العودة إلى تفاصيل المؤلَّف نظام زين العابدين بن علي في تونس: القوة والتنازع في النظم السلطوية

نظام زين العابدين بن علي في تونس: القوة والتنازع في النظم السلطوية

Ben Ali’s Tunisia: Power and Contention in an Authoritarian Regime

هيفاء سويلمي| Haifa Souilmi *

الملخّص

عنوان الكتاب: نظام زين العابدين بن علي في تونس: القوة والتنازع في النظم السلطوية . عنوان الكتاب في لغته: Ben Ali’s Tunisia: Power and Contention in an Authoritarian Regime . المؤلف: آن وولف Anne Wolf. الناشر: أوكسفورد: مطبعة جامعة أكسفورد Oxford University Press. سنة النشر: 2023. عدد الصفحات: 272 صفحة.

Abstract

Book Title: Ben Ali’s Tunisia: Power and Contention in an Authoritarian Regime . Author: Anne Wolf. Publisher: Oxford: Oxford University Press. Date of Publication: 2023. Pages: 272.

الكلمات المفتاحية:
  • السلطة
  • الأنظمة السلطوية
  • سياسة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
  • العالم العربي
  • تونس
Keywords:
  • Power
  • Authoritarian Regimes
  • MENA Politics
  • Arab Region
  • Tunisia

عنوان الكتاب:

المؤلف:

آن وولف Anne Wolf. الناشر: سنة النشر: عدد الصفحات:

نظام زين العابدين بن علي في تونس: القوة والتنازع في النظم السلطوية.

Ben Ali’s Tunisia: Power and Contention in an Authoritarian عنوان الكتاب في لغته:

Regime.

أوكسفورد: مطبعة جامعة أكسفورد Oxford University Press.

PhD Researcher at the Department of Political Science, University of Oregon, US. Email: hsouilmi@uoregon.edu

فصول الكتاب وأفكاره الرئيسة

لم يواكب العالم العربي، قبل عام 2011، موجات الدمقرطة التي اجتاحت بلدانًا مختلفة في أنحاء العالم؛ لذلك ركزت غالبية المؤلفات في حقل العلوم السياسية على أصول المرونة السلطوية Authoritarian Resilience، لكن تغيّر الأمرُ عقبَ الثورة

التونسية، ثم موجة الثورات في مصر والمغرب والجزائر وليبيا والبحرين، وإطاحة بعض النظم السلطوية كما في تونس ومصر، وواجه بعضها الآخر أزمة مصيرية جعلت شرعيتها على المحكّ؛ فاستلزمت إما إصلاحات  لإرضاء الشعب   كما في المغرب، وإما مزيدًا  من حملات القمع كما في البحرين. وفي إثر ذلك كله، ألِّفت كتب ودراسات تبحث في ثورات "الربيع العربي"، وأسباب ركوب البلدان العربية قطار الدمقرطة، وهي التي لطالما عُدّت منيعة أمام الديمقراطية. واستندت تلك المؤلّفات إلى التعبئة الجماهيرية، أو الحركات الاجتماعية، أو المتغيرات الاقتصادية، أو دور الجيوش. ومن الكتب التي تناولت هذا الموضوع كتاب نظام زين العابدين بن علي في تونس: القوة والتنازع في النظم السلطوية للباحثة آن وولف. اعتمدت وولف على القوة التفسيرية التي تقدمها المقاربة المؤسساتية، ومفادها أن المؤسسات نفسها التي عُدَّت قبل فترة طويلة مصدر استمرارية

وقوةٍ للنظم السلطوية، قد تكون مصدر زوالها.

(1) Jason Brownlee, Tarek Masoud & Andrew Reynolds, The Arab Spring: Pathways of Repression and Reform no Arab

(Oxford: Oxford University Press, 2015); Nouri Gana (ed.), The Making of the Tunisian Revolution: Contexts, Architects, Prospects (Edinburgh: Edinburgh University Press, 2013).

وبحثت أيضًا في أسباب انخراط أعضاء من حزب التجمع الدستوري الديمقراطي في الاحتجاجات المناهضة للنظام، والتي أدت إلى نهاية حزبهم، محاولةً الكشف عن العناصر التي تؤثر في علاقة قادة الحزب السلطوي بحزبهم الحاكم، وتداعياتها على "الاستقرار والانهيار السلطويَين"

(ص. 4) شغلت مسألة الرسوخ السلطوي اهتمام الدارسين في العلوم السياسية، حيث يؤكد معظمهم أن النظم السلطوية تظل قائمة بفضل سيطرة الدولة على الموارد الاقتصادية التي تمكّنها من احتواء Cooptation الأنصار والمؤيدين، وتقويض إمكانية ظهور مجتمع مدني حقيقي. وتسمح السيطرة على الموارد الاقتصادية بإنشاء جهاز قسري واستدامته بما يضمن ديمومة النظام، فالدول الريعية تحافظ على نظمها السلطوية؛ لأنها قادرة على تحمّل تكلفة الأجهزة القسرية

واحتواء المجتمع المدني. من المنظور المؤسساتي، تُعدّ مأسسة تركّز السلطة بين يدي السلطة التنفيذية عاملً رئيسًا في

تعزيز السلطوية، وقد أشار ستيفن هغارد وروبرت كوفمان إلى أن النظم التي استطاعت تركيز السلطة في يد فرد واحد كانت أكثر قدرة على الإفلات من الأزمات، كما أن النظم السلطوية التي تملك أحزابًا سياسية مهيمنة كانت أقدر على

التعامل بنجاح مع النزاعات داخل الحكومة،

(2) Steven Levitsky & Lucan A. Way, "Beyond Patronage: Ruling Party Cohesion and Authoritarian Stability," paper prepared for the American Political Science Association (APSA) Annual Meeting, Washington DC‏, January 2010. (3) Larry Diamond, "Why are There Democracies?" Journal of Democracy , vol. 21 (2009), pp. 93–112. (4) Ibid.

والسيطرة على الرهانات السياسية مقارنة بالنظم العسكرية. ويركز باحثون آخرون على الأحزاب الحاكمة، فيفترضون أن النظم السلطوية التي تؤسس أحزابًا حاكمة من المرجح أن تنعم بالدوام والاستقرار. تغوص وولف في تعقيدات الحزب الداخلية التي قد تفضي إلى استقرار النظام أو انهياره. في هذا السياق، لا يكفي محض وجود حزب حاكم لبيان احتمالية انهيار النظام؛ إذ نحتاج إلى البحث في الاستراتيجيات التي نفذها القادة السلطويون، والتطورات التاريخية، والتغير المؤسسي داخل الأحزاب الحاكمة. يقدم الكتاب هاهنا نظرية عن "القوة والتنازع داخل الأحزاب الحاكمة في النظم السلطوية"، والتي تساعد في تفسير "الكيفية التي يسعى بها شاغلو السلطة إلى تقوية حكمهم وتعزيز الاستقرار السياسي الحزبي"، و"متى ولماذا يخضعون للتنازع الداخلي، وما  الأثر الذي يصاحبه" (ص. 6). وتحاجّ وولف في أن ثمة

عناصر تتعلق بالأفكار تدعم التغير المؤسسي في الأحزاب الحاكمة، فتقدم تحليلً مفصلً للكيفية التي أعاد بها الرئيس بن علي (2011–1987) هيكلة الحزب الحاكم بعد إطاحة سلفه الحبيب بورقيبة (1987–1957)، ومقاربته التصحيحية التي مكّنته من الفوز بدعم أعضاء الحزب، حتى من لدن أكثرهم ولاءً لبورقيبة. يعدّ هذا الكتاب مساهمة لافتة في دراسات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ودراسات العالم العربي، والعلوم السياسة عمومًا؛ بسبب

(5) Stephan Haggard & Robert Kaufman, The Political Economy of Democratic Transitions (Princeton: Princeton University Press, 1995). (6) Jason Brownlee, Authoritarianism in an Age of Democratization (Austin: University of Texas, 2007).

التحليلات التاريخية التفصيلية التي يعرضها والتغير المؤسسي الذي يقتفي أثره، وبفضل الإسهام النظري الذي يقدمه بحجته المزدوجة التي تربط التغير المؤسسي الرسمي بالأفكار والمعايير والمؤسسات غير الرسمية. وتدرس وولف في كتابها التطورات السياسية في تونس ونظام بن علي السلطوي، وتحاجّ في أن

الاستنتاجات التي توصلت إليها تمتد لتشمل أنواعًا مماثلة من النظم والقادة السلطويين في العالم؛ مثل بن علي، وشي جين بينغ (2013–)، وحافظ الأسد (1971–2000). وتُلقي دراسة

حالة تونس الضوء على ديناميات لطالما همل أُ البحث فيها؛ إذ تعرض الباحثة تحليلً مفصلً لاستراتيجيات   بن علي والتغييرات المؤسسية والديناميات الحزبية داخل حزب التجمع في تونس، وتتحدث عن الاتجاهات القابلة للتعميم عبر   الكشف عن الديناميات التي تسم النظم السلطوية والأحزاب الحاكمة على نحو عام. وتعتمد وولف على مقاربة "تعقُّب المسار" Process Tracing؛ فتتعقب بدقة وعناية الأحداث والميكانيزمات السببية المفسِّرة للنتيجة التي

أفضت إليها الحالة التونسية، والتي تجلّت في إطاحة بن علي في أعقاب ثورة عام 2011. وفي بحثها الكيفي استخدمت مصادر متنوعة للأدلة؛ منها مقابلات النخبة التي أجرتها بين عامي 2014 و 2018 مع قيادات حزب التجمع وأعضائه، ونقابيين، وأعضاء من المعارضة، وصحافيين. واستخدمت أيضًا الأدلة التي جمعتها من الأرشيف الوطني التونسي، والوثائق التي قدمها لها ناشطون في حزب التجمع، وهي عبارة عن مواد تربوية وتثقيفية حزبية تحوي أفكار الحزب ومبادئه وتُستعمَل في التكوين الداخلي لإطاراته،

مثل يوميتَي لو رونوفو Le Reneveau (التجديد)

الحزبية، ولابراس La Presse (الصحافة) الحكومية، إضافة إلى مصادر للمعارضة مثل منصات التواصل الاجتماعي، وتقارير حقوق الإنسان، ووثائق ويكيليكس. في الفصل الأول من الكتاب، ترسي وولف الأساسَ لحجتها الشاملة وإسهامها النظري؛

فتفترض أن "سياسة الأفكار تعدّ أساسية لفحص استدامة الدكتاتوريات التي تحتوي على أحزاب حاكمة"  (ص. 9). وهي تحدد الاستراتيجيتَين المعياريتَين اللتَين يستخدمهما شاغلو السلطة، بغية كسب دعم الحزب الحاكم بعد حدوث "انقلاب" أو تغير مفاجئ في القيادة، مثلما تتجليان في "المقاربة التصحيحية" Correctivism و"بناء أولويات معيارية جديدة " Normative New Priorities (ص. 9). وفي حين تُقدَّم مثل هذه الأجندة في قالب خطابي وتُعزَّز على أنها تهدف إلى تقوية الحزب والنظام السياسيَين، فإنها طريقة

يتبعها قادة الحزب لتأمين سلطتهم وتفوّقهم على

أعضاء الحزب الآخرين أو المنافسين. وهذه حجة ثاقبة تساعدنا في تحصيل فهم أفضل للقدرة التي تحظى بها الأفكار والمعايير في مسائل تغير النظام Change Regime، والانحلال المؤسسي

Decay Institutional، والبقاء Survival. وفي

الفصل الثاني، تتعمق وولف في دراسة حالة نظام بن علي؛ إذ تعرض كيفيّة تزعّمه الحزب وتأسيسه

حكمًا شخصيًا بدءًا من عام 1987، عبر توظيف

"أيديولوجيته الإصلاحية" التي تعهّد من خلالها بالانفتاح السياسي داخل الحزب وخارجه. وكان لهذا العنصر الفكري صدى لدى أعضاء الحزب والفاعلين السياسيين الآخرين في تونس، مكّن بن علي من تعزيز سيطرته، ثم تركيز السلطة في يدي السلطة التنفيذية لاحقًا، معتمدًا في ذلك على تغيير قواعد اللعبة.

في الفصل الثالث، تعقَّبت وولف الكيفية التي تمكّن بها بن علي من تأمين استقرار نظامه في تسعينيات القرن العشرين، وحصوله على الدعم المحلي والدولي على الرغم من حكمه السلطوي، عبر بناء "أولويات معيارية جديدة"، هي "الأمن الوطني والنمو الاقتصادي" على وجه التحديد؛ إذ استعان بالحملات الإعلامية ومؤسسات الدولة، ونجح في الترويج لفكرة أن تونس كانت تواجه تهديدًا أمنيًا إرهابيًا، وتمكّن بذلك من تحييد

الإسلاميين؛ أقوى منافسيه السياسيين، وتعزيز سيطرته على الحزب. كذلك ظهرت "طبقة رثة من الناشطين" Activists Lumpen، وهو شكل جديد من الناشطين الحزبيين الذين كانوا يستخدمون الإكراه والعنف لمراقبة الأصوات الناقدة بين السكان والسيطرة عليها. يتتبع الفصل الرابع كيفية شروع بن علي في فقدان سيطرته على حزب التجمع في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، فالأولويات المعيارية القديمة لم يعد لها صدى لدى أتباع الحزب. فمن جهة، استطاع بن علي قمع  الإسلاميين ولم يعد باديًا أنهم يمثلون تهديدًا معقولً. ومن جهة أخرى، كانت عائلته "تكدّس ثروة هائلة على حساب الناس العاديين" (ص. 10). وكذلك أفضى تدخّل الأسرة في مسألة خلافة الحكم إلى إضعاف شرعية بن علي بين أعضاء الحزب، وكان هذا التطور بداية النهاية لنظامه. وقد عرضت الكاتبة أكثر حججها إثارة للجدل في الفصل الخامس من الكتاب، فافترضت أنّ "بن علي قد أطيح به في انقلاب سري في واقع الأمر بخلاف السردية الشائعة عن فراره في إثر الاحتجاجات الجماهيرية على حكمه" (ص. 10). وأوضحت أنه خلال الثورة التونسية، كان "الخلاف

الداخلي" متغيرًا حاسمًا في تحديد مصير نظامه،

فقد أدى الاستياء والرؤى المتضاربة داخليًا بين

أعضاء حزب التجمع إلى انضمام الكثير منهم إلى الاحتجاجات والانخراط في أنشطة تهدف إلى إسقاط النظام بدلً من دعمه ودعم حزبهم. وطالب أعضاء آخرون في التجمع "بإصلاحات سياسية، ودعوا بن علي إلى تقوية الحزب والكف عن المحسوبية، ما يعني أن سعيهم لم يكن يبتغي الإصلاح الشامل للنظام"؛ مما زاد من إضعاف موقف بن علي (ص. 10) في الفصل الختامي، تعرض وولف حالات مماثلة من منظور مقارِن، يلقي الضوء على المقاربات التصحيحية التي اتبعها حافظ الأسد وشي جين بينغ، وكيفية استخدامهما "الأولويات المعيارية" بغية تعزيز سلطتهما. وتبحث في قابلية تعميم استنتاجاتها، وتوضح النتائج التي توصّلت إليها ضمن النقاشات المستمرة عن أصول الربيع العربي، والاستقرار والانهيار السلطويَين، وتغيّر النظام. وتحدثت أيضًا عن الدور المهم

للتحولات غير المتوقعة للأحداث، والحوادث الطارئة Contingency، والتبعية للمسار Path Dependency، في الطريقة التي تطورت بها الأحداث في تونس.

مناقشة ختامية

ينطوي كتاب نظام زين العابدين بن  علي في تونس: القوة والتنازع في النظم السلطوية على قدر من الاستفزاز؛ إذ تدعو وولف الباحثين والمختصين، في سعيهم إلى فهم تغير النظام وقدرته على التحمّل في سياق سلطوي، إلى تكريس مزيد من الاهتمام للمساحات المحتجبة داخل النظام، والمطلعين على دواليبه Insiders،

لا الثوريين وغيرهم من الفاعلين من خارج النظام Outsiders. وهاهنا لا بد من الإشارة إلى أن باحثين آخرين قد توصّلوا إلى استنتاجات مماثلة، تؤكد أهمية الفاعلين من داخل النظام في انهيار النظم السلطوية أو مرونتها، والدور المحوري لتماسك الحزب الذي يتأتّى بوساطة الوسائل غير المادية؛ وليس في ما نقوله هنا تقويض لأصالة كتاب وولف، بل نبتغي وضعه في إطار نقاش أشمل. يتميز الكتاب بجمعه بين المقاربات البنيوية وتلك المتعلقة بالأفكار، بغية تحديد لحظات التغير المؤسسي واستراتيجيات النخب التي توضح أن الأولويات المعيارية يمكن أن تُستنفَد، فتخفق في الحفاظ على الدعم المتأتي من أعضاء الحزب في نهاية المطاف. ويلقي اختيار الحالة التونسية الضوء على ديناميات محددة وإقليمية، في حين تؤكد القواسم المشتركة، عبر حالات أخرى من مناطق مختلفة، فائدةَ النظرية التي تقدمها وولف في سياقات جغرافية وثقافية وتاريخية متعددة. فقد أشارت إلى أن حجتها قد تقدم تفسيرًا

أفضل للأساس الفكري الذي استخدمه قيس سعيّد (2019–) لتوطيد سلطته بعد أحداث 25

تموز/ يوليو 2021. وهو ما يدفعنا إلى التساؤل: هل كانت وولف تعتقد أن العناصر المتعلقة بالأفكار في نظام سعيّد ستصمد في غياب برنامج

حزبي؟ لكن وولف لا تشتبك مع هذا السؤال على نحو صريح. يثير هذا الكتاب عددًا من الأسئلة المحيّرة التي

تُركَت من دون إجابة، أولها يتعلق بالمعضلة الحاسمة التي يواجهها كل حجاج متعلق

(7) Brownlee. (8) Levitsky & Way.

بالأفكار: فكيف يمكننا إثبات الافتراض السببي للأفكار؟ بمعنى آخر، كيف يمكننا عزل الدور السببي للعوامل المتعلقة بالأفكار والاستراتيجيات عن العناصر الأخرى التي قد تبدو عشوائية، مثل الوضع الاقتصادي الدولي، أو السياسات الاقتصادية الفاشلة، أو الموروثات المؤسسية الاستعمارية، أو مدركات الفساد أو التغيرات الديموغرافية؟ وكيف يمكننا تحديد عنصر الأفكار الذي يحظى بأهمية أكبر من غيره؟ أتُعدّ مقاربتا "الأولويات المعيارية" و"المقاربة التصحيحية" استراتيجيتَين ضروريتَين وكافيتَين، أم أن إحداهما أكثر أهمية من الأخرى في تحديد مصير النظام السلطوي؟ قد نتساءل لِم لَم يستطع بن علي  وضع "أولويات معيارية" جديدة في الوقت المناسب ليمنع انهيار النظام؟ أوَلم يكن على علم بانحلال شرعية الاستراتيجيات القديمة؟ إذ ليس مستبعدًا، من وجهة نظر منطقية، أن تتفاعل العوامل البنيوية الأخرى مثل الأداء الاقتصادي، والحسابات العقلانية التي يجريها أعضاء الحزب بشأن تكاليف الانشقاق عن بن علي في مقابل الفوائد المتوقعة، وأنّ هذه قد تحدد إن كانت القيادة الحالية تحظى بالجذب تحت ظروف كهذه. وحتى لا يُستنزف الحجاج النظري في تفصيلات غير ذات جدوى، فلو أن حزب التجمع في عهد بن علي وُلد معيبًا في قاعدته الاجتماعية وفي

تماسك نخبه بحيث استعصى على الحل منذ البدء، لَكانت استراتيجيات بن علي القائمة على الأفكار محض إجراءات تجميلية في أساسها، سريعًا ما انهارت. والسبب في ذلك أن البنيان المؤسسي للحزب يشكو الضعف في حد ذاته؛

لأن الكثير من أعضائه انضموا إليه إما لأسبابٍ انتهازية وإما بفعل الخوف، لا عن اقتناع والتزام سياسيَين، فربما انهارت القدرة التنظيمية للحزب

نفسه بقطع النظر عن افتقار بن علي إلى مشروع فكري جذاب في وقت تصاعدت فيه طموحات النخب. وبالمثل، لا يمكن أن نستبعد من المعادلة التي ساعدت في الحفاظ على حكم بن علي لثلاثة وعشرين عامًا عواملَ أخرى، مثل: تزوير الانتخابات، وعلاقات الراعي – زبون، والقمع والمراقبة. تحاجّ وولف بأن سقوط نظام بن علي كان نتاج

انقلاب قام به أعضاء من حزبه، لا بسبب ثورة شعبية. ونعيد التذكير هاهنا أنه من المنطقي أن نشكك في مزاعم أعضاء حزب سقط في أعقاب ثورة عام 2011 حين يتعلق الأمر بالانضمام إلى المظاهرات والانشقاق. وحتى لو سلمنا جدلً بأن مثل هذه الروايات صادقة وتدعمها أدلة أخرى، فلا يمكننا الادعاء، على وجه اليقين، أنها حددت مصير النظام. في واقع الأمر، قد يكون انشقاق أعضاء الحزب، إذا كان ذلك صحيحًا، مردّه

البيئة العامة التي نتجت من ثورة شعبية جارفة. ففي النهاية يتعلق الأمر بمحض خطوة ذكية للقفز من السفينة الغارقة. وتصرفات مؤسسات الدولة الأخرى التي تلت، وقدمتها وولف على أنها "انقلاب" من داخل النظام، قد تندرج ضمن المنطق نفسه. ربما تعيّن على النخب في المؤسسات الأخرى

في الدولة التكيف، أو الهلاك، أو المخاطرة بقمع دموي جماعي للسكان. ثمة إجراءات أقدم عليها بن علي وفاعلون آخرون لا يمكن تفسيرها، وربما غيّرت مسار الأحداث، لكنها

تقع في فخ الحتمية. فأدبيات الربيع العربي

تركز على دور القادمين من خارج النظام، ولم يفعل الثوار والمعارضة أكثر من أنهم تعاطفوا مع هؤلاء الفاعلين. وإذا اخترنا التفكير على نحو مضاد للوقائع، فهل كان نظام بن علي سيسقط لولا الشرارة التي قدحتها الانتفاضة الشعبية؟ هل تنطلق السلسلة السببية حقًا من داخل حزب التجمع؟ هل تشكل هذه حجة الكتاب؟ إن غموض الافتراضات السببية للكتاب هو ما  يفضي إلى بروز هذه المسائل. ويقتضي توضيح هذه المجالات وتطوير البحث فيها، وأن تحاول الأعمال المستقبلية تفكيك الدور السببي للمتغيرات المتعلقة بالأفكار والمتغيرات البنيوية المطروحة. وبالنسبة إلى الحالة التونسية، لا تزال بعض التفاصيل التي قد تكون مهمة في توضيح الأحداث المفضية إلى ثورة عام 2011 غير معروفة. قد نحتاج أيضًا إلى التعمق، على

وجه الخصوص، في فهم الدور الذي أُنيط بالقناصة، وقرار إطلاق النار على المدنيين الذي انتهى إلى تصعيد الموقف، فهل كانت تلك ردة فعل قام بها جزء صغير من مؤسسات الدولة، ولا سيما  الأجهزة الأمنية والقهرية؟ ما  تأثيرها في التظاهرات الشعبية وإطاحة بن علي؟ وهل

المراجع

ستزحزح إجابات هذه الأسئلة افتراضات هذا الكتاب؟ تهدف هذه الأفكار إلى التحفيز في اتجاه مزيد من البحث، أكثر من كونها نقدًا لعمل آن وولف اللافت. وفي المجمل، يعدّ هذا الكتاب عملً دراسيًا جديرًا بالثناء، ينبغي لكل طالب في دراسات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، والسياسة التونسية، والسلطوية، والسياسة المقارنة عامة، أن يطّلع عليه. فأصالة العمل الميداني فيه، ورصانة تحليله، والدقة في سرديته، كل هذا يلقي الضوء على العوامل المؤسسية والفكرية والتاريخية والطارئة التي تؤدي إلى ديمومة النظم السلطوية أو انهيارها. ثمة قلة من العلماء تمكّنوا من تجميع هذه العناصر المتعددة في دراسات متقنة، تستصحب الطموح النظري والتواضع المنهجي في عمل واحد. وقد نجحت آن وولف في تقديم مساهمة نظرية مهمة، تنطلق من دراسةٍ كيفيةٍ لحالة واحدة في اتجاه إلقاء الضوء على ظاهرة أكثر عمومية. لذلك فإن هذا العمل المتقن يستحق أن يكون نموذجًا يُحتذى للباحثين والمهتمين بدراسات الحالة ذات الآثار المقارِنة.

References Brownlee, Jason. Authoritarianism in an Age of Democratization. Austin: University of Texas, 2007. Brownlee, Jason, Tarek Masoud & Andrew Reynolds. The Arab Spring: Pathways of Repression and Reform. Oxford: Oxford University Press, 2015. Diamond, Larry. "Why are There No Arab Democracies?" Journal of Democracy. vol. 21 (2009). Gana, Nouri (ed.). The Making of the Tunisian Revolution: Contexts, Architects, Prospects. Edinburgh: Edinburgh University Press, 2013.

Haggard, Stephan & Robert Kaufman. The Political Economy of Democratic Transitions

Levitsky, Steven & Lucan A. Way. "Beyond Patronage: Ruling Party Cohesion and Authoritarian Stability." paper prepared for the American Political Science Association

(Princeton: Princeton University Press, 1995).

(APSA) Annual Meeting. Washington DC. January 2010.