الألتراس بوصفها حركة اجتماعية شبابية: تحليل نقدي لخطاب ألتراس كرة القدم المغربية
Ultras as a Youth Social Movement: A Critical Discourse Analysis of Moroccan Football Ultras
الملخّص
تسهم هذه الورقة في التحليل النقدي لخطاب حركة "ألتراس" كرة القدم المغربية التي تصاعد حضورها داخل الملاعب الرياضية وخارجها. تجمع الألتراس بين تشجيع الفِرق والتفاعل مع الأزمات الاجتماعية والقضايا السياسية، ويَتَجَلَّى ذلك في طبيعة الأهازيج والشّعارات والعروض المصممة بدقة المعروفة باسم "تيفوس" التي تستعملها في تشجيعها لِفرَقَها وفي التعبير عن الولاء المطلق لها، مع إعطاء هذه الأهازيج والشعارات بعدًا تعبويًا وسياسيًا. ولأن الألتراس تعتمد اللغة بوصفها أداة رمزية، وتستخدمها بشكل استراتيجي في تأكيد الولاء والأبعاد السياسية، فقد وجهت الورقة اهتمامها إلى تحليل أوجه الارتباط والتفاعل بين خطاب هذه المجموعات من جهة، والأحداث التي عَرَفها المشهد السّياسي والوضع السوسيو-اقتصادي في المغرب والبلدان العربية من جهة ثانية، وذلك اعتمادًا على المنهجية التي طوَّرها نُورْمَانْ فِيرْكلافّ في حقل التحليل النقدي للخطاب.
Abstract
Abstract: This paper contributes to the critical discourse analysis of Moroccan football ultras movements, whose presence has increased inside and outside the sports stadiums. These groups combine support for their teams with positive interaction with social and political issues. This combination is reflected in the nature of the chants, slogans, and tifos in the context of encouraging and expressing absolute loyalty to their teams and in mobilising and politicising stadiums. Since many of these chants, slogans, and tifos denounce socioeconomic as well as sports
- المغرب
- ألتراس كرة القدم
- الحركات الاجتماعية
- اللغة
- الخطاب
- Morocco
- Football Ultras
- Social Movements
- Language
- Discourse
محمد الحذيفي * وعز الدين الفراع ** |
ملخص: تسهم هذه الورقة في التحليل النقدي لخطاب حركة "ألتراس" كرة القدم المغربية
التي تصاعد حضورها داخل الملاعب الرياضية وخارجها. تجمع الألتراس بين تشجيع
الفِرق والتفاعل مع الأزمات الاجتماعية والقضايا السياسية، ويتَجلَّى ذلك في طبيعة
الأهازيج والشّعارات والعروض المصممة بدقة المعروفة باسم "تيفوس" التي تستعملها في
تشجيعها لفرقَها وفي التعبير عن الولاء المطلق لها، مع إعطاء هذه الأهازيج والشعارات
بعدًا تعبويًا وسياسيًا. ولأن الألتراس تعتمد اللغة بوصفها أداة رمزية، وتستخدمها بشكل
استراتيجي في تأكيد الولاء والأبعاد السياسية، فقد وجهت الورقة اهتمامها إلى تحليل أوجه
الارتباط والتفاعل بين خطاب هذه المجموعات من جهة، والأحداث التي عرَفها المشهد
السّياسي والوضع السوسيو–اقتصادي في المغرب والبلدان العربية من جهة ثانية، وذلك
اعتمادًا على المنهجية التي طوَّرها نورمان فيركلاف في حقل التحليل النقدي للخطاب.
المسؤول).
PhD Researcher in the Faculty of Languages, Letters, and Arts at Ibn Tofail University in Kenitra, Morocco (Corresponding Author). Email: mohammed.elhadifi@.uit.ac.ma
محمد بن عبد الله بفاس، المغرب.
PhD Researcher in Laboratory of Sociology and Psychology at the Faculty of Literature and Human Sciences, Dhar El Mahraz Fes, Sidi Mohamed Ben Abdellah University, Morocco. Email: azzeddine.elfaraa@usmba.ac.ma
conditions, the paper analyses the interrelationship between discourse structures and ideological structures of Moroccan football ultras chants and slogans based on the critical methodology developed by Norman Fairclough based on textual description, discourse interpretation and socio–cultural explanation. Furthermore, it has become clear that, in addition to expressing team loyalty, the Moroccan ultras strategically use language as a symbolic tool to express feelings of outrage, hope and yearning for freedom, dignity and social justice, similar to the social movements that emerged in the context of the Arab revolutions.
مقدمة
تُعالج هذه الدراسة إشكالية بحثية يمكن تلخيصها في الأسئلة التالية: هل صارت الألتراس بمنزلة حركة اجتماعيّة شبابيّة تَقُوم بالتَّعبئة داخل الملاعب الرياضية وخارجها، لا سيما بعد أن
تحوّلت هذه الملاعب إلى فضاءات عُمومية في سياقات تراجعت فيها المؤسَّسات الرَّسمية والحركات
الاجتماعية التّقليدية التي كانت تقوم سابقًا بأدوار التّعبير والاحتجاج؟ كيف أدّى هذا التحوُّل إلى فتح
المجال أمام حركة الألتراس التي صارت تَعتبر نفسها "ودادًا للأمُّة" و"رجَاءً للشَّعب"، و"صوتًا" يُعبّرُ عن
همُومه وانشغالاته وتطلُّعاتِه؟ ما السمات اللغوية التي تستخدمها حركة ألتراس كرة القدم المغربية في
أهازيجها وشعاراتها من أجل التعبير عن مواقفها ومطالبها؟ وما الاستراتيجيات الخطابية المستخدمة والأيديولوجيات المتضمَّنة في خطابها؟ للإجابة عن هذه الأسئلة، سَننطلق من فكرة مضمونها أنَّ الألتراس قد تحولّت إلى حركة اجتماعية
شبابيّة ذات خطابٍ يتَأثَّر ويُؤثّر في الوعي الجمعي والممارسات الفرديّة. ولعلَّ الانتشار الواسع
الذي عَرفَته بعض أهازيجها على المستويين الإقليمي والعالمي من قبيل "ولد الشّعب يغنّي" و"هادي بلاد الحگرة" و"فبلادي ظلموني"، بمنزلة دليل قوي على هذا التحوُّل. وبناءً عليه، سنحاول
أن نبَيّن أوجه الارتباط والتفاعل بين خطاب مجموعات ألتراس كرة القدم المغربية، وأوضاع المشهد
السّياسي والسوسيو–اقتصادي في المغرب وبعض البلدان العربية. سننطلق في ذلك من مسلَّمة أولية
تعتبر أنَّ هَذه الأوضاع وما صاحبها من خطابات قد أسهمت في تَشكيلِ ثقافة سياسيّة لدَى جيل الشباب
الذي عَايشَها وانخرَط في قِيَادَتها مُرغَمًا أو عن طواعية. فإذا كانت مبادئ الألتراس في مختلف مناطق
العالم تقوم على ثلاث مُسلَّمات أساسية هِي: مُعَاداة الشرطة ونقد الإعلام ورفض كُرَة القدم الحديثة،
فإنّ الألتراس في المغرب، قد أضافت إلى هذا الثَّالوث أبعادًا أخرى؛ إذ تحوَّلت إلى قناة للتعبير عن
(((في الجزائر على سبيل المثال، ردد الشباب في الجمعة 33 للحراك الشعبي أغنية "فبلادي ظلموني". يُنظَر: "في بلادي ظلموني
مع أنصار اتحاد الحراش في الجمعة 33 للحراك الشعبي"، يوتيوب، 2019/10/4، شوهد في 2022/10/6، في:
https://bit.ly/3SJK5oF (2) Mark Doidge & Martin Lieser, "The Importance of Research on the Ultras: Introduction," Sport in Society , vol. 21, no. 6 (2018), pp. 833–840; Marcin Gońda, "Supporters 'Movement' Against Modern Football’ and Sport Mega Events: European and Polish Contexts," Przegląd Socjologiczny/ Sociological Review , vol. 62, no. 3 (2013), pp. 85–106; Benjamin Perasović & Marco Mustapić, "Carnival Supporters, Hooligans, and the 'Against Modern Football' Movement: Life within the Ultras Subculture in the Croatian Context," Sport in Socie ty, vol. 21, no. 6 (2017), pp. 1–17.
المواقف الرّافضة للسّياسات الاجتماعية والاقتصادية، بالموازاة مع كونها وَسِيلة للتَّنفيس بالنّسبة إلى
شبَابٍ يُعَاني الإقصاء والتّهميش.
أولا: قراءة في الأدبيّات
إن حقل البحث في الظاهرة الرياضية من منظور العلوم الاجتماعية – بما في ذلك "تقنيات الجسد" – عريق نسبيًا، وهو شاسع في ما يخص ظاهرة مجموعات الألتراس في العالم، غير أن الأمر ليس
كذلك في العالم العربي الذي لم يتشكل فيه بُعد هذا الحقل البحثي، فأغلب أبحاثه مناسباتية، وتأتي
بوصفها جهودًا فردية متناثرة. ولتحديد موقعنا في مجمل الدراسات التي بحثت في الحالة العربية سنعرض في ما يلي نخبة مهمة منها. يقودنا في ذلك سؤالان: فيمَ بحثت؟ وكيف بحثت؟ والهدف هو
توضيح الوجهة التي سيتخذها بحثنا في ضوء هذه الدراسات. حاول الباحثان عبد المؤمن الغيشي ومليكة فريمش في مقالهما المشترك المعنون ب "هتافات كرة القدم والسلوك السياسي للشباب في الجزائر: مظاهرات الحراك – حالة دراسية"، فهم الكيفية التي وجَد
من خلالها المشجعون الشّباب مساحةً لإظهار سلوكهم السياسي باستخدام الهتافات في مدرَّجات كرة
القدم. وكشفا عن أشكال التفاعل بين كرة القدم من جهة، والظُّروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية في الجزائر، مع التركيز على بعض الهتافات الشهيرة التي جرى تبنّيها وتكرارها في احتجاجات الشوارع
أثناء الحراك الجزائري، من جهةٍ أخرى. فمن خلال الاعتماد على مُقَاربَة وصفيّة، استنتج الباحثان
أنّ التعقيد والثراء اللذين يميزان كرة القدم الجزائرية لهما دورٌ بارزٌ في التعبير عن السلوك السياسي
لمجموعات الشباب في الحراك الجزائري. أمَّا الباحث إبراهيم الطاهري فقد حاول في مقاله "بلاغة الخطاب الرياضي واستراتيجيات التأثير"،
التحقيق في بعض الأساليب البلاغية التي تميز خطابات الحياة اليومية، المتمثلة بشكل أساسي في
(((يُنظَر مث: مارسيل موس، تقنيات الجسد ومقالات إناسيّة أخرى، ترجمة محمد الحاج سالم (بيروت: دار الكتاب الجديد
المتحدة، 2019)، ص 38–5؛
Norbert Elias & Eric Dunning, Quest for Excitement: Sport and Leisure in the Civilizing Process (Oxford: Blackwell Publishers, 1986); Pierre Bourdieu, Questions de sociologie (Paris: Minuit, 2002 [1984]), pp. 173–195; Jacques Defrance, Sociologie du sport (Paris: La Découverte, 2006); Fabien Ohl (Dir.), Sociologie du sport: Perspectives internationales et mondialisation (Paris: Presses Universitaires de France, 2006); David Le Breton, Corps Et Sociétés: Essai de sociologie et d’antropologie du corps (Paris: Librairie des méridiens, 1985); David Le Breton, Sociologie du Corps (Paris: Presses Universitaires de France, 2016 [2008]). (4) Mark Doidge, Radoslaw Kassakowski & Svenja Maria Mintert, Ultras: The Passion and Performance of Contemporary Football Fandom (Manchester: Manchester University Press, 2020); Patrick Potter, Ultras: A Way of Life. The Fight for the Soul of Modern Football (UK: Carpet Bombing Culture, 2019); Mark Dyal, Hated and Proud: Ultras Contra Modernity (New York: Arktos Media Ltd, 2018); Richard Giulianotti, Football: A Sociology of the Global Game (Cambridge: Polity Press, 1999). (5) Abdel Moumen Aliguechi & Malika Frimeche, "Football Chants and Youth Political Behavior in Algeria, Case study: Hirak Protests," Al Miayar Journal , vol. 25, no. 59 (2021), pp. 989–1005.
(((إبراهيم الطاهري، "بلاغة الخطاب الرياضي واستراتيجيات التأثير: أناشيد جمهور الرجاء الرياضي المغربي أنموذجًا"، العلامة،
مج 6، العدد 2 (2021)، ص.257–253
هتافات مشجعي الرجاء الرياضي المغربي؛ فقد رأى أ نَّ هذه الهتافات تمثل إنتاجًا جماعيًا يجمع بينَ
التسليّة والإقناع؛ لأنه يعتمد على أسس تواصلية وتفاعلية أيضًا؛ ففي التسلية يتجلى التعبير عن الانتماء
والهُوية الرياضية والقيم الثقافية والإنسانية، بينما يُتَرجم الإقناع ظروف الأمة داخليًا وخارجيًا، وينتقد
الواقع في مختلف أبعاده الاجتماعية والاقتصادية والسياسية؛ ما يجعل هذا الخطاب بمنزلة أداة لرفع الوعي. من خلال التحليل الوصفي النقدي لهتافات ألتراس الرجاء البيضاوي، يخلص البحث إلى أنَّ هتافات الألتراس ممتلئة بآليات بلاغية وتصويرية، وهي ذاتُ شِقَّين: الأول، هو التعبير عن الهُوية الجماعية، أما الثَّاني، فهو التعبير عن انخراطهم في الشؤون الداخلية لبلدهم؛ أي التّعبير عن المظالم السياسية وعدم الرضا عن الأوضاع السوسيو–اقتصادية. من خلال توظيف التحليل والوصف التاريخي لخطاب ألتراس كرة القدم اللّبنانية خلال العقدين الماضيين اللذين عرفا حدثين مهمين ميَّزا التاريخ الحديث لِلُبنان (اغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري
عام 2005 والحراك الشعبي عام 2019)، حاول يونس زلزلي أن يرسم حدود التحول الملحوظ الذي عرفته هتافات الألتراس المليئة بالرسائل السياسية التي تعزز الطائفية والتطرف والحرب الأهلية التي أعقبت الاغتيال، إلى خطاب يدعو إلى الوحدة والتحرّر من تركة الماضي؛ ومن ثم الانتقال من خطاب
الانقسامات الدّاخلية المحلّية إلى التعاون الوطني. كانت انتفاضة 2019 التي اجتاحت البلاد فترة بالغة الأهمية؛ لأنها دفعت الشعب اللبناني إلى وضع حد للغة الحرب القائمة وبقاياها، كما حوّلت الاختلاف مع الأطراف الاجتماعية والسياسية المتباينة في المجتمع اللبناني إلى خطابٍ يعزز الاتفاق والتحالف للدفاع عن مطالبهم المشروعة المتمثلة في الكرامة والحرية والعدالة. وخلص المؤلف إلى أن هتافات الألتراس اللبنانيين لم تكن عاطفة ظرفية عابرة في وعي الجماهير، بل كانت نتاج تراكم عميق للظلم الاجتماعي والاحتكار السياسي. من بين الأعمال المهمة في هذا السياق هناك مقال سعيد بوقيود المعنون ب "المشاركة المدنية المغربية للألتراس خلال جائحة كوفيد 19: دراسة حالة ألتراس وينرز 2005 Winners لنادي الوداد الرياضي بالدار البيضاء". فمن خلال استخدام النيتنوغرافيا Netnography بوصفها طريقة بحثية تستلزم فحص عدد كبير من منشورات "فيسبوك" ومقاطع فيديو "يوتيوب" بصفتهما منصتين رئيستين تستخدمهما الألتراس، إضافة إلى استخدام المقابلات، وهي أداة بحث استهدفت "كابوات الوينرز" Winners the of Capo وبعض أعضاء المجموعة، حاول الباحث أن يبيّن أن المشاركة السياسية
(((يونس زلزلي، "جمهور كرة القدم اللبنانّية من عيّ الاهتياج الطائفي إلى بلاغة الاحتجاج السّياسي"، العلامة، مج 6، العدد 2
(2021)، ص.266–254
(8) Said Bouwakioud, "Moroccan Ultras Civic Engagement during the COVID–19 Pandemic: A Case Study of Winners 2005 of Wydad Athletic Club of Casablanca," International Journal of Science and Research , vol. 10, no. 6 (2021), pp. 1025–1033.
((("كابو" أي قائد "الفيراج"، وتعني المجموعة؛ أي من يقوم بتحريك الجمهور وإلهاب حماسه من أجل التشجيع. ويكون للكابو صفات خاصة ترشحه لتولي هذا الموقع، وأبرزها أن يمتلك من الكاريزما ما يجعله يستحوذ على تركيز كل من في المدرج. يُنظَر:
خميس أكرم، ثورة جيل ألتراس (القاهرة: دار الكتب والوثائق القومية ومنشورات المنظمة العربية لحقوق الإنسان، 2012)، ص 57.
للألتراس في المغرب لا تظهر فقط خلال أيام المباراة داخل الملاعب من خلال عروض ال "تيفوات" والهتافات والشعارات، بل أيضًا من خلال الالتزام الاجتماعي والانخراط المدني الذي يتجاوز المدرجات وال "كورفات" Curvas. حاول المؤلف أن يبين أنّ الألتراس قد أثبتت أنها ليست مجرد معجبين بفرقهم ومجموعتهم المنخرطة سياسيًا؛ إذ إنّها تهتم أيضًا بالقضايا التي تؤثر في مجتمعها،
كجائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19–) وما صاحبها من إغلاق شامل. فبالنّسبة إليه، تُعدّ ألتراس وينرز 2005 نموذجًا بارزًا للتضامن القوي والمشاركة المدنية في هذه الفترة الصعبة. وتتجلّى نموذجيّتهم هذه في الأنشطة المبتكرة مثل التبرع بالدم، والشراء الافتراضي لتذاكر مباراة افتراضية بين
نادي الوداد الرياضي في الدار البيضاء WAC وبين فيروس كورونا، والحملات التي تنشر الوعي وتشجع الناس على البقاء في المنازل، وحملات التضامن لمساعدة المحتاجين خاصة في رمضان على سبيل المثال لا الحصر. وحاول روبرت وولترنغ في دراسته: "متهمون غير مألوفين: الألتراس بصفتهم فاعلين سياسيين في الثورة المصرية" كشف تحوُّل ألتراس كرة القدم في مصر إلى حركة اجتماعية ثوريّة، وتبيان انخراطهم السياسي في الثورة المصرية، ودورهم الفاعل والرئيس في التغيير السياسي، إلى جانب الشباب وحركة الإخوان المسلمين ووسائل التواصل الاجتماعي. تبنى الباحث منظور آصف بيات مقولة السياسة من الأسفل إلى الأعلى Politics up – Bottom التي تعتمدها الحركات الاجتماعيّة، واستنادًا إلى البيانات التي جُمِعَت من صفحات الألتراس على "فيسبوك" والعمل
الميداني المُنجَز في حزيران/ يونيو 2012، استخلص وولترنغ أن المقاومة التي أظهرتها الألتراس خلال الثورة تحولت إلى فعل مرتبط بحسّ المواطنة. ومع ذلك، فإن المسار الدقيق لتسييس الألتراس لا يزال غامضًا إلى حد ما، على الرغم من وعيهم السياسي. إن حيادهم المثالي خلال الثورة يضفي الضبابية على تصوراتهم السياسية؛ ما دفع المؤلف إلى تصنيفهم على أنهم حركة شبه اجتماعية. ومن ثم، فإنَّ الموقف السياسي غير الواضح لألتراس كرة القدم في مصر بشكل خاص ومنطقة البحر الأبيض المتوسط وخارجها بشكل عام، يدفع الباحثين إلى إعادة النظر في دورهم من أجل ترسيم حدوده.
((1(كورفا منطقة الملعب تقع مباشرة خلف المرمى يُمنع على الغرباء دخولها. وقد اختار ألتراس هذه المنطقة الجلوس عندما بدأت
أسعار التذاكر في الارتفاع، ولم يستطع الكثير من المشجعين المتحمسين تحمّل الذهاب إلى الملعب والجلوس في وسطه. في حين
كانت المقاعد الرخيصة تقع خلف المرمى أو Curva باللغة الإيطالية. للمزيد، ينظر:
Ziad Assem Naboulsi, More Than Just Chanting: The Role of the Egyptian Football Ultras in Authoritarian Regime Breakdown: The Case of Ultras Ahlawy , PhD. Dissertation, Lebanese American University, School of Arts and Sciences, Department of International Affairs, 2014, p. 15. (11) Robert Woltering, "Unusual Suspects: 'Ultras' as Political Actors in the Egyptian Revolution," Arab Studies Quarterly , vol. 35, no. 3 (2013), pp. 290–304. (12) Asef Bayat, Street Politics: Poor People’s Movements in Iran (New York: Columbia University Press, 1997); Asef Bayat, Life as Politics: How Ordinary People Change the Middle East (Amsterdam: Amsterdam University Press, 2010); Asef Bayat, Revolution without Revolutionaries: Making Sense of the Arab Spring (Stanford: Stanford University Press,
كما حاول عبد الرحيم بورقية، في مقاله: "ألتراس في المدينة: تحقيق سُوسيُولوجي حَول العنف الحضري
في المغرب"، توضيح كيفية قيام مجموعات ألتراس كرة القدم المغربية بتشكيل هويتها الجماعية من خلال أفعال جماعية متنوعة تكمن في الاحتفالات وال "تيفوات" والأهازيج والشعارات... إلخ. ومن منطلق أنَّ الانتماء إلى مجموعة جديدة معينة يسمح للعضو بتكييف هويته وضمان الإحساس العميق بالانتماء إلى معايير ومبادئ جديدة، لاحظ بورقية أن تحديد الهوية مع المجموعة يؤدي إلى مشاركة العضو في روابط مكثفة ومتكررة تجعل كل عضو قادرًا على الحصول على تمثيل شخصي لجميع الأعضاء الآخرين. إن هذا الانتماء القويّ الذي يُكثّف التقابلات الثّنائية بين "نحن" و"هم" يُشعل شرارة
العنف بين مشجّعي الفِرق المتنافسة كالرجاء والوداد. كما فسَّر الباحث العداوة والتَّنافس اللذين يؤديان
إلى العنف، أو بالأحرى الشغب وفقًا لوصف وسائل الإعلام المغربيّة، وذلك من خلال الإطار النَّظري
للتّفاعلية، مُظهرًا الموضوعات السياسية والاجتماعية الموجودة في وسائل الألتراس المرئية والمسموعة،
فأفعالهم الجماعية تعكس مخاوف المغاربة وانشغالاتهم فيما يتعلق بالقضايا الاجتماعية والسياسية في بلادهم. وفي دراسة عنوانها: "تمثلات الخطاب الاحتجاجي للألتراس في المغرب وتأثيراته السياسية"، اعتمد سعيد بنيس على نظرية التفاعلية الرمزية لإرفينغ غوفمان Goffman Erving لفهم منطق التفاعلات المجتمعيّة المُمَارسة داخل بنية مُغلقَة تضم أفرادًا، وتُعدّ ظاهرة الألتراس جزءًا منها، لفهم الظاهرة وتفسيرها، خاصّة خطاباتها الاحتجاجيّة؛ وتطوير فرضية مضمونها أن "الخطاب الاحتجاجي
لم يعد مرتبطًا بموقع معيّن أو تراب محدد، وأن المطالب الاجتماعية والسياسية يجري التعبير عنها عبر خطاب ينهل من فاعليّة تشاركيّة رقمية تُترجم في مواقع رياضية، جرى تملكها كفضاءات احتجاجية (مثال ملعب كرة القدم"). واعتمادًا على مقاربة كيفية التركيز على تجميع المتون اللغوية والخطابية الاحتجاجية بوصفها أدوات للدراسة وتوظيف الملاحظة وقراءة التفاعلات الخطابية بين أعضاء الألتراس ما بين عامي 2017 و 2019، توصل الباحث إلى وجود تطور في طبيعة الفعل الاحتجاجي الذي يأخذ من الملاعب مسرحًا له إلى فضاءات عامة أخرى تعبّر فيها عن مواطنتها ووطنيتها عن طريق الانخراط في الدينامية المجتمعية والشعور بالانتماء إلى المجتمع
(13) Abderrahim Bourkia, "Ultras in the City: A Sociological Inquiry on Urban Violence in Morocco," The Philosophical Journal of Conflict and Violence , vol. 2, no. 2 (2018), pp. 322–333;
للاطلاع على تصور أشمل حول هذا الطرح، يُنظَر:
Abderrahim Bourkia, Des Ultras dans la ville: Etude sociologique sur un aspect de la violence urbaine , 2 nd ed. (Casablanca: La croisée des Chemins, 2022 [2018]).
((1(يُشار إلى هذا الأمر – في الغالب – في أهازيج مجموعات الألتراس، نذكر مثلً: "بالشغب شحال تهتمتو" في أغنية "فبلادي
ظلموني" لألتراس "إيكلز"، نادي الرجاء البيضاوي. للمزيد، يُنظَر: "تحت المجهر– ألتراس المغرب"، يوتيوب، 2015/12/23، شوهد
في 2022/10/1، في: https://bit.ly/3E9u7Q8
((1(سعيد بنيس، "تمثلات الخطاب الاحتجاجي للألتراس في المغرب وتأثيراته السياسية"، مركز الجزيرة للدراسات، 2019/7/4، شوهد في 2022/10/24، في: https://bit.ly/3SqEOS8 ((1(المرجع نفسه.
المغربي والتعبير عن مآسيه، والتأثير في السياسة العامة للبلاد التي عرفت تراجع الهيئات الرسمية (أحزاب سياسية، نقابات عمالية، جمعيات مدنية). كما خلص إلى أنَّ خطابات الألتراس أصبحت عابرة للحدود، فقد جرى رصد وقعها في احتجاجات خارج المغرب، كالحراك الجزائري، وصارت خطاباتها بمنزلة مشترك رمزي يتحدَّى الحدود الجغرافية والسياسية وتحيّي تضامن شعوب المنطقة التي تتحدى الحسابات السياسية للأنظمة القائمة. كشفت هذه الدراسات والأبحاث المُنتقَاة أنَّ ألتراس كرة القدم بمنزلة حركات اجتماعية أو احتجاجية ذات خصوصية ثقافية تتمظهر داخل الملاعب الرياضية وخارجها، ومن هذه الزاوية فهي كانت مفيدةً جدًّا لبحثنا؛ فهي من جهة ساعدتنا على تشكيل تصور أوَّلي حول الظاهرة بوصفها حركة اجتماعية، ومن جهة أخرى أكدت علاقتها بالثَّورات العربية والحرَاكات الشّعبية. وعلى الرغم من وجود أبحاث
كثيرة حول ألتراس كرة القدم، فإننا لم نجد دراسة واحدة اعتمدت بشكل واضح وقصدي منظورًا نقديًا نوعيًا قائمًا على مقاربات تحليلية نقدية لخطابها، كمقاربة فيركلاف الثلاثية الأبعاد – مثلً –
التي لا تقتصر على وصف الخطابات في السياق الاجتماعي وتأويلها فحسب؛ إذ تُقدّم تفسيرًا لكيفية
عمل الخطابات. ولذلك فإنّ الهدف من هذه الدراسة تسليط ضوء جديد على هذه الخطابات من خلال فحص الخصائص الشكلية للنص كسماته المعجمية والنحوية وبُناه النّصية، ثم الانتقال إلى تفسير العلاقة بين الخطاب وعمليات إنتاجه واستهلاكه وتأويله. أما في المرحلة الأخيرة، فسيجري فحص السياقات التاريخية والاجتماعية والثقافية ذوات الأهمية القصوى في الكشف عن الأيديولوجية والسلطة الثاوية في الأهازيج والشعارات. وبناءً عليه، فإن المأمول من هذا البحث هو الإسهام في سدّ
هذه الفجوة المعرفية التي لم يعطها معظم الباحثين أهمية بسبب المقاربات المعتمدة، رغم النتائج المُهمّة التي جرى التوصل إليها.
ثانيًا: المنهجيّة
تطلَّب تحليل الكيفية التي أنتِجت بموجبها الأهازيج والشعارات، الخاصة بحركة ألتراس كرة القدم المغربية المتشابكة مع الانشغالات السياسية والسوسيو–اقتصادية في البلدان العربية، الاستعانة بالمنهجية التي طورّها فيركلاف في حقل التحليل النقدي للخطاب الذي يقوم أساسًا على الربط بين بنية الخطاب والعلاقات السُّلطوية داخل المجتمع اعتمادًا على مصطلحات التَّحليل النصي، وتناول الكيفية التي تتحقق من خلالها هذه العلاقات وتُثبَّتُ أو تُنَاهَضُ من خلال
التَّفاعل الخطَابي؛ ذلك أنَّ التحليل النقدي للخطاب يساعد على إقامة جسر بين مجالين هما: التحليل اللغوي للنص، والعلوم الاجتماعية. وإذا كان فيركلاف يتبنّى علم الاجتماع النقدي؛
(17) Norman Fairclough, Language and Power , 2 nd ed. (London/ New York: Routledge, 2001 [1989]); Rebecca Roger, An Introduction to Critical Discourse Analysis in Education (New York/ London: Routledge, 2004), p. 2.
(1((من مقدمة ترجمة ط لاا وهبة لكتاب: نورمان فيركلاف، تحليل الخِطَاب: التَّحليل النصي في البحث الاجتماعي (بيروت:
المنظمة العربية للترجمة، 2009)، ص.7
أي العلم الذي يُحركه السّعي إلى توفير أساس علمي للتساؤل النقدي حول الحياة الاجتماعية من منطلقات أخلاقية وسياسية، والميل إلى أن يكون منفتحًا على فكرة أنّ الخطاب يعد جزءًا من اهتمامات علم الاجتماع؛ ما يستوجب منحه معاملة معمَّقة ومعالجة مفصّلة ومُنظَّمة، فإنَّ مقاربته السوسيو–ثقافية بمنزلة تطوير لمقاربات أخرى، كمقاربة فان دايك Dijk Van السوسيو–معرفية للخطاب ومقاربة روث فوداك السوسيو–تاريخية للخطاب. يقول فيركلاف مُلخّصًا تصوره عن العلاقة بين الخطاب والمجتمع: "إنَّ أنماط وأشكال الخطاب الموجودة بحاجة إلى أن يتم توضيحها من النَّاحية الاجتماعية، كما هو الحال بالنسبة إلى الحياة الاجتماعية التي يجب شرحها جزئيًا بلغة آثار الخطاب". تتأسَّس مُقَارَبة فيركالف على ثالث مراحل؛ هي: الوصف والتأويل والتفسير. تركز المرحلة األولى على وصف شكل النص من خالل تبيان نوع الكلمات الموظفة، وتكراراتها، واستعمال الكناية. في هذه المرحلة، غالبًا ما يجري الرجوع إلى نموذج ميشال هَاليداي، القَائِم علَى التَّحليل اللّسَاني الذي ينهض على أساس أن اختيار الكلمات وتوظيفها في بنية تركيبية مُعيَّنة بوعي أو بدونه، له مرتكزات أيديولوجية، ومن ثمّ، فاللّغة مُمَارسة اجتماعية، كما أنَّها مُوجَّهة أيديولوجيًا. في حين تُركز المرحلة الثانية على تأويل العالقة بين النص والتفاعل معه باعتبار أن النص منتوج لسيرورة اإلنتاج ومصدر لسيرورة التأويل. في هذه المرحلة، يجري االنتقال إلى سيرورة الوصف واإلنتاج واالستهالك والشروط االجتماعية للتأويل التي تخضع لها الخطابات. أما المرحلة الثالثة؛ أي التفسير، فتتأسس على تحليل العالقة بين التفاعل والسياق االجتماعي مع المحددات االجتماعية لسيرورة اإلنتاج والتأويل وتأثيراتها االجتماعية.
(19) Norman Fairclough, Analysing Discourse, Textual Analysis for Social Research (London/ New York: Routledge, 2003), p. 15.
((2(نورمان فيركلاو وإيزابيلا فيركلاو، تحليل الخطاب السياسي، ترجمة عبد الفتاح عمورة (دمشق: دار الفرقد للطباعة والنشر والتوزيع، 2016)، ص.180 (2((إذا كان فيرك ف قد بنى تصوره من خ لاا العودة إلى الأعمال الأساسية للفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو التي تناول فيها الخطاب، كجينيالوجيا المعرفة ونظام الخطاب، فإنَّ فان دايك قد ربط بين مبادئ التحليل النقدي للخطاب وبينَ النَّظرية النقدية
لمدرسة فرانكفورت. وعلى غرار فيرك ف، فإنه يؤكد أن التحليل النقدي للخطاب يجب أن يركز على المشك ت الاجتماعية والقضايا السياسية، وعلى الكيفية التي تؤثر بموجبها بُنَى الخطاب في علاقات السلطة والهيمنة داخل المجتمعات، سواء عبر رفضها
وتحديها، أو من خ لاا تأكيد استمرارها وإضفاء الشرعية عليها. للمزيد، يُنظَر: توين فان دايك، الخطاب والسلطة، ترجمة غيداء
العلي (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2014)، ص 217–189.
(22) Ruth Wodak, "The Discourse–historical Approach," in: Ruth Wodak & Michael Mayer (eds.), Methods of Critical Discourse Analysis (London: Thousand Oaks; New Delhi: Sage Publication, 2001), pp. 63–94.
ل طاا عاا على الترجمة العربية لهذا الكتاب الجماعي المهم الذي أسهم فيه فيرك ف وفان دايك وفوداك وآخرون، يُنظَر: مناهج
التحليل النقدي للخطاب، روث فوداك وميشال مايير (محرران)، ترجمة حسام أحمد فرج وعزة شبل محمد (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2020). ((2(فيركلاو وفيركلاو، تحليل الخطاب السياسي، ص.181
(24) Michael A.K Halliday, An Introduction to Functional Grammar (London: Arnold, 1985).
بناء على مقاربة فيركلاف، وضعنا الإطار المنهجي العام التالي الذي سيقودنا في تحليلنا.
المصدر: من إعداد الباحثَين.
الشكل (1) الأبعاد الثلاثة المُكَوّنة لتصَوُّر نورمان فيركلاف في التحليل النقدي للخطاب
المصدر: نورمان فيركلاف، الخطاب والتغير الاجتماعي، ترجمة محمد عناني (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2015)، ص.97
الشكل (2) الإطار العام للدراسة في ضوء نموذج فيركلاف
ساعد جمع الأهازيج وتحميل الشّعارات، من المواقع الإلكترونية الخاصة بعيّنة من مجموعات ألتراس
كرة القدم المغربية، على بناء مَصفُوفَة من الخطاب "الألتراسي" في المغرب، أضلاعها السلوك الفردي
والجماعي والسلطة السياسية والأيديولوجية، ثم طبقنا عليها نموذج فيركلاف كما هو مُبيَّن أعلاه،
بالموازاة مع تحديد الموضوعات الحاضرة في هذه الأهازيج والشّعارات. يُحَدد الجدول (1) الأهازيج
المنتقاة والموضوعات الأساسية والفرعية المستخرجة منها. أما الجدول (2) فيوضح نسب تكرار أهم الموضوعات المتضمَّنة في خطابات ألتراس كرة القدم المغربية والمفردات المستخدمة. الجدول (1) أهازيج الألتراس المنتقاة والفرق الرياضية والموضوعات الأساسية والفرعية الأهازيج
| الأهازيج | الألتراس والنادي | الموضوعات |
|---|---|---|
| "أوطرو إيريفيرسيبلي"، "سيستيم بّوري"، "مانسمح فيك"، "ڤويس أوف دي ريزن". " Resist to exist"; "Opium off the People." | أإلتراس "حلّلة بويز"، النادي القنيطري. | الحُگرة (الإذلال) والقهر. الفوارق الاجتماعية والمجالية. الحرية والكرامة. السلطوية والفساد. الهجرة. معاداة الشرطة والإعلام وكرة القدم الحديثة. الإدمان والتّنفيس والولاء للفريق. الوطنية والقضيّة الفلسطينية. التعبئة والمقاومة والمُمَانعة. الهوية والوصم والتجريم. |
| "ريف ريزستينسيا"، و"لا ليبيرطا"، و"لا غراندي سطوريا". | ألتراس "لوس ريفينيوس"، نادي شباب الريف الحسيمي. | |
| "نسهر بالليل"، و"رجاوي فلسطيني"، وا"عيت ندور". | ألتراس "گرين بويز"، نادي الرجاء البيضاوي. | |
| "لا إيستوريا إنفينيتا"، و"ماطادور إمبراطور"، و"طنجة لعروسة". | ألتراس "لوس ماطادوريس"، نادي المغرب التطواني. | |
| herencia" Nuestra " (إرثنا)، و"بين لامواج." | ألتراس "سييمبري بالوما"، نادي المغرب التطواني. | |
| "فبلادي ظلموني"، و"دمنا عربي". | ألتراس "إيگلز"، نادي الرجاء البيضاوي. | |
| "أغنية الحرية"، و"الكورفا تنادي الحرية". | ألتراس "عسكري"، نادي الجيش الملكي. | |
| "اصوت الشّعب" و"قلب حزين". | ألتراس "وينرز"، نادي الوداد البيضاوي. | |
| "هادي بلاد الحگرة"، و"ولد الشعب يغني". | ألتراس "هيركوليس"، نادي اتحاد طنجة. | |
| أغنية "أوطرو"، و"حكاية مظلوم". | ألتراس "فاطال تايكرز"، نادي المغرب االفاسي. | |
| "القيلولة في البرلمان". | ألتراس "بلاك آرمي"، نادي الجيش الملكي. | |
| "لغيوم بكات". | ألتراس "ريد ريبلز"، نادي حسنية أگادير. | |
| "حياتي ظلمة يا يمَّا". | ألتراس "بريگاد"، نادي المولودية الوجدية. |
المصدر: من إعداد الباحثَين.
الألتراس والنادي
الموضوعات
تضمّن المتن 30 أغنية استخلصنا منها 10 موضوعات رغم وجود بعض الأغاني التي اجتمع فيها ما تفرَّق
في غيرها إلى الحد الذي دفع بعض الباحثين إلى الاقتصار عليها لتشكيل صورة أوَّلية عن حركة الألتراس
المغربية وخطابها. إلا أن هاجس التمثيلية وشرط الموضوعية قد دفعنا إلى تفريغ 30 أغنية لمجموعات
الألتراس التي بلغ عددها 13 مجموعة تشجع عشرة فِرق منتمية إلى جلّ الجهات المغربية. وما نريد أن نؤكده في هذا السياق هو أنَّ الأهازيج عندما تُلقَى باللهجة المغربية تكون أكثر تأثيرًا نظرًا إلى طبيعة
المفردات ذات الدلالة التي يستعملها الشباب من أجل التعبير عن آلامهم وآمالهم، وهي المفردات التي يصعب العثور على مرادفات لها عندما يتعلق الأمر بلغة أخرى. كما أن التعبير عن الأهازيج المغربية باللغة العربية الفصحى يفقدها مبناها ومعناها. أما الملاحظة الأخيرة التي لفتت انتباهنا في سياق انتقاء الأهازيج وطبيعة الموضوعات المستخلصة منها، فهي أن مضامينها ومدى انتشارها مرتبطان بشكل وثيق بالأحداث السياسية والاجتماعية وسياقاتها التاريخية. يمكن أن نعطي هنا مثالين من خلال أغنيتين رددتهما مجموعات الألتراس المغربية في سياقات سوسيو–تاريخية وسياسية مُهمّة؛ الأولى هي "أوطرو" (مدخل) ألبوم
"إيريفيرسيبلي" (اللا عودة) لألتراس "حلالة بويز" الذي ظهر في عام 2012؛ أي في ذروة المد الثوري في المنطقة العربية. إذ وجدنا في الأغنية المقطع التالي: "ديديكاس للثورة فلا تونيزي، للشعب المصري لاليبي
ولاسيري.. جامي ننساو اليمن والبحرين، فلسطين. الشهدا عند رب العالمين.. لِيجُونْ حاربو، والرجال
جَاهْدُو، علّيبيرطا راهوم ماتو". أما المثال الثاني فهي أغنية "ولد الشعب يغني" التي تُصور الواقع المتأزم
للشباب في المغرب وتطلعه الكبير للهجرة نحو الخارج. إن هذه الأغنية التي حرّكت مشاعر الملايين ألقتها
ألتراس "هيركوليس" في سياق مقتل الطالبة الجامعية حياة بلقاسم رميًا بالرصاص على يد البحرية المغربية،
وهي تحاول الهجرة رفقة مجموعة من الشباب عبر زورق سريع انطلق من سواحل المضيق في شمال المغرب نحوَ إسبانيا. الجدول (2) موضوعات أهازيج ألتراس كرة القدم المغربية والمفردات المعبرة عنها بحسب تكرارها
الموضوعات
المفردات المعبّرة عن الموضوعات
التكرار 1 – الإدمان
فيستيفال، ما بّاسيون، نعشقو صّان بّيتْيِي، فيداك يا لغالية، ما نسمح فيك، فهواك
راني مولوع، نغنّي زهواني، بين عينيا، مْسُولاَجِي، مي آمور، قلبي بغاها، بالي
والتّنفيس
معاها، لا دروگ، جوانا، حشيش، كتامة، الدُّوخة، لا بَّاسيُون، تواسِينِي، تحيينا،
والولاء
تواسي، الغالية، الحبوب، الأقراص، مغروم، ما يفُوتها، ديفونضا عليها، سيبورطاها،
للفريق.
نسيبورطي، مديبلّاصي، تعاهدنا، الدُّوزاج، لافييستا، نهارك، عاهدناك، نتيّا الدنيا،
لقرْعَة، لهموم، ما نسمح، ما نغيب، ما نخلّيك، نبْغِيكْ، نفْدِيك، نعْشق فيك، فيديلّي،
نزهّيوْهَا، لْهَاشْ، لْكَاسْ، كُوكَا.
((2(للاطلاع على أبحاث ركزت على أغنية (فبلادي ظلموني)، يُنظر: حسن الطويل، "الخطاب الاحتجاجي في أغاني (الألتراس:)
قراءة بلاغية"، ضاد، مج 3، العدد 6 (2022)، ص.412–381 ((2(يرجع التفاوت بين عدد مجموعات الألتراس وعدد مجموعات الفرق إلى وجود أكثر من ألتراس تابعة لفريق واحد. ينطبق هذا الأمر على أندية الرجاء البيضاوي والجيش الملكي والمغرب التطواني، كما هو مبين في الجدول.)1(((2(تحية للثورة في تونس، للشعب المصري والليبي والسوري، لن ننسى اليمن والبحرين وفلسطين، الشهداء عند رب العالمين. الشباب حاربوا، والرجال جاهدوا، ومن أجل الحرية ماتوا.
حلّ شوف، دِيرْ زوم، جامي تحكموا، جَامِي نْسمحُو، جَامِي نسكتو، لا گرينْطَا،
2 – التعبئة
| 2 – التعبئة والمقاومة واالممانعة. | حلّ شوف، دِيرْ زوم، جامي تحكموا، جَامِي نْسمحُو، جَامِي نسكتو، لا گرينْطَا، ما نخافو، ما يحكم فينا، جامي نكونو، جامي نركعو، ما تقدار، نْكلْاَشي، ما نلاشيش، حَالفين، ما تخوّفنا، ينوض يدوي، باراكا، راحنا جينا، ما غايفنينا، نو أ بُونْدُونَار، حَاربْنَا، صَامْدَة، ي لّه كُونُو رجال، قوة شعبية، جَامِي دُوز عليا، نفسي َ حارّة، راني فُورْ، رِيزِسْتِينسْيَا، مُونتَاليتي قوية، ما نقوليك، ما نعطيك، نحارب، نااحاربو، ريزيست، جامي نخافو، عقلية حربية، ما تْحكمُو. | 39 |
|---|---|---|
| 3 – السلطوية والفساد. | المستور، لا قانون، لا حق، شفار، المنظومة الجانية، السلطة، مافيا، الرشوة، الفساد، ضحايا، الطُّغيان، نهبتوها، كليتوها، عطيتوها، زيروقراطية، طغاو، ضربوه، ظلموه، شفارة، تبْزْنِيسْ، سيستيم بُّوري، إبليس، المفسد، تْبّرُوفِيتِي، المالْفِيتور، المرتزقة، الفاسدة، السلطوية، فساد، علاقات حزبية، تحكمونا، ضارب مليار. | 32 |
| 4 – معاداة الشرطة والإعلام وكرة القدم الحديثة. | ما يفهمشي، أمي، متخلّف، يسب ربي، جاهل، عنجهي، الفاشستي، ACAB، للبوليس، لي ميديا، بلمينوط، بوليسيا، القوم الظالمين، دستي، آل كوبس آر باسطارد، بوليسي، الإعلام، ميديا، اللي راسهوم خاوي، الدورية، الروشيرش، عأصابات إجرامية، المحضر، الصحافة، طاغية، السيمي، لبيروس، الظالمين. | 29 |
| 5 – الفوارق الاجتماعية والمجالية. | عيشة منكودة، الضعيف، الأزمة، المحنة، الشعوب طمسوها، لحْوَام شعبيّة، فُقَرا، شمعة، سَبِيلَة، فيلا، لفْتات، المساواة، حقي ضاع، جُوّْع، بايت فالزنقة، برد الليل، كليم، بُّوبْري، أيعاني، نخدم ما لقيت، عايش فشْبر، عايش فْقصُور، مسكين، أطفال الشوارع، الفقر، التهميش. | 26 |
| 6 – الهوية والوصم والتجريم. | جرّمتونا، تهمتونا، بالشغب تهموني، عقلية حربية، دراري صغار، الهوية، بالشغب شحال تهمتو، تهموه بالإجرام، كلمة شغب تهمتونا، حسبتونا همجية، نفسي حارة، عاصمي العقلية، الشخصية، مونتاليتي قوية، يا حسبونا عبيد، كرمينيل رديتونا، نوس ياماس فوگيتيفوس، حسبونا مافيا، نويسترا إستيلو دي ڤيدا، سميتوني كإريمينيل، بالشغب شحال تهمتو. | 21 |
| 7 – الوطنية والقضيّة الفلسطينية. | فلسطين، لعرب، الإخوة، اليهود، غزة، رفح، رام الله، القدس، فلسطيني، حب الوطن، حمرا، خضرة، الراية، مغربي الجنسية، بلادي. | 15 |
| 8 – الهجرة. | بابور، هجرو، الهجرة، وصلو، مات، خوات، فالغربة، لبحور، قاطع، نريسكي، َالبّور، حركات، لبحر، قطع، هربات. | 15 |
| 9 – الحگرة. | حگار، محكور، مظلوم، غَاتّقْمَاعْ، مقهُور، مَقمُوع، منكودة، مُرَّة، الويل، حُوكْرانية. | 10 |
| 10 – الحرية والكرامة. | محروم، ليبيرطا، إِنْدِيبّينْدِينْزَا، ليبيرطي، الحرية، الكرامة، ليبيري، لحباسات، حبسوها. | 9 |
حبسوها.
والكرامة.
المصدر: من إعداد الباحثَين.
ثالثًا: الوصف
يقوم التحليل النصي على استكشاف اللّغة المستعملة في الكلام أو النصوص، ويسعى إلى البحث عن عناصر التّماسك والمعنى والبنية المورفولوجية فيهما. إن أهازيج ألتراس كرة القدم المغربية وشعاراتها
حُبلى بموضوعات مُتَنوعة جرى التعبير عنها باستعمال أساليب وعناصر ألسنية مُتَعدّدة. ولتفكيك النّص المطروح للتّحليل، سنقسم – اعتمادًا على مقاربة فيركلاف – هذا المستوى إلى ثلاثة فروع: المفردات، والنحو، والبُنى النصية، وسنتعامل مع الأهازيج والشعارات بوصفها خطابًا قابلً للتّحليل
بطريقة نقدية. تتّصف المفردات المنتقاة من خطاب مجموعات الألتراس بالتَّنوع الذي يعكس مَشاعر هذه المجموعات وتجاربهم في الحياة الاجتماعية. وإذا كانت اللُّغة المستعملة في الظاهر تبدو سطحية في نظر عامَّة النّاس، فإنها في العمق تحملُ عَالمًا مكونًا من قيم تجريبية وعلائقية شديدة التعقيد بقدر تعقُّد الواقع المَعيش. كما أنها بمنزلة حامل لمنطلقاتها الأيديولوجية. ومن أجل الكشف عن
الاستراتيجيات الخفيّة والمتضمنة في اللُّغة وبُنَى الخطاب والبنى الأيديولوجية، حللنا القيم التجريبية
والعلائقية والتعبيرية للمفردات والجُمَل الموجودة في الخطاب المُنَتج.
1. القيم الخبراتية والعلائقية والتعبيرية التي تتَّسم بها المفردات المستخدمة
يُعدّ شباب ألتراس كرة القدم المغربية نموذجًا لذوات تعبّر عن نفسها وتصف واقعها عن طريق الأهازيج
والشعارات التي ترفعها داخل رقعة الميادين والمدرجات وخارجها، ولهم طريقتهم الفريدة في انتقاء مفردات خاصة بهم ذات قيم خبراتية تحوي أيديولوجيا واعتقادات ومواقف؛ فمن أجل التعبير عن الإحساس بالحگرة والقهر مثلً، استعملت مجموعات الألتراس بعض المُفرَدات، وحاولت تكرارها
باستعمال الكلمة نفسها أو مرادفاتها (القمع، الظلم، القهر، الذُّل، الغبن... إلخ) التي تشير إلى القيم الخبراتية المشتركة نفسها بينهم. فقد سعَوا إلى إدانة المسؤولين وإلقاء المسؤولية على عاتقهم، باستعمال كلمات مُتَرادفة ومُتقابلة من أجل تأكيد مرارة الإحساس. وتتكرَّر هذه المفردات في جُلّ
الأهازيج، ولها مكانة خاصة فيها، وهدفها الكشف عن حجم المعاناة التي يعيشُونَها عن طريق الإطناب والتكرار باعتماد أساليب التَّرادف والتضاد والاشتمال. ينطبق هذا الأمر على الموضوعات الأخرى كالفوارق الاجتماعية والمجالية؛ من خلال استعمال مفردات من قبيل: "عيشة منكودة، الضعيف، الأزمة، المحنة، لحوام شعبية، سبيلة، فيلا، بايت فالزنقة، برد اللّيل، كليم، نخدم مالقيت، عايش فشبر، عايش فقصور، مسكين، أطفال الشوارع، الفقر، التهميش". وهي مفردات تعكس أوضاعًا تعيشها مجموعة من الفئات في المغرب، كفئة الشَّباب عمومًا والشّباب المنحدر من الأوساط المحرومة خصوصًا. كما يحضر التجاور بغرض الكشف عن المعنى نفسه لكن بمفردات مختلفة، وارتباطًا ب "تيمة" الحگرة، يمكن أن نسوق بعض الأمثلة؛ ففي أغنية "الغيوم بكات" لألتراس "ريد ريبلز"، أورد الشباب هذا المقطع: "الرُّوحْ فقْدَاتْ لْقِيمَة والشَّان"ْ. إنَّ عبارة فقدان القيمة والشأن بمنزلة نتيجة حتمية للحُگرة
والقهر. وفي أغنية "أوطرو إيريفيرسيبلي" لألتراس "حلالة بويز" التابع للنادي القنيطري ورد المقطع
(2((فقدَتِ الرُّوحُ قِيمتَها وشَأنهَا.
التالي: "هادا ميساج للبوليس والحكومة، من الحگرة صافي سخطنا وملينا". إنَّ السّخط والملل والقمع بمنزلة مفردات تُناسبُ موضوعة الحگرة، فالشخص المحكور قد يشعر بالإذلال والإقصاء والتهميش. كما نلحظ وجود مفردات يمكن أن تقوم مقام بعضها مع تغيير طفيف في المعنى مثلما هو الأمر مع موضوعة الحگرة؛ إذ وجدنا "الحگارة" بالجمع و"الحگار" بالمفرد، مع وضعهم في الطليعة بأساليب خطابية توحي بالمعنى نفسه. ولجأت مجموعات ألتراس كرة القدم إلى أسلوب المقابلة لكي تُعبّر عن إحساسها بالحگرة والقهر، فاستحضرت أوضاعًا متناقضة ذات حمولة أيديولوجية، على نحو ما ورد في أغنية "قلب حزين" لألتراس "وينرز": "عييت ما نصبر جيت اليوم نحكي فسطور، ربي عطانا قدر، ورزقنا فجوج بحور، كلشي كايتصدر، والشعب عايش مقهور". نلحظ هنا توظيفًا لحالين متضادين؛ فالبلاد تملك واجهتين بحريتين (المتوسط والأطلسي) غنيتين بالثروات التي يجري تصديرها بإفراط، في الوقت الذي يعاني فيه قسم كبير من الشّعب من نكد العيش. يُعبّر حضُور الاشتمال في خطابات الألتراس على غرار التَّرادف والتضاد عن حضور القيم الخبراتية التي تتسم بها الألفاظ المكونة لبنية النصوص. يمكن أن نعطي بعض الأمثلة عن حضور الاشتمال في عينة الأهازيج المنتقاة من "تيمة" الحگرة، فهي لا تقتصر على الحرمان من حرية تشجيع الفريق وما يرافقه من تنقُّل بين المدن ورفع الأعلام وال "تيفوات" وغيرها من أساليب التّشجيع الخاصة بالألتراس، بل تمتد إلى التعنيف المشرعن والاعتقال وسن القوانين التي تحد من حرية التعبير. كما تتعدى الحگرة مدرجات الملعب وعلاقة الألتراس بالشرطة والسلطة لتصل إلى الواقع المعيش الذي يتسم بالتفاوتات الناتجة من سياسات توزيع الثّروات واستغلال الخيرات. يستمد أي نص قيمته الأيديولوجية من المفردات التي ينتقيها لتعبّر عن رؤيته وتوجّهه، وبذلك يتحدد الموقع الأيديولوجي لمنتج الخطاب ذاته. فشباب الألتراس وظفوا صيغة تضافر الكلمات وتشابكها من أجل تصنيفات عدة، نجد – مثلً – في المتن كلمة "صوت" متشابكة مع كلمة "مقموع" أو "مقهور" في أغنيتَي "صوت الشعب" و"رجاوي فلسطيني"، وكلمة "عقول" تتشابك مع كلمة "فارغة" في أغنية "الكورفا تنادي الحرية"، وكلمة "عيشة" تتشابك مع كلمة "منكودة" و"تعيسة"، وذلك في "قلب حزين" وعايش مقهور" و"الغيوم بكات"، وكلمة "أرض" تتشابك مع كلمة "غبينة" و"بئيسة" كما في "لغيوم بكات"، وكلمة "بلاد" تتشابك مع كلمة "الحگرة و"حُوگرانية" في "هادي بلاد الحگرة" و"طنجة لعروسة"، وكلمة "حقّي" تتشابك مع كلمة "ضاع" في "سيستيم بُّوري".
((2(هذه رسالة للشرطة والحكومة، يكفي ما تعرّضنا له من قمع، ملَلْنَا. ((3(سئمت من الصبر، وجئت اليوم لأحكي في سطور، ربّنا أعطانا قدرًا، ورزقنا واجهتين بحريّتين، كل شيء يُصدَّر، والشعب
يعيش مقهورًا. ((3(الاشتمال هو أن يكون معنى كلمة ما مشتملً عليه في معنى كلمة أخرى. يُنظر: نورمان فيركلاف، اللّغة والسُّلطة، ترجمة محمد
عناني (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2016)، ص.160
وظَّفت الألتراس بعض المفردات المُتنازع عليها أيديولوجيًا؛ فقد لجأت إلى استخدام مفردات ذات
حمولة أيديولوجية بدلالات متنوعة، مثل: الحرية، والمساواة، والشغب، والحق، والقانون. إن نظام تصنيف المفردات في أنماط الخطاب يعمل على تقسيم كل جانب من جوانب الواقع استنادًا إلى تمثيل أيديولوجي خاص. وبهذا، فإنَّ بناء المفردات يقوم على أساس أيديولوجي، فالكم الهائل من المفردات الموظَّفة من شباب الألتراس للتعبير عن واقعهم المأزوم كاستعمال الإطناب والتّكرار والتّرادف وشبه التّرادف، يُشير إلى حجم المعاناة والإقصاء من طرف قوى تُمثل السلطة في ميزان البنى
الاجتماعية، وذات منطلق أيديولوجي يعمل على إدامة سلطته ونفوذه بطرق شتى؛ ما أدى إلى ظهور خطاب مُمانع يعمل على فضحه ومُعَاكَسته، وذلك في شكل أهازيج وشعارات تستهدف كل ضحايا
الأجهزة الأيديولوجية المُهيمِنَة. تَمنحُ القيم العلائقية معاني عميقة للعلاقات الاجتماعية الموجودة بين منتجي خطاب ألتراس كرة
القدم المغربية ومستهلكيه، ومن الممكن كشف هذه العلاقات عن طريق استخراج المفردات المنتقاة بالتركيز على كيفية اختيار المفردات بغرض تصوير منتجي الخطاب والمستهدفين به (الحكومة، والشرطة، والإعلام، والخصوم، والشعب... إلخ)، مع محاولة خلق تقابل ثنائي بين المتدخلين Participants between Opposition Binary، وذلك باستعمال الضمائر وكلمات التصنيف. فالضمائر مثلً، قادرة على خلق المسافة، كما يمكنها أن تخلق الوحدة والتضامن بين منتجي الخطاب ومستهلكيه. إنَّ طريقة توظيف مجموعات الألتراس المغربية للضمائر (أنا، نحن، لنا، أنتم، هم... إلخ) لها أثر في الجمهور؛ فاستعمال ضمير "نحن" – مثلً – لإبراز العضوية وحسّ الانتماء والهُوية، يُمَارس
تأثيرًا عاطفيًا في الجمهور ويجعَلهم يتماهون كليًا مع اهتمامات حركة الألتراس. أمَّا ضمير "هم" الذي
يُعبّرُ عن الآخر، فقد وُظِّف بطريقَةٍ مثالية لخلق نقيضٍ وإبعاد الذَّوات المنتمية إلى المجموعة نفسها
كما عبر عن ذلك دايك. في حين يُستعمل ضمير "هم" بطريقة استراتيجية للإحالة الضّمائرية عبر
استخدام أوصاف مترادفة أو مُتشابهة لتأكيد صفة الآخر. يُمكِنُ أن يُستَعمل ضمير "أنتم" للإشارة إلى النَّاس عُمومًا والتَّعبير عن معتقداتهم وأفكارهِم بصفَة
خاصَّة، مِمَّا يُصَعّب على هؤلاء التَّشكيك في خطابات مجموعات الألتراس ويمنحهم القابلية لتبنّيه.
كما أن استعمال الضمير المبني للمجهول له أهمية قصوى على مستوى القيم العلائقية؛ لأن المتكلمين يستعملونه لتكريس التضامن مع الجمهور، ومن ثمّ فإن له وظيفة أيديولوجية. أما على مُستوى كلمات
التصنيف، فقد عملت مجموعات الألتراس المغربية على انتقائها بمهارة وقصدية لتحديد قِيمهم العلَائقية؛ كاستعمال الكلمات التي تكرس التّضامن مع الجُمهور عوضًا من الكلمات التي تُنَفِّرهُ.
كما أنَّ هناك إلحاحًا في أثناء انتقاء الكلمات للحفاظ على علاقة القُرب بين أعضاء المجموعة وعموم
الشعب المُمثَّلين، وذلك عن طريق التعبير باسمهم عن "الواقع القاتم" والوضعية السوسيو–اقتصادية
المتردية لعموم الشعب. فالألتراس تشير – بطريقة مدروسة ومُتَكررة – إلى الجمهور؛ لأنه يتقاسم معها
الوضعية والمصير، وذلك بهدف كسب تعاطفه.
(32) Teun A. Van Dijk, "Principles of Critical Discourse Analysis," Discourse & Society , vol. 4, no. 2 (1993), p. 264. (33) Anaphora; Georges Kleiber, L’anaphore associative (Paris: PUF, 2001).
تُدَافِعُ حركة الألتراس المغربية عن الذين يعيشون على هامش المجتمع، وتتكلَّم باسمهم، فهم قدموا أنفسهم ليس بصفتهم وطنيّين مهتمين بشأن البلاد فحسب، بل أيضًا بصفتهم مُمثلين لجميع الفئات
المقصية من الخيرات المادية والرمزية، ولذلك عبّروا عن أيديولوجيّتهم عن طريق الإطناب بوصفه
مصطلحًا بلاغيًا يُستَعمل من أجل التعبير عن المبالغة والمغالاة في الوصف عادةً بطريقة مُتعمدة.
نذكر على سبيل المثال: "حكار، نعيش محكور، مظلوم، غاتقماع، مقهور، مقموع، منكودة، مُرَّة، الويل،
حوگرانية... إلخ"، لتبيان أن الوضعية المتأزمة هي نتيجة غياب العدالة والديمقراطية، وأن تفشي ظاهرة الحگرة قد أدى إلى تصاعد الإحساس بالظلم والإذلال والفوارق الاجتماعية. من المعروف أنَّ مجموعات ألتراس كرة القدم المغربية يستخدمون لغة غير رسمية تشمل أصنافًا لغوية مختلفة بما في ذلك العربية المغربية والعربية المعيار والأمازيغيات والإيطالية والفرنسيّة والإنكليزية.
ويُستَخدَم هذا التنوع اللغوي بوصفه استراتيجية للتواصل ونشر الخطابات واستهداف أكبر عدد من الجمهور. ونُرجّح أن هذا أسهم في توطيد المشروعية الاجتماعية والسياسية لحركة الألتراس المغربية وتعزيزها. ولأنَّ خطابات مجموعات الألتراس مليئة بالأساليب والعبارات العامية والمفردات ذات الحَمُولة الشعبية، فقد أسهم ذلك في نسج علاقات حميمية وألفة مع الجمهور. أمَّا الكلمات المُنتَقاة فهي شديدة التعبير عن أيديولوجيا حركة الألتراس التي تتوخى كسب تعاطف الجمهور.
2. المفردات التي تفيد التلطف وعدم التلطف في التعبير
تُعتَبر استراتيجية التلطف في الكلام – حسب فيركلاف – صيغة مُحدّدة للعلاقات الاجتماعية بين الفاعلين في النّص وكيف يسهم في إنتاج هذه العلاقات، كمَا تُحدّد هذه الصيغة التَّموقع الأيديولوجي لمنتج الخطاب وطبيعة العلاقة التي تجمعه بالمستهدفين منه. ولأنَّ أهازيج مجموعات الألتراس المغربية وشعاراتهم عمومًا تكاد تخلو من التلطف في التعبير، فقد جرى التركيز بدلً من ذلك على
عدم التلطُّف مع تسويغ هذا التوظيف. نجد في أغنية "لغيوم بكات" لألتراس حسنية أگادير حضورًا لمفردات وتعبيرات تفيد التلطف وعدم التلطف على حد سواء. فعلى المستوى الأوَّل، نجد وصف الشباب للغياب التام للمَسؤولين عن تدبير الشأن العام بعبارة "المسؤولين في خبر كان"، كما نجده في هذا المقطع: "لا قانون يحميك لا حق مضمون، فيضانات حفرات القبور". في المقابل، نجد في الكثير من الأغاني حضورًا كثيفًا لعدم التلطف في التعبير، ففي أغنية "هادي بلاد الحگرة" لألتراس "هيركوليس" نجد تعابير من قبيل "مافيا كبيرة" و"لصوص" في سياق الحديث عن فساد المسؤولين وتورطهم في المشكلات الاجتماعية والرياضية مع وجود تعميمات مبالغ فيها أحيانًا. يقول الشباب في
(34) Tom Mc Arthur, The Oxford Companion to the English Language (New York: Oxford University Press, 1996), p. 491.
((3(للمزيد حول الاختلاف والتشابه بين العربية المغربية والعربية المعيار، يُنظَر: عبد المجيد جحفة، حفريات في اللغة العربية:
نماذج من الاتصال الدلالي بين العربية المغربية والعربية المعيار (الدار البيضاء: دار توبقال؛ الرباط: دار الأمان،.)2019 (3((فيركلاف، اللّغة والسُّلطة، ص. 153 ((3(ليس هناك قانون يحميك، وليس هناك حق مضمون، حفرت فيضانات القبور، والمسؤولون ليس لهم وجود.
مطلع الأغنية السابقة نفسها: "فموازين شاكيرا راها دات مليار، وحنا طلبناها صغيرة، كويتونا بالأسعار، بربي مافيا كبيرة، كلشي ولا شفار". ويحضر عدم التلطف بشكل قوي وكثيف، فنجد مقاطع كثيرة تصنف المسؤولين من خلال استعمال عبارات حاملة لمعانٍ قدحية من قبيل: "المسؤول أكبر إبليس، سيستيم بُّوري أوفيه الڤيس، والمفسد لاعبها الديس" الواردة في أغنية "سيستيم بّوري ". والملاحظة الأساس هنا هي لجوء مجموعات
الألتراس المغربية للمبالغة واستعانتهم بعبارات أجنبية حاملة لدلالات قدحية في سياق عدم التلطُّف في التعبير؛ مثل: "المُسير أكبر شفار" في "سيستيم بّوري"، و"المالفيتور، المرتزقة العقول الفاسدة "،
في أغنية "أوطرو" لألتراس "فاطال تايغرز". وإذا كانت الكلمات القدحية المحلية والأجنبية المستعملة للتعبير عن عدم التلطف مع المسؤولين أقل حضورًا في أهازيج المتن، فإنها تحضر بشكل كبير في العلاقة مع رجال الشرطة على هامش المباريات
الرياضية؛ إذ يصفون هذه الفئة في كثير من السياقات باللُّقطاء، كما يستعملون الأعضاء الجنسية للتعبير عن علاقة العداوة والصراع باعتبارها من بين مبادئ حركة الألتراس العالمية. نذكر مثلً: "بوليسيا يا بو عقلية ميردا [...]، نلگيرا صوموس بريبارادوس كونطرا بوليس كونطرا ديك لبيروس، نزيدو نگولو 1 3 1 2 معروفين آل كوبس آر باستاردوس[...]ACAB ACAB أومولاها سيدي ربي"، والتي وردت في أغنية "لا إيستوريا إنفينيتا" ل "ألتراس لوس ماطادوريس". كما يصف الألتراس رجال الشرطة بالمتخلّفين والعنجهيين واللُّصوص والطغاة، فألتراس "حلالة بويز" يصفون هذه الفئة بالمتخلّفين والقوم الظالمين في أغنيتَي "أطرو إيريفيرسيبلي" و"ريزيست تو إيگزيست". هناك عدة قيم تعبيرية تبين مدى التقييم السلبي الذي تحمله مجموعات الألتراس تجاه السياسات الحكومية على عدة مستويات؛ فالأهازيج مليئة بالكلمات المتقابلة والإطناب والتكرار. ويهدف الاستعمال أو التوظيف الاستراتيجي للجمل السلبية إلى عدم رغبتهم في إعطاء الصفات الإيجابية للسلوكات التي يحاولون إدانتها في خطابهم، إنها صياغة بَدِيلَة لتعويض المفردات المتقابلة بالمفردات التي يفضلها مُنتج الخطاب، ولأنّ القيم التعبيرية تبيّن طريقة الألتراس في التعبير عن تجاربهم
((3(في مهرجان موازين، شاكيرا أخذت مليارًا، نحن لم نطلب إلا القليل، أحرقتمونا بالأسعار، والله عصابة كبيرة، الكل أصبح
سارقًا. ((3(في بلاد السرقة والريع، والمسؤول أكبر إبليس، نظام نتن وفيه الرذيلة، والمُفسد لا يبالي. ((4(نظام نتن. ((4(المُسَيّر أكبر سارق. ((4(ذوو الأفعال المشينة، المرتزقة، عقولهم فاسدة. ((4(الشرطي يا صاحب العقلية النتنة. نحن مستعدون للحرب ضدّ الشرطة ضد أولئك الكلاب، نضيف ونقول: 1 3 1 2، كلهم
لقطاء. ACAB ACAB، وسيدي ربّي هُوَ صاحب كل شيء. ACAB هو تلخيص لشعار Bastards Are Cops All؛ أي كل رجال الشرطة لقطاء. وتجدر الإشارة إلى أن عمال المناجم بالمملكة المتحدة رفعوا هذا الشعار للمرة الأولى في منتصف ثمانينيات القرن الماضي. ((4(قاوِم من أجل وجودك.
الشخصية في خطاباتهم، فإن شباب الألتراس يصورون أنفسهم بوصفهم ضحايا لمسؤولين غير قادرين على تحمل المسؤولية؛ لذا نجدهم في جل أغانيهم يحمّلونهم كامل المسؤولية في ما آلت
إليه الأوضاع السياسية والسوسيو–اقتصادية والثقافية والرياضية، وذلك باستعمال مفردات أيديولوجية في مختلف أنماط الخطاب، من قبيل: "فاشستي، عَنْجَهِيّ، فاسد"، أو باستعمال الجمل السلبية لإدانة
مخاطبين بعينهم أو بصفة غير مباشرة، مثل: "بزاف عليك البوليتيك، فين القسم اللي عطيتي، فالمال العام تبروفيطي، واللي فجيوبك ما يكفيك". كما نجد مجموعة من المقاطع التي تحمل تقييمًا
سلبيًا من قبيل: "فلوس البلاد گاع كليتوها، للبراني عطيتوها" في أغنية "فبلادي ظلموني" لألتراس
"إيگلز" التابع لنادي الرجاء البيضاوي، أو "ليگي دي ميردا، فينا جامي تحكموا، حقوقنا معروفة فيها جامي نسمحو على الفساد والحگرة جامي نسكتو" في أغنية "أوطرو إيريفيرسيبلي" لألتراس "حلاّلة بويز"، أو مقطع "يا نشوفو خويا بالماطراك إضربوه، أو لي مينوط فيديه والله ظلموه، لا خدمة لا قراية يا حيت حبسوه، [...] لا ليبيرطي منّا سرقتوها، أو هاد لبلاد كلها نهبتوها" من أغنية الحرية لألتراس "بلاك آرمي".
3. الأساليب البلاغية
تستعمل مجموعات الألتراس مجموعة من الأساليب والتعبيرات البلاغية ذات الحمولة الأيديولوجية، وذلك من أجل تمثيل التجارب الحياتية والمشكلات الاجتماعية، إنها بمنزلة خصائص نصية تساعد على تمثيل الواقع من خلال استعمال الخطاب. ومن ثم، فنحن أمام بناء خطابي للواقع/ الحقيقة Reality of Constructive Discursive، على غرار البناءين الاجتماعي والنصي. وتُعد هَذه الأساليب والتعبيرات البلاغية أدوات ضرورية تساعد على فهم التمثلات الأيديولوجية وكشفها بوضوح.
أ. الاستعارة والتشبيه
الاستعارة أسلوب بلاغي أدبي يعتمد على المقارنة بين عنصرين بدون استعمال أدوات التشبيه مثل كاف التشبيه... إلخ، وذلك للمساهمة في بناء المعنى داخل خطاب مُعيَّن أو لأغراض أخرى تتجاوز مسألة
المعنى. يبين فحص أهازيج الألتراس عن وجود بعض الاستعارات المستعملة ضمن الموضوعات العشرة المستخلصة من المتن، فعلى مستوى موضوعة السلطوية والفساد، نجد عبارات من قبيل: "المسؤولين في خبر كان" في أغنية "لغيوم بكات"؛ إذ الإشارة هنا إلى الغياب شبه التَّام للمسؤولين
((4(السياسة لا تليق بك، أين القسم الذي أدَّيت؟ في المال العام استغللت، ولم تكتفِ بما لديك. ((4(أموال البلاد نهبتموها، وللغريب منحتموها. ((4(قانون قبيح، أبدًا لن تحكمونا، حقوقنا معروفة لن نتخلى عنها، لن نسكت عن الفساد والطغيان. ((4(نرى أخي بالمطرق يُضرب، والأصفاد في يديه، والله ظلموه، لا عمل لا دراسة؛ لأنهم سجنوه.
(49) Mc Arthur , p. 653.
للاطلاع على تحليل معمق للعلاقة بين الاستعارة وتجارب الحياة، ينظر: جورج لايكوف ومارك جونسون، الاستعارات التي نحيا بها، ترجمة عبد المجيد جحفة، ط 2 (الدار البيضاء: دار توبقال، 2009 1996[]). ((5(المسؤولون ليس لهم وجود.
عن الشأن العام من خلال استثمار العبارة المسكوكة "في خبر كان" التي يُشار بها في التداول العام إلى النهاية والغياب والتلاشي. أما بالنسبة إلى أسلوب التشبيه، فقد وردت في أغنية "سيسيتم بوري" في مقطع "المسؤول أكبر إبليس" لتأكيد صفات الشر التي تتسم بها سلوكيات بعض المسؤولين المغاربة الذين جرى تشبيههم بشيطان كبير. ينطبق هذا الأمر أيضًا على عناصر الشرطة، فإذا كان المسؤولون قد شُبِّهوا بإبليس، فإنَّ رجال الشرطة قد شُبِّهوا بالكلاب، وهذا ما نجده في مقطع: "كونطرا لبوليس، كونطرا ديك لبّيروس" الذي ورد في أغنية "لا إيستوريا إينفينيتا". إن سبب هذه المقارنات السلبية التي تضع المسؤولين السياسيين والأمنيين في درجات مُتدنّية مردّه إلى محاولات هؤلاء الهادفة إلى السّيطرة على مجموعات الألتراس المغربيّة ومقارنتهم بالهمج. نجد في أغنية "ڤويس أوف دي ريزن" لألتراس "حلالة بويز" وأغنية "أوطرو" لألتراس "فاطال تايگرز" نماذج من هذه المحاولات والمقارنات التي جرى التعبير عنها بوساطة الاستعارات: "ماريونيط يحرّكُونا" في الأغنية الأولى، و"حسبتونا همجيّة " في الأغنية الثانية. كما تمتد المقارنات التي تستعمل فيها الاستعارات إلى المواجهات بين مجموعات حركة الألتراس فيما بينها، وإن كان هذا الأمر يحضر بأقل حدة وتواتر مقارنة مع مواجهات الألتراس مع المسؤولين وعناصر الشرطة. ففي شمال المغرب، نجد حضورًا لعبارة "ولاد السعودية"، في أغنية "ماطادور إمبراطور"، وهي استعارة قدحية تعني اللّقطاء. كما تُستعمل الاستعارات كذلك في سياق التغني بالحب القوي والولاء اللّمشروط للفريق. من ذلك قولهم: "ضوي عليا ضوي، ياك نتي لاليميير" التي وردت في أغنية "دمنا عربي". والمقارنة هنا بين النادي الذي تشجعه مجموعة الألتراس وبين النُّور. تختلف الاستعارة عن التشبيه في كون الاستعارة لا تستعمل أدوات التشبيه من أجل المقارنة. وقد حضر التشبيه بشكل أقل من الاستعارة؛ إذ عثرنا على مقطعين يتضمنان هذا الأسلوب البلاغي، وهما "عيشتونا كيف الكلاب" في أغنية "القيلولة فالبرلمان"، و"خلاونا كي ليتاما " في أغنية
((5(نظام نتن. ((5(ضد الشرطة، ضد أولئك الكلاب. ((5(التاريخ اللّ محدود. ((5(صوت العقل. ((5(" كراكيز" يحركوننا. ((5(ظننتم أننا همج. ((5(أولاد السعودية. ((5(أنيري عليّ أنيري، فأنت الضوء. ((5(عيشتمونا مثل الكلاب. ((6(تركونا كاليتامى.
"فبلادي ظلموني". ففي المقطع الأول، نجد الشباب يشبهون معيشتهم بحياة الكلاب؛ وذلك بسبب السياسات القائمة على الإقصاء والتهميش، والتي أدت إلى الإحساس بفقدان الكرامة وتوسع الفوارق الاجتماعية؛ أما في المقطع الثاني، فإن الشباب يُشبّهُون وضعيتهم بوضعية اليتامى. واليُتم، كما هو معروف يحيل على غياب الرّعاية، ومن ثم التشرُّد والحرمان.
ب. التشخيص والأسئلة البلاغية والمبالغة
يقوم التشخيص على إسناد الصفات الإنسانية لمواضيع وأشياء وذوات غير عاقلة، أو ما يشار إليه في مجال البلاغة بالأنسنة. من ذلك قولهم: "الغيوم بكات " و"فيضانات حفرات لقبور " لألتراس "ريد ريبلز". جاءت هذه الأغنية في سياق الفيضانات التي شهدها المغرب بالتزامن مع تنظيمه كأس العالم للأندية في عام 2013، فقد أدت الفيضانات إلى غرق بعض الملاعب تحت أنظار العالم، وإلى حفر بعض المقابر بعد أن غمرتها مياه الأمطار. وقد وُظِّفَت الأغنية لتبيان الكيفية التي أسهمت بها الأمطار في تعرية الاختلاسات وهشاشة البنية التحتية نتيجة الفساد الإداري والمالي. ويحضر التشخيص في التعبير عن طبيعة العلاقة الحميمية التي تربط شباب الألتراس بالفريق تارة وبالوطن/ الأوطان تارة أخرى. على المستوى الأول، نجد الشباب يشجعون الفريق بوصفه حبيبة كما هو الأمر في مقطع "جُوّي جُوِّي ما شيري" في أغنية "دمنا عربي". أما المستوى الثاني، فقد حضر في سياق إعلان تضامن مجموعات الألتراس مع القضيّة الفلسطينية وإعلانهم الاستعداد للجهاد في سبيل هذه القضية، نذكر في هذا السياق قولهم: "لحبيبة يا فلسطين" في أغنية "رجاوي فلسطيني". كما يُستَعمل التشخيص في سياق التعبير عن ضرب القدرة الشرائية ودور المسؤولين في تأزيم الوضعية الاجتماعية نتيجة اكتفائهم بترديد الوعود الكاذبة وحرصهم على مراكمة الثروات بطرق غير قانونية، من ذلك قولهم: "كويتونا بالأسعار" في أغنية "هادي بلاد الحگرة"، و"العيشة فيها مُرَّة" في أغنية "هادي بلاد الحگرة"، و"قتْلُونا بلهضرة" و"كروش لحرام " في أغنية "حكاية مظلوم" لألتراس
((6(في بلادي ظلموني.
(62) Ruth Miller & Robert A. Greenberg, Poetry: An Introduction (New York: St Martin’s Press, 1981), p. 74.
((6(هطلت الأمطار. ((6(فيضانات حفرت القبور. ((6(Rebels Red: المتمردون الحمر. ((6(العبي العبي يا حبيبتي. ((6(أيتها الحبيبة فلسطين. ((6(أحرقتمونا بالأسعار. ((6(قتَلُونا بالكلام. ((7(بطون الحرام.
وفي أغنية "حكاية مظلوم" نجد السؤال الاستنكاري: "فين الحرية فين القانون؟".
الوضعية الكارثية التي تعيشها كل الشعوب العربية والمصير المجهول الذي ينتظرُها.
((7(Tigers Fatal: النمور القاتلة. ((7(هذه العيشة السوداء هي سبب الهجرة. ((7(الحالة بئيسة. ((7(أيّتها البلاد! لماذا هُجِّر منك الأولاد؟ ((7(من أين دخلت المخدرات؟ ((7(أين فرص العمل؟ ((7(في بلادي ضاع حقي، مَن يستمع إلينا؟ ((7(أين القسم الذي أدَّيت؟ ((7(أين رزقنا؟ فعِّلُوا تقنية الفار. ((8(لماذا – يا أمي – أحبَبْتِ هذه البلاد؟
((8 صمُت أم أتكلم؟ (أأَ ((8(أين الحرية؟ أين القانون؟ ((8(أكلوا الضعيف. ((8(العرب نائمون. ((8(الإنسان العربي يعيش في الويل، المستقبل كله ظلمات.
"فاطال تايگرز"، و"هاد العيشة نيگرا هي سباب الهجرة " في أغنية "ولد الشعب" يغني، و"الحالة ميردا" في أغنية "أوطرو" لألتراس "فاطال تايگرز، و"الحقيقة مُرَّة" في أغنية "ڤويس أوف دي ريزن". ترتكز الأسئلة البلاغية أساسًا على صياغة أسئلة بدون توقّع انتظار إجابة، وعندماَ نعود إلى المتن، فإننا نجدها حاضرة بشكلٍ قوي في مجموعة من الأهازيج؛ ففي أغنية "ولد الشعب يغني"، يسأل الشباب: "بُّوركي يا هاد لبلاد، هجرو منك لولاد" وعن "لا دروك ماين دخلات؟ وعن "الخدمة فاينيا؟ ". يتكرَّر هذا الأمر المتمثل في حضور الأسئلة بشكلٍ لافت في أغنية "سيستيم بُّوري"، وذلك في ثلاثة مقاطع هي: "فبلادي حقي ضاع، وشكون لينا يسماع"، و"فين القسم اللي عْطيتي "، و"فين رزقنا ديرو الفار". أما في الأهازيج الأخرى، فقد حضرت الأسئلة بشكلٍ أقل؛ ففي أغنية "حياتي ظلمة يا يمّا" وردَ قولهم: "وعلاه يا لحنينة لبلاد هَكّا حبّت"، وفي أغنية "قلب حزين": "نسكت ولا نهضر"،
تُعتمَد المبالغة اللغوية من أجل التضخيم من وقع الحقائق أو الأفعال على غير ما تبدو عليه في الواقع إذا نظرنا إليه بموضوعية، مثل: "كلاو الضعيف" في أغنية "لغيوم بكات" التي تبين حجم الاستغلال الذي يتعرض له المواطن البسيط من طرف محتكري الثروة والسلطة. و"العرب نايمين" في أغنية "رجاوي فلسطيني"، لكشف التخلي المتواصل للعرب عن القضية القومية الأولى، وهي القضية الفلسطينية؛ كما نجد في الأغنية نفسها: "العربي عايْش فالويل، مُستَقبَل كلُّو ظُلمات"، لتصوير
ج. الرَّمزية والسخرية
الرّمزية أسلوب بلاغي يقوم على توظيف أشياء قد تكون عاقلة أو غير عاقلة ترمز إلى شيء آخر.
والملاحظ هو ندرة هذا الأسلوب البلاغي في الأهازيج؛ إذ عثرنا على مقطع وحيد حضرت فيه الرمزية هو "كيما ظلامت غادي تضوي" في أغنية "أوطرو" لألتراس "فاطال تايگرز". أما السخرية، فهي أسلوب بلاغي يقوم على استعمال لغة تقلب المعنى إلى عكسه، وهي من بين الأساليب الأقل حضورًا في الأهازيج؛ من ذلك: "أكبر كراطة فالكابيطال" في أغنية "الغيوم بكات". في المقابل، فإن
السخرية تحضر بشكلٍ مكثف في الشعارات. الصورة (1) "جميع الدول العربية محتلّة إلا فلسطين"
المصدر: صفحة ألتراس "بلاك آرمي"، فيسبوك، شوهد في 2022/11/5، في: UqWTkd /3 ly. bit:// https
د. التكرار
التكرار هو إعادة ذكر الكلمة أو الجملة أو المقطع في النص نفسه، من أجل إضفاء نغمة موسيقية أو تأكيد فكرة معينة وحث القارئ على الانتباه إليها. وقد وظفت مجموعات الألتراس أسلوب التكرار بشكل كثيف في كل أهازيجها بدون استثناء، ففي أغنية "لغيوم بكات"، تكرر مقطع "الرُّوح
فقدات القيمة والشّان"، وفي أغنية "هادي بلاد الحگرة"، تكرر مقطع "هوما يضحكو عليا،
(86) Mahmood Snoor Ismael & Media Rafiq Majeed, Critical Discourse Analysis of Figurative Language in The Selected Poems by Langston Hughes , International Conference on English Language and Culture (ICELC 2019). P. 71.
((8(كمَا أظلمت ستُضيء.
(88) Mc Arthur, p. 532.
((8(أكبر ممسحة مطاطية في العاصمة. ((9(حضرت السخرية المعبر عنها من خلال الشعارات بشكل قوي في الثورات العربية. للاطلاع على بعض الأعمال التي حللت
هذه الشعارات، يُنظَر: نادر سراج، مصر الثورة وشعارات شبابها: دراسة لسانية في عفوية التعبير (الدوحة/ بيروت: المركز العربي
للأبحاث ودراسة السياسات، 2014)؛ نادر سراج، الخطاب الاحتجاجي: دراسة تحليلية في شعارات الخطاب المدني (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017). ((9(فقدت الروح قيمتها وشأنها.
بفلوسي شاريين ڤيلّ"، وفي أغنية "صوت الشعب"، تكرر مقطع "الحرية لّي بْغينا يا ربي، الحرية تْفَاجي ليا قلبي"، وفي أغنية "القيلولة فالبرلمان" تكرَّر مقطع "دولة زيروقراطية، دولة زيروقراطية"، و"فينا هي المساواة؟"، علاوةً على عنوان الأغنية نفسه "القيلولة فالبرلمان، والقيلولة فالبرلمان"، وفي أغنية "الكورفا تنادي الحرية" تكرر مقطع "حرية حقُنا نموت عليها شهيد"، وفي أغنية "قلب حزين" تكرر مقطع "مارانيش أليز فبلاد الشفارة" و"لاجونيس كاع حركات "، وفي أغنية "حكاية مظلوم" لألتراس "ريف بويز" تكرر مقطع "شي فلحبس شي مات وشي حرگ فسفينة"، وفي أغنية "حكاية مظلوم" لألتراس "فاطال تايغرز" تكرر مقطع "هي الروح هي لغالية اللي عليها بغاو يمنعوني"، وفي أغنية "ڤويس أوف دي ريزن"، تكرر مقطع "جينا نحكيو عالسّيتياسيون، علحقيقة المرة اللي نعيشو"، أما في أغنية "أوبيوم أوف دي بيبل"، فقد تكرر مقطع "خضرا نتيا الغالية، نتيا الدنيا ونتي لامور".
4. القيم الخبراتية والعلائقية والتعبيرية للمعالم النَّحوية
إنّ تحويل البنى النحوية في منظور التحليل النقدي للخطاب يُعنى بطبيعة الخطاب وسياقه وهدفه، وهذا يختلف عن النَّظرية التوليدية التحويلية لمؤسسها نوعم تشومسكي Chomsky Noam. يتضمن تحويل البنى النحوية وجوبًا تغيير الصيغ الأيديولوجية في الخطاب، وفي الوقت نفسه، يُشَكّل التحويل النَّحوي مُنطلقًا للنُّقاد من خلال التحليل والفحص لكشف العلاقة القائمة بين اللغة والأيديولوجيا، فالأخيرة تكون مضمرة في الجمل، لكن يبقى لها تأثير في فهم مستهلك الخطاب. من هذا المنظور سنهتم بنوعين من البنى النحوية يشكلان الحجر الأساس للتحليل النقدي للخطاب، هما: الأبنية الاسمية Nominalization والمبني للمجهول Passivization، فهما يؤديان الوظيفة نفسها، لكنهما يختلفان في طريقة توظيفهما في الجمل؛ فالأولى، أي الأبنية الاسمية، تقوم على تغيير الفعل إلى اسم، بينما الثاني؛ أي المبني للمجهول يقوم على تغيير مكان الفاعل في الجملة، وذلك بتحويله إلى وسط أو آخر الجملة من أجل إضفاء الإبهامية على دوره.
((9(هم يضحكون عليّ، وبأموالي اشتروا "ڤيلّ." ((9(الحرية التي أردناها يا ربي! الحرية تُريح لي قلبي. ((9(أين المساواة؟ ((9(الحرية حق لنا، نموت من أجلها شهداء. ((9(ليست بخير في بلاد اللصوص. ((9(الشباب كلهم هاجروا بشكل غير نظامي. ((9(بعضهم في السجن، وبعضهم مات، وبعضهم الآخر هاجر. ((9(هي الروح، هي الغالية التي أرادوا أن يمنعوني منها. ((10(جئنا لنحكي عن الوضع والحقيقة المرة التي نعيشها. ((10(الخضراء أنتِ الغالية، أنتِ الدنيا، وأنتِ الحُبّ.
وظّف أصحاب مجموعات الألتراس المغربية هذه الآليات من أجل التعبير عن ذواتهم وتمرير أيديولوجيتهم، فاستعملوا الجمل الاسمية لتسليط الضوء على الإحساس بالحگرة وإبرازها عن طريق التركيز على الصيغة نفسها بدون إيلاء أي أهمية للمشاركين في الفعل. كما استعملوا هذه الآلية من أجل لفت انتباه متلقي الخطاب إلى مرارة الإحساس بالحگرة من غير التصريح عن المسؤول عمّا يعانونه، لكن قد يكشفونه في أحيان كثيرة باستعمال آلية المبني للمعلوم. على مستوى مَوضُوعَة الحگرة، نجد جملً من قبيل: "من الحگرة صافي سخطنا وملينا"، و"صوت الشعب اللي مقموع بصوت الناس المهمومة"، و"رجاوي صوت الشعوب المقهورة"، و"هادي بلاد الحگرة لعيشة فيها مرة"، و"أيام القهرة والظلام ". لا نجد في هذه الجُمل فاعلً محددًا يُنسَب إليه فعل الحگرة أو القهر أو القمع بوصفها مُمَارسات تفترض وجود مُمَارسين، مع حضور بارز للتعميم الذي يهدف إلى استقطاب أكبر عدد من النّاس. وينطبق هَذا الأمر على الموضوعات الأخرى القريبة من الحُگرة، كالفوارق الاجتماعية والمجالية؛ حيث نجد في المتن بعض الجمل من قبيل "عيشة منكُودَة فأرض غْبِينة" في أغنية "لغيوم بكات"، و"فلوس فالمشاريع أطفال فالشواريع" في أغنية "ولد الشعب يغني"، و"نتُوما ليكوم صادقة لڤيلّ أوكليم" في أغنية "القيلولة فالبرلمان"، فقد جرى التركيز على موضوع العيش بصيغة الاسم عوضًا من الفعل لتبيان حجم نكد العيش دون إعطاء أهمية إلى الذين تسببوا في تشكُّل هذه الوضعية، وذلك بهدف كسب تعاطف مُتلقي الخطاب. تكرَّر هذا الأمر في مقاطع أخرى تتداخل فيها موضوعات متعددة كالحرية وفقدانها كما في الأمثلة التالية: "اللي محروم من ليبيرطا" في أغنية "أوطرو إيريفيرسيبلي "، و"الحرية لفلسطين" في
(10((توصَلَّ فاولر وزم ؤااه إلى أن تفضيل الجمل الاسمية على الفعلية وتفضيل المبني للمجهول على المبني للمعلوم، يكون
حاملً لأيديولوجيا معينة؛ ما يعني أن هناك إخفاءً ممنهجًا للفاعل، والجُمل التي تُحوّل الفعل إلى الاسم غالبًا ما تُعطي معلُومَات
أقلّ. أمّا فيركلاف فقد رأى أنَّ البِنَاء الاسمي هُوَ تحويل الجُملة إلى اسم أو إلى اسم مركب؛ فتصبح الجملة مختصرة؛ بمعنى غياب
جزء من المعنى، وعدم تحديد زمن الفعل؛ يُنظَر:
Roger Fowler et al., Language and Social Control (London/ New York: Routledge, 1979); Fairclough, Language and Power , p. 103.
((10(يكفي ما تعرّضنا له من قمع، ملَلْنَا. ((10(بصوت الشعب المقموع، بصوت المهمومين. ((10(هذه بلاد الحگرة، العيشة فيها مرة. ((10(أيام القهر والظلام. ((10(عيشة تعيسة في أرض كلها خديعة. ((10(أموال في المشاريع، أطفال في الشوارع. ((10(أنتم المستفيدون، "الڤيلّ" والمُكيف. ((11(المحروم من الحرية. ((11(irreversible Outro: اللاعودة.
"رجاوي فلسطيني"، و"ليبيرطا بابها مسدود" في أغنية "صوت الشّعب". جرى التركيز على الحرمان من الحرية وانسداد أبوابها وما يرافقهما من معاناة اجتماعية ونفسية للمستهدفين من الخطاب ومنتجيه في آن واحد؛ أي مجموعات الألتراس والشّعبان المغربي والفلسطيني. كما جرى استعمال الأبنية الاسمية للتّعبير عن موضوعَي السلطوية والفساد اللذين يَسِمَان المنظومة السياسية في المغرب،
ونتائجهما السوسيو–اقتصادية، كالفقر والتهميش، مع التركيز على ضحايا هذه المنظومة "الجانية" كأطفال الشوارع والشباب العاطلين الذين غادروا مقاعد الدراسة قبل الأوان؛ من ذلك: "الفقر والتهميش دولة زيروقراطية" في أغنية "القيلولة فالبرلمان"، و"بلاد الشفارة الظلم والحگرة" في أغنية "حياتي ظلمة يا يما"، و"المرتزقة العقول الفاسدة" في "أوطرو" لألتراس "فاطال تايغرز". كما حضرت البنى الاسمية في سياق المقاطع التي تتناول العلاقة بين مجموعات الألتراس المغربية والشرطة والإعلام، مع التركيز على الخصائص والسلوكيات السلبية التي تتسم بها هاتان الجهتان اللتان تملكان السُّلطتين المادية والرمزية. نجدُ في أغنية "ريزيست تو إيكزيست" لألتراس "حلالة بويز" مقطع
" ACAB يا طاغية"، وفي أغنية "لا إيستوريا إينفينيتا" مقطع "بوليسيا يا بو عقليّة مّيردا"، وهما مقطعان
يبيّنان طغيان رجال الشرطة الناتج من عقلية هؤلاء المريضة حسب شباب حركة الألتراس؛ وذلك من
خلال توظيف المصدر "طغيان" عوضًا من الفعل "طغى"، علمًا أن المسؤول عن الطغيان هنا حاضر
في الجملة. وهذا نجده في المقاطع التي تعبر عن حجم التضليل الذي يمارسه الإعلام كما في أغنية "قلب حزين" في مقطع "تضليل فالإعلام". إن الهدف من استعمال المصدر "التضليل" عوضًا من الفعل "ضلَّل" هو التأثير في المتلقي ودعوته بشكل غير مباشر إلى إعمال العقل في الخبر وتوعيته بانحياز الآلة الإعلامية. إضافة إلى الأبنية الاسمية، اعتمدت مجموعات الألتراس في أهازيجها على صيغة المبني للمجهول التي تؤدي الوظيفة نفسها. ولأن التحليل النقدي للخطاب يعطي أهمية كبيرة لصيغ الجمل المُوظَّفة في
الخطاب لتصنيف أهمية الفاعل، فإنَّ هذا الفاعل في الصِّيَغ المبنية للمجهول غالبًا ما يكون مذكورًا في
آخر الجمل باستعمال عبارات "من طرف"، "من جانب"، "على يد فلُان"... إلخ. وذلك لتحييد الفاعلية، أو حذف الفاعل كليا لتعمية الفاعلية والسببية في حدوث ذلك الفعل. لجأت مجموعات الألتراس
المغربية إلى هذه الصيغة للتعبير عن ذواتها وما يخالجها عن طريق مخاطبة المعنيين، إما بتحميلهم المسؤولية عن طريق استخدام الجمل الخبرية أو صيغة المبني للمعلوم، وإما بمخاطبتهم دون ذكر أسمائهم. من الأمثلة التي تشير إلى توظيف صيغة المبني للمجهول في خطابات مجموعات الألتراس: "كلاو الضعيف، أزمة افتعلوها، و"قتلونا بالهضرة " في أغنية "الغيوم بكات"، ثم "كويتونا بالأسعار "
((11(الحرية بابها مغلق. ((11(أكلوا الضعيف، وافتعلوا أزمة. ((11(قتلونا بكثرة الوعود. ((11(أحرقتمونا بالأسعار.
و"يضحكو عليا" في أغنية "هادي بلاد الحگرة"، و"واكلين حق العباد " التي وردت في أغنية "ولد الشعب يغني". استخدمت مجموعات الألتراس صيغًا نحوية مختلفة للتعبير عن القيم العلائقية، نذكر منها: الجمل الخبرية وصيغ الأمر والأسئلة النحوية، فكلُّ صيغة من هذه الصيغ تحدد موقع الذوات المشاركة في الخطاب. فعند مخاطبة المسؤولين السياسيين أو الرياضيين كانت الجمل الخبرية حاضرة، بحيث تكون الألتراس في موقع المتكلم ومصدر المعلومة، والمخاطب في موقع المتلقي للمعلومة. ومن ذلك: "أنا نعاني ونقاسي"، و"الإعلام داير حالة " في أغنية "أوطرو" لألتراس "فاطال تايغرز". كذلك ما ورد في أغنية "قلب حزين" لألتراس وينرز وهي "أنا اجتهدت وقريت"، و"ربي عطانا قدر ورزقنا جوج بحور والشعب عايش مقهور"، وهو ما يتكرر في أغنية "لغيوم بكات" لألتراس "ريد ريبلز" كمقاطع "لغيوم بكات فضحات المستور"، و"الرُّوح فقدات القيمة والشان "، والأمثلة كثيرة ومتعددة في جميع الأهازيج تقريبًا. أما صيغة الأمر، فتستعملها مجموعة الألتراس عندما تُطالب المسؤولين بالتفاعل والقيام بفعل ما، من أمثلة ذلك: "حل شوف ودير زوم"، و"ارحل آش هاد المنكر "في أغنية "لغيوم بكات" لألتراس "ريد ريبلز"، و"اضرب لفلاش ڤازي صور فيا"، و"حل ودنيك وسمع مزيان " في أغنية "أوطرو إيريفيرسيبلي" لألتراس "حلالة بويز"، و"طابي الروشيرش فالدورية" في أغنية "صوت الشعب" لألتراس "وينرز"، و"قاوْمي ربنا يحميك" في أغنية "رجاوي فلسطيني" لألتراس "غرين بويز". على مستوى صيغة الأسئلة النحوية، فقد وظفتها مجموعات الألتراس في كثير من المقاطع، وذلك لحث المُخاطَب (المسؤولين) على فعل شيءٍ ما. وفي هذه الحالة يكون المُخاطَب مُطَالبًا بردود فعل
((11(يضحكون عليّ. ((11(يأكلون حق العباد. ((11(أنا أعاني وأتعذب. ((11(الإعلام يقوم بفضيحة. ((12(أنا اجتهدت وقرأت. ((12(ربي أعطانا قدرًا، ومنحنا واجهتين بحريتين (المتوسط والأطلسي)، والشعب يعيش مقهورًا. ((12(هطلت الأمطار، وفضحت المخفي. ((12(فقدت الروح قيمتها وشأنها. (12((افتح عينيكَ، وانظر جيّدًا. ((12(ارحل! ما هذا المنكر؟ ((12(استعمل الضّوء، هيّا صوّرني! ((12(افتح أذنيك، واستمع جيدًا. ((12(دَوّن البحث في دورية الشرطة. (12((قاومِي، ربُّنا يحميكِ.
والتفاعل مع ما يريده الشباب. نذكر على سبيل المثال: "بّوركي يا هاد لبلاد هجرو منك لولاد"، و"لادروك منين دخلات"، و"الخدمة فينا هيا " في أغنية "ولد الشعب يغني" لألتراس "هيركوليس". كما تحضر الأسئلة في أهازيج أخرى من قبيل: "سيستيم بّوري" لألتراس "حلالة بويز"، حيث يسأل الشباب في أحد المقاطع "فين رزقنا ديرو لفار؟"، علاوةً على أغنية "رجاوي فلسطيني" لألتراس "غرين بويز" التي حضر فيها السؤال "بغيت نمشي شكون يديني؟". يتبيَّن مما سبق، أن اختيار مجموعات الألتراس مفردات وبنى نحوية للتعبير عن قيم خبراتية وعلائقية
وتعبيرية تدخل ضمن خصائص النص الشكلية لم يكن اعتباطيًّا، بل إنَّه يُخفي أيديولوجية يتطلب
الكشف عنها التعامل مع النص بوصفه ممارسة خطابية، حيث يتمُّ تأويله عن طريق سبر خبايا إنتاجه وتوزيعه واستهلاكه؛ وهُوَ ما سيُشَكّل موضوعًا لمرحلة التأويل باعتبارها مرحلة أساسية في مقاربة
فيركلاف على مستوى التحليل النقدي للخطاب.
رابعًا: التأويل
تستوجب هذه المرحلة من التحليل النقدي النظر إلى الخطاب ليس بوصفه نصًا بل ممارسة خطابية، فقد أكد فيركلاف أن هذه الممارسة تتضمن عمليات إنتاج النص وتوزيعه واستهلاكه، وأن طبيعتها تختلف حسب أنواع الخطاب والعوامل الاجتماعية؛ ما يعني الانتقال من تركيز التحليل على الخصائص اللُّغوية أو النصية وبنية النص إلى التركيز على عوامل أخرى تربط النص بسياقه. فالخطاب هو بمنزلة وسيط بين الممارسة النصية والممارسات السوسيو–ثقافية؛ ومن خلال طرائق صياغة النص
والسياق الذي أنتجَ فيه يُمكن فهم المعنى الخفيّ الذي يبتغيه المتكلِّم. كماُ أنَّ الخطاب "يتضمن
أيضًا الممارسات التنظيمية التي تعتمد خاصة على العلاقات الاجتماعية وعلاقات السلطة بعينها"، وكذلك فهم العلاقة الجدلية بين النص ومنتجيه من جهة، وبين النص ومتلقّيه من جهة ثانية، وتأويل هذه العلاقة. يقول فيركلاف: "يسهم المنتج في تشكيل نصّه، كما تسهم طبيعة النصّ وخصوصياته أيضًا في ذلك"، وهذا ما يمكن أن ينطبق على النص وتلقّيه. تُركز مرحلة التأويل أساسًا على تبيان السّياق الظّرفي للخطاب Context Situation والتّناص بين
النصوص. وفيما يخص السياق الظرفي، سيتم التطرق إلى موضوع الخطاب وهدفه، والفاعل فيه،
((13(أيّتها البلاد! لماذا هُجِّر منك الأولاد؟ ((13(من أين دخلت المخدرات؟ ((13(أين العمل؟ ((13(أين رزقنا؟ شغّلوا تقنية الفار! ((13(أريد أن أغادر، من يأخذني؟
(135) Norman Fairclough, Discourse and Social Change (Cambridge: Polity Press, 1992), p. 78. (136) John Richardson, Analysing Newspapers: An Approach from Critical Discourse Analysis (New York: Palgrave, 2007), p. 47. (137) Fairclough, Analysing Discourse , p. 41.
وتبيان طبيعة العلاقة بين المشاركين في الخطاب. أما التناص فيقصد به تقاطع الخطابات، أو كما عرَّفه
فيركلاف "هو طريقة استعمال بعض الاقتباسات من نصوص أخرى"؛ أي آثار النصوص والخطابات السابقة في الخطاب المُنتَج. وهذه الممارسة الخطابية حاضرة حضورًا لافتًا في خطاب مجموعات الألتراس؛ فالأهازيج والشعارات وال "تيفوات" التي ترددها هذه المجموعات هي مزيج أو اقتباس أو توظيف لنصوص أو خطابات سابقة عن طريق اعتماد آلية التناص. ويمكن أن نذكر بعض الأمثلة لكشف العلاقات "البينصية" الموجودة في خطابهم، وذلك للمساعدة في تأويلها. فمقطع "نموت تعيش الفكرة" في أغنية "أوطرو" لألتراس "حلالة بويز"، هو إعادة صياغة لبيت شعري للشاعر العراقي أحمد مطر؛ يقول فيه: نموتُ كي يحيا الوطن وفي هذا إعلانٌ صريحٌ عن حسّ الوطنية لدى الشباب، وكشفٌ عن أيديولوجيا قائمة على اقتباس خطابات تنتمي إلى مرجعية "الوطن أو لً وأخيرًا". هناك مَقطعٌ ثانٍ هو "إذا الشعب بغا الحياة" ورد في أغنية "القيلولة في البرلمان" لألتراس عسكري. وهُوَ مَقطعٌ يجد صداه في أبيات الشاعر التونسي أبي القاسم الشابي: إذا الشعبُ يومًا أرادَ الحياة *** فلا بدَّ أن يستجيبَ القدر وُظِّف هذا البيت بكثافة في الثورة التونسية من أجل زرع روح المقاومة والتعبئة بهدف تغيير الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. كما نجد أمثلة أخرى بارزة عن حضور التناص من قبيل كلمة "ارحل" في قولهم: "أوزين ارحل آش هاد المنكر"، فقد استُعيرَت هذه الكلمة من قاموس الثورات العربية خاصّة في تونس ومصر، وهي كلمة لها حمولة سياسية بحكم أنها وردت في سياق مطالبة الشعوب العربية برحيل الأنظمة السُّلطوية والدكتاتورية، وانتصارًا للكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية. وعلى نحو ذلك أيضًا شعارٌ رفعته ألتراس "وينرز": "قم للرگراگي وفه التصفيق والتبجيلا، كادَ وليد أن يكون غوارديولا"؛ بهدف مدح مُدرّب فريق الوداد البيضاوي سابقًا والمنتخب الوطني المغربي حاليًا
وليد الرگراگي بعد حصوله على البطولة الوطنية المغربية وألقاب أخرى، ويذكّرنا هذا الشعار بقصيدة الشاعر المصري الراحل أحمد شوقي الذي يمدح فيها المعلم، ومطلعها: مُ أن يكونَ رسوَلِّهِ التبجيلَ *** كادَ المعلِّوَف للمعلّم قُم
(138) Fairclough, Discourse and Social Change , p. 84.
(13((أحمد مطر، المجموعة الشعرية (بيروت: دار الحرية، 2011)، ص.127 (14((أبو القاسم الشابي، ديوان أغاني الحياة (تونس: الدار التونسية للنشر، 1970)، ص.240 (14((أحمد شوقي، الشوقيات (القاهرة: منشورات مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، 2013)، ص.245
وقد أعاد شباب الألتراس صياغته بإضافة كلمات وتغيير أخرى لتتناسب مع الظرفية الحالية للخطاب، فشبَّهوا المدرب وليد الرگراگي تارة بالمعلم لتبيان مكانته في الفريق، وتارة بالمدرب الإسباني بيب
گوارديولا الذي اشتُهر عالميًا بنجاحه في عالم كرة القدم. كما اقتبست ألتراس في أحد تيفواتها "حلالة بويز" المقولة الماركسية الشهيرة "الدين أفيون الشعوب" People the of Opium the is Religion مع إحداث تغييرٍ في الصياغة وقلبٍ للمضمون؛ إذ أصبحت المقولة التي شكَّلت عنوانًا لأغنية هي People ofF Opium بمنزلة إعلان عن قدرة كرة القدم على توعية الشعوب بدلً من تخديرها، وذلك بزيادة حرف F" " ل of" " لتأكيد التحول الذي لحق كرة القدم من كونها وسيلة تستعملها الأنظمة لإلهاء الشعوب عن القضايا الأساس إلى أداة للتعبئة والمقاومة والتحرُّر، في نظر مجموعات الألتراس. إن آلية التناص في خطاب حركة الألتراس المغربية تخفي وراءها الكثير من المعاني الأيديولوجية، فهي استراتيجية تحافظ على ماء وجه منتجي الخطاب عن طريق إبعاد المسؤولية عنهم وإلصاقها بمنتجي الخطاب الأصلي. كما أنّ هذا الكم الهائل للتناص يبين مدى انفتاح الشباب على الأدب والثقافة والفلسفة والمسرح العالميين؛ ما يؤكد تنوع موارد خطاباتهم والإفصاح عن أيديولوجيتهم بطريقة مُؤثّرة. فالتناص من منظور التحليل النقدي للخطاب، هو أداة قوية لتأويل العلاقة القائمة بين الخطاب والسلطة الموجودة في المجتمع.
خامسًا: التفسير
تفترض هذه المرحلة من التحليل أنَّ أي خطاب يجري تشكيله من خلال علاقات السلطة المؤسساتية والمجتمعية التي تتشكّل من خلال تأثيرات الأيديولوجيا. وإذا كانت عمَليّة تأويل الخطاب بالنسبة إلى
فيركلاف تَعتمد على المعرفة المُسبقة أو الموارد الذاتية، فإنَّ تفسير أي خطاب يُشير إلى التَّشكل والتغيُّر
الاجتماعي للموارد الذَّاتية، بما في ذلك إعادة إنتاجها في الممارسات الخطابية. يعتبر فيركلاف أن للتفسير بُعدَيْن مرتبطين بالزاوية التي نُركز عليها: إما السيرورة وإما البنية؛ أي عمليات الصراع أو علاقات السلطة. تجدر الإشارة إلى أن الخطابات التي نتعامل معها هي أهازيج وشعارات يجري التعبير عنها من خلال اللهجة العامية، تتناول قضايا مجتمعية مختلفة دفعت الناس من مختلف الأطياف إلى إظهار اهتمامهم بها، وهي تعكس الأوضاع المتدهورة للعديد من المغاربة. كما أن وجهات نظر الألتراس تتعارض مع الوضع الحالي المتأزّم (سياسيًا وتعليميًا وصحيًا واقتصاديًا وثقافيًا... إلخ). إنها بمنزلة
نتيجة منطقية للنسق السياسي الذي يشهد اختلالات بنيوية والنظام الإداري الذي يعرف أزمة تدبير هيكلية، فمجموعات الألتراس تُندد بهذا الواقع، وتوجّه رسائل مُظهَرة أو مُضمَرة إلى المسؤولين.
تتضح هذه الحقيقة من خلال اختيار اللغة التي تتناول مواضيع مختلفة باستخدام معجم متنوع، وبنية
(142) Fairclough, Language and Power , p. 136.
نحوية، وخصائص نصّية، واستراتيجيات خطابية متعددة لذوات حاملة قنَاعات أيديولوجية ومُتفَاعلة مع بيئتها الاجتماعية والسياسية. على مستوى التأثيرات، فإنَّ الخِطَاب حسب فيركلاف قد يمثل المحددات الاجتماعية والموارد الذَّاتية دون أن يُحدث فيها تغييرًا كبيرًا. في هذه الحالة، يكونُ مُنتِجُ الخطاب على علاقَةٍ معيارية بالموارد
الذَّاتية؛ لأنَّ هذه العلاقة مرتبطة بالوضعيات. لكن إذا كان الخطاب يجلب درجة أكبر أو أقل من المساهمة، فإن مُنتِج الخطاب في هذه العلاقة يكون في علاقة إبداعية بالموارد الذَّاتية، وهذه سمة أساسية لوضعية ذات صبغة إشكالية. إنَّ الاختيار بين هاتين الوضعيتين (المعيارية والإبداعية) يعتمد على طبيعة كل واحدة منهما. تعرف الأوضاع الرَّاهنة في المغرب نزاعًا بين فئات اجتماعية هي على طرفي نقيض على مستوى الميزان الاجتماعي؛ فهناك المستفيدون من التحوُّل الكبير الذي يعرفه هذا الأخير في مقابل الفئة التي ما زالت ترزح تحت وطأة الفقر والتهميش الاجتماعي والمجالي نتيجة سوء التدبير. وبهذه الطريقة، أنتجت ألتراس كرة القدم المغربية، بوصفها حركة اجتماعية شبابيّة، خِطَابًا خاصًا بها يتَّسِمُ بعلاقَة
إبداعية مع الموارد الذاتية؛ إذ أنتجت شعارات مُمَانِعَة ومُوَاجِهة للأيديولوجيا الرسمية وخلقت نقاشًا مجتمعيًا وردود أفعال من طرف المستهدَف من الخطاب؛ أي النّظام السياسي وأجهزته الأيديولوجية والرأي العام عمومًا. يتَطلَّبُ تفسير العلاقة بين النّظام السياسي والحركات الاجتماعية في السياق المغربي استحضار
الأزمات الهيكلية على المستويين المحلي والعالمي، فالتَّمديد المُتَواصل لِحَالَة الطَّوارئ الصحية خلال جائحة كورونا شرَّع للسُّلطات المغربية محاصرَة المظاهرات والوقفات والاعتصامات وغيرها من أشكال الاحتجاجات الشعبية التي من شأنها أن تُلحق المغرب بما سُمِّيَ ب "موجَة الربيع العربيّ
الثّانية"، والتي انطلقت هذه المرَّة من بلدان جديدة مثل لُبنَان والعِرَاق والجزائر والسُّودان. كما أنّ المسار والمصير اللذين عرفتهما بعض البلدان العربية التي كانت في مُقدّمة الموجة الأولى، قد كانا بمنزلة الفزّاعة التي جرى استعمالها من أجل وأد أي حركة احتجاجية أو انتفاضة شعبية وهي في مهدها. كما هو معروف منذ أطروحة دكتوراه جون واتربوري Waterbury John حول الملَكيّة والنُّخبة السياسية،
فإنَّ النسق السياسي المغربي يتميَّز بقدرته على التعايش مع الأزمات التي تخلقها الحركات الاحتجاجية والاجتماعية الغاضبة التي تُطالب بالتّغيير والحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية والمجاليّة. فالغضب نتيجة "للجمود" وانعدام الحرية وتبنّي المقاربة الأمنية وتفقير الطبقات الوسطى واتساع الهوة بين الذين يملكون والذين لا يملكون، وهو ما شكَّل موضوع أهازيج الألتراس داخل المدرجات وخارجها وعلى هامش المباريات بوصفها فرصة وفضاءً بالنسبة إلى الشباب من أجل التّعبير عن الألم الممزوج بالأمل
الذي يعدُّ الحَافز الوحيد الذي يدفع الفئات "المَحْكُورَة" إلى الاستمرار في الحياة داخل وطنٍ كلُّ شيءٍ يزداد فيه سوءًا عامًا بعد عام.
خاتمة
حاولنا في هذه الدراسة أن نُحلّل بشكلٍ نقدي خطاب مجموعات ألتراس كرة القدم المغربية بوصفها حركة اجتماعية شبابية. وانطلاقًا من متنٍ مكون من عينة من الأهازيج والشعارات التي تتنَاوَل الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في البلدان العَربيّة، عملنا على كشف الأصول الاجتماعية لخطاب
حركة الألتراس المغربيّة من وجهة نظرٍ سوسيولوجية؛ وذلك عبر إبراز التفاعل بين الهتافات التي كررها
الشباب بشكلٍ مُظهَر أو مُضمَر في المدرجات أو خارجها، وبين الانشغالات السوسيو–اقتصادية والحياة السياسية والثقافية في المغرب والبلدان العربيّة. ورغم النقد الذي يوجه أحيانًا إلى نظرية فيركلاف في التحليل النقدي للخطاب، فإن تطبيقنا لها على متنٍ تشكّل من أهازيج وشعارات عيّنة من مجموعات ألتراس كرة القدم المغربية، قد بيَّن أننا أمَامَ
حركة اجتماعية شبابية يعبّر خطابها عن مشاعر الألم الممزوجة بالأمل في التغيير. كما اتضح أنَّ حركة
ألتراس كرة القدم المغربية قد أسهمت في ملء الفراغ الذي يعرفه الفضاء العمومي والشارع السياسي في المغرب نتيجة تراجع منسوب الثّقة في النخب السياسية وعجزها عن تأطير الشباب بوصفه فاعلً أساسيًا في الثورات العربية والحركات الاحتجاجية الاجتماعية المنبثقة منها. وإذا كان احتواء جل
الأحزاب السياسية وتراجع النَّقابات العمالية واختراق الحركات الاحتجاجية التي اتخذت من الشوارع منبرًا للتعبير عن مطالبها قد أسهم كلّه في ظهور الألتراس بوصفها حركة اجتماعية شبابية تطالب بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية والمجاليّة، فقد أدى هذا الأمر إلى تحوُّل الملاعب ومُدرجاتها
إلى مكان تقصده فئة كثيرة من الشّباب من أجل التنفيس عن الضغوط الاجتماعية والنفسية الناتجة من مشكلات الحياة اليومية، بالموازاة مع التّعبير عن مواقفها السياسية وقدرتها على مقاومة الأنظمة السّلطوية.
References
المراجع
العربية
بنيس، سعيد. "تمثلات الخطاب الاحتجاجي للألتراس في المغرب وتأثيراته السياسية". مركز الجزيرة للدراسات. 2019/7/4:. في 8 SqEOS /3 ly. bit:// https جحفة، عبد المجيد. حفريات في اللغة العربية: نماذج من الاتصال الدلالي بين العربية المغربية والعربية المعيار. الدار البيضاء: دار توبقال؛ الرباط: دار الأمان،.2019
(143) Ruth Wodak, "What CDA Is About: A Summary Of Its History, Important Concepts And Its Developments," in: Wodak & Meyer (eds.), pp. 1–13; Michael Meyer, "Between Theory, Method, and Politics: Positioning of the Approaches To CDA," in: Wodak & Meyer (eds.), pp. 14–31; Paul Chilton, "Missing Links in Mainstream CDA: Modules, Blends and the Critical Instinct," in: Ruth Wodak & Paul Chilton (eds.), A New Agenda In (Critical) Discourse Analysis: Theory, Methodology and Interdisciplinarity (New York: Cambridge University Press, 2005), pp. 19–52; Henry G. Widdowson, "The Theory and Practice of Critical Discourse Analysis," Applied Linguistics , vol. 19, no. 1 (1998), pp. 136–151.
خميس، أكرم. ثورة جيل ألتراس. القاهرة: دار الكتب والوثائق القومية ومنشورات المنظمة العربية لحقوق الإنسان،.2012 دايك، توين فان. الخطاب والسلطة. ترجمة غيداء العلي. القاهرة: المركز القومي للترجمة،.2014 زلزلي، يونس. "جمهور كرة القدم اللبنانّية من عيّ الاهتياج الطائفي إلى بلاغة الاحتجاج السّياسي".
العلامة. مج 6، العدد 2.)2021(سراج، نادر. الخطاب الاحتجاجي: دراسة تحليلية في شعارات الخطاب المدني. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017. _________. مصر الثورة وشعارات شبابها: دراسة لسانية في عفوية التعبير. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2014 الشابي، أبو القاسم. ديوان أغاني الحياة. تونس: الدار التونسية للنشر،.1970 شوقي، أحمد. الشوقيات. القاهرة: منشورات مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة،.2013 الطاهري، إبراهيم. "بلاغة الخطاب الرياضي واستراتيجيات التأثير: أناشيد جمهور الرجاء الرياضي المغربي أنموذجًا". العلامة. مج 6، العدد 2.)2021(الطويل، حسن. "الخطاب الاحتجاجي في أغاني (الألتراس): قراءة بلاغية"، ضاد، مج 3، العدد 6
فيركلاف، نورمان. اللّغة والسُّلطة. ترجمة محمد عناني. القاهرة: المركز القومي للترجمة،.2016 فيركلاو، نورمان، وإيزابيلا فيركلاو. تحليل الخطاب السياسي. ترجمة عبد الفتاح عمورة. دمشق: دار الفرقد للطباعة والنشر والتوزيع،.2016 _________. تحليل الخِطَاب: التَّحليل النصي في البحث الاجتماعي. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2009 لايكوف، جورج ومارك جونسون. الاستعارات التي نحيا بها. ترجمة عبد المجيد جحفة، الدار البيضاء: دار توبقال، 2009 1996[]. مطر، أحمد. المجموعة الشعرية. بيروت: دار الحرية،.2011 مناهج التحليل النقدي للخطاب. فوداك، روث، وميشال مايير (محرران). ترجمة حسام أحمد فرج وعزة شبل محمد. القاهرة: المركز القومي للترجمة،.2020 موس، مارسيل. تقنيات الجسد ومقالات إناسيّة أخرى. ترجمة محمد الحاج سالم. بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة،.2019
الأجنبية
Aliguechi, Abdel Moumen & Malika Frimeche, "Football Chants and Youth Political Behavior in Algeria, Case Study: Hirak Protests." Al Miayar Journal. vol. 25, no. 59
Bayat, Asef. Life as Politics: How Ordinary People Change the Middle East. Amsterdam: Amsterdam University Press, 2010. ________. Revolution without Revolutionaries: Making Sense of the Arab Spring. Stanford: Stanford University Press, 2017. ________. Street Politics: Poor People’s Movements in Iran. New York: Columbia University Press, 1997. Bourdieu, Pierre. Questions de sociologie. Paris: Minuit, 2002 [1984]. Bourkia, Abderrahim. "Ultras in the City: A Sociological Inquiry on Urban Violence in Morocco." The Philosophical Journal of Conflict and Violence. vol. 2, no. 2 (2018). Bourkia, Abderrahim. Des ultras dans la ville: Etude sociologique sur un aspect de la violence urbaine. 2 nd ed. Casablanca: La croisee des Chemins, 2022 [2018]. Bouwakioud, Said. "Moroccan Ultras Civic Engagement during the COVID–19 Pandemic: A Case Study of Winners 2005 of Wydad Athletic Club of Casablanca." International Journal of Science and Research. vol. 10, no. 6 (2021). Defrance, Jacques. Sociologie du sport. Paris: La Découverte, 2006. Dijk, Teun A. Van. "Principles of Critical Discourse Analysis." Discourse & Society. vol. 4, no. 2 (1993). Doidge, Mark & Martin Lieser. "The Importance of Research on the Ultras: Introduction." Sport in Society. vol. 21, no. 6 (2018). Doidge, Mark, Radoslaw Kassakowski & Svenja Maria Mintert. Ultras: The Passion and Performance of Contemporary Football Fandom. Manchester: Manchester University Press, 2020. Dyal, Mark. Hated and Proud: Ultras Contra Modernity. New York: Arktos Media Ltd, Elias, Norbert & Eric Dunning. Quest for Excitement: Sport and Leisure in the Civilizing Process. Oxford: Blackwell Publishers, 1986. Fairclough, Norman. Analysing Discourse: Textual Analysis for Social Research. London/ New York: Routledge, 2003. _________. Discourse and Social Change. Cambridge: Polity Press, 1992. _________. Language and Power. 2 nd ed. London/ New York: Routledge, 2001 [1989]. Fowler, Roger et al. Language and Social Control. London/ New York: Routledge, Giulianotti, Richard. Football: A Sociology of the Global Game. Cambridge: Polity Press, 1999. Gońda, Marcin. "Supporters’ Movement 'Against Modern Football' and Sport Mega Events: European and Polish Contexts." Przegl ą d Socjologiczny/ Sociological Review. vol. 62, no. 3 (2013).
Halliday, Michael A.K. An Introduction to Functional Grammar. London: Arnold, 1985. Kleiber, Georges. L’anaphore associative. Paris: PUF, 2001. Le Breton, David. Corps et sociétés: Essai de sociologie et d’antropologie du corps. Paris: librairie des méridiens, 1985. Le Breton, David. Sociologie du Corps. Paris: Presses Universitaires de France, 2016
Mc Arthur, Tom. The Oxford Companion to the English Language. New York: Oxford University Press, 1996. Miller, Ruth & Robert A. Greenberg. Poetry, an Introduction. New York: St. Martin’s Press, 1981. Naboulsi, Ziad Assem. "More Than Just Chanting: The Role of the Egyptian Football Ultras in Authoritarian Regime Breakdown: The Case of Ultras Ahlawy." PhD. Dissertation, Lebanese American University, School of Arts and Sciences, Department of International Affairs, 2014. Ohl, Fabien (Dir.). Sociologie du sport: Perspectives internationeles et mondialisation. Paris: Presses Universitaires de France, 2006. Perasović, Benjamin & Marco Mustapić. "Carnival Supporters, Hooligans, and the 'Against Modern Football' Movement: Life within the Ultras Subculture in the Croatian Context." Sport in Socie ty. vol. 21, no. 6 (2017). Potter, Patrick. Ultras: A Way of Life. The Fight for the Soul of Modern Football. UK: Carpet Bombing Culture, 2019. Richardson, John. Analysing Newspapers: An Approach from Critical Discourse Analysis. New York: Palgrave, 2007. Roger, Rebecca. An Introduction to Critical Discourse Analysis in Education. New York/ London: Routledge, 2004. Widdowson, Henry G. "The Theory and Practice of Critical Discourse Analysis." Applied Linguistics. vol. 19, no. 1 (1998). Wodak, Ruth & Michael Mayer (eds.). Methods of Critical Discourse Analysis. London: Thousand Oaks; New Delhi: Sage Publication, 2001. Wodak, Ruth & Paul Chilton (eds.). A New Agenda in (Critical) Discourse Analysis: Theory, Methodology and Interdisciplinarity. New York: Cambridge University Press,
Woltering, Robert. "Unusual Suspects: 'Ultras' as Political Actors in the Egyptian Revolution." Arab Studies Quarterly. vol. 35, no. 3 (2013).