اختصاصيات العمل الاجتماعي العاملات مع اللاجئين السوريين في لبنان: التحديات وآليات التكيّف في زمن متعدد الأزمات
Women Social Workers Working in Lebanon’s Syrian Refugee Context: Challenges and Coping Mechanisms in a Multilayered Crisis
الملخّص
شهد لبنان أزمات متتالة ومتعددة خلال العشريات الأخيرة، كانت لها تداعيات على الرفاه النفسي والاجتماعي لجميع السكان، وتطلّبت تدخلات مختلفة من الاختصاصيات الاجتماعيات. من هنا، يأتي السؤال عن التحديات التي يواجهنها في أثناء عمليات التدخل مع اللاجئين السوريين، وكيفية تعاملهن معها ميدانيًا. تعتمد الدراسة المنهج الكمي من خلال تنظيم استبيان لتقييم التحديات التي يواجهنها، إلى جانب آليات المواجهة المُتّبعة للتكيّف مع مثل هذه الظروف. وتقترح في مخرجاتها آلية تكيّف مؤسساتية عملية، تقودهن إلى تكيّف أفضل، بما يتوافق مع السياق اللبناني، وتقترح أيضًا تعديلًا في مقررات مناهج التعليم الجامعي لتخصص العمل الاجتماعي وتضمينها معارف ومهارات حديثة تتماشى مع واقع الأزمات، وتُطلق دعوةً ملحّةً لإعداد سياسة اجتماعية عاجلة، بإدارة وزارة الشؤون الاجتماعية مع الجهات ذات الصلة.
Abstract
Abstract: Lebanon has experienced a multi–layered crisis that has repercussions on the psychosocial well–being of the population, which has implications for social work. What challenges do women social workers face when acting with Syrian refugees? How do they deal with these challenges in the field? The quantitative method used for this study consisted of a questionnaire to assess social workers’ challenges along with the coping mechanisms they pursued to adapt to such situations. The research goes on to suggest a practical organizational coping mechanism that could lead social workers to a better adaptation, consistent with the Lebanese context, and an updated curriculum for the academia. Moreover, it sends an urgent call for the Ministry of Social Affairs and relevant bodies to develop a workable social policy.
- العمل الاجتماعي
- الأزمة
- الأخلاقيات المهنية
- الرفاهية والمرونة
- اليقظة الذهنية
- Social Work
- Crisis
- Professional Ethics
- Well-Being
- Mindfulness
ملخص: شهد لبنان أزمات متتالة ومتعددة خلال العشريات الأخيرة، كانت لها تداعيات على
الرفاه النفسي والاجتماعي لجميع السكان، وتطلّبت تدخلات مختلفة من الاختصاصيات
الاجتماعيات. من هنا، يأتي السؤال عن التحديات التي يواجهنها في أثناء عمليات التدخل
مع اللاجئين السوريين، وكيفية تعاملهن معها ميدانيًا. تعتمد الدراسة المنهج الكمي من خلال
تنظيم استبيان لتقييم التحديات التي يواجهنها، إلى جانب آليات المواجهة الُم تّبعة للتكيّف
مع مثل هذه الظروف. وتقترح في مخرجاتها آلية تكيّف مؤسساتية عملية، تقودهن إلى
تكيّف أفضل، بما يتوافق مع السياق اللبناني، وتقترح أيضًا تعديلًا في مقررات مناهج التعليم
الجامعي لتخصص العمل الاجتماعي وتضمينها معارف ومهارات حديثة تتماشى مع واقع
الأزمات، وتُطلق دعوةً ملّح ةً لإعداد سياسة اجتماعية عاجلة، بإدارة وزارة الشؤون الاجتماعية
مع الجهات ذات الصلة.
الذهنية.
Abstract: Lebanon has experienced a multi–layered crisis that has repercussions on the psychosocial well–being of the population, which has implications for social work. What challenges do women social workers face when acting with Syrian refugees? How do they deal with these challenges in the field? The quantitative method used for this study consisted of a questionnaire to assess social workers’ challenges along with the coping mechanisms they pursued to adapt to such situations. The research goes on to suggest a practical organizational coping mechanism that could lead social workers to a better adaptation, consistent with the Lebanese context, and an updated curriculum for the academia. Moreover, it sends an urgent call for the Ministry of Social Affairs and relevant bodies to develop a workable social policy.
Assistant Professor in the Social Work Program at the Doha Institute for Graduate Studies. Email: rania.mansour@dohainstitute.edu.qa
مقدمة
خلال العشريات الأخيرة، واجه لبنان أزمات عدة، أبرزها الحرب الأهلية بين عامي 1975 و 1990، وحرب تموز/ يوليو 2006، وأزمة اللاجئين السوريين في عام 2011. وفضل عن تراكم الآثار الموروثة عن الأزمات السابقة، كان لأزمة اللاجئين السوريين تأثيرها في المجتمع المحلي اللبناني، من حيث البنى التحتية وعمل المؤسسات الحكومية وحالة القطاع الاقتصادي فيه. وعلى الرغم من كون لبنان دولة صغيرة في المساحة، فإنه يعتبر موطنًا لأكبر نسبة من النازحين داخليًا،
بل يتصدّر قائمة الدول المضيفة للنازحين الموجودين في أشد الأوضاع الإنسانية قسوة، وفيه مليون ونصف مليون لبناني مصنّفون ضمن الفئات الضعيفة، ومثيلهم من النازحين السوريين، فضل عمّا
يقارب 29 ألف لاجئ فلسطيني ممن استقروا في لبنان بُعيد الأزمة السورية في عام 2011. ويضاف إلى
هذا العدد نحو 180 ا ألف لاجئ فلسطيني مقيمين أصل في لبنان. وبحسب إحصاء لبنان 2019–2018، الصادر عن إدارة الإحصاء المركزية في الجمهورية اللبنانية، فإن 80 في المئة من المقيمين في لبنان هم مواطنون لبنانيون، يقابلهم 20 في المئة من غير اللبنانيين. ووقع لبنان، كغيره من الدول، تحت آثار وباء فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19–) الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية (2019). فبسبب هذا الوباء، اضطرت مؤسسات التعليم العالي إلى التحوّل بسرعة من التدريس الشخصي إلى أنظمة التعلّم
عبر الإنترنت. وتفاقمت الأزمة بسبب نقص حاد في الكهرباء، وفي إمكانية الوصول إلى الإنترنت للطلاب والأساتذة. وقد زاد الأمر تعقيدًا مع الانفجار المدمر الذي وقع في رصيف مرفأ بيروت في 4 آب/ أغسطس 2020 والذي أسفر عن 200 ضحية ونحو 6000 إصابة. وبما أن 85 في المئة من المواد الغذائية في لبنان مستوردة، فقد كان لهذا الانفجار تأثير في الأمن الغذائي في البلاد، وكذلك في البنية التحتية للعاصمة بيروت، بما في ذلك التسبب في تضرر 163 مدرسة عامة وخاصة، وتوقف نصف مشافي المدينة ومرافق الرعاية الصحية عن العمل. وارتفعت أسعار الوقود والضروريات أكثر من عشرة أضعاف، وتفاقمت الظروف الاجتماعية والمعيشية، وزادت معّدلّات الفقر؛ إذ يبدو بحسب تقديرات مختلفة أن أكثر من نصف السكان يعيش تحت خط الفقر. ومن المرجّح أن تكون الأزمة
المالية والاقتصادية في لبنان من بين أكبر عشر حوادث، إن لم تكن من الثلاث، الأكثر كارثية على المستوى الدولي منذ منتصف القرن التاسع عشر. مع تاريخ لبنان الحافل بالحروب الأهلية والصراعات، فإنه يواجه مخاطر كبيرة تُهدّد سلامه الاجتماعي الهش أصل؛ إذ يمكن أن تتحول آثار العوامل السابق عرضها بسرعة إلى كارثة، وفقًا للبنك الدولي. وبالفعل، يعيش لبنان حاليًا أزمة سياسية واقتصادية مركّبة لم يشهدها من قبل، حيث ينبغي له أن يتعامل
(1) International Labour Organization & Central Administrative Statistics, Labour Force and Household Living Conditions Survey 2018–2019 Lebanon (Beirut: ILO Regional Office for Arab States, 2020), p. 18. (2) The World Bank, "Beirut Rapid Damage and Needs Assessment (RDNA) – August 2020," 31/8/2020, accessed on 1/7/2024, at: https://tinyurl.com/4ehczj7s
((("'دبحونا من جوا': تحقيق في انفجار بيروت في 4 أغسطس/ آب"، تقرير، هيومن رايتس ووتش، 2021/11/12، شوهد في
2022/9/15، في: https://tinyurl.com/yxebbrz6
مع خمس أزمات متزامنة، تراكم آثارها منذ ما يزيد على 13 عامًا، وهي استمرار الأزمة في الداخل
السوري والانهيار الاقتصادي غير المسبوق والاضطرابات السياسية (فراغ رئاسي للجمهورية منذ عام 2022) وتداعيات فيروس كورونا ومخلّفات انفجار بيروت. وفي سياق الاستجابة للأزمة الناشئة عن عدد من المعوزين واللاجئين والنازحين، تعاون العمل الحكومي الرسمي مع منظومة العمل المؤسساتي في 126 شراكة في عام 2022. واستهدف هذا العمل ما يزيد على ثلاثة ملايين متضرر من الأزمة السورية، من اللبنانيين وغير اللبنانيين، لإغاثتهم، مع السعي للتخفيف من آثار الأزمة في البنية التحتية والاقتصاد والمؤسسات العامة في لبنان. ويستكشف هذا العمل، كما الأزمات الاجتماعية والاقتصادية والصحية وآثارها المتعددة، التحديات التي تواجه الاختصاصيات في العمل الاجتماعي العاملات في مجال الاستجابة في دعم اللاجئين السوريين في لبنان، باعتبارهن يعشن في المجتمع نفسه، جنبًا إلى جنب مع المستفيدين المستهدفين من خدماتهن،
ويرزحن تحت وطأة الأزمات المنوّعة نفسها، بدءًا بالظروف الاقتصادية، مرورًا بتداعيات انفجار مرفأ
بيروت، وصول إلى تأثير جائحة كورونا التي لم تفرّق بين فرد وآخر، بهدف تحليل تلك العوامل كلها
ومدى تأثيرها في الاستجابات في عمليات التدخل والممارسة في ظل ضغوط وتوترات تشمل بدورها الأخلاقيات المهنية. عند تفحّص الدراسات التي استهدفت ممارسي مهنة العمل الاجتماعي (ذكورًا وإناثًا)، نلُاحظ أنه لم
يسبق أن جرى استهداف مجتمع العمل الاجتماعي اللبناني ومقاربة الوضع اللبناني من هذه الجوانب. فثمة فراغ في تناول مسألة التحديات التي يواجهها اختصاصيو العمل الاجتماعي في لبنان، على الرغم من أنهم يعملون في الخطوط الأمامية، حيثما تكون هناك حاجة أو أمر طارئ أو أزمة تتطلّب التدخل مع الأفراد والعائلات، وهو ما يترك آثارًا محددة فيهم، وفي أوضاعهم، ليست المهنية فحسب، بل
في أوضاعهم النفسية والذهنية والاجتماعية كذلك، ولا سيما أن الأكثرية الساحقة ممن ينخرطون في سوق العمل المهني، أو يلتحقون بالجامعة، في تخصص العمل الاجتماعي في لبنان، من الإناث، وسنتناول المزيد من هذا الأمر لاحقًا. خارج لبنان، جريت دراسات في أثناء أزمات السنوات الثلاث الماضية، هذه الأزمات التي كانت أُ جائحة كوفيد 19– في مقدّمها، وكانت أهم دراسة تتعلق بها تلك التي جريت في سنغافورة، والتي أُ هدفت إلى فحص "مستوى الضائقة النفسية بين الاختصاصيين في العمل الاجتماعي في الخطوط الأمامية، خلال جائحة كوفيد 19–، وإذا ما كانت المرونة والدعم المؤسساتي قد أدّيا دورًا في
التخفيف منها". وحددت دراسة أخرى المتغيرات المرتبطة بالمرونة والإرهاق والرفاهية لدى قطاعات العاملين كلها في الخطوط الأمامية، وإذا ما كانت هذه تختلف بين المملكة المتحدة وإيرلندا. وقد بيّنت أن الأفراد المؤهلين والمدرّبين أكثر قدرة على العمل في الخطوط الأمامية في
(4) Government of Lebanon & United Nations, Lebanon Crisis Response Plan 2022–2023 (Beirut: 2022), p. 5. (5) Boon Kheng Seng et al., "Resilience and Stress in Frontline Social Workers during the COVID–19 Pandemic in Singapore," Asian Social Work and Policy Review , vol. 15, no. 3 (2021), pp. 234–243.
الرعاية الصحية والاجتماعية والدعم المجتمعي، أو خدمات الطوارئ الأخرى في كلا البلدين في أثناء الوباء. أما بالنسبة إلى الدول العربية، فقد جريت الدراسة الأقرب إلى اهتمامنا، في عامأُ 2020، في ست دول: قطر ومصر والأردن والسعودية والإمارات وعُمان، وهدفت إلى تقييم الفروق بين الاختصاصيين في العمل الاجتماعي في معاناة الاحتراق المهني وانعكاسات التوتر على المستوى الجسدي والعاطفي والنفسي، في أثناء العمل العادي والمعهود، وليس في أوقات الأزمات على وجه التحديد. وكشفت الدراسة عن الفروق بين مستويات الاحتراق النفسي الذي يعانيه الاختصاصيون الاجتماعيون، حيث اعتُبر فيها المصريون الأكثر حظًا في تكوين ممارسين مرنين متميزين من بين هذه البلدان. واستنادًا إلى هذه المعاينة السريعة لواقع الأزمات المركّبة التي يعيشها لبنان، وإلى افتقار الرصيد البحثي لدراسات تستهدف عمل اختصاصيي العمل الاجتماعي في مثل الأوضاع التي أشرنا إليها، وضعنا السؤالين الأساسيين اللذين نحاول الإجابة عنهما في هذه الدراسة: من خلال العلاقة بطبيعة الأزمة اللبنانية المتعددة الطبقات، كيف تتأثر الاختصاصيات في العمل الاجتماعي بتلك الأزمات؟ وما التحدّيات التي يواجهنها في أثناء أداء عملهن مع المستفيدين؟ ومن هذين السؤالين تتفرع أسئلة أخرى، منها: هل من تداعيات للأزمة على مستوى الأخلاقيات المهنية؟ وما أدوار المؤسسات الاجتماعية التي يعملن في كنفها للتخفيف من حدّة تلك التداعيات؟ وهل من مبادرات مؤسسية تعزّز
المرونة وحالة الرفاهية لدى موظفاتها؟ ولتيسير الإجابة عن هذه الأسئلة، فإنها تحتاج إلى بيانات دقيقة، استخدمنا في تجميعها المنهج الكمي، حيث استهدفنا في بحثنا الميداني مجموعة من الاختصاصيين في العمل الاجتماعي، تمارس عملها في أوساط مختلفة من المجتمع اللبناني. وقد استخدمنا في الوصول إلى أعضاء هذه المجموعة الاتصال الجماعي عبر تقنية الواتساب WhatsApp، وهي مجموعة تسمّى "اختصاصي/ات الصحة
الاجتماعية المتخصصين/ات"، وتضم العدد الأكبر من الاختصاصيين في العمل الاجتماعي في لبنان، أ سّست في عام 2017، ويبلغ إجمالي عدد أعضائها 252 عضوًا، منهم أربعة أعضاء ذكور فقط،
والباقي 248 من الإناث. وقد جُمعت البيانات من خلال إجابة استبيانرسل إلى جميع المشاركين أُ
في هذه المجموعة، من دون تحديد أيّ معايير، فاستجاب نحو 60 في المئة من إجمالي المشاركين
(العدد = 152)، جميعهم من الإناث العاملات مع قضايا اللاجئين السوريين. وقد شملت محاور الاستبيان الرئيسة أهم التحديات التي تواجهها الاختصاصيات في العمل الاجتماعي، والممارسات في الوقت الحالي، والتي تتجلّى فيها آثار الأزمة المتعددة الوجوه من جهة، والكيفية التي يتعاملن بها مع
(6) Rachel C. Sumner & Elaine L. Kinsella, "Grace Under Pressure: Resilience, Burnout, and Wellbeing in Frontline Workers in the United Kingdom and the Republic of Ireland During the SARS–CoV–2 Pandemic," Frontiers in Psychology , vol. 11 (2021). (7) Ibrahim M. Alkaabi, Kaltham Alkuwari & Yousif S. Mahdi, "Cultural Variations in Job Burnout in a Social Work Setting: A Cross–Cultural Comparison in Six Arab Cultures," Journal of Social Science for Policy Implications , vol. 8, no. 2 (December 2020), pp. 12–23.
تداعياتها. وبناءً عليه، تضمن الاستبيان أسئلة مغلقة، خاصة بالجنس والجنسية والعمر وعدد سنوات
الخبرة وطبيعة العمل ومجاله الجغرافي، ومصادر الدخل، إضافة إلى اختيار من متعدد يتطلّب اختيارًا
واحدًا أو إمكانية اختيار أكثر من خيار، للتحديات التي تواجههن في أثناء تأدية عملهن، مع طلب وضع تفصيل بشأن أيّ تحٍّدلّا يجري اختياره للتوضيح ووصف الحال. وشمل الاستبيان أيضًا سؤ مفتوحًا،
يتطلب الإجابة عن كيفية تعاملهن مع التحديات التي جرى اختيارها على المستويين الشخصي والمؤسسي. وتجدر الإشارة إلى أنه تم الاقتباس الحرفي من إجابات الاختصاصيات عن بعض أسئلة الاستبيان باستخدام أسماء وهمية بناءً على توجيهات اللجنة الأخلاقية للأبحاث القائمة على البشر
التابعة لمعهد الدوحة للدراسات العليا، وذلك حرصًا على عدم الكشف عن هوية أيّ منهن. يُعرّف المبحث الأول من هذه الدراسة المفاهيم الرئيسة ذات العلاقة المباشرة بالأزمات الآنفة الذكر،
مثل إلقاء الضوء على مهنة العمل الاجتماعي والأزمة وأخلاقيات المهنة. ثم يُبيّن المبحث الثاني
ما يقتضيه العمل الاجتماعي من الاختصاصي فيه من رفاهية ومرونة ويقظة ذهنية. ويعرض المبحث الثالث الخصائص الكبرى للعمل الاجتماعي في لبنان، مع التركيز على الواقع المهني والاجتماعي. وبعد عرض نتائج البحث الميداني ومناقشتها، تخلص الدراسة إلى آفاق ممكنة تكون أقل ضغطًا على اختصاصيات العمل الاجتماعي (باعتبار أن جميعهن من الإناث) وأكثر فاعلية ليس في تأدية واجباتهن المهنية فحسب، بل في تأمين ظروف مُثلى أيضًا من منظور الرفاهية وتعزيز أخلاقيات عملهن وتمتين
أواصر ممارستهن، مع متطلبات التطوير والتحديث.
أولا: العمل الاجتماعي والأزمة: آثار متبادلة
ينال موضوعا العمل الاجتماعي والأزمة أهمية بالغة في هذه الدراسة. ولا يمكن، من منظور بحثنا الذي يتنزل في سياق الوضع اللبناني الراهن بخصائصه التي عرضتها المقدمة، معالجة الواحد منهما بمعزل عن الآخر.
1. العمل الاجتماعي
وفقًا للاتحاد الدولي للعمل الاجتماعي IFSW، يُعرّف العمل الاجتماعي باعتباره مهنة قائمة على
يُعزّز التغيير الاجتماعي والتنمية والتماسك الاجتماعَّيَين وتمكين الناس الممارسة ونظامًا أكاديميًا
وتحريرهم. وتعتبر مبادئ العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان والمسؤولية الجماعية واحترام التنوع أمورًا أساسية في العمل الاجتماعي، مدعومةً بنظريات العمل الاجتماعي والعلوم الاجتماعية والعلوم
الإنسانية والمعرفة الأصلية؛ أي تلك التي تتوافر لدى من يجري التدخّل لفائدتهم أو المستفيدين. ومن أسس العمل الاجتماعي أنه يسعى لإشراك الأشخاص والهياكل لمواجهة تحديات الحياة وتعزيز الرفاهية.
(8) "Global Definition of Social Work," International Federation of Social Work, 6/8/2014, accessed on 1/7/2024, at: https://tinyurl.com/mpwutszf
2. الأزمة ومراحلها
يعود ظهور مصطلح الأزمة في المجال الطبي إلى الإغريق، حيث ارتبط معناه بوجود نقطة تحوّل تؤثّر
في مصير المريض نتيجة تطوّر مرضه في أحد اتجاهين: إما الشفاء وإما الموت. وخارج المجال
الطبي، تتداخل الأزمة في مفهومها المعقد والمركّب مع مفاهيم أخرى، مثل الصراع والنزاع أو الكارثة؛ إذ تتمثل في وضعية يترتب عليها حدوث تغيرات محتملة تصعب السيطرة عليها، يمكن أن تدفع من يتعرّض لها إلى الرضوخ لضغطها. وبناء على ذلك، تعكس حالة من الخلل والارتباك، تختلف من فرد
إلى آخر، وفقًا لقوة ردّة فعله وصلابته وتماسكه. وتُعرّف هدى سليم الأزمة بأنها حالة من القلق
والغضب في موقف مستمر، تتجاوز القدرة المباشرة للأفراد على تحمّل العواقب أو التكيّف واستعادة
توازنهم النفسي، بما يعرقل آلية حل المشكلات ومواجهتها، وتتراجع معها القدرة على استعادة الثقة بالنفس، والاستعانة بالموارد؛ الأمر الذي يتطلّب تدّخلاّااًا عاجل لخطورة آثاره. وما يهمّنا في دراستنا
هذه هو أن الأزمة تُعرف بأنها عدم القدرة على حل المشكلات النفسية عندمايتعرّض لها الإنسان، وقد
يشعر بها في وقت حدوثها، أو قد لا يشعر بها ولو بعد فترة، آخذين في الحسبان ما يرتبط بها من أبعاد المشكلة والحادث والصدمة والخلاف. وتُبيّن هذه المناقشات أن هناك حاجة ملحّة في مجال المهن ذات العلاقة بالأزمات، منها مهنة العمل
الاجتماعي، إلى توسيع دائرة المعرفة والمهارات المهنية لإدارة تداعياتها، خاصة عندما يتطلّب ذلك العمل التدخل في مناطق معينة، ومجابهة أوضاع مثل العنف الأسري وانعدام العدالة الجنائية وإساءة معاملة الأطفال والتعامل العصيب في المدارس واضطرابات الصحة العقلية. في مثل هذه الحالات، يمرّ المتدخل بمراحل تطور الأزمة، التي تتوزع على ثلاث فترات أساسية:
أولاها الاستجابة الإنذارية، حيث يستهلك فيها الجسم قواه الدفاعية كلها لمواجهة الخطر، ويصبح يقظًا للتكيّف مع مصدر التهديد. وفي هذه الفترة يتعرّض من يمرّ بالأزمة لمحفزات لم يكن مستعدًا
لها، فتتكوّن لديه مجموعة من التغيرات الكيماوية العضوية، يرتفع معها مستوى السكر في دمه،
ويتسارع نبض قلبه، ويرتفع لديه الضغط الشرياني. وثانيتها هي المعروفة بالمقاومة، وفيها قد تظهر على الفرد أعراض نفسية جسدية تزيد من مستوى الهرمونات، ما يؤدي إلى اضطرابات جسدية ونفسية. وثالثتها مرحلة الإرهاق، وتحدث عندما يمتد الموقف الضاغط في الزمن بما يتخطى قدرة الفرد على التكيّف، حيث يصير غير قادر على التكيّف؛ إذ تنهار نبضاته الهرمونية، وتقل قدرة
(((دحان حزام ناصر، إدارة الأزمات بين النظرية والتطبيق (الإسكندرية: دار الكتب والدراسات العربية، 2018)، ص.17 ((1(حمود سالم العليمات ومحمد سيف الكواري، "إدارة الأزمة في القطاع الاجتماعي وحقوق الإنسان"، في: إدارة الأزمات بين
النظرية والتطبيق: الاستجابة الاستراتيجية لدولة قطر لأزمة الحصار، هند المفتاح وموسى علاية العفري وحامد التجاني علي (محررون) (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2022)، ص.163 ((1(هدى سليم، التدخل الاجتماعي مع الفرد والأسرة (بيروت: دار أبعاد، 2019)، ص.79 ((1(فاطمة النويسة، الضغوط والأزمات النفسية وأساليب المساندة (عمّان: دار المناهج للنشر والتوزيع، 2013)، ص.185
(13) Nick Coady & Peter Lehmann (eds.), Theoretical Perspectives for Direct Social Work Practice: A Generalist– eclectic Approach (Berlin: Springer, 2016).
جسمه على المقاومة، ويتعطل العديد من أعضائه، ويمكن أن تصل إلى حد الموت. ومع ذلك، إذا تمكّن الشخص من تكييف استجاباته، فإن ذلك سيساعده في حماية نفسه كلما تعرّض لمواقف
ضاغطة. يمرّ كل فرد يتعرّض لأزمة بهذه المراحل كلها، وهي تحدث عند خضوعه لضغوط، بغضّ النظر عن
منشَئها، فيتفاعل معها، وحين يفشل في إدارتها؛ أي أن يستعيد توازنه النفسي، تدفعه تداعياتها إلى خلل يجعله يستنفد مصادر مقاومته الداخلية والخارجية، ويفقد كل إمكانية تُعزّز من قواه. وهكذا يجد الفرد نفسه أمام تهديد لكيانه، فتنتابه المشاعر السلبية التي قد تظهر على شكل يأس واكتئاب وتوتر وقلق وفقدان للأمل. ويؤدي ذلك كله إلى ضعف عملياته الدفاعية. لكن المعرفة العلمية بالأزمة وتداعياتها على الإنسان مكّنت من تصنيفها إلى تصنيفات متعددة، أكثرها شيوعًا يعتمد مؤشر مصدرها، ومؤشر مجالها، ومؤشر عمقها، ومؤشر حدّتها، ومؤشر مستواها، ومؤشر تكرارها، ومؤشر نطاقها الجغرافي، ومؤشر دورة حياتها. ومن المستويات التي تؤثّر فيها الأزمة في ما يخص العمل الاجتماعي، مستوى أخلاقيات المهنة.
3. أخلاقيات المهنة
وفقًا للرابطة الوطنية للعمل الاجتماعي NASW، تمثل الأخلاقيات المهنية جوهر العمل الاجتماعي. وهي تشتمل على مجموعة من القيم والمبادئ والمعايير لتوجيه عملية صنع القرار وكيفية التصرف عند ظهور قضايا تنبع من طبيعة العمل وتمثّل معضلات أخلاقية. ولا تقتصر على القواعد التي تحدد كيفية التصرف في المواقف كلها فحسب، بل يجب أن تأخذ الممارسات المحددة للمدوّنة وفقًا للسياق والنظر في التعارض بين قيم المدوّنة ومبادئها ومعاييرها، باعتبار أن المسؤوليات الأخلاقية تنبع من العلاقات الإنسانية كلها، من الشخصية والعائلية، إلى الاجتماعية والمهنية. و"يمكن تعريف الأخلاقيات المهنية بأنها مجموعة من المعايير التي توجه السلوك المهني للاختصاصيين الاجتماعيين". في لبنان، يدعم ميثاق الأخلاق اللبناني الذي اعتمدته نقابة الاختصاصيين في العمل الاجتماعي قيم العمل الاجتماعي الأساسية، المتمثلة في احترام الكرامة الأصيلة وقيمة الأشخاص والسعي لتحقيق العدالة الاجتماعية والنزاهة في الممارسة المهنية وحفظ الأسرار المهنية والكفاءة.
(((1 النويسة. ((1(نعيمة إبراهيم الغنام، "نظرية التدخل في الأزمات"، الشبكة الإقليمية للمسؤولية الاجتماعية، شوهد في 2024/2/12، في:
https://urlz.fr/pX5W
((1(هشام المومني، قضايا معاصرة في إدارة الأزمات (عمّان: دار وائل للنشر، 2020)، ص.75
(17) "Social Workers’ Ethical Responsibilities as Professionals," National Association of Social Work, accessed on 10/8/2022, at: https://tinyurl.com/3uk92fmb (18) "Read the Code of Ethics," National Association of Social Work, accessed on 29/5/2024, at: https://tinyurl.com/5n6kbebk
واحترامًا للقيمة الخامسة (الكفاءة)، يحرص الممارس على تأمين حق المستفيدين في الحصول على
الخدمات التخصصية، ويُحلّل الاحتياجات والمشكلات الاجتماعية، ويشجّع على الاستراتيجيات
والتقنيات المبتكرة والفعالة لتلبية الاحتياجات المطلوبة. ويساهم، حيثما أمكن، في مراعاة القاعدة المعرفية للمهنة. وبناءً عليه، يتحمل مسؤولية الحفاظ على الكفاءة المهنية وتطبيق المعرفة في
الممارسة الميدانية على نحو يتماشى مع تعليمه المهني ومهاراته وكفاءته، وكذلك السعي للحصول على المشورة والإشراف وفقًا لما تقتضيه الحاجة. ويتبنّى، وفقًا لميثاق الأخلاق في النقابة، مبادئ
عدة، تتعلق بحق المستفيدين في الحصول على أعلى جودة ممكنة من الخدمة، مُبديًا العناية الواجبة
بمصالحهم وسلامتهم، والحرص على المشاركة في تطوير أداء الممارسين الحاليين والمستقبليين وتطوير المعرفة المهنية الجديدة. ووفقًا لقواعد الأخلاقيات في الرابطة الوطنية للعمل الاجتماعي، "تُعدّ الرعاية الذاتية المهنية أمرًا بالغ
الأهمية لممارسة العمل الاجتماعي الكفء والأخلاقي". ويجب أن تحافظ المتطلّبات المهنية ومناخات مكان العمل، مهما كانت صعبة، وكان التعرّض فيها للصدمات ممكنًا، على صحة الاختصاصيين في
العمل الاجتماعي وسلامتهم ونزاهتهم الشخصية والمهنية.
4. الرفاهية والمرونة
تُعرف السلامة النفسية بأنها سعادة الفرد داخليًا وخارجيًا، مع مراعاة الفروق الفردية في المعرفة
والمهارات والسلوك. وتُعتبر الاستقلالية والتحكم البيئي وتطوير الذات والعلاقات الإيجابية مع الآخرين وبلوغ أهداف الحياة وقبول الذات، بمنزلة مقاييس للرفاهية النفسية للفرد، من خلال العلاقة بمواطن القوة والضعف الموجودة لديه. وفي السياق التنظيمي، يشار إلى السلوك الجماعي للقوى العاملة بالثقافة التنظيمية، التي تتشكل من القيم والرؤى والاتفاقيات ولغة العمل والأنظمة، ومن الرموز الخاصة. وهي أيضًا مجموعة من السلوك والافتراضات الجماعية التي تؤثّر في الطريقة التي يتفاعل بها الأشخاص والمجموعات بعضهم مع بعضهم، ومع المستفيدين، ومع أصحاب المصلحة الآخرين. في هذا الإطار، يمثّل دعم زملاء العمل بعضهم بعضًا، خاصة في العمل الاجتماعي، مساهمة في تكوين المرونة والاستجابة المعرفية والسلوكية والعاطفية، حيث تُمكّن الفرد وسائر أعضاء الجماعة من مواجهة الشدائد الحادة، حيث يكون الموقف العملي وكيفية الأداء هما مفتاح المرونة.
(((1 "من نحن؟"، نقابة الاختصاصيين في العمل الاجتماعي في لبنان، شوهد في 2023/2/14، في:
https://tinyurl.com/42ft4n7w (20) "Read the Code of Ethics." (21) Ibrahim Nurshahira et al., "Can Physical Activity and Emotional Intelligence Control Psychological Well–being of Counseling Clients in Malaysia during the Covid–19: Spiritual Intelligence as a Mediator," Journal of Positive School Psychology , vol. 6, no. 2 (2022), pp. 6525–6540. (22) Norren Saher, Anum Awan & Nimra Nimra, "Winning Success through Flexible Organizational Culture: A Qualitative Research of a Pakistani Corporation," Journal of Positive School Psychology , vol. 6, no. 9 (2022), pp. 1–13. (23) Jim Greer, Resilience, and Personal Effectiveness for Social Workers (New York: Sage, 2016).
5. اليقظة الذهنية
تُعرف اليقظة الذهنية عادةً باعتبارها الجاهزية لإدراك الحاضر في كل لحظة. ويصفها جون كابات زين Jon Kabat–Zinn بأنها إظهار الاهتمام بطريقة معيّنة، وعن قصد، في اللحظة الحالية، وعدم إصدار
أحكام. وفي السياق نفسه، أكّد الباحثون تأثير ممارسة اليقظة الذهنية في تحسين قدرة طلاب العمل الاجتماعي وممارسيه بطريقة تجعلهم قادرين على التعامل مع المواقف العصيبة وربط هذه التغييرات الإيجابية بتعزيز الوعي بالتوتر وإدارته. ووجدوا أن اليقظة الذهنية توفّر وسيلة للاهتمام بالرعاية الذاتية على نحو يومي، ما زاد من فهمهم لأهميتها، وأدّى إلى تطوير مجموعة واسعة من استراتيجيات المواجهة. وبهذا المعنى، تتكوّن اليقظة الذهنية من الوعي والتقبّل؛ أي إدراك ما يحدث الآن
وتحفيز الاستعداد للتقبّل. ويشتمل الوعي الذهني على ثلاثة عناصر أساسية متشابكة، يُعلّم كل
منها الآخر ويُغذيه، هي: النية والانتباه والموقف. وتتضمن النيّة معرفة سبب قيامنا بما نقوم به: هدفنا
النهائي ورؤيتنا وطموحنا. أما الاهتمام الكامل، فيشمل اللحظة الحالية، بدل من الانشغال بالماضي أو المستقبل. أما الموقف، فهو الطريقة التي نولي بها الاهتمام، حيث تُمكّننا من البقاء منفتحين، ولطيفين، وفضوليين. وثمة العديد من الممارسات التي تُعزّز الوعي الذهني، مثل التأمل والحدّ من التوتر القائم على اليقظة الذهنية MBSR، ويهدفان إلى تحفيز الوعي إراديًا، على نحو يدعم الصحة
النفسية والجسدية والتوازن العاطفي. ولذلك، تتضمن التدخلات القائمة على اليقظة الذهنية، عادةً، تعليمًا نفسيًا إضافيًا لدعم الوعي والبصيرة أساسًا للتغيير. وفي السياقات التعليمية، يُستخدم مصطلح
التدريب الذهني أيضًا لوصف هذه الممارسات. و"يظهر أن اليقظة الذهنية تساعد طلاب العمل الاجتماعي والاختصاصيين في العمل الاجتماعي على تقليل التوتر وتعزيز الرعاية الذاتية والرحمة والرفاهية". يتضح مما سبق أن أخلاقيات مهنة العمل الاجتماعي وميزاتها التي وقفنا عليها من خلال معالجة مفهومَي المرونة واليقظة، تتعلق، في الأساس، بالأوضاع المتأزمة. ولذلك، ناقشنا الأزمة من حيث
علاقتها بمهنة العمل الاجتماعي، كما ناقشنا مميزات هذا العمل الأخلاقية من منظور الأزمات العملية التي يمكن أن يجد اختصاصيوه أنفسهم فيها. وتفيدنا هذه المفاهيم بترابطها هذا، في تأطير معاينة ردّات أفعال اختصاصيات العمل الاجتماعي في لبنان على الأزمة المركّبة التي تمسّهن بآثارها، على
المستويات الثلاثة: العام والمهني والشخصي. ومن أجل وضع ردّات الأفعال هذه في سياق عام، نورد
(24) Pearce McCusker, "Mindfulness in Social Work Education and Practice," Insight , no. 56, The Institute for Research and Innovation in Social Services (IRISS), 8/7/2020, accessed on 30/5/2024, at: https://tinyurl.com/5ectsw38 (25) Shauna Shapiro, Sarah de Sousa & Hooria Jazaieri, "Mindfulness, Mental Health, and Positive Psychology," in: Itai Ivtzan & Tim Lomas (eds.), Mindfulness in Positive Psychology: The Science of Meditation and Wellbeing (London: Routledge, 2016), pp. 108–125. (26) Helen Correia, "BRiTE Mind: Introducing Mindfulness to Cultivate Personal and Professional Resilience in Teachers," in: Caroline F. Mansfield (ed.), Cultivating Teacher Resilience: International Approaches, Applications and Impact (Singapore: Springer, 2021), pp. 159–174. (27) McCusker.
في الآتي توصيفًا للعمل الاجتماعي في لبنان، من حيث تطوره التاريخي (بإيجاز)، وواقعه الأكاديمي، لما لهما من أثر في تشكيل معارف ومهارات لدى اختصاصيي العمل الاجتماعي، يفترض أن تتماشى مع واقع الأزمات، وذلك بهدف استحضار أكثر ما أمكن من مؤشرات تقدير واقع العمل الاجتماعي في لبنان.
ثانيًا: العمل الاجتماعي في لبنان
يحتاج الوقوف على خصائص العمل الاجتماعي في لبنان إلى عودة إلى تواريخه الفاصلة، تعقبها إشارات إلى نمط التكوين الأكاديمي فيه، وعرض مجالات العمل ومستويات التدخل المهني المتخصص.
1. تاريخ موجز للعمل الاجتماعي في لبنان
شهد تاريخ العمل الاجتماعي في لبنان مراحل عدة، يمكن أن نضع أولاها في سنوات ما قبل عام 1960. فمنذ عام 1948، استقبل لبنان أكثر من مئة ألف لاجئ فلسطيني، نزحوا قسرًا بسبب الاحتلال
الإسرائيلي، الأمر الذي فرض ضغطًا اجتماعيًا على لبنان. ويعتبر إنشاء اتحاد حماية الطفولة في
لبنان UPEL المبادرة الأولى للتعامل مع الأحداث الجانحين، ثم كانت مراكز حماية الأم والطفل المعترف بها من المرافق العامة في عام 1951، ومراكز مكافحة السل والصليب الأحمر اللبناني، وإنشاء "المدرسة اللبنانية للتدريب الاجتماعي" ELFS. لم تكن هذه المبادرات فعالة بما فيه الكفاية في الاستجابة للاحتياجات المُلحّة، خاصة للاجئين
الفلسطينيين، ومن ثم، بدأت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) عملياتها الميدانية (1949)، وتولّت مسؤوليات نحو مليون لاجئ فلسطيني في خمس مناطق في الدول العربية (لبنان وسورية والأردن والضفة الغربية وقطاع غزة)، إضافة إلى المنظمة الدولية الخاصة بالطفولة (اليونيسف) التي بدأت عملها في لبنان منذ عام 1948، ومؤسسات أخرى منها وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في عام 1955. كما أنشئت "الحركة الاجتماعية" بصفتها إحدى مؤسسات العمل الاجتماعي الرائدة في البلاد في عام 1957، ومراكز التنمية الاجتماعية ODS في عام 1959، ثم دخل العديد من المستوصفات إلى المجال تحت إشراف الأوقاف المسيحية والإسلامية. ركزت المرحلة بين عامي 1960 و 1975 على تطوير السياسة الاجتماعية التي بدأت من خلال المعهد الدولي للبحث والتدريب من أجل التنمية IRFED بتفويض من الرئيس اللبناني الأسبق فؤاد شهاب (1964–1958). وأدى ذلك إلى إنشاء البنية التحتية التنموية، بما في ذلك وزارة التخطيط (1961–1960)،
(((2 هيام قاعي، "تطور العمل الاجتماعي في لبنان"، ورقة "قُدمت في مؤتمر "توطين مهنة العمل الاجتماعي في الدول العربية، تنظيم الجامعة اللبنانية وجامعة اليرموك والجامعة الألمانية الأردنية وجامعة FHWS في ويستسبورغ، كلية الصحة العامة، الفنار، لبنان،.2019/2/11 (((2 المرجع نفسه.
والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي CNSS (1959)، والخطة الخضراء لتشجيع الزراعة والإصلاح الزراعي (1963)، وقانون التعاونيات، والمكاتب القطرية اللبنانية لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (1960)، ومنظمة الصحة العالمية (1960)، وجمعية الشبان المسيحيين اللبنانيين YMCA (1960)، وكذلك المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين UNHCR).1964(ثم احتاجت الاستجابة لتداعيات الحرب الأهلية اللبنانية (1990–1975) إلى معالجة ما تسبّبت فيه
من تدمير لمؤسسات الدولة والأبنية السكانية ونزوح عدد كبير من اللبنانيين، وزيادة عدد الضحايا من أرامل وأيتام ومعوّقين ومشرّدين، فأدّت إلى إعادة النظر في العمل الاجتماعي وهياكله المؤسسية
في لبنان. وقد نتج من هذه الالتزامات الاجتماعية الجديدة كلها إنشاء هيئات إغاثة جديدة في القطاع الخاص، مثل جمعية عامل (1979)، جنبًا إلى جنب مع المنظمات غير الحكومية الدولية الرائدة،
مثل منظمة أطباء بلا حدود وأطباء العالم. وخلال العقود القليلة الماضية، شهد العمل الاجتماعي في لبنان عمل إنسانيًا دوليًا من المفوضية
السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين واليونيسف وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومبادرات كبيرة أخرى من المنظمات غير الحكومية المحلية والدولية، مع التركيز على التدخل في أثناء الأزمات. وامتدادًا لذلك، دفع الهجوم العسكري الإسرائيلي على لبنان في عام 2006 المنظمات الاجتماعية إلى إغاثة السكان النازحين.
2. أكاديميات العمل الاجتماعي في لبنان
تتوافر في لبنان ست مؤسسات أكاديمية لإعداد خريجي العمل الاجتماعي. وتمثل الجامعة اللبنانية أكبرها، كونها تغطي حاجة ستة فروع في ست مناطق لبنانية (الحدث، والفنار، وطرابلس، وزحلة، وصيدا، وعين وزين في الشوف). وهي الجامعة الحكومية الوحيدة التي تؤمن مثل هذا التكوين في لبنان، وتمدّ المجتمع اللبناني بالعدد الأكبر من خريجي هذا التخصص على مستويي البكالوريوس والماجستير. وهي أولى الجامعات التي أدخلت البعد الصحي إلى الاختصاص، وأطلقت عليه مسمى "الإشراف الصحي الاجتماعي"، ومن ثم أبدلته بمسمى "العمل الصحي الاجتماعي" الذي يتطلّب إتمام البكالوريوس فيه أربع سنوات دراسية. وفي الجامعة اللبنانية الأميركية يتوافر مستوى البكالوريوس (ثلاث سنوات) والماجستير، وهي تنفرد بربط مسمى الاختصاص بالعمل مع المجتمعات. وفي جامعة هايكازيان (بيروت) لا يتوافر إّل البكالوريوس، في ثلاث سنوات دراسية. أما جامعة
(((3 المرجع نفسه. (((3 ينظر الموقع الإلكتروني: مؤسسة عامل الدولية، شوهد في 2024/6/25، في: https://arabic.amel.org (((3 قاعي.
(33) "Academics – Curriculum," Lebanese University, accessed on 30/5/2024, at: https://tinyurl.com/mu32dn9y (34) "Bachelor of Arts in Social Work and Community Development," Lebanese American University, accessed on 30/5/2024, at: https://tinyurl.com/bdcn5bzy (35) Haigazian University, accessed on 30/5/2024, at: https://tinyurl.com/3kfkhcyj
الجنان (طرابلس وصيدا)، فقد تبنّت التخصص الذي وضعته الجامعة اللبنانية (الإشراف الصحي الاجتماعي)، ضمن كلية الصحة لديها، من خلال إتمام أربع سنوات. وتوفر الجامعة الحديثة للإدارة والعلوم البكالوريوس (ثلاث سنوات دراسية)، وتخصصين في مستوى الماجستير، أولهما في العمل الاجتماعي العام، والثاني في إدارة مؤسسات العمل الاجتماعي. أما جامعة القديس يوسف (بيروت)، فهي الجامعة الخاصة الأقدم التي أطلقت تخصص العمل الاجتماعي من خلال مدرسة التدريب الاجتماعي، مع الإشارة إلى أنها تتفرد بتوفير درجة الدكتوراه في العمل الاجتماعي، إلى جانب توفير التكوين في مستويي البكالوريوس (ثلاث سنوات) والماجستير (سنتان).
3. مجالات العمل ومستويات التدخّل المهني المتخصص
تتنوّع مكوّنات ساحة التدخل المهني المتخصص للعمل الاجتماعي في لبنان. وتشكّل التوعية والوقاية
والتدخل الاجتماعي والتأهيلي والإصلاحي مع الأفراد والأسر والمجتمعات المحلية والمجتمع عمومًا
مجالات العمل الاجتماعي الرئيسة. وتشمل أهم الخدمات: القطاع الطبي وقطاع التعليم وقطاع الإعاقة وقطاع الأسرة (حماية الطفل ومجابهة الزواج القسري والمبكر ورعاية المسنين والأمهات العازبات والجانحين)، وقطاع إيواء اللاجئين، وقطاع المرأة وتمكينها والمناصرة وكسب التأييد في قضايا تُخلّ بالعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان، ولا سيما تجاه الفئات الضعيفة أو الهشة (الفقراء، اللاجئون، النساء المعنّفات، الأطفال المعرّضون لسوء المعاملة... إلخ)، والعمل على تطوير التشريعات
والسياسة الاجتماعية والتخطيط الاستراتيجي، ومجابهة العنف القائم على النوع الاجتماعي والعنف الجنسي على أساس النوع الاجتماعي، إضافة إلى قطاع التخطيط الاستراتيجي. ينضوي العمل الاجتماعي المهني في لبنان ضمن مظلة نقابية، تسمى نقابة الاختصاصيين في العمل الاجتماعي، وهي مرخصة بموجب القرار 1/41، الصادر عن وزير العمل في 1 شباط/ فبراير 1997، المعدل بموجب القرار 1/111، الصادر عن وزير العمل في 1 أيلول/ سبتمبر 2007. وتشمل مهماتها الأساسية منذ التأسيس حتى اليوم ثلاثة بنود رئيسة: أول، المحور المهني والاستشاري المتمثل في الإعلام العام والتسويق عن هوية النقابة وأهدافها ونظامها الأساسي والداخلي، مع تحديد المستندات المطلوبة والشهادات المعتمدة التي تؤهّل حامليها للانتساب إليها بمنح بطاقات انتساب، إضافة إلى التفصيل بشأن مجالات العمل المتعددة، وتوضيح الدراسة الأكاديمية ومستويات الشهادات الجامعية، ربطًا بالجامعات التي يتوافر فيها الاختصاص. ثانيًا، المحور الخاص بتنظيم المؤتمرات والندوات
(36) "Medical Social Assistance," Jinan University, accessed on 30/5/2024, at: https://tinyurl.com/mvyy78b4 (37) "Department of Social Work," Modern University for Business and Science (MUBS), accessed on 30/5/2024, at: https://tinyurl.com/yc2hcf9e (38) "Social Work & Equitable Community Practice," University of Saint Joseph, accessed on 30/5/2024, at: https://tinyurl.com/tdfes782 (39) Rania Mansour, "Social Work with Refugees in Lebanon," in: Ralf Roßkopf & Katharina Heilmann (eds.), International Social Work and Forced Migration: Developments in African, Arab and European Countries (New York: Columbia University Press, 2021), pp. 73–87.
المتخصصة في المجال دوريًا. وثالثًا، محور خاص بتنظيم مهنة العمل الاجتماعي والسعي الدؤوب منذ ما يزيد على عشرين عامًا لجعل الانتساب إلى النقابة إلزاميًا، ومنحها صفة رسمية تشكّل المرجع
المعتمد للحصول على إذن مزاولة المهنة. مع الإشارة إلى أن مساعي النقابة لتحقيق ذلك لا تزال قائمة حتى اليوم، وتواجه الكثير من التحديات الناتجة من تعدد الأزمات التي لم تجعلها أولوية أمام المشرّع
اللبناني من أجل تنظيم المهنة وتشريعها في لبنان. ووفقًا لرؤية النقابة، تتمثل مهمة العمل الاجتماعي في حماية الممارسين والمستفيدين على حد سواء، من خلال تطوير كفاءة الخبراء وتعزيز المهنة نفسها. وبحسبها، يتمثل التدخل الاجتماعي مع الأفراد والعائلات في الدفاع عن حقوقهم الاجتماعية وتحسين الوصول إلى الموارد الشخصية والبيئية وتحديد مشكلاتهم وتحسين رفاهيتهم. أما في ما يتعلق بالتدخل الجماعي، فيهدف إلى تعزيز السلوك الفردي بين الأشخاص الذين يتشاركون الصعوبات والاهتمامات نفسها، وتحسين قدراتهم على حل المشكلات بدعم من أفراد الجماعة، وتعبئة قدراتهم لتعزيز التغيير الجماعي المنشود. وعلى المستوى الأوسع، تقود مشاريع التنمية التي تستجيب للاحتياجات ذات الأولوية المجتمعية، وتزيد الوعي، وتُعزّز قدرات الناس على التفكير وحل المشكلات التي يواجهونها من خلال تمكين القادة المحليين من اتخاذ الإجراءات. يدل ما سبق عرضه من تاريخ تشكّل المهنة وتأطيرها أكاديميًا ونقابيًا على أنه تتوافر لاختصاصييها
جملة من مقدّرات مجابهة الأزمات. لكن يبقى السؤال قائمًا بشأن إذا ما كانت تلك المقدرات كافية، وإذا ما كانت مواكبةً لتعقّد الأزمات في لبنان وتراكبها.
ثالثًا: استجابات متباينة لدى اختصاصيات العمل الاجتماعي لتحديات عملهن
1. خصائص عيّنة البحث
تشمل مجموعة الواتساب التي اعتمدناها في بحثنا الميداني 252 ا عضوًا، ليس من بينهم إّل أربعة
ذكور. وجميع الاختصاصيين الاجتماعيين المستجيبين هم من الإناث (العدد هو 152)، لتبلغ نسبة المشاركة 60 في المئة من إجمالي الأعضاء المنتمين إليها. وعلى الرغم من انعدام إحصاءات دقيقة عن عدد الاختصاصيين في العمل الاجتماعي الممارسين في لبنان، فإن تجربتي، طوال عشرة أعوام في الأكاديميات اللبنانية المتخصصة في العمل الاجتماعي، تفيد أن الإقبال عليها من الذكور نادر، شأنه شأن انخراط الذكور فيها على المستويين الدولي والعربي، كما هي الحال في دولة قطر، حيث إنني خلال أربعة أعوام تدريس في برنامج ماجستير العمل الاجتماعي في معهد الدوحة للدراسات العليا، لم درّس سوى أربعة طلاب ذكور فقط.أُ
(((4 "من نحن؟."
كانت المشاركات المستجيبات جميعهن في هذا النوع من الدراسة والتخصص لبنانيات. ووفقًا لمسيرتي في التعليم الأكاديمي في كل من الجامعة اللبنانية وجامعة هايكازيان والجامعة الحديثة للإدارة والعلوم في لبنان، التي امتدت منذ بداية عام 2010 حتى نهاية العام الأكاديمي 2020، كان جميع الطلاب المنضوين ضمن كليات العمل الاجتماعي فيها لبنانيين، باستثناء طالبة وحيدة من حملة بطاقات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان. ولم يتضمن الاستبيان أيّ إشارة إلى الديانة أو الطائفة، منعًا لأيّ التباس أو فهم خاطئ قد يطرأ على المستجيبة، وقد يشكل عائقًا أمام المشاركة. يعمل أفراد العيّنة جميعهم مع اللاجئين السوريين على وجه التحديد. ووفقًا لتجربتي المهنية، لا تخلو
مؤسسة اجتماعية في لبنان من برامج تدخّل تستهدف قضايا اللاجئين السوريين، باعتبار أن هناك حاجةً ملحةً إلى مواكبة أوضاعهم، ولا سيما على المستوى المعيشي – الإغاثي والصحي، وصول إلى القانوني والتربوي، وتوافر بعض التمويلات التي تؤمّنها المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في لبنان. أشارت المشاركات جميعهن إلى أن عملهن في المؤسسة الاجتماعية يشكّل مصدر الدخل الوحيد أمامهن. ومع أن الاستبيان لم يستفسر عن قيمة الراتب، منعًا للتسبب في أيّ إحراج، لكن وفقًا لشبكة علاقاتي مع الخريجات والزميلات، فإن قيمة هذا الراتب لا تتجاوز خمسين دولارًا أميركيًا شهريًا، في
ذروة الأزمة الاقتصادية والتضخم اللذين يمر بهما لبنان، وبالتزامن مع مرحلة جمع البيانات. يبيّن الجدول كيفية توزّع أفراد العينة (152 اختصاصية) على الفئات العمرية وسنوات الخبرة، حيث
إن أصغرهن سنًا بلغت الحادية والعشرين من عمرها، وأكبرهن الأربعين. أما بالنسبة إلى عدد سنوات الخبرة، فقد تدرّجت بين عام واحد وعشرة أعوام، وهو التاريخ الذي يتزامن مع بدء توافد اللاجئين السوريين إلى لبنان في عام 2011 بُعيد الأزمة. وقد كان من اللافت أن متوسط عددسنوات الخبرة في العمل مع اللاجئين السوريين، البالغة 6–5 سنوات، يتوافق مع خبرة الشريحة الأكبر من أفراد العينة (77 مشاركة)، وغالبيتهن ضمن الفئة العمرية.30–28 عامًا الجدول يبيّن توزّع أفراد العيّنة وفقًا للفئات العمرية وعدد سنوات الخبرة
| سنوات الخبرة في العمل مع اللاجئين السوريين | العمر | عدد الاختصاصيات |
|---|---|---|
| 1 | 21 | 1 |
| 3–2 | 26–24 | 28 |
| 6–5 | 30–28 | 77 |
| 8–7 | 34–32 | 12 |
| 10 | 40–37 | 34 |
المصدر: من إعداد الباحثة.
تتوزع المحافظات التي تعمل فيها المشاركات في البحث على ثماني محافظات: محافظة لبنان الشمالي، والجنوب، والنبطية، والبقاع، وبعلبك والهرمل، وعكار، وبيروت، وجبل لبنان. وضمت محافظة جبل لبنان العدد الأكبر من الاختصاصيات في العمل الاجتماعي المشاركات في البحث، حيث بلغ عددهن 75 مشاركة؛ أي ما يقارب نحو نصف أفراد العينة (152). وهي المحافظة الأكثر احتواء للمؤسسات العاملة في المجال الاجتماعي في لبنان، وتشمل العدد الأكبر من المؤسسات الاجتماعية. ثم تليها محافظة بيروت، وهي العاصمة، حيث شاركت 29 اختصاصية، وتعادلت مشاركة الاختصاصيات في محافظتي البقاع ولبنان الشمالي ب 18 مشاركة، وكانت أقل المحافظات من حيث عدد المشاركات محافظة الجنوب، حيث لم تشارك إّل 12 اختصاصية فقط. وعلى العموم، تتوافق نسب المشاركة في البحث مع كثافة مؤسسات العمل الاجتماعي في المحافظات المعنية وكثافة وجود الاختصاصيات وكثافة وجود اللاجئين السوريين في لبنان.
2. استجابات متعارضة تجاه الأوضاع المهنية
انطلاقًا من إجابات المشاركات في البحث، يُدرج تدخّل الاختصاصيات في العمل الاجتماعي في
لبنان مع اللاجئين السوريين ضمن أزمات متداخلة يعيشها لبنان. وبحسب الإجابات، جرى تبويب هذه الأزمات في ست، لتشمل تداعيات متعددة الأبعاد، تشمل الأزمة الاقتصادية غير المسبوقة، وانفجار مرفأ بيروت، وضغوط الإحباط والتوتر، وعواقب جائحة كوفيد 19–، وتحديات القضايا التي تستوجب تدّخلاّاا سريعًا وطارئًا، إضافة إلى التحديات الأخلاقية التي تواكب كل ما سبق. وقد استحقت نوعين من المقاربة: كمية وكيفية، نظرًا إلى ما أشرنا إليه سابقًا، والمتعلق بردود أفراد العينة الخاصة بوصف
التحديات وآليات التكيّف والتفصيل فيها، ضمن كل بند من بنود الأزمات التي اخترناها.
أ. أوضاع اقتصادية عسيرة
على المستوى الاقتصادي، عبّرت معظم المستجيبات (129 من أصل 152) عن أن تداعيات الأزمة
المالية كانت صعبة عليهن. فمع تفاقم الأزمة الاقتصادية، لم تعد الاختصاصيات الاجتماعيات قادرات على توفير تكاليف متطلّبات الحياة الأساسية، من مسكن ومأكل وملبس وطبابة واستشفاء وتعليم الأبناء، ولا سيما أنهن جميعهن، ومن دون استثناء، يعتمدن على مصدر واحد للدخل، وهو العمل في المؤسسة الاجتماعية التي تخدم قضايا اللاجئين السوريين. فضل عن ذلك، تُدفع رواتب الاختصاصيات الاجتماعيات بالليرة اللبنانية التي انخفضت قيمتها أكثر من 25 مرة، في مقابل الدولار الأميركي. وهكذا انخفضت قيمة الرواتب أكثر من 95 في المئة، ما يعني أنهن يقمن على الأرجح بأعمال تطوّعية. لذلك، أفصح نحو 85 في المئة منهن (129 اختصاصية) عن
كونهن يبحثن عن فرص عمل جديدة في مجتمع المنظمات غير الحكومية الدولية، على اعتبار أن
((4(كامل مهنا ومصطفى حجازي، دور منظمات المجتمع المدني في مواجهة المخاطر التي تتعرض لها الأسرة في لبنان (بيروت: دار الفارابي، 2013)، ص.22
رواتب موظفيها تُدفع بالدولار الأميركي، كون تمويلها يأتي من الخارج. وكان من بينها 34 مستجيبة ينتمين إلى الفئة العمرية 40–37 عامًا، ولهن عشر سنوات من الخبرة. ويعطي هذا الرقم عمقًا معتبرًا
للشعور بالغبن من انخفاض الرواتب إلى مستوى بالغ التدني لمن لديهن سنوات طويلة من الخبرة التي لم تشفع لهن في التمكن من وضع مهني مستقر، ولم تقِهن آثار الأزمة اللبنانية المركّبة.
ب. إرهاق وافتقار إلى المساعدة
ضمن إجابات الاختصاصيات، سجّلنا تقديرًا بمعاناة حالات إرهاق لدى 112 اختصاصية منهن.
وغالبية هؤلاء المستجيبات من ضمن الفئات العمرية 40–28 عامًا، وهن من أصحاب الخبرة، حيث
إن لدى أقلهن خمسة أعوام من العمل. وخلال هذه المدة، تراكمت لديهن الحاجة إلى المساعدة المباشرة والفورية، وهي بحسب تقديرهن تفوق قدرات المنظمات غير الحكومية التي يعملن فيها. وفي سياق ذكر آثار انفجار مرفأ بيروت، أشارت 66 اختصاصية إلى أنهن يقمن بعملهن في حالة من الإرهاق الشديد أمام حجم الخسائر البشرية والمادية المروّعة. فمن جرّاء الانفجار، صار أكثر من
400 ا شخص معوّقين، وهم يحتاجون إلى مساعدة طبية ونفسية واجتماعية وفنية ومالية، فضل عن أن
الآلاف من الناس بقوا بلا مأوى. وتجاه مخلفات هذا الانفجار، راوحت شهادات المشاركات بين الإحساس بالرعب، فقالت منى: "كان المشهد مرعبًا؛ لقد نجا الناس، لكنهم كانوا في الواقع أمواتًا
من الداخل"، وعدم القدرة على التحمل كما عبّرت سارة: "لم أستطع تحمّل مثل هذه الخسارة، وكانت
الحاجة إلى التدخل من الاختصاصيين المحترفين والمتطوّعين كبيرةً"، والإحساس بالعجز وعدم كفاية
التكوين والمهارات المكتسبة، "لقد تعلّمنا عن حالات الطوارئ في فصولنا الدراسية في الجامعة، لكن الاحتياجات الحقيقية كانت مختلفة تمامًا" كما ذكرت ديما.
ج. عواقب متراكبة التأثير
من منظور اختصاصيات العمل الاجتماعي في لبنان، مثّلت جائحة كورونا تعقيدًا إضافيًا في الأزمة
المركّبة التي يعيشها البلد. وقد سلّطت 129 اختصاصية الضوء على تأثير الجائحة الذي فاق قدرة التحمل لدى كل من الممارِسات والفئات المستهدفة، على حد سواء. فمن جهة، مثّلت الأوضاع الناتجة من الجائحة تعقيدًا إضافيًا لمعاناة المستجيبات على المستوى الاقتصادي من حيث عدم
قدرتهن على تأمين رواتبهن ومواجهة الأزمة المالية الناتجة أحيانًا من فقدان وظائفهن. ومن جهة أخرى، أكدت 112 مستجيبة (75 من محافظة جبل لبنان، و 25 من محافظة بيروت، و 12 من محافظة الجنوب)، أن تعاملهن مع تحدي الجائحة كان بالالتزام ببروتوكولات السلامة، معتبرات أنها لم تكن آمنة ووقائية تمامًا، وذكرن أن الأمر لا يزال محفوفًا بالمخاطر، حيث إنهن صبنأُ بالعدوى ونقلن الفيروس في نهاية
المطاف إلى عائلاتهن. وضمن إجابات المستجيبات، تجدر الإشارة إلى أن 89 منهن شدّدن على الضغوط التي كن يواجهنها يوميًا، مخافة الإصابة بالفيروس ونقله إلى أفراد أسرهن. ويُستفاد من إجابات أخرى أن تفشّي الفيروس
بين المستفيدين كان سببًا في انتشار ممارسات في صفوفهم لا يلتزمون خلالها بالإجراءات الوقائية
وببروتوكولات السلامة المطلوبة. كما كان هؤلاء المستفيدون غير قادرين على تحمّل تكاليف
الفحوصات المخبرية والعلاجات الدوائية والإقامة في المشفى، ولم تتوافر لهم الإمكانيات لتأمين أماكن عزل مناسبة في مقرات إقامتهم. وقد كان من شأن هذه المظاهر الطارئة كلها أن تطلّبت من الاختصاصيات بذل جهود متواصلة مع المستفيدين من تدخلاتهن للتوجيه والإرشاد والتأكيد على التوصيات الطبية والوقائية، في سياق شعور بعدم الفاعلية والعجز عن توفير الدعم لهم، وعلى الأخص في ظل تأثر الحضور المنتظم واضطراب أداء العمل اليومي في مراكز الخدمة.
د. اهتزاز الثقة وتكثّف المشاعر السلبية
كانت هذه المشكلات كلها، القديمة والمستمرة منها، وكذلك المستحدثة، تحتاج، من منظور اختصاصيات العمل الاجتماعي، إلى استجابات فورية، وعلى مدار الساعة. لكن كان لغياب هذه الاستجابة تأثيرٌ سلبي في صحتهن النفسية. قالت سماح وهي إحدى الاختصاصيات: "لم أشعر بأيّ
تعاطف تجاه الأفراد الذين عانوا"، أما سمر، فقالت: "شعرت وكأنني روبوت". وقد انعكست حالاتهن النفسية هذه على أدائهن المهني وشعرن كأنهن يفتقدن إلى أيّ مهارة ذهنية، أو عملية للتعامل مع
ما يجابهنه، فذكرت مها: "لقد ضللت طريقي للتعامل مع مشكلات الغضب والتوتر". وتبيّن لهن أنهن
في الحقيقة غير مهيّآت لمجابهة مثل هذه الطوارئ، فعبّرت سهير بقولها: "في بعض الأحيان، لم
أتمكّن من تحديد المشكلة الحقيقية للمستفيدين بوضوح، وشعرت بالارتباك مع خطة العمل التدخلية الخاصة بي". ولدى بعضهن، تجاوز الشعور بالإحباط الوضع الخاص إلى عدم الرضا عن وضع المؤسسات التي يعملن فيها، فوفقًا لجومانة: "المؤسسة لا تسأل عنا، ولا تطوّرنا لنتحمل الاستمرار،
ابتكاري قلّ، بل اضمحلّ، وأعمل من أجل الراتب فقط". ولم يقتصر اهتزاز الثقة على المؤسسة، حيث شمل المهنة ذاتها، فكما قالت لميس: "أشعر بأسف شديد لأنني اخترت العمل الاجتماعي كمهنة"، بل امتد إلى البلد وأوضاعه كلها، كما باحت بذلك ليان: "لقد فقدت الأمل في لبنان كبلد، وسأبذل قصارى جهدي لمحاولة السفر إلى مكان أكثر أمانًا".
ه. تحديات أخلاقية
طرحت أبحاث حديثة جريت في العديد من البلدان، من بينها إسبانيا، أن الاختصاصيين في العمل أُ الاجتماعي واجهوا مجموعة منوّعة من المعضلات الأخلاقية في أثناء ممارساتهم المهنية. وفي
إجابات المشاركات في بحثنا، جرت الإشارة إلى العديد من التحديات التي تشكّل معضلات حقيقية في ممارستهن المهنية. وفي قلب تلك التحديات، كانت تحضر باستمرار تحديات عبّرت عنها
الاختصاصيات العاملات مع اللاجئين السوريين على نحو معلن وصريح أحيانًا. فبعض هذه التحديات يقوم على مستوى الشعور، كما قالت لميس: "لا أستطيع العثور على ذاتي الإنسانية؛ لم أعرف كيف
(42) Rogelio Gómez–García, Jezabel Lucas–García & Siro Bayón–Calvo, "Social Workers’ Approaches to Ethical Dilemmas," Journal of Social Work , vol. 22, no. 3 (2022), pp. 804–823.
أتعامل مع قضية عائلة لاجئ سوري قتل مواطنًا لبنانيًا بهدف السرقة، وترك وراءه عائلة مكوّنة من زوجة
وأربعة أطفال. لقد كنت مترددةً جدًا في تقديم الخدمات والدعم لعائلة القاتل، وشعرت أنه يجب أن أعاقبه أيضًا". أما بعضها الآخر، وإن كان يقوم على القاعدة الأخلاقية نفسها، فهو يبدو من طبيعة عملية، كما أشارت إلى ذلك جميلة: "لم أتمكّن من مساعدة الأطفال السوريين اللاجئين من خلال دعمهم للدخول إلى المدرسة وإكمال تعليمهم، نظرًا إلى معاناة الأطفال اللبنانيين الذين لم يساعدهم
أحد. لم أكن أعرف كيف أتصرف؛ ولذلك طلبتُ من إدارتي تحويلي إلى برنامج آخر لا يدعم اللاجئين السوريين". وتشمل الأسئلة الأخلاقية التي تدور في هواجس الاختصاصيات الحقوق التي يمكن أن يتمتع بها اللاجئ، في مقابل الحقوق التي يمكن أن يتمتع بها "المواطن"، فوفقًا لدلال: "كيف يمكن أن تتحمل المرأة اللبنانية الحامل كامل تكاليف الولادة الباهظة والمرهقة، بينما تستطيع المرأة السورية الحامل اللاجئة في لبنان أن تدخل المستشفى وتلد مجانًا على حساب المفوضية؟ ولذلك قدمتُ استقالتي، لأنني شعرتُ بأنني لم ألتزم بأخلاقيات المهنة". يترتب على مثل هذه المعضلات تفكير في إعادة ترتيب الأولويات، فكما عبّرت ليلى: "أنا لبنانية، أعيش
وأعمل في لبنان، أولويتي هي خدمة المواطنين اللبنانيين المحتاجين، بغضّ النظر عن الاحتياجات الملحّة التي يظهرها المستفيدون غير اللبنانيين". ولمثل هذه المراجعات آثار في مستوى الوعي
الذاتي، وفي مستوى الخطاب، فتكرر ليلى: "أنا إنسانة محتاجة ومعيلة لأسرتي، وراتبي متأثر بالأزمة الاقتصادية. في مكان عملي، يتم التخطيط للمشاريع لخدمة المستفيدين، لكن ماذا عني؟ من يهتم؟ في الوقت الحاضر، أشعر بأنني أميل إلى استخدام خطاب الكراهية ضد الفئات المستهدفة التي تتم خدمتها!". كما أن لها (مراجعة الأولويات) آثارًا عملية، فذكرت زينة: "لقد صبت بفيروس كوفيدأُ 19–
من خلال مقابلة أحد المستفيدين الذي رفض ارتداء الكمامة، ولم يؤمن بوجود الفيروس، معتبرًا ذلك
أسطورة. المشكلة أنني لم أكن أعلم أنه مصاب بالفيروس عندما زرتُ المركز، وعلمتُ لاحقًا أنه لم يُكمل حتى أيام حجره الصحي. وعندماعلمتُ بذلك، قررتُ أّل أراه أو أخدمه مرة أخرى". تبدو لنا هذه النتيجة متوافقة مع ما لاحظناه لدى دراستنا مناهج ومقررات التدريس في المؤسسات الأكاديمية الست التي تؤمّن تكوينًا في العمل الاجتماعي في لبنان، وكنا قد عرضنا لها سابقًا، حيث لم
تجرِ الإشارة إلى أيّ تدريب يساهم في تعزيز مهارات حياتية ذات صلة بالرعاية الذاتية من خلال اتّباع
آليات لتخفيف الضغوط والغضب وتعزيز المرونة واليقظة الفكرية المطلوبة من الممارسين في حقل العمل الاجتماعي.
رابعًا: خصائص العمل الاجتماعي في ظل أزمة مركّبة وآفاق المعالجة
من محاورة عيّنة محدودة من ممارسات مهنة العمل الاجتماعي في لام يتمكن البحث الميداني إّل
لبنان (العدد 152)، جميعهن من الإناث. وكان للقيود المتعلقة بتداعيات الأزمة الاقتصادية تأثيرٌ في
حسن سير العملية البحثية، خاصة خلال جائحة كوفيد 19–، حيث لم تشكّل الدراسة موضوع اهتمام
لدى جميع الاختصاصيات ممن حوتهن مجموعة الواتساب، إضافة إلى القيود الزمنية؛ إذ كانت مدة تلقّي الإجابات عن أسئلة الاستبيان محدودةً، بين 1 و 15 نيسان/ أبريل 2022، حيث كان محتمل أن تطغى أولويات أخرى لدى من.ُوجّه إليهن، كالبحث عن وظيفة جديدة مع ذلك، تُلقي نتائج بحثنا التي أوجزنا ملامحها الكبرى في العنصر السابق ضوءًا كاشفًا على
التحديات التي تواجه اختصاصيات العمل الاجتماعي الممارِسات في لبنان وكيفية استجابتهن لها.
1. تحديات مركّبة
لدى مناقشتنا التأطير النظري والمفهومي للأزمة، أكدنا أنها، على الدوام، ذات طابع مركّب، وأن آثارها متدرّجة بين العام والخاص، وبين الجسدي والنفسي والذهني. وفي الحالة التي درسناها، كنا بالفعل
إزاء أزمة مركّبة، ألقت بثقلها على الاختصاصيات في العمل الاجتماعي أنفسهن، باعتبارهن يعشن في السياق نفسه مع المستفيدين، ويواجهن تداعيات الأزمات نفسها. ويُفترض في التكوين الأكاديمي
والمهاري والعملي لدى الاختصاصيات، كما يفترض في تأطيرهن نقابيًا ومهنيًا من مشغّليهن أن يوفر
لهن ما يتفوّقن به على الواقعين في الأزمة من طالبي التدخل الاجتماعي، حيث تكون استجابتهن
للأزمة وتداعياتها مهنية ومحترفة ومراعية لأمانهن النفسي والذهني من جهة، ولأخلاقيات عملهن من جهة أخرى. لقد بدا من الصعب تحمّل المنظمات غير الحكومية ذات الموارد المحدودة لتداعيات الأزمة
الاقتصادية العميقة التي يعيشها لبنان منذ سنوات مديدة للاستجابة للاحتياجات الملحّة للمستفيدين
من العمل الاجتماعي. وفضل عن ذلك، انعكست زيادة طلبات المستفيدين على الاختصاصيات في العمل الاجتماعي العاملات في تلك المنظمات، على غرار المستفيدين من خدماتها؛ إذ تأثرن بتداعيات الأزمة كونهن يعشن الظروف نفسها، وفي المجتمع نفسه. وإضافةً إلى هذه المظاهر، تعمّقت
محدودية الموارد في توفير الدعم المطلوب للمستفيدين عما كان في عهد ما قبل الأزمات، حيث كانت المنظمات الراعية والمُسدية الخدمات ذات مؤهلات مالية، تُمكّنها من مجابهة المصاريف،
ولا سيما أن معدلات الفقر والبطالة ارتفعت مع تفاقم الأزمة الاقتصادية اللبنانية. بدا أثر هذه الأزمة واضحًا في عدم توفّر الاختصاصيات في العمل الاجتماعي على أيّ شكل من
أشكال المساعدة أو الدعم، في حين كان ما شهدنه يحتاج إلى تدخّل عاجل للمساعدة في تحسين رفاهيتهن. ولم يقتصر عجز المؤسسات الاجتماعية على هذا الجانب المادي، بل تجسّد في عدم
اتخاذ إجراءات فورية لتجنّب أيّ نوع من الإرهاق وعدم القدرة على التعامل في مواجهة المعضلات
الأخلاقية المهنية التي عبّرت عنها الاختصاصيات بوضوح. ولدى مناقشتنا الأسس النظرية والأخلاقية للعمل الاجتماعي، اعتبرنا أن الرفاهية والمرونة من جهة، وتوفير ما يساعد في اليقظة الذهنية للمتدخلين من جهة أخرى، شرطان لازمان لتأمين احترام أخلاقيات المهنة. وبالاعتماد على البيانات الكمية والكيفية التي وفّرتها إجابات الاختصاصيات اللاتي شاركن
في البحث، يتبيّن بوضوح أن قياس الرفاهية النفسية للاختصاصيات في العمل الاجتماعي في لبنان
يعاني سمات ضعف كثيرة، منها: • عدم القدرة على تحقيق الاستقلالية المالية والشعور بالإحباط والتوتر من محدودية المصادر. ولم يتكرس ذلك على مستوياتهن الشخصية والعائلية فحسب، بل كذلك على مستوى الخدمات التي يقدّمنها، بسبب المعوّقات المتعددة التي تحول دون تقديمهن المساعدة بالمستوى الذي يرغبن فيه، أو يطمحن إليه. ومن ناحية أخرى، وضع نقص الموارد الثقة ما بينهن واللاجئين السوريين محل شك، بسبب توقعات هؤلاء العالية تجاه توافر خدمات المنظمات غير الحكومية وقدرتها على تأمينها. • عدم القدرة على ممارسة الرقابة الذاتية/ المهنية في ظل الرزوح تحت وطأة الحاجة المادية وانهيار تقدير الذات وتناقص احترام الآخر لدى بعض الاختصاصيات الاجتماعيات، حيث أظهرن خطابًا فيه قدر من الكراهية. وفضل عن غياب دور المؤسسة المشغلة للاختصاصيات، من المهم الإشارة إلى افتقاد دور نقابة الاختصاصيين في هذا المجال على مستوى توفير الدعم، والتدرّب وصقل المهارات الإضافية لتأمين نجاح العمل في مثل هذه الظروف. • عدم اعتبار التطوير والتأهيل الذاتي أولوية بالنسبة إلى الاختصاصيات أنفسهن وعدم مطالبتهن بتوفير الفرص من المنظمات التي يعملن فيها. ومن آثار هذه الاعتبارات غياب العلاقات الإيجابية مع الزملاء الواقعين هم أنفسهم في الوضع نفسه بسبب الأزمة ذات الطابع الجماعي. • ارتباك في تقبّل الذات بسبب المعضلات التي كن في مواجهتها والشعور بالاحتراق النفسي من
جراء الفارق الكبير بين توقعاتهن المهنية وتعدد المسؤوليات وكمية الجهد والوقت المبذولين أمام محدودية الرواتب. • عدم القدرة على الفصل بين الجوانب الوظيفية والشخصية، حيث لا ترتبط الخدمة بشعور الاختصاصية في العمل الاجتماعي واتجاهاتها وتفضيلاتها الشخصية، ولا تتخذ القرار بناء على تقبّل/ عدم تقبّل المستفيد. ومثلما دلّت على ذلك إجابات كثيرة، جعل ارتباط الاختصاصيات
عاطفيًا بالعمل في ظل ظروف الأزمة منهن عرضة لارتكاب سلوك غير مهني. وقد بيّنت
دراسات مختلفة أن إحدى خواص الموقف الأزموي يتمثل في تزايد القابلية للتأثر بالآخرين، تأثرًا يكون مصحوبًا باضطرابات انفعالية واضحة.
((4(حسين سليمان، السلوك الإنساني والبيئة الاجتماعية بين النظرية والتطبيق (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع – مجد، 2005)، ص.286 (((4 ماجد عبد المهدي المساعدة، إدارة الأزمات: المدخل – المفاهيم – العمليات (عمّان: دار الثقافة للنشر والتوزيع، 2012)،
ص.249
في معالجة مثل هذه الحالات، يتوزّع الاتجاه بين نظريتي X و Y. ترى الأولى أن الموظفين، إذا ما اعتبروا أن العمل أمر سيئ/ وأنهم غير قادرين على تحقيق النمو الذاتي وتطوير كفاءاتهم، صار هدفهم من عملهم يقتصر على الحصول على الراتب. أما الثانية فتفترض أن الموظفين يمتلكون الرغبة والقدرة على تطوير أنفسهم، فيبذلون الجهود من أجل تحقيق أهداف العمل، ما يدفع المديرين إلى منحهم الحوافز المادية والمعنوية وتشجيعهم على الابتكار. وقد لاحظنا أن اختصاصيات العمل الاجتماعي في لبنان اتخذن موقعًا وسطًا بين الاتجاهين، تجاه ما اعتبره بعضهن سوءَ وضعٍ مهنيٍ بالغًا،
وأثرًا مرّك بًا للأزمة اللبنانية، حيث لم تتحمّل بعضهن الأخطاء المهنية الناجمة عن ضغوطها، فرُحن
يفتشن عن مصادر تحقيق أدنى الرفاه المادي خارج مجالهن الوظيفي.
2. آفاق المعالجة
منذ المعالجات النظرية والمفهومية والتاريخية الاجتماعية الأولى لموضوع بحثنا، وضعنا مسألة الأزمة وكيفيات الاستجابة ضمن مؤثرات عدة، من بينها الوضع العام، والفعل الخاص لمنظمات العمل الاجتماعي ومؤسساته والتكوين الأكاديمي ومكتسباته والتأطير النقابي وموجّهاته، وتمتّع اختصاصي
العمل الاجتماعي نفسه بما يضمن احترامه أخلاقيات عمله. إن كثرة الأزمات المتعاقبة التي شهدها اللبنانيون والمقيمون في لبنان، وانعكاساتها على من بقي منهم في محيط سكنه الأصلي، أو من اضطر إلى النزوح والهجرة الداخلية (ومن ضمنهم فئة اللاجئين الفلسطينيين القدامى، واللاجئين السوريين أيضًا)، أضفت على آثارها صفة المتراكبة، حيث كان فيها الأمني (الحرب الأهلية، والحروب المتعاقبة والمستمرة مع الكيان الإسرائيلي)، والسكاني (أزمة الهجرة والنزوح الفلسطيني والسوري وتأثيرها في المجتمعات المحلّية المضيفة... إلخ)، والاقتصادي (تجميد حسابات المودعين، وانهيار العملة الوطنية على نحو غير مسبوق، وغلاء معيشة... إلخ)، والسياسي (صراع حاد وفراغ في سدة الرئاسة... إلخ)، والصحي (بنى فوقية وتحتية مستهلكة ومهترئة، وانقطاع أو ندرة في الدواء والأجهزة الطبية... إلخ). إن من شأن الأزمة أن تضع من تؤثر فيهم أمام تحديات تتطلب الكثير من التدخلات المهنية باعتبارها "حالة توتر ونقطة تحوّل، تتطلّب قرارًا تنتج عنه مواقف جديدة سلبية كانت أو إيجابية،
تؤثر في مختلف الكيانات ذات العلاقة"، وابتكار سياسات واستجابات تُمكّن من التأقلم مع المتغيرات المتعددة، وباعتبار أن تفاقم نتائجها يؤدي إلى عدم الاستقرار في المجتمع في حال كانت الأطراف المعنية غير مستعدة، ولا تمتلك القدرة على احتوائها ودرء المخاطر الناجمة. وبناء على ذلك، تبدو المعالجة الواجبة لخصائص العمل الاجتماعي، كما كشفها لنا عملنا الميداني، متعددة المستويات ومتقاسمة المسؤولية.
((4(حسين سليمان [وآخرون]، الممارسة العامة في الخدمة الاجتماعية مع الجماعة والمؤسسة والمجتمع (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع – مجد، 2005)، ص.287–288 ((4(بلال خلف السكارنة، إدارة الأزمات (عمّان: دار المسيرة،.)2015 ((4(سهير إبراهيم الشوملي، إدارة الأزمات (عمّان: دار الإعصار العلمي للنشر والتوزيع، 2020)، ص.11
أ. على المستوى الاقتصادي
إعادة النظر الفوري في رواتب الاختصاصيين، بما يتناسب مع تداعيات الأزمة الاقتصادية، وإّل سيؤدي عدم الاستقرار المهني إلى حالة تنقّل بين المؤسسات لتغيير الوظائف والبحث عن فرص عمل أفضل (رواتب، مكافآت، تكريم، إجازات... إلخ)؛ إذ إن وجود مثل هذه الفوائد ذات الصلة بالعمل وضمان حقوق الاختصاصيين في العمل الاجتماعي يساعد في تعزيز قدرة التحمل من خلال توفير مثل هذه المناخات النفس–اجتماعية الداعمة.
ب. على المستوى الذهني – النفسي
إنشاء برنامج تفريغ نفسي من خلال تصميم جلسات دعم نفسي اجتماعي تتيح للاختصاصيات التعبير عن أيّ نوع من الصعوبات/ العراقيل والمشكلات التي يعانينها، بهدف مساعدتهن في تجنّب التعامل
مع المستفيدين من تدخلاتهن، بما ينافي أخلاقيات عملهن ومعاييره المهنية المحترفة. تُستخدم آلية التفريغ هذه للتكيّف على نطاق واسع لاقتراح المساعدة في وصف استجابات الأفراد لموقف معيّن
لإدراك تأثير مشاركة التجربة مع الآخرين. وقد نشط قطاع العمل الاجتماعي في لبنان خلال العشرية الأخيرة في تطوير برامج دعم نفسي – اجتماعي لالاجئين على وجه الخصوص من المستفيدين من خدمات المؤسسات الاجتماعية، سواء أكانوا أطف ل أم نساءً أم رج ل، وكثيرًا ما كانت تشكّل راحة نفسية فردية وعائلية. وقد كان التركيز الأساسي على
محاور ثلاثة: الأمان والتعاطف، وآليات حل المشكلات، والتعامل مع العنف لتعزيز مهارات المواجهة والصمود. وقد شملت تجربتي المهنية الشخصية كتابة دليل لإعداد المدربين على تعزيز المرونة النفس–اجتماعية للأطفال اللاجئين، من خلال مبادرة قامت بها مؤسسة أديان في عام 2015. لكن أصبحت هذه البرامج حاجة ملحّة أمام العاملين في القطاع، وليس اللاجئين فحسب. وتأكيدًا على أهمية العناية بالرعاية الذاتية، كثيرًا ما بيّنت الدراسات وجوب أن تشملها مناهج التدريس،
حيث تشمل مضامين المقررات الجامعية قسطًا تدريبيًا وافرًا لتعزيز قدرات الخريجين على تعزيز
الرفاهية النفسية–الاجتماعية وتعزيز آلية المجابهة. إن من مزايا التفريغ النفسي أنه يوفر للاختصاصيات إمكانية التقييم المستمر لاحتياجاتهن، ومن ثم مناقشة التحديات التي قد تواجههن، وإعداد برامج تدريب من شأنها أن تزيد من كفاءتهن. وليس من ثمار التدريب الرفع من الإنتاجية والأداء التنظيمي فحسب، بل أيضًا المساهمة في خلق الاتجاهات
((4(سليمان،.237 ص
(49) Beverley Raphae, "Early Intervention and the Debriefing Debate," in: Robert J. Ursano, Carol S. Fullerton & Ann E. Norwood (eds.), Terrorism and Disaster: Individual and Community Mental Health Interventions (Cambridge: Cambridge University Press, 2003), p. 146. (50) Rachel Hagues et al., "Refugee Social Work in Lebanon: Does the Faith of the Social Worker Provide Support?" Journal of Religion & Spirituality in Social Work: Social Thought , vol. 40, no. 3 (2021), pp. 326–348.
الإيجابية، وترشيد عملية اتخاذ القرار، وتحديث المعلومات بما يتوافق مع التغيرات العاجلة أو المستجدة.
ج. على مستوى الرعاية الاجتماعية
وفقًا للفقرة الخاصة بالأخلاقيات المهنية، تؤكد الرابطة الوطنية للعمل الاجتماعي الحاجة إلى إدراج برامج الرعاية الذاتية المهنية في ممارسة العمل الاجتماعي الكفء والأخلاقي، وضمان المتطلبات المهنية ومناخات مكان العمل والحفاظ على صحة موظفيها وسلامتهم ونزاهتهم الشخصية والمهنية. كما يتأكد تقديم الخدمات للاختصاصيات عند الحاجة (كالإغاثة، والخدمات الصحية والتربوية لأسرهن وغيرها). وهو أمر ممكن توفيره من الجهات الرسمية المسؤولة عن توفيرها، على رأسها وزارة الشؤون الاجتماعية ووزارة الصحة العامة ووزارة العمل.
د. على مستوى الرفاه الاجتماعي
توفير الأنشطة الترفيهية التي تعمل على تحسين حالة الصحة النفسية والرفاه الاجتماعي (المشي مسافات طويلة، ودعوة المؤسسة العاملات لديها لوجبات غداء أو عشاء، وغيرها من الأنشطة التي تدعم الموظفات وتعزّز انتماءهن إلى المؤسسة). ومن المهم ضرورة ضمان الاتصال بين الاختصاصيات بهدف التوجيه والمشورة بشأن الأخلاقيات المهنية واتخاذ القرارات الأخلاقية والسعي للحصول على المشورة المناسبة عند مواجهة المعضلات الأخلاقية. وقد يتضمن ذلك التشاور مع لجنة الأخلاقيات التابعة لمؤسسة العمل نفسها أو هيئة تنظيمية، أو زملاء من ذوي الخبرة، أو مشرفين، أو مستشارين قانونيين. إن من أدوار نقابة الاختصاصيين في العمل الاجتماعي في لبنان الترفيع من جاهزيتها ومهنيتها للبتّ في قضايا المعضلات الأخلاقية، وإنشاء آلية لإحالة الاختصاصيات الاجتماعيات إلى النقابة، باعتبارهن مستشارات في هذا الشأن، وإّل سيؤدي التأخير والاستجابة البطيئة للحالات ذات الصلة إلى انخفاض القدرة على الصمود وزيادة الإرهاق وانخفاض الرفاهية بين العاملين في الخطوط الأمامية.
خاتمة
تعلن مدونة قواعد السلوك للرابطة الوطنية للعمل الاجتماعي، في اختصاصها الرابع لأخلاقيات الاختصاصيين الاجتماعيين، القانون 4.05 الخاص بالإعاقة، أنه "(أ) يجب على الاختصاصيين الاجتماعيين أّل يسمحوا لمشاكلهم الشخصية، والضيق النفسي الاجتماعي، والمشاكل القانونية، سوء المعاملة أو معوّقات الصحة النفسية الخاصة بهم، للتدخل في حكمهم المهني وأدائهم أو تعريض
المصالح الفضلى للأشخاص الذين يتحمّلون مسؤولية مهنية تجاههم للخطر. و (ب) يجب على
الاختصاصيين الاجتماعيين الذين تتداخل مشاكلهم الشخصية أو ضائقتهم النفسية الاجتماعية أو
(((5 المومني، ص.228
(52) Sumner & Kinsella.
المشاكل القانونية أو تعاطي المخدرات أو صعوبات الصحة النفسية مع حكمهم المهني وأدائهم أن يطلبوا على الفور الاستشارة واتخاذ الإجراءات العلاجية المناسبة عن طريق طلب المساعدة المهنية، والتكيّف مع عبء العمل، وإنهاء الممارسة أو اتخاذ أي خطوات أخرى ضرورية لحماية المستفيدين
والآخرين". وقد بيّن لنا البحث أن هذه المتطلبات التي ترتبط مباشرة بأخلاقيات العمل الاجتماعي من جهة،
والرفاه النفسي والمهني والاجتماعي لاختصاصي العمل الاجتماعي، من جهة أخرى، يمكن أن تكون موضوع استراتيجية متكاملة، يمكن تلخيصها في التالي: • تأكيد دور وزارة الشؤون الاجتماعية في لبنان وموقعها باعتبارها المظلة الرسمية للعمل الاجتماعي في لبنان، وحثّها على التنسيق مع الوزارات والمنظمات الاجتماعية والأكاديمية ذات الصلة لوضع سياسة اجتماعية متخصصة لإدارة الأزمات، تشمل التدخل البشري، بمن في ذلك الممارسون المهنيون والمستفيدون. ومن شأن هذه السياسة أن تضمن الاستعداد الدائم والجاهزية للتعامل مع الأزمات من خلال إعداد استراتيجية وطنية لإدارة الأزمات تنطوي على سياسات اجتماعية تلبّي الحاجة الفورية إلى الاستجابة لتداعياتها. وكذلك العمل على
إدراج البرامج الداعمة الجاهزة لتقديم الخدمات، مثل خدمات الإغاثة والرعاية الاجتماعية والخدمات الاجتماعية، والحماية والمساعدة المالية والتعليم والملاجئ، وما إلى ذلك ضمن سياساتها. إضافة إلى ذلك، يُطلب منها التنسيق مع وزارة العمل لمراجعة وإعادة جدولة رواتب
الاختصاصيات فورًا، لتتناسب مع تداعيات الأزمة الاقتصادية وأعبائها. • خلق آلية تعاون رسمي مع نقابة الاختصاصيين في العمل الاجتماعي في لبنان، من خلال إعداد مذكرة تفاهم من أجل تنفيذ برنامج عاجل، تتخلّله ورش تدريبية لتخفيف التوتر الناتج من الأزمة والخروج باستراتيجيات جديدة بشأن كيفية التعامل مع الأزمات التي تتبنّاها مؤسسات العمل الاجتماعي. • اضطلاع الأوساط الأكاديمية ذات الصلة بالعمل الاجتماعي بإيلاء أهمية بالغة في مقررات المواد الأساسية للاختصاص لبرامج التدريب على اليقظة الذهنية في المناهج الأكاديمية، حيث يجري التخفيف من فجوة المعرفة/ المهارات المتعلقة بموضوع الكفاءة الذاتية للاختصاصيين وصلتها بالاحتياجات والكفاءات الجسدية والاجتماعية والعاطفية والنفسية كلها للمهنيين.
تنويه
مُنحت الموافقة الأخلاقية لهذا المشروع البحثي من معهد الدوحة للدراسات العليا: رقمالمرجع
.)2022/3/27(DI–IRB–2022–F03
(53) "Global Definition of Social Work."
المراجع
العربية
ودراسة السياسات،.2022
2021/11/12:. في https://tinyurl.com/yxebbrz6
السكارنة، بلال خلف. إدارة الأزمات. عمّان: دار المسيرة،.2015 سليم، هدى. التدخل الاجتماعي مع الفرد والأسرة. بيروت: دار أبعاد،.2019
للدراسات والنشر والتوزيع – مجد،.2005
بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع – مجد،.2005
https://urlz.fr/pX5W
في ويستسبورغ. كلية الصحة العامة. الفنار، لبنان،.2019/2/11
للنشر والتوزيع،.2012
الأسرة في لبنان. بيروت: دار الفارابي،.2013 المومني، هشام. قضايا معاصرة في إدارة الأزمات. عمّان: دار وائل للنشر،.2020
References
إدارة الأزمات بين النظرية والتطبيق: الاستجابة الاستراتيجية لدولة قطر لأزمة الحصار. هند المفتاح وموسى علاية العفري وحامد التجاني علي (محررون). الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث
"'دبحونا من جوا': تحقيق في انفجار بيروت في 4 أغسطس/ آب"، تقرير. هيومن رايتس ووتش.
سليمان، حسين. السلوك الإنساني والبيئة الاجتماعية بين النظرية والتطبيق. بيروت: المؤسسة الجامعية
سليمان، حسين [وآخرون]. الممارسة العامة في الخدمة الاجتماعية مع الجماعة والمؤسسة والمجتمع.
الشوملي، سهير إبراهيم. إدارة الأزمات. عمّان: دار الإعصار العلمي للنشر والتوزيع،.2020 الغنام، نعيمة إبراهيم. "نظرية التدخل في الأزمات". الشبكة الإقليمية للمسؤولية الاجتماعية. في:
قاعي، هيام. "تطور العمل الاجتماعي في لبنان". ورقة قُدمت في مؤتمر "توطين مهنة العمل الاجتماعي في الدول العربية". تنظيم الجامعة اللبنانية وجامعة اليرموك والجامعة الألمانية الأردنية وجامعة FHWS
المساعدة، ماجد عبد المهدي. إدارة الأزمات: المدخل – المفاهيم – العمليات. عمّان: دار الثقافة
مهنا، كامل ومصطفى حجازي. دور منظمات المجتمع المدني في مواجهة المخاطر التي تتعرض لها
ناصر، دحان حزام. إدارة الأزمات بين النظرية والتطبيق. الإسكندرية: دار الكتب والدراسات العربية،
النويسة، فاطمة. الضغوط والأزمات النفسية وأساليب المساندة. عمّان: دار المناهج للنشر والتوزيع،
الأجنبية
Alkaabi, Ibrahim M., Kaltham Alkuwari & Yousif S. Mahdi. "Cultural Variations in Job Burnout in a Social Work Setting: A Cross–Cultural Comparison in Six Arab Cultures." Journal of Social Science for Policy Implications. vol. 8, no. 2 (December 2020). Coady, Nick & Peter Lehmann (eds.). Theoretical Perspectives for Direct Social Work Practice: A Generalist–eclectic Approach. Berlin: Springer, 2016. "Global Definition of Social Work." International Federation of Social Work. 6/8/2014. at: https://tinyurl.com/mpwutszf Gómez–García, Rogelio, Jezabel Lucas–García & Siro Bayón–Calvo. "Social Workers’ Approaches to Ethical Dilemmas." Journal of Social Work. vol. 22, no. 3 (2022). Government of Lebanon. Lebanon Crisis Response Plan 2022–2023. Beirut: 2022. Greer, Jim. Resilience, and Personal Effectiveness for Social Workers. New York: Sage,
Hagues, Rachel et al. "Refugee Social Work in Lebanon: Does the Faith of the Social Worker Provide Support?" Journal of Religion & Spirituality in Social Work: Social Thought. vol. 40, no. 3 (2021). Ivtzan, Itai & Tim Lomas (eds.). Mindfulness in Positive Psychology: The Science of Meditation and Wellbeing. London: Routledge, 2016. Mansfield, Caroline F. (ed.). Cultivating Teacher Resilience: International Approaches, Applications and Impact. Singapore: Springer, 2021. International Labour Organization & Central Administrative Statistics. Labour Force and Household Living Conditions Survey 2018–2019 Lebanon. Beirut: ILO Regional Office for Arab States, 2020. McCusker, Pearce. "Mindfulness in Social Work Education and Practice." Insight. no. 56. The Institute for Research and Innovation in Social Services (IRISS). 8/7/2020. at: https://tinyurl.com/5ectsw38 Nurshahira, Ibrahim et al. "Can Physical Activity and Emotional Intelligence Control Psychological Well–being of Counseling Clients in Malaysia during the Covid–19: Spiritual Intelligence as a Mediator." Journal of Positive School Psychology. vol. 6, no. 2 (2022). "Read the Code of Ethics." National Association of Social Work. at: https://tinyurl.com/5n6kbebk Roßkopf, Ralf & Katharina Heilmann (eds.). International Social Work and Forced Migration: Developments in African, Arab and European Countries. New York: Columbia University Press, 2021.
Saher, Norren, Anum Awan & Nimra Nimra. "Winning Success Through Flexible Organizational Culture: A Qualitative Research of a Pakistani Corporation." Journal of Positive School Psychology. vol. 6, no. 9 (2022). Seng, Boon Kheng et al. "Resilience and Stress in Frontline Social Workers during the COVID–19 Pandemic in Singapore." Asian Social Work and Policy Review. vol. 15, no. 3 (2021). "Social Workers’ Ethical Responsibilities as Professionals." National Association of Social Work. at: https://tinyurl.com/3uk92fmb Sumner, Rachel C. & Elaine L. Kinsella. "Grace Under Pressure: Resilience, Burnout, and Wellbeing in Frontline Workers in the United Kingdom and the Republic of Ireland During the SARS–CoV–2 Pandemic." Frontiers in Psychology. vol. 11 (2021). The World Bank. "Beirut Rapid Damage and Needs Assessment (RDNA) – August 2020." 31/8/2020. at: https://tinyurl.com/4ehczj7s Ursano, Robert J., Carol S. Fullerton & Ann E. Norwood (eds.). Terrorism and Disaster: Individual and Community Mental Health Interventions. Cambridge: Cambridge University Press, 2003.