العودة إلى تفاصيل المؤلَّف البرّاني المتجذر، الانعكاسية المتبادلة: نحو أنثروبولوجية للضيافة

البرّاني المتجذر، الانعكاسية المتبادلة: نحو أنثروبولوجية للضيافة

Rooted Outsiders, Intersubjective Reflexivity: Towards an Anthropology of Hospitality

محمد ابلا| Mohamed Oubella *

الملخّص

عنوان الكتاب : البرّاني المتجذر، الانعكاسية المتبادلة: نحو أنثروبولوجية للضيافة . المؤلف : عثمان لكعشمي. الناشر : الدار البيضاء: أفريقيا الشرق. سنة النشر : 2024. عدد الصفحات : 194.

Abstract

PhD Researcher in Sociology, Faculty of Humanities and Social Sciencies, Ibn Tofail University – Kenitra, Morocco. Email: muhaoubella66@gmail.com

الكلمات المفتاحية:
  • دكالة
  • التجربة الإثنوغرافية
  • البراّني المتجذر
  • الانعكاسية المتبادلة
  • أنثروبولوجيا الضيافة
Keywords:
  • Doukkala
  • Ethnographic Experience
  • Rooted Outsider
  • Intersubjective Reflexivity
  • Anthropology of Hospitality

عنوان الكتاب: المؤلف: عثمان لكعشمي. الناشر:

الدار البيضاء: أفريقيا الشرق. سنة النشر: عدد الصفحات:

Rooted Outsiders, Intersubjective Reflexivity:

Towards an Anthropology of Hospitality

البرّاني المتجذر، الانعكاسية المتبادلة: نحو أنثروبولوجية للضيافة.

مقدمة

يَحظَ موضوع الضيافة في الكتابات لم

السوسيو–أنثروبولوجية حول المغرب، سواء التي كتبها باحثون أجانب أم مغاربة، بالقدر نفسه من الاهتمام الذي حظيت به باقي الموضوعات، من قبيل الحياة الدينية والثقافية والديناميات القبلية وغيرها؛ حيث بقي حضور الضيافة مرتبطًا بموضوعات أخرى بعينها، مثل الطقوس والمعتقدات المحلية والجماعة التقليدية، وغيرها. وبناءً عليه، يتطلّع كتاب عثمان لكعشمي

البرّاني المتجذر، الانعكاسية المتبادلة: نحو

أنثروبولوجية للضيافة إلى دراسة موضوع الضيافة واستشكاله أنثروبولوجيًا في حالة مغربية بعينها،

هي حالة الضيافة في المجال القبَلي لدكالة. يحاول الكتاب صياغة تأويل أنثروبولوجي للضيافة، من خلال عيش تجربة إثنوغرافية في إحدى قرى منطقة دكالة في المغرب، مستدعيًا

لذلك   ما يتطلّبه المنهج الإثنوغرافي من استراتيجيات بحثية وأدوات منهجية، من قبيل الملاحظة بالمشاركة والمقابلات والحوارات الكثيفة مع فاعلي الضيافة، إضافةً إلى مشاهدة بعض أشرطة الفيديو (الأفلام العائلية) التي توثّق بعض الحالات الطقوسية، مثل الأعراس المحلية وغيرها. وفي الاتجاه نفسه، اعتمد المؤلّف على سيرة حياة رجل قروي، كانت الحجر الأساس في

(((ا نعطي مث ل هنا بعملين أنثروبولوجيين درسا معًا موضوع

الضيافة في اقترانه بالقداسة والطقوس في حالتين ثقافيتين تخصان مجتمعات أمازيغية في جنوب شرق المغرب والأطلس الكبير، هما على التوالي:

Ahmed Skounti, "L’hospitalité Berbère: Prolongements d’un récit Gellnerien," Etudes et Documents Berbères , vol. 24, no. 1 (2006), pp. 201–210; Hassan Rachik, Sacré et sacrifice dans le Haut Atlas marocain (Casablanca: Afrique Orient, 2016).

بناء ميدان البحث وموضوعه ومفهومه الرئيس "البرّاني المتجذر". يرمي الكتاب أيضًا إلى ممارسة ما سمّاه المؤلّف

"الانعكاسية المتبادلة"، وهو اختيار نظري ومنهجي يقوم، من جانب، على تحليل انعكاسي وفينومينولوجي للضيافة كما عاشها الباحث في تجربته الميدانية، من خلال علاقة انعكاسية بين ذاتيته وذوات المشاركين في البحث (ص. 8). ومن جانب آخر، يقوم هذا الاختيار على الفحص النقدي الانعكاسي   للضيافة كما هي حاضرة، بوصفها موضوعًا، في كتابات الأدباء والفلاسفة وعلماء

الأنثروبولوجيا، وفق وضعيات إثنوغرافية ملاحَظة

ومعيشة، ووفق مشاهد سردية مَحكية ومسموعة

(ص. 8) بناءً عليه، يسعى الكتاب عبر فصوله الثلاثة

لتحقيق رهان أساسي، يتجلّى في دراسة الأشكال المحلية للضيافة في دكالة، من خلال وضعيات مجالية وثقافية وتاريخية بعينها. يستكشف الفصل الأول السياق المحلي للضيافة ويرصد أبعادها التاريخية والاجتماعية والثقافية، في حين يكشف الفصل الثاني عن الممارسات المحلية للضيافة كما عاش المؤلّف تجربتها الإثنوغرافية وشارك أعضاء المجتمع المضيف حكاياتهم عنها، ليصل في الفصل الأخير إلى تأويل الأشكال المحلية لالضيافة، وفحصها فحصًا انعكاسيًا متبادل.

أولا: بلاد دكّالة: استكشاف السياق المحلي للضيافة

خصص المؤلّف الفصل الأول "دكّالة جهة ثقافية: ضيافة دكّالة"، للبحث في السياق التاريخي والاجتماعي والثقافي لتشكّل منطقة دكالة مجال البحث. وقد قادته تجربته الإثنوغرافية إلى إعادة تعريفها تعريفًا ثقافيًا بأبعاد أنثروبولوجية، معتمدًا

على ثلاث دراسات إثنوغرافية، تُمثّل كل واحدة منها لحظة مخصوصة ضمن مسار تشكّل المعرفة السوسيو–أنثروبولوجية حول المغرب. فقد ساهم إدمون دوتيفي رسم صورة إثنوغرافية عن الشخصية الثقافية لدكالة (ص. 31)، في حين اتجه ميشو بيلير نحو دراسة الجوانب السوسيوتاريخية للقبيلة، مساهمًا بذلك في تشكيل صورة إثنولوجية،

مكّنته من تأطير دكالة ضمن جهة بعينها، كانت تمثل كونفدرالية قبلية. أمّا ديفيد هارت، فحاول

تمثيل دكالة باعتبارها رابطة قبلية تجزيئية، مستدعيًا

لذلك الخلفية الأنثروبولوجية للنظرية الانقسامية (ص. 32). وقد منحت هذه الصور الإثنوغرافية

(((إدمون دوتي Edmond Doutté (1926–1867)، هو من بين استكشافيةالإثنوغرافيين الأجانب الذين أنجزوا أعم ل

وإثنوغرافية مهمة حول الحياة الاجتماعية والثقافية والدينية لالمغاربة، من ضمنها مثل رحلته الاستكشافية لمراكش، مرورًا

بمجالات قبلية أخرى. –1857(Édouard Michaux–Bellaire  إدوارد ميشو بيلير (((1930)، من أعلام السوسيولوجيا الكولونيالية في المغرب، ويُعّد

من ركائز البعثة العلمية الفرنسية، إذ عيّنته الإقامة العامة الفرنسية في

المغرب مستشارًا في الشؤون الأهلية، في عام 1925، فأنجز أعم ل

مهمة حول المغرب وبناه الاجتماعية والثقافية. (((ديفيد هارت David Hart (2001–1927)، أنثروبولوجي أميركي، قضى فترة طويلة من حياته دارسًا قبائل مختلفة في

المغرب، من قبيل قبائل الريف في شمال المغرب، وقبائل أيت عطا في الجنوب الشرقي، وقبائل أيت باعمران في الجنوب. (((ترتبط النظرية الانقسامية بأعمال عالم الأنثروبولوجيا إرنست غلنر llner rnest Ge E، ويمتد إرثها النظري أيضًا إلى إسهامات

إميل دوركهايم rkheim Emile Du وإيفانس بريتشارد ans Ev tchard Pri. وتعني الانقسامية امتلاك القبائل الهامشية نظامًا داخليًا

يداني ما تقدّمه السلطة المركزية، وبناءً عليه، تُعقد التحالفات

وتُفَكّ بين هذه القبائل في ما يشبه النظام السياسي "اللادولتي"

القائم على التضامن بين الإخوة وأبناء العمومة ضد طرف ثالث، والذي تخضع له الجماعات عند اندلاع الصراعات التي لا يخفف وهجها سوى وجود أنساب أكثر في القبيلة المواجهة. ويعتقد غلنر أن الانقسامية بديل من الدولة المركزية بوصفها تمثلات السكان المحليين عن أنفسهم. للمزيد في هذا الشأن، ينظر: لهواري عدي،

عالِما أنثروبولوجيا في المغرب الكبير: إرنست غلنر – كليفورد غيرتز، ترجمة نوري دريس (الدوحة / بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2023

الثلاث المؤلفَ فرصةً سانحة لاستكشاف دكالة الأنثروبولوجيين؛ المنطقة التي يحظى موضوع الضيافة في حياتها الاجتماعية بمكانة اعتبارية. يقدم المؤلف مفهوم "البرّاني المتجذر" باعتباره

تجسيدًا لوضعية الأجنبي الذي يستقر في القبيلة المضيفة مدةً طويلة، حتى يصبح له فيها جذرٌ، أو

يتجذّر فيها، ومن ثم يصير منهم (ص. 35). وفي الحالة المدروسة، يحيل مفهوم البرّاني المتجذر

إلى اسم شخصي دكالي ومغربي للغريب المتجذر، أو بالأحرى هو الاسم الشخصي المغربي للغريب المحلي (ص. 36). فالبرّاني المتجذر هو ذلك

الإثنوغرافي المحلي (المغربي في هذه الحالة) الذي يدرس مجتمعه (ص. 36)، وبهذا، صار هذا المفهوم تجسيدًا للوضعية الإثنوغرافية للمؤلّف إزاء مكوّنات مجتمع بحثه، كما يعبّر كذلك عن الكيفية

التي استثمر بها المؤلف موقعه الاجتماعي بصفته عضوًا منتميًا إلى مجتمع دكالة، للبحث في موضوع

الضيافة، وجمع أكبر قدر من المعطيات الإثنوغرافية حول موقع الضيافة ضمن حياة أهل دكالة. في هذا الصدد، ينتقد المؤلّف المعرفة الإثنوغرافية التي قدّمها دوتي حول دكالة، وأساسًا

حول الضيافة عند دكالة، متسائل عن الكيفية التي قدّم بها صورته الخاصة بشأنها، بالتركيز على وضعيته الإثنوغرافية بوصفه أجنبيًا طائرًا

كما وصفه (ص. 37). لا يختلف ما قدّمه دوتي عن حال الضيافة في دكالة، وهو يسعى في ذلك لتمرير المشروع الكولونيالي، عمّا طبع أعماله

الأخرى حول المغرب من نفور وأوصاف خاطفة وعابرة عن طبع المغاربة وعاداتهم الاجتماعية؛

(((حسن رشيق، القريب والبعيد: قرن من الأنثربولوجيا

بالمغرب، تعريب وتقديم حسن الطالب (الدار البيضاء / بيروت: المركز الثقافي للكتاب، 2018)، ص.114

إنها بحق أحد مظاهر الخطاب الإثنوغرافي والاستكشافي الكولونيالي حول المغرب الذي تعوزه أهم المقومات النظرية والمنهجية اللازمة لتقديم صورة متكاملة عن الثقافة المغربية ومكوّناتها. يمضي المؤلّف في هذا الفصل بتقديم عناصر مونوغرافية عامة حول منطقة البحث: سايس دكالة، منطلقًا من التعريف بموقعها الجغرافي ضمن بلاد دكالة، وحدودها المجالية وتنظيمها الترابي (ص. 46)، وما يتعلق باقتصادها القروي وأحوال عيش سكانها (ص. 50)، وصول إلى ما يطبع حياة ساكنتها الاجتماعية والثقافية من خصوصيات كاشفة عن منزلة الضيافة في حياتهم اليومية.

ثانيًا: الضيافة بصفتها تجربة مَعيشة

يُفرد المؤلف الفصل الثاني "فينومينولوجيا

الضيافة: من ضيافة إثنوغرافي إلى إثنوغرافيا الضيافة" للحديث عن تجربته في ميدان الضيافة، وعن تفاصيل انخراطه المباشر في هذا الميدان، تُعدّ واصفًا بذلك تجربته الميدانية المجسّدة التي

في هذا المقام تعبيرًا عن التزامه الإثنوغرافي بتعبير

دانييل سيفاي. واستهل الفصل باستراتيجيات ولوج الميدان والإقامة فيه، بما رافقها من ترتيبات منهجية تقتضيها أيّ ممارسة إثنوغرافية ترنو إلى

الانغماس في السياق المَعيش للضيافة، أو أيّ

تجربة مَعيشة أخرى. وقدّم تأملات انعكاسية مهمّة

تخصّ علاقته بمكوّنات مجتمع الدراسة، حيث

كشف موقعه الاجتماعي، بصفته عضوًا منتميًا إلى

المجتمع الذي يدرسه، وضعيةً إثنوغرافيةً مؤسسة

(7) Daniel Cefaï, L’engagement ethnographique (Paris: Editions EHESS, 2010), p. 7.

للموضوع المعني بالبحث والدراسة (ص. 70)، وهي الوضعية التي تظهر بمنزلة تمرين منهجي اختبر فيه المؤلف قدرته على المزاوجة بين موقعه الاجتماعي المنحدر من أهل القبيلة التي يدرسها، وموقعه الأكاديمي بصفته باحثًا معنيًا بتنفيذ

المخطط المنهجي لعمله الميداني. ساهمت الممارسة الانعكاسية المتمخضة عن هذه الوضعية الإثنوغرافية في بناء مفهوم إجرائي ناشئ عنها، هو "البرّاني المتجذر"، وهو المفهوم

المركزي الذي يصف بكثافة موقع المؤلف إزاء مجتمع البحث وموضوعه معًا. وأدى انغماسه في ميدان الضيافة إلى توسيع الأفق الإثنوغرافي للبحث، حيث لم يقتصر على دوار "المويسات" مج ل للبحث الميداني، بل وسّع من دائرة

ميدان الضيافة، ليشمل مدينة الجديدة، حاضرة بلاد دكالة، حتى يتسنّى له استقراء نتائجه على المستوى الجهوي، مع الأخذ في الحسبان حركة الذهاب بين الجديدة (الميدان الثاني) ودوار المويسات (الميدان الأول) (ص. 85). وقد خلّفت هذه الاختيارات المنهجية الناشئة عن التجربة الميدانية نوعًا من التوتّر الذي أدى في الأخير إلى ما سمّاه "الانعكاسية المتبادلة" بين الموضوع

والذات، وبين الموضعة والتذويت (ص. 86). وهكذا عمل على بناء ميدانه، ونسج علاقة تذاوتية مع موضوعه. يقدّم المؤلف موضوع الضيافة باعتباره موضوعًا انعكاسيًا ناتجًا من تجربة معيشة، معبّر عنها

في هذا الإطار بضيافة الإثنوغرافي (ص. 100). ويذهب في الجزء الأخير من الفصل إلى استقراء الأشكال المحلية للضيافة، كما عاشها واستفهمها وشارك في حياكة معناها عبر مجالسته المشاركين في البحث ومؤانستهم (ص. 103)

عاين المؤلف الكثير من أشكال الضيافة في منطقة سايس دكالة، وفي دكالة بصورة عامة، فقام بتصنيفها وترتيبها، من ضيافة دوار إقامته إلى ضيافة السوق، ومن ضيافة فقيه الشرط إلى ضيافة الصلحاء، ومن ضيافة الأعراس إلى ضيافة المآتم، ومن الضيافة المنزلية إلى ضيافة الجماعة التقليدية (ِلجْماعة)، ومن ضيافة الأحياء

إلى ضيافة الأموات (ص. 103). واقتصر في هذا المقام على ثلاثة أشكال من الضيافة، هي أول، ضيافة "الزرورة" التي تحيل إلى شكل اقتصادي للضيافة  (ص. 108). وثانيًا، ضيافة الشرفاء،

بما هي ضيافة ثقافية وأكثر أشكال الضيافة تقديسًا

لدى أهل دكالة (ص. 110)، ويعمل هذا الشكل على تحويل مقدس للبرّاني إلى جوّاني، ومن ثم

إلى برّاني متجذر (ص. 119). إن القداسة التي

تقوم عليها ضيافة الشرفاء في هذه الحالة، تختزن بكثافة الأبعاد الثقافية والرمزية للضيافة ببلاد دكالة. يتناول المؤلف في آخر الفصل شكلثالثًا ا للضيافة، هو ضيافة "الغضْبانْ" (اسم آخر للبرّاني

المتجذر)، وهي عبارة عن سيرة حياة برّاني، تحوّل

بفعل الامتناع عن استضافته ورفض تضييفه من رجل قروي مستقر (متجذر)، إلى غريب متجذر "غضبان" (ص. 126). وعلى هذا، حاول المؤلف تبيان أن الضيافة القروية ليست وحدها التي تخلق الروابط الاجتماعية وتساهم في نشأة الحياة الاجتماعية القروية، بل إن الامتناع عن الضيافة هو الآخر فعل تأسيسي للحياة الاجتماعية، مثلما تُظهر ذلك سيرة الغضبان الذي أدى امتناع القرويين عن ضيافته إلى إعادة تشكيل حياة اجتماعية جديدة، كما هي متجلية في تأسيس دوار الغضبان (ص. 126)

ثالثًا: البرّاني المتجذر: نحو أنثروبولوجيا للضيافة

يركّز المؤلف في بداية الفصل الثالث (الأخير) على التأصيل اللغوي لكلمة "الضيافة"، وعلى تاريخية مفهوم الضيافة، وموقعه ضمن الفلسفة واهتمامات علماء الأنثروبولوجيا، مع الوقوف عند بعض مفارقاته. لا تقلّ ضيافة لسان العرب عن نظيرتها في لسان العجم، من حيث درجات المفارقة، حيث تُحيل هذه الأخيرة إلى ضيافة البرّاني (الغريب) (ص  139 تقوم)، في حين

الضيافة عند العرب على الكرم، وعلى نحو مقدس (ص. 141) يقوم المفهوم الفلسفي للضيافة على مجموعة من المفارقات، فهو يراوح بين المعنيين السياسي والقانوني، مثلما يُظهر ذلك المفهوم

الكانطي للضيافة الذي يؤسّس عنده على الحق

الكوسموبوليتي  (ص. 143)، ومعناه أن عموم الناس لديهم الحق في الضيافة. وعلى النقيض من ذلك، يقوم مفهوم جاك دريدا Jaques Derrida للضيافة على البعد الإيتيقي غير المشروط (ص. 145) سعى المؤلف لاستخلاص المفهوم الأنثروبولوجي للضيافة من عمل مارسيل موس Marcel Mauss بحث في الهبة، وذلك باستدعائه الطابع الإلزامي الذي يميّز نظام التبادل، كما كشف عنه

موس (ص. 148)، لينتهي إلى ما سمّاه الضيافة

(((أراسيلي غونزاليس فاسكيز، ضيافة الإنس للجن: مشاهد

ميكروية طقوسية وإيكوصوفية لدى جبالة في شمال المغرب، ترجمة عثمان لكعشمي (الرباط: مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، 2024)، ص.8 (((مارسيل موس، بحث في الهبة: شكل التبادل وعلته في

المجتمعات التقليدية، ترجمة المولدي الأحمر (بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.)2011

الإلزامية، كنايةً عن الطابع الإلزامي لنظام التبادل الذي جعل من الضيافة علاقةً اجتماعيةً تقوم على تعالق متبادل بين الإلزامات الثلاثة؛ وهي تقديم الضيافة، فقبول الضيافة، ثم ردها (ص. 152) يحظى موضوع الضيافة في الكتابات الأنثروبولوجية المعاصرة بقدر من الاهتمام، وفق ما يَبرز في الكثير من الدراسات التي خصّته

بمتابعة أنثروبولوجية جادة، منها مثلدراسة ا الأنثروبولوجي الفرنسي ميشيل أجيي البرّاني

الوافد: إعادة التفكير في الضيافة التي دعا من خلالها إلى إعادة التفكير الأنثروبولوجي في مفهوم الضيافة، وفي إضفاء الطابع الأنثروبولوجي أيضًا على الغريب، باعتباره برّانيًا وافدًا (ص. 170).

وذلك تأكيد على عودة الأنثروبولوجيا في الميتروبول إلى دراسة الآخر في قلب مجتمعاتها، بعدما كانت تتمركز اهتماماتها الأولى حول دراسة الآخر خارج الميتروبول (ص. 171) وهذا يدعو إلى التساؤل حول موضوع أنثروبولوجيا الضيافة. في هذا الباب، تهتم أنثروبولوجيا الضيافة بدراسة البرّاني الوافد، على

نحو مركّز، بالكيفية التي تجعل من الغريب ضيفًا وفقًا للرموز الثقافية التي تعود إلى المجتمعات التي تستقبله؛ بمعنى أن الأنثروبولوجي يدرس أساسًا الغريب في مسار تخطّيه عتبة المجتمع

المضيف، مرورًا بكيفية نيله حق الإقامة، وصول

إلى الوضعية التي تمحو فيها هذه العتبة وضعيته بصفته غريبًا (ص. 174). وعلى نحو أدق، يصف

الأنثروبولوجي الحدود التي تحدّ من إمكانية جعل الغريب ضيفًا، ويعمل على تصنيف أشكالها ومقارنتها إثنولوجيًا، ومن ثم يعمل على

(10) Michel Agier, L’étranger qui vient: Repenser وسكنية. l’hospitalité (Paris: Seuil, 2018).

تحليلها وتأويلها (ص  174 المؤلف). ويقف في نهاية هذا الفصل، بتفصيلٍ، عند بعض أشكال الضيافة في مجتمع الدراسة، بالكشف عن أبعادها الأنثروبولوجية. فإذا كانت ضيافة "الخيمة" تقوم على دعوة عائلية خاصة، فإن ضيافة الدوار هي ضيافة عمومية، على الرغم من تداخلهما في بعض الأحيان (ص. 176). في تُعدّ ضيافة فقيه الشرط من بين أهم أشكال حين الضيافة في الحالة المدروسة. فهي ضيافة مشروطة وغير متكافئة تبادليًا، من حيث إن

إكرام الفقيه يرتبط بوظيفته الدينية والاجتماعية والرمزية (ص. 180)، حتى إن كانت هذه الضيافة تظهر من زاوية نظر أخرى؛ ضيافة غير مشروطة تبعًا للطابع المقدس الذي يحكمها. في الحصيلة، يمكن إعادة تعريف الضيافة باعتبارها "علاقة اجتماعية تقوم على نوع من التعالق المتبادل بين جملة من الالتزامات الانعكاسية، التي لا تخضع بالضرورة لمنطق إجباري يتجاوز إرادة الفاعلين فيها، وحرية اختياراتهم وحساباتهم العقلانية، أكانت حسابات مادية أم رمزية، ولو كانت ضيافة مقدسة" (ص. 182). وتعتبر الضيافة، بحسب المؤلف، تمرينًا أنثروبولوجيًا انعكاسيًا،

يمكّن الباحث في العلوم الاجتماعية مما يسميه إيمانويل ليفيناس Emmanuel Levinas الانحناء إلى المجال البين–ذاتي، أي ذلك المجال الذي لم يصغِ إليه بعد علماء الاجتماع وغيرهم بالقدر الكافي (ص. 185) استنادًا إلى ما سبق، يمكن تعريف الأنثروبولوجي بوصفه برّانيًا متجذرًا، وبعبارة أخرى، ضيفًا

محترفًا (ص. 186)، وهو ما يجعل من الضيافة

(((1 الخيمة هنا تمثل وحدة اجتماعية وديموغرافية (العائلة)

شرطًا ضروريًا للممارسة الأنثروبولوجية، خاصة

عندما يتعلق الأمر بأبحاث إثنوغرافية تقوم على الملاحظة بالمشاركة والانخراط في التجربة المعيشة. ويعطي المؤلف هنا مث لبالحالة ا المغربية التي يتطلّب إجراء البحث الميداني في قُراها، في بعض الأحيان، المكوث في المسجد أو عند أهل الدوار أيامًا (ص  186 هكذا).،

إذًا، يحاول المؤلف إظهار أنّ تاريخ الممارسة الأنثروبولوجية في المغرب إنما هو تاريخ لضيافة الأنثروبولوجي.

خاتمة

مع المادة المعرفية الغنية التي يقدّمها تفاعل الكتاب، لا شك في أن القارئ قد لاحظ ما بذله صاحبه من جهد طوال صفحاته، في أن يجعل من تجربته الإثنوغرافية الواعدة بميدان الضيافة موضوعًا للتفكير الانعكاسي، على النحو الذي يكشف باستمرار عن تلك العلاقة التي حكمت المؤلف/ الباحث بموضوع بحثه وعناصر مجتمع البحث أيضًا. وهو تقليد منهجي سار عليه إثنوغرافيون وأنثروبولوجيون كثر ممن درسوا الحياة الاجتماعية والثقافية للمغاربة. تبرز قيمة الكتاب في طبيعة الاختيارات المنهجية المتّبعة، وأساسًا في محاولته الاستفادة، بإبداع، من

وضعه إزاء مجتمعه الدراسي في مكوّناته وأبعاده

المختلفة؛ وضع يُراوح بين كونه عضوًا ذا جذر

في المجتمع الذي يدرسه من جهة، وكونه باحثًا إثنوغرافيًا يسعى لدراسة موضوع الضيافة، حيث

يضع الباحث نفسه موضوعًا لهذه الضيافة من جهة أخرى. وقد أشار الباحث الأنثروبولوجي المغربي حسن رشيق إلى ما يطرحه الموقع الاجتماعي لأيّ باحث إثنوغرافي يدرس مجتمعه الخاص،

من التباس يبقى محفوفًا بالعثرات المنهجية، إلى الحد الذي يتأثر منتوجه الإثنوغرافي بموقعه هذا؛ إذ يحصل أن يتماهى الباحث مع مكوّنات

ميدان الدراسة، حيث يصل أحيانًا إلى عدم التوفيق بين مهماته بصفته باحثًا، ودوره عضوًا

في المجتمع الدراسي. في هذا الباب، استطاع المؤلف باقتدار الاستفادة من موقعه الاجتماعي على نحو مثير للاهتمام، وهو ما تجسّد مثل في

توليده مفهوم "البرّاني المتجذر". غير أن الكتابة

الأنثروبولوجية التي آل إليها هذا العمل، نجدها في بعض لحظات البناء متأثرةً بخاصيات انتماء الباحث إلى المجتمع الدراسي. ولذلك، فإن الانتماء إلى ميدان البحث، بالقدر الذي يشكّل موردًا مهمًا للباحث، من حيث إنه يسهّل عمليات

ولوج الميدان بسلاسة، والانغماس فيه، إّلا أنه يمارس نوعًا من الإكراه في بعض الأحيان،

خاصةً حينما يتعلق الأمر ببحث إثنوغرافي، وهو ما يتطلب قدرًا من المسافة والإدارة الذاتية. إننا أمام مسألة تطرح نفسها بقوة على مسرح العلوم الاجتماعية، تتصل بما يواجهه المختصون في هذه العلوم من مشكلات تحيط بعلاقة الذات بالموضوع، وتدعو إلى التساؤل عن الكيفية التي يتسنّى بوساطتها لعلماء الاجتماع والأنثروبولوجيا

التوفيق بين الانغماس في الحياة الاجتماعية للمشاركين في البحث، والابتعاد بمسافة عن الموضوع المدروس. وفي هذا السياق، عُرف يحضرنا قول لأحد علماء الاجتماع الذين

عنهم الإعلاء من شأن عدم حياد الباحث وتعدديته،

(12) Hassan Rachik, Devenir anthropologue chez soi: Interpréter sa propre culture (Casablanca: La Croisée des Chemins, 2021), p. 390.

(((1 عبد  الكريم قدوري، دعائم الأنثروبولوجيا: النظريات

والمفاهيم الأساسية (وهران: ابن  النديم للنشر والتوزيع، 2023)، ص.26

وهو بيير بورديو Pierre Bourdieu الذي يقول: إنّ "عالم الاجتماع ليس لديه فرصة للنجاح في عمله المتمثل في الموضعة ما لم يكن القائم بالملاحظة ملحوظًا في نفس الوقت، وخاضعًا

للموضعة". وعلى هذا النحو يبقى التفكير الانعكاسي أنجع أدوات الباحث الأنثروبولوجي والسوسيولوجي في هذه الحالات. يُعدّ هذا الإسهام نوعًا من التفاعل غير المباشر مع

العمل المهم للأنثروبولوجي المغربي حسن رشيق القريب والبعيد الذي خصّه لمراجعة المنجز

الأنثروبولوجي حول المغرب مراجعنسقية ة تركيبية. خاصةً أن المتن يستحضر بعض المفاهيم والأطر التحليلية التي استعملها رشيق (مثلًا مفهوم الوضعية الإثنوغرافية)، كما أن المؤلف بقي يواصل اختبار وضعيته الإثنوغرافية على نحو معتبر. إننا إذًا، أمام عمل تبرز قيمته المعرفية في وعي صاحبه بمسألة الوضعية الإثنوغرافية للأنثروبولوجيين الذي درسوا المجتمع المغربي، ويهمّنا هنا علاقة هؤلاء بالمجال الذي درسوه

واختاروه فضاءً للبحث، فضل عما حكم ذلك

من محددات منهجية ونظرية (مثل مدة الإقامة والموقع الاجتماعي للباحث). نضيف إلى ذلك أن الباحث قد اجتهد في النظر إلى الأنثروبولوجي الأجنبي، وكذا إلى نظيره المحلي، على   أنهما ضيفان لدى المجتمع المدروس، وهي بمنزلة أطروحة تستحق منه المزيد من الحفر في بنائها المعرفي، وفي التمثيل عنها بنماذج من الباحثين الأنثروبولوجيين الأجانب والمغاربة على حد سواء. ومن المهم كذلك الانفتاح، بالكثير من التفصيل، على مفاهيم واجتهادات

(((1 المرجع نفسه، ص.27

أسفل.

(((1 ينظر: رشيق.

أخرى، تهمّ الكرَم مثل، خاصة في المجتمعات

المغاربية والعربية القديمة، حيث تتجذر ثقافة الكرَم، وحيث تعتبر قبائل دكالة في المغرب

(مجال هذا البحث) سليلة هذه المجتمعات القديمة، مع ربط ذلك بالمستجدات الاجتماعية والثقافية الحديثة الراهنة، بعدما تلاشت  البنى والتنظيمات الاجتماعية التقليدية لمصلحة بنى ماوضوابط جديدة قليل  تتوافق مع مرجعيات الكرَم والضيافة، ما عدا بعض السياقات الخاصة

والاستثنائية، من قبيل ضيافة الغريب من الموطن نفسه في سياق الهجرة مثل. وبالعودة إلى ما يتطلّع إليه الكتاب من وعد بصوغ أنثروبولوجيا للضيافة، عبر دراسة الأشكال المحلية للضيافة من منطلق مفهوم تحليلي، هو "البرّاني

المتجذر"، نتساءل: إلى أيّ حد يمكن أن يصير

التأويل الأنثروبولوجي للضيافة الذي خلص إليه هذا الكتاب، عدسةً لدراسة الضيافة في حالات مجتمعية أخرى غير الحالة المدروسة؟ والحال أن الضيافة المدروسة إنما هي ضيافة  قروية. وهو ما يمكن أن تختبر جدّته النظرية والمنهجية دراساتٌ أخرى يتّجه هذا العمل إلى التمهيد لها. إجم ل، يُمثّل الكتاب محل المراجعة إضافةً

نوعية إلى المكتبة الأنثروبولوجية المغربية، والناطقة بالعربية بوجه عام، بما استدعاه  من مقاربات منهجية سالكة، وبما قدّمه من جهد نظري ومعرفي في دراسة موضوع الضيافة، بدا جلًّيًا في اشتباكه مع مجموعة من الكتابات

التي اهتمت بدراسة الضيافة. فضل عن ذلك، فإن استثمار المؤلّف لوضعيته الإثنوغرافية قاده إلى توليد مفهوم "البرّاني المتجذر" من صميم

الممارسة الإثنوغرافية الانعكاسية، وبنائه بناءً من

المراجع

العربية

البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي للكتاب،.2018

دريس. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2023

والتوزيع،.2023

الأحمر. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2011

الأجنبية

References

رشيق، حسن. القريب والبعيد: قرن من الأنثربولوجيا بالمغرب. تعريب وتقديم حسن الطالب. الدار

عدي، لهواري. عالِما  أنثروبولوجيا في المغرب الكبير: إرنست غلنر –  كليفورد غيرتز. ترجمة نوري

غونزاليس فاسكيز، أراسيلي. ضيافة الإنس للجن: مشاهد ميكروية طقوسية وإيكوصوفية لدى جبالة في شمال المغرب. ترجمة عثمان لكعشمي. الرباط: مؤمنون بلا  حدود للدراسات والأبحاث،.2024 قدوري، عبد  الكريم. دعائم الأنثروبولوجيا: النظريات والمفاهيم الأساسية. وهران: ابن  النديم للنشر

موس، مارسيل. بحث في الهبة: شكل التبادل وعلته في المجتمعات التقليدية. ترجمة المولدي

Agier, Michel. L’étranger qui vient: Repenser l’hospitalité. Paris: Seuil, 2018. Cefaï, Daniel. L’engagement ethnographique. Paris: Editions EHESS, 2010. Rachik, Hassan. Sacré et sacrifice dans le Haut Atlas marocain. Casablanca: Afrique Orient, 2016. ________. Devenir anthropologue chez soi: Interpréter sa propre culture. Casablanca: La Croisée des Chemins, 2021. Skounti, Ahmed. "L’hospitalité Berbère: Prolongements d’un récit Gellnerien." Etudes et Documents Berbères. vol. 24, no. 1 (2006).