إعادة تصوّر التحرر الاقتصادي في فلسطين: التحديات والفرص
Imagining Economic Liberation in Palestine: Challenges and Opportunities
الملخّص
تهدف الدراسة إلى استكشاف معنى التحرر الاقتصادي الفلسطيني، خاصة في ظل فشل حل الدولتين وصعوبة تحقيق دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة؛ وتجادل بأن أي تصوّر لمستقبل فلسطيني يتطلّب إنشاء اقتصاد مُنصف وعادل. ولا يمكن تحقيق مثل هذا الاقتصاد، إلّا من خلال الابتعاد عن منظومة التقسيم التي اقتُرحت لحل الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني. ويتطلّب أيضًا إنهاء الاستعمار الاقتصادي الذي رسّخته إسرائيل على مدى السنوات الخمس والسبعين الماضية، كما يتطلّب الابتعاد عن الاعتماد على النزعة الاستهلاكية والديون لتوليد النمو، كما حاولت السلطة الفلسطينية أن تفعل على مدى العقدين الماضيين. وتركز الدراسة على العلاقات العمّالية الفلسطينية - الإسرائيلية، والتحوّلات التجارية والمالية ودور المقاومة الاقتصادية، بما في ذلك حملة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات على إسرائيل، في إنهاء الاستعمار وتخيّل اقتصاد تحريري فلسطيني.
Abstract
Abstract: This study explores the meaning of Palestinian economic liberation and the means to achieve it moving forward. It argues that a liberated Palestine is achieved by decolonizing the economic relations and setter colonial structures of domination that have been reformulated between Israelis and Palestinians over the past seventy–five years. It is to be achieved by moving away from pure consumerism as a means to generate growth and focusing instead on the individual and collective rights to freedom from poverty and debt. The study gives specific attention to changes in Israeli–Palestinian labour relations, trade and capital flows, and the role of economic resistance, including BDS, in undermining colonialism and imagining Palestinian economic liberation.
- الاقتصاد الاستعماري
- الفصل العنصري
- نموذج التقسيم
- العمالة الفلسطينية
- الاستيطان
- Colonial Economy
- Apartheid
- Partition Paradigm
- Palestinian Labour
- Settlements
ملخص: تهدف الدراسة إلى استكشاف معنى التحرر الاقتصادي الفلسطيني، خاصة في
ظل فشل حل الدولتين وصعوبة تحقيق دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة؛ وتجادل بأن
أي تصوّر لمستقبل فلسطيني يتطلّب إنشاء اقتصاد مُنصف وعادل. ولايمكن تحقيق
مثل هذا الاقتصاد إّلا من خلال الابتعاد عن منظومة التقسيم التي اقتُرحت لحل الصراع
الإسرائيلي – الفلسطيني. ويتطلّب أيضًا إنهاء الاستعمار الاقتصادي الذي رسّخته إسرائيل
على مدى السنوات الخمس والسبعين الماضية، كما يتطلّب الابتعاد عن الاعتماد على
النزعة الاستهلاكية والديون لتوليد النمو، كما حاولت السلطة الفلسطينية أن تفعل على
مدى العقدين الماضيين. وتركز الدراسة على العلاقات العمّالية الفلسطينية – الإسرائيلية،
والتحّولّات التجارية والمالية ودور المقاومة الاقتصادية، بما في ذلك حملة المقاطعة
وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات على إسرائيل، في إنهاء الاستعمار وتخيّل اقتصاد
تحريري فلسطيني.
الفلسطينية، الاستيطان.
Abstract: This study explores the meaning of Palestinian economic liberation and the means to achieve it moving forward. It argues that a liberated Palestine is achieved by decolonizing the economic relations and setter colonial structures of domination that have been reformulated between Israelis and Palestinians over the past seventy–five years. It is to be achieved by moving away from pure consumerism as a means to generate growth and focusing instead on the individual and collective rights to freedom from poverty and debt. The study gives specific attention to changes in Israeli–Palestinian labour relations, trade and capital flows, and the role of economic resistance, including BDS, in undermining colonialism and imagining Palestinian economic liberation.
Professor of Political Science at the University of Massachusetts, Boston. Email: leila.farsakh@umb.edu
مقدمة
كثيرًا ما كان نمو الاقتصاد المستدام هدفًا مركزيًا للحركة الوطنية الفلسطينية؛ فبعد توقيع
اتفاقات أوسلو في أيلول/ سبتمبر 1993، خططت القيادة الفلسطينية لبناء اقتصاد قوي في الضفة الغربية وقطاع غزة، يكون مستقل عن إسرائيل وقادرًا على الحفاظ على دولة فلسطينية مستقلة.
لكن بعد مرور ثلاثين عامًا على إنشاء السلطة الفلسطينية في الأراضي المحتلة، أصبح الاقتصاد
الفلسطيني مجّزاّ ومُنهكًا وغير قابل للاستمرار. وعلى الرغم من تدفق مأ يزيد على 40 مليار دولار
أميركي من المساعدات الدولية، فإن الفقر ازداد، واتّسعت أوجه التفاوت في الدخل، ووصلت البطالة إلى مستويات لم تكن معروفة قبل عام 1993. وفي الواقع، أصبح اعتماد الاقتصاد الفلسطيني على هذه المساعدات متزايدًا، ولا يزال تحت رحمة السياسات والقيود الاقتصادية الإسرائيلية، وفشل في إرساء الأساس لدولة مستدامة قادرة على التمكين أو التحرر. تهدف هذه الدراسة إلى استكشاف معنى التحرر الاقتصادي للمُضّي قُدمًا، خاصة في ظل صعوبة
تحقيق التحرر من خلال حل الدولتين، نظرًا إلى ترسيخ الهيمنة الاستعمارية الإسرائيلية على مدى
الثلاثين عامًا الماضية. لقد خلق توسيع المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية والقدس الشرقية
التي آوت 730000 مستوطن يهودي في عام 2023، مقارنة ب 250000 مستوطن في عام 1993، والحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة، وبناء الجدار الفاصل بطول يبلغ 703 كيلومترات، الذي يقسم الضفة الغربية جيوبًا معزولةً أو بانتوستانات Bantustans، واقعَ فصلٍ عنصريّ، دمّر أي إمكانية
لتحقيق دولة فلسطينية مستقلة أو قابلة للحياة. مُنصف وعادل ويراعي تجادل هذه الدراسة بأن أي تصوّر لمستقبل فلسطيني يتطلّب إنشاء اقتصاد
النواحي الإيكولوجية. ولا يمكن تحقيق مثل هذا الاقتصاد إّل من خلال الابتعاد عن منظومة التقسيم التي تم اقتراحها لحل الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني. وهو يتطلّب إنهاء الاستعمار الاقتصادي الذي رسّخته إسرائيل على مدى السنوات الخمس والسبعين الماضية، كما يتطلّب الابتعاد عن الاعتماد على
النزعة الاستهلاكية والديون لتوليد النمو، كما حاولت السلطة الفلسطينية أن تفعل على مدى العقدين الماضيين. في هذا الصدد، تستكشف الدراسة اقتصادات حل الدولة الواحدة، وهو البُعد الذي نادرًا ما يتم بحثه
في معظم المناقشات بشأن البعد الأخلاقي والضرورة السياسية لمثل هذا الحل. وتتمثل فرضية الدراسة المركزية في أن تطور السنوات الثلاثين الماضية قد عزّز شكل اقتصاد الفصل العنصري الاستغلالي
وغير المتكافئ. وقد ساهم المجتمع الدولي في هذا الوضع، لكنه يحمل أيضًا المفتاح لعكس اتجاهه وتحويل اختلال توازن القوى لمصلحة دولة ديمقراطية واحدة في فلسطين كلها.
(((البانتوستانات، جيوب سكانية فُرض على السكان السود الأصلانيين في جنوب أفريقيا العيش فيها، وأن يمارسوا فيها حكمًا
محليًا.:يُنظر
Leila Farsakh, "Independence, Cantons or Bantustans: Whither the Palestinian State?" Middle East Journal , vol. 59, no. 2 (Spring 2005), pp. 230–245.
تُقسم الدراسة أربعة مباحث: يبحث الأولفي معنى التحرر الاقتصادي والعدالة، ويستكشف الثاني اقتصادات التقسيم وآثاره في التحرر الفلسطيني، أما الثالثفيعيد تصوّر الاقتصاد الفلسطيني، بقدر
ما يُعيد تشكيله، حيث يشمل فلسطين التاريخية بأكملها، بدل من الاقتصار على الضفة الغربية وقطاع غزة، ويحلل كيف تشكل العلاقات الاقتصادية الإسرائيلية – الفلسطينية جزءًا من فضاء اقتصادي واحد،
وهو فضاء غير متكافئ واستغلالي في آنٍ معًا، على الرغم من كل المحاولات لفصل الإسرائيليين عن الفلسطينيين خلال سنوات أوسلو. وأخيرًا، يبحث المبحث الرابعفي الاستراتيجيات التي لدى
الفلسطينيين لاتّباعها في إنهاء استعمار واقعهم والدور الذي يمكن أن يؤدّيه المجتمع الدولي في دعمهم.
أولا: التحرر السياسي والعدالة الاقتصادية
في رأيي الحجة الاقتصادية لحل الدولة الواحدة تفترض أن هذه الدولة تكون قادرةً على أن توفّر الحرية والعدالة للسكان جميعهم الذين يعيشون في إسرائيل/ فلسطين، بغض النظر عن خلفيتهم العرقية أو الطبقية أو الدينية. ومن شأن مثل هذه الدولة أن تضمن تلبية حقوق الفلسطينيين كلها، بما في ذلك حق العودة والمساواة والمواطنة. وستحمي حق المواطنين الإسرائيليين، من خلال الاعتراف بوجودهم الديموغرافي الذي يتساوى اليوم مع الفلسطينيين الذين يعيشون في فلسطين التاريخية، وتقبل بحقوقهم السياسية الفردية والجماعية، فمن بعد عملية مصالحة تاريخية، تضمن المؤسسات الديمقراطية لمثل هذه الدولة حقوقَ جميع مواطنينا، وتستطيع أن تكون مُجدية اقتصاديًا وعادلة. يرتبط مفهوم التحرر السياسي بمفهوم العدالة، لكن تحديد معانيه الاقتصادية ليس سهل أو بدهيًا. ففي
حين يتّفق كثيرون على أن العدالة الاقتصادية تستلزم التحرر من الفقر واستعادة حق السكان الأصلانيين في أراضيهم، وحماية الحق في العيش في بيئة صحية، فإن ترجمة هذه الحقوق إلى سياسات اقتصادية وسياسية ليست أمرًا سهل. ويواجه المرء المهمة الصعبة المتمثلة في تحديد المعايير التي يمكن من
خلالها تحديد ما هو عادل اقتصاديًا، ومن يحق له الحصول عليه. بعبارة أخرى، هل تعطي المواطنين أو السلطة الأولوية في تعريف العدالة الاقتصادية؟ وهل تهدف إلى حماية العمال أو المالكين، للسكان الأصلانيين و/ أو المهاجرين؟ لا يزال التحدي المتمثل في تبرير الحجة الأخلاقية، فضل عن الاقتصادية، لأي سياسة إعادة توزيع الدخل تعمل على رفع مستوى الفقراء من خلال فرض ضرائب على الأغنياء، أو تُنصف المُستعمَرين على المُستعمِرين، هائل. ثم إن إنشاء الآلية، أو السياسات التي من شأنها إصلاح المظالم الاقتصادية، إن كان في الماضي أم في الحاضر، ليس واضحًا أيضًا. وعلى مستوى أكثر جوهرية، تكمن صعوبة تحديد مضمون العدالة الاقتصادية عمومًا، وفي فلسطين خصوصًا، في كيفية التوفيق بين الحقوق الفردية والجماعية لجميع الذين يعيشون في فلسطين. وهذا بدوره، متعلق بتصوّرنا لمعنى التحرر السياسي وعلاقته بالتحرر الاقتصادي والإقليمي. بعبارة أخرى:
العدالة الاقتصادية مرهونة بإنشاء دولة وطنية، أم أنها مُهدّدة بها؟
طوال أكثر من قرن، سيطر النموذج القومي على الخطاب المتعلق بالحقوق الاقتصادية والسياسية، معطيًا أولوية لمواطني الدولة، أو للأقلية التي تحميها الدولة القومية، على غيرهم من الأفراد. في
هذا الصدد، جادلت الحركة الوطنية الفلسطينية، منذ عام 1974 على الأقل، بأن إنشاء دولة فلسطينية على أيّ جزء محرّر من فلسطين هو السبيل الوحيد لإنهاء الاستعمار الإسرائيلي وضمان الازدهار
الاقتصادي للفلسطينيين. ومن ثم، فإن العدالة الاقتصادية وفق هذه النظرة لا يمكن تحقيقها إّل من خلال القبول بالإقرار الدولي بشأن تقسيم فلسطين، ومن ثمّ إقامة السيادة الوطنية على الضفة الغربية
وقطاع غزة؛ بمعنى آخر، إن السيادة الفلسطينية هي وحدها القادرة على حماية الحقوق الاقتصادية الفلسطينية وتمهيد الطريق لتحقيق العدالة الاقتصادية والسياسية. لكن، كما بات واضحًا تمامًا الآن، لقد فشلت الدولة القومية في حماية الحقوق الفردية والجماعية
لمواطنيها، في فلسطين، وفي بقية منطقة الشرق الأوسط. إن السياسة النيوليبرالية في مرحلة ما بعد إجماع واشنطن، التي تبنّتها معظم دول منطقة الشرق الأوسط منذ التسعينيات، قد أعطت الأولوية للأغنياء على حساب الفقراء، وللربح على حساب الاستدامة، وللمواطنين على حساب المهاجرين. ولا تزال تعتمد على نموذج النمو القائم على توفير العمالة الرخيصة، سواء كانت العمالة محلية و/ أو من المهاجرين، ورهينة بمبيعات الوقود الأحفوري؛ ما فاقم الأزمة البيئية العالمية التي نواجهها اليوم. وفي فلسطين تحديدًا، لم يتحقق أي نموٍ اقتصادي وطني مستدام؛ لأن إسرائيل واصلت تعميق استعمارها للأرض والموارد الاقتصادية الأخرى كلها. وهكذا أصبح من الضروري فهم طبيعة وتناقضات الاقتصاد الاستعماري الذي أنشأته إسرائيل منذ عام 1948، كي نتمكّن من تحديد الوسائل اللازمة لإنهاء الاستعمار من أجل خلق اقتصاد أكثر عدل.
1. اقتصاد فلسطين منذ عام 1948
أنشأت إسرائيل، منذ قيامها في عام 1948، اقتصادًا واحدًا داخل فلسطين، يُهيمن عليه رأس المال
والمصالح اليهودية، ولا يعتمد على الفلسطينيين الذين بقوا بعد النكبة. وقد سعت إسرائيل لمنع تطوير أي اعتماد هيكلي على العمالة الفلسطينية، أو ظهور اقتصاد الفصل العنصري الاستعماري، كما حدث في نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، في إطار التزامها بحماية العمالة اليهودية والحفاظ على السيطرة السياسية الصهيونية. ومع ذلك، فإن نجاحها في القيام بذلك لا يزال موضع شك؛ نظرًا إلى التناقض الداخلي في مسعاها الاستعماري وفشلها في القضاء على الوجود
الفلسطيني. وكما سيتضح لاحقًا، أنشأت إسرائيل نسختها الخاصة من اقتصاد الفصل العنصري؛ وهو اقتصاد يقوم على تفتيت الفضاءات الاقتصادية والسياسية الفلسطينية، لضمان الهيمنة الاقتصادية والسياسية الصهيونية. قبل عام 1967، كان اقتصاد فلسطين يقوم على قطاع يهودي مدعوم كثيرًا من الدولة اليهودية، ويعمل
على تهميش القطاع الفلسطيني المحروم واستغلاله، الذي تمت أصل مصادرة أراضيه ووضعه تحت الحكم العسكري حتى عام 1966، وحرمانه أي تطور رأسمالي مستقل. وتحوّل الفلسطينيون الذين
بقوا في البلاد إلى خزّان للعمالة، متركزين في الوظائف غير الماهرة، المنخفضة الأجر. ولم يُسمح
لاهم إطلاقًا بإنشاء أي اقتصاد إقليمي مستقل، فضلًا عن كونه قابل للحياة، ويمكنه الاستغناء عن رأس المال أو السيطرة الإسرائيلية. وبعد حرب حزيران/ يونيو 1967، دمجت إسرائيل مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة من خلال عملية مماثلة من الهيمنة الاستعمارية التي استخدمتها على الفلسطينيين الذين بقوا داخل إسرائيل. ففرضت عليها اتحادًا جمركيًا أحادي الجانب، حَّوَلها إلى سوق أسيرة، وثالث أكبر
سوق للسلع والصادرات الإسرائيلية. وهكذا أنشأت إسرائيل، منذ عام 1967، اقتصادًا واحدًا على كامل أراضي فلسطين التاريخية، أي
أنشئ من دولة تدخّلية سيطرت على الأراضي الفلسطينية، ودعمت نمو وهيمنة القطاع اليهودي الدينامي الرأسمالي الذي يستغل القطاعات الفلسطينية الكثيفة العمالة. وبين عامَي 1970 و 1990،
كان أكثر من ثلث القوة العاملة في الضفة الغربية وقطاع غزة يعمل في إسرائيل، معظمهم في وظائف منخفضة المهارات. لقد شكل هؤلاء العمال، إلى جانب المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل، نحو 26 في المئة من إجمالي القوى العاملة التي تعمل في القطاع الاقتصادي المملوك للقطاع الرأسمالي اليهودي.
2. منظومة التقسيم والتحرر الاقتصادي
أثارت اتفاقات أوسلو للسلام الموقعة بين إسرائيل والفلسطينيين توقعات بأن الاحتلال الإسرائيلي سينتهي، وأن التحرر الاقتصادي ممكن؛ فقد نصّت ديباجة بروتوكول العلاقات الاقتصادية للاتفاق
المؤقت على أن هدفه هو "إرساء الأساس" ل "تقوية القاعدة الاقتصادية للجانب الفلسطيني وممارسة حقه في اتخاذ القرارات الاقتصادية وفقًا لخططه وأولوياته التنموية". من المهم ملاحظة أن اتفاقات أوسلو، شأنها شأن جميع القرارات أو خطط السلام التي تمّت رعايتها
دولًّيًا منذ عام 1947، فهمت التقسيم باعتباره ينطوي على استقلال سياسي وإقليمي، لكن ليس
بالضرورة على انفصال اقتصادي. في الواقع، فإن قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة، رقم 181 في عام 1947، الذي كرّس مبدأ تقسيم فلسطين إلى دولتين منفصلتين: يهودية وعربية، قد تصوّر اتحادًا
اقتصاديًا بين الدولتين، اتحاد يضمن حرية حركة البضائع ورأس المال والعمالة بينهما. إن المنطق
الأساسي وراء طرح مثل هذا الاتحاد الاقتصادي وتعزيزه يكمن في قدرته على توليد قدر أكبر من الرفاه للعرب واليهود، وكذلك للمستهلكين والمنتجين. ذلك لأنه يُعزّز التكامل الاقتصادي بين ماكان يُعتبر
(2) Leila Farsakh, Palestinian Labor Migration to Israel: Labor Land and Occupation (London: Routledge, 2005), ch. 2. (3) Yusef Sayigh, "The Palestinian Economy Under Occupation: Dependency and Pauperization," Journal of Palestine Studies , vol. 15, no. 4 (1986), pp. 46–67. (4) Farsakh, Palestinian Labor Migration to Israel , ch. 6.
(((بروتوكول بشأن العلاقات الاقتصادية بين حكومة دولة إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية ممثلة الشعب الفلسطيني (باريس: 1994/4/29)، شوهد في 2024/5/26، في: https://cutt.ly/Beyk7bAj
تاريخيًا قطاعًا فلسطينيًا كثيف العمالة، وقطاعات يهودية أكثر كثافة في رأس المال. ومن ثمّ، فإن لديه
القدرة على تعزيز السلام بين الشعبين. بقي البروتوكول الاقتصادي لاتفاقات أوسلو ضمن المنطق نفسه، لكن من دون إعطاء الجانب الفلسطيني نطاق المناورة المنصوص عليه في خطة التقسيم التي وضعتها الأمم المتحدة في قرارها رقم 181. وفي حين أن الاتحاد الاقتصادي الذي اقترحته خطة عام 1947 أعطى الفلسطينيين دولتهم الخاصة وبنكهم المركزي، وسلطةً متساويةً في تحديد سياسة تعريفة جمركية مشتركة واحدة وسعر صرف أجنبي مشترك، فإن بروتوكول أوسلو الاقتصادي لم يسمح للفلسطينيين سوى بتحديد الأولويات الاقتصادية العامة. وعلى الرغم من أنه أعطى السلطة الوطنية الفلسطينية بعض الفسحة في السياسة التجارية والنقدية، والحق في فرض الضرائب والاستثمار في المناطق الخاضعة لسيطرتها، فإنه قيّدها
بالأنظمة واللوائح التجارية والنقدية الإسرائيلية. والأهم من ذلك أن اتفاقات أوسلو لم تضمن حرية حركة السلع والخدمات داخل الأراضي الفلسطينية وخارجها، وهو ما فعلته خطة التقسيم التي وضعتها الأمم المتحدة في عام 1947، ولا حرية حركة العمال ورأس المال. علاوةً على ذلك، لم يكن لدى اللجنة الاقتصادية المشتركة التي نشئت لمراقبة تنفيذ اتفاق أوسلو أُ الاقتصادي، أٌّيٌ من الصلاحيات الممنوحة للمجلس الاقتصادي المشترك المقترح في خطة التقسيم
للأمم المتحدة لعام 1947، أي القرار رقم 181. وفي حين أن هذا الأخير (أي المجلس الاقتصادي المشترك) كان من المقرر أن يتألف من ممثلين متساوين من كلتا الدولتين العربية/ الفلسطينية واليهودية، وكذلك من بلدان أجنبية، كانت اللجنة الاقتصادية المشتركة تفتقر إلى أي تمثيل لطرف ثالث. وهكذا أثبتت أنها غير قادرة على ضمان التوزيع العادل للموارد، إضافة إلى التحكيم في حال أي نزاع اقتصادي. لقد أصبحت فعليًا أداةً أخرى في يد جهاز الأمن الإسرائيلي والمشروع
الصهيوني لاستعمار المزيد من الأراضي الفلسطينية وإفراغ مشروع الدولة الفلسطينية من أي إمكانات تحررية.
ثانيًا: الوعد بالسلام: الانفصال من دون سيادة ولا حرّية
جادل شمعون بيريز بأن عملية أوسلو للسلام بشّرت ب "شرق أوسط جديد"، من شأنه أن يسمح بالتدفق الحر لرأس المال والعمالة، الذي بدوره سيؤدي إلى ارتفاع مستويات المعيشة في المنطقة وانخفاض العنف. بيدَ أن ثلاثين عامًا على عملية السلام أثبتت أنها كانت مفيدة لإسرائيل
التي أصبحت أكثر ازدهارًا اقتصاديًا، ومضرّة للفلسطينيين الذين أصبحوا أكثر فقرًا واعتمادًا على
المساعدات الخارجية.
(((كانت هناك الحجج الاقتصادية نفسها التي ىُق.دّمت لإنشاء الاتحاد الأوروبي والاتحادات الإقليمية الأخر
(7) Leila Farsakh, "Economic Prospects for a One–State Solution in Palestine–Israel," Holy Land Studies , vol. 12, no. 2 (2013), p. 120. (8) Shimon Peres & Arye Naor, The New Middle East (New York: Henry Holt & Company, 1994), p. 23.
معدلات نصيب للفرد في العالم.
ﻳًﻤﻧﻮ اﻟﻨﺎﺗﺞ اﳌﺤﲇ اﻹﺟﺎﻤﱄ)ﺳﻨﻮﺎ) % 10 0 -5 -10 -15 5 2008 2009 2010 2011 2012 2013
في 2024/5/23، في: https://tinyurl.com/mr27eevp
وجرى تحديث البيانات استنادًا إلى منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ينظر:
الواقع أن حال الفلسطينيين اقتصاديًا اليوم أسوأ مما كان عليه قبل توقيع اتفاقات عملية السلام. فقد
كان نمو الناتج المحلي الإجمالي في الضفة الغربية وقطاع غزة منذ عام 1993 متقّلبً ا وغير منتظم.
وعلى الرغم من أن حجم الناتج المحلي الإجمالي تضاعف ثلاث مرات، ليصل إلى إجمالي 18 مليار دولار أميركي في عام 2022، مقارنة ب 5 مليارات دولار أميركي في عام 1994، فإنه لم يستطع مواكبة النمو السكاني. فبلغ نصيب الفرد من الدخل الحقيقي للناتج المحلي الإجمالي في الضفة الغربية وقطاع غزة في عام 2022 المستوى نفسه الذي كان عليه في عام 1999. في عام 2007، انخفض نصيب الفرد من الدخل الحقيقي بنسبة 30 في المئة عن مستواه في عام 1999، وكان أقل بنسبة 9 في المئة عن مستواه في عام 1992. ووصل إلى مستوى قدره 3800 دولار أميركي في عام 2022، مقارنة ب 1182 دولارًا أميركيًا في عام 2002، ويرجع الفضل في ذلك، إلى حد بعيد، إلى
تدفق المساعدات الدولية على مدى العقود الثلاثة الماضية. وتشير التقديرات إلى أن كل فلسطيني كان يتلقى ما قيمته 258 دولارًا أميركيًا من المساعدات في عام 2004، و 624 دولارًا أميركيًا في عام
2014. وهذا مقارنة بأقل من 110 دولارات أميركية للفرد في هايتي في عام 2014، وهو من بين أكبر
الشكل (1) النسبة المئوية للنموّ السنوي للناتج المحلي الإجمالي في الضفة الغربية وقطاع غزة (2022–2008)
اﻟﺴﻨﻮات
المصدر: من إعداد الباحثة، استنادًا إلى: دولة فلسطين، الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، "الحسابات القومية السنوية"، شوهد
(9) Farsakh, "Economic Prospects for a One–State Solution in Palestine–Israel"; United Nations Conference on Trade and Development (UNCTAD), Report on UNCTAD Assistance to the Palestinian People: Developments in the Economy of the Occupied Palestinian Territory , 8/8/2022, accessed on 21/5/2024, at: https://tinyurl.com/muaes59x
(((1 ينظر: ليلى فرسخ، "الترويج للديمقراطية في فلسطين: المساعدات ودمقرطة الضفة الغربية وقطاع غزة"، ترجمة دياب قعد،
سلسلة أوراق تنموية، مركز دراسات التنمية، جامعة بيرزيت (2012)، شوهد في 2024/5/21، في: https://tinyurl.com/un85aake؛
Organisation for Economic Co–operation and Development (OECD), "Data Results," accessed on 21/5/2024, at: https://tinyurl.com/5adz6sf2
كما ازدادت المؤشرات الاجتماعية الفلسطينية سوءًا بعد عام 1993. فالفقر الذي يُعَرَّف بأنه حالة
أولئك الذين يكسبون أقل من 5.5 دولارات أميركية لكل فرد في اليوم، يؤثر في ما نسبته 35 في المئة من السكان. وبقيت هذه النسبة أعلى في قطاع غزة، حيث يقدر أن 60 في المئة من سكانه يعيشون تحت خط الفقر. وأصبحت البطالة التي كانت قبل عام 1990 دون نسبة 10 في المئة، مشكلة كبيرة، حيث بقيت عند مستوى 45 في المئة في قطاع غزة؛ أي ضعف ما كانت عليه في الضفة الغربية، حيث بلغت نحو 17 في المئة منذ عام 2006. وفي الوقت نفسه، اتّسعت فجوة التفاوت في الدخل بنسب لم تكن موجود قبل عام 1994. ولم يقتصر الأمر على أن قطاع غزة أصبح أكثر فقرًا، مقارنة بالضفة الغربية، بل وصل نصيب الفرد من الدخل الحقيقي فيه إلى نصف
مستواه في الضفة الغربية في عام 2021، مقارنةً بثلثيه في عام 1999. وتعمّق التفاوت في الدخل
داخل الضفة الغربية، سواء بحسب المناطق الجغرافية أم الفئات الاجتماعية؛ حيث تركزت الثروة في منطقة رام الله، واستفاد منها في الغالب أولئك الذين يعملون في المنظمات الدولية أو التمويل الخارجي. لا يمكن أن يكون التناقض بين الأداءين الاقتصاديين الإسرائيلي والفلسطيني في إطار عملية أوسلو للسلام أكثر وضوحًا. بين عامي 1993 و 2022، ازداد الناتج المحلي الإجمالي الإسرائيلي خمسة
أضعاف، ليقفز من 81 مليار دولار أميركي في عام 1993 إلى 488 مليارًا في عام 2022. وقد
نما نمّووّا مطردًا بنح 3 في المئة سنويًا، باستثناء الفترة 2003–2000، وفي عام 2014، وخلال جائحة
فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19–) في عامَي 2020 و 2021. وتضاعف نصيب الفرد من الدخل
أربع مرات تقريبًا، حيث ارتفع من 12 ألفًا إلى قرابة 52 ألف دولار أميركي خلال الفترة نفسها
إن أسباب هذه الاختلافات في الأداء الاقتصادي سياسية واقتصادية في آنٍ واحد. وكما اتضح جليًا
من التقارير السنوية للبنك الدولي والأمم المتحدة، فإن الأداء الاقتصادي الفلسطيني كان ضعيفًا
(11) World Bank, Economic Monitoring Report to the Ad Hoc Liaison Committee , Report no. 165825, 17/11/2021, accessed on 21/5/2024, at: https://tinyurl.com/4p867ket; World Bank, Racing Against Time: World Bank Economic Monitoring Report to the Ad Hoc Liaison Committee , Report no. 184877 (September 2023), accessed on 21/5/2024, at: https://tinyurl.com/4pxjk3rb (12) UNCTAD, Report on UNCTAD Assistance to the Palestinian People: Developments in The Economy of the Occupied Palestinian Territory , 20/9/2021, accessed on 23/5/2024, at: https://tinyurl.com/2nv85yxc (13) Ibid.; Leila Farsakh, "The Impact of International Aid on the Palestinian Economy and Project of National Liberation," paper presented at Al Sharq Strategic Research Center Conference "Palestinian Social and Economic Transformation After Oslo," Istanbul, 2–4/5/2023. (14) The Israeli Economy 2022 (Jerusalem: Israel Central Bureau of Statistics (ICBS), 2023). (15) World Bank, "Racing Against Time." (16) World Bank, Palestinian Economic Prospects: Aid, Access and Reform: Economic Monitoring Report to the Ad Hoc Liaison Committee , 22/9/2008, accessed on 21/5/2024, at: https://tinyurl.com/4bmzu8k2; Leila Farsakh, "Palestinian Economic Development: Paradigm Shifts since the First Intifada," Journal of Palestine Studies , vol. 45 no. 2 (2015), pp. 55–71.
الفلسطينيين.
(ﻣﻦ اﻟﻨﺎﺗﺞ اﳌﺤﲇ اﻹﺟﺎﻤﱄ(% ﺻﺎﰲ ﺗﺪﻓﻘﺎت اﻻﺳﺘﺜﺎﻤر اﻷﺟﻨﺒﻲ اﳌﺒﺎﴍ 6
المصدر: من إعداد الباحثة استنادًا إلى:
القيود الإسرائيلية.
بسبب "التدابير الأمنية" الإسرائيلية، وتحديدًا سياسات نقاط التفتيش والإغلاق التي تنتهجها، والتي قيّدت وحدّت من وصول الفلسطينيين إلى الأسواق المحلية والدولية. وفي غضون ذلك، كانت
إسرائيل تعمل على الاندماج في الاقتصاد العالمي، بدل من أن تُعاقَب على إجراءاتها القمعية ضد
الشكل (2) النسبة المئوية لتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر من الناتج المحلي الإجمالي لإسرائيل
اﻟﺴﻨﻮات
The World Bank, "Foreign Direct Investment, Net Inflows (% of GDP)," accessed on 23/5/2024, at: https://tinyurl.com/mpaa4rwc
الواقع أن النمّو الإسرائيلي منذ عام 1993 أمكن تحقيقه بفضل زيادة التجارة العالمية وتدفّق الاستثمار الأجنبي. بين عامَي 1993 و 2000، وصل إجمالي الاستثمارات الأجنبية المباشرة في إسرائيل إلى 22 مليار دولار أميركي، معظمها في قطاع التكنولوجيا الفائقة "هايتك" High–Tech. ومنذ عام 2008، ارتفع حجمها من مبلغ سنوي قدره 10 مليارات دولار أميركي إلى 27 مليارًا في عام 2022، وهو ما يمثل 5.8 في المئة من ناتجها المحلي الإجمالي (الشكل 2). وعلى النقيض من ذلك، راوحت قيمة الاستثمار الأجنبي المباشر الذي تدفق إلى الاقتصاد الفلسطيني بين 100 و 350 مليون دولار أميركي في السنة، وهو ما يمثل أقل من 2 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للضفة الغربية وقطاع غزة (الشكل 3). في هذه الأثناء، نمت التجارة الإسرائيلية وتنوّعت في صادراتها وشركائها التجاريين. فقد
نمت بمعدل يزيد على 6 في المئة سنويًا، بينما تقلّبت التجارة الفلسطينية مع العالم الخارجي بسبب
الشكل (3) النسبة المئوية للاستثمار الأجنبي المباشر من الناتج المحلي الإجمالي في الضفة الغربية وقطاع غزة
المصدر: المرجع نفسه.
كان لتدفق رأس المال الأجنبي دورٌ محوري في تحوّل إسرائيل إلى دولة "ناشئة"، وفي تحويل قطاعها التصنيعي إلى المنتجات ذات الصلة بالتكنولوجيا الفائقة والأمن؛ حيث نما قطاع التكنولوجيا الفائقة بنسبة تزيد على 7 في المئة سنويًا منذ عام 1993، وكان مسؤول عن استيعاب 65 في المئة من الزيادة في عدد الأشخاص العاملين في الصناعة. وقد نشأ العديد من شركاتها الكبرى من نطاق المؤسسة العسكرية؛ ما زَّونّد هذه الشركات بقوة عاملة ماهرة ومديرين من قلب الجنرالات المتقاعدي. منذ عام 2005، استحوذ قطاع التكنولوجيا الفائقة على نحو 80 في المئة من الزيادة في نمو الإنتاج الصناعي بين عامي 2004 و 2010. وهو يستوعب اليوم 8.6 في المئة من السكان العاملين في إسرائيل؛ وهي
(((1 في عام 2018، جلبت 6616 شركة ناشئة ما مجموعه 23 مليار دولار من خلال صفقات الاندماج والاستحواذ والاكتتابات العامة الأولية للأسهم. ينظر:
Joseph Zeira, The Israel Economy: A Story of Success and Costs (Princeton: Princeton University Press, 2022),
(((1 وانخفض الإنفاق على قطاع الدفاع كحصة من الناتج المحلي الإجمالي، من قرابة 27 في المئة في السبعينيات، إلى 7 في المئة في عام 2000، وبلغ متوسطه 6–5 في المئة منذ عام 2010. وفي الوقت نفسه، تمكّن الاقتصاد الإسرائيلي من تقليص
حجم قطاعه العام وتوسيع القطاع الخاص. فقد انخفض الإنفاق العام كحصة من الناتج المحلي الإجمالي عن ذروته في عام 1975، البالغة 80 في المئة، إلى 55 في المئة في عام 1990، ثم إلى 45–40 في المئة منذ عام 2000. وفي المقابل، سجل قطاع الأعمال نموًا بمعدل أعلى بنسبة 2 في المئة من القطاع العام، حيث نما بمعدل قدره 7.6 في المئة سنويًا، بين عامَي 1990
و 1995، وبأكثر من 5 في المئة منذ عام 2003، ليصبح القوة الرئيسة التي تدفع الناتج المحلي الإجمالي. ينظر:
pp. 77–80.
Ibid., pp. 77–118,129–140. (19) Farsakh, "Economic Prospects for a One–State Solution in Palestine–Israel."
نسبة أعلى من معظم البلدان الأوروبية، وتأتي في المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة الأميركية. ويقف هذا القطاع أيضًا وراء توسع حجم البحث والتطوير R&D في الاقتصاد، الذي يشكل اليوم 4.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي الإسرائيلي، ويمثل أكثر من 27 في المئة من الصادرات الإسرائيلية. وقد شكلت التكنولوجيا الفائقة، مع الإلكترونيات والسلع الصناعية الأخرى، 80 في المئة من إجمالي الصادرات الإسرائيلية.
ثالثًا: الاقتصاد الاستعماري منذ عام 1993
كان نمو الاقتصاد الرأسمالي الإسرائيلي وعدم استدامة النمو الاقتصادي الفلسطيني النتيجة لعملية سلام لم تنهِالاستعمار الاقتصادي، وتُصرّ عل فصل السياسة عن الاقتصاد، والفرد عن الجماعة؛ وهو تخُّيُل
نيوليبرالي في نظرته. لقد تحوّل "الاقتصاد الفلسطيني" بعد اتفاقات أوسلو إلى أرخبيل من الفضاءات
الاقتصادية، المتشابكة مع الجهاز الاستعماري الصهيوني، بدل من الانفصال عنه، على الرغم من محاولات إسرائيل فصل الفلسطينيين عن الإسرائيليين. وقد يكون من الأدق وصف الاقتصاد الذي انبثق من نموذج التقسيم الذي أوجدته عملية أوسلو للسلام بأنه اقتصاد فصل عنصري؛ اقتصاد مكوّن
من أربعة مجالات جغرافية فلسطينية رئيسة، مقيّدة، ويتم تنظيمها من رأس المال اليهودي والمصالح
الاستعمارية الصهيونية. أصبحت هذه الفضاءات الفلسطينية عمليًا خزّانًا للعمالة، أو بانتوستانات، غير
قادرة على النمو بأي طريقة مستدامة ومعتمدة على دولة استيطانية تمييزية.
1. قطاع غزة
الجزء الأكثر فقرًا في هذا الاقتصاد هو قطاع غزة. فوفقًا لتقرير البنك الدولي لعام 2021، مثلت
غزة 18 في المئة فقط من الاقتصاد الفلسطيني، أي نصف حجمها قبل ثلاثين عامًا. ومن الناحية
الهيكلية، تم فصلها عن الضفة الغربية وإسرائيل، ومن ثم فرض اعتماديتها على مصر، كما فعلت قبل حرب عام 1967، لكن مع قيود أكبر كثيرًا. لقد طوّر اقتصاد غزة أنماطًا للاكتفاء الذاتي في
أنشطة اقتصادية عدة، لكنها كانت غير فعالة إلى حدٍ بعيد، وغير قادرة على الحد من المشكلات الضخمة المتمثلة في الفقر والبطالة وعدم كفاية الرعاية الصحية؛ بسبب الحروب ونقص الاستثمار الرأسمالي ونقص الكهرباء، من بين قيود أخرى. أصبح قطاع غزة، لذلك، بانتوستانًا، بقدر ما أصبح خزانًا كبيرًا للعمالة، حتى إن كانت هذه العمالة غير مسموح لها بمغادرة القطاع وتعتمد على
المساعدات الدولية. لقد أدت حرب الإبادة التي شنّتها إسرائيل على قطاع غزة، بعد أحداث السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، إلى هدم أي بؤرة اقتصادية كانت ممكنة في غزة، مهما كانت محدودة، وإلى انتشار مجاعة
(20) Zeira, p. 77. (21) UN Comtrade , accessed on 23/5/2024, at: https://tinyurl.com/s33sr3tw (22) Sara Roy, The Gaza Strip: The Political Economy of De–Development (Washington, DC: Institute for Palestine Studies, 1995).
لم يشهدها الشعب الفلسطيني منذ نكبة عام 1948. كما شرّدت 1.8 مليون فلسطيني من بيوتهم،
وقتلت أكثر من 40 ألف فلسطيني، ووصل عدد الجرحى إلى إكثر من 80 ألف مصاب، ودمّرت 70 في المئة من إجمالي المساكن. وبحسب التقديرات الأولية للأمم المتحدة، فقد خلّفت هذه الحرب أكثر من 37 مليون طن من الركام (مقارنة بحوالي مليونين ونصف طن خلال حرب 2014 على غزة)، وأدّت إلى انكماش الدخل المحلي العام ب 26.9 في المئة، وتراجع في المستوى التعليمي بسبب تدمير 80 في المئة من المدارس ومعظم جامعات القطاع، وهدم القطاع الصحي. وسيحتاج القطاع إلى أكثر من 50 مليار دولار أميركي لإعادة إعماره بمستواه الاقتصادي الذي كان عليه قبل السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وإلى أكثر من عقدين لاستعادة مستواه التعليمي والإنمائي. هذا المبلغ، وإن صرف، فلن يُغيّر الهيكلية التبعية، المعتمدة على المساعدات الدولية، وغير القادرة على
الاستدامة الاقتصادية في ظل النظام الاستعماري الذي تفرضه إسرائيل.
2. الضفة الغربية
أمّا المكون الثاني لهذا الاقتصاد الاستعماري، فهو الضفة الغربية. وقد حافظ سكانها الفلسطينيون على قدرتهم على الصمود بفضل عاملين رئيسين: المساعدات الخارجية وتنمية القطاع المالي الفلسطيني، وكلاهما غير مستدام، وغير قادر على توليد الازدهار الوطني، وإن ساهما في حماية الدخل الفردي لبعض الأفراد. لقد نمت المساعدات الدولية المقدمة للشعب الفلسطيني من مبلغ قدره 528 مليونًا سنويًا في التسعينيات، إلى أكثر من 1.1 مليار دولار أميركي سنويًا بين عامي 2002 و 2021. وشكلت نسبة 25 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي الفلسطيني. وارتفعت حصتها في الدخل المحلي الإجمالي من 14 في المئة في عام 1994، إلى أكثر من 49 في المئة في عام 2008. وقد مَّوَلت هذه المساعدات ميزانية السلطة الفلسطينية وموظفيها، البالغ عددهم 208 آلاف موظف في قوات الشرطة والإدارة العامة، الذين يمثلون 30 في المئة من إجمالي العمالة في غزة، و 18–14 في المئة من القوة العاملة في الضفة الغربية منذ عام 2000. وتشير التقديرات إلى أن 71 في المئة من المساعدات تُغطي العجز التجاري الفلسطيني مع إسرائيل، ومايصل إلى 100–60 في المئة من عجز ميزانية السلطة الفلسطينية.
(23) United Nations Development Programme (UNDP), "As War in Gaza Enters Seventh Month, 1.74 million more Palestinians will be Pushed into Poverty across State of Palestine According to United Nations Assessment," 1/5/2024, accessed on 21/5/2024, at: https://tinyurl.com/5849re6d (24) Ibid. (25) Farsakh, "Economic Prospects for a One–State Solution in Palestine–Israel." (26) UNCTAD, Report on UNCTAD Assistance to the Palestinian People: Developments in the Economy of the Occupied Palestinian Territory , 7/8/2009, accessed on 23/5/2024, at: https://tinyurl.com/arw8bpdb (27) Farsakh, "Economic Prospects for a One–State Solution in Palestine–Israel."
اﳌﺴﺎﻋﺪات اﻹﻧﻤﺎﺋﻴﺔ اﻟﺮﺳﻤﻴﺔ اﻷﺧﺮى
المصدر: من إعداد الباحثة، استنادًا إلى:
3. القدس الشرقية
القوة العاملة (الجدول.)1
الشكل (4) المساعدات الإنمائية الرسمية المقدمة إلى الضفة الغربية وقطاع غزة بمليار دولار أميركي
اﳌﺴﺎﻋﺪات اﻹﻧﺴﺎﻧﻴﺔ
Organisation for Economic Co–operation and Development (OECD), "Palestinian Authority," accessed on 23/5/2024, at: https://tinyurl.com/4xk78r5t; Global Humanitarian Assistance , accessed on 1/9/2023, at: https://tinyurl.com/yc2kwv75
من ناحية أخرى، اضطلع القطاع المالي في الضفة الغربية بتحريك اقتصاد الضفة، حيث ازدادت أهميته خلال السنوات العشرين الماضية، وذلك بفضل البنوك الكبرى الثلاثة عشر، وفروعها البالغ عددها 356 فرعًا، التي سُمح لها بالعمل منذ عام 1993. ومن ثم ساعد القطاع المالي في توسيع استثمارات
القطاع الخاص، وكذلك الاستهلاك الخاص. واتّجهت الاستثمارات الخاصة إلى التركيز على قطاعات
الخدمات والبناء (وتكنولوجيا المعلومات)؛ ويرجع ذلك إلى حدٍ بعيد إلى القيود التي فرضتها إسرائيل على وصول السلع الزراعية والصناعية الفلسطينية إلى الأسواق الخارجية. وفي الوقت نفسه، أدّى الاستهلاك الخاص إلى تغذية المديونية الفلسطينية إلى مستويات لم تكن معروفة قبل عام 2008. وفي حين أدّت القروض الممنوحة للمواطنين إلى تحسين قدرتهم الشرائية على المدى القصير، فقد بقيت غير مستدامة، ومؤذية اقتصاديًا، لأن كثيرين لن يتمكّنوا من سدادها. ومن الناحية السياسية، تعمل المديونية
على تكبيل السكان وانحصارهم في مشكلات اقتصادية، بدل من التطرّق إلى شؤونهم السياسية.
الفضاء الفلسطيني الثالث في هذا الاقتصاد الاستعماري هو القدس الشرقية. فالمدينة، التي يعيش فيها ما مجموعه 350 ألف فلسطيني، تم فصلها اقتصاديًا عن الضفة الغربية منذ عام 2000، ويرجع ذلك
إلى حدٍ بعيد إلى سياسة الإغلاق ونقاط التفتيش الإسرائيلية. وقدُأعيد توجيه العمال والشركات في
(((2 انخفضت حصة الزراعة من الناتج المحلي الإجمالي الفلسطيني من 16 إلى 7 في المئة خلال الثلاثين عامًا الماضية،
بينما بقيت حصة الخدمات عند 73 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، حيث توفر فرص عمل لأكثر من 64 في المئة من إجمالي
القدس الشرقية نحو رأس المال والسوق الإسرائيليين؛ إذ أصبحت المعاملات التجارية مع مواطنيهم في الضفة الغربية صعبة جدًا. غير أن هذا التحويل لم يؤِّدِ إلى تحسين دخل سكانها أو رفاهيتهم؛ فقد تم تصنيف 72 في المئة من الفلسطينيين في القدس الشرقية فقراء في عام 2019 (مقارنة ب 26 في المئة من الإسرائيليين). وارتفعت معدلات البطالة والجريمة إلى مستويات لم تكن معروفة قبل عام.1993 يرمز إدماج سكان القدس الشرقية في الاقتصاد الإسرائيلي إلى تدمير أي مشروع تحرر فلسطيني جماعي، تحقيقه ممكن من خلال منظومة التقسيم أو الفصل الإقليمي. فلقد أصبح الفلسطينيون مجزّئين جغرافيًا، وتم إدماجهم بصفتهم عم ل أو تجارًا فرديين، ونادرًا بصفتهم شركات، في المجالات
الاقتصادية الإسرائيلية، تحت رحمة رأس المال اليهودي والأجور التي يُقدّمها. الجدول (1) التغيرات القطاعية في الاقتصاد الفلسطيني (2019–1991)
النسبة المئوية للحصة من الناتج المحلي الإجمالي في الضفة الغربية وقطاع غزة
| النسبة المئوية للحصة من الناتج المحلي الإجمالي في الضفة الغربية وقطاع غزة | ||||
|---|---|---|---|---|
| 2022 | 2007 | 1999 | 1991 | القطاع |
| 5.1 | 8.2 | 9.5 | 16 | الزراعة |
| 12.6 | 12.7 | 15.7 | 8.3 | الصناعة |
| 8.6 | 5.2 | 11.1 | 16.1 | البناء |
| 73.7 | 73.9 | 63.7 | 59.6 | الخدمات |
| النسبة المئوية للحصة من إجمالي العمالة الفلسطينية | ||||
| 2022 | 2007 | 1999 | 1991 | القطاع |
| 6.1 | 15.6 | 13.2 | 25.8 | الزراعة |
| 12.3 | 12.5 | 16.1 | 15.5 | الصناعة |
| 17.4 | 11.1 | 12.6 | 10.4 | البناء |
| 64.2 | 60.8 | 58.1 | 48.3 | الخدمات |
| 14.2 | 9.4 | 23.10 | 30.2 | العمالة في إسرائيل |
| 26.2 | 21.5 | 11.80 | 7.9 | البطالة |
المصدر: من إعداد الباحثة، استنادًا إلى:
Leila Farsakh, Palestinian Labor Migration to Israel: Labor Land and Occupation (London: Routledge, 2005);
معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني (ماس)، المراقب الاقتصادي والاجتماعي، العدد 22 (تشرين الثاني/ نوفمبر 2010)، ص 16–10؛ دولة فلسطين، الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، "خلاصة إحصائية"،.2023
(29) UNCTAD, Report on UNCTAD Assistance to the Palestinian People: Developments in the Economy of the Occupied Palestinian Territory , 8/8/2022.
(((3 من اللافت أنه منذ عام 2000، تُدرِج الإحصاءاتُ الرسمية الإسرائيلية سكانَ القدس الشرقية في التركيبة السكانية للمواطنين
العرب داخل إسرائيل، على الرغم من أنهم يحملون تصاريح إقامة فحسب، ولا يحملون أي جوازات سفر إسرائيلية.
4. داخل الخط الأخضر
المجال الاقتصادي الفلسطيني الرابع في هذا الاقتصاد الاستعماري هو المجال الذي يشمل 1.8 مليون مواطن فلسطيني في إسرائيل، يمثلون أقل من 18 في المئة من إجمالي السكان الذين يعيشون داخل الخط الأخضر، ونحو 17 في المئة من القوى العاملة داخل إسرائيل. وكما أوضحنا سابقًا، فقد تم تقليص وصول هذه الفئة السكانية إلى الأراضي ورأس المال منذ عام 1948، ولا تزال تواجه التمييز العنصري والاقتصادي في جميع القطاعات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وحتى اليوم، لا يزال 45 في المئة من فلسطينيي الداخل فقراء، مقارنة بما نسبته 13 في المئة من السكان اليهود. ثمّ إن مستوى البطالة بينهم مرتفع، خاصة بين فلسطينيي النقب، وهو أعلى مرتين من نظيره بين الإسرائيليين اليهود. ولا يزال وزن هذه الفئة الاقتصادي ضئيل؛ إذ تشير التقديرات إلى أنها تساهم بنحو 8 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي الإسرائيلي. مع ذلك، من المهم الإشارة إلى أن السكان الفلسطينيين داخل إسرائيل قد شهدوا بعض التطور الاقتصادي الملحوظ على مدى العقود الثلاثة الماضية، على الرغم من التمييز الذي لا يزالون يواجهونه. ففي مجال التعليم على وجه الخصوص، ازداد متوسط سنوات الدراسة من 8 إلى 12 سنة، في الفترة 2020–1990. وقد أكمل 45 في المئة من إجمالي الفلسطينيين الذين يعيشون في إسرائيل في عام 2020 شهادة الثانوية العامة، مقارنة ب 27 في المئة في عام 2007، وأكثر من 6 في المئة منهم يحملون درجة الدكتوراه، مقارنة ب 2.8 في المئة في عام 2008. وفي حين يتركز الفلسطينيون في الوظائف ذات المهارات المنخفضة، ولا سيما في قطاعات البناء والتعدين والخدمات، فقد عزّزوا من وجودهم في قطاعات تكنولوجيا المعلومات والقطاعات ذات المهارات العالية، بما في ذلك وظائف الإدارة والرعاية الصحية. وفي عام 2020، كان 4 في المئة من الفلسطينيين العاملين داخل إسرائيل يعملون في القطاع المهني والتكنولوجيا الفائقة، مقارنة ب 0.5 في المئة في عام 2007. ويعمل 5.2 في المئة منهم في قطاع الصحة، مقارنة ب 4.8 في المئة من القوى العاملة اليهودية. وفي الوقت نفسه، ازداد عدد الشركات التجارية الصغيرة والمؤسسات الصناعية والزراعية التي يُديرها فلسطينيون في إسرائيل على مدى العقود الثلاثة الماضية. ويتاجر العديد من هؤلاء مع الضفة الغربية، ويعتمدون اعتمادًا متزايدًا على العمالة فيها، ولا سيما في قطاعَي البناء والخدمات. وفي حين لا يزال من الصعب تحديد حجم التجارة بين الفلسطينيين داخل الخط الأخضر وخارجه، لاحظت الدراسات القليلة التي بحثت في هذه المسألة أن وجودهم في تزايد.
(31) Inter Agency Task Force on Israeli Arab Issues , accessed on 21/5/2024, at: https://tinyurl.com/2s3hmpah (32) Nisreen Haj–Yahya et al., Statistical Report on Arab Society in Israel , The Israel Democracy Institute (2021), accessed on 23/5/2024, at: https://tinyurl.com/mj8rw6wr (33) Ibid. (34) Palestine Economic Policy Research Institute (MAS), Palestinians Economic Relations across the Greenline (Ramallah: 2012).
رابعًا: تصور اقتصاد متحرر من الاستعمار: كيف نصل إلى هناك؟
مما لا شك فيه أنه من الصعب أن نتخيّل كيف يمكن المرء أن يبدأ بإنهاء استعمار هذا الاقتصاد، خاصة
في ظل توسع رأس المال الإسرائيلي وترسيخ الهيمنة الاستعمارية الصهيونية على مدى الثلاثين عامًا
الماضية، وفقدان الفلسطينيين أي نفوذ اقتصادي بعد أن تمكّنت إسرائيل من الاندماج في الأسواق العالمية وتوقيع اتفاقيات اقتصادية مع دول الخليج العربي. ومع ذلك، لا يزال الفلسطينيون يتمتعون بنفوذ سياسي، وتبقى مقاومتهم محورية لتفكيك الهيمنة الاستعمارية التي بنتها إسرائيل ولتصوّر اقتصاد مختلف وعادل. وكي يتم إنشاء مثل هذا الاقتصاد،
على الفلسطينيين وقياداتهم الابتعاد عن خطاب التقسيم ومنظومته التي فُرضت عليهم منذ عام 1947، والتي قبلوا بها بتوقيع معاهدة أوسلو للسلام. وعليهم أيضًا أن يشرعوا في تقويض القوة الاقتصادية لإسرائيل محليًا وعالميًا. ويُعدّ الدعم الدولي محوريًا في هذا المسعى؛ لأنه يُمكّن إسرائيل من استعمار
الفلسطينيين تمامًا، مثلما يمكنه تقويض هيكلها العنصري من خلال التمسك بالقانون الدولي والحقوق
الفلسطينية، كما ينص عليها هذا القانون.
1. الأرض والعمالة
أساسيًا في تفكك أي اقتصاد فلسطيني وطني قابللاقد كان إدماج إسرائيل للعمالة الفلسطينية عامل
للحياة، تمامًا كما هو محوري لفهم خصوصية الهيمنة الاستعمارية الإسرائيلية. وكما نوقش بإسهاب
في الأدبيات، فقد سعى المشروع الصهيوني لحماية رأس المال الإسرائيلي من الاعتماد على العمالة من السكان الأصليين، مثلما كانت الحال في جنوب أفريقيا البيضاء خلال حقبة الفصل العنصري.
وقد أثبت المشروع الصهيوني نجاحه إلى حدٍ بعيد في هذا الصدد، لكن على المستوى الكلي فحسب؛ لأن الصورة تختلف إذا اتخذ المرء منظورًا على المستوى الجزئي وفحص قطاع البناء الإسرائيلي على
وجه الخصوص. ونظرًا إلى المستوى الكلي، كان العمال من الضفة الغربية وقطاع غزة يمثلون نحو 9 في المئة
من القوى العاملة المستخدمة في إسرائيل في الثمانينيات. وانخفضت هذه النسبة كثيرًا بعد توقيع
اتفاقات أوسلو، ويرجع ذلك إلى حدٍ بعيد إلى سياسة الإغلاق التي تنتهجها إسرائيل؛ وبحلول عام 1999، تمكّن أقل من 15 في المئة من القوة العاملة في قطاع غزة (أو أقل من 30 ألف عامل) من الوصول إلى سوق العمل الإسرائيلية، مقارنة ب 40–35 في المئة في السبعينيات والثمانينيات. وقد انقطعوا تمامًا عن هذه السوق بعد الانتفاضة الثانية في عام 2000. ومن ناحية أخرى، استمر
العمال من الضفة الغربية في العمل لدى الشركات الإسرائيلية، ولا سيما في المستوطنات. وقد
(35) Gershon Shafir, Land, Labor and the Origin of the Israeli–Palestinian Conflict (Oakland: California University Press, 1989); Farsakh, Palestinian Labor Migration to Israel. (36) Farsakh, Palestinian Labor Migration to Israel , Statistical Annex.
الإسرائيلي (الشكلان 5 و.)6
ﻗﻄﺎع ﻏﺰة
https://tinyurl.com/2s8wvykc
https://tinyurl.com/2s8wvykc
شهدت حصتهم انخفاضًا من إجمالي القوة العاملة في الضفة الغربية من 30–25 في المئة قبل عام 1990، إلى نحو 18–12 في المئة بين عامَي 2002 و 2020. ومع ذلك، وبحلول عام 2022، ارتفع عددهم مرة أخرى، ليصل إلى إجمالي 200 ألف عامل، وهو أعلى مستوى مسجل منذ عام.1993 وهذا يعني أن 22 في المئة من إجمالي القوى العاملة في الضفة الغربية تعمل لمصلحة رأس المال
الشكل (5) عدد العمال الفلسطينيين العاملين في قطاع البناء في إسرائيل والضفة الغربية وقطاع غزّة
إﴎاﺋﻴﻞ واﳌﺴﺘﻮﻃﻨﺎت
اﻟﻀﻔﺔ اﻟﻐﺮﺑﻴﺔ
المصدر: دولة فلسطين، الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، "مسح القوى العاملة 2022"، شوهد في 2024/5/23، في:
قد يبدو الاقتصاد الإسرائيلي قادرًا على الاستغناء عن هذه العمالة؛ نظرًا إلى أن العمال من الضفة الغربية يشكلون اليوم أقل من 3 في المئة من إجمالي العاملين لدى رأس المال الإسرائيلي. لكن إذا أضفنا إليها حصة القوى العاملة الفلسطينية التي تعيش داخل الخط الأخضر، فسنجد أن القوى العاملة العربية في إسرائيل تمثل ما يصل إلى ربع إجمالي القوى العاملة فيها، وهو أمر لا يُستهان به. ويكشف تحليل أكثر تفصيل أيضًا أن قطاعات معيّنة من الاقتصاد الإسرائيلي، وتحديدًا قطاع البناء، تعتمد اعتمادًا كبيرًا على هذه العمالة، فقد استمر العمال الفلسطينيون في توفير 75–66 في المئة من إجمالي العمالة في قطاع
(((3 دولة فلسطين، الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، "مسح القوى العاملة 2022"، شوهد في 2024/5/23، في:
البناء الإسرائيلي منذ الثمانينيات. ولا يبدو أن تدفق العمالة الأجنبية الأخرى إلى إسرائيل بعد عام 1996، الذي يقدّر بأنه وصل إلى إجمالي 300 ألف عامل، قد هزّ هيمنة العمال الفلسطينيين في هذا القطاع المحوري من الاقتصاد الإسرائيلي. الشكل (6) النسبة المئوية للعمّال من الضفة الغربية وقطاع غزة العاملين في إسرائيل والقطاع العام الفلسطيني
اﻟﻘﻄﺎع اﻟﻌﺎم ﰲ ﻏﺰة
اﻟﻘﻄﺎع اﻟﻌﺎم ﰲ اﻟﻀﻔﺔ اﻟﻐﺮﺑﻴﺔ
المصدر: دولة فلسطين، الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، "مسح القوى العاملة 2021"، شوهد في 2024/5/23، في:
https://tinyurl.com/bdhnvt87
إن لهيمنة العمالة الفلسطينية على قطاع البناء الإسرائيلي أهميةً خاصةً من ناحيتين؛ فمن ناحية أولى، ساهمت باستمرار في بناء المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية والقدس الشرقية، التي نمت بنسبة تزيد على 11 في المئة سنويًا، منذ عام 2000. لقد كان بناء المساكن في المستوطنات الإسرائيلية أعلى مما هو عليه في بقية إسرائيل منذ عام 1999. وهو ركن أساسي في المنظومة الصهيونية الإسرائيلية لاستعمار الأراضي الفلسطينية وتدمير أي دولة فلسطينية أو خطة تقسيم. وفي الوقت نفسه، تشير يُحققه العمال الفلسطينيون العاملون في تلك المستوطنات يدرّ ثلاثة التقديرات إلى أن الدخل الذي مليارات دولار أميركي سنويًا، أي نحو ربع الناتج المحلي الإجمالي للضفة الغربية. وتعكس العمالة
دولة فلسطين، الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، "مسح القوى العاملة 2021"، شوهد في 2024/5/23، في:
https://tinyurl.com/bdhnvt87
(40) UNCTAD, Report on UNCTAD Assistance to the Palestinian People: Developments in the Economy of the
إﴎاﺋﻴﻞ واﳌﺴﺘﻮﻃﻨﺎت
(38) Farsakh, Palestinian Labor Migration to Israel , ch. 6, Statistical Index;
(39) Zeira.
Occupied Palestinian Territory , 8/8/2022.
الفلسطينية في هذا القطاع عدم جدوى أي اقتصاد فلسطيني وطني يستطيع استيعاب أولئك الذين يستأجرهم رأس المال الإسرائيلي بأجور مضاعفة، إن لم تكن ثلاثة أضعاف تلك المعروضة في الضفة الغربية. من ناحية ثانية، يُجسّد الوجود الفلسطيني في قطاع البناء الإسرائيلي الاعتماد المستمر لرأس المال الإسرائيلي على العمالة الفلسطينية الرخيصة. يؤدي قطاع البناء دورًا مهمًا في الاقتصاد الإسرائيلي؛ إذ يمثل 12–9 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي لإسرائيل، وهو مسؤول عن ثلث الاستثمار في تكوين رأس المال الثابت منذ عام 1970. وهو مُعزّز للاقتصاد، بسبب ترابطاته مع القطاعات الأخرى (والتأثير المضاعف الذي يولّده). ويعمل أيضًا مقياسًا لمدى جودة أداء الاقتصاد أو سوئه. ومنذ عام 1993، استمر نمو هذا القطاع من خلال الزخم الذي أعطته التجارة الدولية وتدفق المهاجرين من الاتحاد السوفياتي السابق إلى الاقتصاد الإسرائيلي. وقد أصبح ذلك ممكنًا بفضل الاستثمارات العامة والخاصة الكبيرة في الإسكان والبنى التحتية. يشير الوجود الفلسطيني في قطاع البناء الإسرائيلي إلى أن الأرض والعمالة الفلسطينية مترابطتان، حتى في الوقت الذي تحاول إسرائيل، باستمرار، الفصل بينهما. فهو يكشف عن الطبيعة الاستغلالية لأي نموذج استعماري أو مبني على تقسيم عنصري، بقدر ما يكشف عن تناقضاته. وقد يكون من المفارقة أن المشروع الصهيوني الذي سعى للقضاء على الفلسطينيين، انتهى به الأمر إلى ترسيخ اعتماده على عملهم. ومع ذلك، فإن هذه هي الدينامية الحتمية لأي مشروع استعماري استيطاني، تفشل في القضاء على السكان الأصليين. إن إصرار إسرائيل على الاستمرار في استعمار الأراضي لا يُعزّز هيكل الفصل العنصري الاستعماري أنيمكن إّل: دولة تدعم القوة الاقتصادية اليهودية،
لكنها تعتمد أيضًا هيكليًا على الفلسطينيين. وبذلك، تبقى نَمياَِد ةً لوجودهم وعملهم، بقدر مهي
عُرضة لتمرّدهم ضدّها.
2. العلاقات التجارية
كان أحد الأسباب الرئيسة التي دفعت إسرائيل إلى توقيع اتفاق أوسلو للسلام هو رغبتها في الاندماج في الاقتصاد العالمي. وقد تمكّنت من القيام بذلك بمجرد رفع المقاطعة العربية التي فُرضت بين عامَي 1948 و 1993، والتي امتثلت لها حركة عدم الانحياز، بعد اعترافها بمنظمة التحرير الفلسطينية وحق الفلسطينيين في تقرير المصير في عام.1993
(41) Farsakh, Palestinian Labor Migration to Israel , ch. 6; Zeira, p. 42. (42) Shir Hever, The Political Economy of Israeli Occupation: Repression Beyond Exploitation (London: Pluto Press,
(43) Meron Benvenisti, The West Bank Data Project: Survey of Israel’s Policies (Washington, DC: American Enterprise Institute for Public Research, 1984). (44) Yoav Peled & Gershon Shafir, The New Israel: Peace Making and Liberalisation (London: Routledge Press, 2000).
الشكل (7) إجمالي الصادرات والواردات الإسرائيلية بمليار دولار أميركي (2022–2008)
اﻟﺼﺎدرات
المصدر: من إعداد الباحثة، استنادًا إلى:
"Israel Trade Statistics," World Integrated Trade Solution , accessed on 23/5/2024, at: https://tinyurl.com/43tnnxw5
منذ عام 1994، تضاعف حجم الصادرات الإسرائيلية أكثر من أربعة أضعاف، من 15 مليار دولار أميركي في عام 1994، إلى أكثر من 74 مليارًا في عام 2020، ونمت بأكثر من 6 في المئة سنويًا. ووصلت إلى أسواق ودول جديدة، مثل الهند والصين اللتين قاطعتا إسرائيل حتى عام 1993، تضامنًا مع القضية الفلسطينية. وقد استوعب كل من هذين العملاقين الآسيويين أكثر من 4 في المئة من الصادرات الإسرائيلية بحلول عام 2008، متجاوزين المملكة المتحدة شريكًا تجاريًا. منذ عام 2008، مثّلت الصادرات الإسرائيلية إلى آسيا 27–25 في المئة من إجمالي الصادرات، مع نمو حصة الصين إلى 7.8 في المئة في عام 2023. وبقيت الصادرات الإسرائيلية إلى الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة مهمة، حيث استوعبا منها 35–25 في المئة. وفي عام 2010، أصبحت إسرائيل عضوًا كامل العضوية في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وهي علامة على الاعتراف بمكانتها دولةً متقدمة وصناعية. إنها الدولة غير الأوروبية الوحيدة المسموح لها بالمشاركة في صناديق البحث والتطوير التابعة للاتحاد الأوروبي (الأشكال ((78) و.))(9) و
(45) Paul Rivlin, The Israeli Economy from the Foundation of the State through the 21 st Century (Cambridge: Cambridge
(((4 تُهيمن المنتجات الصناعية على الكثير منها بشكل متزايد (مثل الدوائر المتكاملة، وغيرها من المنتجات ذات التكنولوجيا
الفائقة.) UN Comtrade.
اﻟﻮاردات
University Press, 2011), p. 260.
ﻣﻦ اﻟﺼﻴﻦ
المصدر: المرجع نفسه.
إﱃ اﻟﺼﻴﻦ
المصدر: المرجع نفسه.
الشكل (8) الواردات الإسرائيلية من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والصين بمليار دولار أميركي
ﻣﻦ اﻟﻮﻻﻳﺎت اﳌﺘﺤﺪة
ﻣﻦ اﻻﺗﺤﺎد اﻷوروﺑﻲ
الشكل (9) الصادرات الإسرائيلية إلى الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والصين بمليار دولار أميركي
إﱃ اﻻﺗﺤﺎد اﻷوروﺑﻲ
إﱃ اﻟﻮﻻﻳﺎت اﳌﺘﺤﺪة
تشير هذه الأرقام إلى أن رأس المال الإسرائيلي تمكّن من تقليل اعتماده على الأسواق الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة. وفي الواقع، مثلت الواردات الإسرائيلية من الضفة الغربية أقل من 1 في المئة من إجمالي الواردات الإسرائيلية في عام 2022 (على الرغم من أن حجمها تضاعف ثلاث مرات بين
عامي 1994 و 2020). في المقابل، تضاعف حجم الصادرات الإسرائيلية إليها منذ عام 2008، ليصل إلى مبلغ إجمالي قدره 4.5 مليارات دولار أميركي في عام 2022. وشكلت هذه الصادرات 6.7 في المئة من إجمالي الصادرات الإسرائيلية. تقلل هذه الأرقام من الحجم الأكبر للمعاملات التجارية والمالية الجارية بين الشركات الإسرائيلية والفلسطينيين في الضفة الغربية، ومعظمها غير رسمي أو غير مسجل. ولا تزال تجارة إسرائيل مع الفلسطينيين أكبر من تجارتها مع الهند أو تركيا، ما يشير إلى أنها لا تزال سوقًا أسيرة مهمة لرأس المال والمستهلكين الإسرائيليين. علاوة على ذلك، أظهر النمّو الاقتصادي الإسرائيلي تقّل بًاّا، كميتضح من الشكل (10). فقد انخفض
الاستثمار الأجنبي المباشر في كل مرة انتفض فيها الفلسطينيون ضد الاحتلال الإسرائيلي و/ أو شنّت إسرائيل حربًا ضدّهم. وكان الانخفاض الأقوى بين عامَي 2000 و 2003، ومرة أخرى في عامَي 2009
و 2014، خلال الحرب على غزة. كما عانت تجارة إسرائيل خلال هذه الفترات؛ ما تسبب في انخفاض الناتج المحلي الإجمالي أيضًا (الشكل.)10 الشكل (10) صافي تدفق الاستثمار الأجنبي المباشر إلى إسرائيل بمليار دولار أميركي (2022–2008)
المصدر: من إعداد الباحثة، استنادًا إلى:
على الرغم من أن الحكومة الإسرائيلية سعت لتقليل الأثر الاقتصادي لحملتها العسكرية ضد الفلسطينيين من خلال الحدّ من أيام حربها على غزة وإغلاقها الأراضي الفلسطينية عن بقية إسرائيل، فإن المقاومة الفلسطينية لا تزال مؤثرة اقتصاديًا. فخلال انتفاضة عام 2021، والهجوم الإسرائيلي
على جنين ونابلس في عام 2023، انخفضت الإيرادات الإسرائيلية من السياحة، وانخفض الاستثمار
(47) Economic Monitor (Ramalla: MAS, 2019); Samia Botmeh, "Impact of Economic Boycott on the Palestinians and Israeli Occupation," Paper Presented at Al Sharq Strategic Research Center Conference "Palestinian Social and Economic
The World Bank, "Foreign Direct Investment, Net Inflows (% of GDP)."
Transformation After Oslo," Istanbul, 2–4/5/2023.
الأجنبي. ووفقًا لجوزيف زيرا، لا يزال الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني يكلّف الاقتصاد الإسرائيلي ما يصل إلى 14 في المئة من ناتجه المحلي الإجمالي. كما تدل الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة على مدى تكلفتها الاقتصادية على إسرائيل، حيث تقدر ب 13.8 مليار دولار أميركي، أي ما يمثل 5 في المئة من الدخل القومي العام.
3. المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات
إن الدعوة إلى مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها BDS هي أداة مركزية في النضال الفلسطيني لإنهاء استعمار واقعهم. تم إطلاق هذه الحركة التي أيّدها أكثر من 150 منظمة من
منظمات المجتمع المدني في الضفة الغربية وقطاع غزة، في عام 2005، عشيّة حكم محكمة العدل الدولية
ضد بناء جدار الفصل العنصري الإسرائيلي؛ وكان هدفها هو حمل المجتمع الدولي على مقاطعة إسرائيل لانتهاكها حقوق الفلسطينيين التي يقرّها القانون الدولي، بما في ذلك حق العودة، وإنهاء الاحتلال غير
الشرعي للضفة الغربية وقطاع غزة، وإنهاء التمييز الذي لا يزال الفلسطينيون داخل إسرائيل يواجهونه. على مدى السنوات الثماني عشرة الماضية، أثبتت حركة المقاطعة هذه نجاحها، ولا سيما في حملات المقاطعة الأكاديمية والثقافية المنوعة. كما نجحت في حشد الدعم الدولي لسحب الاستثمارات من رأس المال الإسرائيلي. وقد سحبت الكنائس الكبرى في الولايات المتحدة، إضافة إلى العديد من الحكومات المحلية الأوروبية والنقابات العمالية، استثماراتها من الشركات الإسرائيلية الكبرى. وتوقف عدد متزايد من صناديق التقاعد عن التداول في السندات والشركات الإسرائيلية، بما في ذلك صندوق التقاعد لوثيان Lothian، ثاني أكبر صندوق معاشات تقاعدية في إسكتلندا، الذي يُقدّر أنه يمتلك سندات بقيمة 8
مليارات جنيه إسترليني؛ و"ستوربراند" Storebrand، شركة الخدمات المالية النرويجية وصندوق التقاعد النيوزيلندي، اللذان سحبا أموالهما من خمسة بنوك إسرائيلية؛ وصندوق المستقبل الأسترالي Australia Future Fund وصندوق إيست ساسكس للمعاشات التقاعدية East Sussex Pension في المملكة المتحدة، اللذان أنهيا استثمارهما في شركة "إلبيت سيستم" Elbit System في إسرائيل. وفي الوقت نفسه، تزايدت حملات مقاطعة الشركات الإسرائيلية العاملة في المستوطنات و/ أو المتورطة مباشرة في قتل الفلسطينيين، مثل شركتي كاتربيلر Caterpillar وسيمكس Cimex، في الولايات المتحدة وأوروبا.
(48) Zeira, p. 133.
تنطوي هذه التكاليف على تكاليف الحفاظ على أحد أقوى الجيوش في المنطقة، وخسارة رأس المال البشري نتيجة التجنيد العسكري الإلزامي، وتكاليف الفرصة البديلة للوفيات العسكرية والمدنية، والاستثمار في البنية التحتية للاستثمار الأمني.
(49) Giorgio Cafiero, "Has the War on Gaza Hurt the Israeli Economy," Al Jazeera , 27/1/2024, accessed on 23/5/2024, at: https://tinyurl.com/yck4d8f8 (50) Omar Barghouti, Boycott, Divestment and Sanctions: The Global Struggle for Palestinian Rights (Chicago: Haymarket Press, 2011).
(((5 ينظر: "حركة مقاطعة إسرائيل BDS "، حركة المقاطعة بي دي إس، شوهد في 2024/5/21، في:
https://tinyurl.com/yc26v59b؛ Rachel Giora, "Milestones in the History of the Israeli BDS Movement: A Brief Chronology," 18/1/2010, accessed on 23/5/2024, at: https://tinyurl.com/49hr7zbj
على الرغم من توافر هذه المعطيات، يبقى من الصعب تقييم الضرر أو التكلفة المالية المباشرة التي ألحقتها حركة المقاطعة بالاقتصاد الإسرائيلي. وقد قدّرت دراساتٌ تكلفةَ المقاطعة العربية التي فُرضت على إسرائيل بين عامي 1948 و 1993، بما مجموعه 44 مليار دولار أميركي. ومن المرجّح
أن تكون المقاطعة المماثلة التي أطلقها بعض الدول الأوروبية والآسيوية أكثر تكلفة. ووفقًا لسامية بطمة، تمكّنت المقاومة الفلسطينية من زعزعة استقرار النظام المالي الإسرائيلي. ويُقدّر نموذج إسرائيل الاقتصادي القياسي أن تدفق الاستثمار الأجنبي المباشر انخفض بنسبة 76–65 في المئة في الفترة 2018–2008 نتيجة للمقاومة الفلسطينية. وقد خصصت الحكومة الإسرائيلية 80 مليون دولار أميركي لمكافحة المقاطعة على مستوى العالم؛ ما يدلّ على أنها أداة فعالة. وللمجتمع الدولي دور مركزي يؤدّيه في هذا الصدد من خلال دعم الدعوة الفلسطينية لحركة المقاطعة. هذه استراتيجية مقاومة مشروعة ولاعنفية، طبّقها الاتحاد الأوروبي
والولايات المتحدة ضد روسيا بسبب عدوانها على أوكرانيا. ولا بد من تطبيقها على إسرائيل بسبب انتهاكها المستمر لحقوق الفلسطينيين.
4. العودة إلى الأرض
لام تكن محاولة الانفصال عن الاقتصاد الإسرائيلي أمرًا سهل بتاتًا بالنسبة إلى الفلسطينيين، لكنه بُج رِ
وأثبت فاعليته. فقد قدّمت الانتفاضة الأولى التي اندلعت بين عامي 1988 و 1990، أحد أفضل الأمثلة على الشكل الذي يمكن أن يبدو عليه الاقتصاد المتحرر من الاستعمار. لقد مثّلت جهدًا جماعيًا للعودة
إلى الأرض والانخراط في الإنتاج المستدام. وتضمّنت أيضًا مقاطعة البضائع والخدمات الإسرائيلية،
حيث توقف الفلسطينيون عن دفع الضرائب لإسرائيل وشراء المنتجات الإسرائيلية. وشهدت تلك الفترة ارتفاعًا في الإنتاج المحلي الفلسطيني والعمالة المحلية والتوجه نحو الاكتفاء الذاتي من الحاجات الغذائية الأساسية المكلفة (منتجات الألبان والخضروات) في مختلف المناطق. وقد ولّدت شعورًا بالمشاركة الجماعية التي لم تفصل بين المقاومة السياسية والمقاومة الاقتصادية. وقد كان لفك الارتباط الفلسطيني برأس المال الإسرائيلي ومقاطعة المنتجات الإسرائيلية تأثيرٌ كبير.
فقد تسبب في خسارة القطاع الزراعي الإسرائيلي 150 مليون دولار أميركي، حيث انخفضت مبيعاته في الضفة الغربية وقطاع غزة بنسبة 60 في المئة في عام 1988. وانخفض الإنتاج الزراعي الإسرائيلي بنسبة 8 في المئة في ذلك العام، مثلما انخفض الإنتاج الصناعي أيضًا بنسبة 3 في المئة. وشهد قطاع البناء الإسرائيلي هبوطًا أيضًا، حيث بلغت خسائره 600 مليون دولار أميركي، بين عامي 1988
(52) Botmeh. (53) Ibid. (54) Linda Tabar, "Power to the People: Lessons from the First Intifada ," Center for Development Studies, Birzeit University (April 2013), accessed on 23/5/2024, at: https://tinyurl.com/2v5xby9u (55) Botmeh.
و 1989. وفي الوقت نفسه، تُقدّر تكلفة القرار الفلسطيني بالتوقف عن دفع الضرائب الإسرائيلية المباشرة وغير المباشرة خلال الانتفاضة الأولى ب 250 مليون دولار أميركي في عام 1988. أصبحت العودة إلى الإنتاج المحلي المستدام اليوم أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى، وإن كانت أكثر
صعوبة أيضًا. فقد انخفضت حصة الزراعة من الناتج المحلي الإجمالي الإسرائيلي والفلسطيني إلى أقل من 2 و 8 في المئة على التوالي بحلول عام 2022. لكن، بالنظر إلى قطاع غزة المُحاصَر، نجد أن
الإنتاج في القطاع الزراعي كان آخذًا في الارتفاع قبل الحرب الأخيرة. فقد ساهم القطاع الزراعي في تشغيل 20 ألف شخص في عام 2022، بعد أن كانوا 14 ألفًا في عام 2017. لكن لا يزال نطاق نموّه
محدودًا، بسبب افتقاره إلى إمكانية الوصول إلى المياه والأسواق، نتيجة الحصار الإسرائيلي. وعلى الرغم من ذلك، فإن المجال لتوليد النمو الزراعي المستدام موجود، لكنه يتطلّب الإرادة السياسية لدعمه.
خاتمة
بحلول عام 2023، كان اقتصاد فلسطين التاريخية عبارة عن اقتصاد واحد مبنيّ على هيكلية عنصرية
استعمارية، ومكّو نًا من قطاع يهودي رأسمالي دينامي ومزدهر، ويهيمن على قطاع غزة المحاصَر
والفقير، وعلى الضفة الغربية المعتمدة على المساعدات، ويضم المقيمين أو المواطنين الفلسطينيين المجزئين اقتصاديًا في القدس الشرقية وداخل الخط الأخضر. وقد أدى نموذج التقسيم الذي قامت
عليه اتفقات أوسلو للسلام إلى تعميق هيكل الفصل العنصري هذا، بدل من تفكيكه. لا يمكن إنهاء الاستعمار في مثل هذا الاقتصاد من خلال افتراض أن منظومة التقسيم، أو الفصل الإقليمي، يمكن أن تؤدي إلى التحرر الاقتصادي. فتجربة السنوات الثلاثين الماضية هي دليل كافٍ على أن ذلك غير ممكن. وأثبتت أيضًا أن المشروع الصهيوني لا يستطيع القضاء على الفلسطينيين في عملية استعمار أرضهم، حتى لو نجح في تفتيتهم. إن تجريد الفلسطينيين من أرضهم وإمكانياتهم الاقتصادية واستمرار تشغيلهم في بناء المنازل الإسرائيلية، هو ما جعل هذا المشروع الاستعماري ممكنًا وفع ل من حيث التكلفة، لكنه، أيضًا، هو ما يكمن وراء هشاشة هذا المشروع. يستلزم تصوّر التحرر الاقتصادي إعادة توحيد الأرض من الناحيتين المفاهيمية والسياسية. ويتطلّب
أيضًا إعطاء البعد السياسي حجمه عند الحديث عن النمو الاقتصادي والابتعاد عن الخطاب النيوليبرالي
الذي يد بالازدهار الفردي على حساب أي ازدهار قومي أو جماعي. إن مقاومة الفلسطينيين لقمعهمعِ
أمرٌ محوري لإنهاء اضطهادهم، لكنهم في حاجة أيضًا إلى إعادة توحيد سياساتهم ومشروعهم
التحرري. لقد أظهر الواقع الاستعماري أن السبيل الوحيد لإنهاء الاستعمار هو إرساء الأسس لدولة
(56) Ibid. (57) Ibid. (58) UNCTAD, Report on UNCTAD Assistance to the Palestinian People: Developments in The Economy of The Occupied Palestinian Territory , 8/8/2022.
ديمقراطية واحدة مسؤولة أمام جميع مواطنيها، بغض النظر عن انتمائهم العرقي أو الطبقي أو هويتهم الوطنية. ولا يقل أهمية عن ذلك تحديد مضمون هذه الدولة وعملية تحقيقها. فهو يتطلّب مشاركة جماعية شاملة ومسؤولة ومدركة أن التحرر الفردي مرتبط بالتحرر الجماعي، سواء في فلسطين أم على الصعيد العالمي.
تنويه وتقدير
أعبّر عن الشكر للطالبين محمد بكر ومالك مفرح، في جامعة بيرزيت بفلسطين، اللذين جمعا البيانات
الإحصائية التي استُخدمت في هذه الدراسة.
المراجع
References
العربية
بروتوكول بشأن العلاقات الاقتصادية بين حكومة دولة إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية ممثلة الشعب الفلسطيني (باريس: 1994/4/29:). في https://cutt.ly/Beyk7bAj دولة فلسطين، الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني. "الحسابات القومية السنوية". في:
https://tinyurl.com/mr27eevp
https://tinyurl.com/bdhnvt87 مسح القوى العاملة 2021 ________. "في:". https://tinyurl.com/2s8wvykc مسح القوى العاملة 2022 ________. "في:". ________. "خلاصة إحصائية.".2023 فرسخ، ليلى. "الترويج للديمقراطية في فلسطين: المساعدات ودمقرطة الضفة الغربية وقطاع غزة". ترجمة دياب قعد. سلسلة أوراق تنموية. مركز دراسات التنمية – جامعة بيرزيت (2012). في:
https://tinyurl.com/un85aake
معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني (ماس). المراقب الاقتصادي والاجتماعي. العدد 22 (تشرين الثاني/ نوفمبر.)2010
الأجنبية
Barghouti, Omar. Boycott, Divestment and Sanctions: The Global Struggle for Palestinian Rights. Chicago: Haymarket Press, 2011. Benvenisti, Meron. The West Bank Data Project: Survey of Israel’s Policies. Washington, DC: American Enterprise Institute for Public Research, 1984. Botmeh, Samia. "Impact of Economic Boycott on the Palestinians and Israeli Occupation." Paper presented at Al Sharq Strategic Research Center Conference "Palestinian Social and Economic Transformation After Oslo". Istanbul, 2–4/5/2023.
Farsakh, Leila. "Independence, Cantons or Bantustans: Whither the Palestinian State?" Middle East Journal. vol. 59, no. 2 (Spring 2005). _______. Palestinian Labor Migration to Israel: Labor Land and Occupation. London: Routledge, 2005. _______. "Economic Prospects for a One–State Solution in Palestine–Israel." Holy Land Studies. vol. 12, no. 2 (2013). _______. "Palestinian Economic Development: Paradigm Shifts since the First Intifada." Journal of Palestine Studies. vol. 45 no. 2 (2015). _______. "The Impact of International Aid on the Palestinian Economy and Project of National Liberation." Paper presented at Al Sharq Strategic Research Center Conference "Palestinian Social and Economic Transformation After Oslo". Istanbul, 2–4/5/2023. Giora, Rachel. "Milestones in the History of the Israeli BDS Movement: A Brief Chronology." 18/1/2010. at: https://tinyurl.com/49hr7zbj Haj–Yahya, Nisreen et al. "Statistical Report on Arab Society in Israel." The Israel Democracy Institute , 2021. at: https://tinyurl.com/mj8rw6wr Hever, Shir. The Political Economy of Israeli Occupation: Repression Beyond Exploitation. London: Pluto Press, 2010. Organisation for Economic Co–operation and Development (OECD). "Palestinian Authority." at: https://tinyurl.com/4xk78r5t Palestine Economic Policy Research Institute (MAS). Palestinians Economic Relations across the Greenline. Ramallah: 2012. _______. Economic Monitor. Ramalla: 2019. Peled, Yoav & Gershon Shafir. The New Israel: Peace Making and Liberalisation. London: Routledge Press, 2000. Peres, Shimon & Arye Naor. The New Middle East. New York: Henry Holt & Company,
Rivlin, Paul. The Israeli Economy from the Foundation of the State through the 21 st Century. Cambridge: Cambridge University Press, 2011. Roy, Sara. The Gaza Strip: The Political Economy of De–Development. Washington, DC: Institute for Palestine Studies, 1995. Sayigh, Yusef. "The Palestinian Economy Under Occupation: Dependency and Pauperization." Journal of Palestine Studies. vol. 15, no. 4 (1986). Shafir, Gershon. Land, Labor and the Origin of the Israeli–Palestinian Conflict. Oakland: California University Press, 1989. Tabar, Linda. "Power to the People: Lessons from the First Intifada." Center for Development Studies, Birzeit University (April 2013). at: https://tinyurl.com/2v5xby9u
The Israeli Economy 2022. Jerusalem: Israel Central Bureau of Statistics (ICBS), 2023. The World Bank. "Foreign Direct Investment, Net Inflows (% of GDP)." at:
Prospects: Aid, Access and Reform: Economic Monitoring Report to the Ad Hoc Liaison Committee. 22/9/2008. at:
_______. Economic Monitoring Report to the Ad Hoc Liaison Committee." Report
_______. Racing Against Time: World Bank Economic Monitoring Report to the Ad Hoc Liaison Committee. Report no. 184877 (September 2023). at:
United Nations Conference on Trade and Development (UNCTAD). Report on UNCTAD Assistance to the Palestinian People: Developments in the Economy of the Occupied
_______. Report on UNCTAD Assistance to the Palestinian People: Developments Palestinian Territory.
20/9/2021. at:
Assistance to the Palestinian People: Developments in the Economy of the Occupied Palestinian Territory. 8/8/2022. at:
United Nations Development Programme (UNDP). "As War in Gaza Enters Seventh Month, 1.74 Million More Palestinians will be Pushed into Poverty Across State of Palestine According to United Nations Assessment." 1/5/2024. at:
Zeira, Joseph. The Israel Economy: A Story of Success and Costs. Princeton: Princeton
https://tinyurl.com/mpaa4rwc _______. Palestinian Economic https://tinyurl.com/4bmzu8k2
no. 165825, 17/11/2021. at: https://tinyurl.com/4p867ket
https://tinyurl.com/4pxjk3rb
Palestinian Territory. 7/8/2009. at: https://tinyurl.com/arw8bpdb
in the Economy of the Occupied https://tinyurl.com/2nv85yxc _______. Report on UNCTAD https://tinyurl.com/muaes59x
https://tinyurl.com/5849re6d
University Press, 2022.