العودة إلى تفاصيل المؤلَّف تجمّع المهنيين السودانيين وسؤال التنظيم والقيادة في الثورة السودانية (2018-2019)

تجمّع المهنيين السودانيين وسؤال التنظيم والقيادة في الثورة السودانية (2018-2019)

The Sudanese Professionals Association and the Question of Organization and Leadership in the Sudanese Revolution (2018–2019)

* Ahmed Ibrahim Abushouk | أحمد إبراهيم أبو شوك

الملخّص

حظي تجمّع المهنيين السودانيين باهتمامٍ خاص من بعض الباحثين السودانيين الذين تناولوا دوره القيادي والتنظيمي في تحويل الاحتجاجات العفوية التي حدثت في كانون الأول/ ديسمبر 2018 إلى ثورة شعبية، لها أهدافها وغاياتها، وانتهت إلى إسقاط نظام الإنقاذ في 11 نيسان/ أبريل 2019، وتشكيل حكومة انتقالية مشتركة بين الجيش (القوات المسلحة والدعم السريع) وتحالف قوى الحرية والتغيير. تتناول هذه الدراسة جذور التجمّع التاريخية ونشأته وتطوّره والاستراتيجيات التنظيمية والقيادية التي اعتمدها خلال فترة الحراك الثوري الذي استمر مدة أربعة شهور. ثم تناقش تراجع دوره خلال الفترة الانتقالية التي أعقبت سقوط النظام وتشكيل الحكومة الانتقالية، وتُحلّل الصراعات الحزبية داخل تحالف قوى الحرية والتغيير وردّات أفعال أنصار النظام القديم التي مهّدت الطريق لانقلاب 25 تشرين الأول/ أكتوبر 2021 والحرب الجارية الآن في السودان.

Abstract

Abstract: The Sudanese Professionals Association has received special attention from some Sudanese scholars given its leadership and organizational role in transforming the spontaneous protests that occurred in December 2018 into a popular revolution. They set the goals and objectives that led to the overthrow of the Salvation regime on 11 April 2019, and the formation of a transitional coalition government shared between the army (the armed forces and the Rapid Support Forces) and the Forces of Freedom and Change Alliance. The present study deals with the historical origins and development of the Association, and the organizational and leadership strategies it adopted during the four months of country wide protests. It then examines the decline in the role of the Association during the transitional period that followed the fall of the regime and the formation of the transitional government. Finally, the paper analyses the partisan conflicts within the Forces of Freedom and Change Alliance and how the old regime’s supporters paved the way for the coup on 25 October 2021 and the ongoing war in Sudan.

الكلمات المفتاحية:
  • الثورة السودانية
  • حكومة الإنقاذ
  • تجمّع المهنيين السودانيين
  • جبهة الهيئات
  • التجمع النقابي
Keywords:
  • Sudanese Revolution
  • Salvation Government
  • Sudanese Professionals Association
  • Trade Union Alliance

ملخص: حظي تجمّع المهنيين السودانيين باهتمام خاص من بعض الباحثين السودانيين

الذين تناولوا دوره القيادي والتنظيمي في تحويل الاحتجاجات العفوية التي حدثت في

كانون الأول/ ديسمبر 2018 إلى ثورة شعبية، لها أهدافها وغاياتها، وانتهت إلى إسقاط

نظام الإنقاذ في 11 نيسان/ أبريل 2019، وتشكيل حكومة انتقالية مشتركة بين الجيش

(القوات المسلحة والدعم السريع) وتحالف قوى الحرية والتغيير. تتناول هذه الدراسة

جذور التجمّع التاريخية ونشأته وتطوّره والاستراتيجيات التنظيمية والقيادية التي اعتمدها

خلال فترة الحراك الثوري الذي استمر مدة أربعة شهور. ثم تناقش تراجع دوره خلال الفترة

الانتقالية التي أعقبت سقوط النظام وتشكيل الحكومة الانتقالية، وتُحلّل الصراعات الحزبية

داخل تحالف قوى الحرية والتغيير وردّات أفعال أنصار النظام القديم التي مهّدت الطريق

لانقلاب 25 تشرين الأول/ أكتوبر 2021 والحرب الجارية الآن في السودان.

الهيئات، التجمع النقابي.

Abstract: The Sudanese Professionals Association has received special attention from some Sudanese scholars given its leadership and organizational role in transforming the spontaneous protests that occurred in December 2018 into a popular revolution. They set the goals and objectives that led to the overthrow of the Salvation regime on 11 April 2019, and the formation of a transitional coalition government shared between the army (the armed forces and the Rapid Support Forces) and the Forces of Freedom and Change Alliance. The present study deals with the historical origins and development of the Association, and the organizational and leadership strategies it adopted during the four months of country wide protests. It then examines the decline in the role of the Association during the transitional period that followed the fall of the regime and the formation of the transitional government. Finally, the paper analyses the partisan conflicts within the Forces of Freedom and Change Alliance and how the old regime’s supporters paved the way for the coup on 25 October 2021 and the ongoing war in Sudan.

Professor of Modern and Contemporary History, Department of Humanities, College of Arts and Sciences, Qatar University. Email: ahmed.abushouk@qu.edu.qa

مقدمة

يعدّ السودان من أوائل الدول العربية التي شهدت تنظيمات نقابية للدفاع عن حقوق العمّال

والمهنيين المنتسبين إليها. ومع مرور الزمن، أضحت تلك النقابات تُمثّل أحد روافد العمل السياسي الوطني ضد المستعمر الإنكليزي – المصري (1956–1898) الذي نشأت في كنفه. وبعد أن نال السودان استقلاله في عام 1956، ساهمت التجمّعات النقابية في تنظيم الحركات الاحتجاجية ضد

الأنظمة الدكتاتورية، التي عمدت إلى تحجيم أنشطتها النقابية والسياسية عبر قوانين النظام العام، أو عن طريق إنشاء نقابات وأحزاب سياسية بديلة وموالية لها. بَيد أنّ هذا التحجيم السّلطوي لم يمنع قيادة

الجبهة الوطنية للهيئات (أو جبهة الهيئات) لثورة تشرين الأول/ أكتوبر 1964 ضد نظام الفريق إبراهيم عبود (1964–1958)، وقيادة التجمّع النقابي لثورة آذار/ مارس–نيسان/ أبريل 1985 ضد نظام المشير

جعفر النميري (1985–1969)، وأخيرًا قيادة تجمّع المهنيين السودانيين لثورة كانون الأول/ ديسمبر

2018 ضد نظام المشير عمر حسن البشير.)2019–1989(وقد استندت جبهة الهيئات في نضالها ضد الحكم العسكري الأول (1964–1958) إلى قاعدة عمالية واسعة (الاتحاد العام لنقابات عمال السودان)، شَّكَل رافعتها السياسية طلاب الجامعات وأساتذة جامعة الخرطوم والمحامون والقضاة والأطباء، فضل عن مشاركة الحزب الشيوعي السوداني على المستوى الحزبي، أو من خلال النقابات والاتحادات الطلابية الموالية له. وبدأت معارضة جبهة الهيئات والأحزاب السياسية برفع مذكرات احتجاجية تنادي بعودة الجيش إلى الثكنات، ومنشورات تحرّض المواطنين على الثورة، وشنّ إضرابات عمالية ومهنية وطلابية مناهضةٍ لنظام الحكم العسكري

الذي ردّ عليها بحلّ الأحزاب السياسية، وتجميد أنشطة النقابات، ومراقبة العمل الصحافي، وتقييد حرية الأنشطة الطلابية في الجامعات، ومحاكمة بعض المعارضين السياسيين. بيد أنّ هذه الإجراءات لم تقلل من نشاط المعارضة، بل دفعتها إلى العمل التنظيمي المشترك، فأنشأت الجبهة الوطنية المتحدة للأحزاب التي شملت حزب الأمة والحزب الوطني الاتحادي والحزب الشيوعي السوداني، وذلك باستثناء حزب الشعب الديمقراطي الذي تأثر بموقف الحكومة المصرية المساند لنظام الفريق إبراهيم عبود. وفي الربع الأخير من عام 1964، تصاعدت وتيرة الاحتجاجات ضد النظام الحاكم، وبلغت الأزمة ذروتها باستشهاد الطالب الجامعي أحمد القرشي بعيارٍ ناري، أطلقته الشرطة لتفريق ندوة داخل المجمّع السكني للطلاب في 21 تشرين الأول/ أكتوبر 1964. وكان استشهاد القرشي بمنزلة ساعة

الصفر التي أفسحت المجال لميلاد الجبهة الوطنية للهيئات التي شملت أساتذة جامعة الخرطوم والمحامين والقضاة والأطباء والبيطريين والمزارعين واتحاد طلاب جامعة الخرطوم ومعهد الخرطوم

(((لمزيد من التفصيل، ينظر: محمود قلندر، السودان ونظام الفريق عبود، 17 نوفمبر 21–58 أكتوبر 64 (الخرطوم: دار عزة للنشر والتوزيع، 2012)، ص.188–147 (((المرجع نفسه، ص.159 (((أحمد بابكر محمد خير، "جبهة الهيئات: موعد قصير الأجل مع التاريخ"، في: حيدر إبراهيم علي [وآخرون]، خمسون عامًا

على ثورة أكتوبر السودانية، 2014–1964: النهوض الباكر (القاهرة / الخرطوم: مركز الدراسات الُّسُودانية، 2014)، ص.2

الفني ونادي الخريجين واتحاد مزارعي الجزيرة. وقادت الجبهة الحركات الاحتجاجية بتحالف مع الأحزاب السياسية، الأمر الذي أفضى إلى إسقاط النظام العسكري وتشكيل حكومة انتقالية، برئاسة سر الختم الخليفة، وبقيادة جبهة الهيئات. إّل أن هذه الحكومة التي ساندها الحزب الشيوعي لم تصمد طويل أمام الأحزاب السياسية التقليدية (الوطني الاتحادي وحزب الأمة) صاحبة الغالبية الجماهيرية الواسعة، التي لم تكن راضية عن تبنّي الحكومة برنامج الحزب الشيوعي السوداني، الذي يهدف إلى تحجيم دورها في الانتخابات البرلمانية العامة. وفي 18 شباط/ فبراير 1965، أسقطت الأحزاب التقليدية حكومة جبهة الهيئات الانتقالية، وكوّنت حكومة انتقالية ثانية ذات طابع حزبي، برئاسة سر الختم

الخليفة؛ وبذلك تراجع دور الجبهة الوطنية للهيئات ذات التوجهات الثورية، المتأثرة بأدبيات الحزب الشيوعي السوداني. وفي الفترة التي أعقبت انتخابات عام 1965 البرلمانية، شكّلت معارضة الحزب الشيوعي تحّد يًا حقيقيًا للحكومة الائتلافية (الأمة والاتحادي)، الأمر الذي دفع الغالبية داخل البرلمان

إلى إصدار تشريع يقضي بطرد نواب الحزب الشيوعي من البرلمان في 16 كانون الأول/ ديسمبر 1965، بحجّة أنهم ينتسبون إلى حزب يروّج للشيوعية والإلحاد. وبعد الانتخابات البرلمانية الثانية في

عام 1968، طرحت الأحزاب التقليدية، بمساندة جبهة الميثاق الإسلامية، مشروع الدستور الإسلامي الذي عارضته الأحزاب الجنوبية وبعض الأحزاب والشخصيات الشمالية. كان حل الحزب الشيوعي وطرح مشروع الدستور الإسلامي وتصاعد وتيرة الحرب في جنوب السودان، من الأسباب الرئيسة التي مهّدت الطريق لانقلاب 25 أيار/ مايو 1969، وولّد "نظام مايو" الذي حكم السودان مدة ستة عشر عامًا (1985–1969). و"نظام مايو" من وجهة نظر منصور خالد

هو نظام شمولي، مرّ بثلاث مراحل أساسية؛ شهدت المرحلة الأولى منها سيطرة الأحزاب اليسارية

(1971–1969)، وتعاظم في المرحلة الثانية دور الاتحاد الاشتراكي السوداني وأثر اتفاقية أديس أبابا، والمصالحة الوطنية (1983–1972)، في حين اتّسمت المرحلة الأخيرة (1985–1983 بتصاعد دور) الإخوان المسلمين، وأسلمة مؤسسات الدولة وتطبيق التشريعات الإسلامية وميلاد الحركة الشعبية لتحرير السودان. وَّلَدت التطورات السياسية التي شهدتها المراحل الثلاث معارضة متعددة الأطياف، تمَّثَل شقها العسكري في الحركة الشعبية لتحرير السودان، وشقها السياسي في ميلاد التجمّع النقابي

الذي تشكّلت نواته من الهيئة النقابية لأساتذة جامعة الخرطوم ونقابة الأطباء ونقابة المحامين. وبرز نشاط التجمّع بصورة واضحة بعد إعلان زيادة أسعار السلع الأساسية واندلاع شرارة المظاهرات الطلابية

في جامعة أم درمان الإسلامية في الأسبوع الأخير من آذار/ مارس 1985. وبعد ذلك، التحقت الأحزاب السياسية وتنظيمات المجتمع المدني وطلاب الجامعات بالمظاهرات التي نظّمها التجمع النقابي.

(((المرجع نفسه، ص.13 (((المرجع نفسه، ص.22–21 (((لمزيد من التفصيل، ينظر: أحمد إبراهيم أبو شوك والفاتح عبد الله عبد  السلام، الانتخابات البرلمانية في السودان –1953(

1986): مقاربة تاريخية –  تحليلية، ط  2 (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2020)، ص 180،.213–212 (((خالد منصور، شذرات من وهوامش على سيرة ذاتية: جيل البطولات وجيل التضحيات، أين وكيف تنكبوا الطريق، ج  2 (القاهرة: رؤية للنشر والتوزيع، 2018)، ص.210

وبلغ التلاحم النقابي – الحزبي ذروته في فجر 6 نيسان/ أبريل 1985، عندما وقّعت ستة تنظيمات نقابية (الهيئة النقابية لأساتذة جامعة الخرطوم ونقابة المحامين ونقابة الأطباء ونقابة المهندسين عن المهن الهندسية، والنقابة العامة لموظفي المصارف والهيئة النقابية لموظفي التأمينات العامة) وثلاثة أحزاب سياسية (الأمة والاتحادي الديمقراطي والحزب الشيوعي السوداني) ميثاق "تجمع القوى الوطنية لإنقاذ الوطن". وقد وضع الميثاق هدفًا رئيسًا له، تمثّل في "إسقاط النظام بكافة الوسائل"، وتأسيس "نظام

حكم قومي ديمقراطي انتقالي لفترة ثلاث سنوات"، يستمد شرعيته من دستور عام 1956 المعدل في عام 1964. وفي ظل الإضراب السياسي والعصيان المدني والاحتجاجات المتصاعدة التي نظّمها التجمّع النقابي، أعلنت القوات المسلحة انحيازها إلى الثورة في بيان تلاه المشير عبد الرحمن حسن

سوار الذهب (2018–1934)، وزير الدفاع القائد الأعلى للقوات المسلحة آنذاك، مفصحًا عن "أنّ

قوات الشعب المسلحة، حقنًا للدماء وحفاظًا على استقلال الوطن ووحدة أراضيه، قد قرّرت بالإجماع

أن تقف إلى جانب الشعب واختياره". وبعد ذلك الإعلان، تكوّنت حكومة شراكة انتقالية بين القوات

المسلحة والتجمّع النقابي، أشرفت على إجراءات انتخابات عام 1986. قبل أن تكمل حكومة الصادق المهدي دورتها الأولى (1989–1986)، حدث انقلاب 30 حزيران/ يونيو 1989 الذي نفذه حزب الجبهة الإسلامية القومية. حكم الانقلاب العسكري مدة ثلاثة عقود (–1989 2019)، بمساندة الحركة الإسلامية، لكنه اصطدم بسلسلة من الاحتجاجات الشعبية التي نظمتها القوى السياسية المعارضة (التجمّع الديمقراطي) وبعض التنظيمات النقابية ومنظمات المجتمع المدني،

فضل عن الانقسام الداخلي في بنية النظام نفسه، وخوضه حربًا ضروسًا ضد جيش الحركة الشعبية

في جنوب السودان وجنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق. وقبل أن يصل الطرفان المتحاربان إلى اتفاقية السلام الشامل في عام 2005، اندلعت الحرب الأهلية في دارفور في عام 2003، مشكّلةً تحّد يًا

عسكريًا جديدًا للنظام الحاكم. وبعد توقيع اتفاقية السلام الشامل، شهدت البلاد نوعًا من الانفراج

السياسي والاعتراف بالكيانات الحزبية والنقابية، ثم أعقب ذلك الاستفتاءُ العام الذي جري في جنوب أُ

السودان، والذي أفضى إلى ميلاد دولة الجنوب في عام 2011. وفي ظل هذه الظروف، بدأت بعض النقابات غير الموالية للنظام في تنظيم عضويتها في شكل تجمّع عريض، طلق عليه "تجمّع المهنيين أُ

السودانيين" الذي أفلح في تنظيم الاحتجاجات الشعبية العفوية التي اندلعت في كانون الأول/ ديسمبر 2018، وتحويلها إلى ثورة شعبية في وجه النظام الحاكم، أفضت إلى سقوط رأس نظام الإنقاذ في 11 نيسان/ أبريل 2019، ثم تشكيل الحكومة الانتقالية شراكةً مع المكوّن العسكري. تناولت بعض الدراسات تجمّع المهنيين السودانيين ودوره في ثورة كانون الأول/ ديسمبر 2018 من

((("ميثاق تجمع القوى الوطنية لإنقاذ الوطن 6 أبريل 1985 م"، الموقع الرسمي للإمام الصادق المهدي، 1985/6/4، شوهد في

2023/10/24، في: JOXBl https://bit.ly/46

((("البيان رقم (1): القوات المسلحة، 5 أبريل 1985، بصوت المشير عبد الرحمن محمد حسن سوار الذهب، القائد العام لقوات

الشعب المسلحة"، يوتيوب، 2013/4/7، شوهد في 2023/8/18، في: https://bit.ly/3OG8zyv (((1 أبو شوك وعبد السلام، ص.264–263

زوايا مختلفة. وتأتي في مقدمتها دراسة ملاذ البشير منصور البشير عن "دور التجمّعات النقابية في

قيادة الثورات الشعبية في السودان ")2019–1964(، وتكمن أهميتها في أنّها تطرح سردية تاريخية عن نشأة التجمّعات النقابية في السودان، وتُحلّل دور جبهة الهيئات ودور التجمع النقابي الديمقراطي

في تنظيم ثورتي تشرين الأول/ أكتوبر 1964 وآذار/ مارس–نيسان/ أبريل 1985 وقيادتهما، ثم تقارن بينهما وبين تجمع المهنيين السودانيين، وتُبرز ميزة التجمّع المضافة. وثمة مقالة لمحمد ناجي الأصم "حول تجربة تجمّع المهنيين السودانيين"، فهي كما وصفها كاتبها

"شهادة شخصية"، لقيادي كان فاعل في العمل النقابي، وَّثَق تجربته عن نشأة التجمّع وتطوره، وبناء

هيكله التنظيمي ودوره في ثورة كانون الأول/ ديسمبر 2018 وفي الحكومة الانتقالية، والمشكلات التي أفضت إلى انقسامه بعد إنجاز المرحلة الأولى للثورة، التي تمثّلت في إسقاط نظام الرئيس البشير. أما دراسة محمد العجّاتي وآخرين عن "تجمع المهنيين السودانيين: البنية والتطور والأدوار والتحالفات:

أية تحديات وآفاق مستقبلية؟"، فتتطابق في بنائها الهيكلي مع شهادة الأصم، لكنها تختلف عنها، بحكم أنها تقوم على تحليل أوسع، يصطحب معه الرأي الآخر في ما يختص بنشأة التجمّع، ودوره

في ثورة كانون الأول/ ديسمبر والحكومة الانتقالية، والأسباب التي أفضت إلى انقسامه في أيار/ مايو 2020. وتُلقي الضوء أيضًا على مستقبل تجمّع المهنيين السودانيين سياسيًا ونقابيًا، وتشير إلى صعوبة

الجمع بين المستقبلَين في ظل بيئة سياسية ونقابية منقسمة وفق خطوط أيديولوجية وتطلّعات حزبية متباينة. وتطرح جملة من الأسئلة المحورية، مثل: لماذا يكون المكوّن العسكري طرفًا في الحكومة

الانتقالية؟ وكيف يكون شكل نظام الحكم في سودان ما بعد الفترة الانتقالية؟ وما التصور الموضوعي لمعالجة مشكلة السلام ومستقبل الحركات المسلحة؟ وما المعايير التي يجب تطبيقها على أنصار النظام القديم ومؤسساتهم التنظيمية والتشريعات التي استنّوها لتنفيذ "مشروعهم الحضاري"؟ من فوائد هذه الدراسات السابقة أنّها قدّمت السياقات التاريخية التي أعانت الباحث في تحليل محتويات المصادر الأولية التي حررتها سكرتارية تجمّع المهنيين السودانيين، أو صدرت عن أفراد

ينتسبون إليه، أو عن جهات سياسية أخرى، وساعدته أيضًا في الإحاطة بتاريخية نشأة التجمّع وتطوره،

وتُبيّن ما يجمعه بالتنظيمات النقابية – السياسية الشبيهة به، والسابقة له ويفرقه عنها (جبهة الهيئات،

(((1 الدراسة مستلة من أطروحاتها لنيل درجة الماجستير: ملاذ البشير منصور البشير، "دور التجمّعات النقابية في قيادة الثورات

الشعبية (2018–1964)، دراسة تاريخية – تحليلية"، وبعد حذف أجزاء من الأطروحة وإعادة هيكلتها، نشرها مركز تأسيس للدراسات والنشر في الخرطوم، في عام 2021، ص.49–31 ((1(محمد ناجي الأصم، "حول تجربة تجمّع المهنيين السودانيين: شهادة شخصية"، سلسلة النقابات المهنية، مبادرة الإصلاح

العربي (أيلول/ سبتمبر 2022)، ص 18–1. يذكر الأصم أنّ الاجتماع المشترك  عُقد في كانونالأول/ ديسمبر 2016، لكن هذه الرواية

تتعارض مع الروايات الأخرى والتسلسل التاريخي للأحداث، مع العلم أن ديباجة الميثاق تشير إلى أن التجمّع تشكّل في

تشرين الأول/ أكتوبر.2016 (((1 محمد العجاتي [وآخرون]، "تجمّع المهنيين السودانيين: البنية والتطور والأدوار والتحالفات: أية تحديات وآفاق مستقبلية"،

في: بين أهمية الدور وتحديات التنظيم والتمثيل: النقابات المهنية المستقلة في العالم العربي، جميل معوّض (محرر)

/(باريس بيروت/ تونس: مبادرة الإصلاح العربي، 2021)، ص.20–2

1964؛ والتجمّع النقابي، 1985)، ورسم ملامح دوره في ثورة كانون الأول/ ديسمبر 2018، وتحديد الأسباب التي أفضت إلى انقسامه وتراجع دوره السياسي بعد سقوط قيادة نظام الإنقاذ وقيام الحكومة الانتقالية. هذه هي القضايا التي تركّز عليها الدراسة الحالية، معتمدةً منهج البحث التاريخي، وذلك من خلال استقراء المعلومات الواردة في المصادر الأولية؛ أي التي صدرت عن التجمّع نفسه، أو عن أعضائه القياديين والثانويين؛ أي التي صدرت عن تنظيمات سياسية شاركته الفعل إبان الفترة التي نهتم بها، وتحليلها في سياقاتها السياسية والاجتماعية لبناء معرفة تأريخية، تربط بين تجارب التنظيمات النقابية – السياسية السابقة وحاضر التجمّع، ربطًا يساعد في فهم أبعاد المشكلة السياسية والاجتماعية السودانية الراهنة من زوايا متعددة.

أولا: تجّم ع المهنيين السودانيين: نشأة متنازع عليها وبنية مترامية وتطور متباين

يبدو أنّ النجاحات التي حققتها ثورات الربيع العربي في تونس ومصر (2011) قد حفّزت بعض التنظيمات النقابية المعارضة لنظام الإنقاذ في السّودان إلى تشكيل كيانٍ ايُمثّلها، ويجمع شملها. إّل أن المنشئين للكيان، اختلفوا في الجهة التي بادرت بطرح الفكرة وتاريخ التأسيس.

1. نشأة متنازع عليها

يرى أحمد عبد الله الشيخ، نقيب "نقابة أطباء السودان الشرعية"، أن فكرة تأسيس التجمّع طُرحت بطريقة سرّية في عيادته، في مدينة أم درمان، في 4 تموز/ يوليو 2012، ثم وجدت الفكرة استحسانًا لاحقًا من نقابة أساتذة جامعة الخرطوم ولجنة المعلمين وتجمّع المهندسين والتنظيمات النقابية التي شكّلت مجتمعة نواة تجمّع للمهنيين السودانيين. وفي كانون الأول/ ديسمبر 2014، وضع التجمّع مسودة ميثاقه وهيكله التنظيمي ولائحته الداخلية، واختار مكتبه التنفيذي. وبعد ذلك، نظّم المكتب التنفيذي العديد من الندوات وورشات العمل، تحت عناوين مهنية ونقابية، مثل: "الحريات النقابية وقوانين العمل"، و"من أجل نقابات ديمقراطية حرة مستقلة". وخلال هذه الندوات، حذّر التجمّع الحكومة السودانية من خطورة هجرة الكوادر المهنية المؤهلة والمدربة، وأثرها السلبي في الأوضاع التعليمية والصحية والاجتماعية والثقافية، وعزا ذلك إلى بيئة العمل الطاردة والأجور غير المُجزية.

د بهذه الأنشطة التنويرية من زاوية أخرى مناهضة الفصل التعسفي الذي كانت تمارسه السّلطة وُقصِ الحاكمة ضد المهنيين غير الموالين لها، واسترداد النقابات التي دَّجَنها النظام لمصلحته، وتشجيع النقابات المهنية الأخرى المعارضة له للانضمام إلى التجمّع الناشئ.

(((1 المرجع نفسه، ص 7؛ محمد أبو حسبو، "'تجمّع المهنيين السودانيين'... كيف نشأ في الخفاء وقاد ثورة شعبية... نقيب

الأطباء حكى ل 'الشرق الأوسط' قصة الاجتماع  الأول في عيادته الخاصة"، الشرق الأوسط، 2019/5/12؛ عزّة مصطفى، "هذا هو

تجمّع المهنيين السودانيين"، مجلة بدايات، العدد  23 (2019)، ص.26

بَيد أنّ محمد ناجي الأصم، عضو لجنة أطباء السودان المركزية، يُرجع تاريخ نشأة تجمّع المهنيين

إلى عام 2016، عندما عقدت لجنة أطباء السودان المركزية وشبكة الصحفيين السودانيين والتحالف الديمقراطي للمحامين اجتماعًا مشتركًا؛ لتنسيق أنشطتهم الميدانية وتطويرها، لمعالجة القضايا النقابية المشتركة. وبناءً على ذلك الاجتماع، صيغت مسودة أولية باسم "ميثاق الدفاع عن حرية العمل

النقابي"؛ ليكون أساسًا "لعمل نقابي تحالفي واستراتيجي مشترك". ونصّت ديباجة التأسيس على

أنّ تجمّع المهنيين السودانيين "جسم تحالفي مهني مستقل، تكوّن في تشرين الأول/ أكتوبر في عام

2016، بكتابة أول ميثاق للمهنيين بين ثلاثة مكوّنات، وهي لجنة أطباء السودان المركزية وشبكة

الصحفيين السودانيين والتحالف الديمقراطي للمحامين". وفي نهاية عام 2017، انضمت لجنة المعلمين إلى التجمّع، ثم تلتها رابطة الأطباء البياطرة الديمقراطيين في بداية عام 2018، وبموجب

ذلك، بلغ عدد النقابات المنضوية تحت لواء التجمّع خمس نقابات، شكّلت مجتمعةً مكتبًا تمهيديًا،

انحصرت مهماته الرئيسة في إعداد ميثاق التحالف المشترك والهيكل التنظيمي واللوائح الداخلية، واستقطاب مزيدٍ من الأجسام النقابية الموازية والمستقلة لتكون جزءًا من التحالف. وُأعلن عن

ميثاق تجمع المهنيين السودانيين في 29 تموز/ يوليو 2018، بعد أن وَّقَعته سبع نقابات مهنية، هي: لجنة المعلمين، ولجنة أطباء السودان المركزية، ورابطة الأطباء البيطريين الديمقراطيين، والتحالف الديمقراطي للمحامين، وتجمّع أساتذة الجامعات، ونقابة أطباء السودان الشرعية، ولجنة مبادرة استعادة

نقابة المهندسين. وتبلور الميثاق في استعادة حرية العمل النقابي واستقلاليته وديمقراطيته، وزيادة

(((1 سست في عامأُ 2016، وقادت إضراب الأطباء في العام نفسه، مطالبةً بتحسين الخدمات الطبية ورواتب العاملين في الحقل الصحي العام. (((1 نشأت بصفتها كيانًا نقابيًا موازيًا للاتحاد العام للصحفيين السودانيين المتحالف مع الحكومة في عام.2008 (((1 بدأ عفويًا في عام 1997، تحت اسم "التحالف الوطني لاسترداد الديمقراطية"، من مجموعة من المحامين الذين خاضوا

انتخابات نقابة المحامين في ذلك العام ضد قائمة المحامين الموالية للنظام الحاكم، لكنهم خسروا الانتخابات، وتعللوا بأنها شهدت تزويرًا فاضحًا وخروقًا قانونية من المحامين الموالين للحكومة والأجهزة الأمنية المساندة لهم. وفي عام 2005 عُدّل اسم

التحالف إلى "التحالف الديمقراطي للمحامين"، ومنذ ذلك التاريخ بقي يخوض انتخابات نقابة المحامين في قائمة موحّدة ضد

المحامين المتحالفين مع النظام، وكان يتصدّى لقضايا الحريات العامة وحقوق الإنسان وممارسات الأجهزة الأمنية والعدلية

المخالفة للدستور والمواثيق العالمية. (((1 الأصم، ص.6 (((1 لمزيد من التفصيل، ينظر: "ميثاق تجمّع المهنيين السودانيين"، تجمّع المهنيين السودانيين، فيسبوك، 2018/7/29، شوهد في

2023/07/11، في: https://bit.ly/2NIEsr7

(((2 الأصم، ص 7–6. يبدو أن اسم شبكة الصحفيين السودانيين قد سقط من هذه القائمة، لأن الشبكة من المؤسسين للتجمّع.

ولذلك يذكر الأصم أنّ عدد النقابات التي وقّعت الميثاق سبع نقابات. وقد ورد ذكر النقابات الثماني في صفحة تجمّع المهنيين

السودانيين على فيسبوك، 2018/12/30، شوهد في 2023/7/11، في: https://bit.ly/48PLFg2. وجاء في هذا المنشور: "تجمّع

المهنيين السودانيين جسم تحالفي مهني مستقل، كان قد ابتدر العمل في تكوينه مع خواتيم إضراب الأطباء في نهاية عام 2016. يضم تجمّع المهنيين حاليًا 8 أجسام، بينها ميثاق وأهداف مشتركة تم إعلانها في منتصف العام الجاري، مع وجود عدد كبير من

الأجسام المهنية التي أعلنت دعمها للتجمع في انتظار الانضمام الرسمي. الأجسام المنضوية تحت مظلة التجمّع حاليًا هي: لجنة

المعلمين، لجنة أطباء السودان المركزية، التحالف الديمقراطي للمحامين، شبكة الصحفيين السودانيين، رابطة الأطباء البياطرة الديمقراطيين، تجمع أساتذة الجامعات، نقابة أطباء السودان الشرعية، لجنة مبادرة استعادة نقابة المهندسين". (((2 لمزيد من التفصيل، ينظر: المرجع نفسه.

الأجور المناسبة مع تكاليف المعيشة، والاهتمام بالتدريب المهني المستمر، والتفاعل والتضامن مع القضايا العامة التي تهمّ جموع الشعب السوداني.

2. هيكل تنظيمي مترامي الأطراف

تشكّل الهيكل التنظيمي لتجمّع المهنيين السودانيين على مستويين في العاصمة القومية وعواصم

الولايات. فكان يمثل المستوى الأول منهما مجلس التجمّع الذي ضمّ ممثلَين من كل تجمّع (أو نقابة)،

وعضوًا ثالثًا احتياطيًا للاستعانة به في حالة تخلّف أيّ عضو من عضوَي التنظيم النقابي الذي ينتسب إليه.

وكان عدد أعضاء المجلس لحظة الإعلان الرسمي عن تأسيس التجمّع في تموز/ يوليو 2018 ستة عشر

عضوًا، يمثلون ثمانية أجسام نقابية. وكان دور المجلس يتمثل في إصدار اللوائح التنظيمية ووضع

السياسات العامة لإدارة أعمال التجمّع وأنشطته النقابية – المهنية، وتليه السكرتارية التنفيذية، المكوّنة

من ستة أعضاء في مرحلة التأسيس، يختار مجلس التجمّع منهم مقّر رًا، ويعمل باقي الأعضاء في مكتب

الإعلام والمكتب القانوني والمكتب المالي والمكتب التنظيمي ومكتب الفعاليات. وأثبتت التجربة أنّ هذا الهيكل الأفقي قد أفرز نوعًا من القيادة الجماعية، وأفسح المجال للممارسة الديمقراطية والتشاور والنقاش داخل سكرتارية التجمّع، وضيّق مساحات الانفراد بالرأي، وحجّم إلى حد بعيد سيناريوهات

التفكك والانقسام والتحكم في القرارات لمصلحة جهات حزبية أو نقابية بعينها. وقد تبنّى تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير هذا النموذج الأفقي في وضع هيكله الإداري والتنسيقي، وكذلك لجان المقاومة ذات التركيبة المناطقية. وكان الأعضاء المؤسسون للتجمّع أيضًا متيقّظين لحساسية الدور المنوط بهم في

ظل نظام حكممُعادٍ للتنظيمات النقابية وأنشطتها المطلبية؛ ولذلك لجؤوا إلى تشكيل سكرتارية ظلٍ من

أعضاء المجلس الآخرين؛ بمعنى أن يقوم كل عضو من أعضاء السكرتارية الأمّ بمشاركة الملفات التي

لّف بإدارتها مع أحد أعضاء المجلس من التنظيم النقابي الذي ينتسب إليهُك. وفي هذه الحالة، يكون مقرر المجلس العضو الوحيد الذي يعرف أسماء أعضاء سكرتارية الظل ومهماتهم الوظيفية، ثم ينقل هذه المعلومات إلى مقرر الظل المختار للوظيفة نفسها. ويرى محمد ناجي الأصم أنّ تشكيل سكرتارية الظل بهذه الكيفية ذات الطابع السري قد مكّن التجمّع من "تجاوز الهجمة العنيفة التي قادها نظام البشير ضده

عقب انطلاق الثورة في كانون الأول/ ديسمبر 2018"، فعندما اعتقلت الأجهزة الأمنية أربعة من أعضاء السكرتارية الأم، استطاعت سكرتارية الظل أن تُسيّر أعمال التجمّع بفاعلية في أثناء الحراك الثوري الذي

اشتركت فيه معظم المدن السودانية.

(((2 "ميثاق تجمّع المهنيين السودانيين." (((2 تشمل هذه الأجسام النقابية ستة عشر تنظيمًا نقابيًا: لجنة المعلمين، لجنة أطباء الُّسُودان المركزية، التحالف الديمقراطي

للمحامين، شبكة الصحفيين الُّسُودانيين، رابطة الأطباء البياطرة الديمقراطيين، تجمع أساتذة الجامعات، نقابة أطباء الُّسُودان الشرعية،

لجنة مبادرة استعادة نقابة المهندسين، لجنة الصيادلة المركزية، تجمع المهندسين الُّسُودانيين، تجمع التشكيليين الُّسُودانيين، جمعية

اختصاصي الإنتاج الحيواني، تجمع ضباط الصحة، اللجنة المركزية للمختبرات الطبية، تجمع الصيادلة المهنيين، تجمع المهندسين الزراعيين الُّسُودانيين. (((2 العجاتي [وآخرون]، ص 12؛ الأصم، ص.8 (((2 الأصم، ص.8

في الوقت نفسه، لم يعلن التجمّع عن أسماء أعضاء مجلسه أو سكرتارية الأم، خوفًا من ملاحقة

الأجهزة الأمنية، بل اكتفى بتحديد أسماء ناطقين رسميين داخل السودان وخارجه، نذكر منهم: محمد ناجي الأصم ومحمد يوسف أحمد المصطفى (السودان)، وسارة إبراهيم عبد الجليل وخالد عمر كروم وإسماعيل التاج وحاجة فضل كرنديس (بريطانيا)، ومحمد الأسباط والرشيد سعيد يعقوب (فرنسا)، والمنتصر أحمد محمود (ألمانيا)، وصلاح شعيب ونهى الزين محمد (الولايات المتحدة الأميركية). ولا يًا حقيقيًا للأجهزة جدال في أن توزيع الناطقين الرسميين جغرافيًا وخارج السودان قد خلق تحّد

الأمنية في محاصرة أنشطة التجمّع وتحجيم دوره الإعلامي في تحريك الشارع السوداني.

3. تطور متباين الفعالية

بحلول أيار/ مايو 2019؛ أي بعد سقوط رأس النظام في 11 نيسان/ أبريل 2019، بلغ عدد الكيانات المنضوية تحت تجمّع المهنيين سبعة عشر تنظيمًا نقابيًا، شملت: لجنة المعلمين، ولجنة أطباء

السودان المركزية، ورابطة الأطباء البيطريين الديمقراطيين، وشبكة الصحفيين السودانيين، والتحالف الديمقراطي للمحامين، وتجمّع أساتذة الجامعات، ونقابة أطباء السودان الشرعية، ولجنة مبادرة

استعادة نقابة المهندسين، ولجنة الصيادلة المركزية، وتجمّع المهندسين السودانيين، وتجمّع الفنانين

التشكيليين السودانيين، وتجمّع اختصاصيي الإنتاج الحيواني، وتجمّع ضباط الصحة، واللجنة المركزية

للمختبرات الطبية، وتجمّع الصيادلة المهنيين، وتجمّع المحاسبين المهنيين، وتجمّع المهندسين

الزراعيين. وكانت هذه الأجسام متساوية في تمثيلها في عضوية مجلس التجمّع وهياكله الأخرى،

على الرغم من أنها كانت متباينةً من حيث عدد الأعضاء وكفاءة الأداء النقابي والتنظيمي. ولذلك وصف الأصم المجموعة التأسيسية بأنها كانت "ذات فعالية وتأثير كبيرين". أما المجموعة اللاحقة لها، فقد كانت غير مؤثرة، إلى درجة أنّ بعضًا منها، بحسب وجهة نظر الأصم، لا يستطيع أن يسمّي مندوبين

له في مكاتب التجمع المختلفة. فالتمثيل المتساوي من هذه الزاوية قد استُخدم لتحقيق الكسب

"السياسي السلطوي البحت، حيث كثرت وتشعبت الأجسام (اللافتات) عقب اندلاع الثورة ونجاحها، وأصبح من الصعب جدًا التمييز بين المشاريع النقابية الحقيقية، وبين تلك التي يتم صناعتها بغرض التأثير" في صنع القرارات والمواقف التي تمثل جهات سياسية أو حزبية بعينها. وقد ظهر ذلك جليّا

جريت في في انتخابات التجمّع التيأُ 10 أيار/ مايو 2020، وأفضت في خاتمة المطاف إلى انقسامه.

ثانيًا: أدوار التجّمنّع في ثورة كانو الأول/ ديسمبر 2018

تنوّعت أدوار التجمّع في ثورة كانون الأول/ ديسمبر 2018، ما بين التحركات التي سبقت اندلاع الثورة،

والتحركات التي أعقبت ذلك وحددت مسارات تلك الأدوار وعلاقاتها بقوى إعلان الحرية والتغيير والحكومة الانتقالية.

(((2 "ميثاق تجمّع المهنيين السودانيين." (((2 المرجع نفسه. (((2 لمزيد من التفصيل، ينظر: الأصم، ص.9 (((2 المرجع نفسه.

1. بدايات مطلبية واحتجاجية

قبل اندلاع الشرارة الأولى للاحتجاجات في مدينة الدمازين في 13 كانون الأول/ ديسمبر 2018، شرع تجمّع المهنيين السودانيين في تنظيم العديد من الندوات وورشات العمل ذات الطابع المهني والنقابي،

بعيدًا عن الخطاب السياسي المعارض للنظام الحاكم معارضةً صريحة، وذلك بهدف توسيع قاعدته

التنظيمية وترسيخ روح الانتماء إلى قضايا المهنيين، واستقطاب مزيدٍ من التنظيمات النقابية وتأسيس تنظيمات جديدة في أوساط القطاعات المهنية التي لم يكن لديها كيانات نقابية. ومن القضايا ذات القواسم المشتركة التي حظيت باهتمام التجمّع، قضية الأجور غير المجزية وتأثيرها السلبي في رواتب

الموظفين والعمال. ومن خلال المطالبة بتحسين الأجور، أفلح التجمّع في كسب تأييدٍ واسع في

أوساط العاملين في الدولة، وبذلك وضع الحكومة أمام تحٍّدّ حقيقي، أفقدها جزءًا من صدقيتها في

الشارع العام. ولذلك شهدت الفترة السابقة لاندلاع الثورة سلسلة من الإضرابات المجدولة للأطباء في العاصمة والولايات، احتجاجًا على تدنّي الأجور، وسوء بيئة العمل الصحية، فوجدت تلك الإضرابات

مؤازرة من التنظيمات النقابية الأخرى المعارضة للحكومة. وتصعيدًا لوتيرة الاحتجاجات، نظّم التجمّع

مؤتمرًا صحافيًا عن قضية الأجور في منتصف تشرين الثاني/ نوفمبر 2018، تحدّث فيه محمد يوسف

أحمد المصطفى (أستاذ الأنثروبولوجيا في جامعة الخرطوم)، ومحمد ناجي الأصم (لجنة أطباء السودان المركزية). وبناءً على مخرجات ذلك المؤتمر، بدأ التجمّع في إعداد مذكرة عن رفع الحد

الأدنى للأجور من 475 جنيهًا إلى 8664 جنيهًا، ثم سلّم نُسخًا منها إلى وزير العمل في الخرطوم، وإلى

منظمة الوحدة النقابية الأفريقية واتحاد العمال العرب ومنظمة العمل العربية ومنظمة العمل الدولية في جنيف. وعلى المستوى المحلي، وجدت المذكرة تأييدًا واسعًا في الشارع النقابي. وشرع التجمّع

أيضًا في الإعداد لمسيرة صامتة إلى مباني المجلس الوطني في أم درمان لتسليم المذكرة، وحدد يوم 19 كانون الأول/ ديسمبر 2018 تاريخًا لانطلاق المسيرة. لكن قبل التنفيذ، انطلقت موجة الاحتجاجات الثورية من مدينة الدمازين في ولاية النيل الأزرق وفي بعض المدن السودانية الأخرى، نتيجةً لارتفاع أسعار الخبز وشحّ المواد النفطية وعجز المصارف البنكية عن تمكين مودعيها من الصرف من حساباتهم

البنكية، من دون تحديد سقف مالي.

2. تصاعد صوت التغيير السياسي

في أثناء الاحتجاجات، بدأ يعلو صوت التغيير السياسي على صوت معالجة المشكلات المعيشية، وتعالت هتافات المتظاهرين بإسقاط النظام، وبلغت ذروة غضبها في إحراق دار حزب المؤتمر الوطني الحاكم في مدينة عطبرة. وعند هذا المنعطف، شعر أعضاء تجمّع المهنيين السودانيين بضرورة تغيير

محتوى مذكرتهم المزمع رفعها إلى المجلس الوطني، وإعطاء الأولوية لإسقاط النظام، بدل من

(((3 المرجع نفسه، ص.8 (((3 هبة محمود سعيد، "حوار صحافي مع القيادي بتجمّع المهنيين د. محمد يوسف أحمد المصطفى ل (الانتباهة) (2–1): خططنا

أولللاعتصام أمام القصر الجمهوري ولكن"، الراكوبة، 2020/12/21، شوهد في 2023/7/13، في: https://bit.ly/3IuyC9b (((3 المرجع نفسه.

المطالبة بتحسين الأجور التي تمثّل صورة من صور الحرمان النسبي الذي يعانيه معظم العاملين في القطاعين العام والخاص. وفي إطار مناخ الاحتجاجات العام، دعا التجمّع إلى مظاهرات حاشدة

يوم الثلاثاء، الموافق 25 كانون الأول/ ديسمبر 2018، وأعلن عن نقطة تجمّعها في ميدان أبو جنزير

في وسط الخرطوم، بهدف الوصول إلى القصر الرئاسي، وتسليم مذكرة "باسم جميع أبناء الشعب السوداني"، تطالب الرئيس البشير وحكومته بالتنحّي الفوري وإفساح المجال لتشكيل حكومة كفاءات

انتقالية لها مهمات محددة، لتحقيق الانتقال الديمقراطي ومعالجة قضايا الحرب والسلام وتحسين الظروف المعيشية. وأكّدت المذكرة كذلك إصرار المهنيين على طَرق كل "الخيارات الشعبية السلمية، بما فيها الإضراب والعصيان المدني، حتى إسقاط النظام". واستجابةً لذلك التحدي، نشرت الحكومة أجهزتها الأمنية والشرطية والعسكرية في مداخل الشوارع المؤدية إلى القصر الرئاسي ومنطقة السوق العربي والسوق الإفرنجي، ومحطات النقل العام في الخرطوم. لكنّ هذه الإجراءات الأمنية تُفلح في منع المتظاهرين من الوصول إلى وسط المدينة وشارع القصر الجمهوري على وجه لم الخصوص، ومنطقة السوق العربي والسوق الإفرنجي، حيث ندد المتظاهرون بحكومة الرئيس البشير ونادوا بإسقاطها، إّل أنّ القوات الأمنية تصدّت لهم بعنف، مستخدمةً العصي والغاز المسيل للدموع والذخيرة الحية والسيارات ذات الدفع الرباعي، ففرّقتهم. وفي ظل تصاعد القبضة الأمنية للنظام، قام تجمّع المهنيين السودانيين بدورٍ بارز في تنظيم المظاهرات

داخل السودان، وتنوير الرأي العام المحلي والخارجي بسير العمل الميداني والصعوبات التي تعتريه وكيفية تجاوزها، كما أفلح في توظيف الكثير من وسائل التواصل الاجتماعي المتاحة، وموقعه الإلكتروني على الإنترنت باللغتين العربية والإنكليزية، لترويج مطالب المتظاهرين عن طريق البيانات والمنشورات، وتحديد أماكن الاحتجاجات ومواعيد انطلاقها في العاصمة والولايات، وكيفية تقديم الدعم اللوجستي والطبي وتوثيق حالات الإصابات والوفيات. ولذلك وصف الشفيع خضر سعيد التجمّع بأنه قد التقط "نبض اللحظة التاريخية، واستجاب لها، فتصدّى لقيادة الحراك، متّخذًا

به منحى تصاعديًا، ووفق موجهات قيادية حكيمة، أكسبته ثقة الآلاف التي تهدر في الشوارع. وأنا

شخصيًا، أجزم بأنّ أكثر من 99 في المئة من هذه الآلاف المنتفضة في الشوارع لا تعرف من هم [قادة]

(((3 يقصد بالحرمان النسبي عدم تكافؤ توقعات القيم المادية (السلع والحاجات المادية) والمعنوية (الحريات والمشاركة السياسية والوظيفة العامة) التي يرغب الشخص في الحصول عليها، لأنه يشعر بأنه يستحقها قياسًا بغيره، أو أن الحكومة قد حرمته منها، أو أنها

لا تعدل في توزيعها بين المواطنين. وينسب مصطلح الحرمان النسبي إلى عالم الاجتماع السياسي تيد روبرت غور Ted Robert

Gurr الذي بنى حوله نظريةً في كتابه لماذا يتمرّد البشر؟ Whey Men Rebel?. ويرى غور أن الحرمان النسبي الناتج من التوقعات

القيمية والمعنوية يولّد شعورًا بالإحباط والكبت، يدفع الإنسان إلى التمرد أو الثورة ضد المجتمع أو الدولة التي تحرمه من تحقيق

توقعاته القيمية والمعنوية. (((3 أحمد فضل، "بعد مسيرة القصر الجمهوري...  توجّه لإضراب عام وعصيان مدني بالسودان"، الجزيرة نت، 2018/12/25،

شوهد في 2023/7/16، في: https://bit.ly/38a4BIs (((3 ينظر: تجمّع المهنيين السودانيين، فيسبوك، في: https://bit.ly/2VPaR3y (((3 المرجع نفسه. (((3 العجاتي [وآخرون]، ص.9

'تجمع المهنيين السودانيين'، ولا تهمّها أسماء الشخوص، ومع ذلك تستجيب لنداءاته المتطابقة مع

ما يجيش في دواخلها ومشاعرها وتطلعاتها".

3. التجمّع وقوى إعلان الحرية والتغيير

بعد اندلاع الثورة، نشطت الاتصالات بين تجمّع المهنيين السودانيين والأحزاب السياسية ومنظمات

المجتمع المناهضة للنظام، بهدف قيام كيان تنسيقي لتنظيم أنشطتها الداعمة للثورة. وتجسّد ذلك

الطموح في إعلان الحرية والتغيير، الذي وقّعت مسودته الأولى أربع قوى نقابية وحزبية: تجمّع المهنيين

السودانيين (وقّع عنه محمد ناجي الأصم) ونداء السودان (وقّع عنه حامد علي نور) وتحالف قوى الإجماع الوطني (وقّع عنه عبد الرحيم عبد الله محمد) والاتحادي الديمقراطي المعارض (وقّع عنه عز العرب حمد النيل). وفي 1 كانون الثاني/ يناير 2019، صدر الإعلان بديباجة نصّها: "نحن

شعب السودان في المدن والقرى، شم ل وجنوبًا وشرقًا وغربًا ووسطًا، بكافة قوانا الشعبية والسياسية

والاجتماعية والنقابية والمدنية وأصحاب المطالب، نؤكد عبر هذا الإعلان أننا لن نتوقف عن استخدام كافة أساليب النضال السلمي حتى يتم الخلاص من نظام الإنقاذ الشمولي". وشملت أهداف الإعلان المطالب الآتية: أ. التنحي الفوري للبشير ونظامه من حكم البلاد من دون قيد أو شرط. ب. تشكيل حكومة انتقالية قومية من كفاءات وطنية، بتوافق جميع أطياف الشعب السوداني، تحكم أربع سنوات، وتضطلع بالمهمات التالية: • وقف الحرب، بمخاطبة جذور المشكلة السودانية ومعالجة آثارها، بما في ذلك إعادة النازحين واللاجئين طوعًا إلى مواطنهم الأصلية، وتعويض المتضررين تعويضًا عادل وناجزًا، ومعالجة

مشكلة الأراضي، مع المحافظة على الحواكير التاريخية.

((3(الشفيع خضر سعيد، "ومن هم تجمّع المهنيين السودانيين؟"، القدس العربي، 2019/1/27، شوهد في 2023/7/16، في:

https://bit.ly/31 pKJjl

(((3 تأسس نداء السودان من مجموعة من الأحزاب السياسية والكيانات المدنية والعسكرية في 3 كانون الأول/ ديسمبر 2014 في أديس أبابا. وشملت عضويته حزب الأمة القومي وقوى الإجماع الوطني والجبهة الثورية ومبادرة المجتمع المدني السوداني. ينظر:

"الإعلان السياسي لتحالف 'نداء السودان'"، الجزيرة نت، 2016/10/11، شوهد في 2020/2/6، في: https://rb.gy/ssatdj (((4 سس تحالف قوى الإجماع الوطني بناءً على توصيات مؤتمر جوبا الذي عقد في الفترةأُ 30–26 أيلول/ سبتمبر 2009، بهدف

مناقشة القضايا المختلف فيها بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية لتحرير السودان، مثل قانون الاستفتاء على حق تقرير مصير جنوب السودان، ونتيجة التعداد السكاني لعام 2009، وتعديل قوانين التحول الديمقراطي وقانون المشورة الشعبية لولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق. وبادرت الحركة الشعبية لتحرير السودان إلى الدعوة إلى المؤتمر الذي حضره 28 ا ممثل للأحزاب السياسية

والحركات المسلّحة، ونذكر منها حزب الأمة القومي والحزب الشيوعي السوداني وحزب المؤتمر الشعبي والحركة الشعبية لتحرير السودان وحزب المؤتمر السوداني وحزب الأمة الإصلاح والتجديد والحزب الوطني الاتحادي وحزب البعث السوداني. ينظر:

الطيب زين العابدين، "مناكفات الأحزاب السودانية حول ملتقى جوبا"، الجزيرة نت، 2009/10/24، شوهد في 2019/12/24، في:

https://bit.ly/3dDVCkf

((4(لمزيد من التفصيل، ينظر: "'الراكوبة' تكشف أسرار وخفايا التوقيع على إعلان الحرية والتغيير"، الراكوبة، 2020/1/1، شوهد

في 2023/7/16، في: https://bit.ly/31ns73B

• وقف التدهور الاقتصادي وتحسين حياة المواطنين في المجالات المعيشية كلها. • عمل ترتيبات أمنية نهائية مكملة لاتفاق سلام عادل وشامل. • الإشراف على تدابير الفترة الانتقالية، وعملية الانتقال من نظام شمولي يتحكم فيه حزب واحد إلى نظام تعددي، يختار فيه الشعب ممثليه، مع إعادة هيكلة الخدمة المدنية والعسكرية (النظامية) بصورة تعكس استقلاليتها وقوميتها، وعدالة توزيع الفرص فيها من دون المساس بشروط الأهلية والكفاءة. • إعادة بناء المنظومة الحقوقية والعدلية وتطويرها، وضمان استقلال القضاء وسيادة القانون. • العمل على تمكين المرأة السودانية ومحاربة أشكال التمييز والاضطهاد كلها التي تتعرّض لها. • تحسين علاقات السودان الخارجية، وبناؤها على أسس الاستقلالية والمصالح المشتركة، والبعد عن المحاور، مع إيلاء أهمية خاصة للعلاقة مع أشقائنا في دولة جنوب السودان. • التزام الدولة بدورها في الدعم الاجتماعي وتحقيق التنمية الاجتماعية من خلال سياسات دعم الصحة والتعليم والإسكان، مع ضمان حماية البيئة ومستقبل الأجيال. • إقامة مؤتمر دستوري شامل لحسم القضايا القومية كلها، وتكوين اللجنة القومية للدستور. ج. وقف الانتهاكات كلها ضد الحق في الحياة فورًا، وإلغاء القوانين كلها المقيّدة للحريات، وتقديم

الجُناة في حق الشعب السوداني إلى محاكمة عادلة وفقًا للمواثيق والقوانين الوطنية والدولية. بعد تحديد الأهداف المذكورة، خم الإعلان بفقرة عامة، تتكوّن من ثلاث قضايا محورية: أولاها، إبقاءتِ

بنود الإعلان بعد توقيعه من الجهات المعنية، "مفتوحةً للإضافة، خاصة فيما يتعلق بمهام الحكومة الانتقالية، وذلك لاستيعاب جميع هموم وطموحات الشعب السوداني، والذي سيتم فيه أيضًا المزيد من التفصيل باستصحاب كافة المواثيق والاتفاقات الموقّعة سابقًا من قبل الكتل والأحزاب السياسية المعارضة". وثانيتها، تأكيد الموقّعين على الإعلان أنهم سيبقون "بالشوارع متمسكين بكافة أشكال النضال السلمي إلى أن تتحقق" مطالبهم. وثالثتها، دعوة "القوات النظامية للانحياز إلى جانب الشعب ومصلحة الوطن والمواطن، وعدم التعرض للمواطنين الُعلُ زّل بالقتوالتنكيل لحماية

البشير ونظامه، الذي سقط فعليًا أمام إرادة الجماهير الباسلة". وبعد التوقيع الأوّلي للإعلان،

شملت قائمة الموقّعين الكاملة الأحزاب والكيانات السياسية والمهنية والمدنية الآتية: تجمّع

المهنيين السودانيين، وتحالف قوى الإجماع الوطني، وقوى نداء السودان، والتجمّع الاتحادي

المعارض، والحزب الجمهوري، والحزب الليبرالي، وتيار الوسط للتغيير، ومبادرة لا لقهر النساء،

(((4 لمزيد من التفصيل، ينظر: "إعلان الحرية والتغيير"، تجمع المهنيين السودانيين، 2019/1/1، شوهد في 2023/7/16، في:

https://bit.ly/388 qesJ

(((4 المرجع نفسه.

وحركة "قِر فْيِنا"، والتغيير الآن، وتجمّع القوى المدنية، ولجان المقاومة السودانية، ومؤتمر خريج جامعة الخرطوم، وكونفدرالية منظمات المجتمع المدني، وتحالف مزارعي الجزيرة والمناقل، ومنبر المغردين السودانيين، والكيان النوبي الجامع، ومجلس الصحوة الثوري، والمجموعات النسوية المدنية والسياسية (منسم)، والجبهة الوطنية العريضة، وحزب بناء السودان، وتجمّع أسر شهداء رمضان. وبهذه الكيفية، ظهرت الوثيقة المرجعية التي استندت إليها مطالب الثوار ضد النظام الحاكم آنذاك، وكذلك المفاوضات التي جرت لاحقًا بين ممثّلي قوى إعلان الحرية والتغيير والمكون العسكري قبل إجازة الوثيقة الدستورية في 17 آب/ أغسطس 2019، وتشكيل الحكومة الانتقالية بمجلسيها السيادي والتنفيذي. عقب توقيع الإعلان التأسيسي، شَّكَل تحالف الحرية والتغيير لجنةً تنسيقية، لتنظيم أنشطة التحالف الاحتجاجية والتخطيط لفترة ما بعد سقوط النظام. وتكونت التنسيقية من ثلاثة عشر عضوًا؛ ثلاثة أعضاء لكل من تجمّع المهنيين السودانيين وقوى الإجماع الوطني وتحالف نداء السودان، وعضوان لكل من التجمّع الاتحادي المعارض وتجمع القوى المدنية. وأنشأت التنسيقية عبر مراحل مختلفة أربع لجان، أولاها لجنة العمل الميداني والتنظيم، وثانيتها لجنة إعداد الوثيقة الدستورية التي شكّلت المرجعية القانونية للحكومة الانتقالية، وثالثتها لجنة إعداد برنامج الحكومة الانتقالية، ورابعتها لجنة التواصل السياسي. وتكوّنت هذه اللجنة الأخيرة من ممثلَين لكل كتلة من الكتل الخمس المشار إليها سابقًا، وأضيف إليها لاحقًا ممثل لكل من الحزب الجمهوري وتيار الوسط، وحفظت ثلاثة مقاعد للجبهة الثورية. وتبلورت مهمة اللجنة الأساسية في إدارة التفاوض مع المجلس العسكري، لتشكيل حكومة انتقالية. وكانت هذه اللجنة تعمل في تناغم مع التنسيقية عبر الاجتماعات المشتركة بينهما في ما يختص بالقضايا السياسية، وكذلك الحال بالنسبة إلى لجنة العمل الميداني والتنظيم.

4. التجمّع وتنظيم العمل الثوري

بعد إصدار إعلان الحرية والتغيير، شهدت الثورة نقلةً نوعيةً من حيث التنظيم وتحديد الأهداف وطبيعة النضال ضد السلطات الحاكمة، لأن تجمّع المهنيين السودانيين أفلح في "تعبئة الموارد"

(((4 المرجع نفسه. (((4 لمزيد من التفصيل، ينظر: أحمد إبراهيم أبو  شوك، الثورة السودانية (2019–2018): دوافعها ومراحلها وتحدياتها (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2021)، ص.300–253 (((4 أعضاء التنسيقية المركزية هم: محمد ناجي الأصم ومحمد حسن عربي والفاتح حسين (تجمّع المهنيين السودانيين)، وطارق

عبد المجيد ووجدي صالح وأمين سعد (قوى الإجماع الوطني)، وخالد عمر يوسف وعروة الصادق وحبيب العبيد (نداء السودان)، وعلي مطر وحاتم عمر (الاتحادي المعارض)، ومعاوية شداد وفيصل شبو (القوى المدنية). لمزيد من التفصيل، ينظر: "إعلان أسماء أعضاء

المجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير بالسودان، قناة الغد، يوتيوب، 2019/11/3، شوهد في 2023/7/18، في: https://bit.ly/3DjCRlh (((4 محمد الفكي سليمان، "تجربة قوى إعلان الحرية والتغيير: النشأة والتطور والمستقبل الديمقراطي"، ورقة قدّمت في ورشة

تقييم الفترة الانتقالية، دار المحامين، الخرطوم، 2022/7/24–22، ص.6

Resource Mobilization؛ أي نجح في تنظيم جداول المظاهرات والمواكب اليومية في العاصمة والولايات، مستنهضًا في ذلك مشاركة قطاعات واسعة من الجماهير، ودافعًا إيّاها إلى تحدّي حالة

الطوارئ المعلنة في بعض الولايات، واستطاع أيضًا أن يربط المشهد المحلي للاحتجاجية بوسائط الإعلام العالمية. وأولى تجاربه الناجحة مع قوى إعلان الحرية والتغيير خروج المظاهرات في الولايات المختلفة في 4 كانون الثاني/ يناير 2019 تحت شعار "جمعة الحرية والتغيير"، وثانيتها مشاركته في تنظيم مسيرة القصر الجمهوري يوم الأحد، الموافق 6 كانون الثاني/ يناير 2019، لتسليم مذكرة إلى رئيس الجمهورية، تطالب بتنحية الحكومة، وثالثتها دوره الفاعل في تنظيم مسيرة المجلس الوطني (البرلمان) يوم الأربعاء، الموافق 9 كانون الثاني/ يناير 2019، لتسليم المذكرة المشار إليها. وفعل، خرجت المظاهرات بحسب الجداول المعلنة، رافعةً لافتات تحمل شعار الثورة الثلاثي "حرية، سلام، عدالة"، ومرددةً هتافات وأهازيج

غنائية تنادي برحيل النظام الفوري "تسقط بس" من دون قيدٍ شرطٍأو. وكانت مظاهرات المسيرة المتّجهة صوب المجلس الوطني من أكبر المظاهرات المطالبة بتنحية الرئيس البشير، حيث اشترك فيها آلاف المواطنين الذين شَّكَل الشباب (ذكورًا وإناثًا) سوادهم الأعظم من دون منازع. وتواصلت الاحتجاجات

والمظاهرات في المدينة وضواحيها ساعاتٍ طول، "دون أن تفلح ترسانة الأسلحة والحشود الأمنية في تفريقها والقضاء عليها. وسيطر المتظاهرون على أحياء بكاملها وشوارع رئيسة، ومنعوا رجال الأمن والشرطة من الوصول إليها"، ما اضطرهم إلى قذف قنابل الغاز المسيل للدموع من مسافات بعيدة، داخل البيوت والأحياء السكنية والشوارع الجانبية. بهذه الوتيرة والحماسة، تواصلت المظاهرات النهارية والليلية في معظم أنحاء السودان، تحّد يًا لسياسة

الحكومة القمعية، ومواصلةً لنضال الجماهير من أجل نزع حقوقهم المدنية وإقامة دولة العدالة والقانون. وبقيت تنسيقية قوى الحرية والتغيير وتجمّع المهنيين السودانيين العقل المدبّر والمنظم لمعظم

المظاهرات التي اندلعت في العاصمة والولايات. وابتدع التجمّع طرائق شتى للمظاهرات والمواكب

اليومية المنتظمة في الكثير من المدن والأرياف السودانية، مثل المظاهرات الليلية في الأحياء والوقفات الاحتجاجية أمام الجامعات والمرافق الصحية والتعليمية ودواوين الحكومة والبنوك وشركات الاتصال

(((4 يقصد بتعبئة الموارد دور العمل التنظيمي للحركات الاحتجاجية في قيادة مجموعة منظمة من الناشطين الحركيين، لربط رسالة حركاتهم بأهدافها المرحلية والاستراتيجية، وبالأدوات التي تساعدهم في حشد الجماهير لكسب الرأي العام إلى جانبها. وتعتبر نظرية "تعبئة الموارد" من النظريات التي تساعد في دراسة الحركات الاجتماعية، لكن يؤخذ عليها أنها تركّز على دور الفاعلين

الرئيسين في حركة التغيير، من دون النظر في دور البنى الاجتماعية والاقتصادية الناشدة للعملية نفسها. لكن هذا الانتقاد لا يقلل من أهميتها في مناقشة دور الفاعلين الرئيسين في الحركات الاجتماعية والاحتجاجية، مع اصطحاب النظريات التفسيرية الأخرى ذات الصلة بالتركيبة البنيوية للحركات الاجتماعية نفسها وعلاقتها الجدلية بالدولة والمجتمع. لمزيد من التفصيل، ينظر: سيسيل بيشو

وأوليفيه فيليول وليليان ماتيو، قاموس الحركات الاجتماعية، ترجمة عمر الشافعي، مراجعة وتحرير دينا الخواجة (الجيزة: مبادرة الإصلاحي العربي، 2017)، ص.108–103 ((4("الشرطة تفرق مظاهرات بأم درمان في جمعة الحرية والتغيير"، الجزيرة نت، 2019/1/4، شوهد في:2023/7/16، في

https://bit.ly/385hBiO

(((5 "خطاب الرئيس السوداني عمر البشير للحشد الجماهيري بالساحة الخضراء الثلاثاء 9 يناير 2019"، يوتيوب، 2019/1/9، شوهد في 2023/7/16، في: https://bit.ly/31nNAt7 (((5 المرجع نفسه.

ومؤسسات القطاع الخاص والعام، وفوق هذا وذاك الاعتصامات في بعض الميادين العامة في الأحياء السكنية، والإضرابات المهنية والعمالية، ووضع المتاريس في الشوارع الداخلية للأحياء السكنية الفاعلة في العمل الثوري ضد النظام، مثل: أحياء بري وشمبات والعباسية وود نوباوي. وأطلقوا هتافات أطّرت لشعارات الثورة الطاعنة في أهلية السّلطة الحاكمة، مثل: "سلمية سلمية ضد الحرامية"، "مرقنا

مرقنا ضد الناس السرقوا عرقنا"، "حرية، سلام وعدالة، والثورة خيار الشعب"، و"يا عنصري يا مغرور كل البلد دارفور". وبذلك حاولوا سلب ذاكرة المتظاهرين من أيّ فضيلة تُذكر للنظام؛ الأمر الذي دفع

علي عثمان محمد طه (النائب الأول الأسبق لرئيس الجمهورية) إلى وصف هتاف "سلمية سلمية ضد الحرامية"، بأنه قاتل للروح المعنوية في أوساط أنصار النظام الحاكم آنذاك. كما أطلقوا أسماء جاذبة للمواكب الاحتجاجية الأسبوعية، مثل "موكب التنحي"، و"موكب الرحيل"، و"موكب المعتقلين"، و"موكب الخريج والعاطلين عن العمل"، و"موكب السودان الواحد"، و"موكب إحياء ذكرى 6 أبريل". كما أسسوا لجانًا للمقاومة في الأحياء، لتنظيم الأنشطة الثورية والإعلان عن جداول المظاهرات عن طريق الوسائل المحلية المتاحة ومنصّات التواصل الاجتماعي. وبذلك، أضحت الخرطوم لا تشكّل

التحدي الوحيد للنظام، ولا تُعدّ "صاحبة الحل والعقد"، لأن المظاهرات انتشرت في معظم مدن السودان، وأضحى النظام يواجه تحديات حقيقية في المركز والأطراف. وتأكيدًا لذلك، وصف أحد المراقبين الثورة بأنها تختلف عن الثورات السابقة، لأنها تتسم بانضباط الثوار بمواعيد بداية المظاهرات والمواكب، والتزامهم بالسلمية، وتصميمهم على مواصلة التظاهر إلى أن يسقط النظام، وجسارتهم في تحدّي الأجهزة الأمنية الباطشة والناكرة لحقهم الدستوري في التظاهر السلمي، والمطالبة بحقوقهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية المشروعة. إلى جانب المظاهرات اليومية، نظّمت تنسيقية الحرية والتغيير، التي كان يمثّل تجمّع المهنيين السودانيين

الجهة الفاعلة في تنظيم فعالياتها، العديد من المؤتمرات الصحافية والندوات التي كانت تنادي بتنحية الرئيس البشير ونظامه عن سدّة الحكم. ومن أهم المؤتمرات التي عُقدت، المؤتمر الذي نظّمته قوى إعلان الحرية والتغيير في 13 شباط/ فبراير 2019، وتلا فيه محمد فاروق (قوى إعلان الحرية والتغيير) بيان القوى الثورية، وتحدّث فيه كل من محمد يوسف أحمد المصطفى (تجمّع المهنيين السودانيين)

وسارة نقد الله (حزب الأمة القومي) ومحمد مختار الخطيب (سكرتير الحزب الشيوعي السوداني)

(((5 من أشهر الاعتصامات التي نظّمها تجمّع المهنيين السودانيين، الاعتصام الذي نُظّم أمام منزل أسرة الطبيب الشهيد بابكر

عبد الحميد في حي كافوري في 17 كانون الثاني/ يناير 2019، الذي  قُتلفي أثناء معالجته بعض الجرحى في حي بري. وبعد انتهاء مراسيم التشييع في موكب مهيب، أعلن زملاء الشهيد اعتصامهم أمام منزل أسرته، والتحقت بهم جموع غفيرة من المتظاهرين، وردّدوا هتافات معادية للنظام، من بينها: "دم الطبيب بكم والله السؤال ممنوع"، و"رص العساكر رص... الليلة تسقط بس". للمزيد

ينظر: "سارة نقد الله تخاطب المعزّين ببيت بابكر عبد الحميد وتقول ما حا نرجع إلى تحرير السودان من الكيزان"، يوتيوب،

2019/1/18، شوهد في 2023/7/16، في: 7Y CnX https://bit.ly/31 (((5 نذكر منها إضراب الصيادلة وإضراب المعلمين وإضراب المحامين في ولاية الخرطوم. (((5  "المدارية تورد تفاصيل المؤتمر  الأول لتجمّ ع المهنيين"، التيار، 2019/2/13، شوهد في 2023/7/16، في:

https://bit.ly/2NBL7Dk

(((5 لمزيد من التفصيل، ينظر: أبو شوك، ص.130–107

وميرغني بن عوف (الاتحادي الديمقراطي المعارض)، وأكّد جميعهم ضرورة استمرارية الثورة "إلى حين تحقيق أهداف الشعب السوداني في إسقاط النظام وتصفية مؤسساته الشمولية وإيقاف الحرب، عبر سلام عادل يخاطب جذور الأزمة ويقيم دولة السلام والحرية والعدالة الاجتماعية"، كما ناشد البيان القوات النظامية بالكفّ عن حماية نظام الإنقاذ الذي فقد مشروعيته، والانحياز إلى جماهير الشعب السوداني في قضاياها العادلة. وأكد المؤتمرون أنّ هتاف "تسقط بس [...] لن يتوقف قبل أن يسقط النظام" سقوطًا حقيقيًا، ولذلك "لا مجال للمساومة، ولا للتراجع، ولا لأيّ حلول وسطى لا تلبّي الشعارات

التي رفعها الشهداء". وفي تلك الأثناء، كان عدد شهداء الثورة قد بلغ ثلاثين شهيدًا، بحسب إحصاءات الحكومة، وواحدًا وخمسين شهيدًا بحسب إحصاءات الأحزاب المعارضة. فواصل تجمّع المهنيين

السودانيين تنظيم الأنشطة والاحتجاجات في العاصمة والولايات، وفي أوساط السودانيين المغتربين والمهاجرين خارج السودان. ولم ه عن سعيه الدؤوب لإسقاط النظام عنفُ الأجهزة الأمنية النظامية يُثنِ

وغيرها، أو الاعتقالات اليومية المتكررة، أو التهديدات الصادرة عن أعوان النظام وزبانيته. وبقي في مقدمة النضال الثوري إلى أن بلغت الثورة ذروتها في 6 نيسان/ أبريل 2019، عندما وصلت مواكب الثوار المتحركة من أنحاء العاصمة القومية كلها إلى المقر الرئيس لقوات الشعب المسلّحة (القيادة العامة)، حيث أعلنت تنسيقية التجمّع الاعتصام إلى أن يسقط النظام، فسقط رأس النظام في 11 نيسان/ أبريل

2019، عندما أعلنت اللجنة الأمنية انحيازها إلى الثورة. وتُبرهن هذه الشواهد على أنّ تجمّع المهنيين

السودانيين قام بدور محوري في تنظيم الاعتصام الذي أفضى إلى إسقاط نظام البشير، من دون أن يحظى بقيادة كارزمية، بل التفّ الثوار حول برنامج إعلان قوى الحرية والتغيير، الذي اشترك التجمّع في صوغه،

وفي تأطير شعاراته وهتافاته الملهمة التي أسهمت في إسقاط النظام.

5. التجمّع والمفاوضات مع المجلس العسكري الانتقالي

تشَّكَل أول وفد لقوى إعلان الحرية والتغيير للتفاوض مع المجلس العسكري الانتقالي من عشرة أعضاء، مثّلوا تجمّع المهنيين السودانيين ونداء السودان وقوى الإجماع الوطني والقوى المدنية. وقد

(((5  "نص البيان المشترك من 'قوى الحرية والتغيير 13 فبراير'"، التغيير، 2019/2/13، شوهد في 2023/7/16، في:

https://bit.ly/31pLN72

(((5 "الرئيس البشير 2019 سيكون عام لإسكات صوت البندقية ودعم السلام"، قناة طيبة الفضائية، يوتيوب، 2019/2/13، شوهد

في 2023/7/16، في: https://bit.ly/2BILf1h

(((5 تشكّل الوفد المفاوض  الأول من قوى إعلان الحرية والتغيير من الآتية أسماؤهم: عمر يوسف الدقير (نداء السودان  – حزب

المؤتمر السوداني)، ومريم الصادق المهدي (نداء السودان – حزب الأمة القومي)، وصديق يوسف (التجمّ ع الوطني

الديمقراطي – الحزب الشيوعي السوداني)، وعلي الريح السنهوري (التجمّع الوطني الديمقراطي – حزب البعث)، ومحمد ناجي

الأصم (تجمّع المهنيين السودانيين)، وأحمد ربيع سيد أحمد (تجمّع المهنيين السودانيين)، وأيمن خالد (الاتحادي الديمقراطي

المعارض)، والطيب العباسي (الاتحادي الديمقراطي المعارض)، وحسن عبد العاطي (تجمع القوى المدنية)، ومدني عباس مدني (تجمع القوى المدنية). وبعد ذلك أضيفت أسماء جديدة إلى الوفد المفاوض، مثل: مرفت حمد النيل وحيدر الصافي ونصر الدين أحمد وخرج حسن عبد العاطي. لمزيد من التفصيل، ينظر: عبد الحميد عوض، "على ماذا سيتفاوض الجيش والمعارضة في

السودان؟"، العربي الجديد، 2019/4/13، شوهد 2023/7/16، في: https://bit.ly/43vzHFz؛ "الأصم، صديق يوسف، الدقير ومريم

أبرز قوى الحرية والتغيير للتفاوض مع المجلس العسكري...  وترشيح مريم المهدي لرئاسة الوزراء"، النيلين، 2019/4/26، شوهد

في 2023/7/16، في: https://bit.ly/2AggCzP

مرت المفاوضات بين الطرفين، وداخل قوى إعلان الحرية والتغيير نفسها، بمنعطفات سياسية خطيرة، كادت أن تعصف بعملية الانتقال، لكنها قادت في خاتمة المطاف إلى إجازة الاتفاق السياسي، الذي تمخضت عنه الوثيقة الدستورية في عام 2019، وشكّلت نصوصُها الأساس القانوني الذي استندت إليه الحكومة الانتقالية بشقيها العسكري والمدني. وقبل إجازة الاتفاق السياسي الذي أفضى إلى توقيع الوثيقة الدستورية، خرجت الجبهة الثورية من تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير، متعللةً بعدم اتساق تمثيلها في المفاوضات مع حجمها السياسي، وانسحب الحزب الشيوعي كذلك، معترضًا على محتويات الاتفاق السياسي والوثيقة الدستورية. وعلى الرغم من أن هذه الصراعات قد أثّرت سلبيًا في

أداء قوى إعلان الحرية والتغيير، فإن تجمّع المهنيين السودانيين بقي صاحب الإسهام الأوفر في إعداد الوثيقة الدستورية، وفي لجنة وضع معايير اختيار ممثلي الحرية والتغيير لشغل المناصب الدستورية في المجلسين الوزاري والسيادي، وكذلك في لجنة تفكيك نظام الثلاثين من حزيران/ يونيو.1989

ثالثًا: انقسام التجّمع وتداعياتهّ

بعد اعتماد الوثيقة الدستورية وتشكيل الحكومة الانتقالية، استجدّ الكثير من القضايا الشائكة والملحّة، مثل مراقبة أداء الحكومة الانتقالية ومبادرة التطبيع مع إسرائيل وإدارة ملف السلام، التي تباينت حولها وجهات النظر داخل التنسيقية المركزية، الأمر الذي استدعى قوى إعلان الحرية والتغيير إلى تشكيل مجلس مركزي، يمثّل القيادة العليا المسؤولة عن وضع السياسات العامة وتقديم المشورة للحكومة الانتقالية. وتشَّكَلت عضوية المجلس من ستة ممثلين لتحالف نداء السودان، وخمسة ممثلين لكل من تجمّع المهنيين السودانيين وقوى الإجماع الوطني، وثلاثة ممثلين لكل من التجمّع الاتحادي المعارض وتجمع القوى المدنية، وممثل واحد لكل من تيار الوسط والحزب الجمهوري، وبقيت مقاعد الجبهة الثورية شاغرة لتُحدّد لاحقًا بالتشاور مع قيادة الجبهة. وإكم ل لدور المجلس المركزي، تحوّلت التنسيقية المركزية إلى جهاز لتنفيذ السياسات العامة التي يضعها المجلس المركزي،

كما أنشئت سكرتاريا مشتركة من أربعة أعضاء، للتنسيق بين المجلس المركزي والتنسيقية المركزيةُ. وُأسس أيضًا مجلس استشاري عام لتقديم المشورة للمجلس المركزي ومراقبة أدائه الوظيفي. وعلى مستوى الولايات، حافظت تنسيقيات قوى إعلان الحرية والتغيير على هياكلها الأفقية، وبقيت على

(((5 أعضاء مجلس المركز لقوى إعلان الحرية والتغيير: أحمد ربيع وهيفاء فاروق وحسام الأمين وعمار يوسف وفيصل بشير (تجمّع المهنيين السودانيين)، وعلي الريح السنهوري وعبد الرحيم عبد الله وصديق يوسف وجمال إدريس وكمال بولاد (قوى

الإجماع الوطني)، وصلاح مناع ومريم الصادق وإبراهيم الشيخ وأحمد شاكر ويوسف محمد زين والصادق الزعيم (نداء السودان)، وأيمن خالد وأزهري علي وأحمد حضرة (الاتحادي الديمقراطي المعارض)، ومهيد صديق ومحمد خطّاب وأمينة محمود (تجمّع

القوى المدنية)، وطارق عبد القادر (تيار الوسط)، وحيدر الصافي (الحزب الجمهوري). وتتكوّن السكرتارية المشتركة بين المجلس

المركزي والتنسيقية من كمال بولاد ومهيد صديق وعلي مطر وخالد عمر. لمزيد من التفصيل، ينظر: "الكشف عن أسماء أعضاء

المجلس المركزي لقوى التغيير"، الراكوبة، 2019/11/4، شوهد في 2023/7/18، في: https://bit.ly/3Oicp1x؛ "إعلان أسماء أعضاء المجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير بالسودان". (((6 أعضاء السكرتارية المشتركة، هم: كمال بولاد ومؤيد صديق وعلي مطر وخالد عمر يوسف. لمزيد من التفصيل، ينظر: "إعلان أسماء أعضاء المجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير بالسودان."

تواصل رأسي مع التنسيقية المركزية في إدارة القضايا المشتركة. وفي الوقت نفسه، عيّن المجلس

المركزي ثلاثة متحدثين رسميين، هم: إبراهيم الشيخ وأيمن خالد وأمينة محمود. في ضوء هذه التطورات الهيكلية السريعة، بدأ يتزعزع تماسك تجمّع المهنيين السودانيين الذي نهض

معتمدًا على الثقة الشخصية المتبادلة بين أعضائه الذين قادوا النضال الثوري لإسقاط نظام الإنقاذ. لكن بعد سقوطه، تلاشت الثقة الشخصية، وتعالت نبرات الانتماءات الحزبية، وبدأت عملية تجيير بعض المواقف السياسية لمصلحة أحزابٍ بعينها على حساب وحدة التجمّع وقيادته الأفقية.

وارتبطت مواطن الصراع بتغليب الانتماء السياسي – الحزبي على الانتساب النقابي – المهني، وبرز ذلك جليًا في تأسيس أجسام نقابية جديدة، لا  تستند إلى قواعد عضوية بالغة النِصاب، لكنها كانت

تُوظف في تحقيق الكسب السياسي القائم على الأغلبية الآلية لمصلحة أحزاب سياسية معيّنة، مثل

الحزب الشيوعي، من دون النظر إلى أهمية التوافق النسبي والاعتبار الموضوعي للأجسام النقابية ذات الثقل الاجتماعي والعطاء المهني، التي أسهمت في تأسيس التجمّع وفق أهداف وطنية مشتركة،

وَّسَعت فتقها الانتماءات الحزبية والأيديولوجية المتنافرة. برز خلاف الكيانات المكونة للتجمع إلى السطح بعد تسريب مذكرة شبكة الصحفيين السودانيين التي طالبت مجلس التجمّع بسحب "الثقة من سكرتارية التجمّع، وتشكيل سكرتارية جديدة عبر التصعيد من

كل الأجسام المشكّلة للسكرتارية الحالية"، وكذلك نادت بتغيير "مناديب التجمّع في المجلس المركزي

لقوى إعلان الحرية والتغيير، لفشلهم في التصدي لمهام العمل التنظيمي والتفاوضي والقيادي"، و"سحب ممثلي التجمّع من تنسيقية الحرية والتغيير وإبدالهم بعناصر جديدة، يتم ترشيحها من أجسام

التجمّع الحالية". وبناءً على هذه المقترحات، أوصت المذكرة المسرّبة بإنشاء "جسم تنسيقي من ثلاثة

أعضاء، يتولّى مسؤولية التنسيق مع ممثلي الحرية والتغيير في المجلس السيادي ومجلس الوزراء، ويعمل كسكرتارية، مهمتها التنسيق بين التجمّع والجهاز التنفيذي"، ومراقبة "تنفيذ بنود الإعلان وتوفير

المعلومات المطلوبة للطرفين". وشملت مطالب الشبكة أيضًا "إعادة هيكلة تجمّع المهنيين، بما يشمل

تأسيس مكاتب متخصصة في مختلف المسارات". وختمت بيانها بأن مطالبها المذكورة تمثّل "أقل ضروريات تصحيح المسار، وحماية التجمّع، وتخليصه من حالة الاختطاف الراهنة، ونهوضه لتولي

مسؤولياته حفاظًا على مكتسبات الثورة". ويُقصد بحالة الاختطاف أن هناك أحزابًا بعينها (الأمة

والتجمع الاتحادي والبعث العربي الاشتراكي وحزب المؤتمر السوداني) قد سيطرت على قرارات المجلس المركزي، وساندت هذا الاتجاه نقابة أطباء السودان الشرعية التي نادت بتجميد عضوية

((6(سعيد الطيب، "تقرير: الحرية والتغيير تطرح نفسها كقوى سياسية جديدة"، وكالة السودان للأنباء، 2019/11/4، شوهد في

2023/7/18، في: 1HRlV Q https://bit.ly/3

(((6 لمزيد من التفصيل، ينظر: الأصم، ص.9–8 (((6 لمزيد من التفصيل، ينظر: "النص الكامل لبيان شبكة الصحافيين السودانيين، تشرين الأول/ أكتوبر 2019"، شبكة الصحفيين السودانيين، فيسبوك، شوهد في 2023/7/17، في: XPxCDj https://bit.ly/3؛ "السودان: تصاعد الخلافات داخل مكونات تجمّع

المهنيين"، الجزيرة نت، 2029/10/26، شوهد في 2023/7/17، في: https://bit.ly/46Sp7eI؛ علي فارساب، "تجمّع المهنيين

السودانيين...  الشراع يواجه عواصف الخلافات الداخلية"، ألترا سودان، 2019/11/4، شوهد في 2023/7/16، في: https://bit.ly/44jeL61

أحمد ربيع، ممثل لجنة المعلمين في تجمّع المهنيين السودانيين، وتكوين لجنة تحقيق لمحاسبته، على خلفية تصريحات المسجل العام، بقوله إنه اتخذ قرار حل الاتحادات والنقابات بضغط من التجمّع وممثل المعلمين أحمد ربيع. واعتبرت النقابة أن هذا القرار "يعطي شرعية لمن وصفتهم بأذيال النظام البائد في تكوين نقابات لمقابلة الثورة التي قامت ضدهم"، و"يمثّل هزيمة لخط الثورة وقواها الحية ونقاباتها الحقيقية". ورًّد ا على هذه المطالب، أصدرت سكرتارية التجمّع بيانًا، جاء فيه أنّ "نقل الخلافات والصراع إلى الإعلام والرأي العام يخدم إضعاف الروح التحالفية وهزيمة المؤسسية التي تمثّل أساس مشروع التجمّع"، وأنّ "الخطوات المختلفة التي اتخذها التجمّع منذ تأسيسه مرورًا بقيادته للثورة وحتى تشكيل السلطة الانتقالية المدنية، كانت تُعبّر عن الرؤية الجماعية والمشتركة لأجسام

التجمّع المختلفة"، ونوّه البيان بأن "الدورة التنظيمية لتجمّع المهنيين وهياكله وسكرتاريته المنتخبة وفق اللائحة، تبلغ سنتين، تنتهي في تموز/ يوليو "2020. وواضح من هذه البيانات المتبادلة أن التجمع قد انقسم تيارين: أحدهما يمثل كيانات الحرية والتغيير التي تعمل خارج المجلس المركزي في تناغم مع الحزب الشيوعي، وثانيهما يمثل قوى "الهبوط الناعم" التي تعمل من داخل المجلس المركزي والحكومة الانتقالية. تزامن مع هذا الصراع الداخلي مقترح "العقد الاجتماعي" الذي طرحه حزب الأمة القومي في 22 نيسان/ أبريل 2020، لمعالجة المشكلات التنظيمية والمنهجية التي أثّرت في أداء مؤسسات قوى إعلان الحرية والتغيير والحكومة الانتقالية بمجلسيها السيادي والتنفيذي؛ إذ طالب حزب الأمة القومي قوى إعلان الحرية والتغيير في داخل السودان وخارجه بعقد مؤتمر تأسيسي، لمناقشة مقترح العقد الاجتماعي الجديد، بهدف إجراء إصلاح جذري في بنية الحرية والتغيير التنظيمية، وذلك خلال أسبوعين من تاريخ تقديم المقترح. ومن ضمن المقترحات التي قدّمها الحزب، تطوير تجمّع المهنيين السودانيين إلى "حزب سياسي"، تكون فيه تراتبية تنظيمية ومساءلة أدائية، لينأى بنفسه عن اختراقات الأحزاب السياسية غير الوازنة أو أن يتحوّل إلى "نقابة مفتوحة للمهنيين وفق قانون نقابات ديمقراطي،

يلتزم مبدأ لكلٍ حزبه والنقابة للجميع". وقبل الاستجابة لهذه المقترحات وغيرها، أعلن حزب الأمة

(((6 لمزيد من التفصيل، ينظر: "نقابة الأطباء تُطالب بالتحقيق مع ممثل لجنة المعلمين (أحمد ربيع) وتجميد عضويته"، كوش

نيوز، 2019/1/21، شوهد في 2023/7/17، في: 5YOy q https://bit.ly/43 (((6 ا نقل عن: إسماعيل محمد علي، "تجمّع المهنيين السودانيين، هل يصمد كرمز للثورة أم  تعصف به الخلافات"، إندبندنت

عربية، 2019/10/31، شوهد في 2023/07/17، في: 5ly1 pX https://bit.ly/3 ((6(يقصد بالعقد الاجتماعي الوثيقة التي قدّمها الإمام الصادق المهدي تحت عنوان: "نحو عقد اجتماعي جديد"، 26 في

آذار/ مارس 2020، ثمّن فيها نضال القوى السياسية والنقابية ومنظمات المجتمع ضد نظام الإنقاذ، وانتقد المحاصصات السياسية

التي ظهرت في أثناء تشكيل الحكومة الانتقالية وبعده، كما انتقد دور قوى إعلان الحرية التغيير، ودعا إلى ترتيب أولويات الفترة الانتقالية وفق آليات جديدة، يراعى فيها تمثيل القوى السياسية بحسب أوزانها السياسية، وإشراك قوى المقاومة، والانتقال من أدبيات المقاومة إلى مرحلة البناء والتأسيس، ثم إلى المرحلة الثالثة، المتمثلة في التجهيز للانتخابات العامة. كما حذر من خطورة المحاصصات السياسية التي "أتت بنتائج فاشلة ومستفزة، أوصلت البلاد إلى مشارف هاوية تنذر بانقلاب يبدد المصير الوطني".

لمزيد من التفصيل، ينظر: "حزب الأمة القومي: نحو عقد اجتماعي جديد"، الموقع الرسمي للإمام الصادق المهدي، 2020/03/26، شوهد في 2023/11/18، في: https://bit.ly/47PlzK9

القومي تجميد "أنشطته في كافة هياكل قوى الحرية والتغيير". ووصف تاج السر بابو تجميد عضوية حزب الأمة بأنه نذير بتفكيك قوى الحرية والتغيير وشقها، والانقلاب على الثورة. وبموجب ذلك، بدأ يتلاشى الإجماع الظرفي الذي أحدثه الهدف المشترك لإسقاط النظام، وتعالت هتافات الكسب الحزبي، مفرزةً ثلاثة تيارات رئيسة داخل أروقة قوى الحرية والتغيير: أولها، تيار الهبوط الناعم الذي يمثله حزب الأمة القومي، وثانيها تيار التغيير الجذري الذي يتزعمه الحزب الشيوعي السوداني، وثالثها الجبهة الثورية، المكوّنة من معظم الحركات المسلحة وبعض التنظيمات الحزبية المساندة لها. وفي ظل هذا التدافع السياسي – الحزبي، جريت انتخابات تجمّع المهنيين السودانيين فيأُ 10 أيار/ مايو

2020، وكان الفوز فيها حليف قوى التغيير الجذري التي يتزعمها الحزب الشيوعي السوداني. بَيد

أن بعض الأعضاء والنقابات المنضوية تحت لواء مجلس التجمّع رفضت نتيجة الانتخابات، ووصفتها

بأنها "زائفة"، و"انحراف عن المسار النقابي والمهني"، لأن الديمقراطية النقابية، من وجهة نظرهم، "تقوم على مبدأ لكلٍ حزبه، والنقابة للجميع". وحرصًا على عدم تمرير الأجندة الحزبية والتكتلات

السياسية، فقد قرر التحالف الديمقراطي للمحامين عدم الاعتراف بالانتخابات التي جرت في 10 أيار/ مايو 2020، ونتائجها على المستويات كلها. وأيّد هذا الموقف خمسة تنظيمات نقابية أخرى،

شملت لجنة أطباء السودان المركزية، وتجمع المهندسين السودانيين، وتجمّع مهنيي الموارد البشرية

السودانيين، وتجمّع البيئيين السودانيين، وتجمع مهنيي الأرصاد الجوية، من مجموع ثمانية عشر

تنظيمًا نقابيًا. ولذلك وصف علاء الدين محمود، أحد قياديي شبكة الصحفيين السودانيين، موقف هذه

الكيانات النقابية بأنه "تآمر قلة" على التجمّع الذي كان يعاني سيطرة "شلّة معيّنة، وها هي الشلّة تُهزم،

لكنها تريد جرّ الأجسام إلى مستنقع الانقسامات". نتج من هذه الانتخابات تشكيل سكرتارية جديدة، لم تكن على وفاق مع التنظيمات المكوّنة للمجلس

المركزي لقوى إعلان الحرية والتغيير. وترتب على ذلك أن أعلن التجمّع انسحابه من المجلس

(((6 "بيان تجميد أنشطة حزب الأمة القومي في هياكل قوى إعلان الحرية والتغيير ولجانها"، حزب الأمة القومي السوداني، فيسبوك، شوهد في 2023/7/18، في: https://bit.ly/44sVvTR ((6(تاج السر بابو، "العقد الاجتماعي لحزب الأمة: نقد وتحليل"، الراكوبة، 2020/5/8، شوهد في:2023/7/18، في

https://bit.ly/3uB9c5N

(((6 تكونت الجبهة الثورية السودانية في 11 تشرين الثاني/ نوفمبر 2011، من الحركة الشعبية لتحرير السودان قطاع الشمال، وحركة تحرير السودان جناح عبد الواحد محمد نور، وجيش تحرير السودان جناح مني أركو مناوي، وحركة العدل والمساواة. وانضم إلى الجبهة الثورية لاحقًا نصر الدين الهادي المهدي والتوم الشيخ هجو والجبهة الشعبية المتحدة للتحرير والعدالة التي كانت تضم سبع

عشرة حركة صغيرة من شرق السودان. (((7 شملت قائمة الفائزين: محمد عبد الرحيم، وحسن فاروق، والفاتح حسين، وسماهر المبارك، وعثمان أبو الحسن، وإسراء إسماعيل، وأمجد المبارك، وعمار الباقر، وعبد الرحمن نور الدين. نقل عن: "تصريح صحافي"، تجمّع المهنيين السودانيين،

فيسبوك، 2020/5/11، شوهد في 2023/7/17، في: https://bit.ly/3NUa4bP ((7(لمزيد من التفصيل، ينظر: "انتخابات سكرتارية تجمّع المهنيين تشعل الصراع داخل قطاع المحامين"، صحيفة السوداني،

2020/5/13، شوهد في 2023/7/17، في: 44ot XS https://bit.ly/3 ((7(عمار عوض، "صراع على قيادة تجمّع المهنيين السودانيين واتهامات متبادلة بالاختطاف الحزبي والبيع للعسكر"، القدس

العربي، 2020/5/18، شوهد في 2023/7/15، في: https://bit.ly/3DbGCt0

المركزي في 25 حزيران/ يونيو 2020، وقدّم نقدًا لاذعًا لأداء قوى إعلان الحرية والتغيير، الذي وصفه "بالارتباك وتغليب المصالح الضيقة، وتقديم الاعتبارات التكتيكية على المصالح الاستراتيجية الكبرى"، واستشهد في ذلك بالمفاوضات التي جريت مع المجلس العسكري، وأفضت إلى "توقيع أُ الاتفاق السياسي والوثيقة الدستورية"، وبموجب ذلك شكّلت حكومة شراكة انتقالية مع العسكر، لم تكن متسقةً مع مطلوبات إعلان الحرية والتغيير، ولم تكن قادرة على تفكيك "بؤر وجيوب النظام" القديم. ومن ثم قرر التجمّع "سحب" اعترافه "بكل الهياكل القائمة لتحالف قوى إعلان الحرية

والتغيير، وعلى رأسها المجلس المركزي، لتجاوزاتها ومفارقتها بنود الإعلان". ودعا إلى عقد "مؤتمر عاجل للقوى الثورية الموقّعة على الإعلان"، والتي لم توقّع عليه، للتباحث في إعادة بناء قوى إعلان الحرية والتغيير، وإعادة هيكلتها، لتصبح معبّرةً عن القوى صاحبة المصلحة في حماية مكتسبات ثورة

كانون الأول/ ديسمبر. في 11 تشرين الثاني/ نوفمبر 2020 جاء انسحاب الحزب الشيوعي السوداني من تحالف إعلان الحرية والتغيير وقوى الإجماع الوطني التي ينتسب إليها الحزب، وعلّل ذلك الانسحاب ب "المساومة" التي جرت بين قوى إعلان الحرية والتغيير والمجلس العسكري (اللجنة الأمنية)، وتمخض عن ذلك ميلاد وثيقة دستورية معيبة، وحكومة شراكة انتقالية مع العسكري لا تلبّي تطلّعات القوى الثورية. وبالنسبة

إلى أداء الحكومة، فقد انتقد البيان إدارة ملف السلام في جوبا ومخرجاته، وتراخي الحكومة في تحقيق العدالة لشهداء فضّ الاعتصام، ومحاكمة رموز النظام السابق وتفكيك بنيته السياسية والقانونية، والدخول في اتفاقيات مشبوهة (التطبيع مع إسرائيل)، واعتماد توصيات صندوق النقد الدولي في إدارة الاقتصاد السوداني لمصلحة القطاعات الطفيلية. وبناءً على ذلك، آثر الحزب الشيوعي الانسحاب من

هياكل قوى إعلان الحرية والتغيير ولجانها، والوقوف إلى جانب "قوى الثورة والتغيير المرتبطة بقضايا الجماهير وأهداف وبرامج الثورة"، من دون "تضليلها وزراعة الآمال الكاذبة لخدعتها". بلغت حدة الخلافات ذروتها في نهاية عام 2020 عندما أعلنت سكرتارية تجمّع المهنيين الجديدة تجميد

عضوية خمسة أجسام مهنية تابعة للتجمع، وهي لجنة أطباء السودان المركزية، وتجمّع المهندسين،

وتجمع مهنيي الموارد البشرية السودانيين، وتجمع مهنيي الأرصاد الجوية، وتجمع البيئيين السودانيين، وذلك على خلفية حجب أعضاء السكرتارية الجديدة من دخول صفحة التجمّع على فيسبوك، الصفحة

التي "تحظى بمتابعة أكثر من مليون متابع، وعبرها نسّق التجمّع حركة الاحتجاجات التي أطاحت

بالرئيس البشير". وفي 8 تموز/ يوليو 2020، أصدرت السكرتارية الجديدة تصريحًا صحافيًا عن

سيطرتها على الصفحة، بعد أن خلّصتها "من أيدي المُختطِفين عبر إجراءات فنية ردّت الحق لأهله"،

(((7 "بيان انسحاب تجمّع المهنيين السودانيين من قوى إعلان الحرية والتغيير"، تجمّع المهنيين السودانيين، فيسبوك، 2020/6/25،

شوهد في 2023/7/18، في: https://bit.ly/43yLjYm (((7 "بيان انسحاب الحزب الشيوعي السوداني من قوى إعلان الحرية والتغيير"، الحزب الشيوعي السوداني، فيسبوك، 2020/11/7، شوهد في 2023/7/18، في: pWqyIE https://bit.ly/3 (((7 أحمد فضل، "ساحته صفحة تجمّع المهنيين على فيسبوك...  صراع على 'الباسورد' في الخرطوم"، الجزيرة نت، 2020/7/11،

شوهد في 2023/7/16، في: https://bit.ly/3TgvF0U

وأفادت أنّ الإجراءات "القانونية ماضية ضد من شاركوا في تلك السرقة، سواء بالتنفيذ أو بالإيعاز؛ لأجل تنقية المجال العام من مثل هذه الممارسات، وقطع دابرها إلى الأبد، كي لا يستسهلها أيّ

انقلابي، أو مغامر في المستقبل". أرجع أحد المراقبين هذا الانقسام في تجمّع المهنيين السودانيين وتداعياته إلى سياقه العام الذي يفيد

أنه رَعدَ ضٌ لانقسام جذري "يبدأ من رأسَي مجلس السيادة عبالفتاح البرهان ومحمد حمدان دقلو

(حميدتي)، مرورًا بالحرية والتغيير التي تشهد اصطفافًا بين الداعين للإصلاح الهيكلي والمتمسكين

بطريقة العمل الحالية، وصول إلى تجمّع المهنيين، المصطف بين تيار إكمال الثورة وتيار الاستمرار في

التسوية والشراكة بين المدنيين والعسكريين". وختم المراقب، الذي فضّل حجب اسمه، ملاحظته بأن عدم معالجة هذا الانقسام الرأسي في مستوياته الثلاثة "ستقود البلاد إلى صدام دامٍ جدًا وكارثي". ونتيجة لهذا الواقع الانقسامي، تراجع دور تجمّع المهنيين السودانيين القيادي في تنفيذ مطالب ثورة

كانون الأول/ ديسمبر 2018، وأبعد من ذلك، إذ أضحت الثورة نفسها تواجه ارتدادًا عسكريًا بعد

انقلاب 25 تشرين الأول/ أكتوبر 2021، وتحديًا وجوديًا بعد اندلاع الحرب في 15 نيسان/ أبريل 2023

بين طرفَي الانقلاب الرئيسين (القوات المسلحة وقوات الدعم السريع).

خاتمة

تجلى سؤال التنظيم في الثورة السودانية 2019–2018 في الدور الذي قام به تجمّع المهنيين السودانيين

في نقل الاحتجاجات الثورية من شكلها العفوي إلى نمط المظاهرات المجدول، الذي يمتلك خطابًا ثوريًا نابعًا من مطالب الجماهير، ومستهدفًا إسقاط النظام، ونجاحه في توظيف المشكلات

التي كانت تعانيها قطاعات واسعة في المجتمع السوداني لتحريكها ضد النظام الحاكم، وتأطيره شعارات الثورة التي خاطبت جذور هذه المشكلات ومظالم المجتمع المتراكمة، وبثّها عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي. وبذلك، مَّيَز نفسه نسبيًا من الجبهة الوطنية للهيئات التي قادت ثورة

تشرين الأول/ أكتوبر 1964، والتجمّع النقابي الذي قاد ثورة آذار/ مارس–نيسان/ أبريل 1985. وتتجلّى

أسباب هذا التمييز في الآتي: أول، إنّ طول فترة النشاط الثوري ضد النظام الحاكم (2019–1989) قبل اندلاع الثورة وبعدها منح التجمّع فرصة لتأسيس شبكة واسعة من التنظيمات الفرعية الداعمة له

في ولايات السودان المختلفة، وبموجب ذلك اتّسع نشاطه الثوري أفقيًا في معظم المدن الرئيسة في

الولايات، وتصاعد رأسيًا في أوساط قطاعات المجتمع المتباينة ثقافيًا وسياسيًا ومهنيًا وعمريًا، خاصة

الشباب من الجنسين، والنساء. ثانيًا، إنّ انتشار وسائل التواصل الاجتماعي والقنوات الفضائية قد يسّر

عملية التواصل التنظيمي بين القيادات الفاعلة في الثورة، وساعد في تحريك الشارع العام وتأليبه ضد نظام الإنقاذ ورموزه الحاكمة، وبذلك استطاع الناشطون السياسيون أن يتجاوزوا قبضة الأجهزة الأمنية التقليدية التي أفلحت في إحكامها بقوةٍ ضد ثوار عامي 1965 و 1985. ثالثًا، إنّ دور السودانيين في

(((7 "تصريح صحافي"، تجمّع المهنيين السودانيين، فيسبوك، 2020/7/8، شوهد في 2023/7/16، في: https://bit.ly/3VffZgN (((7 المرجع نفسه.

دول المهجر والاغتراب قد حفّز الثوار في الداخل على مواصلة نشاطهم بحماسة وسلمية ضد النظام الحاكم، وأسهم في تأليب منظمات الحقوق الإنسانية العالمية ضد الممارسات القمعية لأجهزة النظام الأمنية والعسكرية ضد المتظاهرين الُع زّل، وبذلك جرت محاصرة النظام داخليًا وخارجيًا. لكنّ هذا

التباين الظرفي والحركي بين تجمّع المهنيين والتنظيمات السابقة له (جبهة الهيئات والتجمع النقابي)

لا ينفي وجود النموذج التاريخي الملهم ثوريًا، من دون أن ينتج نموذجًا مطابقًا له في الخطط والأدوات

التنفيذية، لأن كل نموذج محكوم بسياقات الواقع الذي نشأ فيه والظروف الموضوعية التي صاغت استحقاقات ذلك الواقع بأجناسه المختلفة وتطلّعاته الطموحة. إلى جانب النجاح التنظيمي الذي حققه تجمّع المهنيين السودانيين في قيادة الثورة، نلحظ من زاوية

أخرى أنّ هذا النجاح كان مرتبطًا أيضًا بوحدة الهدف المشترك، المتمثّل في إسقاط النظام. لكن بعد إسقاطه، تبدّدت وحدة الفاعلين الثوريين، وأضحى التجمّع منشطرًا بين منطلقاته النقابية – المهنية

وانتماءات أعضائه السياسية – الحزبية المتباينة، ولم يكن الجمع بين الاثنين أمرًا سهل، بل أفضى في

خاتمة المطاف إلى انقسامه معسكرين، تماهى أحدهما مع أنصار "الهبوط الناعم" الذين آثروا الشراكة الدستورية مع المكوّن العسكري، في حين آزر ثانيهما أنصار التغيير الجذري الذين طالبوا بقيام حكومة

انتقالية مدنية من دون شراكة عسكرية، وأن تكون ملتزمة بتنفيذ شعارات الثورة وتفكيك بنية النظام القديم. ونتيجة لذلك، تقلّص دور تجمّع المهنيين السودانيين في الفضاء السياسي، وأثّر الانقسام سلبيًا

في أداء الحكومة الانتقالية. وتمخّض عن ذلك ميلاد "قوى الحرية والتغيير – الكتلة الديمقراطية"، التي ساندت انقلاب 25 تشرين الأول/ أكتوبر 2021، وطالبت بشطب اسم "الحرية والتغيير" من الوثيقة الدستورية في عام 2019، وإبداله بالقوى المدنية وحركات الكفاح المسلح ولجان المقاومة التي ستُكَلَّف باختيار رئيس الوزراء والسلطة السيادية والبرلمان. وفي المقابل، طعنت قوى الحرية والتغيير المركزية وقوى التغيير "الجذرية" المنشقّة عنها في شرعية ما اعتبرته انقلابًا، وأوصدت أبواب التفاوض

والمساومة معه. وأفرز أخيرًا "الاتفاق الإطاري" الذي وقّعته قوى الحرية التغيير المركزية وأنصارها مع

الانقلابيين العسكريين اصطفافات سياسية حادة بين أطراف متعددة داخل قوى الثورة وخارجها من طرف، وبين المكونين المدني والعسكري شركاء الحكومة الانتقالية من طرف آخر، وكانت حصيلة ذلك إعادة توزيع بنية الفرص السياسية، وتصاعد موارد التحشيد والتحشيد المضاد، التي أفضت إلى اندلاع الحرب في 15 نيسان/ أبريل.2023

المراجع

References

أبو شوك، أحمد إبراهيم والفاتح عبد الله عبد  السلام. الانتخابات البرلمانية في السودان –1953(1986): مقاربة تاريخية –  تحليلية. ط  2. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،

أبو  شوك، أحمد إبراهيم. الثورة السودانية (2018–2019): دوافعها ومراحلها وتحدياتها. الدوحة / بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2021

الأصم، محمد ناجي. "حول تجربة تجمّع المهنيين السودانيين: شهادة شخصية". سلسلة النقابات

المهنية. مبادرة الإصلاح العربي (أيلول/سبتمبر).2022 "إعلان الحرية والتغيير". تجمّع المهنيين السودانيين. 2019/1/1:. في https://bit.ly/388qesJ بيشو، سيسيل وأوليفيه فيليول وليليان ماتيو. قاموس الحركات الاجتماعية. ترجمة عمر الشافعي. مراجعة وتحرير دينا الخواجة. الجيزة: مبادرة الإصلاحي العربي،.2017 بين أهمية الدور وتحديات التنظيم والتمثيل: النقابات المهنية المستقلة في العالم العربي. جميل معوض (محرر). باريس/ بيروت/ تونس: مبادرة الإصلاح العربي،.2021 "حزب الأمة القومي: نحو عقد اجتماعي جديد". الموقع الرسمي للإمام الصادق المهدي. 2020/3/26.

في: https://bit.ly/47PlzK9

سليمان، محمد الفكي. "تجربة قوى إعلان الحرية والتغيير: النشأة والتطور والمستقبل الديمقراطي". ورقة رُق دّمت في ورشة تقييم الفترة الانتقالية. داالمحامين. الخرطوم،.2022/7/24–22 علي، حيدر إبراهيم [وآخرون]. خمسون عامًا على ثورة أكتوبر السودانية، 2014–1964: النهوض

الباكر. القاهرة / الخرطوم: مركز الدراسات السودانية،.2014 قلندر، محمود. السودان ونظام الفريق عبود، 17 نوفمبر 21–58 أكتوبر 64. الخرطوم: دار عزة للنشر والتوزيع،.2012 مصطفى، عزّة. "هذا هو تجمّع المهنيين السودانيين". مجلة بدايات. العدد).2019(23 منصور، خالد. شذرات من وهوامش على سيرة ذاتية: جيل البطولات وجيل التضحيات، أين وكيف تنكبوا الطريق. القاهرة: رؤية للنشر والتوزيع،.2018 "ميثاق تجمع القوى الوطنية لإنقاذ الوطن 6 أبريل 1985 م". الموقع الرسمي للإمام الصادق المهدي.

1985/6/4:. في https://bit.ly/46JOXBl