العودة إلى تفاصيل المؤلَّف البحث السردي في العلوم الاجتماعية: نظريات وتطبيقات

البحث السردي في العلوم الاجتماعية: نظريات وتطبيقات

Narrative Research in The Social Sciences: Theories and Applications

Mohamed Elmakhloufi محمد المخلوفي|

الملخّص

عنوان الكتاب: البحث السردي في العلوم الاجتماعية: نظريات وتطبيقات . المؤلف: حسن احجيج. الناشر: مراكش: مؤسسة آفاق للدراسات والنشر والاتصال. سنة النشر: 2023. عدد الصفحات: 128.

Abstract

Researcher, received a Master's in Sociology from Ibn Zohr University in Agadir, Morocco. Email: elmakhloufi105@gmail.com

الكلمات المفتاحية:
  • البحث السردي
  • السرد
  • مناهج البحث
  • العلوم الاجتماعية
Keywords:
  • Narrative Research
  • Narrative
  • Research Methodologies
  • Social Sciences

عنوان الكتاب: المؤلف: حسن احجيج. الناشر: سنة النشر: عدد الصفحات:

البحث السردي في العلوم الاجتماعية: نظريات وتطبيقات.

مراكش: مؤسسة آفاق للدراسات والنشر والاتصال.

مقدمة

يواصل حسن احجيج في كتابه البحث السردي في العلوم الاجتماعية: نظريات وتطبيقاتالكشف عن القيمة المعرفية والمنهجية للمنهج الكيفي في العلوم الاجتماعية، حيث ينظر المؤلف إليه بصفته المنهج الملائم لفهم الظاهرة الاجتماعية والإنسانية، بدل من تفسيرها فحسب. ويأتي كتابه هذا تتمةً للنقاش الذي تطرق إليه في أبحاثه السابقة، خاصةً كتابه المشترك مع جمال فزة البحث الكيفي في العلوم الاجتماعية: نظريات وتطبيقاتالذي حاجّ فيه الباحثان بعلمية المنهج الكيفي بصفته مقاربة بحثية في العلوم الاجتماعية، وانتقدا التصور الداعي إلى استبعاد هذا المنهج من دائرة البحث الاجتماعي. في هذا السياق، يسعى الكتاب لتبيان دور السرديات بوصفها مقاربة منهجية في فهم عوالم البشر، مشددًا على أنّ "السرديات تلعب دورًا مهمًا في عالم البشر، وتشكّل وسيلة ملائمة لإضفاء المعنى على وجودهم الاجتماعي" (ص. 13) يعتمد الكتاب مقاربة نسقية تمزج بين النظري والتطبيقي؛ حيث يتجلّى الجانب النظري في بسط السياق العام لظهور هذه المقاربة في أدبيات البحث السوسيولوجي، بينما يُقدم الشق التطبيقي توجيهات للباحثين في كيفية الاشتغال بهذه الأخيرة. وباستخدام هذه المقاربة، يدافع الكتاب عن مشروعية البحث السردي، معتمدًا تحليل يُشبه حركة المد والجزر. فمايطرحه من قضايا في فصل يأتي في فصل لاحق لتعميق النقاش حولها. على سبيل المثال، خصّ المؤلف معظم فصول الكتاب لتحليل مفهوم التذاوت، وذلك لتبيان التجديد المنهجي الذي أحدثه هذا النمط من البحوث في العلوم الاجتماعية. يتوزّع الكتاب على مقدمة وخمسة فصول، ثم خاتمة.  يُركّز الفصلالأول على السياق الفكري لانبثاق البحث السردي في العلوم الاجتماعية، ويتطرق إلى المبادئ الفلسفية لهذا الشكل الجديد من البحوث. أما الفصل الثاني، فيكشف أهمية السرد في هذه العلوم، ويواصل الفصل الثالث التعريف بأدوات البحث الموظفة في جمع المعطيات الميدانية. في حين يسلّط الفصل الرابع الضوء على طرائق تفريغ المقابلات السردية، وكذا مناهج تحليلها. وأخيرًا يتناول الفصل الخامس الكتابة السردية، موضحًا بنية النص السردي في العلوم الاجتماعية ومكوّناته.

Nick Crossely, Intersubjectivity: The Fabric of Social Becoming (London: Sage, 1996).

أولا: "المنعطف السردي في العلوم الاجتماعية"

يركز الفصل على البعد التاريخي لتشكل البحث السردي في العلوم الاجتماعية، من خلال الوقوف على أهم المنعطفات التي عرفها، والتي عبّر عنها في مرحلتين أساسيتين. بدأت المرحلة الأولى مع مدرسة شيكاغو التي يعود الفضل إلى روّادها، خصوصًا وليام إسحاق توماس William I. في كتابهما  الفلاح البولوني في أوروبا وأميركا، في بلورة هذا النمط من البحوث، من خلال اهتمامهما  بدراسة رسائل حياة المهاجرين. واتّسمت السرديات خلال هذه الفترة بالتركيز على الأحداث التي كانت تقع في الحياة الحضرية، في حين ظلت الممارسة السوسيولوجية حبيسة المقاربات الإثنوغرافية للوقائع التي كان يعيشها الأفراد، من دون النفاذ إلى التجارب الذاتية والمعاني التي يمكن أن يتضمّنها الفعل الفردي. وقد استمر البحث الاجتماعي على هذه الشاكلة إلى حدود ثمانينيات القرن الماضي، التي تغيّر معها التناول العلمي لمفهوم السرد، متّخذًا منعطفًا جديدًا عمّا كان عليه الأمر سابقًا (ص. 17)–15 تتجلّى جدّة هذا المنعطف الجديد الذي قعّده دانيل بيرتو Daniel Bertaux في كتابه البيوغرافيا والمجتمع: مقاربة تاريخية في العلوم الاجتماعية، في توجيه الباحثين إلى الاهتمام بالتجارب الخاصة للأفراد التي لم تعد موضوعًا للوصف الإثنوغرافي، بل أضحت مادة دسمة للتأويل والبحث عن الدلالات والمقاصد المضمرة في القصص التي يقدّمها الأفراد. وبذلك نكون أمام تحوّل جديد، قطع مع البراديم الواقعي، مؤسسًا لمنظور تأويلي في السرديات (ص. 18). وينطلق هذا المنظور من الفرد بوصفه فاعل، ويوجّه يُضفيها على أفعاله اهتمامه إلى المعاني التي كما  تتشكل في السياق الاجتماعي الخاص وتفاعلاته، وهنا نستشف التأثير والتأثر الحاصل بين قصص المستجيبين وواقعهم بتعدد أبعاده. من جهة أخرى، ينظر المؤلف إلى هذا النمط من البحوث بصفته بديل من التصور الوضعاني، ويُبرز في هذا السياق حدود هذا المنظور الذي يغفل السياقات المركبة التي تتشكل ضمنها أفعال الأفراد وتجاربهم، في إطار إسقاطه المناهج المعتمدة في العلوم الطبيعية على الإنسان. وبخلاف هذا التوجه، يروم البحث السردي النفاذ إلى التجارب التي يقدمها الأفراد على شكل قصص، كما يسعى لتأويلها من منظورهم باعتبارهم ذواتًا فاعلةً، تمتلك القدرة على بناء الواقع الاجتماعي وإضفاء المعنى عليه.

ثانيًا: "البحث السردي بوصفه مقاربة بديلة من الاتجاه الوضعاني"

يحاول الفصل الثاني الذي يعُّدُ امتدادًا للفصل السابق، كشف أوجه الجدة التي تميز البحث السردي من الاتجاه الوضعاني. ففي الوقت الذي يسعى فيه روّاد هذا الاتجاه لإسقاط منظور العلوم الحقة في دراسة الظاهرة الإنسانية، يتبنّى روّاد البحث السردي منظورًا تأويليًا فهميًا، يدافعون من خلاله عن اختلاف هذه الظاهرة عن نظيرتها الطبيعية. وينطلقون في تبنّيهم لهذا المنظور من تحليل السرديات التي يرويها الأفراد، ويحاولون فهم كيفية تشكّلها من خلال استحضار مجموعة من الأبعاد، بدءًا بالعودة إلى ماضيهم، باعتباره خزّانًا للأحداث التي تتضمنها قصصهم. وبهذا

التحديد نلمس أن هذه المقاربة البحثية تسعى للنفاذ إلى عوالم البشر، إضافة إلى الكشف عن أثر القصص في النفاذ إلى الواقع الاجتماعي الذي يبني في إطاره الأفراد قصصهم؛ فالمؤلف يُمكّنهم من يرى أن إلمام الباحثين بهذا الواقع معرفة ما تحبل به سرديات الأفراد من وقائع. وهنا تتحدد قيمة هذه المقاربة وأهميتها؛ إذ لا تفصل الفعل السردي عن سياق تشكله. إنها بهذا التحديد تموضع هذا الفعل داخل البيئة الاجتماعية التي يعيش في داخلها الأفراد، ويؤثرون فيها، ويتأثرون بها (ص. 33)

ثالثًا: "المقابلة السردية"

يقف الفصل الثالث على الأدوات البحثية التي يشتغل بها روّاد البحث السردي، ويركز بصفة خاصة على تقنية المقابلة السردية التي تشكل إحدى أبرز الأدوات المعتمدة في هذه المقاربة لدراسة قصص الأفراد؛ نظرًا إلى أن السرد ليس "مجرد معطيات كيفية أو مقاربة معينة لتحليل المعطيات. إنها مقاربة منهجية في ذاتها تتطلّب مسلمات بارديغمية دقيقة ومنهجًا لجمع المعطيات يسمى المقابلة السردية" (ص. 47). فيبدأ بتوضيح خصوصيات هذا الشكل الجديد من المقابلة الذي يتميز من منظوره من الأشكال التقليدية للمقابلة، فبينما تنطلق هذه  الأشكال من مركزية الباحث، ظنًا منها أن الباحث في العلوم الاجتماعية هو من يفهم الواقع ويسبر أغواره، باعتماده أسئلة محددة، أو ما يُسمى دليل المقابلة. في حين تؤسّس المقابلة السردية على منظور جديد، ينطلق من مركزية المستجيب يعُدُّ وفقًا لهذه المقاربة الفاعل في فهم الذي الواقع الاجتماعي. ولهذا السبب يُطلعنا المؤلف بانقلاب الأدوار في هذا النمط من البحوث؛ إذ يتولى المستجيب قيادة الفعل السردي، في مقابل انحصار دور الباحث في التحفيز والدعم لجعل الأفراد يروون تجاربهم: "الباحث في المقابلة السردية يقوم بدور المستمع الجيد، ويكون المستجوب راويًا للقصص. وتكون المقابلة دائمًا منفتحة على التغيير والتطوير اعتمادًا على تجارب السارد" (ص. 49) بناء عليه، نستشف أن المقابلة السردية تؤسس لعلاقة جديدة بين الباحث والمستجيب؛ تؤسّس على التفاعل المتبادل بين طرفي البحث الميداني. ومن شأن ذلك؛ في نظرنا، أن يقوّي العلاقة التي تجمع بينهما، ويُمكّن الباحث من تُغني القضايا التي يبحث الحصول على معطيات فيها. فإذا افترضنا، على سبيل المثال، أن الباحث يبحث في الدوافع الكامنة وراء هجرة الأفراد، فإن الاعتماد على هذا النمط من المقابلة سيجعل المشاركين يزوّدونه بحقائق كثيرة، مثل الأهداف التي يتطلّعون إلى تحقيقها، بعد قرار الهجرة هذا. وهذا كله يتطلّب إجراء مقابلات مكثفة لتمتين جسور الثقة بين الباحث والمستجيب.

رابعًا: "تحليل المقابلات السردية"

يركّز الفصل الرابع على طرائق تفريغ هذا النمط من المقابلات السردية؛ إذ "يعني التفريغ هنا تحويل السرديات الشفوية إلى نص، علمًا أن النص هو وحده الذي يضمن أن تؤدي البيانات إلى نتائج" (ص. 66). ويعتمد في سياق تعريفه بهذه الطرائق على منهج المقارنة، مُبرزًا أوجه الاختلاف بينها. فإذا كان التفريغ باعتماد وحدات تحليل جي (نسبةً إلى اللغوي الأميركي جيمس باول جي James Paul Gee) يركز على ما يقوله

المشاركون في البحث، فإن روّاد التفريغ الصارم، أو الشامل، كما يُسمّيه المؤلف، يهتمون بتفريغ التفاعلات التي يبديها الباحث للمشاركين في البحث، بما في ذلك عبارات التحفيز وردات الأفعال العاطفية (ص. 68). ويُفَسَّر في تقديرنا انتصار المؤلف لهذا الشكل من التفريغ، نظرًا إلى تلاؤمه مع خصوصيات المقابلة السردية التي لا يقوم الباحث فيها بالإنصات إلى المشاركين في البحث وهم يروون قصصهم فحسب، لكنه يعمل أيضًا على دعمهم وتحفيزهم. ويوضّح الفصل الاختلاف القائم على صعيد مناهج التحليل السردي؛ ما يبيّن تنوع المقاربات التحليلية التي يعتمدها روّاد البحث السردي، خصوصًا إليوت جورج مشلر Elliot George Mishler وأميا لبليش Amia Lieblich، فقد كشف عن إسهاماتهما في تطوير هذه المناهج، وقد توقف في تعريفه بالمقاربات التي طوّرها هذان الباحثان عند تباينات واضحة في المنظورات التي ينطلق منها كلاهما في تحليل قصص الأفراد التي تتسم بالتعقيد والتركيب؛ ما يفرض الأخذ بأكثر من مقاربة (ص. 70). ولهذا السبب تحديدًا، نعتقد أن تحليل السرديات يتطلّب تبني مقاربة شمولية تجمع بين التحليل الفئوي والشمولي الذي تحدثت عنه لبليش، إلى جانب استحضار المقاربة التي طوّرها مشلر، التي تدعو إلى استحضار الواقع الاجتماعي للأفراد.

خامسًا: "الكتابة السردية"

يناقش الفصل الخامس (الأخير) بنية النص السردي في العلوم الاجتماعية، ويتميز من الفصول السابقة ببعده التطبيقي العملي؛ إذ يعرض المؤلف فيه مجموعة من الضوابط المنهجية التي ينبغي احترامها في أثناء الكتابة السردية، "تراعي المعايير التي تتبنّاها الجامعات لقبول الأطروحات وتعتمدها المجلات لقبول نشر الأوراق البحثية من جهة، ومن جهة أخرى احترام المبادئ الأساسية للبحث الكيفي الذي يقوم بالأساس على مقاربة استكشافية واستقرائية وتوليدية للنظرية" (ص  91 المؤلف). ويوجّه هذه الضوابط التي قدّمها في شكل إرشادات توجيهية للطلاب الباحثين، نظرًا إلى ما يعترضهم من مشكلات في أثناء تحرير أوراقهم العلمية، وتحديدًا المشكلات ذات الطابع المنهجي. تمس هذه الضوابط التي سعى المؤلف للكشف عنها بنية النص السردي بمختلف الأجزاء التي يتشكل منها، بدءًا بالمقدمة التي على الباحث، في أثناء كتابتها، التعريف بموضوع البحث وتحديد المشكلة البحثية موضوع الدراسة، إةضاف إلى الأهداف المنشود بلوغها، مرورًا بعرض الدراسات السابقة التي يؤكد المؤلف ضرورة الاشتباك النقدي معها من خلال الكشف عن حدودها، ومن ثم إبراز الجديد الذي يميز الموضوع الذي يدرسه الباحث، وهي مرحلة جد مهمة في إعداد البحوث في تقديرنا. في حين تحدد وظيفة الإطار النظري في الكشف عن النظرية التي انطلق منها في مقاربة موضوع بحثه، كما المفاهيم المعتمدة، مع الحرص على تعريف هذه المفاهيم وإبراز ما بينها من تقاطعات. أما في الإطار المنهجي، فيدعو المؤلف الباحثين إلى الحرص على ذكر الإجراءات المنهجية، وفي هذه الخطوة، عنوان هذا المكون، ينبغي الحرص على تحديد المقاربة النظرية التي انطلق منها الباحث، كما الاشتباك الحقيقي مع الواقع الذي يسرد من أجل حمل القارئ على التماهي

مع الباحث، من دون إغفال التعريف بالعيّنة التي ستُجرى عليها الدراسة. وفي مقابل ذلك، يتحدث المؤلف في المرحلة الأخيرة عن عرض النتائج الميدانية، ويشدد في هذه المرحلة على أن عرض النتائج في البحوث السردية يختلف مبدئيًا عن نظيره في البحوث التقليدية، التي يقدم فيها الباحث إجابات عن أسئلته البحثية وفرضياته. في حين يتجه البحث السردي إلى عرض القصص التي يقدمها المشاركون في البحث.

مناقشة ختامية

يُعدّ كتاب البحث السردي في العلوم الاجتماعية: نظريات وتطبيقات تطويرًا لمشروع حسن احجيج المتكامل في اهتمامه بمناهج البحث السوسيولوجي، ولا سيما المناهج الكيفية التي كشف عن أهميتها البحثية في مجموع إنتاجاته البحثية. وعلى الرغم من ارتباط هذا الكتاب بأعماله السابقة، فإنّ المؤلف يطوّر في كتابه هذا قضايا جديدة تتعلق بالكشف عن علمية المقاربة الكيفية، ومن ثمّ تجاوز المنظورات التي تصنف هذا الأخير في نطاق المناهج الأدبية، إلى جانب توضيح علاقة الباحث بالمشاركين في البحث (العلاقة التذاوتية)، من دون إغفال إبراز خصوصيات البحوث الكيفية التي تأخذ في الحسبان سياقات البحث. في هذا الصدد، يعُدُّ الكتاب مرجعًا مهمًا للطلاب والباحثين في العلوم الاجتماعية المشتغلين بالمقاربة الكيفية. وتتحدد أهمية أطروحة الكتاب في تجاوز المقاربات الكلاسيكية التي تنطلق من مركزية الباحث، والتأسيس لمقاربة بحثية جديدة، تنطلق من فرضية مفادها أن المستجيب طرف مشارك في البحث: "المقابلة السردية "ليست 'استجوابًا'"، إنما تبادل "للغة والمشاعر والأفكار بين الباحث والمشاركين من أجل إعادة البناء المشتركة للعالم" (ص. 79). ويتقاطع منظوره مع المقاربة الفهمية التي دافع عنها جون كتابه المقابلة الفهمية، الذي دعا فيه إلى ضرورة الحرص على تكسير علاقات التراتب بين الباحث والمستجيبين لإنجاح المقابلة الفهمية التي تفرض انقلاب الأدوار بين طرفي البحث، مع التركيز على أسئلة مفتوحة. ويبدو أن ثمة ارتباطًا بين أطروحة كوفمان وأطروحة احجيج، على اعتبار أن كلتا المقاربتين تسعى لتجديد البحوث الاجتماعية عبر إعادة الاعتبار للمستجيب. وعلى الرغم من أهمية المنظور الذي يدافع عنه الكتاب، فإنّ المقاربة التي يحاجّ بمشروعيتها في البحث السوسيولوجي لا تستقيم مع المنظورات الكلاسيكية في السوسيولوجيا، خصوصًا أن هذه الأخيرة تدعو إلى القطع المطلق مع ما يقول الأفراد (الحس المشترك). تبدو في حقيقة الأمر حدود المقاربة السردية في عدم قدرة المنشغلين بها على إعطاء تبرير إبستيمولوجي يضمن لها شرط العلمية؛ ما يدفعنا إلى إبداء ملاحظتين: أول، يطلق المؤلف نعت المقاربة المنهجية للمنظور السردي، دفاعًا عن علميتها، لكن السؤال الذي يبرز هنا: ما طبيعة الوقائع التي تسعى هذه المقاربة لفهمها؟ أهي وقائع حقيقية، تعكس تلك القصص التي يقدّمها الأفراد، أم أنها مجرد تخّيلّات يصطنعها الأفراد من تلقاء أنفسهم في أثناء إجراء المقابلة السردية؟ من هذا المنطلق، لا يبدو استبعاد فعل التوجيه الذي يدعو إليه

(5)  Jean Claude Kaufmann, l’entretien compréhensif , 4 éme éd. (Paris: Armand colin, 2016).

الباحث ذا فائدة؛ إذ يؤدي التوجيه دورًا مهمًا في تنظيم العملية البحثية، فهو يعرف الباحث بالذي ينبغي طرحه من أسئلة، كما يدرك المستجيب هو الآخر الأسئلة التي يجيب عنها، وهنا تكمن حدود هذه التقنية، على الرغم من الجديد الذي تتميز به، مقارنةً بالأشكال التقليدية للمقابلة المعروفة في البحث الكيفي. ثانيًا، تضعنا العلاقة بين الباحث والمشاركين في البحث (العلاقة التذاوتية) في مأزق حقيقي يرتبط بإشكالية الموضوعية في العلوم الاجتماعية، حيث يطرح إشكال الحدود بين العلم والأدب مثل، وكذا إشكال بناء الحقيقة

المراجع

العربية

العددان 48–47 (صيف–خريف.)2019 آدم للنشر والتوزيع،.2019

والاتصال،.2023

الأجنبية

الاجتماعية وحيازتها الشرعية. ويفترض تحقيق هذا الرهان الذي يشكل غاية كل العلوم، قدرًا من الانفصال بين الذات (الباحث) والموضوع (المستجيب). لذلك، نعترض على هذا النوع من العلاقة ونرى أنه من الضروري على الباحث أن يتجنب إقحام دوافعه الذاتية، وأن لا يتماهى مع المشاركين في البحث؛ إذ يُفترض عليه أن يبني مسافة معرفية مع الفئة التي يدرُسها، وأن يؤسس لعلاقة بحثية علمية لا تؤثر فيها أشكال التعاطف، كي تحوز المعطيات التي توصل إليها شرط العلمية.

احجيج، حسن. "التعميم في بحث دراسة الحالة: دروس من دراسة واحة فجيج –  المغرب". إضافات. ________. "التفسير القصدي للسلوك الاجتماعي وشروط صدقتيه". عمران. مج  8، العدد 29 (صيف احجيج، حسن وجمال فزة. البحث الكيفي في العلوم الاجتماعية: نظريات وتطبيقات. مراكش: فضاء احجيج، حسن [وآخرون]. الفهم في العلوم الاجتماعية. مراكش: مؤسسة آفاق للدراسات والنشر