العودة إلى تفاصيل المؤلَّف مسيحيو المشرق العربي في الأبحاث الأكاديمية بين دولة الاستعمار وما بعد الاستعمار

مسيحيو المشرق العربي في الأبحاث الأكاديمية بين دولة الاستعمار وما بعد الاستعمار

Eastern Christianity in Academic Research between the Colonial and Post–Colonial State

نتالي سلامة| Natalie Salameh *

الملخّص

تهدف الدراسة إلى تقديم مراجعة نقدية حول الأدبيات التي تناولت موضوع مسيحيي المشرق العربي في حقبة الاستعمار وحقبة دول ما بعد الاستعمار، بالتركيز على الأدبيات التي ربطتهم بقضايا الاستعمار وأثر السياسات الاستعمارية في انتماءاتهم المجتمعية، ثم أثر سياسات دول ما بعد الاستعمار في أوضاعهم الاجتماعية والسياسية. بذلك، تحاول الدراسة تسليط الضوء على الدراسات التي تصدت لما يمكن وصفه بالتمثيل السلبي لمسيحيي الشرق الأوسط في الأبحاث الأكاديمية، الذي كرس صورة نمطية أحادية عنهم، بأنهم أقليات غير مندمجة وغير معنية بسياقات مجتمعاتها وهمومها، وذلك عن طريق محاولة تعيين الجهاز المفهومي والإطار النظري اللذين استخدمتهما تلك الدراسات في تصديها بالنقد لهيمنة الخطاب السلبي عن مسيحيي المشرق العربي.

Abstract

Abstract: The paper provides a critical review of the literature that dealt with the subject of Eastern Christians in both colonial and post–colonial eras in formerly colonized countries. It explores the literature that linked them, as a subject matter, to issues of colonialism and the impact of colonial policies on their societal affiliations, before considering the impact of the policies of post– colonial countries on their social and political conditions. The paper consequently sheds light on studies that have challenged the negative representation of Middle Eastern Christians in academic research, which has established a one–dimensional stereotype of Eastern Christians, as unintegrated minorities, unconcerned with the contexts and concerns of their societies. Finally, it defines the conceptual apparatus and theoretical framework that these studies used in their criticism of the dominant negative discourse about Arab Eastern Christians.

الكلمات المفتاحية:
  • المسيحيون المشرقيون
  • الاستعمار
  • الطائفية
  • دولة ما بعد الاستعمار
  • التمثيل
Keywords:
  • Eastern Christianity
  • Colonialism
  • Sectarianism
  • Post-Colonial State
  • Representation

Eastern Christianity in Academic Research

between the Colonial and Post–Colonial State

ملخص: تهدف الدراسة إلى تقديم مراجعة نقدية حول الأدبيات التي تناولت موضوع

مسيحيي المشرق العربي في حقبة الاستعمار وحقبة دول ما بعد الاستعمار، بالتركيز

على الأدبيات التي ربطتهم بقضايا الاستعمار وأثر السياسات الاستعمارية في انتماءاتهم

المجتمعية، ثم أثر سياسات دول ما بعد الاستعمار في أوضاعهم الاجتماعية والسياسية.

بذلك، تحاول الدراسة تسليط الضوء على الدراسات التي تصدت لما يمكن وصفه بالتمثيل

السلبي لمسيحيي الشرق الأوسط في الأبحاث الأكاديمية، الذي كرس صورة نمطية أحادية

عنهم، بأنهم أقليات غير مندمجة وغير معنية بسياقات مجتمعاتها وهمومها، وذلك عن

طريق محاولة تعيين الجهاز المفهومي والإطار النظري اللذين استخدمتهما تلك الدراسات

في تصديها بالنقد لهيمنة الخطاب السلبي عن مسيحيي المشرق العربي.

التمثيل.

Abstract: The paper provides a critical review of the literature that dealt with the subject of Eastern Christians in both colonial and post–colonial eras in formerly colonized countries. It explores the literature that linked them, as a subject matter, to issues of colonialism and the impact of colonial policies on their societal affiliations, before considering the impact of the policies of post– colonial countries on their social and political conditions. The paper consequently sheds light on studies that have challenged the negative representation of Middle Eastern Christians in academic research, which has established a one–dimensional stereotype of Eastern Christians, as unintegrated minorities, unconcerned with the contexts and concerns of their societies. Finally, it defines the conceptual apparatus and theoretical framework that these studies used in their criticism of the dominant negative discourse about Arab Eastern Christians.

PhD Researcher at Birzeit University, Palestine. Email: natali.f.salameh@gmail.com

مقدمة

تؤكد لورا روبسون أن معظم الدراسات التي تناولت مسيحيي المشرق العربي ظلت حتى بداية تسعينيات القرن الماضي تصرّ على تصويرهم أقلياتٍ غير مندمجة ومعزولة وغير

معنية بسياق مجتمعها وهمومه، وأنها في المقابل ذات صلة وثيقة بالغرب المسيحي. موضوع هذه الدراسة هو الخطاب الحديث والمعاصر الذي انطلق منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي، والذي شكّل – بحسب روبنسون – منظورًا مغايرًا للخطاب الكلاسيكي المهيمن حول مسيحيي المشرق

العربي، وذلك باستعادة أهم الأدبيات والأبحاث التي تحدّت هذا الخطاب الكلاسيكي، وتبيان الكيفية التي اعتمدتها تلك البحوث الأكاديمية في استبدال صورة مسيحيي المشرق العربي من كونهم غير فاعلين أو مؤثرين اجتماعيًا، إلى تمثيلهم تمثيلً إيجابيًا يؤكد على حضورهم السياسي والاقتصادي

والاجتماعي في مجتمعاتهم. ومن أجل تقديم مراجعة نقدية للأدبيات التي أبرزت التمثيل الإيجابي للمسيحية المشرقية، جرى التركيز على بعض القضايا الإشكالية التي شكّلت أرضية للجدل حول دور مسيحيي المشرق ومكانتهم في مجتمعاتهم. هذه القضايا هي: أولً، مشكلة الطائفية وارتباطها بالاستعمار، ونناقشها تحت عنوان "أثر سياسات التقسيم الاستعمارية في ترسيخ الطائفية". ثانيًا، العلاقة المعقّدة بين البعثات التبشيرية الغربية

ومسيحيي المشرق العربي، ونعرضها تحت عنوان "الإرساليات المسيحية الغربية ومسيحيو المشرق العربي". ثالثًا، قضية الانتماء المجتمعي لمسيحيي المشرق العربي بالتركيز على علاقاتهم بالدولة، ونتناولها تحت عنوان "مسيحيو الشرق ودول ما بعد الاستعمار". وتخلص الدراسة إلى مجموعة من الاستنتاجات أهمها أن عملية تهميش مسيحيي المشرق العربي وإلغاء فاعليتهم ليسا إلا جزءًا من

السردية الغربية الاستعمارية، التي طالما كانت لها المصلحة الكبرى في تغييب مسيحيي الشرق من تاريخ البلاد، من أجل إدامة تقسيمها الثنائي الإمبريالي للعالم؛ على هيئة غربٍ مسيحي – يهودي، وشرق إسلامي – عربي.

أولا: أثر سياسات التقسيم الاستعمارية في ترسيخ الطائفية

في الجدل القائم حول الطائفية في العالم العربي، وتحديدًا في الجزء الشرقي منه، جاءت مجموعة من الأدبيات المتأخرة لتؤكد أن الطائفيات الدينية في المنطقة لا يمكن تناولها بمعزل عن كونها ظواهر ناتجة في الأساس من الإرث الاستعماري البريطاني والفرنسي. رفضت هذه الأدبيات النظرة التي جرت بها معالجة الطائفية في الشرق على أنها مشكلة تخصّ شعوب الشرق، وهي نظرة تستعين بتوظيف

مقولات عدة: مثل الأحقاد والخصومات الدينية التي تعود إلى ماضٍ بعيد جدًا، أو حتى التخلّف الثقافي العربي وإعاقات الدخول في الحداثة. فبالنسبة إلى كثيرين، نشأت الطائفية في حقبة تاريخية

(1) Laura Robson, "Recent Perspectives on Christianity in the Modern Arab World," History Compass , vol. 9, no. 4 (2011), pp. 312–325.

(((تشمل هذه المنطقة على نحو أساسي العراق وفلسطين وسورية ولبنان والأردن.

محددة استغلّ فيها الاستعماران البريطاني والفرنسي الهوية الدينية والطائفية في الشرق استغلالً واسعًا من أجل حلّ المشكلات العملية للحكم الاستعماري. يظهر الاستدعاء الأول للدور الاستعماري في ترسيخ الطائفية عند قيس فرو، الذي يشرح في كتابه الكيفية التي جرى بها ابتكار لبنان، مبيّنًا جهود مجموعات مختلفة من النخب المحلية، التي كانت

تحت التأثير القوي للانتداب الفرنسي، في خلق ما يرقى إلى قومية لبنانية جديدة، وأن ما سُمي وقتها ب "لبنان الكبير" لم يكن إلا تقسيمًا استعماريًا لدولة لبنان على أسس طائفية ودينية: مسيحية مارونية، وسنّية، وشيعية؛ حيث أعاد الاستعمار إنتاج التعددية في هذا المجتمع المتعدد الأديان والمذاهب، بصورة انقساماتٍ أكثر جذرية وسياسية، وهو الأمر الذي مهّد الطريق – بحسب فرو – إلى انعدام الاستقرار والحروب التي شهدها لبنان لاحقًا. ويبيّن بنيامين وايت كيفية بروز مفهوم الأقلية في ثلاثينيات القرن الماضي في جميع أنحاء الشرق

الأوسط، ويتخذ من سورية التي كانت تحت الانتداب الفرنسي حالةً دراسية للتأكيد على أن الاستعمار الفرنسي روّج عامدًا مفهوم "الأقليات" بوصفها هويات سياسية منفصلة، لخلق انقسامات إقليمية وسياسية وقانونية في المنطقة، من أجل توطيد احتلاله سورية. وعلى نحو مماثل، أكدت لورا روبسون أن الطائفية لم تظهر جانبًا أساسيًا في السياسة الفلسطينية حتى العقد الثالث من القرن

العشرين، عندما أصبحت فلسطين رسميًا جزءًا من الإمبراطورية البريطانية، التي أعادت، استنادًا إلى

تجربتها في استعمار الهند، إنتاج نظام الملل في فلسطين الانتدابية. وأخيرًا، يجادل عوني فرسخ بأن

مصر شهدت سياسات مماثلة في فترة الاستعمار البريطاني، فقد جرى التعامل مع الأقباط وفق آليات قانونية وإدارية أبرزت "الذاتية القبطية" وعززت وجودها تحت إطار مفهوم الأقليات. تتعارض الأدبيات السابقة مع العديد من الأدبيات التي تناولت الطائفية في المشرق العربي من منظور اقتصادي – اجتماعي، وأبرزت التغيرات الاقتصادية وتضارب المصالح بوصفها عاملً أساسيًا في نشوء

الطائفية، بخاصة في السياق اللبناني، وقد ظهرت مناقضة لتحليلات مغايرة ارتكزت في الأساس على مسألة التغير الثقافي في تفسيرها وتحليلها لنشوء الطائفية. فمثلً في مجمل كتاب أسامة مقدسي،

(3) Laura Robson, Colonialism and Christianity in Mandate Palestine (Austin, TX: University of Texas Press, 2011), pp. 1–3. (4) Kais Firro, Inventing Lebanon: Nationalism and the State under the Mandate (London: I.B. Tauris, 2003), pp. 5–11. (5) Benjamin White, The Emergence of Minorities in the Middle East: The Politics of Community in French Mandate Syria (Edinburgh: Edinburgh University Press, 2011), pp. 22–26. (6) Robson, Colonialism and Christianity , p. 3.

(((عوني فرسخ، الأقليات في التاريخ العربي (بيروت: رياض الريس للكتب والنشر، 1994)، ص.3 (((دومينيك شوفالييه، مجتمع جبل لبنان في عصر الثورة الصناعية في أوروبا، ترجمة منى عبد  الله عاقوري، ط 2 (بيروت:

دار النهار، 2001)؛ وجيه كوثراني، الاتجاهات الاجتماعية والسياسية في جبل لبنان والمشرق العربي: من المتصرفية العثمانية إلى

دولة لبنان الكبير (بيروت: منشورات بحسون الثقافية، 1986)؛ مسعود ضاهر، الجذور التاريخية للمسألة الطائفية اللبنانية –1697:

1861 (بيروت: معهد الإنماء العربي،.)1981

على الرغم من أن للاستعمار دورًا كبيرًا في تفسير الانقسامات الطائفية في لبنان، فإنه يرفض اختزال

الطائفية في أنها مجرّد نتاجٍ لسياسات وضعتها القوى الاستعمارية، ويجادل في المقابل بأن تلك

الانقسامات هي ثقافة تولدت من جراء التحول في معنى الانتماء الديني ضمن ظرف تاريخي انفتح فيه المجتمع المحلي اللبناني على خطابات الإصلاح العثمانية والأوروبية، ويرى أن النخب المحلية، من منطلق القوة – المعرفة، أعادت تأويل فكرة الأمة النقية كما ولدت في أوروبا في تلك الفترة، وأنتجت الطائفية. ولا يقتصر اختلاف الأدبيات في العموم على أسباب الطائفية وتفسير نشوئها، إنما هي تختلف أيضًا على تاريخ ذلك النشوء، فبينما يؤكد كلّ من روبسون ووايت وفرو وفرسخ أنها بدأت مع دخول الاستعمار، يرى مقدسي وقرم أن التقسيم الديني الحادّ في الشرق يرجع إلى فترة أبعد زمنيًا من دخول

الاستعمار الأوروبي. ففي ظلّ السلطنة العثمانية، اعتمدت القوى الاستعمارية المتنافسة على توظيف الأقليات الدينية في المشرق العربي لتعزيز الانقسام، واستخدمت تقارير الدبلوماسيين الأجانب المعتمدين لدى السلطنة العثمانية مصطلح الأمة في الإشارة إلى الأقليات كما في أمثلة "الأمة" المارونية، أو "الأمة" الدرزية في لبنان، و"الأمة" الأرثوذكسية للدلالة على روم السلطنة العثمانية. وكانت "هذه "الأمم" توصف بأنها أقليات مضطهدة يجب على القوى الأوروبية أن "تحميها".

1. الاستعمار والطائفية من منظور مقارن

تكمن مشكلة الدراسات السابقة، التي ربطت بين الاستعمار والطائفية وصوّرت الطائفية على أنها كانت حصرًا بسبب الاستعمار، في أنها أهملت العوامل الأخرى في ترسيخ الانقسامات الدينية: مثل

المصالح المادية والتغيرات الاقتصادية، أو حتى دور العامل الثقافي. ولم تقدّم تلك الدراسات أيضًا صورة موسعة لحقيقة الواقع التاريخي والاجتماعي للمسيحية المشرقية في دول سورية ولبنان ومصر وأيضًا في فلسطين. وهي، من منظور مقارن، تقف عاجزة عن تفسير التفاوت في مدى تجذّر الطائفية في دول المشرق العربي. وبدلً من تناول كلّ مجتمع على حدة، ستسهم الدراسات المقارنة لسياقات مختلفة في تشخيص أكثر دقة لأثر السياسات الاستعمارية في نشوء الطائفية وتعميمها. وعلى الرغم من أهمية ما قدّمته الدراسات التي اعتنت بتصوير تلاعب الاستعمار وسياسات "فرّق تسد"

التي اعتمدها لاستغلال المكونات المختلفة للهويات الدينية والإثنية في المنطقة، فإن التركيز على الاستعمار وحده قد يؤدي إلى الفشل في تفسير السلوكيات المتباينة لتلك الأقليات؛ إذ إن الاستعمار غير كافٍ بالضرورة لفهم سبب تطور الإحساس الذاتي بالهوية المستقلة لدى أقليةٍ ما في المجتمع في سياق معين، الذي قد يتطور لاحقًا إلى حركات انفصالية تطالب باستقلال ذاتي، وعدم تطور

(9) Ussama Makdisi, The Culture of Sectarianism: Community, History, and Violence in Nineteenth–Century Ottoman Lebanon (Berkeley: University of California Press, 2000), pp. 5–11. (10) Ibid;

جورج قرم، المسألةالدينية في القرن الواحد والعشرين، ترجمة خليل أحمد خليل (بيروت: دار  الفارابي، 2007)، ص.35

هذا الإحساس في سياق آخر. فمثلً، كيف نفسّر نجاح الدولة الإسرائيلية في فصل مجموعات كبيرة من الدروز الفلسطينيين عن الجسد الوطني الفلسطيني وفشلها في تحقيق ذلك مع الهوية المسيحية الفلسطينية؟ ولماذا تطورت الهوية الكردية في العراق في اتجاه حركات تدعو إلى الانفصال، ولم يحدث ذلك مع هويات دينية أخرى في السياق العراقي ذاته؟ إن الكتابات التي انصبّ تركيزها على الآخر (المستعمِر الغربي) وتأثيره في المجتمعات المستعمَرة،

وتجاهلت في المقابل المشكلات الداخلية التي لا يمكن إرجاعها جميعها إلى الاستعمار، قد تعرضت لنقد حاد يمكن اختصاره، بتعبير آنيا لومبا البلاغي، بأن "الاستعمار لم ينقش نفسه على لوح إردوازي نظيف، ولذلك لا يمكنه أن يعلل كلّ شيء يوجد في مجتمعات ما بعد الاستعمار". ولكن مع ذلك، أسهم الربط بين الاستعمار والطائفية، بغضّ النظر عما اكتنفه من نقد، في ظهور الاهتمام بقضية الأقليات في الشرق عمومًا، وخاصة المسيحيين العرب، بوصفهم أكبر مجموعة من الأقليات في المنطقة، وفتح الباب أمام تناول أدوراهم ومناقشتها في الكثير من الدراسات اللاحقة، كما سيتضح تاليًا.

2. المسيحيون العرب: أغلبية إثنية وأقلية دينية

ترى روبسون أن تجاهل دور المسيحيين العرب في الحركة الوطنية إبان فترة الانتداب في معظم الكتابات التاريخية قد جاء أساسًا بسبب هيمنة الرواية الاستعمارية البريطانية التي أرادت تصوير الصراع في فلسطين على أنه صراع ديني بين المسلمين واليهود، وهو الأمر ذاته الذي أدى تلقائيًا إلى

حذف المسيحيين العرب من المشهد. وفي المقابل، اهتمت بعض الأدبيات بتشخيص الكيفية التي استجاب بها المسيحيون العرب وقاوموا السياسات الاستعمارية في ترسيخ الطائفية، وناهضوا الاستعمار عمومًا، إلا أن بعضها أولى أهمية أكبر في دراسته هذا الجانب من بعضها الآخر. وبخصوص المسيحيين الفلسطينيين، جاءت دراسة قسطندي شوملي القصيرة لتؤكد على الدور الكبير الذي أداه المسيحيون في تطور الصحافة في فلسطين، في الفترة 1948–1900، وتتبع حركة التطور الصحافية. وبالتركيز على صحيفتي الكرملوفلسطين، يبين شوملي الكيفية التي كانت هذه الحركة تعكس بها روح الحركة الوطنية الفلسطينية، بهويتها الوطنية والقومية الجامعة، في مناهضة الحكم العثماني بدايةً، ومن بعده الاستعمار البريطاني والتهديد الصهيوني. أما الدراسة الأعمق تنظيرًا والأكثر تفصيلًالتي اهتمت بتبيان الدور الوطني للفلسطينيين المسيحيين،

((1(آنيا لومبا، في نظرية الاستعمار ومابعد الاستعمار الأدبية، ترجمة محمد عبد  الغني غنوم (اللاذقية: دار الحوار للنشر والتوزيع، 2007)، ص.32

(12) Robson, Colonialism and Christianity , p. 13.

((1(قسطندي شوملي، "الحياة الصحافية في فلسطين نشأتها وتطورها"، مجلة جامعة بيتلحم، مج  3 (1984)، ص 36–18؛ وينظر أيضًا:

Anthony O’Mahony, Göran Gunner & George Hintlian, The Christian Heritage in the Holy Land (Jerusalem: Swedish Christian Study Centre, 1995), pp. 110–113.

فهي التي قدّمها نوح هايدوك–ديل لعرض سردية تاريخية للحركة الوطنية الفلسطينية في فترة الانتداب البريطاني، تبرز أهمية النضال المسيحي في الحركة. وإذ جادل الكاتب على طول دراسته التاريخية – النظرية بأن الحالة الفلسطينية المسيحية تتحدى الطبيعة الإقصائية للطائفية والولاءات الدينية عمومًا، فقد بيّن أنه لم يكن هناك خلاف لدى الفلسطينيين المسيحيين، في تلك الفترة، بين الهوية الدينية

والهوية الوطنية. بل على العكس تمامًا، تشير تجربتهم التاريخية إلى تفاعلٍ منسجم بين الهوية الدينية الجزئية وكل من الهويتين الوطنية والقومية. وقد يعود وجود هوية قومية متجذرة لدى المسيحيين العرب عمومًا إلى عامل اللغة؛ فاللغة العربية تحتل مكانة بارزة بوصفها ركيزة من ركائز هويتهم القومية من دون أن يتناقض الانتماء الوطني والقومي للمسيحيين العرب بالضرورة مع ظاهرة هجرتهم المتزايدة على نحو مطّرد في العقود الأخيرة. ولكن ما المقاربات التي نحتاج إليها اليوم لنفهم، على نحو دقيق، ما تقدمه لنا الإحصائيات عن انخفاض في نسبة وجود المسيحيين في الشرق الأوسط من 6.1 في المئة في عام 1970 إلى 4.2 في المئة في عام 2020، وانخفاض في نسبة وجود الفلسطينيين المسيحيين من نحو 9 في المئة في عام 1920 إلى حوالي 1 أو 2 في المئة في عام 2020.

ثانيًا: الإرساليات المسيحية الغربية ومسيحيو المشرق العربي

يمكن تقسيم الأدبيات التي تناولت أثر الإرساليات المسيحية الغربية في مسيحيي المشرق العربي إلى منظورين متعاكسين: الأول، وهو الأكثر قدمًا وشيوعًا، ينظر إلى عموم علاقة المسيحيين الشرقيين بالمسيحية الغربية من خلال التركيز على استغلال القوى الاستعمارية الأوروبية لمختلف الولاءات الدينية من أجل التدخل في منطقة المشرق العربي، والتأكيد بذلك على العلاقة الإمبريالية التي تربط بين ما سمته "المسيحية الشرقية" و"المسيحية الغربية". أما الثاني فيندرج ضمن الدراسات التي بدأت تظهر منذ تسعينيات القرن الماضي، والتي انتقدت الصورة السلبية المتداولة عن المسيحية الشرقية بوصفها متلقّيًا سلبيًا، وشدّدت على وجود علاقة تفاعلية بين ما سمته "المسيحية الشرقية"

و"المسيحية الغربية".

1. إخضاع مسيحيي الشرق

اهتمت بعض الأدبيات بإبراز التاريخ الصراعي القديم بين ما سمته "المسيحية الشرقية" و"المسيحية الغربية". وهنا تجدر الإشارة إلى دراسة المطران جورج خضر القصيرة والمكثفة، التي قدّم فيها تسلسلً تاريخيًا لمحاولات سلخ المسيحية الشرقية وإلحاقها بالمسيحية الغربية، وهي المحاولات التي تبعت

الانشقاق الكبير بين الكنيسة الشرقية الأرثوذكسية والكنيسة الغربية في عام 1054 م. تعدّ دراسة خضر

(14) Noah Haiduc–Dale, Arab Christians in British Mandate Palestine: Communalism and Nationalism, 1917–1948 (Edinburgh: Edinburgh University Press, 2013), pp. 4–9. (15) Deanna Womack, "Christian Communities in the Contemporary Middle East: An Introduction," Exchange , vol. 49, no. 3–4 (2020), p. 196.

واحدة من الكتابات النادرة التي تضيء على تاريخ العلاقة الصراعية بين المسيحية الشرقية والغرب بدءًا من إقدام الصليبيين على إلغاء البطريركية الأنطاكية في عام 1098 م، ثم إبعاد الكهنة الأرثوذكس والأرمن والسريان والأقباط عن كنيسة القبر المقدس، بعد استيلاء الصليبيين على القدس في عام 1099 م، مرورًا بالحملة الصليبية الرابعة، وهجوم الغرب الكاثوليكي واعتدائه على كنيسة القسطنطينية، قلب المسيحية الشرقية، وصولًالى تدمير النازية الأديرةَ في بولونيا ورومانيا وصربيا وما تبعه من تصاعد حملات التبشير الغربية، وانتهاءً بمرحلة الاستعمار الأوروبي للعالم العربي، التي شهدت ترسيخ العديد من الممارسات الكنسية والتعليمية، التي كانت تسعى لسلخ الكنائس الشرقية عن تراثها العربي الإسلامي. تندرج دراستا سميح غنادري وعز الدين عناية أيضًا ضمن المنظور ذاته الذي يرى أن عنف الغرب السياسي تجاه الشرق يرتبط ارتباطًا وثيقًا بأن الكنيسة الغربية تَعدّ نفسها كنيسةً عالمية، وأنها بذلك تَعدّ كل بقعة من العالم المسيحي جزءًا منها. ويذهب غنادري وعناية إلى التأكيد على العلاقة الوثيقة بين الاختلاف العقائدي بين الكنيسة الشرقية الأرثوذكسية والكنيسة الكاثوليكية اللاتينية الغربية والسياسات الاستعمارية الغربية في المنطقة. فعلى سبيل المثال، يشير غنادري إلى الانشقاق الكبير بين الكنيسة الشرقية الأرثوذكسية والكنيسة الكاثوليكية اللاتينية الغربية، المشار إليه سابقًا، بوصفه أحد أهم أسباب الحروب الصليبية، التي حدثت بعد أربعة عقود وسنتين من تاريخ الانشقاق، حيث أرادت البابوية من تلك الحروب إخضاع الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية لها. وقد تحدّث أوربانس الثاني، عشية انطلاق الحملة، عن إنقاذ مسيحيي الشرق من "المسلمين" وإنقاذهم أيضًا من ضلالهم بإعادتهم إلى طريق الإيمان القويم، والمقصود به الإيمان الكاثوليكي اللاتيني. يؤكد عز الدين عناية أن هذا الانشقاق بين الكنيستين مرتبط بأسباب سياسية، أكثر من كونه مرتبطًا بأسباب عقائدية أو لاهوتية، وتحديدًا ضمن استعدادات الكنيسة الكاثوليكية اللاتينية الغربية لتوحيد السلطتين الدينية والمدنية وقتها. وبعد استعراضه أهم المفاصل التاريخية للمسيحية في البلاد العربية، في علاقتها بالكنائس الغربية، يستنتج عناية أنه "غالبًا ما  تحشر المسيحية العربية خطأً ضمن تاريخ

الكنيسة الغربية، أو بشكل أدق ضمن تاريخ الكنيسة الكاثوليكية التي انتهكت كرامة الإنسان وفكره في العديد من المناسبات"، والحال أن المسيحية العربية ما عرفت طيلة تاريخها تلك الممارسات، ومن الخطأ "تحميلها ما لم تفعله". وتجنبًا لتحميل المسيحية الشرقية ذنبًا لم ترتكبه، يرى عناية ضرورة بناء

((1(جورج خضر [وآخرون]، المسيحيون العرب: دراسات ومناقشات (بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية، 1981)، ص.23–21 (((1 المرجع نفسه، ص.93 (((1 كان الخلاف في الأساس بشأن عقيدة الروح القدس، فقد أضافت الكنيسة اللاتينية إلى قانون الإيمان أنّ الروح القدس منبثق

من الأب والابن، الأمر الذي اعتبرته الكنيسة الشرقية الأرثوذكسية تحريفًا للقانون، وأصرّت على انبثاق الروح القدس من الأب

وحده. ((1(سميح غنادري، المهد العربي: المسيحية المشرقية على مدى ألفي عام والع قااة المتبادلة مع الإس ماا، ط  4 (الناصرة: دار 30 آذار للنشر، 2011)، ص.373

تاريخية مستقلة للكنيسة العربية لتجنب الاتهامات المجانية الموجهة إليها بوصفها إحدى أهم الخطوات المقترحة في هذا السياق.

2. الدبلوماسية الثقافية

في حين أكدت الأدبيات، التي أشرنا إليها سابقًا، على العلاقة الإمبريالية بين المسيحية الغربية والمسيحية الشرقية، وقدمت شهادات مهمة عن محاولات المسيحية الغربية، بكل قوّتها وثقلها، تطويع

المسيحيين العرب وإخضاعهم بكلّ ما تشمله من مظاهر ومؤسسات وبعثات تبشيرية، فقد قدّمت مجموعة من الأدبيات الحديثة منظورًا معاكسًا تمامًا لتلك الرؤية، يدّعي وجود قصور كبير في معالجة

العلاقة بمجرد عدّها علاقة إخضاعية، وخاصة أن تلك المعالجة تسلّط الضوء على الجهة التي تحاول الإخضاع وتتجاهل وجود أيّ فاعلية للجهة التي تجري محاولات إخضاعها، وتبنّت في المقابل نهجًا

ينظر إلى الإرساليات الغربية ومسيحيي الشرق بطريقة أكثر علائقية وتفاعلية، بالاستشهاد بما سُمي

ب "الدبلوماسية الثقافية". ففي السياق الفلسطيني، أكدت مجموعة متنوعة من المقالات، التي اهتمت بدراسة المسيحيين في فلسطين إبان فترة الانتداب البريطاني، على ضرورة الالتفات إلى مصطلح "الدبلوماسية الثقافية" بوصفه إطارًا مفاهيميًا يحلّل على نحو أعمق العلاقة التي قامت بين الإرساليات الغربية ومسيحيي

المشرق العربي، خاصة لكونه يسمح لنا بالتغلب على المنظور السائد لتدفق أحادي الاتجاه، يطمئن إلى تأثير ثقافي من جانب واحد؛ من أوروبا إلى فلسطين. وعلى العكس من ذلك، تعتبر هذه المقالات أن التشديد على الدبلوماسية الثقافية يمكّننا من إعادة الاعتبار لطرائق اندماج الفلسطينيين في الدوائر العالمية الغربية؛ ففي أثناء عمليات الاتصالات والتفاعلات المختلفة مع الدول الأوروبية، لم يكن الفلسطينيون المسيحيون مجرد متلقّين سلبيين، بل شهدت تلك التبادلات استثمارًا واضحًا من جانبهم

روّجوا بواسطته لهويتهم القومية والوطنية عالميًا، وكانوا في أحيان كثيرة قادرين على تشكيل تلك

العلاقات لغاياتهم الخاصة. وفي السياقين السوري واللبناني، تناول مقدسي دراسة إرساليات البروتستانت إبان الفترة العثمانية، مؤكدًا في الفصل الأخير من كتابه مدفعية السماء على ضرورة إعادة النظر، عمومًا، في الدراسات

التاريخية التي تتناول الاستعمار وتأثيره في المستعمَرين، منتقدًا حصر تلك الدراسات بين نظرتين،

تشدد الأولى منهما على أثر الاستعمار في تدمير ثقافات المجتمعات التي غزاها، بينما تعلي الثانية من شأن المقاومة المحلية التي يبديها المستعمَرون. ومن هذا المنطلق النقدي، يرفض مقدسي

(((2 عز  الدين عناية، "المسيحيّة العربية: تشظّي الهوية ومستخلصات الوعي التاريخي"، في: الهويّة وقضاياها في الوعي العربي

المعاصر، تحرير وتقديم رياض زكي قاسم (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2013)، ص.220–197 (((2 جاءت تلك المقالات مجتمعة في كتاب:

Karène Sanchez Summerer & Sary Zananiri (eds.), European Cultural Diplomacy and Arab Christians in Palestine, 1918–1948: Between Contention and Connection (Berlin: Springer Nature, 2021). (22) Ibid.

الطريقة السائدة في تناول الدراسات التبشيرية الغربية التي اختزلت المبشرين في زمن الدولة العثمانية إلى مجرد إمبرياليين ثقافيين، وعجزت عن فهم مرونة العالم العربي في ظلّ الإمبراطورية العثمانية وقدرته على التكيف والتأثير وتفسيرهما، ثم عجزت عن استيعاب السجلات التي كانت قائمة لدى الشعوب وخياراتها لحظة المواجهة مع المبشّرين البروتستانت البريطانيين والأميركيين. وتلك هي مثلً حال أسعد الشدياق اللبناني الماروني، بطل كتاب مقدسي مدفعية السماء، الذي أبدى ميولً تجاه البروتستانتية، وبنى علاقات إنسانية وروحية معقدة مع المبشّرين البروتستانت. ولعل الأهمية الكبرى لكتاب مقدسي تكمن في كونه يمثّل المحاولة الجادة الأولى في إيصال أصوات كلّ من المبشِّرين والمبشَّرين، والتعريف بالحوار المتبادل بينهما، الذي يشهد تبادلً للكثير من الأفكار والقضايا، التي كان لها أثر بالغ ومعقد لدى الطرفين، كما يصرّ مقدسي. وعلى نحو مماثل تقريبًا، ظهرت أدبيات تتبنّى هذه الرؤية في السياق المصري، ففي دراسة عن الإنجيليين الأميركيين في مصر، انتقدت هيثر شاركي النزعة التي سادت في العديد من الدراسات التي تناولت الإرساليات الغربية، وأصرّت على تصوير المبعوثين في الإرساليات الغربية إما على أنهم حاملون للحداثة وداعون إلى التقدّم، أو أنهم مجرد وكلاء للإمبريالية. وبيّنت في دراستها أن التفاعل الثقافي الذي أطلقه وجود الإرساليات الغربية في مصر أسهم في غضون القرنين التاسع عشر والعشرين في توسيع الفرص التعليمية التي شملت وقتها المسيحيين والمسلمين على حدّ سواء، ثم أسهم في تطوير مؤسسات اجتماعية، لفائدة فئة الشباب تحديدًا، غير أن كلّ هذه التأثيرات المجتمعية لم تحقق التغيّر ذاته على مستوى العلاقات والحدود الدينية. ويرجع ذلك، بحسب ما ترى شاركي، إلى وضع المبعوثين أنفسهم في موقع الوسيط بين الكنائس القبطية من جهة والمؤسسات التابعة للقوى الاستعمارية البريطانية والأميركية من جهة أخرى، وهو الأمر الذي أسهم في زرع نظرة شكّ لدى المجتمع المسلم تجاه المسيحيين الأقباط أنفسهم، لا تزال مستمرة إلى اليوم. وفي واقع الأمر، فإنه لا يمكن النظر إلى هذه الكتابات النقدية عن البعثات التبشيرية في منطقة الشرق الأوسط إلا من حيث كونها امتدادًا للكتابات التي نشأت في وقت سابق في كلّ من أميركا الشمالية وأفريقيا والهند، والتي اهتمت، بحسب روبسون، بتحليل التفاعلات الثقافية التي تضمّنتها المواجهة بين المسيحية العالمية والسكان المحليين في تلك المناطق، والتي قدّمت نتائج مهمة حول تداعيات العلاقة التفاعلية والمعقدة لتلك المواجهة.

(23) Ussama Makdisi, Artillery of Heaven: American Missionaries and the Failed Conversion of the Middle East (New York: Cornell University Press, 2008), p. 213. (24) Heather Sharkey, American Evangelicals in Egypt: Missionary Encounters in an Age of Empire (Princeton: Princeton University Press, 2008), pp. 1–17. (25) Ibid. (26) Robson, "Recent Perspective on Christianity," p. 316.

يرى بعض الباحثين أن معظم هذه الدراسات ركّزت على فترة زمنية محددة بتناولها البعثات التبشيرية حتى أوائل القرن العشرين، لذا طالبوا بضرورة إجراء المزيد من الدراسات التي تهتم بفترة التاريخ الحديث والمعاصر. وتنظر هذه المراجعة إلى توقّف هذه السلسلة الحديثة من الدراسات عند حدود رواية تاريخ المهمات التبشيرية بطريقة مغايرة لما هو سائد، وبخاصة اقتصارها على نقاش الآثار التبشيرية، وحصر نفسها في تبيان نتائج تلك البعثات، سواء أكانت إيجابية أم سلبية أم كلتيهما معًا، بوصفها نقطة ضعف كبيرة تشوب تلك الدراسات عمومًا، لما تضعه من علامات استفهام حول أهمية تلك الكتابات، أو على

نحو أدق بشأن الأهمية المعرفية التي قد تقدّمها كتابات جديدة لاحقة تحشر نفسها ضمن حدود هذا المنظور، بحيث قد لا تشكّل الكتابة الجديدة اللاحقة، في الحقيقة، سوى نوع من التكرار.

ثالثًا: مسيحيو الشرق ودول ما  بعد الاستعمار

يركز هذا المحور على الأدبيات التي تناولت قضية الانتماء المجتمعي لمسيحيي المشرق العربي، وذلك بالتركيز على علاقاتهم بدولهم، عن طريق تقسيم الأدبيات إلى قسمين اعتمادًا على الترتيب الزمني؛ يعرض القسم الأول الأدبيات التي عالجت الفترات الأولى التي تلت انسحاب الاستعمار ونشوء الدولة الحديثة، واهتمت بدراسة الطرائق المتنوّعة التي سعى بواسطتها المسيحيون العرب

لإعادة تعريف هويتهم بإبرازها على أنها هوية وطنية مركزية في الدولة الحديثة. أما القسم الثاني فيتناول الأدبيات التي هدفت إلى رصد التحديات المعاصرة التي لا تزال تواجه مسيحيي المشرق، في قضية انتمائهم المجتمعي.

1. بدايات نشوء دولة ما بعد الاستعمار

تكشف دراستان مهمتان عن الاستجابات المتنوعة والتكتيكات المختلفة التي أكّد بواسطتها المسيحيون العرب على رغبتهم في المشاركة في المشاريع الحديثة لبناء الدولة الوطنية، بعيدًا عن تصنيف هويتهم هويةً دينيةً وأقلية داخل الأغلبية في الدولة الوطنية. ترصد دراسة هيروكو ميوكاوا عن أقباط مصر الطرائق التي عملت بها الأقلية القبطية على إقحام نفسها في الدولة الحديثة والالتفاف على وضعها بوصفها أقلية دينية. وبواسطة الإضاءة على عيد النيروز، تكشف الدراسة عن التحركات الحثيثة للمسيحيين الأقباط نحو إعادة تحوير يوم العيد القبطي وتحويله إلى عيد وطني، عن طريق ربطه ببدايات تبنّي الأقباط للحضارة الفرعونية ولتقاليد قدماء المصريين، بدءًا من القرن التاسع عشر.

وتجادل الدراسة بأن القادة الأقباط انخرطوا في هذا الخطاب الوطني عن قصد، وبوصفه موقفًا سياسيًا

له غايات واضحة، حيث تبنّوا خطابًا يعيد تحويل المهرجان الديني من مجرد كونه احتف لً مسيحيًا إلى

الترويج بواسطته لرؤى فرعونية، دفاعًا عن "الأصالة" الثقافية للأقباط بوصفهم مصريين، وتأكيدًا على التاريخ الطويل من مشاركتهم في الثقافة الوطنية المصرية.

(27) Womack, p. 203. (28) Hiroko Miyokawa, "The Struggle over Egyptianness: A Case Study of the Nayruz Festival," in: Laura Robson (ed.), Minorities and Others: The Modern Arab World (New Perspectives) (New York: Syracuse University Press, 2016), pp. 122–139.

أما عن العراق، فتكشف دراسة بنيامين أن انجذاب السريان المسيحيين إلى الحزب الشيوعي العراقي، في الفترة ما بين الأربعينيات والستينيات من القرن الماضي، ودخولهم على نحو متصاعد في عضوية الحزب، كانا يعودان بالدرجة الأولى إلى تبنّي الحزب المفهوم العلماني للهوية العراقية بعيدًا عن أيّ تمييز ديني، وإلى ما كانت تمنحه هذه الرؤية من مساحة للمشاركة السياسية أمامهم، وما تتيحه

من إمكانية الاندماج في الهوية الوطنية العراقية على أسس علمانية ورؤى أممية، إضافة إلى برنامج الحزب النشط للدعوة العمالية التي جذبت الكثير من عمال النفط السريان الذين كانوا يعملون في مدينة كركوك. إلا أن انقلاب عام 1963، وما تبعه من استهداف النظام الجديد عمومًا أعضاء الحزب

الشيوعي بالسجن والمحاكمة، وخاصة الطريقة التي تعامل بها النظام مع السريان المنتمين إلى الحزب بتصويرهم على أنهم ليسوا مواطنين عراقيين ملتزمين، أدى في النهاية – كما تشير الدراسة – إلى شعور السريان بالعزلة عن محيطهم وإحساسهم بالانفصال المجتمعي. وتبدو دراسة سناء حسن الأعمق في تناول قضية الانتماء المجتمعي للأقباط في مصر من حيث معالجتها لسؤال الهوية وتشكلّاتها، إذ تبدأ بالنظر في الاهتمام الذي أبداه أقباط مصر، بدءًا من

أربعينيات القرن الماضي، بمحاولة إعادة بناء ذاكرة قبطية متخيّلة لتاريخ المسيحية القديم في مصر،

من أجل دمج الأقباط في الأمة المصرية الموحدة. وتشبه سناء حسن محاولات إنتاج ذاكرة المجتمع القبطي بما فعلته الحركة الصهيونية في محاولتها اختراع التاريخ اليهودي القديم. وتنتقل بعدها لتعيّن

فترة سبعينيات القرن العشرين بوصفها فترة استطاعت فيها القاعدة القبطية المصرية أن تؤثر في سلطتها الكنسية، حيث حدث تحوّل حقيقي في السياسات الكنسية، وفي المسؤوليات التي حدّدها القادة

الكنسيون لأنفسهم تجاه رعاياهم وتجاه المجتمع المصري، الأمر الذي أسفر في النهاية عن ولادة كنيسة جديدة ومجتمع قبطي جديد يتبنّى هوية أكثر التحامًا بهويته المصرية الجامعة. وتؤكّد سناء

حسن أن هذا التحوّل جاء بفعل اختيارٍ من القاعدة القبطية المصرية ونضجٍ شهدته قياداتها الكنسية،

وليس مجرد حالة دفاع عن النفس. في الحصيلة، يمكن القول إن ما يجمع هذه الأدبيات هو إصرارها على تقديم صور مضادة لمجمل الافتراضات التي سادت في الكتابات الغربية، والتي أكّدت وجود حاجز قائم بين المسلمين والمسيحيين في المجتمعات العربية، وأكّدت حضورًا شبه ثابت وجامد للمسيحيين العرب، يكاد لا يُبدي أيّ نوع

من التفاعل مع الظروف المجتمعية التي يعيشون فيها. وفي حين تتحدّث روبسون في دراستها عن رفض المسيحيين العرب لمصطلح الأقلية وإعطائهم هويتهم الوطنية أولويةً على هويتهم الدينية من دون أن تحيل إلى مصادر معيّنة أو أسماء محدّدة، يمكن أن نستنتج أن القصور الحقيقي الذي

يكتنف هذا الجانب من موضوع الدراسة هو افتقارها إلى أدبيات تتّخذ من كيفية تعريف مسيحيي

(29) Alda Benjamen, "Assyrians and the Iraqi Communist Party: Revolution, Urbanization, and the Quest for Equality," in: Robson (ed.), pp. 106–121. (30) Sana Hasan, Christians versus Muslims in Modern Egypt: The Century–Long Struggle for Coptic Equality (Oxford: Oxford University Press, 2003), p. 9. (31) Robson, "Recent Perspective on Christianity," p. 313.

الشرق أنفسهم موضوعًا للكشف والفهم، وافتقارها إلى أدبيات تختص بفحص الأولويات التي يرتّبون على أساسها الأولويات بين هويتهم الدينية وهويتهم الوطنية، وعلاقة كلّ ذلك بولاءاتهم الأخرى، وانتماءاتهم المختلفة، وعلى رأسها موقعهم الطبقي.

2. تحدّيات معاصرة

لم تتوقف الأدبيات عند حدود مناقشة الدور الاستعماري في ترسيخ الانقسامات الدينية في الفترة ما بين أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. وبدافع تقديم تصوّر عام لقضية الطائفية في فترة ما بعد الاستعمار، ذهب بعض الباحثين إلى مناقشة الأوضاع المعاصرة. فمثلً، تؤكّد روبسون أن ترسيخ الطائفية في فلسطين نجح منذ فترة الاستعمار البريطاني في نقل المسيحيين من موقع الاندماج والقيادة إلى موقع الإقصاء والتهميش في المجتمع الفلسطيني، وهو الموقع الذي لا يزالون يعانونه في الوقت الحاضر. أما دراسة قيس فرو، التي اهتمت باستعراض التحولات في خطاب "الأمة" منذ القرن التاسع عشر حتى عام 1940، فقد جاءت إحدى أهم نتائجها لتؤكّد أن الانقسامات الدينية التي رسمها الاستعمار قديمًا قد خلقت صعوبات حقيقية ودائمة لدى المسيحيين العرب الذين يُجبَرون

اليوم، وفي كثير من الأحيان، على إعلان ولائهم للرؤية الوطنية المرتبطة بالنخب الحاكمة، تخوفًا من صعود الإسلام السياسي واستلامه الحكم. تتأثر علاقة الأقليات بهويتها الوطنية بعاملين: الأول هو الطريقة التي تعرّف بها الأغلبيةُ أو الدولةُ

الهويةَ الوطنية الجامعة. أما الثانية فهي الطريقة التي تعرّف بها الأقلية ذاتها. وفي حين لم تتجه

الأدبيات، كما أشرنا سابقًا، نحو معالجة الطريقة الثانية، فقد قدّم كتاب صبا محمود الثري معالجة غنية فيما يخصّ الطريقة الأولى، وتحديدًا العلاقة بين سياسات الدولة والأقليات في السياق المصري. فمن منطلق المجادلات المتأخرة المتحدية للتصوير التقليدي القديم للعلمانية بأنها ببساطة مجرد فصل للدين عن الدولة، تذهب صبا محمود في اتجاه تقصّي العلاقة بين شكل العلمانية التي تدّعيها الدولة المصرية والأقلية القبطية فيها، لتقدّم قراءة مغايرة تتصدى بها للسردية الغربية التي رأت أن محنة الأقليات الدينية في الشرق الأوسط هي نتيجة فشل العلمانية في ترسيخ جذورها في المنطقة. فعن طريق فحص أربعة أركان للعلمانية هي: المساواة السياسية والمدنية، وحقوق الأقليات، والحرية الدينية، والفصل القانوني بين المجالات الخاصة والعامة؛ وبالاعتماد على عملها الميداني المكثف في مصر مع المسيحيين الأقباط الأرثوذكس وبدرجة أقل مع البهائيين، تُظهر صبا محمود الكيفية التي أدى بها الحكم العلماني الحديث إلى تفاقم التوترات الدينية في مصر، وإلى زيادة عدم المساواة، بدلً من تقليلها، وتبيّن في الحصيلة أن وعود العلمانية بأنها الحل

(32) Robson (eds.), p. 25. (33) Kais Firro, Metamorphosis of the Nation (Al–Uma): The Rise of Arabism and Minorities in Syria and Lebanon, 1850–1940 (Brighton: Sussex Academic Press, 2009). (34) Noah Haiduc–Dale, Balancing Identities: Minorities and Arab Nationalism (London: Routledge, 2018), p. 35.

الأمثل للمساواة بين المواطنين على اختلاف هوياتهم الدينية ليست إلا وعودًا نظرية لا تصمد أمام الممارسة العملية الفعلية. وأكّدت دراسة سيرين بيلجي وأكرم كاراكوك المسحية دعم مسيحيي المشرق العربي للأنظمة الحاكمة. غير أنها، ومن منظور واسع ومقارن، خرجت بنتائج فيها العديد من الإضافات المهمة، إذ بيّنت وجود

اختلاف في الدعم المقدم للأنظمة الحاكمة بين دعم الأقليات الدينية ودعم الأقليات اللغوية. ففي المناطق المبحوثة، بيّنت الدراسة أن الأقليات اللغوية في كل من تركيا والمغرب ومصر والأردن تدعم

الأنظمة السلطوية بدرجة أقل مقارنةً بالدعم الذي تقدّمه الأقليات الدينية في تلك البلدان. أما أسباب ذلك – بحسب الدراسة – فهي بالدرجة الأولى شعور المسيحيين بالتهديد من تغيّر طبيعة النظام القائم

والانتقال إلى نظام حكم أكثر إسلامية مما هو قائم، وأيضًا تمتّع هذه الأقليات الدينية بدرجة معيّنة من

القوة الاقتصادية في ظلّ الأنظمة السلطوية القائمة، وحصولها على تمثيل سياسي بدرجةٍ ما داخل النظام الحاكم، مقارنةً بالوضع الهامشي للأقليات اللغوية في المجالات كافة. ولعل الأمر اللافت والجديد في هذه الدراسة إبرازها الأثر المهم للموقع الطبقي، سواء داخل الأقلية الدينية أو اللغوية، في دعم النظام السلطوي. وفي الحقيقة، تعرب دراسات عديدة، وإن بدرجات متفاوتة، عن التخوفات التي يبديها المسيحيون العرب من أيّ تغيّر في شكل الدولة يزيد من طابعها الإسلامي، وعن اعتقادهم أن هذا سيؤثّر تلقائيًا

في حقوق غير المسلمين. إلا أن هذا التشديد على هذا التخوف قد يكون أحيانًا مضل لً أكثر من كونه مفسّرًا، إذ يخفي حقيقة الفروق المهمة بين المسيحيين أنفسهم وفقًا لاعتبارات عدة، سواء داخل الدولة

نفسها أو بين الدول المختلفة؛ فبالنسبة إلى مسيحيي الدولة الواحدة مثلً، فقد أشارت الدراسة إلى اختلاف في مواقف المسيحيين الأقباط أنفسهم تجاه ثورة مصر عام 2011. ففي حين دعمت السلطة الكنسية نظام محمد حسني مبارك في الأيام الأولى من الثورة، وأعلن البابا شنودة عن وجوب عدم مشاركة الأقباط في الثورة، كانت مشاركة القاعدة المسيحية في مسيرات إسقاط نظام مبارك مشاركة فاعلة وملموسة في الميادين. لقد كان مجال البحث الأبرز هو الأقباط، حيث إن الغالبية العظمى من مسيحيي الشرق الأوسط اليوم هم من الأقباط، بينما جاءت الدراسات التي تتناول مسيحيي فلسطين في المرتبة الثانية. ومع ذلك، فقد ظهرت دراستا لوسي سكوتن وكيني شميت ضمن الأبحاث المتأخرة التي استخدمت المنهجية الإثنوغرافية، لتعيين حقائق عن الحياة اليومية المعاصرة للمسيحيين بعيدًا عن السياق المصري، وبعيدًا

((3(صبا محمود، الاخت فالديني في عصر علماني: تقرير حول الأقليات، ترجمة كريم محمد (بيروت: مركز نماء للبحوث والدراسات، 2018)، ص.37–25

(36) Ceren Belge & Ekrem Karakoç, "Minorities in the Middle East: Ethnicity, Religion, and Support for Authoritarianism," Political Research Quarterly , vol. 68, no. 2 (2015), pp. 280–292. (37) Ibid. (38) Womack, p. 204.

أيضًا عن الدراسات المركزة على الدولة أو على النخبة، لتعالج بعملها الميداني فئات محددة من المضطهدين المسيحيين في المنطقة. تسلط دراسة سكوتن الضوء على الخدمات التي تقدّمها الكنائس الأردنية للاجئين، خاصة في ظل تدفقاتهم الأخيرة من سورية والعراق إلى الأردن. فقد تحولت المؤسسات الكنسية الأردنية إلى مستقبِل أساسي للاجئين المسيحيين العرب في المنطقة. وباعتماد الدراسة على مقابلات مع رجال الدين الأردنيين، تؤكد أن تحرّك هؤلاء كان بهدف منع هجرة المسيحيين العرب إلى أوروبا وأميركا الشمالية

وأستراليا. ولأن الدراسة تتخذ الطائفية البروتستانتية الأردنية حالةً دراسية، فإن الكاتبة تجادل بأن الاختلاف بين الطوائف الكاثوليكية في العراق، والأرثوذكسية والكاثوليكية في سورية، قد تحول إلى نوع مميز من الوحدة داخل التنوع، وذلك من منطلق الإيمان بهوية شرقية مسيحية موحّدة، بذل فيها رجال الدين الأردنيون جهودًا من أجل التصدي للهجرة، متجاهلين الصراع بين الطوائف، من أجل بقائها متجذّرة في المنطقة. وبينما ركّزت معظم الدراسات عن المسيحية الفلسطينية على الضفة الغربية، فإن دراسة شميت تناولت الظروف الصعبة التي يعيشها مسيحيو قطاع غزة. تشرح الدراسة الوضع الإنساني المتدهور في القطاع بسبب الحصار الإسرائيلي – المصري الذي بدأ منذ عام 2007، والذي دفع جزءًا كبيرًا من المسيحيين

فيه إلى استخدام تصاريح الحجّ المؤقتة ذريعةً للهروب منه. وإذ اختارت مجموعة كبيرة من هؤلاء البقاء على نحو غير قانوني في الضفة الغربية، تبيّن الدراسة عواقب هذا الاختيار والمعاناة التي يعيشونها

مجددًا من جرّاء العزلة الجغرافية والتجزئة الطائفية. وعلى هذا الأساس، تقترح الدراسة فهمًا لهجرة

المسيحيين من قطاع غزة إلى الضفة الغربية بأنها ليست تحسّنًا حقيقيًا في الظروف المعيشية، بل هي

نوع من تبدّل حالة عدم الأمان، وانعدام الأفق؛ بمعنى أن هجرتهم وإن مكّنتهم من تحسين ظروف معيشتهم، فإن وضعهم يبقى مهدّدًا في ظل بقائهم غير القانوني، واحتمال ترحيلهم في أيّ لحظة.

خاتمة واستنتاجات: المسيحية الشرقية: اختلاف التمثيل بين دولة الاستعمار وما بعد الاستعمار

بالنسبة إلى تمثيل مسيحيي الشرق العربي، فإن الدراسات العربية، بغضّ النظر عن ندرتها وقلة عددها في المكتبة العربية، يبدو أنها أجمعت على أمرين: الأول هو حقيقة وجودهم باعتبارهم مكونًا ديموغرافيًا أصيلً ومتجذرًا في المنطقة، مارسوا دورًا مهمًا في الحضارة الشرقية عمومًا، مع التشديد

على دورهم في النهضة العربية في مطلع القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وبروزهم على نحو فاعل في الحركة القومية العربية التي استمرت تقريبًا حتى نهاية الستينيات من القرن الماضي. أما الأمر

(39) Lucy Schouten, "Why Church Leaders Discourage Christians from Leaving Jordan: An Anti–Emigration Perspective," Exchange , vol. 49, no. 3–4 (2020), pp. 339–357. (40) Kenny Schmitt, "Gazan Christians: Pilgrimage Permits, Migration, and the Exchange of Precarity," Exchange , vol. 49, no. 3–4 (2020), pp. 316–338.

الثاني فهو وجود نوع من التحفظ في بعض الأدبيات على علاقات المسيحيين العرب بالمؤسسات الغربية مثل الكنائس والمدارس، وخاصة إبان فترة الاستعمارين البريطاني والفرنسي، وما كان لذلك من أثر في النظر إليهم من داخل المجتمع – بأغلبيته المسلمة – بنوع من الشكّ في عدم ولائهم. وبالنسبة إلى البحوث الأكاديمية، تقارن روبسون بين ماضٍ بعيد تجاهل فيه الغرب دراسة تاريخ المسيحية الشرقية، وحاضر قريب شهد تكاثرًا ملحوظًا في تناول هذا التاريخ، وتبيّن أن أهمية الاختلاف

لم تكن على الصعيد الكمّي، من حيث كثرة عدد الدراسات، بل في تغيّر النظرة الغربية التي كانت

قد ترسخت منذ القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. لقد ساد في الكتابات الغربية، بفعل ادعاء القوى الاستعمارية، اعتقاد أن المجتمعات المسيحية الشرقية في حاجة إلى الحماية من "الأغلبية المسلمة"، وهو الأمر الذي ساعد في ترسيخ الافتراض القائل إن مسيحيي المشرق العربي كانوا جسرًا

أماميًا للمصالح الإمبريالية الغربية أكثر من كونهم كيانًا شرقَ – أوسطي أصيلً يستحقّ الدراسة عن

كثب، مؤكدة أنه، في العقود القليلة الماضية، بدأت تتولد مجموعة من الدراسات التي تعيد مراجعة تلك النظرة الناتجة من الإرث الاستعماري. في واقع الأمر، سعت كتابات غربية منذ تسعينيات القرن العشرين على نحو حثيث لتقديم صورة معاكسة لصورة المفعول به، فأبرزت نشاط الحضور المسيحي في قضايا مجتمعه، وصلابة انتماء الهوية الدينية الجزئية إلى هوياتها الوطنية والقومية الجامعة. أما نتائج هذا التضخم في عدد الدراسات وفي طروحاتها الجديدة، فأدى كما تشير فيونا ماكالوم، منذ عام 2010، إلى أن أصبحت المسيحية في الشرق الأوسط موضوعَ بحث مستقلً، و"تخصصًا فرعيًا جديدًا" ضمن دراسات الشرق الأوسط. وفي حين يعبّر بول رو في دراسته عن تخوفاته من خطر الربط مجددًا بين انخفاض أعداد مسيحيي

المشرق في المنطقة وعودة الرواية الاستعمارية التي أصرّت على تصوير الأقلية المسيحية الشرقية على

أنها أقلية مضطهدة ومعزولة عن محيطها العربي، فإن ديانا وماك تؤكّد، في دراسة متأخرة، أن هذا الحقل الجديد المختص بدراسة مسيحية الشرق الأوسط لا يزال يشهد، منذ التسعينيات، نجاحًا واسعًا إزاء تحدّي تأكيد الطابع العربي والشرق أوسطي للمسيحيين العرب ونفي الطابع الغربي والإمبريالي عنهم. ولكن بعيدًا عن هذه التأكيدات والتطمينات، يظل لمثل هذا الإرث الطويل من الكتابات الاستشراقية عن المسيحيين العرب بعض رواده ومروجيه بين الحين والآخر.

((4(فدوى نصيرات، المسيحيون العرب وفكرة القومية العربية في بلاد الشام ومصر (1840–1918) (بيروت: مركز دراسات الوحدة

العربية، 2009)؛ الحسن بن  طلال، المسيحية في الوطن العربي (عمّان: مكتبة عمّان، 1995)؛ فواز النعيمات، نصارى القدس في فترة

الانتداب البريطاني 1948–1917 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.)2016

(42) Robson, "Recent Perspective on Christianity," pp. 319–320. (43) Fiona McCallum, "Christians in the Middle East: A New Subfield?" International Journal of Middle East Studies , vol. 42, no. 3 (2010), p. 486. (44) Paul Rowe, "The Middle Eastern Christian as Agent," International Journal of the Middle East Studies , vol. 42, no. 3 (2010), p. 473. (45) Womack, p. 212.

يدرس يانوس بيسين ورولاند جوموري في مقالهما  بعنوان الربيع العربي والسقوط المسيحيآثار ثورات الربيع العربي في مسيحيي العرب، وفضلً عن الضعف الذي يكتنفه من حيث الإحالات إلى مصادر موثوقة، فقد عكس في الحقيقة مدى قوة العنف المعرفي الاستشراقي الذي لا يزال حاضرًا في

تناول قضايا مسيحيي المشرق العربي، إذ يتخذ المؤلفان الأرقام التي تدل على تزايد هجرة المسيحيين العرب في كل من مصر وسورية والعراق دليلً على كون هذه الفئة ضحية لتصاعد الإسلام السياسي في المنطقة، وعلى أن نظامي مبارك والأسد الرسميين كانا يوفران لها الحماية من الأغلبية المسلمة. على المستوى النظري، ينظر الكتاب إلى تصاعد الإسلام السياسي الذي يهدد الحقوق والحريات، خاصة الحقوق الدينية وحقوق النساء، على أنه سبب وحيد وعامل أساسي لتفسير ظاهرة تزايد هجرة المسيحيين العرب في هذه المناطق. ثم ينتهي المقال بطريقة ساذجة، ليعكس الاستشراق بصورته الأكثر فظاظة، فيوصي بوجوب استقبال هؤلاء اللاجئين في كل من أوروبا وأميركا وأستراليا، نظرًا إلى

مميزاتهم فيما يخص تقدمهم العلمي، وهويتهم الدينية المشتركة، وثقافتهم القريبة من الثقافة الغربية، مقارنةً بالمسلمين الذين يعيشون في تلك الدول. وفي حين تجمع روبسون ورو وماكالوم ووماك على اختلاف تمثيل المسيحيين الشرقيين في البحوث التي اهتمت بهم، واستبدال تمثيلهم السلبي بتمثيل إيجابي، فإنهم لا يشيرون إلى الكيفية والآلية اللتين جرى بهما ذلك الأمر. وعلى الرغم من أنهم يجمعون على مصطلح الكتابة بوصفها سردية مضادة للسردية الاستعمارية، فإنهم لا يشيرون إلى أيّ علاقة بين هذه الكتابات ومدارس فكرية معيّنة مثل

دراسات ما بعد الاستعمار، أو مدرسة التابع. يوضح تيموثي ميتشل في دراسة قصيرة كيفية بروز عمليات تفكيك التأريخ المهيمن الكولونيالي والقومي على حدّ سواء، بقوة، بواسطة أعمال مختلفة، فقد "جرى تدشين مجلة التابع Subaltern Studies في عام 1982، يرأس تحريرها مؤرّخ هندي ماركسي بارز هو راناجيت جوها. وكان الهدف الأصلي للمجلة انتقاد اتجاه المؤرخين القوميين إلى كتابة التاريخ من زاوية التركيز على النخبة السياسية، وذلك بالتركيز – بدلً من ذلك – على الدور التاريخي للجماعات التابعة". ومصطلح التابع هو "مصطلح تستعيره المدرسة التي تحمله في اسمها من المفكّر الماركسي المتميّز أنطونيو

(46) Janos Besenyo & Roland Gomori, Arab Spring, Christian Fall? The Situation of Christian Minorities in the Middle East after the Arab Spring (Herzliya: International Institute for Counterterrorism, 2013), pp. 1–3. (47) Ibid., p. 20.

(((4 يتّفق العديد من الأدبيات على أنّ المفكّر والناقد الفلسطيني إدوارد سعيد "يأتي في طليعة محلّلي الخطاب الاستعماري، بل

ويعدّه بعضهم رائدًا لحقل النظرية ما  بعد الاستعمارية". ينظر: سعيد البارعي وميجان الرويلي، دليل الناقد الأدبي: إضاءة لأكثر من

سبعين تيارًا ومصطلحًا نقديًا، ط  5 (الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي، 2007)، ص 158؛ ذلك لأنّ سعيد، في كتابه

الاستشراق، أبرز الخطاب الاستعماري بوصفه خطابًا "تلتحم فيه القوة السياسية المهيمنة والاستعمارية بالمعرفة والإنتاج الثقافي".

المرجع نفسه، ص 185. ومن هذا المنطلق، يشير الخطاب الاستعماري "إلى ما بلورته الثقافة الغربية في مختلف المجالات من نتاج يعبّر عن توجّهات استعمارية إزاء مناطق العالم الواقعة خارج نطاق الغرب على أساس أنّ ذلك الإنتاج يشكّل في مجمله خطابًا

متداخلً بالمعنى الذي استعمله فوكو لمصطلح الخطاب". المرجع نفسه، ص.158 ((4(تيموثي ميتشل، "مدرسة دراسات التابع ومسألة الحداثة"، ترجمة بشير السباعي، مجلة ألف، العدد  18 (1998)، ص.100

غرامشي، الذي استخدمه في دفاتر السجنللإشارة إلى العمالة الريفية والبروليتاريا. أما  جماعة دراسات التابع فتستخدم المصطلح نفسه للإشارة إلى قطاعات خارج الصفوة الهندية: كالفلاحين والعمال والنساء وجماعات تابعة أخرى. وفي مقالة بعنوان "دراسات التابع: تفكيك التأريخ" تؤكد الناقدة الهندية جياتري سبيفاك، التي تعدّ المنظّرة النسوية الأهم في نظرية ما بعد الاستعمار، أن تركيز مدرسة التابع على إعادة كشف دور التابع باعتباره عنصرًا فاعلً في تاريخ الهند يعدّ من أهم إنجازاتها، لأنه – كما تراه هي – إنجازٌ أحدث أزمة في

التأريخ المهيمن؛ أي التأريخ الكولونيالي والتأريخ البرجوازي الوطني على حدّ سواء. وهنا من المهم توضيح أن فهم عملية التمثيل الإيجابي لمسيحيي المشرق العربي مرتبطة بالضرورة بعمل منهجية مدرسة التابع؛ بمعنى أن التمثيل السلبي في حقيقته ليس إلا تمثيلً نخبويًا تغيب فيه نسبة كبيرة من الفئات والجماعات المسيحية التابعة والمهمشة، وتلك التي لا تمتلك نفوذًا وامتيازات خاصة، سواء على المستوى الاقتصادي أو السياسي، أو حتى داخل الكنيسة. وبناءً عليه، فإن عملية

الانتقال من التمثيل السلبي إلى التمثيل الإيجابي هي حتمًا عملية انتقال طبقي، بعيدًا عن البرجوازية المسيحية، ونحو أيّ فئة تقع خارج هذه الصفوة. قطعت الأدبيات المتوافرة حتى الآن شوطًا لا يمكن الاستهانة به في الكشف عن التمثيل الإيجابي والفاعل لمسيحيي الشرق في مجتمعاتهم، بيد أنها لم تلتفت إلى أن تمثيلهم السلبي الذي ظل سائدًا حتى بداية تسعينيات القرن الماضي، بوصفهم أقليات غير مندمجة وغير معنية بسياقات مجتمعاتها وهمومها، لم يكن إلا دراسات نخبوية سواء أصدرت عن الاستعمار أم عن النخب الاقتصادية المسيحية العربية المرتبطة به، أو حتى عن السلطة الكنسية ذات الارتباط المباشر بالمؤسسات الغربية. تؤكد الصور التي جرى نقلها عن اللّحمة التي شهدها ميدان التحرير في القاهرة بين المسلمين والمسيحيين في الثورة المصرية على قصور التعميمات التي عادةً ما تكتنف تناول موضوع مسيحيي المشرق العربي، سواء داخل الدولة الواحدة أو في عدد من الدول، بوصفهم مجموعة واحدة ومتجانسة ذات أهداف موحدة وتطلعات مشتركة. ولذا، تخلص هذه المراجعة إلى ضرورة توظيف كل من أدوات التحليل الطبقي ومدرسة التابع في البحوث الأكاديمية للكشف عن الفئات والجماعات المسيحية المهمشة، التي تقع خارج فئة البرجوازية المسيحية، ضمن مشروع معرفي أوسع يحمل التزامًا أخلاقيًا

لاستعادة حضور كل الأصوات التي جرى تهميشها من السلطات في حقبة الاستعمار وحقبة ما بعد الاستعمار. وأخيرًا، يمكن القول إنه قد اتضح لنا أن مشكلة التابع في مواجهة خطاب السلطة لا تكمن

((5(نشط المفكّر أنطونيو غرامشي في الثلث الأول من القرن العشرين، إذ كتب آراءه وفلسفته في دفاتر السجنالتي كتبها ما  بين

1929 و.1935 (((5 ميتشل، ص.101 ((5(جياتري تشكرافورتي سبيفاك، "دراسات التابع: تفكيك التاريخ"، ترجمة وتقديم سامية محرز، مجلة ألف، العدد  18 (1998)، ص.127

في عدم مقدرته على الكلام، بل في أن مأساته، كما شرحتها سبيفاك في مقالتها "هل يمكن أن يتكلم التابع؟"، تحدث لأنه لا أحد يريد أن يستمع إليه.

المراجع

العربية

البارعي، سعيد وميجان الرويلي. دليل الناقد الأدبي: إضاءة لأكثر من سبعين تيارًا ومصطلحًا نقديًا. ط 5. الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي،.2007 الحسن بن  طلال. المسيحية في الوطن العربي. عمّان: مكتبة عمّان،.1995 خضر، جورج [وآخرون]. المسيحيون العرب: دراسات ومناقشات. بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية،

سبيفاك، جياتري تشكرافورتي. "دراسات التابع: تفكيك التاريخ". ترجمة وتقديم سامية محرز. مجلة ألف. العدد).1998(18 شوفالييه، دومينيك. مجتمع جبل لبنان في عصر الثورة الصناعية في أوروبا. ترجمة منى عبد  الله عاقوري. ط 2. بيروت: دار النهار،.2001 شوملي، قسطندي. "الحياة الصحافية في فلسطين نشأتها وتطورها". مجلة جامعة بيت لحم. مج 3

ضاهر، مسعود. الجذور التاريخية للمسألة الطائفية اللبنانية 1861–1697:. بيروت: معهد الإنماء العربي،.1981 غنادري، سميح. المهد العربي: المسيحية المشرقية على مدى ألفي عام والعلاقة المتبادلة مع الإسلام. ط 4. الناصرة: دار 30 آذار للنشر،.2011 فرسخ، عوني. الأقليات في التاريخ العربي. بيروت: رياض الريس للكتب والنشر،.1994 قرم، جورج. المسألة الدينية في القرن الواحد والعشرين. ترجمة خليل أحمد خليل. بيروت: دار الفارابي،.2007 كوثراني، وجيه. الاتجاهات الاجتماعية والسياسية في جبل لبنان والمشرق العربي: من المتصرفية العثمانية إلى دولة لبنان الكبير. بيروت: منشورات بحسون الثقافية،.1986

(53) Gayatri Spivak, "Can the Subaltern Speak?" in: Patrick Williams & Laura Chrisman (eds.), Colonial Discourse and

References

Post–colonial Theory: A Reader (London: Routledge, 2015), pp. 66–111.

لومبا، آنيا. في نظرية الاستعمار وما بعد الاستعمار الأدبية. ترجمة محمد عبد  الغني غنوم. اللاذقية: دار الحوار للنشر والتوزيع،.2007 محمود، صبا. الاختلاف الديني في عصر علماني: تقرير حول الأقليات. ترجمة كريم محمد. بيروت: مركز نماء للبحوث والدراسات،.2018 ميتشل، تيموثي. "مدرسة دراسات التابع ومسألة الحداثة". ترجمة بشير السباعي. مجلة ألف. العدد 18

نصيرات، فدوى. المسيحيون العرب وفكرة القومية العربية في بلاد الشام ومصر)1918–1840(. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2009 النعيمات، فواز. نصارى القدس في فترة الانتداب البريطاني 1948–1917. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2016 الهويّة وقضاياها في الوعي العربي المعاصر. تحرير وتقديم رياض زكي قاسم. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2013

الأجنبية

Belge, Ceren & Ekrem Karakoç. "Minorities in the Middle East: Ethnicity, Religion, and Support for Authoritarianism." Political Research Quarterly. vol. 68, no. 2 (2015). Besenyo, Janos & Roland Gomori. Arab Spring, Christian Fall? The Situation of Christian Minorities in the Middle East after the Arab Spring. Herzliya: International Institute for Counterterrorism, 2013. Firro, Kais. Inventing Lebanon: Nationalism and the State under the Mandate. London: I.B. Tauris, 2003. ________. Metamorphosis of the Nation (Al–Uma): The Rise of Arabism and Minorities in Syria and Lebanon, 1850–1940. Brighton: Sussex Academic Press, 2009. Haiduc–Dale, Noah. Arab Christians in British Mandate Palestine: Communalism and Nationalism, 1917–1948. Edinburgh: Edinburgh University Press, 2013. ________. Balancing Identities: Minorities and Arab Nationalism. London: Routledge,

Hasan, Sana. Christians versus Muslims in Modern Egypt: The Century–Long Struggle for Coptic Equality. Oxford: Oxford University Press, 2003. Makdisi, Ussama. The Culture of Sectarianism: Community, History, and Violence in Nineteenth–Century Ottoman Lebanon. Berkeley: University of California Press, 2000. ________. Artillery of Heaven: American Missionaries and the Failed Conversion of the Middle East. New York: Cornell University Press, 2008.

McCallum, Fiona. "Christians in the Middle East: A New Subfield?" International Journal of Middle East Studies. vol. 42, no. 3 (2010). O’Mahony, Anthony, Göran Gunner & George Hintlian. The Christian Heritage in the Holy Land. Jerusalem: Swedish Christian Study Centre, 1995. Robson, Laura. "Recent Perspectives on Christianity in the Modern Arab World." History Compass. vol. 9, no. 4 (2011). ________. Colonialism and Christianity in Mandate Palestine. Austin, TX: University of Texas Press, 2011. Robson, Laura (ed.). Minorities and Others: The Modern Arab World (New Perspectives). New York: Syracuse University Press, 2016. Rowe, Paul. "The Middle Eastern Christian as Agent." International Journal of the Middle East Studies. vol. 42, no. 3 (2010). Schmitt, Kenny. "Gazan Christians: Pilgrimage Permits, Migration, and the Exchange of Precarity." Exchange. vol. 49, no. 3–4 (2020). Schouten, Lucy. "Why Church Leaders Discourage Christians from Leaving Jordan: An Anti–Emigration Perspective." Exchange. vol. 49, no. 3–4 (2020). Sharkey, Heather. American Evangelicals in Egypt: Missionary Encounters in an Age of Empire. Princeton: Princeton University Press, 2008. Summerer, Karène Sanchez & Sary Zananiri (eds.). European Cultural Diplomacy and Arab Christians in Palestine, 1918–1948: Between Contention and Connection. Berlin: Springer Nature, 2021. White, Benjamin. The Emergence of Minorities in the Middle East: The Politics of Community in French Mandate Syria. Edinburgh: Edinburgh University Press, 2011. Williams, Patrick & Laura Chrisman (eds.). Colonial Discourse and Post–colonial Theory: A Reader. London: Routledge, 2015. Womack, Deanna. "Christian Communities in the Contemporary Middle East: An Introduction." Exchange. vol. 49, no. 3–4 (2020).