العودة إلى تفاصيل المؤلَّف المدينة الخليجية والتحولات الحضرية المتسارعة والعولمة: تحليل نقدي لمنطقة القرهود في دبي

المدينة الخليجية والتحولات الحضرية المتسارعة والعولمة: تحليل نقدي لمنطقة القرهود في دبي

The Gulf City, Rapid Urban Transformations and Globalization: A Critical Analysis of Al Garhoud, Dubai

سيمونا أزالي| Simona Azzali *

الملخّص

تشهد مدن الخليج العربي تحضّرًا متسارعًا، ترعاه مشروعات ضخمة تقدّم الترف على حياة عادلة تشمل الجميع. وأفضت هذه المقاربة إلى وضعية ظهرت فيها بضع مفارقات من قبيل ارتفاع أسعار الأراضي، وتراجع في توافر المساكن الميسورة التكلفة، وارتفاع في معدلات الوظائف الشاغرة، والاكتظاظ السكاني. تسلّط هذه الدراسة، عبر اتخاذها مدينة دبي دراسة حالة، الضوء على الكيفية التي تدفع بها العولمة المسوقة برأس المال مدن الخليج العربي إلى منافسة استثمارية غير مستدامة، غاضّةً الطرف عن احتياجات المهاجرين من ذوي الدخل المتوسط والمنخفض، الذين يمثّلون عماد الاقتصاد في المنطقة. وتخلص الدراسة إلى أنّ عمليات التخطيط الحضري الراهنة تخفق في دمج مجتمعات متباينة وخلق هويات حضرية مشتركة. وتدافع عن تحول في النموذج نحو "مدينة للجميع"، مشددةً على تحضّر عادل اجتماعيًا وبيئيًا. وتوصي بضرورة أن يجابه هذا التحوّل تحديات تدهور البيئة، وعدم المساواة، والبؤس، من خلال تغييرات شاملة في تخطيط المدينة وتصم

Abstract

Abstract: Gulf cities are experiencing rapid urbanization, driven by megaprojects that often prioritize prestige over inclusivity. This approach has led to a paradoxical situation of rising land prices, affordable housing shortages, high vacancy rates, and overcrowding. Using Dubai as a case study, the paper highlights how capital– driven globalization is pushing Gulf cities into unsustainable competition for investment, neglecting the needs of medium–and low–income migrants who are crucial to the regionʼs economic model. The current urban planning practices fail to integrate diverse communities and create shared urban identities. The paper advocates for a paradigm shift towards a "city for all", emphasizing socially and environmentally just urbanism. This shift should address challenges such as environmental degradation, inequality, and poverty through comprehensive changes in city planning and design.

الكلمات المفتاحية:
  • دبي
  • المدينة الخليجية
  • الاستدامة الاجتماعية
  • التحضّر العادل اجتماعيًا
  • التخطيط
Keywords:
  • Dubai
  • Gulf City
  • Social Sustainability
  • Socially Just Urbanism
  • Planning

ملخص: تشهد مدن الخليج العربي تحضّرًا متسارعًا، ترعاه مشروعات ضخمة تقدّم الترف

على حياة عادلة تشمل الجميع. وأفضت هذه المقاربة إلى وضعية ظهرت فيها بضع مفارقات

من قبيل ارتفاع أسعار الأراضي، وتراجع في توافر المساكن الميسورة التكلفة، وارتفاع في

معدلات الوظائف الشاغرة، والاكتظاظ السكاني. تسلّط هذه الدراسة، عبر اتخاذها مدينة

دبي دراسة حالة، الضوء على الكيفية التي تدفع بها العولمة المسوقة برأس المال مدن

الخليج العربي إلى منافسة استثمارية غير مستدامة، غاضّةً الطرف عن احتياجات المهاجرين

من ذوي الدخل المتوسط والمنخفض، الذين يمثّلون عماد الاقتصاد في المنطقة. وتخلص

الدراسة إلى أنّ عمليات التخطيط الحضري الراهنة تخفق في دمج مجتمعات متباينة وخلق

هويات حضرية مشتركة. وتدافع عن تحول في النموذج نحو "مدينة للجميع"، مشددةً على

تحضّر عادل اجتماعيًا وبيئيًا. وتوصي بضرورة أن يجابه هذا التحوّل تحديات تدهور البيئة،

وعدم المساواة، والبؤس، من خلال تغييرات شاملة في تخطيط المدينة وتصميمها.

التخطيط.

Abstract: Gulf cities are experiencing rapid urbanization, driven by megaprojects that often prioritize prestige over inclusivity. This approach has led to a paradoxical situation of rising land prices, affordable housing shortages, high vacancy rates, and overcrowding. Using Dubai as a case study, the paper highlights how capital– driven globalization is pushing Gulf cities into unsustainable competition for investment, neglecting the needs of medium–and low–income migrants who are crucial to the regionʼs economic model. The current urban planning practices fail to integrate diverse communities and create shared urban identities. The paper advocates for a paradigm shift towards a "city for all", emphasizing socially and environmentally just urbanism. This shift should address challenges such as environmental degradation, inequality, and poverty through comprehensive changes in city planning and design.

Associate Professor at the Department of Architecture in the Canadian University Dubai. Email: simona.azzali@cud.ac.ae

مقدمة

مرّت مدن الخليج العربي، خلال عقود قليلة ماضية، بتحول مثير، ظهرت فيه بوصفها المناطق

الأسرع نموًا حضريًا على مستوى العالم. وتجسّد مدينة دبي، على نحو خاص، هذا التحضّر

المطّرد. ففي الفترة تموز/ يوليو 2022 – تموز/ يوليو 2023، زاد عدد سكان دبي مئة ألف مقيم جديد. وتشير التقديرات إلى أنّه سيرتفع إلى مليونين ونصف المليون بحلول عام 2040. ويطرح هذا النمو الاستثنائي تحديات تحضّر واستدامة كبيرة، بما في ذلك ارتفاع أسعار العقارات، والازدحام المروري، وعدم المساواة الاجتماعية. وهذا التوسّع المطّرد لمدن الخليج العربي، على غرار مدينة دبي، يقوده تنوع

اقتصادي، واستثمارات حكومية استراتيجية، والعولمة. ويذهب ياسر الششتاوي إلى أنّ هذه العوامل حوّلت، على نحو أساسي، مستوطنات تقليدية صغيرة إلى مراكز حضرية مترامية الأطراف، مغِّيِرةً المشهد

الاجتماعي – الاقتصادي. ويجتذب هذا التحول الاستثمار والسياحة الدولَّيَين نحو اقتصاد الخدمات

ونمو المدن العالمية. لكن هذا النمو الحثيث يفرض تحديات حضرية جسيمة. جرت عمليات التخطيط الحضري لمدن الخليج تحت تأثير طرز عالمية قد لا تتماشى مع البيئات والحاجات المحلية. وثمة مناقشة دائبة تدور حول الحاجة إلى عمليات تخطيط تأخذ في الاعتبار العدالة الاجتماعية، والاستدامة البيئية، وخير المجتمع ورفاهيته. وتتضمّن هذه المناقشة فحص

العلاقة بين استعمال الموارد والتحضّر، واعتبار المقاربات الكلية للنمو الحضري. فعلى سبيل المثال، ثمة تفاوت مهم بين مرحلة التخطيط الرئيسة Master–planning Phase، التي تُناط عادة بمستشارين غربيين، وديناميات الخليج العربي الاقتصادية والثقافية الاجتماعية والبيئية. وأدى هذا الانفصام إلى عدم المبالاة بالأنماط المحلية وافتقار المخطّطين من أبناء الوطن إلى القدرة على تنفيذ التحضّر المستدام على نحو فعال. وكان محطّ تركيز مدن الخليج العربي العديد من المشروعات الضخمة الطموحة، التي سهّلت الحصول على وسائل الراحة الحضرية الحديثة وزيادة السياحة. ومع ذلك، أفضى تنفيذها، من دون الاستناد إلى إطار وطني شامل، إلى تضخّم حضري، وزيادة الازدحام المروري، وتراجع في توافر الإسكان الميسور التكلفة، وتأثر البيئة المحلية. تتميز ديناميات سوق الإسكان في دبي بارتفاع أسعار الأراضي ونقص الإسكان الميسور التكلفة. وفي هذا الصدد، يحاجّ فارد وسديدي بأنّ التركيز على التطويرات الفاخرة، التي تستهدف المغتربين

(1) Waheed Abbas, "Dubai’s Population Grows by Over 25,700 in First Three Months of 2024," Khaleej Times , 1/4/2024, accessed on 9/6/2024, at: https://acr.ps/1L9zQVX (2) Yasser Elsheshtawy, Dubai: Behind an Urban Spectacle (London: Routledge, 2019). (3) M. Pacione, "City Profile: Dubai," Cities , vol. 22, no. 3 (2005), pp. 255–265. (4) Ashraf M. Salama, Spatial Design education: New Directions for Pedagogy in Architecture and Beyond (Farnham: Ashgate Publishing, 2016); Ashraf M. Salama, Architectural education Today: Cross–Cultural Perspectives (Berlin: Springer, 2019). (5) F. Fard & M. Sadidi, "Housing Affordability in Gulf Cities: The Role of Public Policies," Housing Studies , vol. 36, no. 2 (2021), pp. 254–273.

والمستثمرين الأثرياء، أدى إلى إهمال سكن المقيمين من ذوي الدخل المتوسط والمنخفض؛ ما أدى إلى تفاوتات كبيرة في الإسكان، حيث تظل العقارات الفاخرة شاغرةً بينما تواجه الأسر ذات الدخل المنخفض ظروف العيش المكتظ. وفي حين تشكّل المشروعات الحضرية الضخمة محورًا

لاستراتيجيات التنمية في مدن الخليج وتصَّمَم لتعزيز النمو الاقتصادي والهيبة العالمية، فإنها تؤدي

إلى تفاقم التشظي الاجتماعي وتهجير المجتمعات المحلية. وإضافة إلى ذلك، يمثّل التأثير البيئي

الناتج من التوسع الحضري الحثيث في مدن الخليج مصدرَ قلقٍمتناميًا، بما في ذلك قضايا من قبيل

التلوث وفقدان المساحات الخضراء وزيادة وتيرة استهلاك الطاقة. وفي ظل التحديات المرتبطة بالعدالة الاجتماعية، وتماسك المجتمع، ودمج السكان المهاجرين، تحظى الاستدامة الاجتماعية بأهمية بالغة. ومن شأن إهمال هذه الجوانب أن يؤدي إلى زيادة التوترات في المجتمع وتدهور البيئة. تروم هذه الدراسة بحث قضايا التنمية الحضرية، عبر استعمال منطقة القرهود في مدينة دبي دراسة حالة. وتستكشف، من خلال الزيارات الميدانية والملاحظات والمقابلات، ديناميات أسعار الأراضي، والقدرة على تحمّل تكاليف الإسكان، ومعدلات الإشغال في أنواع مختلفة من العقارات، وكثافة

الإسكان عبر مستويات الدخل المختلفة. وتسعى للإسهام في الخطاب الراهن عن التخطيط الحضري في مدن الخليج، مع الأخذ في الاعتبار تحديات الإدارة البيئية، والتفاوتات الاجتماعية والاقتصادية، والفقر الحضري. وتختتم بمناقشة الاعتبارات السياسية المحتملة، وفحص العلاقات بين الشكل الحضري والكثافة والديناميات الاجتماعية في سياق النمو المستمر لمدن الخليج.

أولا: حركة التحضّر في مدن الخليج والإسكان الميسور التكلفة

تناولت مجموعة واسعة من الأدبيات المتعددة الأوجه حركة التحضّر في مدن الخليج العربي والتحديث المرتبط به، المتمثل في الإسكان الميسور التكلفة. وفي هذا الصدد، يستكشف هذا المبحث ديناميات النمو الحضري، والتفاوتات في سوق الإسكان، وتأثير المشروعات الحضرية الضخمة، والحاجة إلى التخطيط الحضري المستدام في منطقة الخليج العربي. كانت حركة التحضّر الحثيثة لمدن الخليج، ولا سيّما دبي، محورًا لبحوث أكاديمية مكثفة. فمثلًا،

يلقي الششتاوي الضوء على كيفية مساهمة التنوع الاقتصادي والعولمة والاستثمارات الحكومية

(6) Ahmed Kanna, Dubai, the City as Corporation (Minneapolis: University of Minnesota Press, 2011). (7) N. Hourani & A. Sussman, "Rethinking the Urban Frontier: Perspectives from the Gulf," International Journal of Urban and Regional Research , vol. 39, no. 2 (2015), pp. 381–398. (8) P. Mehta, & P. Kumar, "Environmental Sustainability in the Gulf Region: A Review of Challenges and Opportunities," Environmental Research , vol. 187 (2020). (9) Sharon Nagy, "Making Room for Migrants, Making Sense of Difference: Spatial and Ideological Expressions of Social Diversity in Urban Qatar," Urban Studies , vol. 43, no. 1 (2006), pp. 119–137. (10) Elsheshtawy.

الاستراتيجية، في تحوّل هذه المدن من مستوطنات تقليدية صغيرة إلى مراكز حضرية مترامية

الأطراف؛ ما أسفر عن تغييرات اجتماعية واقتصادية كبيرة، منها التحول نحو اقتصاد أكثر توجهًا نحو

الخدمات وإنشاء مدن عالمية تجذب الاستثمار والسياحة الدولية. تتسم ديناميات سوق الإسكان في مدن الخليج بارتفاع أسعار الأراضي ونقص الإسكان الميسور التكلفة. وفي هذا الشأن، يزعم فارد وساديدي أنّ التركيز على التطويرات الفاخرة التي تهدف إلى جذب المغتربين والمستثمرين الأثرياء أدى إلى إهمال الإسكان الميسور التكلفة لذوي الدخل المتوسط والمنخفض، نجم عنه تفاوت كبير في الإسكان؛ إذ ظلت العقارات الفاخرة شاغرةً في حين تواجه الأسر ذات الدخل المنخفض ظروف العيش المكتظ. يسلط بن يحيى الضوء على الدور المحوري الذي تضطلع به المشروعات الحضرية الضخمة في تشكيل مدن الخليج، ويحاجّ بأنه على الرغم من أنها تساهم في تعزيز النموّ الاقتصادي

وزيادة الشهرة العالمية، فإنّها غالبًا ما تخفق في معالجة الاستدامة الحضرية، وفي شمول الجميع

Inclusivity، وبأنها باتت سمة ممِّيِزة لاستراتيجيات التنمية في هذه المدن. وغالبًا ما ترعى الدولة

هذه المشروعات، وهي مصَّمَمة لتعزيز النمو الاقتصادي والهيبة العالمية. ومع ذلك، يمكن

أن تؤدي، كما يلاحظ حوراني وسوسمان، إلى تعاظم التشظي الاجتماعي وتهجير المجتمعات المحلية؛ الأمر الذي يهمّش العمال المهاجرين والمقيمين من ذوي الدخل المنخفض.

ويذهب كوهين إلى أنّ هذه الحصرية توسّع التفاوتات الاجتماعية في مدن جنوب العالم، حيث

تعطي المشروعاتُ المستثمرين الدوليين الأفضليةَ على احتياجات المجتمع المحلي. ويشدد زو وسيم، على نحو مماثل، على الكيفية التي تقوم بها المشروعات الضخمة بعولمة مناطق المدن، ولكن على حساب تهجير السكان الضعفاء. غالبًا ما يترك التركيز على الأمكنة السكنية والتجارية الراقية مساحة ضئيلة للتنمية الشاملة الموجهة

نحو المجتمع. ويقدّم هانيه منظورًا نقديًا لديناميات الطبقة داخل مدن الخليج، ولا سيّما الطرائق

(11) Pacione. (12) Fard & Sadidi. (13) Kanna. (14) L. Benyahya, "The Impact of Mega Projects on Urban Sustainability in the Gulf," Sustainable Cities and Society , vol. 56 (2022), pp. 102–115. (15) Hourani & Sussman. (16) Kanna; Y. Zhang & L. Tian, "Urban Transformation and Social Inequalities in the Global South: The Case of Dubai," Urban Studies , vol. 57, no. 8 (2020), pp. 1721–1740. (17) Barney Cohen, "Urbanization in Developing Countries: Current Trends, Future Projections, and Key Challenges for Sustainability," Technology in Society , vol. 28, no. 1–2 (2006), pp. 63–80. (18) Y. Zhu & L. Sim, "Globalizing City Regions: The Role of Urban Mega Projects," Habitat International , vol. 64 (2017), pp. 78–88. (19) K. Alawadi & S. Benkabbour, "Urban Growth and Planning in the Gulf: The Case of Dubai," Journal of Urban Affairs , vol. 45, no. 3 (2023), pp. 405–423.

التي ثَّبَتت بها الرأسمالية التراتبيات الاقتصادية والاجتماعية. صحيح أنّ تدفق الاستثمار الأجنبي

أدى إلى تحفيز النمو الاقتصادي، لكنّه عزز أيضًا المشهد الحضري المجَّزَأ الذي يعطي النخبة الأولوية. ويتماشى هذا الشعور مع فكرة لوفيفر عن "إنتاج المكان " The Production of Space، حيث تعكس البيئات الحضرية الأولويات الرأسمالية على حساب العدالة الاجتماعية وتعيد إنتاجها. فالعمّال المهاجرون، الذين غالبًا ما يُستَبعدون من الحياة الحضرية السائدة، يقطنون

في مساكن دون المستوى، ويكابدون التهميش الاجتماعي والمكاني؛ ما يؤدي إلى تفاقم الإقصاء الاجتماعي. وتؤكد ساسكيا ساسين أنّ دبي تجسّد ظهور المدن العالمية التي تعمل بوصفها

مراكز لتدفق رأس المال والعمالة الدولية. ومع أن هذا التموضع العالمي يعزز الفرص الاقتصادية، فإنّه يعمل أيضًا على تكثيف التحديات الحضرية مثل عدم المساواة في الانتفاع بالسكن والخدمات والأماكن العامة. وينتقد نزار الصياد، إضافةً إلى ذلك، الكيفية التي تهمل بها حركة التحضّر السريعة في العالم العربي المجتمعات غير الرسمية، مشجعةً عمليات التخطيط التي تفضّل التنمية التي تقودها النخبة. وتعكس هذه الديناميات أنماطًا أوسع من عدم المساواة الحضرية في المناطق النامية. تثير حركة التحضر المطّرد لمدن الخليج مخاوف بيئية كبيرة، ويشير ميهتا وكومار إلى تحديات مثل التلوث، وتناقص المساحات الخضراء، وارتفاع استهلاك الطاقة. ومن هذه التحدّيات، تبرز الاستدامة البيئية في مدن الخليج على نحو خاص بسبب الظروف المناخية القاسية والاعتماد على أنظمة التبريد الكثيفة الاستهلاك للطاقة. في حين يساهم البناء السريع للمباني الشاهقة والاستخدام الكثيف لتكييف الهواء في ارتفاع استهلاك الطاقة وانبعاثات الكربون. وإضافةً إلى ذلك، تخلّف مشروعات إنشاء الجزر الاصطناعية والواجهات البحرية آثارًا بيئية جسيمة، تشمل تدمير الموائل Habitats وتغيير النظم البيئية الساحلية Alteration of Coastal Ecosystems. وفي ضوء الضغوط البيئية، تدعو حنان طالب وستيف شاربلز إلى التنمية السكنية المستدامة المصَّمَمة خصيصًا للظروف المحلية. لكنّ

المناخ القاسي لمدن الخليج العربي يتطلب بنى تحتية حضرية كثيفة الاستهلاك للطاقة؛ ما يزيد من انبعاثات الكربون ويضغط على الموارد.

(20) Adam Hanieh, Capitalism and Class in the Gulf Arab States (New York: Palgrave Macmillan, 2011). (21) Henri Lefebvre, The Production of Space (Oxford: Blackwell, 1991). (22) Nagy. (23) Saskia Sassen, The Global City: New York, London, Tokyo (Princeton: Princeton University Press, 2013). (24) Nezar Al–Sayyad, "Urban Informality in the Arab World: A Case for Rethinking Planning Practices," Cities , vol. 85 (2018), pp. 187–195. (25) Cohen; Roger Zetter & Mohammed Hamza, Market Economy and Urban Change: Impacts in the Developing World (London: Earthscan, 2004). (26) Mehta & Kumar. (27) Hanan M. Taleb & Steve Sharples, "Developing Sustainable Residential Buildings in Saudi Arabia: A Case Study," Applied Energy , vol. 88, no. 1 (2011), pp. 383–391.

تحظى الاستدامة الاجتماعية، التي تواجه عقبات مثل العدالة الاجتماعية وتماسك المجتمع ودمج السكان المهاجرين، بالأهمية نفسها تمامًا. فقد أدى تدفق العمال المهاجرين، الذين يشكّلون العمود الفقري

لقطاعات البناء والخدمات، إلى تطوير مناطق معيشية منفصلة، مع انتفاع محدود بالمرافق الأساسية. ويناقش ناغي كيف تعاني مجتمعات المهاجرين هذه، في كثير من الأحيان، الإقصاء الاجتماعي والافتقار إلى الاندماج في النسيج المديني الأوسع. ولا يؤثّر هذا الفصل في نوعية حياة العمال المهاجرين فحسب، بل يفرض أيضًا تحديات طويلة الأجل أمام التماسك الاجتماعي والاستقرار. تعدّ أزمة الإسكان الميسور التكلفة في مدن الخليج قضية متعددة الأوجه، تعاظمت بسبب حركة التحضر المطّرد والسياسات الاقتصادية التي تعطي التطوير العقاري الفاخر الأولوية. وفي هذا السياق، يسلط فارد وساديدي الضوء على الكيفية التي أدت إلى نقص كبير في الإسكان الميسور التكلفة، نتيجة التركيز على العقارات الفاخرة التي تهدف إلى جذب المغتربين والمستثمرين الأثرياء. وقد أدى تفاوت العرض في الإسكان الفاخر والإسكان الميسور التكلفة إلى عدم المساواة الكبيرة في الإسكان؛ إذ تظل العقارات الفاخرة، التي غالبًا ما يتم تطويرها بوصفها جزءًا من المشروعات الحضرية

الضخمة، شاغرةً بسبب تكلفتها العالية، في حين تواجه الأسر ذات الدخل المنخفض ظروف عيش مكتظة في مناطق أقل جاذبية. ويلاحظ أحمد كَنّا أنّ تقسيم سوق الإسكان يخلق انقسامات اجتماعية،

ويؤدي إلى تفاقم عدم المساواة. فالافتقار إلى خيارات الإسكان الميسور التكلفة يجبر العديد من السكان على العيش دون المستوى؛ ما يؤثر في نوعية حياتهم ورفاهيتهم، كما أنّه يترك آثارًا أوسع

في التنمية الحضرية والاستقرار الاجتماعي. ومع تزايد صعوبة تحمّل تكاليف السكن، قد يضطر

السكان من ذوي الدخل المتوسط والمنخفض إلى الانتقال إلى ضواحي المدن؛ ما يؤدي إلى إطالة مسافات التنقل وزيادة تكاليفه. ومن الممكن أن يؤدي هذا الفصل المكاني إلى ترسيخ الانقسامات الاجتماعية والاقتصادية، ويجعل من الصعب تحقيق مجتمعات حضرية شاملة ومتماسكة. يطرح التخطيط الحضري في مدن الخليج العربي تحديات معقدة، تتطلب تحليلًا ودراسة للسياقات المحلية. وعلى الرغم من تأثير النماذج الدولية في التنمية، فإن فحصها نقديًا من حيث مدى تطبيقها

وفاعليتها في منطقة الخليج ضرورة ملحّة. ويناقش أشرف سلامة الفوائد المحتملة لأساليب

التخطيط الحضري التي تراعي البعد الثقافي والسياقات المحددة، مشيرًا إلى أنّ استراتيجيات التنمية

الحضرية يجب أن تأخذ في الاعتبار العدالة الاجتماعية والاستدامة البيئية ورفاهية المجتمع؛ ومن ثم يقترح إعادة التفكير في العلاقة بين استخدام الموارد والتحضر، والدعوة إلى نهج شامل للتنمية الحضرية.

(28) Nagy. (29) Ibid. (30) Fard & Sadidi. (31) Kanna. (32) Salama, Architectural Education Today. (33) Salama, Spatial Design education.

تشكّل البنية الأساسية للنقل جانبًا رئيسًا من جوانب التخطيط الحضري في مدن الخليج، لكنّ التركيز

الحالي على شبكات الطرق الواسعة النطاق يترك آثارًا ظاهرة في تدفّق حركة المرور وجودة البيئة. وقد تؤثّر التصميمات الحضرية المتأثرة بهذا النهج في إمكانية وصول المشاة وحيوية الأماكن العامة. وغالبًا ما تتضمّن المشروعات الحضرية الواسعة النطاق في مدن الخليج عناصر من الاتجاهات

المعمارية والتخطيطية الدولية. وتثير هذه التطورات، على الرغم من أهميتها المعمارية، تساؤلات حول مدى توافقها مع الاحتياجات الاجتماعية والثقافية المحلية. وثمة جدل بشأن إذا ما كانت هذه

المشروعات تعالج على نحو كافٍ متطلبات السكان المقيمين المتنوعين. ويقترح سلامة أنّ من المفيد إشراك المجتمعات المحلية والأطراف المعنية في عملية التخطيط، بهدف دمج وجهات نظر متنوعة في التصميم الحضري والتنمية. وتستحق النتائج المحتملة لهذه الأساليب التشاركية، المتمثلة في التماسك الاجتماعي وقابلية العيش في المناطق الحضرية، مزيدًا من التحقيق. ومن المهم أن نلاحظ أنّ قضايا التخطيط الحضري هذه معقدة ومتعددة الأوجه، وتقتضي البحث والتحليل المستمَّرّين لفهم

آثارها والحلول المحتملة لها على نحو كامل في سياق مدن الخليج. وتؤكد وجهات النظر المذكورة سابقًا الحاجة إلى إعادة تقييم السياسات الحضرية في مدن الخليج مثل دبي. ومع استمرار تحول المساحات الحضرية في ظل قوى العولمة، تظل معالجة التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية، وعدم المساواة في الإسكان، والمخاوف البيئية، أمرًا محوريًا لتحقيق مستقبل حضري شامل ومستدام.

ثانيًا: المنهجية

تتمحور المنهجية المتّبعة المتعددة المستويات حول دراسة حالة منطقة القرهود، وتجمع بين الأساليب النوعية والكمّية، لضمان فهم شامل لقضايا الإسكان والبنية الأساسية والتكامل الاجتماعي.

1. سياق دراسة حالة: القرهود

تمثّل منطقة القرهود في دبي نموذجًا مصغرًا لدراسة التحديات الحضرية الأوسع التي تواجهها

مدن الخليج ذات النمو السريع؛ فهي منطقة مفعمة بالحياة، تقع شرق دبي، قرب مطارها الدولي (الشكل 1). وتُعرف بأنها تضمّ مزيجًا من المساحات السكنية والتجارية والترفيهية، وتجمع بين نمطَي

المعيشة التقليدية والحديثة. وتتميز بتنوع هندستها المعمارية، من مبانٍسكنية متوسطة الارتفاع وفنادق فاخرة ومؤسسات تجارية صاخبة، وفيها شبكة جيدة من الطرق الرئيسة مثل طريق الشيخ راشد وطريق المطار؛ ما يسهّل الوصول إلى أجزاء أخرى من المدينة. ويجعل منها موقعها الاستراتيجي، وقربها من مطار دبي الدولي والمراكز التجارية، منطقةً مرغوبًا فيها للسكان والشركات؛ ما يفسّر المشهد

الحضري الدينامي في دبي، فهي منطقة متعددة الاستعمالات ذات مرافق سكنية وتجارية وترفيهية. إنها دراسة حالة مثالية لفهم تأثير التحضر السريع، وخاصة قضايا القدرة على تحمّل تكاليف الإسكان

والتكامل الاجتماعي والاستدامة البيئية.

(34) Ibid.

الشكل (1) القرهود منطقة نابضة بالحياة تقع شرق دبي قرب مطارها الدولي

المصدر: خرائط غوغل.

2. طرائق جمع البيانات وتحليلها

اعتمدت الدراسة طريقة متعددة المناهج، تضمّنت الزيارات الميدانية والملاحظات المنظمة

والمقابلات شبه المنظمة والمسوحات الإلكترونية، وتناولت كلّ طريقة أبعادًا محددة للتحديات الحضرية. وجرى تنفيذها في آب/ أغسطس.2024 هدفت الزيارات الميدانية والملاحظات المباشرة للمواقع إلى جمع رؤى مباشرة حول الديناميات المكانية والاجتماعية في منطقة القرهود. وركّزت الزيارات على جودة الإسكان وتوافره من خلال تقييم أنواع الإسكان المتاحة وظروفه، بما في ذلك الخيارات الميسورة التكلفة، والبنية التحتية ووسائل الراحة من خلال تقييم توافر الخدمات العامة وجودتها مثل النقل والرعاية الصحية والتعليم والمرافق الترفيهية، والتفاعلات الاجتماعية والحياة المجتمعية من خلال ملاحظة أنماط التفاعل الاجتماعي وتماسك المجتمع وجمع بيّنات على الفصل الاجتماعي أو الاندماج الاجتماعي. وقد

جرى تقييم 20 وحدة سكنية من أنواع إسكان مختلفة. واستُعمل نموذج موَّحَد لتسجيل الملاحظات،

على نحو منهجي، حول جودة الإسكان والبنية التحتية والتفاعلات الاجتماعية. واستُعملت كاميرات عالية الدقة لالتقاط أدلة بصرية للظروف الحضرية والهندسة المعمارية والأماكن العامة. وتشتمل

بيانات الإسكان المجمّعة على ما يأتي: عمر المبنى (على سبيل المثال: 15 عامًا)، وحالة الصيانة

(مصنفة على مقياس من 1 إلى 5)، ووسائل الراحة (قائمة المرافق المتاحة: صالة الألعاب، وحمام سباحة، ومواقف السيارات)، ومعدلات الإشغال (نسبة الوحدات المشغولة). ومن أجل تقييم البنية التحتية، اعتُمد نهج يهدف إلى تغطية شاملة للمنطقة، بما في ذلك الطرق الرئيسة والمرافق العامة، لضمان شمولية عملية التقييم ودقتها. أجريت المقابلات وجهًا لوجه، واستغرقت منُ 30 إلى 04 دقيقة، مع مجموعة متنوعة من الأطراف المعنية، وهم: عشرة من السكّان، وثلاثة من مخططي المدن، ومسؤولان حكوميان، ومطوّران. ثم فُرّغت

التسجيلات الصوتية لأغراض التحليل. وُأعدّ استبيان مرن لتوجيه المحادثات مع الأطراف المعنية، ما يسمح باستجابات مفتوحة. وهدفت المقابلات إلى جمع وجهات نظر متعددة حول التحديثات الحضرية التي تواجه منطقة القرهود والحلول المحتملة. وشملت أسئلة المقابلات موضوعات التخطيط الحضري والتنمية، مع التركيز على استقصاء رؤى حول ممارسات التخطيط الحضري الحالية وتأثيرها في الإسكان والحياة المجتمعية، وإمكانية تحمّل السكان تكاليف الإسكان والانتفاع

منها، وتحديدًا تجاربهم مع الإسكان الجيد، والمجتمع والتكامل الاجتماعي بهدف اكتساب وجهات نظر حول التماسك الاجتماعي، والهوية المجتمعية، ودمج المهاجرين. وُزعَت الاستبيانات إلكترونيًا لجمع بيانات كمية عن رضا السكّان المستجيبين وإمكانية تحمّلهم

تكاليف السكن، مع تصنيفهم بناء على العمر والدخل والجنسية. وهدفت العيّنة إلى تقديم مقطع عَرضي

يمثل المشهد الحضري وسكّان القرهود، والتأكد من أنّ البيانات تعكس الجوانب المتنوعة لتحديات التنمية في المنطقة. وجرى تحليل البيانات المجمّعة من الزيارات الميدانية والملاحظات والمقابلات

لتحديد الموضوعات والأنماط الرئيسة (التحليل الموضوعاتي Thematic Analysis) بالاستعانة ببرنامج NVivo. وركّز التحليل على تقييم رضا السكّان عن جودة السكن وإمكانية تحمّلهم تكاليفه

والانتفاع بالبنية التحتية العامة ووسائل الراحة، إضافة إلى استكشاف تصورات عن الاندماج المجتمعي والتحديثات البيئية. وجُمعت الردود على الاستبيانات باستعمال نماذج غوغل Google Forms، وكان

عدد المكتمل منها 24 استبيانًا. اختيرت الوحدات السكنية العشرون التي جرى تقييمها، لتغطي أنواعًا متنوعة من المساكن وظروف الصيانة. وصُممت العينة المستخدمة في المقابلات بعناية، لضمان تمثيل الأطراف المعنية لمجموعة

متنوعة من وجهات النظر (التي لدى السكّان والمخطّطين والمسؤولين والمطوّرين). واعتمد

الاستطلاع الإلكتروني عينات طبقية، لضمان تغطية المجموعات السكانية الرئيسة، لتعزيز موثوقية النتائج الكمية. وجرى تحليل البيانات المجمّعة، من خلال مجموعة من الأساليب الكمية والنوعية. جرى تحليل نصوص المقابلات والملاحظات الميدانية والتوثيق المرئي، باستخدام نهج التحليل الموضوعاتي (الثيمي)، واستُعمل برنامج NVvio لترميز الأنماط عبر البيانات النوعية وتحديدها. وركز التحليل على البنية التحتية والخدمات الحضرية (تقييم كفاية البنية التحتية، وإمكان الانتفاع بها،

وجودتها)، والتأثيرات الاجتماعية والبيئية (تقييم التفاوتات الاجتماعية، وتماسك المجتمع، والاستدامة البيئية)، وديناميات الإسكان (تحليل القدرة على تحمّل التكاليف، والجودة، وظروف صيانة الإسكان). أما التحليل الكمّي، فجرى تحليل البيانات المستخلصة من المسوحات والسجلات الميدانية باستعمال

إحصاءات وصفية (على سبيل المثال: المتوسطات، والنسب المئوية) لتحديد الاتجاهات العامة والتحقق من صحة النتائج النوعية. ودعمت البيانات الكمية التحليلَ الموضوعاتي، من خلال توفير رؤى قابلة للقياس حول رضا السكّان، وظروف الإسكان، وجودة البنية التحتية.

ثالثًا: النتائج

يعالج ويدمان وسلامة ديناميات أحياء المهاجرين التقليدية معالجة عميقة، مشيرَين إلى دورها

التاريخي الحاسم في تشكيل المشهد الحضري لمدن الخليج؛ إذ إنها تتميز عادة بكثافة سكانية عالية وهياكل سكنية غير رسمية ومساحات متعددة الاستعمالات، وغالبًا ما تتطور تطورًا عضويًا، حيث

يبحث المهاجرون عن مساكن ميسورة التكلفة وفرص عمل، ما يؤدي إلى نسيج حضري نابض بالحياة، ولكنه فوضوي في بعض الأحيان. ويتميز السكن في هذه الأحياء عادةً بقدرة ساكنيها على تحمّل التكاليف وعدم رسميته (الشكل 2). ويجد المهاجرون في المقام الأول من الفئات ذات الدخل

المنخفض والمتوسط ملاذًا في هذه المناطق، حيث تكون تكاليف السكن أقل مقارنةً بالأجزاء الأكثر ثراءً في المدينة. وغالبًا ما تكون المباني قديمةً وسيئة الصيانة؛ ما يؤدي إلى ظروف معيشية دون

المستوى. وتشيع فيها الاكتظاظ السكاني، حيث تتقاسم العديد من العائلات أو الأفراد شققًا صغيرة. الشكل (2) وحدة سكنية في أحياء المهاجرين التقليدية

المصدر: من تصوير الباحثة.

(35) Florian Wiedmann & Ashraf M. Salama, Building Migrant Cities in the Gulf: Urban Transformation in the Middle East (London: Bloomsbury Academic, 2021).

وعلى الرغم من التحديات التي تواجهها هذه الأحياء، فإنها توفر حلولًا سكنية أساسية للمهاجرين

الذين قد لا يتمكنون من تحمّل تكاليف العيش في المدينة. وتتميز بتنوعها الثقافي؛ ما يعكس الخلفيات

المتنوعة لسكانها. وتزخر أيضًا بالأنشطة الاجتماعية والثقافية، حيث تلبّي الأسواق والمطاعم

والمؤسسات الدينية والمراكز الثقافية الاحتياجات المحددة لمجتمعات المهاجرين المختلفة. ويتسم نسيجها الاجتماعي بأنه متماسك بإحكام، مع شبكات مجتمعية قوية تقدّم الدعم والتضامن. ويعتمد

السكان على هذه الشبكات للمساعدة في فرص العمل والدعم المالي والتكامل الاجتماعي؛ ما يخلق شعورًا بالانتماء والتماسك المجتمعي. ويستكشف ويدمان وسلامة مفهوم التوسع الحضري

اليومي المعاصر، الذي يسلط الضوء على الطرائق التي يشكّل بها الناس العاديون بيئاتهم الحضرية

ويختبرونها يوميًا (الشكل 3). ويركز هذا المنظور على الجوانب غير الرسمية والعفوية والقاعدية

للحياة الحضرية، ويتناقض على نحو حاد مع النهج من أعلى إلى أسفل للتخطيط الحضري الرسمي الذي جرى تطويره عادة في مدينة الخليج. الشكل (3) الممارسة المكانية للعمال المهاجرين: استعمال الرصيف في أنشطة مختلفة بما في ذلك التجمع لأغراض اجتماعية

المصدر: المرجع نفسه، 20 آب/ أغسطس.2024

(36) Ibid.

يتسم المشهد الاقتصادي لهذه الأحياء بالتنوع، وغالبًا ما يكون غير رسمي؛ حيث تنتشر فيها الشركات

الصغيرة والباعة المتجولون والمؤسسات المنزلية، ما يوفر فرص عمل حيوية للسكان. وتؤدي هذه الأنشطة الاقتصادية دورًا أساسيًا في تأمين سبل عيش العديد من المهاجرين الذين قد لا يتمكنون من

الوصول إلى فرص عمل رسمية، بسبب الحواجز القانونية أو التعليمية أو اللغوية. وفاضلًا عن ذلك، تبرز روح المبادرة بوضوح في هذه المجتمعات؛ حيث ينشئ العديد من المهاجرين شركات صغيرة لتحسين وضعهم الاقتصادي والإسهام في الاقتصاد المحلي.

1. القدرة على تحمّل تكاليف السكن وأنماط الإشغال

منطقة القرهود موطن لمجتمع متنوع، يضم عددًا كبيرًا من ذوي الدخل المنخفض، الذين يعيشون

غالبًا في وحدات سكنية أقدم وأكثر تكلفة، على النقيض من الفنادق الفاخرة في المنطقة والمؤسسات

التجارية الحديثة في مناطق أخرى من دبي. وعلى الرغم من قرب المنطقة من مطار دبي الدولي الصاخب ومراكز الأعمال الرئيسة، فإنّ السكان من ذوي الدخل المنخفض يواجهون تحديات من قبيل ارتفاع تكاليف المعيشة ومحدودية الانتفاع من خيارات الإسكان الميسور التكلفة. ومع أن العديد منهم هم من العمال المهاجرين الذي يسهمون بفاعلية في الاقتصاد المحلي، فإنهم يعانون ظروفًا معيشية مزدحمة ووسائل راحة عامة ضئيلة. لقد كشف الملاحظات المباشرة وبيانات المسح عن تباين واضح في جودة الإسكان والقدرة على تحمّل التكاليف داخل منطقة القرهود. وبيّنت الزيارات الميدانية لعشرين وحدة سكنية أن المباني

القديمة ذات الصيانة السيئة يشغلها في الغالب سكان من ذوي الدخل المنخفض؛ ما يعكس الفجوة في خيارات الإسكان بأسعار معقولة. وأبرز التحليل الكمي أن 70 في المئة من السكان في المباني القديمة يعيشون في حالة من الاكتظاظ، حيث يتشارك العديد من العمال أو العائلات مساحة محدودة من أجل تدبير تكاليف الإيجار المرتفعة. وفي مقابل ذلك، أظهرت الوحدات السكنية الفاخرة الأحدث معدلات شغور عالية تجاوزت 04 في المئة، لا سيّما في المشروعات الراقية؛ ما يؤكد أن

ثمة اختلالًا في المعروض من المساكن. وقد عكست المقابلات مع السكان هذه النتائج: وصف أحد المستجيبين من ذوي الدخل المتوسط كيف اضطر هو وأسرته، نتيجة ارتفاع الإيجارات، إلى الانتقال ثلاث مرات خلال السنوات الخمس الماضية. وفي حين أكّد المطورون ربحية المشروعات الراقية، أقرّوا وجود حوافز محدودة لبناء مساكن بأسعار ميسورة. وتدعم المصادر الثانوية هذه الملاحظات.

فعلى سبيل المثال، وثّق فارد وساديدي اتجاهات مماثلة في ديناميات الإسكان في جميع مدن

الخليج، حيث تعطي المشروعاتُ الراقية عائداتِ المستثمرين الأولويةَ على القدرة على تحمّل

التكاليف. وإضافةً إلى ذلك، يسلط كَنّا الضوء على الانقسامات الاجتماعية والمكانية التي تفاقمت بسبب المشروعات الفاخرة في دبي، بما يتماشى مع النتائج المستخلصة من هذه الدراسة.

(37) Fard & Sadidi. (38) Kanna.

يجنح تطوير البنية التحتية إلى منح المشروعات الراقية الأولوية، ويتجاهل في الغالب المجتمعات ذات الدخل المنخفض. ويُبرز هذا التفاوت الاجتماعي والاقتصادي التحديات الحضرية الأوسع

نطاقًا في دبي، حيث لم يشمل نفع حركة التحضر السريعة والنمو الاقتصادي جميع شرائح السكان على نحو موَّحَد؛ ما يؤكد الحاجة إلى استراتيجيات تخطيط وتنمية تشمل الجميع. يُظهر تحليل سوق الإسكان في منطقة القرهود زيادة كبيرة في أسعار الأراضي طوال العقد الماضي،

تسببت فيها حركة التحضر السريعة وتطوير المشروعات السكنية والتجارية الراقية؛ ما أدى إلى ارتفاع قيمة الأراضي باستمرار. ونتيجة لذلك، أصبح من الصعب على السكان من ذوي الدخل المتوسط والمنخفض العثور على مساكن بأسعار ميسورة؛ ما نجم عنه معدلات شغور مرتفعة جدًا في العقارات الفاخرة، في مقابل اكتظاظ شديد في المباني القديمة والأقل صيانة. ويظلّ نقص المساكن الميسورة التكلفة قضية بالغة الأهمية في القرهود؛ إذ إن معظم أعمال التطوير العقاري الجديدة في دبي هي شقق وفيلات فاخرة، لا يتحمل تكلفتها معظم السكان من ذوي الدخل المتوسط والمنخفض. وقد أنتج هذا الوضع فجوة سكنية كبيرة، حيث يتجاوز الطلب على المساكن الميسورة التكلفة العرض كثيرًا.

2. البنية التحتية والخدمات العامة

أدت زيارات المواقع والمقابلات إلى تقييم البنية التحتية العامة، كاشفةً عن توزيع غير متكافئ. ففي حين تستفيد منطقة القرهود من موقعها الاستراتيجي وربطها بالطرق وقربها من مطار دبي الدولي، فإن وسائل النقل العام فيها لا تزال متخلفة. ويعتمد أغلب المستجيبين في الاستطلاع على المركبات الخاصة؛ ما يؤدي إلى تفاقم الازدحام المروري، وإطالة أوقات التنقل، وزيادة التلوث البيئي. وأكدت المقابلات مع مخططي المدن والمسؤولين الحكوميين انعدام التخطيط المتكامل للنقل العام، وخاصة للفئات ذات الدخل المنخفض. وأسفر هذا النقص عن تفاقم تحديات التنقل الحضري؛ ما يؤدي إلى زيادة التلوث البيئي والحد من جودة الحياة عامة. دلّت ملاحظات الأمكنة العامة على وجود مساحات خضراء ومرافق ترفيهية ضئيلة، وهي ضرورية لرفاهية المجتمع. ومع أن منطقة القرهود تتمتع ببنية تحتية متطورة، فإن ثمة تفاوتات في توافر المرافق الصحية والتعليمية وجودتها. وقد فرض النمو السكاني السريع ضغوطًا على الخدمات القائمة؛ ما أدى إلى اكتظاظ المستشفيات والمدارس. وهناك حاجة إلى المزيد من الاستثمار في هذه الخدمات العامة الحاسمة لتلبية متطلبات السكان المتزايدين. ويعدّ ضمان الرعاية الصحية والتعليم الكافَّيَين أمرًا

ضروريًا للتنمية الحضرية المستدامة ورفاهية السكان.

3. التماسك الاجتماعي والحياة المجتمعية

أبرزت أنماط التفاعل الاجتماعي، التي رُصدت أثناء زيارات المواقع، انقسامًا ملحوظًا. ففي حين

تعمل مجموعات الإسكان التقليدية على تعزيز المجتمعات المتماسكة، ولا سيما بين السكان

المهاجرين، تبدو التطورات الجديدة متشظية اجتماعيًا. ولهذا، شدد الأشخاص الذين جرت مقابلتهم

على الافتقار إلى التخطيط الشامل؛ إذ لاحظ أحد السكان المحليين "أنّ الإسكان الفاخر يخدم فئة سكانية واحدة، ويظل العمال والأسر محرومين منه"، كما أكد مخططو المدن غياب المساحات المشتركة لتعزيز التكامل. وقد دعمت نتائج المسح الكمي هذه الرؤى، حيث أفاد 67 في المئة من المستجيبين أن فرص المشاركة المجتمعية محدودة. وتتماشى هذه النتيجة مع التحليل الموضوعاتي الذي أكّد الحاجة إلى سياسات تعزز المساحات العامة والمرافق المشتركة. وبيّنت المقابلات مع المقيمين إشكاليات متعلقة بالعزل

الاجتماعي والافتقار إلى اللحمة المجتمعية. وقد كانت تكاليف المعيشة المتزايدة في منطقة القرهود سببًا في نزوح السكّان من ذوي الدخل المنخفض، الذين يمثّلون جزءًا حيويًا من الاقتصاد المحلي،

ولكنهم مجبرون على العيش في مناطق يصعب الوصول إليها. وتؤكد المصادر الثانوية هذه النتائج، فيوثّق ويدمان وسلامة دَور أحياء المهاجرين التقليدية في تعزيز حركة التحضر اليومية والشبكات الاجتماعية، على النقيض من التفتت الملحوظ في التطويرات الأحدث. تعكس العلاقة بين الإماراتيين والمهاجرين بُعدًا آخر للتحديات المتعلقة بالتماسك الاجتماعي في

القرهود. فقد أظهرت الملاحظات والمقابلات أن التفاعل المباشر بين هاتين المجموعتين محدود، وغالبًا ما يتأثر بانقسامات اجتماعية واقتصادية. يميل الإماراتيون إلى السكن في مناطق سكنية

راقية، في حين يتركز العمال المهاجرون في مساكن أقدم وأقل صيانة؛ ما يقلل من فرص المشاركة الاجتماعية. ويصف ناغي أنماطًا مماثلةً من الاندماج المحدود، ويعزو ذلك إلى التفاوتات الثقافية والاقتصادية. ومع ذلك، غالبًا ما تعتمد مجتمعات المهاجرين على الشبكات الاجتماعية غير

الرسمية داخل مجموعاتها للتنقل في الحياة الحضرية؛ ما قد يعزز الفصل عن غير قصد.

4. التحديات البيئية

يشدد ميهتا وكومار على التدهور البيئي نتيجة حركة التحضر السريعة في مدن الخليج العربي. وفي هذا السياق، يدعو طالب وشاربلز إلى تصميم حضري مستدام مشيّد خصيصًا للظروف المناخية

المحلية، الذي يمكن أن يخفف من بعض القضايا التي رُصِدت في القرهود. وقد وثقت الملاحظات

مخاوف بيئية مماثلة، بما فيها ارتفاع مستويات التلوث والإجهاد الحراري اللذان تفاقما بسبب التطورات الكثيفة الشاهقة. وأثار الأشخاص الذين جرت مقابلتهم مخاوف بشأن تناقص المساحات الخضراء. وتعزز هذه النتائج الحاجة إلى التدخلات الحضرية المستدامة، مثل الممرات الخضراء وحلول الطاقة المتجددة. ويشكّل التدهور البيئي مصدر قلق كبيرًا، حيث أدت حركة التحضر السريعة

(39) Wiedmann & Salama. (40) Nagy. (41) Mehta & Kumar. (42) Taleb & Sharples.

إلى زيادة التلوث والضغط على الموارد الطبيعية، وأسفر تشييد المباني الشاهقة وشبكات الطرق الواسعة عن فقدان المساحات الخضراء وتدمير الموائل الطبيعية. فاضلًا عن ذلك، يسهم الاعتماد على المركبات الخاصة في تلوث الهواء وانبعاث الغازات المسبّبة للانحباس الحراري العالمي.

وهناك حاجة إلى عملية تخطيط حضري أكثر استدامة تعطي الحفاظ على البيئة الأولوية، وتقلل من البصمة البيئية Ecological Footprint للبيئات الحضرية.

5. حالة مطار دبي الدولي

أعلن مؤخرًا أنّ مطار آل مكتوم الدولي في دبي سيحلّ محلّ مطار دبي الدولي الحالي في منطقةُ

القرهود. وعلى الرغم من أنّ تشغيل المطار سيستغرق عدة سنوات، وأنّ المحادثات انصبّت

حتى الآن على نحو رئيس على ترتيبات المطار الجديد ومَرافقه، فإنّ من المهم التشديد على أنّ هذا التحول يمكن أن يكشف عن بعض التحديات والفرص الحضرية ذات الصلة بمدينة دبي. ومع الزيادة المتوقعة في عدد السكان بنحو ستة ملايين عام 2040، والتدفق الهائل للعمالة الأجنبية الجديدة والعمال من ذوي الياقات البيضاء، فإن من شأن هذا النمو السكاني أن يؤدي إلى تفاقم مشكلة عدم قدرة معظم السكان المهاجرين على تحمّل تكاليف السكن. ولكن يمكن أن توفر أرض القرهود، نظرًا إلى قرب المطار من المدينة القديمة، فرص إعادة التطوير لمعالجة النقص

في الإسكان الميسور التكلفة (الشكل.)4 وفي المقابل، يبرز خطر يتمثل في تحويل مطار دبي الدولي إلى مشروع ضخم آخر رفيع المستوى؛ إذ قد يؤدي ذلك إلى تسريع عملية التحديث الحضري في منطقة ذات تركيز أعلى من العمال من ذوي الأجور المنخفضة، ونتيجة لذلك قد تنشأ أشكال مكانية تستبعد العمال من ذوي الدخل المتوسط والمنخفض الذين يشكلون ركيزة النموذج الاقتصادي للمدينة. ومن بين المشروعات التي يمكن أن تستلهم دبي منها لتحقيق هذا التحول القاعدة الجوية العسكرية السابقة في بايا ليبار Paya Lebar في سنغافورة، التي تهدف إلى تحويل الموقع الذي تبلغ مساحته 008 هكتار إلى إسكان جديد يضم 160000 وحدة سكنية، إضافةً إلى الوحدات الصناعية والحدائق. ويشمل هذا التحويل الإسكان والحدائق والمساحات العامة التي تدمج تراث سنغافورة مع الاحتياجات الحضرية الحديثة، وكذلك إعادة استعمال عناصر التراث، مثل المدرجات القديمة، في الممرات الخضراء والأماكن العامة. وبالنسبة إلى إعادة تطوير موقع مطار دبي الدولي، فيمكنها أن تستفيد من نهج بايا ليبار من خلال المحافظة على عناصر التراث مثل المدرجات مع دمج المساحات العامة الخضراء وأعمال التطوير المتعدد الاستعمالات التي تعالج المخاوف الإسكانية والبيئية. ويمكن بإعادة تطوير مناطق مثل القرهود (موقع مطار دبي الدولي) إلى مشروعات متعددة الاستعمالات، مع ممرات خضراء مشتركة، الحفاظ على التنوع البيولوجي ومعالجة احتياجات الإسكان والمساحات العامة.

(43) Sahim Salim, "Dubai: Will DXB Airport Close Once Operations are Moved to Al Maktoum International?" Khaleej Times , 1/5/2024, accessed on 9/6/2024, at: https://acr.ps/1L9zQOy

الشكل (4) منظر جوي لمطار دبي الدولي الواقع قرب بعض أكثر الأحياء اكتظاظًا بالسكان في المدينة

المصدر: خرائط غوغل.

خاتمة

تطرح حركة التحضر السريعة في مدن الخليج العربي، التي تتجلى في منطقة القرهود في دبي، تحديات حضرية كبيرة وتحديات للاستدامة. وتسلّط دراسة الحالة الخاصة بدبي الضوء على مفارقة ارتفاع أسعار الأراضي، ونقص المساكن الميسورة التكلفة، ومعدلات الشواغر المرتفعة جدًا، والتفتت الاجتماعي. وقد أدت العولمة التي يقودها رأس المال والتركيز على التطويرات العقارية الراقية إلى تفاوتات اجتماعية وبيئية؛ ما أدى إلى حرمان السكّان من ذوي الدخل المتوسط والمنخفض من فوائد النمو الحضري. وتهدف الدولة من المشروعات الضخمة الواسعة النطاق التي تقودها إلى تحويل المشهد الحضري وتعزيز النمو الاقتصادي. وفي حين جرى تصميم هذه المشروعات لتعزيز المكانة العالمية لمدن الخليج، فإنّها غالبًا ما تخلّف آثارًا جسيمة في المجتمعات المحلية، وخاصة

أحياء المهاجرين. وتتمثل إحدى العواقب الرئيسة لهذه المشروعات في تهجير المجتمعات القائمة؛ إذ إنه مع استثمار المدن في مشروعات التطوير الفاخرة والمجمعات السكنية الراقية والمراكز التجارية، فستواجه أحياء المهاجرين غالبًا خطر الهدم وإعادة التطوير. ويؤدي هذا التهجير إلى

تفكيك النسيج الاجتماعي لهذه المجتمعات وإجبار السكان على الانتقال إلى مناطق أقل جاذبية؛ ما يفاقم قضايا التفاوت الاجتماعي والفصل العنصري. وتهدف المشروعات الضخمة، في العادة،

إلى جذب المغتربين والمستثمرين الأثرياء؛ الأمر الذي يؤدي إلى التركيز على البنية التحتية ووسائل الراحة الراقية. ولكنّ هذا النهج غالبًا ما يتجاهل احتياجات المهاجرين من ذوي الدخل المنخفض

والمتوسط؛ ما يسبب نقصًا في توافر الإسكان الميسور التكلفة والخدمات الأساسية. ونتيجة لذلك،

ليست الفوائد الاقتصادية لهذه المشروعات موزعة بالتساوي، حيث يستفيد من الثروة الناتجة في المقام الأول شريحة صغيرة من السكان. ويمكن أن يؤدي هذا التفاوت الاقتصادي إلى زيادة التوترات الاجتماعية والشعور بالتهميش بين مجتمعات المهاجرين. تشدد عملية التحضّر التي تحدث يوميًا على أهمية الشبكات الاجتماعية والروابط المجتمعية؛ إذ

يعتمد عليها المهاجرون إلى حد بعيد للحصول على الدعم العاطفي وتبادل المعلومات والمساعدة المتبادلة، كما تؤدي المراكز المجتمعية والمؤسسات الدينية والنوادي الاجتماعية دورًا مهمًا في

تعزيز هذه الروابط. ولا تساعد هذه الشبكات المهاجرين على التعامل مع تحديات الحياة الحضرية فحسب، بل تسهم أيضًا في جعل أوضاع أحيائهم الاجتماعية والثقافية حيوية. وغالبًا ما يلجأ السكان

إلى إجراء تعديلات غير رسمية لتتكيف بيئاتهم المعيشية على نحو أفضل مع احتياجاتهم. ويمكن أن تشمل هذه التعديلات وحدات الإسكان لاستيعاب المزيد من الناس، وإنشاء أسواق غير رسمية، واستعمال المساحات العامة للأنشطة الاجتماعية والاقتصادية. وتعكس هذه التعديلات دافع الضرورة وروح الإبداع؛ ما يسمح لهم بالتنقل والازدهار في محيطهم الحضري على الرغم من التحديات التي يواجهونها. وتعدّ المساحات العامة في أحياء المهاجرين حيوية للتفاعل الاجتماعي وبناء المجتمع. وغالبًا ما تقوم الحدائق والساحات والشوارع مقام مواقع التجمعات الاجتماعية والأحداث الثقافية

والأنشطة الترفيهية. وهذه المساحات ضرورية للرفاهية الاجتماعية للسكان، وتوفر فرصًا للاسترخاء

والتواصل الاجتماعي والمشاركة المجتمعية. ويستعملها المهاجرون بطرائق تعكس مساراتهم الثقافية ومعاييرهم الاجتماعية؛ ما يسهم في إيجاد حياة حضرية دينامية فيها. وتمثّل الاستدامة البيئية جانبًا رئيسًا آخر من جوانب عملية التحضر المستقبلية، مع الحاجة إلى

ممارسات التنمية المستدامة التي تقلل من التأثير البيئي وتعزز الحياة الخضراء. ويشمل ذلك الاستثمار في الطاقة المتجددة، وتحسين وسائل النقل العام، وتشييد مساحات خضراء. وفي هذا الشأن، لا تعالج التنمية الحضرية المستدامة التحديات البيئية فحسب، بل تعمل أيضًا على تحسين نوعية حياة السكان؛ ما يجعل المدن أكثر قابلية للعيش وأكثر مرونة. كما يجب إعطاء الأولوية للتخطيط الحضري الشامل الذي يأخذ في اعتباره الاحتياجات المتنوعة للسكان الحضريين. وهذا ينطوي على دمج مجتمعات المهاجرين في عملية التخطيط، وضمان سماع أصواتهم، وتلبية احتياجاتهم. ومن أجل إنشاء "مدينة للجميع"، ثمة حاجة إلى تحولات نموذجية في عمليات التخطيط الحضري في مدن الخليج العربي. ويشمل ذلك إعطاء الأولوية للإسكان الميسور التكلفة، والاستثمار في البنية الأساسية والخدمات العامة، وتعزيز المجتمعات الشاملة والمتماسكة. وتعتبر عمليات

(44) Wiedmann & Salama.

التخطيط الحضري المستدام ضرورية للتخفيف من التدهور البيئي وتعزيز الحفاظ على البيئة. ويتطلب معالجة تحديات التحضر والإسكان بأسعار ميسورة التكلفة في مدن الخليج تدّخلّات سياسية شاملة، تعطي الاستدامة الاجتماعية والبيئية الأولوية. واستنادًا إلى مراجعة الأدبيات، والزيارات الميدانية، والمقابلات، يمكن تقديم التوصيات الآتية: أولًا، توسيع مبادرات الإسكان بأسعار ميسرة وتشجيعها من خلال توفير الحوافز المالية والإعانات والسياسات التنظيمية الداعمة للقطاع الخاص، والتركيز على خلق خيارات إسكان متوازنة تسدّ الفجوة بين أعمال التطوير العقاري الفاخرة واحتياجات السكان من ذوي الدخل المنخفض والمتوسط. ويمكن أن تعالج الحكومات عدم القدرة على تحمّل تكاليف الإسكان، من خلال سياسات مستهدفة

وحوافز وأساليب مبتكرة. ويجب أن تركز هذه الجهود على موازنة أولويات التنمية، لضمان انتفاع جميع مستويات الدخل من الإسكان على نحو عادل. ثانيًا، اعتماد التخطيط الحضري الشامل والتشاركي وإعطاؤه الأولوية؛ إذ إنه يشرك المجتمعات

المحلية على نحو نشط، وخاصة السكان من ذوي الدخل المتوسط والمنخفض، في عملية صنع القرار. ولا بد من التأكد من أنّ سياسات التخطيط تعالج احتياجات الفئات الاجتماعية المتنوعة لإنشاء مدن عادلة وشاملة. ويعطي نهج التخطيط التشاركي الأولوية لإشراك جميع الأطراف المعنية، لا سيّما المجتمعات المهمة؛ ما يضمن دمج احتياجاتهم وأصواتهم في السياسات والمشروعات

الحضرية. ويمكن أن تمكّن أدوات، مثل ورش العمل المجتمعية والميزانية التشاركية ومنتديات الأطراف المعنية، السكّان من صياغة السياسات التي تؤثّر في حياتهم على نحو مباشر. ثالثًا، تعزيز أنظمة النقل العام، من خلال الاستثمار في البنية الأساسية الشاملة للنقل العام للحد من الازدحام المروري، وتعزيز الاتصال الحضري، وخفض التلوث البيئي. هذا فاضلًا عن منح الانتفاع من النقل الميسر الأولوية، من أجل تحسين قدرة السكّان على التنقل والانتفاع بالفرص الاقتصادية. ويمكن أن تطوّر مدن الخليج العربي شبكات النقل المتعدد الوسائط (المترو، والحافلات، وممرات

الدراجات) وتمنح النقل العام الميسر الأولوية. فعلى سبيل المثال، يمكن أن يعمل توسيع شبكة مترو دبي وتكاملها مع خيارات مواصلات بأسعار معقولة (مثل الحافلات وركوب الدراجات) أساسًا

للتنقل الحضري المستدام. رابعًا، تعزيز التنمية المستدامة بيئيًا، بدمج التصميم المستدام في المشروعات الحضرية، مثل

المباني الموفّرة للطاقة، واستثمارات الطاقة المتجددة، والمساحات الخضراء، والحفاظ على التنوع البيولوجي. وفي هذا السياق، تُؤكد الحلول التي تقلل من التدهور البيئي وتعزز قابلية العيش في المناطق الحضرية. وفي هذا، تعمل مبادرة مدينة الحدائق في سنغافورة على تحويل المساحات الحضرية إلى بيئات خضراء، في حين تدمج مشروعات، مثل سد مارينا في سنغافورة، الحفاظ على المياه، وإدارة الفيضانات، والترفيه العام مع تعزيز التنوع البيولوجي. وتفرض سنغافورة معايير البناء

الأخضر بموجب مخطط شهادة العلامة الخضراء. وبناءً عليه، يمكن أن تتعلم مدن الخليج من دمج

سنغافورة للمساحات الخضراء في البنية التحتية الحضرية. خامسًا، تعزيز التكامل الاجتماعي والثقافي، عبر تنفيذ السياسات والبرامج التي تدعم إدماج

مجتمعات المهاجرين من خلال تحسين الانتفاع من الخدمات الأساسية ووسائل الراحة المجتمعية وأنظمة الدعم الاجتماعي. ويُقرن هذا بالتركيز على خلق مساحات تعزز الروابط الاجتماعية ورفاهية

المجتمع. ويمكن أن تستثمر مدن الخليج في المراكز المجتمعية والمرافق العامة والبرامج الاجتماعية التي تعزز شبكات المهاجرين. ويمكن البرامج المشابهة للتعاونيات السكنية أن تمكّن السكانَ من الحفاظ على مساكن بأسعار ميسرة في الأحياء المعاد تطويرها. سادسًا، دمج التصميم الحضري الذي يأخذ الثقافة في الاعتبار، من خلال تطوير المساحات الحضرية

التي تعكس السياقات الاجتماعية والثقافية المحلية، وضمان توافق البنية التحتية مع تقاليد السكان وقيمهم وأنماط حياتهم، وذلك مع التشديد على إنشاء مساحات عامة مشتركة تعزز تماسك المجتمع والحيوية الثقافية. ففي مراكش في المغرب، يعكس تصميم ساحة جامع الفنا الأهمية الثقافية للأماكن العامة، فهي تقوم بأدوار متعددة مثل سوق ومركز ثقافي ونقطة تجمع اجتماعي، وتحافظ على التقاليد مع تلبية الاحتياجات الحضرية. وفي السياق ذاته، يعمل مشروع مشيرب في قلب مدينة الدوحة على إحياء المنطقة التجارية القديمة في المدينة باستعمال مبادئ التخطيط الحضري المستدام والشامل. ومن خلال مزج العناصر المعمارية القطَرية التقليدية مع البنية التحتية الحديثة يعطي المشروع الأولوية للتطوير المتعدد الاستعمالات والمساحات الصديقة للمشاة والمرافق التي تركز على المجتمع. ختامًا، يطرح التوسع الحضري المطّرد في مدن الخليج العربي تحدياتٍ وفرصًا كبيرة. ومن خلال

تبنّي عمليات تخطيط حضري أكثر شمولًا واستدامة وتأخذ في الاعتبار البُعد الثقافي، يمكن أن تعالج

مدن الخليج التحديات الملحّة المتعلقة بالإسكان بأسعار ميسرة والمساواة الاجتماعية والاستدامة

البيئية. ويتطلب هذا تحولًا نموذجيًا في كيفية التعامل مع التنمية الحضرية نحو تنمية طويلة الأجل

تركّز على المجتمع، ويمكن أن تساعد مدن الخليج العربي في تحقيق مستقبل حضري أكثر شمولًا واستدامة.

المراجع

References Al–Sayyad, Nezar. "Urban Informality in the Arab World: A Case for Rethinking Planning Practices." Cities. vol. 85 (2018). Benyahya, L. "The Impact of Mega Projects on Urban Sustainability in the Gulf." Sustainable Cities and Society. vol. 56 (2022). Cohen, Barney. "Urbanization in Developing Countries: Current Trends, Future Projections, and Key Challenges for Sustainability." Technology in Society. vol. 28, no. 1–2 (2006). Elsheshtawy, Yasser. Dubai: Behind an Urban Spectacle. London: Routledge, 2019.

Fard, F. & M. Sadidi. "Housing Affordability in Gulf cities: The Role of Public Policies." Housing Studies. vol. 36, no. 2 (2021). Hanieh, Adam. Capitalism and Class in the Gulf Arab States. New York: Palgrave Macmillan, 2011. Hourani, N. & A. Sussman. "Rethinking The Urban Frontier: Perspectives from the Gulf." International Journal of Urban and Regional Research. vol. 39, no. 2 (2015). K. Alawadi & S. Benkabbour. "Urban Growth and Planning in the Gulf: The Case of Dubai." Journal of Urban Affairs. vol. 45, no. 3 (2023). Kanna, Ahmed. Dubai, the City as Corporation. Minneapolis: University of Minnesota Press, 2011. Lefebvre, Henri. The Production of Space. Oxford: Blackwell, 1991. Mehta, P. & P. Kumar. "Environmental Sustainability in the Gulf Region: A Review of Challenges and Opportunities." Environmental Research. vol. 187 (2020). Nagy, Sharon. "Making Room for Migrants, Making Sense of Difference: Spatial and Ideological Expressions of Social Diversity in Urban Qatar." Urban Studies. vol. 43, no. 1 (2006). Pacione, M. "City Profile: Dubai." Cities. vol. 22, no. 3 (2005). Salama, Ashraf M. Spatial Design Education: New Directions for Pedagogy in Architecture and Beyond. Farnham: Ashgate Publishing, 2016. _______. Architectural education Today: Cross–cultural Perspectives. Berlin: Springer, 2019. Sassen, Saskia. The Global City: New York, London, Tokyo. Princeton: Princeton University Press, 2013. Taleb, Hanan M. & Steve Sharples. "Developing Sustainable Residential Buildings in Saudi Arabia: A Case Study." Applied Energy. vol. 88, no. 1 (2011). Wiedmann, Florian & Ashraf M. Salama. Building Migrant Cities in the Gulf: Urban Transformation in the Middle East. London: Bloomsbury Academic, 2021. Zetter, Roger & Mohammed Hamza. Market Economy and Urban Change: Impacts in the Developing World. London: Earthscan, 2004. Zhang, Y. & L. Tian. "Urban Transformation and Social Inequalities in the Global South: The Case of Dubai." Urban Studies. vol. 57, no. 8 (2020). Zhu, Y. & L. Sim. "Globalizing City Regions: The Role of Urban Mega Projects." Habitat International. vol. 64 (2017).