العودة إلى تفاصيل المؤلَّف في أنثروبولوجيا الاحتباس الحراري: المناخ وحقوق الإنسان والعمران البشري العالمي

في أنثروبولوجيا الاحتباس الحراري: المناخ وحقوق الإنسان والعمران البشري العالمي

The Anthropology of Global Warming: The Climate, Human Rights, and Global Human Coexistence

عمرو عثمان| Amr Osman *

الملخّص

تنطلق هذه الدراسة من طرح قدمته مواطنة كندية تنتمي إلى أحد الشعوب الأصلانية في كندا، مفاده أن الاحتباس الحراري الذي تتسبب فيه النشاطات الاقتصادية الحديثة كان له أثر مدمر على بيئة قومها الطبيعية ومن ثمّ منظومتها الثقافية؛ وهو ما يجعل لشعبها، في رأيها، حقًا في المطالبة بتنظيم كل ما شأنه أن يؤدي إلى مزيد من التغيّر المناخي. يعدّ هذا الربط بين قضية تغيّر المناخ وحقوق الإنسان جديدًا من نوعه، ويثير مجموعة من القضايا التي لا تتعلق بأبعاد سياسية واقتصادية وحتى ثقافية فحسب، بل قضايا أعمّ تتعلق بطبيعة حقوق الإنسان، بل بأسس العمران البشري العالمي نفسه وإمكاناته. تناقش هذه الدراسة بعض تلك القضايا بغية إثراء الكتابات العربية الخاصة بحقوق الإنسان من جهة، واقتراح بعض الأفكار التي قد تساهم في التعامل مع بعض الأبعاد الإشكالية في خطاب حقوق الإنسان المعاصر وتطبيقاته.

Abstract

Abstract: This paper begins from an argument put forward by a Canadian citizen belonging to one of the country’s indigenous peoples. She argues that global warming , caused by modern economic activities , has had a devastating impact on the natural habitat and consequently the cultural heritage of indigenous peoples. In her view , this establishes a right for her people to demand the regulation of all activities that may intensify global warming. This novel connection between climate change and human rights raises a number of issues not only with political , economic , and even cultural dimensions , but also broader questions related to human rights as well as the very foundations and prospects of human coexistence across the world. In addition to discussing some of these issues to enrich the Arabic scholarship on human rights , this paper puts forward ideas that contribute to the discussion of some problematic aspects of contemporary human rights discourse and its applications.

الكلمات المفتاحية:
  • الاحتباس الحراري
  • خطاب حقوق الإنسان
  • العمران البشري العالمي
  • حقوق الإنسان الجماعية
  • الثقافة
Keywords:
  • Global Warming
  • Human Rights Discourse
  • Global Human Coexistence
  • Group Human Rights
  • Culture

ملخص: تنطلق هذه الدراسة من طرح قدمته مواطنة كندية تنتمي إلى أحد الشعوب الأصلانية في كندا، مفاده أن الاحتباس الحراري الذي تتسبب فيه النشاطات الاقتصادية الحديثة كان له أثر

مدمر على بيئة قومها الطبيعية ومن ثمّ منظومتها الثقافية؛ وهو ما يجعل لشعبها، في رأيها، حقًا في

المطالبة بتنظيم كل ما شأنه أن يؤدي إلى مزيد من التغيّر المناخي. يعدّ هذا الربط بين قضية تغيّر

المناخ وحقوق الإنسان جديدًا من نوعه، ويثير مجموعة من القضايا التي لا تتعلق بأبعاد سياسية

واقتصادية وحتى ثقافية فحسب، بل قضايا أعمّ تتعلق بطبيعة حقوق الإنسان، بل بأسس العمران

البشري العالمي نفسه وإمكاناته. تناقش هذه الدراسة بعض تلك القضايا بغية إثراء الكتابات العربية الخاصة بحقوق الإنسان من جهة، واقتراح بعض الأفكار التي قد تساهم في التعامل مع بعض الأبعاد الإشكالية في خطاب حقوق الإنسان المعاصر وتطبيقاته.

حقوق الإنسان الجماعية، الثقافة.

Abstract: This paper begins from an argument put forward by a Canadian citizen

belonging to one of the country’s indigenous peoples. She argues that global

warming , caused by modern economic activities , has had a devastating impact on

the natural habitat and consequently the cultural heritage of indigenous peoples.

In her view , this establishes a right for her people to demand the regulation of all

activities that may intensify global warming. This novel connection between climate

change and human rights raises a number of issues not only with political , economic ,

and even cultural dimensions , but also broader questions related to human rights as

well as the very foundations and prospects of human coexistence across the world.

In addition to discussing some of these issues to enrich the Arabic scholarship on

human rights , this paper puts forward ideas that contribute to the discussion of some

problematic aspects of contemporary human rights discourse and its applications.

Professor of History, Department of Humanities, Qatar University. Email: aosman@qu.edu.qa

مقدمة: سيلا وات-كلوتييه و"الحق في البرد"

في عام 2015، نشرت مواطنة كندية وناشطة بيئية تنتمي إلى المواطنين الأصلانيين في قارة أميركا الشمالية كتابًا عنونته الحق في البرد: قصة امرأة تدافع عن ثقافتها وعن القطب الشمالي وعن الكرة الأرضية بأكملها. يقدم كتاب سيلا وات–كلوتييه الماتع نقدًا مباشرًا وغير مباشر لكثير

من الأفكار والمؤسسات والسياسات المرتبطة بالحداثة بوجه عام، بل والعلاقات الاجتماعية والقيم الثقافية المرتبطة بها، وذلك من خلال استعراض سيرتها الشخصية منذ وُلدت في عام 1953 في شمال مقاطعة كيبيك الكندية إلى وقت صدور الكتاب. بيد أن ما يهمنا هنا هو طرح وات–كلوتييه القائم على فكرة أن ارتفاع درجة حرارة الأرض الناتج من الاحتباس الحراري – الناتج بدوره من نشاطات الإنسان الاقتصادية التي تنتج كميات ضخمة من أول وثاني أكسيد الكربون وغيرها من "غازات الصوبة الخضراء" Gases Greenhouse – تهدد الثقافة التي نشأت هي فيها. فثقافة الإنْويِت Inuit التي تنتمي إليها المؤلِّفة عاشت منذ آلاف السنين على أطراف القطب الشمالي وتأقلمت مع برودة الطقس، بل خلقت ثقافة تستند إلى هذه البرودة. تغيّر كل شيء في حياة المؤلفة والمنتمين إلى حضارتها مع الكولونيالية الغربية؛ إذ

بدأت المؤسسات المرتبطة بالدولة، بما في ذلك المدارس ونظام التعليم الإجباري الحديث، والشركات الحديثة، لا سيما شركات الوقود الأحفوري والتعدين وغيرها، والأفكار الجديدة المرتبطة بالحداثة، في غزو ثقافتها تدريجيًا وقسريًا. فقد قضت المدارس وحدها على قدر كبير من ثقافة شعب الإنويت ولغته

الخاصة، وفقدت أجياله الجديدة الكثير من المهارات التي مكّنت أجدادهم من التمتّع بالعيش في طقس قد يراه الآخرون شديد القسوة، وبأسلوب سمح بالحفاظ على التوازن البيئي الطبيعي. وتذكر وات– كلوتييه بحسرة كيف قتل رجال الشرطة الكنديون السكارى بدم بارد مجموعة من الكلاب التي استخدمها قومها في الانتقال في بيئتهم الجليدية، وهو الأمر الذي زاده سوءًا ضعف طبقة الثلج التي تغطي الأرض،

على نحوٍ لم يعد يسمح بالتنقل الآمن عليها للحصول على الغذاء كما كان الحال في الماضي. وتتحسر المؤلفة أيضًا على تلك الشركات التي ترى في ذوبان الجليد فرصة لاكتشاف الثروات المدفونة تحته، غير مكترثة بحقيقة أن ذوبان جليد القطبَين الشمالي والجنوبي يهدد العمران البشري على كوكب الأرض

بأكمله، لا في القطبَين فحسب. وقد أدت كل هذه الأمور إلى إصابة أفراد قومها وغيرهم من شعوب

القطب الشمالي بأمراض عضوية ونفسية لم تكن معهودة لديهم.

(1) Sheila Watt–Cloutier, The Right to be Cold: One Woman’s Story of Protecting her Culture, the Arctic, and the Whole Planet (Minneapolis, MN: Minnesota University Press, 2015).

(((والاسم ينطق في لغة المؤلفة سيلا، لا شيلا. (((لا يقتصر وجود قبائل شعب الإنويت على كندا، بل يمتد ليشمل ألاسكا (الولايات المتحدة الأميركية) وجرينلاند (جزيرة ذات حكم ذاتي تحت سيادة الدنمارك) وروسيا.

Joanna Harrington, "Climate Change, Human Rights, and the Right to Be Cold," Fordham Environmental Law Review , vol. 18, no. 3 (2007), p. 517.

(((عن الممارسات التي تعرض لها أطفال السكان الأصليين في كندا، والتي ترقى إلى حد الإبادة الثقافية، ينظر اعتذار

بابا الفاتيكان مؤخرًا لهم، في: "بكاء في كندا.. الحقول مملوءة بعظام الأطفال"، الجزيرة نت، 2022/9/5، شوهد في 2023/2/1،

في: https://bit.ly/3Dx1hs9

يرجع ضعف طبقة الجليد المشار إليه إلى ارتفاع درجة حرارة الأرض والتلوث بصفة عامة، وهو الأمر الذي يظهر أثره في القطبَين على نحوٍ يزيد كثيرًا، ولأسباب علمية معينة، عمّا يحدث في بقية

مناطق العالم. وبعد أن عاش شعب الإنويت في بيئة نظيفة إلى درجة كبيرة على مدار آلاف السنين، تحولت بيئتهم فجأة إلى موطن للملوثات العضوية الثابتة Pollutants Organic Permanent التي جعلت ألبان الأمهات المرضعات في بيئتها من بين الأكثر تلوّثًا على كوكب الأرض، وذلك بعد

إصابة الأسماك – الأساسية في نظام التغذية لدى قومها بعدد من تلك الملوثات القاتلة. أما ارتفاع درجات الحرارة – وهي ظاهرة تزيد حدتها وأثرها في المنطقة القطبية الشمالية، تمامًا كما تتراكم

فيها الملوثات أكثر من مناطق العالم الأخرى – فقد أدّى إلى ظواهر طبيعية غير مشهودة في تاريخ الإنويت، كالعواصف والحرائق وانقسام الجبال الثلجية وذوبانها السريع والانهيارات الجليدية. وقد تسبّب ضعف طبقة الجليد في صعوبة بناء البيوت الجليدية التقليدية في المنطقة Igloo، والتي

وفّرت نظامًا فعّلً لعزل الحرارة، فضلً عن الحماية من هجمات الدببة المفترسة. وقد أدّت هذه

الأمور وغيرها إلى خلل واضح في النظام البيئي؛ إذ أصبح العثور على الغذاء المناسب أكثر صعوبة بالنسبة إلى الحيوانات التي تعيش في المنطقة، والتي تغذّى عليها شعب الإنويت وغيره من سكان المنطقة الأصلانيين. تهدّد كل هذه الأمور، كما هو واضح، بقاء ثقافة بعض شعوب العالم التي تفترض وجود الجليد، بل تهدد الحياة على الكرة الأرضية بأكملها، كما  تؤكّد مؤلفة كتاب الحق في البرد. هنا، تحذّر وات– كلوتييه من أن هذه التطوّرات لا تقضي على الشقّ المادي من ثقافة قومها فحسب، بل الشقّ القيمي –

أو "الحكمة" بتعبير المؤلفة – أيضًا المرتبط بالتعايش السلمي بين هذه الشعوب والبيئة الطبيعية التي تعيش فيها. وللدفاع عن فكرتها، توظّف وات–كلوتييه الفكرة القائلة بأن الحفاظ على البيئة يُعدّ أمرًا

ضرورياةًّ للتمتع بحقوق الإنسان التقليدية، أي الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعي، غير أنها

تزيد عليها الحقوق الثقافية أيضًا. تشدّد المؤلفة هنا على أن استدعاء فكرة حقوق الإنسان في مناقشة قضايا المناخ يحوّل القضية، من مجرد قضية اقتصادية أو علمية إلى كونها قضية أخلاقية إنسانية في

المقام الأول. ويظهر هذا البعد الأخلاقي أوضح ما يظهر في العلاقة بين المناخ وثقافات الشعوب،

(((تُكتب هذه الكلمات في وقت (صيف عام 2022) تعاني فيه أوروبا وأجزاء أخرى من العالم موجات من الحرّ الذي تسبب في

جفاف غير مشهود من قبل، كاد أن يؤدي إلى اختفاء أنهار وبحيرات كاملة. (((تستعرض المؤلفة أغلب هذه الأفكار في مقدمة كتابها    الحق في البرد، ص xxvi – xvii. يشرح أحد الباحثين أن شعب الإنويت ينظرون إلى العالم الطبيعي، ببشره وكائناته الأخرى، على أنه مُقدّس. ينظر:

Natalia Loukacheva, "Indigenous Inuit Law, 'Western' Law and Northern Issues," Arctic Review on Law and Politics , vol. 3, no. 2 (2012), pp. 203, 208. (7) Watt–Cloutier, p. xxii. (8) Ibid., pp. xxii, 302, and passim.

يُذكر أن أول من نبّه إلى قضية تغيّر المناخ هم خبراء الأرصاد، وهو ما قصر تناول القضية في بدايات ظهورها على العلوم الطبيعية

في المقام الأول.

Marc Limon, "Human Rights and Climate Change: Constructing a Case for Political Action," Harvard Environmental Law Review , vol. 33, no. 2 (2009), p. 459.

لا سيما حين تكون هذه الشعوب هي الأقل مسؤولية في ما يتعلق بارتفاع درجة حرارة الأرض، والأكثر تأثّرًا في الوقت ذاته بالنتائج المدمرة لذلك التغيّر المناخي. أثار كتاب وات–كلوتييه، فضالً عن نشاطها في مجال الحفاظ على البيئة وعلى حقوق شعوب القطب الشمالي – وهي الأمور التي أهّلتها للترشّح لجائزة نوبل للسلاام في عام 2007 – مناقشات كثيرة تناولت أبعادًا مختلفة من الحق الذي نادت به، إلا أنها اختلفت في تقويمها للفكرة. عمومًا، رحّب كثير من الباحثين المهتمين بالمناخ بفكرة توظيف خطاب حقوق الإنسان في الدفاع عن البيئة، لا سيما من خلاال القنوات القضائية، ذلك أنها تضيف بعدًا آخر للحاجة إلى الحفاظ على البيئة، أي البعد الحقوقي وما يرتبط به من مبادئ المسؤولية والمحاسبية والعدالة. يساهم هذا التوجّه في نظر مؤيديه في توحيد جهود الناشطين في مجال البيئة والحركات الاجتماعية الأخرى والمدافعين عن حقوق الجماعات المهمّشة أو التي تعاني قدرًا من التمييز (ومنها السكان الأصلاانيون في بعض الدول). بيد أن البعض الآخر من المهتمين بقضايا الحقوق حذّروا من فكرة استخدام القانون للدفاع عن تلك الحقوق. أشار البعض في هذا السياق إلى إشكالية العلااقة بين قضية المناخ وحقوق الإنسان بعامة، وحقيقة كون الحق في البرد وما يشبهه حقًا جماعيًا لا فرديًا، فضالً عن كونه حقًا

مرتبطًا بجماعة معينة لا حقًا عالميًا، وحقيقة تعارضه مع حقوق أخرى، علااوة على خطورة تعريضه فكرة حقوق الإنسان لخطر الابتذال. ولا يعكس هذا الأمر، في نظر بعض نقاده، إلا موقفًا نخبويًا لمن يملكون العلم والمال لمقاضاة دول وشركات كبرى، ولا يساهم في دعم المواطنين العاديين. وقد نوّه البعض إلى أن القانون عمومًا يهدف إلى الحفاظ على استقرار الأوضاع الموجودة، لا تغييرها؛ وهو ما يعني أن محاولة توظيف القانون، المحافظ بطبيعته، لتغيير أوضاع معيّنة يُعد في ذاته أمرًا تزيد فيه احتمالات الفشل على فرص النجاح. تتخذ هذا الدراسة حق الإنسان في البرد مدخالً لمناقشة هذه النقاط الإشكالية في خطاب حقوق الإنسان، بوصفها قضية مركزية من قضايا العمران البشري المعاصر.

(((وقد فاز بالجائزة في ذلك العام نائب الرئيس الأميركي ألبرت أرنولد آل غور الابن  Al Gore Jr, Albert Arnold، أيضًا لجهوده

في تعزيز الوعي بخطورة تغيّر المناخ وضرورة اتخاذ إجراءات للحدّ منه ومعالجة آثاره. (1((يوضح أحد أفراد الإنويت، مدافعًا عن فكرة الربط بين حقوق الإنسان وتغيّر المناخ، أن هيمنة فكرة السيادة على الطبيعة

السائدة في الغرب تجعل من السهل على الدول الغربية التملّص من أي مسؤولية عن الدمار البيئي الحالي. وهكذا، يصعّب ربط

قضايا البيئة بفكرة حقوق الإنسان من هذه القدرة على التملّص من المسؤولية.

Sébastien Jodoin, Arielle Corobow & Shannon Snow, "Realizing the Right to Be Cold? Framing Processes and Outcomes Associated with the Inuit Petition on Human Rights and Global Warming," Law & Society Review , vol. 54, no. 1 (2020), p. 187.

عن النظرة الغربية إلى الطبيعة، ينظر على سبيل المثال: وائل حلااق، الدولة المستحيلة: الإسلام والسياسة ومأزق الحداثة الأخلاقي، ترجمة عمرو عثمان (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودارسة السياسات، 2014)، ص 491 وما بعدها.

(((1 ينظر، على سبيل المثال: Jodoin, Corobow & Snow, pp. 169, 185.

نناقش في سياق لاحق أسباب صعوبة نجاح ذلك التوجّه.

(12) Ibid., p. 176.

إذًا، يرتبط "حق الإنسان في البرد" الذي تنادي به وات–كلوتييه بوضوح بقضية أشمل تتصل بالعلاقة بين المناخ وحقوق الإنسان، إلا أنه يركز بصفة خاصة على حق الجماعات المختلفة في المحافظة على إرثها الثقافي في العالم المعاصر؛ وهو ما يؤثر بصفة واضحة في فرص العمران البشري الذي يُفترض أن يقوم على استيعاب كل من يعيشون على الأرض. غير أن الطرح يظل إشكاليًا بدرجة كبيرة، في ضوء

خطاب حقوق الإنسان الحديث، بل في ضوء الأفكار المهيمنة على عالم اليوم، سياسييًّا واقتصادا

وثقافياًّا. نتناول في م يأتي بعض الإشكالات التي يُثيرها طرح وات–كلوتييه في خطاب حقوق الإنسان

المعاصر ومدى قدرته على خدمة ذلك العمران البشري العالمي. نركّز تحديدًا على العلاقة بين قضية المناخ وحقوق الإنسان بصفة عامة؛ ذلك أنها تثير عددًا من الأسئلة، منها: هل نحتاج إلى إعادة النظر في خطاب حقوق الإنسان في شكله الحالي؟ أخطاب الحقوق خطاب أخلاقي في ذاته، أم أن حقيقة أن كل حق يولّد حقًا مقابلً له يخلق دائرة مفرغة من الحقوق التي تتحول تدريجيًا، وحتمًا، إلى أن

تصبح حقوقًا أنانية، فردية كانت أم جماعية؟ وهل للجماعات حقوق؟ وماذا لو تعارضت حقوق أقلية في مجتمع ما مع حقوق الأغلبية، لا داخل دولة بعينها، بل على المستوى العالمي؟ وهل هناك حدود يجب أن يتوقف عندها توظيف فكرة حقوق الإنسان للحفاظ على قيمتيْها الرمزية والعملية؟ تعتمد

الورقة على مجموعة متنوعة من الأدبيات الفلسفية والاجتماعية والقانونية وتشتبك معها، بغية سبر بعض الإشكاليات التي تثيرها قضية العلاقة بين المناخ وحقوق الإنسان، فضلً عن طرح بعض الأفكار التي قد تساعد في حل تلك الإشكاليات من خلال نقد خطاب حقوق الإنسان المعاصر نفسه. نبدأ إذا بالحديث عن العلاقة بين المناخ وحقوق الإنسان بصفة عامة، ثم ننتقل إلى مناقشة مشروعية الحقوق الجماعية في مقابل الحقوق الفردية، ثم أخيرًا قيمة سيادة الدول في مقابل

المجتمع الدولي، والحق في التنمية مقابل الحق في الاستدامة البيئية. وتتناول خاتمة الورقة نقدًا لخطاب حقوق الإنسان المعاصر، فضلً عن تقديم فكرة تسعى للتخفيف من أوجه القصور في هذا الخطاب.

أولا: المناخ وحقوق الإنسان وحقّ تقرير المصير

إن فكرة العلاقة بين المناخ وحقوق الإنسان ليست جديدة في ذاتها، إلا أن طبيعة تلك الحقوق وسبل حمايتها وإزالة الضرر الناتج من انتهاكها وتعويضه تختلف اختلافًا بيّنًا عن الحقوق الأخرى "التقليدية".

تدخل الحقوق المرتبطة بالمناخ ضمن ما يطلق عليه الجيل الثالث من حقوق الإنسان، أي الحقوق المتعلقة أساسًا بالبيئة والتنمية وما يرتبط بهما من استغلال للموارد الطبيعية. ونظرًا إلى طبيعة البيئة

المتجاوزة لحدود الدول السياسية، تحتاج حقوق الجيل الثالث إلى تضامن شعوب العالم ودوله لتحقيقها بصفة أكبر مما تحتاجه حقوق الجيليْن الأول والثاني المرتبطة بالحقوق المدنية والسياسية

(((1 على الرغم من التعارف على هذا التقسيم "ثلاثي الأجيال" لحقوق الإنسان، يتفق المؤلف مع الرأي الناقد له، وذلك استنادًا

إلى أن تداخل حقوق الإنسان يجعل الفصل بينها في تصنيفات متمايزة صعبًا جدةًّا، وهو الأمر الذي نوّه إليه أحد محكّمي هذه الورق

مشكورًا.

والاقتصادية والاجتماعية، والتي تؤدي كل دولة، بسياساتها ومؤسساتها، الدور الأكبر في تحديدها ووضع آليات حمايتها والمعاقبة على انتهاكها، وذلك بوصفها صاحبة السيادة الكاملة على إقليمها. سبق أن طرح وات–كلوتييه أضاف في نظر مؤيديه بعدًا آخر إلى العلاقة بين قضايا المناخ  ذكرنا في ما وحقوق الإنسان. وقد عدَّ البعض هذه الفكرة على قدر كبير من الإبداع؛ ذلك أنها لا تساهم في صوغ مشكلة نُظر إليها دائمًا على أنها مشكلة بيئية من منظار حقوقي فحسب، بل تضيف بعدًا آخر إلى هذا المنظار الحقوقي، أي الحق في الحفاظ على الثقافة. لقد قام الطرح الأساسي الخاص بأهمية الحفاظ على البيئة – وهو الأمر الذي يتطلب السيطرة على التغيّر المناخي، أو بالأحرى إيقافه إن

أمكن – على فكرة أن الإنسان لا يستطيع الاستفادة من حقوقه الأساسية والتمتّع بها، إلا إذا ظل حيًا

متمتعًا بصحة جيّدة. وفق هذا الطرح، لا يستطع الإنسان التمتع بأغلب الحقوق التي نصّت عليها

معاهدات حقوق الإنسان الأساسية – مثل "العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية"

International Covenant on Civil and Political Rights، و"العهد الدولي الخاص بالحقوقInternational Covenant on Economic, Social and الاقتصادية والاجتماعية والثقافية"

Cultural Rights – إذا كان يعاني أمراضًا مزمنة ومهلكة كتلك التي يسببها التلوث البيئي الذي تسببت فيه النشاطات البشرية الحديثة، ولا يمكنه التمتّع بأي منها إذا فقد حياته بسبب ذلك التلوث. ومع اتفاق وات–كلوتييه مع هذه الفكرة، فإنها تضيف بعدًا آخر، ألا وهو أن الإنسان لا يستطيع أن يحافظ على ثقافته الموروثة ونمط حياته المُختار، حين يتغيّر المناخ بالقدر الذي يغيّر من البيئة الطبيعية.

والواقع أن هذا الحق في الحفاظ على الثقافة يتجذّر أيضًا في العهدَين الدوليَين المشار إليهما.

((1(عن "أجيال" حقوق الإنسان الث ثااة، ينظر على سبيل المثال: هشام بشير، "حقوق الإنسان: المفهوم والتطور التاريخي

والفئات"، المجلة المصرية للقانون الدولي، مج  72 (2016)، ص.454–453

(15) Hari M. Osofsky, "The Inuit Petition as a Bridge? Beyond Dialectics of Climate Change and Indigenous Peoples’ Rights," American Indian Law Review , vol. 31, no. 2 (2006/2007), p. 676.

(((1 الأمم المتحدة، "العهد الدولي الخاص  بالحقوق المدنية والسياسية"، صكوك حقوق الإنسان، شوهد في 2023/2/2، في:

https://bit.ly/3jm64FK

(((1 الأمم المتحدة، "العهد الدولي الخاص  بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية"، صكوك حقوق الإنسان، شوهد في

2023/2/2، في: https://bit.ly/3XYv6K4

(((1 ينظر على سبيل المثال: "اتفاقية آروس الخاصة بالوصول إلى المعلومات والمشاركة العامة في صنع القرار وتحقيق العدالة في شؤون البيئة" لعام 1972؛ إذ تنصّ على أن الحفاظ على البيئة أمر أساسي لسلامة الإنسان وقدرته على التمتع بحقوق الإنسان

الأساسية.

Alan Boyle, "Human Rights or Environmental Rights? A Reassessment," Fordham Environmental Law Review , vol. 18, no. 3 (2007), p. 477;

لنصّ الاتفاقية، ينظر:

"Convention on Access to Information, Public Participation in Decision–Making and Access to Justice in Environmental Matters," Aarhus, Denmark, 25/6/1998, accessed on 2/2/2023, at: https://bit.ly/3YpR2hA

وبهذا المنطق، عدّ البعض سلامة البيئة نوعًا من الحقوق الاقتصادية أو الاجتماعية، وهو الأمر الذي يوجب السعي نحو التوفيق بين

سلامة البيئة وغيرها من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، تمامًا كما يحدث مع الأمور الأخرى التي تؤثر في تفعيل حقوق الإنسان.

ينظر على سبيل المثال: 2 Boyle, pp. 471–47.

ينصّ "العهد الدولي الخاص المتعلقين بالحقوق المدنية والسياسية"، على سبيل المثال، في فقرته رقم 27 على حق الأقليات في التمتّع بثقافتها؛ ويتناول "العهد الدولي الخاص بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية الحقوق الثقافية" في فقرته رقم 15، ومع أن الفقرة تركّز تحديدًا على فكرة حق المشاركة الثقافية وتنمية الثقافة، غير أنه يمكن تأويلها بسهولة لدعم الحق في الحفاظ على الثقافة، لا سيّما حين تكون هذه الثقافة خاصة بجماعات ضعيفة أو مهمّشة. ومع ذلك، تقلّ محاولات الربط بين النصوص الخاصة بالحقوق الثقافية وقضية تغير المناخ تحديدًا. فقد عُدّت قضية المناخ عادة قضية علمية، يقوم عليها المختصون في العلوم الطبيعية، لا سيّما علم

الأرصاد والفيزياء. وحين يتعلق الأمر بآثار التغيّر المناخي، اقتصر التركيز دائمًا على تكلفته الاقتصادية

على ميزانيات الدول التي يرهقها صعوبة توفير الموارد المائية والغذاء، فضلً عن توفير إمكانات الحفاظ على صحة السكان. بيد أنه علاوة على ذلك، قد لا يكون من قبيل المبالغة القول إنه في عالم اليوم وما يتسّم به من مادية مفرطة، لا يُعدّ الحفاظ على الحقوق الثقافية الشاغلَ الأول لكثير من

الحكومات وربما الشعوب؛ إذ ينصبّ التركيز إما على الحقوق المدنية والسياسية، أو على الحقوق

الاقتصادية والاجتماعية. ومع أن هذه الحقوق نفسها قد تُؤوَّل تأويلات متعددة ومختلفة، تزيد حدة الاختلاف حين يتعلق الأمر بالثقافة، ذلك أن المنتمين إلى أي ثقافة قد يختلفون فيما بينهم في تحديد أصولها وفروعها، والثابت فيها والمتغيّر، كما هو معروف. ويزيد الأمر إرباكًا أن العهدَين المذكورَين

ينصّان على حق الشعوب في التنمية، هو الحق الذي يتعارض في كثير من الأحيان مع الحق في الحفاظ على الثقافة وما يرتبط بها من ظروف مادية واجتماعية معيّنة. نناقش هذه الإشكالية بأكثر

تفصيلً في سياق لاحق. على أي حال، يتضمّن طرح وات–كلوتييه أن تغيّر المناخ يُجبر بعض البشر على التخلي عن ثقافاتهم

أولً، بل ربما الفشل في التأقلم مع ظروف مادية جديدة لا يستطيعون التعامل معها وفق إرثهم المعرفي، تمامًا كما هو الحال مع شعب الإنويت وغيره من شعوب القطب الشمالي. يؤدي كل هذا إلى نتيجة مفادها أننا إذا أردنا للعمران البشري العالمي ألا يكون إقصائيًا، وجب الحفاظ على المناخ والبيئة

الحيوية للإنسان بما لا يضمن الحفاظ على حياة الإنسان وصحته فحسب، بل الحفاظ أيضًا على ثقافات الجماعات بما يضمن قدرتها على البقاء، فضلً عن حقّها في الحفاظ على ثقافتها الخاصة بما تتضمنه من قيم ومبادئ. وقد ربط البعض بين هذا الأمر ومبدأ "الحق في تقرير المصير"، وهو المبدأ الذي ارتبط تاريخيًا بتقرير المصير السياسي، إلا أنه قد يتّسع ليشمل تقرير المصير الثقافي

أيضًا. وقد يجدر بالذكر هنا أن تهديد تغيّر المناخ لمبدأ حق تقرير المصير لا يقتصر على حرمان

بعض الشعوب من ثقافتها فحسب، بل قد يهدد وجود الشعوب والدول نفسه. ينطبق هذا الأمر على الدول التي تتكون حصريًا من جزر وسط المحيطات، كجزر مارشال Marshall Islands والمالديف the Maldives وتوفالو Tuvalu وفانواتو Vanuatu. فالاحتباس الحراري وارتفاع درجة حرارة الأرض يزيد من ارتفاع مستوى سطح البحر، وذلك من خلال تمدد الماء بسبب ارتفاع درجة حرارته، أو بسبب ذوبان الجليد في القطبَين الشمالي والجنوبي. وقد حذّرت بعض هذه الدول من أن ارتفاع منسوب

الماء في البحار والمحيطات مترًا واحدًا فقط يهدد باختفاء جزر كاملة من تلك الدول، وربما اختفاء

الدول بأكملها بما لها من سيادة، وهو ما عنى أن يتحوّل سكانها إلى لاجئين "بيئيين" لا دولة لهم. وهكذا، تفقد الشعوب بعدًا معيّنًا من حقّ تقرير المصير إذا حُرمت من حقّ تقرير نمط معاشها، وهو

الأمر الذي قد يتسبب فيه تغيّر المناخ، بل قد يصل الأمر إلى أن تفقد تلك الشعوب دولَها تمامًا، بحيث

يضيع حقُّها في تقرير مصيرها بأي معنى كان.

ثانيًا: الحقوق الجماعية في مقابل الحقوق الفردية

يثير طرح وات–كلوتييه بعدًا آخر من أبعاد توظيف خطاب حقوق الإنسان في سياق قضية التغيّر

المناخي. إن فكرة حقوق الإنسان كما تطوّرت في القرن العشرين تنصبّ أساسًا على حقوق الأفراد، حتى وإن كانوا أعضاء في مجموعات معيّنة. أما الحقّ الذي تعبر عنه وات–كلوتييه، فهو حقّ

جماعي، يعبّر عن شخصية اعتبارية – أي شعب الإنويت – لا تتجسّد في أفراد معيّنين. وقد أثارت

قضية حقوق الجماعات قدرًا كبيرًا من الجدل بين المختصّين في حقوق الإنسان؛ إذ عدّ بعضهم

الفكرة مُبرّرة من جهة القواعد التي يقوم عليها خطاب حقوق الإنسان، أو عدّها مُكمّلة للحقوق الفردية

الأكثر تحديدًا والأسهل إثباتًا في حال الانتهاك. غير أن آخرين عدّوها إما غير ضرورية في ضوء فاعلية الحقوق الفردية، أو نوّهوا إلى صعوبة تحقّق جدواها وفاعليتها، وهو الرأي الذي قد تثبته دعوى شعب الإنويت سالفة الذكر والخاصّة بتغيّر المناخ. يذكر أحد المختصّين في حقوق الإنسان، جاك دونللي، سبعة أسئلة يرى أنها تُضعف من فكرة حقوق الإنسان الجماعية. يتعلّق السؤال الأول بقضية تحديد الجماعات التي يمكن الاعتراف بحقوق معيّنة

لها. يصرّ دونللي على أن المدافعين عن حقوق الإنسان سيختلفون على الأغلب في تحديد تلك

الجماعات، بحيث يقرّ بعضهم بحقوق لجماعات معيّنة، وينفيها عن جماعات أخرى. يتعلّق السؤال

الثاني بتحديد الحقوق التي يمكن أن يُعترف بها لجماعة ما بوصفها حقوقًا إنسانية. فالجماعات المختلفة لها مطالب مختلفة، ولو ترك لكلٍّ منها تحويل مطلب ما إلى حق إنساني يجب الدفاع عنه

(19) Limon, pp. 455–456.

عن "اللجوء البيئي" والجدل المثال حوله، ينظر على سبيل المثال: زكية بلهول، "لاجئ المناخ: نحو تعريف موحد له"، دراسات

وأبحاث، مج  12، العدد 3 (2020)، ص 170–161؛ سوزي محمد رشاد عبد العزيز، "لاجئو المناخ في إفريقيا: عدم العدالة البيئية

وتعقيدات الاعتراف الدولي"، المجلة العلمية للدراسات التجارية والبيئية، مج  13، العدد 1 (2022)، ص.34–1 (((2 صحيح أن بعض العهود الدولية الخاصة بحقوق الإنسان تناولت حقوقًا جماعية، غير أن التفعيل القانوني لها يتطلب عادة قيام أفراد محددين بالبدء في الإجراءات القانونية المتاحة، وإثبات تضررهم فرديًا من ممارسات معيّنة. يعني هذا أنه حتى الحقوق

الجماعية لا تتفعّل من جهة القانون غالبًا، إلا إذا تحولت إلى حقوق فردية؛ وهو الأمر الذي يمثل إشكالية واضحة في حماية كثير

من حقوق الإنسان والدفاع عنها. (((2 ينظر على سبيل المثال:

Jack Donnelly, Universal Human Rights in Theory and Practice (Ithaca: Cornel University Press, 2014), pp. 45–49.

يوضّح دونللي أن الحقّ الجماعي الوحيد المعترف به في قانون حقوق الإنسان الدولي هو حقّ تقرير المصير، وقد سبق الحديث

عنه.

وفرضه ومعاقبة من ينتهكه (كما يحدث مع حقوق الإنسان الفردية)، يصعب تصوّر استمرار العمران

البشري على أي نحوٍ معقول. ويتعلّق السؤال الثالث بهوية من يمارس الحقوق الجماعية. فمن، تحديدًا، سيتحدث باسم جماعة معيّنة، لا سيّما حين تكون تلك الجماعة كبيرة الحجم وغير متجانسة

أو مشتتة؟ يتعلّق السؤال الرابع بكيفية التعامل مع تعارض الحقوق، وهو أمر معتاد في قضايا حقوق الإنسان. ويتعلّق السؤال الخامس بالحاجة إلى حقوق إنسان جماعية في وجود الحقوق الفردية. أما السؤال السادس، فعن مبرر الاعتقاد في زيادة فرص نجاح حقوق الإنسان الجماعية في الوقت الذي تعاني فيه الحقوق الفردية انتكاسات يومية. وأخيرًا، يتعلّق السؤال السابع بإذا ما كان الدفاع عن

حقوق الجماعات من منظور حقوقي هو الأفضل لها، أم أن الدفاع عنها من منطلق مختلف قد يكون أكبر جدوى وفاعلية. في حالة الإنويت، تعدّ وات–كلوتييه شعبها جماعة محددة لها أصل واحد وتراث مشترك ولغة مشتركة وثقافة مشتركة، وهو الأمر الذي يجعل من البديهي – في نظرها – الاعتداد به جماعة متميّزة يجوز أن

تكون لها حقوق خاصة. والواقع أن حقوق الشعوب الأصلانية تَكتَسب بالفعل، وعلى نحوٍ متزايد، مكانة خاصة في خطاب حقوق الإنسان المعاصر، غير أن الإشكالية الواضحة في حالة الحق منطلق هذه الدراسة هو أن ممارسته تقتضي تقييد ما يعدّه الآخرون حقًا لهم أيضًا، كما سنفصّل لاحقًا في معرض الحديث عن الحق في التنمية. أما في ما يخص هوية ممثلي حقوق الجماعات، فيثير طرح وات–كلوتييه إشكالية كبيرة. من المعروف أن فكرة كون حقوق الإنسان تعبّر عن إرادة القوي وتسعى

لتمكينه من الإبقاء على الوضع القائم تعدّ أحد أوجه النقد المعروفة لخطاب حقوق الإنسان. قد يدفع هذا الأمر بعض المتشككين إلى هذا التساؤل: هل تنتمي مؤلفة الكتاب والمدافعة عن الحق في البرد وما يرتبط به من نظام ثقافي اجتماعي، بل حتى نظام اقتصادي، إلى الطبقة المهيمنة داخل وات–كلوتييه على الإبقاء على تلك المنظومة الثقافية  جماعتها هي؟ المقصود هنا هو أن حرص والاجتماعية والاقتصادية الموروثة ورفضها للتغيير قد لا يعبّران إلا عن محاولة للحفاظ على وضع

متميّز لها داخل تلك المنظومة، وضع يقوم كغيره على نوع من الاستغلال، بحيث تفقد المؤلفة ومن

معها هذا الوضع إذا ما تغيّرت ظروف تلك الثقافة المادية، بل ربما تكون هي نفسها ضحية الاستغلال

في النظام الجديد. يتطلب التحقّق من هذا الأمر بطبيعة الحال دراسة تلك المنظومة بجوانبها الثقافية والمادية؛ وهو أمر يتجاوز إطار هذه الدراسة، إلا أنه طرح يُتصور وقوعه، إن لم يكن في حالة الإنويت تحديدًا، ففي حالات أخرى كثيرة ترتبط بحقوق الجماعات. وبكل تأكيد، يتناقض الحق الذي تنادي به المؤلفة مع حقوق الشعوب الأخرى التي قد تقرّ التنمية

في شكلها الحديث طريقًا لها. بل ربما تعارض هذا الحق بما يتضمنه، مع استمرار قيم وعلاقات اجتماعية معيّنة، مع حقوق قد ينادي بها أفراد داخل الجماعة نفسها. فماذا لو وُجدت شريحة اجتماعية

(22) Ibid., pp 49–51.

((2(لمناقشة لهذا الأمر، ينظر على سبيل المثال: برهان غليون، "السياسة وحقوق الإنسان"، عيون المقالات، العددان 15–14 (1990)، ص.69–68

داخل الجماعة، كالنساء مثلً، ترفض أوضاعًا معيّنة وتطلب تغييرها بما قد يتضمنه ذلك من تغيير

لبعض ثوابت المنظومة القيمية والثقافية؟ ألا يمكن مبدأ الحقوق الفردية أن يكون أكثر فاعلية هنا؛ بمعنى أن الأشخاص الطبيعيين، لا الاعتباريين، هم الذين يتقدمون بدعاوى تستند إلى حقوق معيّنة

أدى انتهاكها إلى ضرر قابل للتقدير والتعويض؟ وربما زدنا الأمر إشكالية إذا طرحنا هذا السؤال: ماذا يتضمّنه  لو اختلف أفراد جماعة – ولتكن أقلية كشعب الإنويت – إن كانوا يفضلون الحياة الحديثة بما

ذلك من طمس لهويتهم الثقافية التاريخية، أم الاستمرار وفق تقاليد معاشهم الموروثة؟ فالأقلية نفسها قد يكون بها أقلية وأغلبية، أو أنها قد تنقسم على نفسها انقسامًا يقترب فيه طرفا الخلاف من التساوي عدديالاًّ. ومع وجاهة هذه الأفكار، إ أنه قد يردّ عليها بأنها لا تمنع بالضرورة شرعية النظر إلى أفراد جماعة ما بوصفهم أفرادًا مستقلين، وهو وضعهم القانوني الفعلي، حتى حين يكونون جزءًا من دعوى

جماعية. فحتى إذا لم يتفق أفراد جماعة ما على أمر معيّن، فلا يجب أن يمنع هذا الأمر بعض أعضاء

الجماعة من المطالبة بأمور معيّنة أو احتجاج على غيرها بوصفهم أفرادًا داخل تلك الجماعة بعينها.

ثالثًا: سيادة الدولة في مقابل المجتمع الدولي والحقّ في التنمية في مقابل الحقّ في الاستدامة البيئية

يعدّ تناقض طرح وات–كلوتييه مع مبدأ سيادة الدول أحد أهم الإشكالات التي أثارها هذا الطرح. فثمّة شقّين لقضية ارتباط قضايا البيئة بمبدأ سيادة الدول. الشقّ الأول داخلي، ويخصّ علاقة الدول

بالجماعات التي تعيش فيها. أما الشقّ الثاني فخارجي، ويخصّ علاقة كل دولة بالدول الأخرى في النظام الدولي. ويثير كلا الشقّين إشكالات خاصة به، وإن كان الرباط بينهما هو السؤال: ماذا لو تعارض الحقّ في التنمية الذي قد تتبنّاه دولة ما مع الحقّ في الحفاظ على البيئة التقليدية الذي قد تتبناه جماعة معيّنة داخل الدولة أو تتبنّاه دول أخرى؟ نركّز على الحق في التنمية هنا؛ لأنه الحقّ الأبرز

الذي استخدم في الردّ على من يرفضون التنمية في شكلها الحديث، إما لأنها تهدد المنظومة الثقافية والمادية لجماعة ما كما في حالة الإنويت، أو اعتقادًا أن الحقّ في التنمية يجب أن يأتي ثانيًا بعد

الحقّ في الحفاظ على البيئة، وهو الحق الذي ما برحت التنمية تنتهكه على مدار القرنَين الماضيَين

خاصّةً. وقد عُدّ الحق في بيئة نظيفة – وهي ربما مرادفة للبيئة الطبيعية التي لم تتأثر بالنشاطات البشرية "التنموية" تأثرًا مباشرًا أو غير مباشر من خلال تغيّر المناخ – بالفعل حقًّا من الحقوق الجماعية يسمح

للجماعات، لا الأفراد، بتحديد أسلوب الحفاظ على مواردها الطبيعية واستغلالها. بيد أن تفعيل هذا الحق بوصفه حقًا قانونيًا يصلح لأن يكون موضوعًا لدعاوى قضائية يظل أمرًا معقّدًا على أقل تقدير. تتمثّل الإشكالية الخاصة بعلاقة الدولة بالجماعات التي تعيش فيها في هذا السؤال: هل يجوز لجماعات عاشت في إقليم معيّن لآلاف السنين، بحيث أصبح موطنها الطبيعي، أن تدّعى، في مقابل الدولة التي

تسيطر على الإقليم والتي يُعد سكانه ضمن مواطنيها، حقًّا في تقرير أسلوب استخدام الموارد الطبيعية في

(24) Limon, p. 473. (25) Boyle, p. 472.

إقليمها بما لا يهدد سلامة الإقليم أو نمط العيش فيه؟ ثمّة قضية مشهورة في نيجيريا تخصّ هذا السؤال. انتفض بعض سكان إقليم نيجيري أوغونيلاند Ogoniland في بداية تسعينيات القرن العشرين ضد خطط شركة محلية مرتبطة بشركة "شِل" Shell للبترول لاستخراج النفط من الإقليم. اشتكى سكان الإقليم من تسريب النفط في دلتا نهر النيجر، وهو الأمر الذي كانت له آثار مدمرة في حياة السكان وممتلكاتهم ونمط عيشهم. وعلى إثر ذلك، نظّم قادة السكان مظاهرات سلمية ضد نشاط الشركة ونظام الحكم العسكري الحاكم في نيجيريا وقتها، والذي أعطى تصريحًا للشركة بالبدء في التنقيب. فما كان من النظام العسكري الغاشم إلا أن اعتقل بعض هؤلاء الرجال وحكم عليهم بالإعدام في محاكم عسكرية وُصفت بالهزلية. وعلى الرغم من الإدانات الدولية الشديدة للحكم والدعوة إلى إعادة المحاكمات والامتناع عن تنفيذ الأحكام الجائرة، قام النظام العسكري، كما هو متوقع، بتنفيذ الحكم بإعدام الرجال شنقًا. تعبر قضية شعب أوغوني تعبيرًا ممتازًا عن الإشكالية سالفة الذكر. فالتنقيب عن البترول يهدف إلى توفير

الموارد المالية المطلوبة لتنمية الدولة بصفة عامة، إلا أنها جاءت على حساب جماعة معيّنة في تلك

الدولة. فهل كان لسكان إقليم أوغوني حق في طلب وقف التنقيب في موطنهم التاريخي، سواء كان الدافع هو الحفاظ على مصالحهم المادية أو الحفاظ على بيئتهم نظيفة (أي في صورتها الطبيعية)؟ وقد نزيد هذا السؤال لجعل القضية أكثر إشكالية، بل أقرب إلى حالة الإنويت: ماذا لو كانت الدولة التي تسببت في دمار الموطن الأصلاني لشعب أوغوني ليست نيجيريا التي ينتمي إليها ذلك الشعب، بل دولة أخرى مجاورة؟ هل كان لشعب أوغوني المناداة بحق لهم يحدّ من تصرفات دولة غير دولتهم، كما حاول شعب الإنويت أن يفعل مع الولايات المتحدة الأميركية كما سنرى؟ تعددت الإجابات عن هذا السؤال السابق بطبيعة الحال. على سبيل المثال، يدافع كثير من دعاة حقوق الإنسان عن حقّ الجماعات والشعوب في الحفاظ على بيئتهم الطبيعية خالية من التلوث الناتج من أي نشاط اقتصادي، بما في ذلك التنقيب عن النفط وغيره من ثروات طبيعية. علاوة على ذلك، تنصّ بعض مواثيق حقوق الإنسان الإقليمية على حق الشعوب في بيئة نظيفة، وعلى ضرورة أخذ الأضرار التي تصيب جماعات معيّنة من السكان في الاعتبار

في خطط التطوير. بيد أن هذا الرأي يظل في المجمل أمرًا نظريايًّ يصعب تفعيله قانونالاًّ،  لأمور قانونية

معيّنة نذكرها في ما يأتي فحسب، بل أساسًا بسبب تعارضه الظاهر مع المبدأ الأهم الذي يقوم عليه نظام

الدول الحديثة، أي مبدأ سيادة الدول داخل إقليمها، وهو ما نتناوله في ما يأتي. يقوم طرح وات–كلوتييه على فكرة مفادها أن النشاط الاقتصادي في الولايات المتحدة أو أوروبا أو الصين أو اليابان – أو كندا التي تنتمي إليها جماعتها الآن سياسيًا – يخالف حقًا إنسانيا من حقوق شعبها، أي الحق

(((2 للمزيد عن القضية، ينظر:

"155/96: Social and Economic Rights Action Center (SERAC) and Center for Economic and Social Rights (CESR)/ Nigeria," accessed on 1/2/2023, at: https://bit.ly/3XSJG64; "Factsheet: The Case Against Shell," Center for Constitutional Rights, 24/3/2009, accessed on 1/2/2023, at: https://bit.ly/3Hnwu24

(((2 عن بعض تلك المواثيق، ينظر:

Dayo Adeniyi Ogunyemi, "The Right to be Cold: Examining the Indigenous Peoples’ Rights and Climate Change," ML Thesis, University of Calgary, Calgary, 2019, pp. 16–18.

في الحفاظ على بيئته المادية كما هي بما يرتبط بها من منظومة ثقافية متكاملة. يعني هذا الأمر أن لشعبها حقيًّا قانونا، فضلً عن حق أخلاقي، في منع تلك الدول من الاستمرار في نشاطاتها الاقتصادية التي تزيد

من الاحتباس الحراري وتدمّر البيئة الحيوية، ومن ثمّ الثقافية، للإنسان. وانسجامًا مع هذا الموقف، قام

ممثلو شعب الإنويت بالفعل، في عام 2005، بمقاضاة الولايات المتحدة بوصفها أكبر مصدر ل "غازات الصوبة الخضراء" المتسببة الرئيسة في الاحتباس الحراري، ومن ثمّ دمار بيئة الإنويت الطبيعية والثقافية، وذلك أمام لجنة الدول الأميركية لحقوق الإنسان Inter–American Commission on Human Rights التابعة لمنظمة الدول الأميركية States Organization of American، واستنادًا إلى الإعلان الأميركي

. عُدّتAmerican Declaration of the Rights and Duties of Man لحقوق الإنسان وواجباته

هذه الدعوى القضائية – والتي أدت فيها وات–كلوتييه دورًا محوريًا – الأولى من نوعها التي يُوظّف فيها

القانون للدفاع عن حقوق مرتبطة بتغيّر المناخ. ومع رفض اللجنة المذكورة للدعوى، اكتسب الدعوى قيمة

رمزية كبيرة بوصفها بداية توجّه جديد في التعامل المبدع مع قضايا المناخ من زاوية حقوق الإنسان،

فضلً عن ترسيخها للعلاقة بين قضية تغيّر المناخ وحقوق الإنسان، على نحوٍ نجح في جعلها من الأفكار

المستقرة في كثير من الإعلانات الدولية ذات الصلة التي صدرت في السنوات الأخيرة. بيد أن هذا الأمر، كما هو ظاهر، ينتقص بصفة واضحة من مبدأ سيادة الدولة Sovereignty كما  هو مفهوم الآن. إن القانون الدولي في شكله الحالي لا يستطيع إجبار الدول على الالتزام بسياسات معيّنة

في ما يخص قضايا المناخ والبيئة والتنمية، ولا يفرض على الدول أي عقوبات إلا في حالات محدودة جداًّا وتحت شروط قد يصعب تحقّقها، وذلك في حالة حدوث ضرر مباشر على دولة م بسبب نشاط اقتصادي قامت به دولة أخرى مجاورة غالبًا. بيد أن الضرر الناتج، بصفة غير مباشرة من نشاطات

اقتصادية أو حتى عسكرية تقوم بها دولة ما، لا يعترف به القانون الدولي الحالي ضررًا يدخل في نطاق عمله وسلطته. يرجع ذلك إلى عدة أسباب، منها صعوبة إثبات العلاقة السببية المباشرة بين الضرر الواقع والأسباب المُدّعاة من جهة، علاوة على صعوبة إرغام الدول على دفع تعويضات ترتبط

بنشاطات اقتصادية خاصة بها لدولة أخرى، فضلً عن جماعة معيّنة في دولة أخرى. وقد نزيد على

(((2 ادّعى ممثلو الإنويت في دعواهم أمام اللجنة الأميركية بشأن حقوق الإنسان أن سياسات الولايات المتحدة – لا سيما مع

رفضها التصديق على "بروتوكول كيوتو للمناخ لسنة 1997" ورفضها الالتزام بخفض انبعاث غازات الصوبة الخضراء لديها، بل وتضليلها الرأي العام العالمي من خلال التقليل من خطر الاحتباس الحراري – كانت لها آثار مدمّرة على حقوق شعب الإنويت في

الحياة والمِلكية (أو الثروة) والصحّة والأمان ومصدر الرزق وقدسية المنزل والمنافع الثقافية والتنمية والتنقّل. ينظر:

Harrington, p. 517.

عن لائحة اللجنة الأميركية، التابعة لمنظمة الدول الأميركية States American of Organization، ينظر: "لائحة اللجنة الأمريكية

لحقوق الإنسان 1992 "، مكتبة حقوق الإنسان، جامعة منيسوتا، شوهد في 2023/2/1، في: https://bit.ly/40hPSGi؛ ولنصّ

"بروتوكول كيوتو الملحق باتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيّر المناخ"، ينظر: الأمم المتحدة، "بروتوكول كيوتو الملحق باتفاقية

الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ"، 2005، شوهد في 2023/2/1، في: https://bit.ly/3JOAsUj (((2 لمناقشة شاملة للدعوى والإشكاليات التي أثارتها في ما يخص العلاقة بين القانون وقضايا المناخ، ينظر على سبيل المثال:

Jodoin, Corobow & Snow.

(((3 لنماذج من هذه الإعلانات والبيانات، ينظر: 6 Ibid., p. 18.

(31) Limon, p. 457;

ذلك أن "الحقّ في التنمية" – والذي يقوم على الحق في استغلال الموارد الطبيعية المتاحة للدول – يعد أيضًا من حقوق الدول والشعوب المعترف بها، ويرتبط بسيادة الدول وحق الشعوب في تقرير المصير، وذلك وفق "إعلان الحقّ في التنمية" الصادر عن الأمم المتحدة في عام 1986. ويصعب، بطبيعة الحال، تصوّر اعتراف الدول – وهي التي تشرّع القانون الدولي بمعاهداتها

وممارساتها – بحقّ جماعات تسكن خارج أراضيها في توجيه سياستها التنموية تحت دعوى تأثيرها في بيئتها الطبيعية، فضلً عن ثقافتها. فالواقع هو أن أغلب دول العالم – لا سيّما الرائدة منها والأكثر

مسؤولية عن التغيّر المناخي والبيئي – رفضت حتى الطرح القائل بوجوب تقيّدها بأمور معيّنة حفاظًا

على حق الإنسان في الحياة نفسها. وقد يكون انسحاب الولايات المتحدة من اتفاقية باريس للمناخ في عهد الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب – رجل الأعمال المُنْكر للتغيّر المناخي والمتنكّر لكثير

من تصوّرات حقوق الإنسان الحديثةخيرَ مثال على قدرة الدول على التملّص  – من أي التزام تجاه

قضايا المناخ والبيئة تحت دعوى سيادة الدولة، فضلً عن الحقّ في التنمية المُعترف به عالميا. وقد

رفض مكتب المفوّض السامي لحقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في عام 2009 اعتبار تغيّر المناخ

انتهاكًا لحقوق الإنسان، وإن أقرّ بالعلاقة بين تغيّر المناخ وحقوق الإنسان، فضلً عن مسؤولية الدول

تجاه من يتأثرون بصفة خاصة بتغيّر المناخ، حتى لو كانوا يعيشون خارج أراضيها. يثير هذا الأمر أيضًا إشكاليتَين، الأولى سبق الإشارة إليها وتتعلق بطبيعة حقوق الإنسان: أهي فردية حصرًا

أم يجوز أن تكون جماعية؟ في العقود القليلة الماضية، أيّدت بعض المحاكم الغربية أحيانًا حق الفرد في

((3(يتحدث الإع ناا عن حق الشعوب في التنمية، ويربط هذا الأمر في ديباجته بسيادة الشعوب وحقّها في تقرير مصيرها. بيد أن

الشعوب في العالم المعاصر لا تمارس هذه الحقوق إلا من خلال الدولة. لم يتسبّب هذا النصّ بكل تأكيد في الإشكالية التي نطرحها

هنا والخاصة باختلاف جماعات داخل دولة ما مع نموذج التنمية الذي تتبانه الدولة أو الدول الأخرى، إلا أن النصّ في صورته الحالية

لا  يساهم في حل الإشكال. فالنصّ في شكله الحالي قد تستخدمه حكومة الولايات المتحدة (وهو الأمر الذي تمارسه فعً)، وقد

تستخدمه جماعات معنية، كشعب أوغوني، لمحاولة منع نشاطات تنموية معينة. عن "إعلان الحق في التنمية"، ينظر:

United Nations, General Assembly Resolution 41/128, "Declaration on the Right to Development," Human Rights Instruments , 4/12/1986, accessed on 1/2/2023, at: https://bit.ly/3JwnwSA

(((3 لاستعراض لأهم بنود الاتفاقية وما سبقها من اتفاقات وبروتوكولات دولية تخصّ المناخ، ينظر على سبيل المثال: إسماعيل

بن  حفاف، "دور القانون الدولي في حماية المناخ"، دراسات وأبحاث، مج  12، العدد 3 (تموز/ يوليو 2020)، ص.293–280 (((3 ولطرح قوي – وإن لم يكن موثّقا بالقدر المطلوب – يدعم موقف ترامب الرافض للربط بين تغيّر المناخ والنشطات البشرية،

ينظر: معين حدّاد، "التغير المناخي والنزاعات الجيوبولوتيكية"، شؤون الأوسط، العدد  161 (2019)، ص 134–125؛ يذكر حدّاد –

والذي يصف ترامب بأنه "أشهر المشككين المناخيين في العالم" – رفض آلاف من العلماء والمتخصصين لزعم أن التغيّر المناخي

الحالي ناتج أساسًا من النشطات البشرية. يدعم حدّاد هذا الرأي، زاعمًا أن الأمر كله لا يتعدّى كونه محاولة من دول الشمال

الصناعية الغنية لوقف نمو دول الجنوب الصاعدة، والتي بدأت في غزو أسواق دول الشمال بسلعها الرخيصة، وذلك بهدف "إبقاء الأمور على ما هي عليه من موازين للقوى". ينظر: المرجع نفسه ص 132–130؛ وللرأي الآخر والسائد في عالم اليوم عن تسبب النشاطات البشرية في التغيّر المناخي، ينظر على سبيل المثال: محمد صديق محمد حسن، "تغيّر المناخ والاحتباس الحراري:

الأسباب، الآثار، الحلول"، مجلة التربية، العدد  172 (2010)، ص.47–36

(35) John H. Knox, "Linking Human Rights and Climate Change at the United Nations," Harvard Environmental Law Review , vol. 33, no. 2 (1999), p. 484.

وسطًا يسعى لتجنّب تحميل الدول الكبرى مسؤولية قانونية قد تجعلها عرضة لإجراءات قضائيةًّوقد عدّت هذه الصيغة ح

وتعويضات، أملً في كسب دعم تلك الدول لملف تغيّر المناخ وما يحتاج إليه من إجراءات.

مقابل حق المجتمع في التقدم الاقتصادي، غير أنها غلّبت في أحيان أخرى حق المجتمع على حق الفرد. فعلى سبيل المثال، قضت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان European Court of Human Rights في قضية شهيرة لصالح مواطنة إسبانية اشتكت من أن أحد المشروعات الخاصة بمعالجة الفضلات سبّب

قدرًا من التلوث الذي اقتنعت المحكمة بأنه يهدد صحة المشتكية ويمنعها من التمتّع ببيئتها وبالحفاظ

على حياتها الشخصية والأسرية. في المقابل، قضت المحكمة نفسها لصالح الحكومة البريطانية في قضية أخرى أقامها أحد المواطنين البريطانيين القاطنين بالقرب من مطار هيثرو البريطاني، والذي اشتكى من الضوضاء التي تُحدثها الطائرات. هنا، قررت المحكمة أن الحقّ في التنمية يغلب على حق الفرد في حمايته من الضوضاء. بيد أنه كما يتضّح هنا، أيّدت المحاكم حقوقًا فردية، لا حقوقًا جماعية، وذلك

انسجامًا مع ما ذُكر سابقًا عن تعلق حقوق الإنسان الحالية بالأفراد، لا الجماعات. أما الإشكالية الأخرى فتتمثل في: هل يجوز لأي جماعة الدفاع عمّا تعده حقًّا لها بعيدًا عن الدولة التي

تنتمي إليها؟ اعتقدت وات–كلوتييه ورفاقها اعتقادًا واضحًا أن لهم حقًا قانونيًا في مقاضاة الولايات

المتحدة على الرغم من أن أكثرهم مواطنون كنديون. بيد أن نظام الدول الحالي لا يسمح، مرة أخرى، إلا للدول برفع دعاوى على دول أخرى، بحيث لا يمكن الأقليات الدفاع عن حقوق معيّنة أو رفع دعاوى

في بعض المنظمات الإقليمية أو الدولية إلا من خلال الدولة التي ينتمون إليها. وكما هو واضح، يضع هذا الأمر تلك الجماعات في مأزق كبير؛ ذلك أن ما تعدّه حق ا طبيعيًّا لها، في الحفاظ على بيئتها

المادية ومنظومتها الثقافية، يصطدم بحسابات السياسة التي قد تمنع دول من تبنّي الدفاع عن حقوق بعض جماعاتها في مقابل دول أخرى ترتبط معها بمصالح وثيقة، تمامًا كما هو الحال بين كندا والولايات

المتحدة. ويصطدم ذلك الأمر أيضًا بهيمنة نموذج معيّن من التنمية يقوم على تصوّر مختلف للطبيعة

و"التقدّم"، وهو تصوّر تتفق عليه كندا والولايات المتحدة بعامة، وإن اختلفتا في التفاصيل. وتختلف هنا

أيضًا أوليات الحكومات، بل ربما الشعوب، عن أوليات الجماعات المختلفة التي قد تكون أقلية عرقية أو لغوية أو ثقافية، وهو الأمر الذي قد يعزّز تهميش هذه الجماعات بالقدر الذي لا يفقدها الشعور بالانتماء السياسي والوطني فحسب، بل أيضًا بالانتماء إلى العمران البشري العالمي عمومًا.

رابعًا: الخصوصيات الثقافية وشرعية خطاب حقوق الإنسان المعاصر

يعبّر طرح وات–كلوتييه عن مجموعة من الإشكالات المرتبطة بخطاب حقوق الإنسان. أولً، مع أن

المؤلفة اتخذت من قضية ثقافتها منطلقًا لنقد النشاطات التي تساهم في رفع درجة حرارة الأرض، فإن اهتمامها الأول يظل ثقافة قومها، وهو الأمر الذي ينعكس بوضوح في عنوان الكتاب نفسه، ولا تخفيه

(((3 عن القضيْتين، ينظر: 29 Harrington, p. 528–5. (((3 انضمّ بعض الإنويت في ألاسكا في الولايات المتحدة إلى الدعوى، غير أن إنويت كندا ظلّوا محركها الأساسي. (((3 ينطبق هذا الأمر، على سبيل المثال: اتفاقية الإطار الخاصة بالتغيّر المناخي Change Climate on Convention Framework،

والتي يعقد في إطارها مؤتمر سنوي عن المناخ يطلق عليه "مؤتمر الأعضاء" COP , Parties the of Conference لمتابعة التقدم الذي أحرزته الدول فيما يخص التزاماتها وفق الاتفاقية. عن الاتفاقية، ينظر على سبيل المثال: Ogunyemi, p. 48.

المؤلفة. بعبارة أخرى، ما زال الحقّ الذي تدافع عنه المؤلفة محدودًا مكانيًّا وثقافيًّا ولا يمكن وصفه

بالعالمية أو العمومية Universality، وهو بعد مهم من أبعاد خطاب حقوق الإنسان المعاصر كما هو معروف. إن الإشكالية التي يواجها خطاب حقوق الإنسان هنا هي كيفية التعامل مع الخصوصيات الثقافية، في الوقت الذي يسعى فيه لصوغ حقوق إنسان تنطبق على الجميع ويتفق عليها الجميع. وهنا، يجوز أن نطرح هذا السؤال: أخطاب حقوق الإنسان عمومي Universal حقّا كما يروج له، أم أنه خطاب مرتبط بتطورات تاريخية معيّنة ويقوم على منطلقات قيمية محددة، وتتّسم من ثمّ بالإقصاء

حتمًا؟ إن فكرة أن خطاب حقوق الإنسان الحديث يرتبط بثقافة معيّنة "حديثة" ذات تحيّزات معرفية وقيمية

أمرٌ معروف، وهو يتعلّق بكل تأكيد بشرعية هذا الخطاب نفسها. وفي حالة شعب الإنويت

تحديدًا، يربط بعض أفراد الشعب بين فكرة حقوق الإنسان وذلك العالم الغربي الاستعماري الذي تسبّب في كل الأذى المادي والنفسي الذي تعرّض له الشعب منذ ظهور الأوروبيين في أميركا

الشمالية. فحقوق الإنسان، في عبارة أحد أفراد ذلك الشعب، ليست فكرة نابعة من ثقافة الإنويت، وإنّما قررها عالم خارجي وثقافة استعمارية وفرضاها على شعب الإنويت الذي يُطلب منه الآن استخدام هذا الخطاب الدخيل نفسه في الدفاع عن ثقافته. فمشكلة الإنويت مع خطاب حقوق الإنسان تتجاوز قضية اعتبار بعض الأمور حقوقًا، لتشمل قضية مقبولية الخطاب نفسه. وقد نزيد على ذلك الأمر توجّس الإنويت وغيرهم من الشعوب من فكرة الحقوق بصفة عامة؛ إذ أنها تُستخدم

أيضًا في محاولة تجريم صيد بعض الحيوانات – كالفُقْمة Seal، وهي مصدر مهم للغذاء بالنسبة إلى شعب الإنويت – بوصف هذا الصيد انتهاكًا لحقوق الحيوان. ولا يقتصر الأمر على التوجّس

من فكرة الحقوق، بل يمتدّ ليشمل حتى فكرة استخدام القانون في الدفاع عن تلك الحقوق؛ ذلك أن مجرد فكرة التقاضي عُدت من منظور الإنويت نوعًا من الخصومة أو العداء الذي لا ينسجم مع طبيعة ثقافتهم التقليدية التي امتلكت آليات مختلفة لحل النزاعات تقوم على فلسفة مختلفة تمام الاختلاف عن منطق القانون الحديث. وربما يزيد من صعوبة قبول شعب الإنويت لخطاب حقوق الإنسان الحديث وآلياته احتمال عدم اقتناع بعض أفراده أو ربما أكثرهم بالعلاقة بين التغيّر

المناخي وقضايا المجتمع ومشكلاته؛ وهو أمر مفهوم بطبيعة الحال نظرًا إلى صعوبة التحقُّق من

طبيعة تلك العلاقة السببية بالنسبة إلى الإنسان العادي كما سبق بيانه.

(39) Watt–Cloutier, p. xxiii.

(4((لمناقشة قضية "عمومية حقوق الإنسان في عالم من الخصوصيات"، ينظر، على سبيل المثال: 106–120. pp , Donnelly. (4((يعدّ كتاب دونللي Universal Human Rights خير دليل على ذلك. فهو وإن كان يجادل بأن حقوق الإنسان تتمتع بإجماع

عالمي، فإنه يرفض رفضًا تامًّا فكرة إرجاع أصولها إلى أي حضارات أو ثقافات قبل الحضارة الغربية الحديثة. (4((أدى مفهوم "العيب" لدى الإنويت، كما كان الحال مع حضارات أخرى قبل العصر الحديث، دورًا يشبه دور القانون في الدول

الحديثة، وكان الهدف من حل المنازعات لدى الإنويت، تمامًا كما كان الحال في ثقافات أخرى قبل حديثة، هو استعادة السلام

والوئام بين أفراد المجتمع، لا تحقيق العدل من خ لاا العقاب كما هو الحال في النظم القانونية الحديثة. وهكذا، كان هدف أي عقوبات استخدمها الإنويت، كما يشرح أحد الباحثين، هو مساعدة المعتدي، لا عقابه. 208 203–204,. pp , Loukacheva.

(43) Jodoin, Corobow & Snow, pp. 188–190, 193.

وقد نختم هذه النقطة بمفارقة عجيبة؛ تزعم وات–كلوتييه في كتابها أن شعب الإنويت طوّر علاقة خاصة بالبيئة الطبيعية التي يعيش فيها. فمع أنه يسخّر البيئة الطبيعية لخدمة معاشه، فإنه يفعل ذلك في الوقت الذي يسعى فيه للحفاظ على ديمومتها. وعلى الرغم من الزعم بأن نظرة الإنويت إلى الطبيعة تختلف جذريا عن النظرة الغربية المادية الحديثة، فقد عدّ بعض المدافعين عن البيئة تلك النظرة تجسيدًا آخر لإشكالية النظرة إلى الطبيعة المتمركزة حول الإنسان Anthropocentric والتي تُعدّ الطبيعة خادمة للإنسان، لا صاحبة حق خاص بها. فوات–كلوتييه لا تدافع عن البيئة من أجل البيئة، بل تدافع عنها من أجل الحفاظ على ظروف مادية معيّنة تستند إليها ثقافة ما في بقائها. وقد ظهرت في العقود الأخيرة أفكار

تدعو إلى الاعتراف بحقوق خاصة بالطبيعة بصرف النظر عن ارتباطها بمصالح الإنسان، وهي النظرة التي توصف بأنها متمركزة حول الطبيعة Ecocentric. وتتمثّل حقوق البيئة ببساطة في الحفاظ على النظام الطبيعي وحمايته من التدهور، والحرص على الحفاظ على بيئة نظيفة وصحية ومستدامة.

خاتمة: نقد خطاب حقوق الإنسان المعاصر

كُتب الجزء الأكبر من هذه الدراسة في صيف عام 2022، أي في وقت عانت فيه أوروبا وأجزاء أخرى من العالم موجات من الحرّ تسبب في جفاف غير مشهود من قبل، كاد أن يؤدي إلى اختفاء أنهار

وبحيرات كاملة. يؤكد هذا الأمر أن مسعى وات–كلوتييه لا يخصّها وقومها وحدهم. فتغيّر المناخ

أصبح يهدد الآن تلك الأجزاء "الرائدة" من العالم الحديث، والتي كانت مسؤولة بصفة مباشرة عن التلوّث والاحتباس الحراري وما نتج منهما من ارتفاع درجة حرارة كوكب الأرض. صدقت وات– كلوتييه إذًا حين ادّعت أن دعوتها تخصّ الحفاظ على الكرة الأرضية بأكملها، حتى وإن حرّكتها أساسًا

دوافع قومية وثقافية ضيّقة إلى حدّ ما. ومع ذلك، يظلّ ما يميّز طرح وات–كلوتييه هو ربطه بين قضية تغيّر المناخ وقدرة شعب معيّن على

الاحتفاظ بثقافته بوجه خاص؛ ذلك أن آثار التغيّر المناخي الأخرى لا تقتصر على القطب الشمالي أو

شعب الإنويت. وهنا، يرى بعض دعاة حقوق الإنسان أن ظهور مثل هذا النوع من الحقوق كالذي

(((4 وصل الأمر بمن يرون للبيئة حقًّا خاصًا إلى اعتبار مظاهر الطبيعة البشرية، من جبال وأنهار وغيرها، ذات شخصية قانونية

اعتبارية يمكنها مقاضاة من يعتدون على حقوقها، وذلك من خ لاا ممثليها البشريين بطبيعة الحال. أطلق على هذا الأمر "فقه الأرض" Jurisprudence Earth وقد تبنّت بعض الدول هذا الرأي، بل أثبتته في دساتيرها. تشمل هذه الدول بعض دول أميركا

اللاتينية – كالإكوادور وكولومبيا وبوليفيا – فضلً عن نيوزلندا وأستراليا وكندا. ينظر على سبيل المثال:

United Nations, "Rights of Nature Law and Policy," Harmony with Nature , accessed on 1/2/2023, at: https://bit.ly/2urkcB5

هنا، تصبح هذه النظرة المتمركزة حول الطبيعة المقابل للنظرة المتمركزة حول الإنسان. (((4 ينظر، على سبيل المثال: 4 Ogunyemi, p. 1. (((4 لم يفلح مؤلف هذه الدراسة في العثور على كتابات عربية تتناول أثر التغيّر المناخي في الحقوق الثقافية تحديدًا، باستثناء

إشارات عابرة إلى القضية. ينظر على سبيل المثال: حنان كمال أبو سكين، "تغيّر المناخ والأمن الإنساني: الطريق إلى العدالة

المناخية"، آفاق سياسية، العدد  55 (أيار/ مايو 2020)، ص 30. أما المقالات العربية التي تتناول الآثار الأخرى لتغيّر المناخ في حقوق

الإنسان – كالحق في الحياة والصحة والغذاء والماء والبيئة النظيفة – فكثيرة. ينظر على سبيل المثال: محمد عبيدي، "آثار تغير

المناخ على الأمن البشري وحقوق الإنسان"، مجلة الحقوق والعلوم الإنسانية، العدد  26 (2016)، ص.205–194

تنادي به كلوتييه يُضعف من فكرة حقوق الإنسان؛ فهو يصيبها بالتضخّم، وهو الأمر الذي يؤدي إلى ابتذال الفكرة، ومن ثم إضعاف قيمتها الأخلاقية بل القانونية. تعكس هذه النقطة الأخيرة خلافًا بين تيارَين من تيارات خطاب حقوق الإنسان. يصرّ التيار الأول على ضرورة قصر فكرة حقوق الإنسان على الأمور الحيوية

المهمة لحياته. أما التيار الثاني، فيدعو إلى استمرار توسيع نطاق حقوق الإنسان ليشمل كل ما يؤثر سلبيًّا في

حياته. وإذا استخدمنا المصطلحات الأكثر ألفة لنا، قد نقول إن الفريق الأول يصرّ على قصر حقوق الإنسان

على الضروريات التي لا تقوم الحياة إلا بها، بينما يوسّع الفريق الثاني من مفهوم حقوق الإنسان ليشمل

الحاجيات التي لا تمنع الحياة نفسها، غير أنها تقرنها بمشقة كبيرة تُضعف من قدرة المرء على التمتع بها. وسواء قبلنا بهذا الرأي أو ذلك، يواجه طرح وات–كلوتييه إشكالية صعبة ملازمة لحقوق الإنسان كلها تقريبًا، أي حقيقة أن كل حقّ يأتي لا بد على حساب حقّ أو حقوق أخرى، بحيث لا يمكن ممارسته

إلا بحرمان شخص آخر أو مجموعة أشخاص من ممارسة حقوق لهم؛ وهو ما يدفع المحاكم وغيرها من هيئات فضّ المنازعات، على سبيل المثال، إلى المفاضلة دائمًا بين الحقوق، بحيث يُغلَّب حقٌّ معيّن على آخر استنادًا إلى حيثيات مختلفة. وفي الحالة التي نتناولها هنا، يتعارض حقّ شعب الإنويت

المزعوم في الحفاظ على بيئته الطبيعية وما يرتبط بها من منظومة ثقافية بوضوح مع حقّ آخر معترف به تمارسه الدول والشعوب، أي الحقّ في التنمية وما يرتبط به من حقّ استغلال الموارد الطبيعية، كالوقود الأحفوري الذي تسبب الإفراط في استخدامه في الاحتباس الحراري المسؤول عن تغيّر المناخ على

النحو الكارثي الذي نشهده الآن. وإذا فشلت حتى الآن الدول الأكثر تأثّرًا بالتغيّر المناخي، أو الأقل

قدرة على التخفيف من آثاره، في مجرد إقناع الدول الأكبر مسؤولية عنه بالالتزام بالحدّ من انبعاث الغازات، يصعب تصوّر نجاح دعوة وات–كلوتييه، وهو الأمر الذي قد يدعم الرأي القائل إن محاولة

توظيف خطاب حقوق الإنسان في أمر محكوم عليه بالفشل يؤدي بالفعل إلى ابتذاله. وقد نقول إن الربط بين قضية تغيّر المناخ – وهي المُتّفق على أنها قضية عالمية عابرة للحدود – وحقوق الإنسان

يتطلب ضرورةً إعادة النظر في نظام حقوق الإنسان الحالي في مجمله؛ وهو الأمر الذي سيعني حتمًا إعادة تعريف مفهوم السيادة المتفق عليه في عالم اليوم، فضلً عن إعادة النظر في الأسس التي يقوم عليها العمران البشري العالمي وقدرته على استيعاب كل من يشتركون في الحياة على هذا الكوكب. والآن، يجدر بنا أن نسأل أنفسنا سؤلً مهمًا: كيف نستفيد من مناقشة الإشكاليات التي أثارها طرح سيلا وات–كلوتييه. نقدم هنا مجموعة من الأفكار، قد يكون أولها هو ضرورة الوعي بما لخطاب حقوق الإنسان وما عليه. فخطاب حقوق الإنسان لا يمكن فصله عن القيم المهيمنة على عالم اليوم وعلى موازين القوة السياسية والثقافية، غير أنه ليس من الحتمي أن يُعدّ أو يظل خطابًا ماكرًا يسعى لترسيخ هيمنة

جماعات ودول ومصالح معيّنة على العالم. ربما كانت القيمة الكبرى لطرح وات–كلوتييه هو هذه الفكرة

تحديدًا، أي تأكيد ضرورة المراجعة الدورية للأسس التي يقوم عليها خطاب حقوق الإنسان بغية جعله

(4((كما يوضح لاكروا، انُتقدت فكرة حقوق الإنسان بما لها من نزعة فردانية "تؤدي إلى تكاثر المطالب المتعلقة بالحقوق على

نحو لا يعرف حدًّا". منير الكشو، "قراءة في كتاب: محاكمة حقوق الإنسان، جنيالوجيا الريبية الديمقراطية"، تبين، مج  7، العدد 26

(تشرين الثاني/ نوفمبر 2018)، ص.148–143

أقدر على استيعاب الاختلافات بين شعوب الأرض وجماعاتها، لا من خلال تنميط تلك الحقوق، بل ربما من خلال ترشيد استخدامها بالقدر الذي يسمح بالحفاظ على مصالح الجماعات المختلفة. ثمّة ضرورة واضحة لاتفاق دول العالم وشعوبه على مبادئ وأولويات معينة. فلا يجوز، بكل تأكيد، أن يكون لممارسة حقٍ ما ضحايا، حتى لو كان ممارِس الحق أغلبية وضحاياه أقلية. ولكن هل يمكن حلّ إشكالية تضارُب الحقوق في ظل خطاب حقوق الإنسان الحالي؟ وإذا لم يكن الأمر كذلك، فما الحلّ؟ يصعب بكل تأكيد تصوّر حل إشكالية تضارب الحقوق من داخل خطاب حقوق الإنسان بشكله

الحالي؛ ذلك أن هذه الإشكالية تتجذّر فيه، ويندر أن نجد حقًا لا يقابله حق آخر، وهو الأمر الذي يُلزمنا دائمًا بتغليب حق على آخر. وهنا، تؤدي موازين القوة داخل كل دولة، وبين دول العالم، دورًا لا يجوز إنكاره في عملية التغليب. ويبدو أن وات–كلوتييه نسيت أو تناست هذا الأمر، حين حاولت توظيف خطاب حقوق الإنسان للدفاع عن أمر قد يكون بالنسبة إليها بالبداهة نفسها التي تُصوّر بها حقوق

الإنسان في الخطاب المعاصر. ربما كان من الأجدر بوات–كلوتييه أن توظّف مفهومًا آخر للدفاع عن قضية شعبها، أي مفهوم "الضرر". يعدّ مفهوم الضرر جزءًا من خطاب حقوق الإنسان الحالي بكل

تأكيد، إلا أن الموازنة التي تتم دائمًا تتناول الحقوق المتعارضة، لا الضرر الذي يتسبب فيه ممارسة حقّ معيّن، أو منع كيان مادي طبيعي أو اعتباري من ممارسة حقّ معيّن. فاستخدام الوقود الأحفوري، على

سبيل المثال، لا يقتصر على دعم ضروريات الحياة، بل يتجاوز ذلك كثيرًا ليشمل أمورًا تعدّ من قبيل

الترف المادي وتدخل بوضوح في ما قد يوصف بالكماليات. فهل يجوز غضّ الطرف عن الدمّار البيئي الذي يتسبب فيه استخدام الوقود الأحفوري من أجل أمور كمالية؟ وهل يجوز تغليب الضرر الذي قد يسببه تقييد استخدام ذلك الوقود لغير ضروريات الحياة، مثلً، على الضرر الذي يقع على كثير من شعوب العالم بسبب الإسراف في استخدامه؟ هذه أسئلة مفتوحة، غير أن مناقشتها تعدّ أمرًا أساسيًّا

للمبادئ التي يجب أن يستند إليها العمران البشري العالمي، إذا أردنا له أن يستوعب كل من ينتمون إليه. بعبارة أخرى، قد يكمن الحل في المفاضلة بين الضرر الناتج من الإقرار بحق ما لفرد أو جماعة معيّنة، في مقابل الضرر الذي قد يقع على الآخرين باعتماد ذلك الحق، عوضًا عن موازنة الحقوق

المتعارضة. فالأصل يجب أن يكون منع الضرر أو التخفيف منه، لا ممارسة الحقّ. ومن أوجه قصور خطاب حقوق الإنسان هو أنه يتعلّق أساسًا بمسؤوليات الدول تجاه مواطنيها، لا مواطني الدول الأخرى، وهو الأمر الذي يضع قضية أثر التغيّر المناخي في حقوق الإنسان في مأزق.

فحقوق الإنسان قضية رأسية تتناول العلاقة بين الدولة ومواطنيها. أمّا قضية المناخ العابرة للحدود

4(((هذا منظور بديل، وهو يقوم في الثقافة الإس مااية على مبدأ معروف في الفقه الإس مااي يُعبّر عنه بصيغ مختلفة، منها "درء

المفسدة" أو "إزالة الضرر" أو "الضرر يزال". لدراسة شاملة عن مفهوم الضرر وتطبيقاته في الفقه الإس مااي، يُنظر: أحمد موافي،

الضرر في الفقه الإسامي (الخُبر: دار ابن عفان للنشر والتوزيع، 1997). لمزيد عن تطبيقات هذا المفهوم في سياق بعض قضايا

حقوق الإنسان، ينظر، على سبيل المثال:

Amr Osman, "Abortion Laws in Muslim Countries: Modern Reconfiguration of Pre–Modern Logic," Muslim World Journal of Human Rights , vol. 19, no. 1 (2022), pp. 19-52; Amr Osman, "The Right to be Forgotten: An Islamic Perspective," Human Rights Review , vol. 24, no. 1 (2022), pp. 53-73.

السياسية والجغرافية، فتعدّ قضية أفقية تتعلق بالعلاقة بين دول العالم. وقد نزيد على هذا الأمر أن نظام حقوق الإنسان الحالي يقوم أساسًا على تعويض المتضرّر بعد وقوع الضرر عليه، وهو أمر

يزيد من مأزق قضية تغيّر المناخ وأثرها في الثقافة؛ ذلك أن إزالة الضرر الذي يتسبب فيه تغيّر المناخ

لا يجري إلّ عبر عقود من الزمن، كما أن الثقافة نفسها ليست من الأمور التي قد تتغلب بسهولة أو بالسرعة الكافية على ما يلحق بها من ضعف أو غزو من ثقافة أخرى. وفي البلاد العربية تحديدًا، تبدو ثقافة المواءمة بين الآثار الإيجابية والسلبية للتنمية في البيئة، المادية والثقافية، وبالأخصّ في جماعات

معيّنة، غائبةً. وتسيطر بصفة كلية فكرة أولوية التنمية على حقوق الجماعات التي قد تتأثر سلبيًا بها.

ربما كان أحد الدروس التي نتعلمها من دفاع وات–كلوتييه عن ثقافة قومها هو إعادة النظر في هذا الموقف المبدئي من إشكالية التعارض المحتمل بين التنمية وحقوق الأقليات العرقية والثقافية، أو حتى الجماعات التي تعتمد في معاشها على أوضاع بيئية أو نشاطات اقتصادية معيّنة. ليس الهدف من هذه الأفكار تقويض فكرة حقوق الإنسان، وإنما الاشتباك النقدي معها بغية تحديد أوجه قصورها وترشيد استخدامها. إن التزايد المستمر في توظيف خطاب حقوق الإنسان الحالي، مع أوجه قصوره سالفة الذكر، يدلّ في ظاهره على هيمنة خطاب حقوق الإنسان، بيد أنه في جوهره يُؤذن

بانهيار خطاب حقوق الإنسان على نحوٍ تدريجي قد يؤدي إلى سقوطه تمامًا.

References

المراجع

العربية

ابن حفاف، إسماعيل. "دور القانون الدولي في حماية المناخ". دراسات وأبحاث. مج  12، العدد 3 أبو سكين، حنان كمال. "تغير المناخ والأمن الإنساني: الطريق إلى العدالة المناخية". آفاق سياسية. العدد 55 (أيار/ مايو.)2020 بشير، هشام. "حقوق الإنسان: المفهوم والتطور التاريخي والفئات". المجلة المصرية للقانون الدولي. مج 72.)2016(بلهول، زكية. "لاجئ المناخ: نحو تعريف موحد له". دراسات وأبحاث. مج  12، العدد 3.)2020(حداد، معين. "التغير المناخي والنزاعات الجيوبولوتيكية". شؤون الأوسط. العدد).2019(161 حسن، محمد صديق محمد. "تغير المناخ والاحتباس الحراري: الأسباب، الآثار، الحلول". مجلة التربية. العدد).2010(172 حلاق، وائل. الدولة المستحيلة: الإسام والسياسة ومأزق الحداثة الأخاقي. ترجمة عمرو عثمان. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودارسة السياسات،.2014

(49) Siobhán McInerney–Lankford, "Climate Change and Human Rights: An Introduction to Legal Issues," Harvard Environmental Law Review , vol. 33, no. 2 (2009), p. 434.

(5((ينطبق الأمر نفسه على أغلب البلدان "النامية"، إذ لا تكترث النخب الحاكمة كثيرًا بالتكلفة البشرية للمشاريع التنموية، كما رأينا

في حالة نيجيريا. لمزيد من الحالات في أفريقيا، ينظر على سبيل المثال: أيمن السيد شبانة، "حقوق الإنسان والتنمية المستدامة في

إفريقيا"، مجلة الديمقراطية، مج  21، العدد 81 (2021)، ص.75

شبانة، أيمن السيد. "حقوق الإنسان والتنمية المستدامة في إفريقيا". مجلة الديمقراطية. المجلد  21، العدد 81.)2021(عبد العزيز، سوزي محمد رشاد. "لاجئو المناخ في إفريقيا: عدم العدالة البيئية وتعقيدات الاعتراف الدولي". المجلة العلمية للدراسات التجارية والبيئية. المجلد 13، العدد 1.)2022(غليون، برهان. "السياسة وحقوق الإنسان". عيون المقالات. العددان).1990(15–14 لاكروا، جاستين وآخرون. "محاكمة حقوق الإنسان: جنيالوجيا الريبية الديمقراطية". تبين للدراسات الفكرية والثقافية. مج 7، العدد 27.)2018(محمد، عبيدي. "آثار تغير المناخ على الأمن البشري وحقوق الإنسان". مجلة الحقوق والعلوم الإنسانية. العدد).2016(26 موافي، أحمد. الضرر في الفقه الإسلامي. الخبر: دار ابن عفان للنشر والتوزيع،.1997

الأجنبية

Boyle, Alan. "Human Rights or Environmental Rights? A Reassessment." Fordham Environmental Law Review. vol. 18, no. 3 (2007). Donnelly, Jack. Universal Human Rights in Theory and Practice. Ithaca: Cornell University Press, 2013. Harrington, Joanna. "Climate Change, Human Rights, and the Right to Be Cold." Fordham Environmental Law Review. vol. 18, no. 3 (2007). Jodoin, Sébastien, Arielle Corobow & Snow Shannon. "Realizing the Right to Be Cold? Framing Processes and Outcomes Associated with the Inuit Petition on Human Rights and Global Warming." Law & Society Review. vol. 54, no. 1 (2020). Knox, John H. "Linking Human Rights and Climate Change at the United Nations." Harvard Environmental Law Review. vol. 33, no. 2 (2009). Limon, Marc. "Human Rights and Climate Change: Constructing a Case for Political Action." Harvard Environmental Law Review. vol. 33, no. 2 (2009). Loukacheva, Natalia. "Indigenous Inuit Law, 'Western' Law and Northern Issues." Arctic Review on Law and Politics. vol. 3, no. 2 (2012). McInerney–Lankford, Siobhán. "Climate Change and Human Rights: An Introduction to Legal Issues." Harvard Environmental Law Review. vol. 33, no. 2 (2009). Ogunyemi, Dayo Adeniyi. "The Right to Be Cold: Examining the Indigenous Peoples’ Rights and Climate Change." Unpublished ML Thesis, University of Calgary, 2019. Osofsky, Hari M. "The Inuit Petition as a Bridge? Beyond Dialectics of Climate Change and Indigenous Peoples’ Rights." American Indian Law Review. vol. 31, no. 2 (2006/ 2007). Osman, Amr. " Abortion Laws in Muslim Countries: Modern Reconfiguration of Pre- Modern Logic. " Muslim World Journal of Human Rights. vol. 19. no. 1 (2022). ________. " The Right to be Forgotten: An Islamic Perspective. " Human Rights Review. vol. 24. no. 1 (2022). Watt–Cloutier, Sheila. The Right to be Cold: One Woman’s Story of Protecting her Culture, the Arctic, and the Whole Planet. Minneapolis, MN: University of Minnesota Press, 2015.