهن وهيئتهن، أو الفتيات
اللواتي لا يتوافقن مع المواضعات الاجتماعية حول صورة المرأة في البيت أو الشارع.
عدم وجود مثل هذا التعارض، إذ يمكن أن تكون المرأة الرياضية مثل باقي النساء؛ متزوجة ومسؤولة عن أسرة، والنشاط الرياضي مثل أيّ نشاط أو عمل يستوجب فقط تنظيمًا محكمًا وإدارة فضلى للوقت
بحسب المستجيبات دائمًا. وإذا كانت هذه قناعة المستجيبات، فإنهن مع ذلك لم ينفين تلقّيهن
التعليقات ذات النبرة التحذيرية من عواقب الاستمرار في ممارسة الرياضة في مقابل الاهتمام بجذب علاقات تؤدي بهن في نهاية المطاف إلى الزواج. تقول فردوس في هذا الصدد: "هنالك تعليقات أتلقاها من المجتمع، من الجيران بالضبط، الذين يقولون لي بأنني إذا استمررت في كرة السلة لن أتزوج، خاصة إذا كانت هناك مناسبة معينة كحفل زفاف، يتم إخباري بأن انشغالي باللعبة قد يجعلني لا أتزوج". وتضيف سكينة: "التعاليق حدّث ولا حرج، فبحكم انتقالي المتكرر بين المدن في إطار
اللعب والمنافسات، أسمع تعليقات تعتبر أنه لا يجوز للمرأة أن تسافر بدون محرم، وكذلك أسمع أن تنقّلي المستمر يؤدي إلى تشويه سمعتي كامرأة عازبة يمكن أن تتزوج في يوم من الأيام". لقد لاحظتُ، وأنا أسأل السيدات الرياضيات عن حالتهن الاجتماعية، أنه من أصل اثنتي عشرة ممارِسة، هناك اثنتان متزوجتان فقط؛ هما: السيدة بشرى بيبانو في عقدها الخامس، متزوجة وأم لفتاة، ابتدأت رياضة تسلّق الجبال في سن متقدمة نسبيًا (بعد 25 سنة)، وكانت تمارس قبل ذلك رياضات مختلفة
منذ الطفولة، منها الجري والتايكواندو في إطار حصص الرياضة المقسمة في الجداول المدرسية، واستطاعت بإحكام التقدم في هذه الممارسة الرياضية الصعبة التي تفرض في أحيان كثيرة التغيّب
عن المنزل أيامًا عديدة، وبذلك تمكّنت من أن تكون أول أفريقية تصل إلى قمة جبال الهيمالايا.
أما السيدة الأخرى فهي أميمة، وقد أخبرتني أنها عاشت تجربة الحمل والأمومة بسلام، خصوصًا أنها كانت دائمًا تطمح إلى الاحتراف وحصد البطولات في رياضة الكيك بوكسينغ، لذا فإنها رغم حملها لم تكن تتخلف عن أداء تدريباتها والقيام بالحركات الرياضية، كما أخبرتني أنها لم تكن تعرف بخبر حملها أثناء مشاركتها في إحدى البطولات. وقد جزمت أميمة بأن تجربة الحمل والأمومة لا تشكل أيّ عائق، بل يمكن أن تعود المرأة الرياضية إلى المنافسات بمجرد الوضع وأخذ القسط الكافي من
الراحة. وعلى الرغم من أن الممارِسات لم يسجلن تعارضًا بين الرياضة والزواج، فإن بعض الإجابات تُظهر أن هناك تذبذبًا بين ما تصرح به هذه السيدات وبين ما يستبطنُه كلامهنّ، فها هي حنان تخبرني أنها لو
كانت متزوجة لما استطاعت أن تخرج للجري قبل ساعات الفجر الأولى أو تذهب لتقضي الصباح بطوله في السباحة، وأخبرتني بصريح العبارة أن أمها أحيانًا تفضّل وضعها هذا من دون زوج أو مسؤولية
زواج، لأنها الآن مستقلة، وأن الرجال لا يفضّلون النساء المستقلات بذواتهن.
((4(الوراق. ((4(سكينة شجاع (لاعبة كرة سلة تبلغ من العمر 28 سنة)، مقابلة شخصية، الرباط،.2022/5/17 ((4(بشرى بيبانو (ممارسة لرياضة تسلق الجبال تبلغ من العمر 52 سنة)، مقابلة شخصية، الرباط،.2022/5/20 ((4(عبيدة. ((4(المنصوري.
على صعيد آخر، أوضحت الممارِسة لكرة اليد سهام، أنها كانت مرتبطة بشاب يدعمها دائمًا ويساندها
في بناء مسارها الرياضي، إلا أنه توقّف عن ذلك وانقلب إلى مصدر تثبيط لها، لأنه تأثّر تأثرًا كبيرًا
بالمحيط الذي يعتبر كل فتاة تمارس الرياضة تخرج من خانة الأنوثة وتدخل عالم الذكورة والخشونة من بابه الواسع، وأكدت سهام بصوت يخالطه الفخر أنها غير نادمة لأنها اختارت الرياضة على حساب الحب والزواج، معتبرة أن المجتمع لا ينفكّ عن وصم الفتاة الرياضية بنعوت قدحية تستهدف تشبيهها
بالرجال. تبدو الهيئة الجسمانية المختلفة التي تطورها اللاعبة الممارسة للرياضة أمرًا يجعلها مصدرَ تهديدٍ
لفحولة الرجال، وذلك لما يمكن أن يتمخض عن هذه الممارسة من احتمال تشابه على المستوى الجسدي. وفي هذا الشأن تعتبر إليزابيث بادينتر أن الرجال يرون في المرأة التي تخرج عن الهيئة الجسمانية المعتادة للنساء تهديدًا لرجولتهم أو فحولتهم؛ إذ التشابه الذي يمكن أن يخلقه شكل الجسد من شأنه أن يمحو التمايز الذي يؤشر عليه الجسد الرجالي. وعطفًا عما سبق، تقدم كريستين مينيسون حصيلة بحثها عن وجود المرأة في العالم الرجالي، في إشارة إلى نوع من الرياضات توصف بالرجالية، وتدخل في صلبها كرة القدم؛ فتبيّن أن النساء اللواتي يُردن
احتراف كرة القدم، يسلكن مسارًا مخالفًا déviante Carrière يخرج عن الصورة النمطية المعتادة للنساء
الممارسات للرياضة، وذلك من خلال حرصهن على ضمان المساواة التامة في الحظوظ والإمكانيات بين الذكور والإناث، إضافة إلى أن لاعبات كرة القدم يتميزن من غيرهن من الملاكمات ورافعات الأثقال بكونهن يرفضن الخضوع في قلب العلاقات الزوجية لذلك التناسب المفروض للهيئة الجسدية مع المعايير الاجتماعية المهيمنة حول الأنوثة، بحسب مينيسون، بل إن لاعبات كرة القدم يتبنّين هيئة
مختلفة لجنسهن حتى يجابهن النظرة الاحتقارية للذكور الممارسين للعبة نفسها، التي تختزلهن في مجرد نساء غريبات يتقافزن في الملعب. وقد ذُكرت هذه الملاحظة التي تشير إلى تشابه هيئة لاعبات كرة القدم بالرجال، في أقوال إحدى المستجيبات، وهي فرح التي تمارس كرة اليد، والتي أخبرتني، في معرض شجبها لأيّ علاقة محتملة
بين لعب كرة اليد وبروز معالم الذكورة أو الخشونة، بأن التشابه الحاصل بين الذكور والإناث يسجَّل
غالبًا لدى الفتيات الممارسات لكرة القدم؛ إذ يتحوّلن من شكلهنّ الأنثوي إلى شكل ذكوري عبر
هيئة أجسامهن وشكل قصات شعرهن القصيرة جدًا. في رغبتي لتحليل الأسباب الممكن سوقها لتعليل الأمر، توقفت عند التنشئة الاجتماعية للاعبات كرة القدم المستجيبات، وبغضّ النظر عن كونهن
لا يعتبرن أنفسهن "مسترجلات" شكلً وهيئةً أو يخرجن عما رسمته لهن فرح قدرًا محتومًا، فإنه من
المثير فعلً أنهن يتلاقين في كون تعلّقهن بكرة القدم يُعزى إلى مخالطتهن عناصر من "الجنس الآخر"،
بادي ((4.(
(49) Elisabeth Badinter, L’un est l’autre (Paris: Odile Jacob, 1986), p. 285. (50) Mennesson, p. 155.
((5(الدامون.
وتحكي بشرى في هذا الصدد: "وسطي العائلي كان رياضيًا؛ فوالدي وأعمامي كانوا يمارسون لعبة
كرة القدم، وكنتُ أشبههم كثيرًا، وتستهويني اللعبة كما تستهوي كل أبناء الأحياء الشعبية، كنتُ أشاهد
المباريات رفقة والدي ونقوم بتحليلها سويًا، لقد كان يُعلّمني أصول اللعب ومبادئ الالتزام في اللعبة (النوم والاستيقاظ باكرا"). أما زينب فتقول إنها أحبت اللعبة أساسًا لتتبّعها نشاط أخيها الكروي،
في ظل وجودها ضمن وسط محافظ يرى في كرة القدم توجهًا رجاليًا خالصًا. وكذلك ابتسام التي
أوضحت أن أباها كان مدرّبًا لفرق كرة القدم في المدينة التي تقيم فيها، فأبانت عن ميلها إلى ممارسة
اللعبة.
3. التنشئة الاجتماعية وأثرها في تقسيم الألعاب بين الذكور والإناث
أناقش في هذا الجزء نقطة أثارت انتباهي كثيرًا، وهي أن المستجيبات عندما سألتُهن سؤ لً عن ألعابهن
ورفقاء اللعب في الطفولة، جاءت الإجابات في معظمها تؤكد أنهنّ بدأن ممارسة الرياضة، بعد فترة
الطفولة، باللعب مع الأولاد، وهنّ يفسرن ذلك بمللهنّ من لعب البنات الخالي من النشاط العضلي
القوي، في حين كنّ يفضّلن الجري والخشونة وإظهار القوة الجسدية التي تتوافر في لعب الأولاد، مثل
كرة القدم وكرة اليد وغيرهما، وعندما بدأن الاحتراف أصبح التدريب مع الرجال والتنافس معهم محفزًا جدًا لتحسين المردود الرياضي. تقول حنان معبّرة عن هذه الفكرة: "أتذكر أنّي كنت دائمًا في طفولتي ألعب مع البنات والأولاد، لكن
عندما تقدمت في السن وبدأت أمارس كرة السلة والسباحة صرت ألعب مع الرجال فقط، لأن المستوى يتقدم والرجال أقوياء، وعندما أحتك بهم أتحفز، فأنافسهم وأحسن من مردوديتي في اللعب". وتضيف فردوس: "في طفولتي، كنت ألعب مع الذكور والإناث، لم يكن لديّ مشكل مع أحد الجنسين،
ولكنني كنت أحس بأني أكثر صلابة جسديًا من الفتيات الأخريات، كما أرى أن ألعابهن محدودة ولا يحببن الجري كثيرًا، عكسي أنا، إذ كنت أمتلك القدرة على لعب كرة القدم والجري مع الذكور، بل
ومنافستهم في ذلك". وهذا أيضًا حال بشرى التي تقول: "كنت أحب تمضية حصص الرياضة مع الذكور، لأني كنت أفضل لعب كرة القدم، بينما الفتيات كنّ يفضّلن لعب كرة السلة، وكنت أيضًا أفضل
لعب كرة القدم مع الذكور في الحي". لا تختلف سكينة عن سابقاتها في قصتها مع كرة القدم، لكنها تضيف أمرًا مهمًا، هو أنها عندما كانت
تلعب في الحي كرة القدم مع الذكور، كان الناس يعلّقون عليها "بأنها تشبه الذكور في لعبهم
((5(بورجيلة. ((5(الصادقي. ((5(الجعيدي. ((5(المنصوري. ((5(الوراق. ((5(بورجيلة.
وتصرفاتهم". ويفتح هذا القول لسكينة المجال لما اعتبرته مينيسون محاولةً لتعريف هوياتي جنساني على نحو مخالف، في إطار نعت "الفتاة – الغلام"؛ هذا النعت تطلقه الأسر أو المدرسة أو حتى بعض الرفقاء على الفتيات اللواتي يُبنّ عن نزوع مخالف للنموذج الأنثوي المرجعي في ممارسة
الأنشطة الاعتيادية في مرحلة الطفولة؛ إذ قد تنعت الأمهات بناتهنّ اللواتي يمتنعن عن القيام بالواجبات المنزلية، ويهتممن على نحو مفرط بالرياضات الخشنة، بأنهن فتيان، يُضفن إلى لائحة فتيان العائلة، ويُعبّر مفهوم "المسترجلة" في الثقافة الشعبية عن ذلك قد تُبدي المدرسات ملاحظات تتعلق بفرط
النشاط والحركة وعدم الانخراط في بعض النشاطات كالرقص مثلً، في حين تنظر الفتيات الأخريات إلى الفتاة الممارسة للرياضة مع الذكور بأنها قاسية أو لا تشبههن. في حالة الرياضيات المستجيبات، أكدت كل منهن أن التزامهن الرياضي لا يعني انطواءهن عن العالم الخارجي؛ فهنّ بالموازاة مع ارتداء البدل الرياضية، يرتدين ملابس نسائية مختلفة (جلابيب،
وقفاطين، وفساتين)، وكل ألبستهن تتحرى الحشمة والتستر؛ إذ منهنّ نساء محجبات، وهذا ما يجعلهنّ
بحسب قولهنّ يبتعدن عن التعري والابتذال، لأنهنّ يحترمن أنفسهنّ ومبادئ دينهنّ، وتقول حنان:
"وفقني الله لاختيارات وقرارات صائبة، لأني أعيش وحدي في هذه السن 43[سنة] وأتحرى تقوى الله ما استطعت، حتى إن والدتي تطلب مني أحيانًا الكف عن ارتداء الملابس الطويلة جدًا، فهي قد لا تبرز قسماتي ومعالم جمالي وبالتالي قد أبقى عازبة". ونلاحظ هنا كيف أن بعض الرياضيات يعشن شيئًا من الارتباك بين فكرة "التعري" التي يحيل إليها اللباس الرياضي المُبرز لتفاصيل الجسد في مجتمع ذكوري محافظ، وفكرة "ستر الجسد الأنثوي" التي يحيل إليها اللباس الطويل. وتبرز من التضارب المعياري بين المرجعيتين أسئلة التحولات الثقافية ذات العلاقة بأهمية إبراز مفاتن الجسد الأنثوي لجلب اهتمام الرجال وتحقيق مشروع الزواج الذي يعيد المرأة إلى دورها الأساسي في هذا المجتمع، وهو الإنجاب.
4. الممارسة الرياضية النسائية المحترفة في المغرب والإعلام
يمكننا أخيرًا أن نقول إن النساء موضوع البحث، يعبّرن عن توجه للممارسة الرياضية تخرج عن نطاق
الهواية إلى مسار الاحتراف. فعند سؤالهن عن تجربتهنّ الرياضية وانتظاراتهنّ منها، كانت الإجابات
تكاد تُجمع على الرغبة في الاحتراف وتحطيم الأرقام القياسية، بل تخليد الأسماء في سجل البطولات. وقد بدت قناعة المستجيبات جليّةً فيما يتعلق بعدم هدر الاحتراف لقيمة الشغف والهواية، حيث إن
البدايات في الممارسة يطبعها الشغف والحب الخالص للّعبة، لتتحول بعد ذلك إلى نوع من الاحتراف وشق مسار رياضي ناجح. تقول فردوس: "عندما بدأت ممارسة الرياضة، لم أكن أعرف، بحكم صغر سني، أن هنالك انتقالات من فريق إلى فريق آخر، وإمكانات فرص عديدة في فرق مختلفة. لكن مع
((5(شجاع.
(59) Mennesson, pp. 105–106.
((6(المنصوري.
الوقت عرفت ذلك، عندما غيرت فريقي الأم (الرجاء البيضاوي)، لصالح فريق الحسيمة. آنئذ فهمت أن هنالك عروضًا وفِرقًا تبحث عن جلب اللاعبين إليها، وهكذا فعندما تنفصلين عن فريقك الأم تبدئين في الاحتراف والبحث عن النتائج الأفضل، أي النجاحات والبطولات والميداليات، وهذا يدفعك إلى مزيد من العمل والاجتهاد في إطار هدف معين كبلوغ كأس العرش مثلً". ولا تختلف شهادة بشرى عن شهادة فردوس: "سابقًا في التسعينيات وبداية الألفية الثالثة، كانت المرأة الرياضية تمارس الرياضة من باب الهواية، لكن اليوم تغيّر الأمر، فقد أصبحت الظروف متاحة، هنالك
دورات تدريبية ومؤطرون مكونون، يشرحون قوانين اللعبة بدقة، كما أصبح في إمكان الفتيات التدرج في الفئات داخل النادي، ويمكنهن الاحتراف. حتى على مستوى الربح المادي، فبعدما كانت الفتاة تمارس الكرة من أجل الهواية فقط، أصبحت اليوم تطمح للالتحاق بالمنتخب الوطني واللعب في الخارج، أي إن هناك فرصًا لتُظهر اللاعبة علو كعبها وتحترف، وتجني الأموال من الرياضة". إن الاحتراف الرياضي للمرأة مرتهن بتغيير مفهومنا للرياضة كما دعا إلى ذلك لويس برايسون، انطلاقًا من تفنيد الفكرة القائلة إن الرياضة مجال للقوة والسلطة الاجتماعية، أو هي بمعنى آخر المجال الذي تطفو فيه إلى السطح تقسيمات الأدوار الاجتماعية، ومن ثم يمارسها الرجال باعتبارهم الأقدر والأقوى، وعلى النساء أن يمتنعن عنها باعتبارهن الأضعف، وباعتبار أن أي شيء يُقدمن عليه يُعدّ أقل
قيمة وأهمية، وهو ما يستدعي إيلاء الرياضة النسائية أهميةً أكبر، عبر التغطية الكافية لوسائل الإعلام ورصد الظروف والإمكانيات اللازمة لتطور الحضور النسائي داخل هذا المجال، الذي لم يعُد تغيب عنه الإنجازات التي تبصمها النساء. ومن المهم هنا تسجيل خيبة الرياضيات المغربيات من سلوك الصحافة والإعلام، بصفة عامة، تجاههن بوصفهن رياضيات محترفات حققن إنجازات معتبرة ليست أقل مما أنجزه الرجال، وشعورهن بالحيف في هذا المجال. وهذا ما لاحظته فردوس على سبيل المثال التي تقول: "الرياضة النسائية في المغرب مهمّشة بشكل كبير، وذلك في جميع فروع الممارسة، ومردّ ذلك استشراء التعبير القائل بأننا مجرد
نساء". وهذا التمثّل يلقى صدى في الصحافة والإعلام بصفة عامة، ولكن على نحو سلبي؛ أي عبر
السكوت أو عدم الاهتمام، أو في أفضل الأحوال من خلال جعل الاهتمام بالرياضة النسائية في مرتبة ثانية أو حتى في الهامش. وفي المقابل، وكما هو متوقع، أي كما تُمليه التمثلات الذكورية للرياضة ومضمونها ورموزها، يجري عرض المباريات والمنافسات الرياضية التي يجري تمثلها على أنها رجالية أساسًا، فيملأ ضجيجها الآفاق ويتحول أبطالها إلى أيقونات ومرجعيات للأطفال في الأحياء والمدارس
وحديث العائلات ومرتادي المقاهي.
((6(الوراق. ((6(بورجيلة.
(63) Lois Bryson, "Sport and the Maintenance of Masculine Hegemony," Women’s Studies International Forum , vol. 10, no. 4, (1987), pp. 349–360.
((6(الوراق.
خاتمة
من خلال هذا البحث الاستقصائي الذي ركّز على تجربة بعض الرياضيات المغربيات المحترفات،
تأكّد بوضوح أن ممارسة النساء للرياضة بصفة عامة، والرياضة "الخشنة" بصفة خاصة، تستنفر في
المجتمعات الذكورية المحافظة كل المخيال الاجتماعي المعقد المتعلق بمكانة المرأة في المجتمع، وبنوع العلاقات التي تنشأ بينها وبين الرجل واستتباعاتها المادية والذهنية والرمزية، لتظهر بوضوح كل جغرافيتها وتضاريسها الثقافية – الاجتماعية التي تجد لها تعبيراتها المميزة حتى في السياسة والإعلام. ولطالما عُدّ جسد المرأة في المخيال الثقافي والاجتماعي مرادفًا لمعاني الجمال والإثارة، وهو بذلك
يقيم تأرجحًا بين ثنائية الكشف والإخفاء، وأيّ كشف له خارج الفضاء المرصود له يستجلب الشر
والغواية، ويخرج عن نطاق اللذة إلى نطاق الشهوة الممجوجة. ويُخفي هذا الجسد الأنثوي في بعده
الإيروسي، وراءه جسدًا مرصودًا للألم عبر تجربة نزول دم الحيض، والافتضاض، والولادة، وهو بين كل هذه التجارب موزّع بين "الجسد المدنس" الموجب للحجب، و"الجسد المقدس" المنتج للحياة
وصاحب السلطة الاجتماعية في الأسرة. وعندما تبرهن المرأة على جسد ذي مقدرة على المنافسة وتحطيم الأرقام القياسية، تتعالى الأسئلة المرتبطة بهويتها الجندرية، فيجري التركيز على المورفولوجيا بدلً من التركيز على الأداء، إلى حد إجبارها على الخضوع لاختبارات الأنوثة، على نحو تكون فيه هذه الاختبارات هي المحدد الأساس لهويتها الجندرية سلبيًا أو إيجابيًا. وانطلاقًا من هذه الاستنتاجات، يبدو الحقل الرياضي – المهمل إلى حد بعيد في الدراسات العربية – من أخصب مجالات البحث في قضايا العلاقات الاجتماعية، وتحديدًا العلاقات بين المرأة والرجل التي تحيل، كما بيّنت الدراسة، إلى مرجعيات ثقافية جرى نحتها وفصلها عن التاريخ، لتأخذ شكل
البديهيات الطبيعية كما شرح ذلك بورديو في كتاب الهيمنة الذكورية، التي ما إن يجري تحدّيها تجريبيًا
حتى تنكشف كل البنى التاريخية التي أسست عليها وتتزعزع القناعات التي تشرعن ممارستها.ُ
References
المراجع
العربية
بتلر، جوديت. "الأفعال الأدائية وتكوين الجندر مقالة في الظاهراتية، والنظرية النسوية". ترجمة ثائر ديب. عمران. مج 7، العدد 25.)2018(بلعربي، عائشة [وآخرون]. الجسد الأنثوي. الدار البيضاء: دار الفنك،.1991 بورديو، بيار. الهيمنة الذكورية. ترجمة سلمان قعفراني. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2009 جسوس، سمية نعمان. بلا حشومة الجنسانية النسائية في المغرب. ترجمة عبد الرحيم حزل. الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي،.2003 دو بوفوار، سيمون. الجنس الآخر. ترجمة ندى حداد. عمّان: الدار الأهلية للنشر والتوزيع،.2008
السباعي، خلود. الجسد الأنثوي وهوية الجندر. الرباط: دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع،.2007 السعداوي، نوال. المرأة والجنس. ط 4. الإسكندرية: دار ومطابع المستقبل،.1990
الأجنبية
Badinter, Elisabeth. L’un est l’autre. Paris: Odile Jacob, 1986. Bourquia, Rahma. Femmes et fécondité. Casablanca: Afrique orient, 1996. Bryson, Lois, "Sport and the Maintenance of Masculine Hegemony." Women’s Studies International Forum. vol. 10, no. 4 (1987). Butler, Judith. "Performative Acts and Gender Constitution: An Essay in Phenomenology and Feminist Theory." Theatre Journal. vol. 4, no. 4 (1988). Butler, Judith. Troubles dans le genre: le féminisme et la subversion de l’identité. Paris: La Découverte, 2006. Foucault, Michel. Le souci de soi. Paris: Gallimard, 1984. Foucault, Michel. The History of Sexuality: An Introduction. Robert Hurely (trans.). New York: Vintage, 1979. Irigaray, Luce. Ce sexe qui n’en est pas un. Paris: Editions de Minuit, 1977. Kristeva, Julia. Pouvoirs de l’horreur: Essai sur l’abjection. Paris: Seuil, 1980. Laberge, Suzanne et al. "Le sport comme espace de reproduction et de contestation des représentations stéréotypées de la féminité." Revue recherches féministes. no. 2 (2006). Lachheb, Monia. "Un corps de femme dans un sport d’homme, regard sur l’expérience corporelle de judokas tunisienne." Recherches féministes. no. 2 (2008). Martin–Juchat, Fabienne. "David le breton: Conduites à risque des jeux de vivre aux jeux de mort." Questions de communication. no. 3 (2003). Mennesson, Christine. Être une femme dans le monde des hommes: Socialisation sportive et construction du genre. Paris: L’Harmattan, 2007. Merleau–Ponty, Maurice. Phénoménologie de la perception. Paris: Gallimard, 1976. Miller, Leslie & Otto Penz. "Talking Bodies: Female Bodybuilders Colonize a Male Preserve." Quest. no. 2 (1991). Porrovecchio, Alessandro et al. Sport, sexe et genre représentations et narrations. Paris: L’Harmattan, 2017. Raz, Michal. "AnaisBohuon: Le test de féminité dans les compétitions sportives une histoire classée X?" Cliofemmes genre histoires. no. 37 (2013). Riviere, Joan. "Womanliness as a Masquerade." International Journal of Psycho– analysis. vol. 9 (1929). Terret, Thierry et al. Histoire du sport féminin. Paris: L’Harmattan, 1996. Wesely, Jennifer. "Negotiating Gender: Bodybuilding and Natural/ Unnatural Continuum." Sociology of Sport Journal. vol. 18, no. 2 (2001). Wittig, Monique. The Lesbian Body. Peter Owen (trans.). New York: Avon, 1973.